04‏/07‏/2020

شروط الوقوف مع مصر!

شروط الوقوف مع مصر!
1- ينبغي الوقوف ضد كل صور الاستبداد والفساد والظُلم.
2- رفض توقيع السيسي المنفرد على اتفاقية سدّ النهضة دون الرجوع للشعب وللمتخصصين.
3- وقف فوري لكل أنواع النهب التي يمارسها السيسي في شراء القصور والاستراحات لنفسه، فإهدار مال الشعب هو صورة قبيحة للسرقة.
4- يجب أن تكون في مصر حكومة من أصحاب الكفاءات وصغيري السن وغير المشتركين في فساد الحكومات السابقة.
5- حل مجلس النواب وطرد رئيسه الجاهل.
6- القيام بحملة مصالحة مصرية يقودها أذكياء ذوو علاقات طيبة بدول العالم، وتتقدم مصر نحو إيران وتركيا وقطر، فالمصالحة تُعبّد الطريق لنجاح مصر في قضايا الدولية.
7- سحب أي أوراق ثقة بإسرائيل التي وقفت مع إثيوبيا بالمال والخبرات والسلاح منذ بداية التخطيط لسدّ النهضة دون أن تتلقى كلمة عتاب واحدة من مبارك وطنطاوي ومرسي وعدلي منصور والسيسي، فكلهم متواطئون ضد شعبنا.
8- إعادة الاعتبار للقوات المسلحة المصرية على الحدود والمعسكرات والجبهات، فتحويله إلى جيش بزنس ومشروعات خضار وجمبري وسرقة الدور المدني من الشعب لصالح القوات المسلحة كان له أسوأ الأثر على اقتصاد الوطن إلا إذا وافقنا الحمقى بأن النهضة هي بناء كباري وطُرق ليدخل جيوب الجنرالات منها عمولات من الحرام.
9- نعم، الاخوان المسلمون فشلوا، وفتحوا الطريق لقوى التطرف، وسمحوا بدخول مئات الآلاف من قطع السلاح لسيناء وهم ليسوا فصيلا وطنيا؛ إنما مهووسون بحُكم ديني، لكنهم أيضا مصريون يجب إيجاد طريق وسط للمصالحة معهم، على مضض، وإدخالهم في الجسد المصري مرة أخرى بدون شروط دينية. الاخوان المسلمون بدعم دولي يستطيعون بناء حُلم السلطة للعودة إلى الاتحادية، وعلى الرئيس الذكي في مصر، وأنا بالمناسبة لا أثق قيد شعرة في السيسي، أن تعيد تأهيلهم من جديد، والإفراج عن معتقليهم.
10- الدولة التي يحكمها قضاة جهلة وقساة وأنصاف أميين كأنها تعيد الاستعمار من باب العدالة الظالمة.
11- نقف مع مصر عندما يتم طرد تسعة أعشار الإعلاميين المصريين في الفضائيات، فهم مُشعلو الفتن، ومروجو الشائعات، وحشاشو اللسان، وأجهل من القردة. واختيار أي رئيس لهم أو اختيارهم له هزيمة كبرى لمستقبل مصر.
12- إلغاء قوانين الطواريء المكبلة للشعب، فالشعوب المقيدة لا تمارس الدفاع عن نفسها، وما دام السيسي وعسكره وشرطيوه ومرشدوه يحرمون المصريين من التنفس الحر، والتظاهر السلمي، والاحتجاج الآمن فإن أي قوة معادية من سيناء أو من الجنوب أو أي حدود مصرية ستُنزل الهزيمة بجيش عقيدته هي حماية النظام فقط.
13- الافراج الفوري عن كل المعتقلين الأبرياء خاصة شباب يناير الذين دفعوا الثمن غاليا وبدون محاكمات عادلة، وانتقم منهم السيسي لئلا يتعلم غيرهم قيمة الدفاع عن الوطن.
14- وقف تقريب المرشدين والمطبلين والمهللين والجبناء وكلاب السلطة، ومنع إرشادات الأمن الوطني للإعلاميين أن يقولوا ما يريده سيد القصر فقط.
15- إلغاء حقارة وقذارة وعفن تعديل الدستوررغم أنف الشعب، ومدّ فترة حُكم الديكتاتور ونقل السلطة إلى ابنه، فالصمت هنا ليس وقوفا مع مصر؛ إنما ضدها.
16- إبعاد أيدي وألسنة رجال الدين الإسلامي والمسيحي عن التأييد الروحي للرئيس، فالسيسي خادم للشعب، إنْ خدم جيدا شكرناه، وإنْ فرّط وباع وأهدر ركلناه على مؤخرته.
17- وقف تام للقروض فهي كارثة لأحفاد المصريين.
18- إن أوراق القضايا المصرية في يد أمريكا تعني أننا نُسلمها لتل أبيب، فواشنطون في عهد ترامب وبومبيو أخطر على مصر من نتنياهو.
19- ندعم مصر بعدم غض البصر عن خطايا وجرائم وسرقات وفساد رئيس الدولة ومعه كلابه.
20- أهم شرط للوقوف مع مصر كما قال عبد الرحمن الكواكبي في طبائع الاستبداد" وعلى الرعية أن تكون كالخيل، إنْ خُدمت خــَــدمتْ، وإنْ ضُربتْ شرستْ؛ وعليها أنْ تكون كالصقور، لا تُلاعَب ولا يُستأثر عليها بالصيد كله".
تلك هي رؤيتي لشروط الوقوف مع مصر، فنحن مع بلدنا سواء حكمها ملاك أو شيطان، طيب أو ابن ستين كلب، شريف أو لص، وطني أو خائن، فهي في القلب ولا تحتاج لحملة إعلامية من المُلوثين لتقنعنا أن نقف مع أهلنا وأرضنا وبلدنا ووطننا الأم.
هل أنا مخطيء في الشروط المذكورة أعلاه؟

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 4 يوليو 2020

25‏/06‏/2020

عيد ميلاد سمو الشيخ نواف الأحمد!

عيد ميلاد سمو الشيخ نواف الأحمد!

اليوم 25 يونيو عيد ميلاد سمو الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، ولي عهد الكويت!
نادرا ما تجتمع السلطة والتواضع؛ لكنها تتوْأَمتْ معه!
ونادرا في عصرنا ما يكون وزيرُ الدفاع فارسا قبل جنوده، لكن الفروسية شهدت لحظات نادرة في تاريخ الكويت عندما رفض الشيخ نواف الأحمد أن يغادر مقرَه بعدما اقترحت جحافل الغزو العراقي فأصبحت قاب قوسين أو أدنىَ، فرفض أن ينتقل قبل أن يطمئن على جنوده.
ونادرا ما تكون مساحةُ الغضب من الأصدقاء صغيرة فيتركها للزمن حتى تذيبها الأيام، وهكذا كان طوال عُمره، أطاله الله.
ونادرا ما يُجْمع كل أعضاء مجلس الأمة على رجل واحد، وليــًا للعهد، فإذا بكل صوت تحت قبة البرلمان يصوّت له كأنه صيادُ قلوب قبل أن يصبح الرجلَ الثاني في الديرة.
ونادرا ما يشعر الوافدون والمقيمون والزائرون بمساواتهم مع مضيفيهم في رؤية رجل دولة؛ فكان سمو الشيخ نواف الأحمد في كل مناصبه قبل ولاية العهد حالة حب تساوي بين المواطن وبين ضيفه الوافد.
رأيت الوجه المشرق لسمو الشيخ نواف الأحمد عشرات المرات، التي حكيت عنها من قبل، وما خذلني أبدًا.
أول تعارف كان عام 1985 وأول استقبال سموه لي في وزارة الدفاع كان عام 1988 حيث شعرت بأنني التقيت بالكويت كلها للمرة الثانية؛ أما الأولى فكانت في وزارة الإعلام  عندما استقبلني سمو الشيخ ناصر محمد الأحمد الجابر الصباح في حضور الشاعر والإعلامي رضا الفيلي، رحمه الله، فدخلتُ الكويت من أوسع أبوابها، أعني دخلتْ هي ..  واحتلتْ مكانها في قلبي!
تعرفت على أحلام الشيخ نواف الأحمد وزير الدفاع لتكوين جيش قوي، سويسري النهج، لبلد صغير، ولكن جاء الثاني من أغسطس.. يوم الغدر الصدامي فجعل الحُلمَ كابوسا.
وتعرفت على الجانب الإنساني منه عندما كان وزيرًا للشؤون الاجتماعية والعمل فكانت رقته ورحمته وتفهمه لهموم الناس كأنه يرعي كل فرد بمفرده.
وتعرفت على تواضعه الجَمِّ وهو النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية عندما استقبلني فصارحته بأسفي على بيروقراطية المطار وتململ الركاب البريطانيين الذين أوقعهم حظهم مع موظفة كسولة صباح أمس. لم يقل لي بأن هذا ليس شأني؛ لكنه ابتسم بحزن وقال: في العام القادم عندما تقوم بزيارتنا؛ ستجد مطار الكويت في حالة مختلفة ومتقدمة وسريعة تسبقها خدمات مدهشة.
وتعرفت على عبقريته في الحرس الوطني وكان ساعده الأيمن الشيخ سلمان صباح السالم الحمود الصباح أحد أوفىَ المسؤولين الكويتيين له، بل هو تلميذه الأنجب.
وزاد قربي من سموه عندما أصبح وليا للعهد، وجاءتني مكالمة تليفونية من الكويت بصوته الهاديء والوديع والحاسم قائلا: كنت أعرف أنك ستكون أول الفرحين بثقة صاحب السمو بي.
في كل مرة كان يسمح لي أن أطرح أي سؤال يفيدني كصحفي، وأنا بدوري أحترم الخصوصية ولا تخرج كلمة واحدة من المجلس إلى أقرب الناس.
وتعرفت على حزمه وحسمه وإصراره على العودة إلى الكويت والمساهمة في تحريرها، وأكد لي سموه في رسائل فاكس من الطائف في السعودية على العلاقة الأخوية الجميلة، واللقاء في الكويت المحررة بإذن الله.
مرة واحدة في 34 عاما غضب مني عندما قمت بتوزيع كتابين من مؤلفاتي على 91 إعلاميا حضروا الملتقى في فندق شيراتون الكويت، وثارت الدنيا واهتز الحضور، وغضب كثيرون، أغلبهم أطيح برؤسائهم لاحقا، لكنني أحرجت بتصرفي هذا مضيفي سمو ولي العهد الأمين( 8 ابريل 2008).
وامتدت مساحة غضب سموه لعامين كاملين هي الحد الأقصى لغضبه مني، وعدت ضيفا عزيزا مكرما، وأكد لي سموه بقلبه المعادل لمساحة الوطن أنه سيظل الأخ القريبَ لي، وكان هذا أجمل لقاء رغم أن كثيرين من الإعلاميين الوشاة ظنوا أن القلبيـّـن انكسرا مع الكتابين!
34 عاما هي عُمر علاقة رجل دولة بصحفي، وأشهد اللهَ أنني كنت صريحا مع سموه وجازفت بالغضب مرات كثيرة حتى عندما كان وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية وقبل أن يتحدث قلت لسموه: كيف أتكلم وأئمة المساجد من الوافدين لا يستطيعون إحضار زوجاتهم وأولادهم إلى الكويت وهذا لا يستقيم مع العدالة الكويتية.  لم يعاتبني للتدخل في شؤون محلية؛ لكنه وعد بأن يصدر قرارا بإلحاق زوجات الأئمة والخطباء الوافدين بأزواجهم، وكبر الشيخ نواف الأحمد حينئذ في نظري كما لم يحدث قبلها.
34 عاما لم تتغير مشاعري قيد شعرة، فما زلت أحمل لسموه كل المحبة والمودة والاحترام والتقدير، وأيضا الشكر الخالص على سنوات الصراحة، فكان يقول لي: أنت الصحفي الوحيد الذي تحدث علانية في قلب بغداد بحقوق الكويتيين في حدودهم الآمنة، وحملتَ راية الأسرى والمختطفين، وظل موقفك من هموم الكويت ثابتا لا يتغير، في السراء والضراء.
اليوم أحتفل بعيد ميلاد سمو ولي العهد الأمين، داعيا المولى أن يطيل عُمره، وأن يهبه الصحة والشفاء والسعادة .
اليوم أبعث لسمو الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح رسالة تهنئة من القلب، مؤكدا لسموه شكري العميق على كل لحظة دافئة وصريحة ومفيدة وفرها لي لأكثر من ثلاثة عقود.
عيد ميلاد سعيد صاحب القلب الكبير.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

22‏/06‏/2020

الإنصات لأنفاس الأرانب!

الإنصات لأنفاس الأرانب!
كل الطغاة والديكتاتوريين في التاريخين القديم والحديث كانوا يتركون كُوة صغيرة يتنفس منها المواطن ولو لبعض الساعة في كل عام؛ إلا عبد الفتاح السيسي فهو حالة لم يأت التاريخ بمثلها!
إنه يحتقرك، ويزدريك، ولا ينصت إليك، ويمنعك حقوقك، ويختار الأسوأ لإدارة شؤونك، ويُهدر أموالك، ويبيع أرضك وجُزُرك وغازك ونفطك ثم يضع يده في جيبك المثقوب لعله يجد فيه ما أنت في حاجة له لسدّ جوع أبنائك.
يشتري السلاح بأموال القروض وهو كمبارك لم يفكر في بناء مصانع أسلحة لتوفير المال واستقلالية القرار السيادي.

مغرور حتى النخاع رغم جهله الشديد، وأنزل الرعب في كل مسامات جسد المصري وجعل الخوف منه كالهواء تماما لا يستطيع المرءُ الاستغناء عنه لدقيقة واحدة.
أتخيل مصر في عهده بعد عشر سنوات أو عشرين أو ثلاثين ولن يبقىَ فيها كائن حيّ يتنفس أو قرش مثقوب في جيب مواطن أو ذرة كرامة لدى مصفق ركع له أكثر مما فعل مع رب العالمين.

أنا أكتب منذ نصف قرن تقريبا، لكنني لم أعرف يوما واحدًا في أي عهد قبل السيسي فيه كمية من ترهيب وتخويف وتهديد أبناء وادي النيل كما هي في عهد هذا الديكتاتور.
أخشى أن يتم اعتقال أي شخص لا يتبول على نفسه فزعا عندما يسمع اسم السيسي.

الحمقى يُحمّلون الاخوان المسلمين مسؤولية استمرار الديكتاتور خشية عودتهم للحُكم، رغم أنهم لن يعودوا حتى يلج الجمل في سم الخياط، فالاخوان فشلوا مرة واحدة لأنهم لم يختلفوا عن كل الطغاة باستثناء لجوئهم إلى بركات السماء لخداع البسطاء المغفلين.
قرأت طوال عُمري عن الطغاة وشغلتني العلاقة المعقدة بين الطاغية والديكتاتور والمستبد الدراكيولي وبين رعية أقل شجاعة من الأرانب؛ لكنني للحق لم أجد ديكتاتورا أسوأ من السيسي فهو جاهل وفظ غليظ ومخادع ومتعجرف وأوهمه الأوغاد أنه نائب الله على الأرض.
سيدرس المؤرخون هذه الحقبة السوداء من تاريخ أم الدنيا عندما تولى الحُكمَ أجهل المصريين؛ فكاد المصريون يسجدون له من دون الله.
الرجل أدخل يده في صدور المصريين ونزع قلوبهم وأكبادهم وفرغ جماجمهم وقطع ألسنتهم؛ وكلما أوقعهم في كارثة وجدوا له مئة حجة قبل أن يقوم من مقامه.

أخشى أن ينتحر المؤرخون بعد زمن السيسي إذا طُلب منهم الكتابة عن مصر في عهده.
قطعا أنا لا أصدّق من يمتدحه أو يطبل له أو يصفق أو يبرر جرائمه أو يدفعه لمحاربة الدنيا أو يوهمه أنه هو الفتاح العليم أو ينفي حقيقة مقالي هذا لأنني أسمع ضربات ونبضات وطبول وصرخات قلوب تحتضر لتودّع الحضارة وتُدفـــَـن في بطن فأر!
لن أناقش أو أحاور أو أجادل في السيسي أحدًا فقلوبُ المصريين بين إصبعين من أصابعه، بل يمكنني إثبات خطأ من يقول بأن الله، عز وجل، يخطيء، لكنني أعجز عن إقناع مصري( إلا أقل القليل من أهل بلدي) أن حاكمهم يرتكب هفوة واحدة.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 22 يونيو 2020

14‏/06‏/2020

عيد ميلاد تيران وصنافير!

عيد ميلاد تيران وصنافير!
في مثل هذا اليوم منذ ثلاث سنوات وافق البرلمان المصري على تسليم تيران وصنافير المصريتين إلى دولة أخرى قد تمنحهما لدولة ثالثة.
أعضاء السلطة التشريعية المصرية وضع كل واحد منهم حذاءً في فمه( إلا القليل) بعد أن بصق السيسي في وجوههم. في نفس الوقت صمت وخرس أبناء أبطال العبور العظيم ورفضوا أن تكون مهمتهم حماية الأرض المصرية، فهي ليست أرضهم أو أرض آبائهم، لكنها أرض الرجل الذي يخدمهم. والجنرالات الذين حطم آباؤهم أسطورة استحالة عبور القناة؛ أصبحوا اليوم يبولون على يونيفورهم إذا صاح الرئيس أو نظر أو عاتب أو توعد أيا منهم.
القضاة أيضا ابتلعوا أحذية فخرسوا، والإعلاميون التهموا غائطا قبل أن يسجدوا للديكتاتور. عشرات الملايين من المصريين أعرق شعوب الأرض لم يحركوا ساكنا فالعبودية كانت أقوى منهم.
الملائكة هربت من المساجد ومن الكنائس حياءً؛ فهي لا ترفع أدعية المصريين إلى السماء.
الدنيا كلها من بشر وجن وحيوانات ونباتات وأسماك بكت على أحوال أمة كانت ثابتة في نفس الأرض لخمسة آلاف عام، فجاء جاهل وسادي وضعيف فنفخ في أبناء هذه الأمة ليسقط الجميع رعبا وخوفا.

زعم كل خائف أنه يخشى على أهله وأن بائع الأرض يراقبه في اليقظة والمنام وأن أجهزة الأمن تفعص المصريين تحت حذائها ولو هربوا لأقصى الأرض.
اعتبر المشترون انهم اشتروا الأرض المباركة من حشرات كانت منذ مئة عام تقود النهضة في المنطقة فجاء رجل يقنعها أنه أكبر من الله، وأنه الفتاح العليم، وأن المصري لا قيمة له، وأن نضالهم يجب أن ينحصر في رفع القبضة والهتاف ب( تحيا مصر).

قطع الأكاديميون والمثقفون والنخبة والمتعلمون ألسنتهم بأيديهم، وبرروا أحقر عملية بيع لجزء من الوطن سواء بالصمت أو بهراوة الأمن أو بالخوف على مناصبهم.
الديكتاتور في دهشة وهو يضرب كفا بكف ويسأل نفسه: ماذا أفعل بهم ومعهم حتى يغضبوا لكرامتهم؟ هل أبيع الأرض والجُزر والعِرض والغاز والبترول والنهر الخالد؟

لقد فعلت أكثر من كل هذا، وأقنعتهم بأنني إذا رفعت حذائي من على رؤوسهم فسيأتي الاخوان المسلمون ليفعلوا نفس الشيء.
فرح المصريون بهذه الحجة والذريعة فقالوا لن يعود الاخوان مرة مرة فالذُل مع هذا الرجل أرحم من الذل مع أحفاد حسن البنا.
وظل التعامل مع المصريين على انهم حشرات، فالحُكم الديني كالحُكم العسكري، وقسوة الإسلاميين وغلظتهم كجهل العسكر وساديتهم.

وقرر المصريون التوقف عن القراءة والمتابعة والمعرفة والكتاب والنقد والاعتراض لئلا يواجهوا الحقيقة.
وماتت عبقرية الكلمة، واستخدم المصريون الكتب المقدسة في كتم أفواههم، وانتقم الرجل من الذين ثاروا ضد المخلوع الحرامي.

وتبقىَ مشكلة المشاكل: لماذا لا يبكي المصري ويرتعش غضبا ويخرج من القفص ويعلن بشريته وإنسانيته وأن الله نفخ فيه من روحه؟
لماذا لا تسقط دمعة واحدة من عيون مصرية جميلة بعد قراءة هذه الكلمات؟
لماذا يحتقر المصري نفسه إذا أتيت أمامه على ذِكْر حاكمه؟
لماذا أصبح عبور أكتوبر الجديد صيحة( تحيا مصر) فيتخدر الجسد المصري، وينام ابن وادي النيل وهو في حراسه سجّانيه ومعذبيه؟

إذا أراد المصري الهروب من المسؤولية الأخلاقية في كلماتي تلك سيُلقي باللائمة على الاستعمار أو عبد الناصر أو ثورة يوليو أو كامب ديفيد أو القوى العظمى أو أي شيء مضىَ ولا يستطيع محاسبته حتى لا ترىَ عيناه وضميره بائعــَـه الجديد.
سعادتي في دموع مصرية على ما وصلنا إليه في هذا العهد، لكن المصريين يقومون بتوزيع الدموع على كل العهود والجماعات والحُكام حتى تختفي المسؤولية في المجهول.
شكرا لكل من سيبلغني أنه شجّ رأسه في الحائط وبكى على مصر.. وعلى تيران وصنافير.
بالمناسبة اليوم أيضا تاريخ ميلاد المناضل الثوري تشي جيفارا!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 14 يونيو 2020

12‏/06‏/2020

هل يحكم ديكتاتورٌ بلدَك!


هل يحكم ديكتاتورٌ بلدَك!

لا أقصد هنا ديكتاتورًا بعينه كما سيحاول أنْ يتصور الكثيرون؛
لكنني أشير إلى كل ديكتاتور طاغية أمسك بخناق شعبه بفضل الجبناء والساديين والوصوليين
الذين يكرهون شعوبَهم فيساعدون السفاحَ في الإمساك بالسكين قبل ذبح الأبرياء.
كل الأوبئة تحتاج إلى علاج حتى تتوقف عن حصاد البشر إلا الديكتاتور فلا علاج له ومنه إلا بإزالته تماما.
الديكتاتور عبارة عن مستنقع لكل الأمراض المستعصية وفي مقدمتها الكِبْر والاستعلاء والطاووسية!
الديكتاتور كتلة ملتهَبة من البثور والتشنجات والأخاديد النفسية والعصبية والعاطفية.
الديكتاتور يمارس الموت في صورة حياة، وهو
صانعٌ للقبور في الحقيقة وفي الخيال، وهو متسلل إلى عالم البشر من عوالم الشياطين.
الديكتاتور كائن يصنع المرضَ تحت زعم أنه طبيب الفلاسفة، وأن الله خلقه هكذا يصف العلاج حتى لو كان استدعاءَ ملَــَكِ الموت ليُعجّل في قبض أرواح مناهضيه.
الديكتاتور لا يُصدّق أن الله أقوى منه، فهو يبحث عن التصاق اسمه في ذهن المواطن المتلقي باسم الله،
لذا فَهَمَ مستشارو الرئيس المصري أن تسمية أكبر مسجد باسم مسجد الفتاح العليم سيجعله يقترب من مساواته بالمعبود
، فعبد الفتاح تُصبح فتاحا، وتُحذَف( عبد) ليتحول إلى نائب الله على الأرض قبل أن يصل إلى مرتبة الزعيم الإلــَـه
الديكتاتور يحب نفسه ولو كان يبغضها، ويريد أن يتذكر كل أبناء رعيته أنه ( الأخ الكبير) كما وصفه جورج أورويل في كتابه 1984، لهذا كان مشروع صور القائد المهيب صدام حسين حالة من النرجسية المشوبة بالسادية، فأينما يولي المواطن وجهه فسيجد صورة الزعيم الإلــَــه بدلا من (أينما تكونوا فثم وجه الله).
الديكتاتور برغم كراهيته المقيتة لشعبه إلا أن الجانب المعاكس للكراهية قد يبدو للناس كأنه شفافية عاطفية ولو خرجتْ من بين أظافر ملؤها الدم، فأدولف هتلر كان رقيقا مع إيفا براون، وكان أرَقَّ مع كلبِه في الوقت الذي كان يُدَمِّر ويقتل ويحرق الضعفاءَ والخصومَ والمعارضين؛ وكذلك كان التعذيبُ في معتقلات المخلوع اللص حسني مبارك يجري على قدم وساق في الوقت الذي تتحول شغافُ قلبه إلى الأبوة الثانية لحفيدِه الذي أوجعه لاحقا موتُه فأنهكه وضاعف آلامَه وطال عُمرُه مع عذابِ خلع أنبياء 25 يناير الشباب له، واختفاء الحفيد من حياته.
الديكتاتور يثق أن سخرية الدنيا كلها منه لن تُزحزحه قيد شعرة عن كُرسي الحُكم،
بل قد تُطيل السخرية من وجوده لظن الساخرين أنهم أدّوا مهمتهم في المعارضة الصارخة أو الهامسة؛ وهناك آلاف الحكايات عن القذافي وخيمته وعن عيدي أمين دادا الذي طلب من السادات زيارة مصر سابحـًا في النيل، وعن جان بيدل بوكاسا الذي اقترض من فرنسا لتنصيب نفسه إمبراطورا على الجائعين في جمهورية أفريقيا الوسطى، وعن عبد الفتاح السيسي واعتقاده أن الله خلقه ووضع فيه كل العلوم والذكاء...
السخرية ليست تحريضا ضد الديكتاتور؛ إنما تخديرٌ ليستريح المعارضون كأنهم كانوا في ساحة الوغىَ في مناهضة مُعذبهم.
الديكتاتور يتعذب في داخله إذا رأىَ رأســًا مرفوعة، فأنْ ترفع رأسَك أو كتفيك أو صوتَك أو حتى نبرةَ صوتــِك فهذا يعني بداية النهاية لقُربك منه.
وعندما ارتفعت حدة الحديث بين وائل الإبراشي وكامل الوزير تلفزيونيا كان الإعلامي يرتعش والعسكري يهدد مع مديح غث. وبعد أقل من ثلاثة أيام كان الإبراشي يمتدح في عبقرية الرئيس السيسي حتى تنجو رقبته من مقصلة العزل الإعلامي.
الديكتاتور يقف أمام المصفقين والمُهللين مستمتعا بمهانتهم وهو يلقي عليهم توجيهاته نصفَ الإلهية؛ أما السيسي فقد اكتشف نوعا جديدا تماما من إهانه مستمعيه في المؤتمرات، فهو يعطيهم ظهره، ويترك لهم تأمل قفاه بعدما احتضن عشقه الأول والأخير، أي الميكروفون!
مستشاروه يعرفون أنه لم يحضر للحديث إلى الشعب؛ إنما مع مرآته كما كانت زوجة أبي الأميرة في رواية بياض الثلج تحدّث مرآتها صباح كل يوم وتسألها إنْ كان هناك من هو أجمل منها!
الديكتاتور لا يتحمل فكرة وجود مواطن بعيدا عن عينيه أو أذنيه؛
وعندما كان أنور خوجة يحكم جمهورية الرعب.. ألبانيا، كانت الشرطة السرية تأمر سكان البلد المنكوب أن يكتب كل مواطن تقريرًا عن تحركات ونشاطات جيرانه وأصدقائه، وإذا شق عليه الأمر فيكتب تقريرا عن نفسه ويذهب إلى أقرب قسم شرطة ويبلغ عن نفسه في مذكرات يومية مملة ومفصلة.
الإمبراطور الإثيوبي هيلاسلاسي كان يسمع من مستشاريه صباح كل يوم ملخصا للأحاديث التي دارت طوال الليل في شوارع أديس أبابا بين مواطنيه.
في منتصف الثمانينيات جاءني في المكتبة العالمية التي أنشأتها في أوسلو عام 1983 شاب مغربي. رآني استمع إلى كاسيت لخطبة سياسية عن الملك الحسن الثاني.
سألته إنْ كان يريد أن يقترض الكاست، فرفض بهستيريا شديدة خوفا من أن يعرف الملك.
قلت له: لكنك ستسمعه في سيارتك وبمفردك في النرويج وعلى مبعدة آلاف الكيلومترات من القصر الملكي في الرباط.
ردّ بثقة يقينية: حتى لو أغلقت كل نوافذ السيارة فجلالة الملك قادر على الاستماع إلى الخطبة السياسية.
الديكتاتور يرى عُلو ذكاء أي مواطن انتقاصا من قدْر سيد القصر.
في كتاب جيمس سكوت( المقاومة بالحيلة..كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم؟) حكىَ عن أحد العبيد السود في مزرعة سيد أمريكي أبيض؛ قال المسكين: لقد تعلمت كما تعلم غيري من العبيد أن أخفي ذكائي حين ألتقي بسيدي!
في فيلم أمريكي عن رئيس الخدم في البيت الأبيض ظهر نفس المشهد حين سُئل من جانب ضيوف الرئيس عن رأيه في قضية سياسية!
ردّ الخادم متصنعا الغباء والجهل بأنه لا يفهم ما يتحدثون عنه.
انفرجت أسارير الضيوف البيض رغم أن الخادم الزنجي العبد كان أعلم منهم في هذا السؤال بالذات.
فهم السيسي في الحوار التلفزيوني مع ابراهيم عيسى ولميس الحديدي أن الإعلامي الكبير لايُخفي عُلو ذكائه، بعكس زميلته التي رفعت من شأن الرئيس،
حينئذ خرج ابراهيم عيسى من دائرة التحليلات السياسية في عهد الديكتاتور السيسي إلى التحليلات الدينية؛
رغم أن له الفضل في بسط السجاد العسكري بديلا عن الممشىَ الديني الذي مثّله محمد مرسي، فابراهيم عيسى هو الذي أطاح بأباطرة المُقطّم في حلقات مبدعة وصريحة وشديدة عن العفريت الديني الذي أحضره تلاميذ حسن البنا.
وضحتْ معالم البهجة على مُحيــّا الرئيس السيسي حين استمع لكلمة الترحيب بانتخابه في البرلمان التي ألقاها علي عبد العال وهو يرتجف يدين وشفتين؛ فرئيس السلطة التشريعية بدا، حقيقة أو افتعالا، كتلميذ خائب في الثانية الابتدائية، وهنا ظهر الديكتاتور المتخلف كأينشتاين المصري.
الديكتاتور ليس فقط طبيبَ الفلاسفة، لكنه طبيبُ الأطباء ولو كانت معلوماته لا تزيد عن معرفته بفائدة حبة باراست للصداع.
خاف السيسي في مؤتمر خاص بتوجيهاته الحكيمة في معركة فيروس الكورونا أن تجلس وزيرة الصحة بجواره لئلا يضطر إلى إشراكها في عبقريته الطبية،
فأمر مُنظمي المؤتمر بأن يكون مقعد وزيرة الصحة في الصف الثالث خلف الجنرالات فاليونيفورم الكاكي قبل البالطو الأبيض، ووباء الكورونا يخشى البندقية أكثر من خشيته المصل !
الديكتاتور ليس مهووسا فقط بعبودية الشعب لمعرض صوره في كل مكان تقع عينا المواطن عليه، لكن التماثيل أيضا تُجسّد العبودية، فلو مر مواطن في كوريا الشمالية أمام تمثال لكيم يونج أون، أو لوالده، أو لجده المؤسس دون أن ينحني فيمكن أنْ تستدعيه الشرطة السرية وكذلك لو أعطىَ ظهره للتمثال.
هنا تصبح كل عين لمواطن عينا للديكتاتور تُسرع في الإبلاغ عمن يُشم منه أنه قد يحلم بالمعارضة، نفس الأمر ينسحب على مئات الآلاف من المصريين المهاجرين والباحثين عن لقمة عيش كريمة فإذا بهم يعرضون خدماتهم على أجهزة أمن الحُكم في مصر، أي بوقوفهم خط الدفاع المهاجرعن الديكتاتور، في مقابل الشعور بالأمان.
الديكتاتور لا يعيش بدون وشاة، يهمسون في أُذنه، ويتجسسون تطوعا على رعيته من أجل حمايته وحماية أنفسهم.
أسوأ أنواع الوشاة هُم الذين يتبرعون لأجهزة الأمن عن زملائهم في العمل والمؤتمرات، كالسيدة التي أبلغت الشرطة في بغداد عن زميلتها التي طلبت منها تخفيض صوت المذياع حينما كان يذيع خطابا لصدّام حسين، انتهت بثلاثة أسابيع قضتها الموظفة المسكينة في زنزانة باردة.
الغريب أن بين جاليات من عالم الديكتاتوريين من تعيش في قلب الديمقراطية الغربية هاربة من أوجاع الوطن الأم النائم تحت حذاء الديكتاتور، لكنها تُلقي بأبناء وطنها بين أنياب أجهزة الأمن سواء عن طريق البعثات الدبلوماسية أو لدى عودتها فينتهي الاسم في قائمة المترقب وصولهم.
في السبعة والأربعين عاما التي قضيتها في أوروبا، انجلترا وسويسرا والنرويج، التقيت عددا هائلا من مغتربين ومهاجرين يستمتعون بالحرية في الغرب ويدافعون عن الاستبداد في الشرق. يخرجون في مظاهرة من أجل أصغر حقوقهم في الغرب ويغضون الطرف عن عذابات عشرات الآلاف من القابعين ظُلما في سجون لا آدامية في بلادهم الأم.
على العشاء في فندق عاصمة خليجية سألت صحفيا زميلا نصف معارض عن سبب تجنب زملائه الالتقاء بي، رد قائلا: أصارحك الحقيقة؛ فنحن نكتب تقارير ضد بعضنا ونقوم بتسليمها لمباحث أمن الدولة فور عودتنا للقاهرة لنضمن وظائفنا وسلامنا وأمن عائلاتنا، فوظيفتنا الإعلامية هي الدفاع عن الرئيس حسني مبارك.
الديكتاتور يُحدد النسيج الاجتماعي ويُصنّفه طبقات فوق أخرى؛ ويضع المنبوذين في الأسفل ، والمنبوذون هنا هم العبيد الأحرار كالإعلاميين ورجال الدين والأكاديميين وضيوف البرامج الحوارية، فيوحي إليهم أنهم من الطبقة العليا شريطة أن يتلقوا الأوامر من ضباط الأمن في مقابل الاحتفاظ بالصورة اللائقة أمام عائلاتهم.
الديكتاتور يُنصت إلى الشفرة المُتعارف عليها بين طبقة المنبوذين الأحرار، ومن أراد النجاة بأمواله ووظيفته فعليه التأكيد في كل اللقاءات الجماهيرية أو الملتقيات الثقافية والسياسية والدينية والإعلامية والفنية أن توجيهات القائد كان لها الفضل الأكبر؛ وهنا تمُدّ يدُ الدولة له الجزرة بعدما استوعب أن العصا في اليد الأخرى.
الديكتاتور كارثة إنسانية ولعنة على نفسه وعلى البشر.
إنه يكره الرؤوس غير المنخفضة، ولعلنا نتذكر السفيرالوطني معصوم مرزوق الذي لم يطلب أكثر من استفتاء عادل ومراقَب دوليا فإذا نجح السيسي فسينسحب السفير من كل صور المعارضة له وسينخرط في خدمته.
جُنّ جنون الرئيس ولأن القضاء والنيابة والسجّانين والعَسْكر والشرطة عبيدٌ لدىَ الديكتاتور، فقد انتهى الأمر بالقبض على السفير، وصمت المصريون عن بكرة أبيهم.. كالعادة!
الديكتاتور يُعطي مواقع التواصل الاجتماعي فرصة الرقابة الذاتية والرعشة الطوعية،
وكل صاحب موقع أو حساب أو صفحة عليه أن يضع رضا أو غضب الديكتاتور في ذهنه، ويحذف ويحظر كل من يكتب ما يخالف رغبة القصر، من لا تصطك أسنانه وتتصادم ركبتاه فلا مكان له في جمهورية أو مملكة الديكتاتور.
الديكتاتور يصنع في ذهن المواطن الزهايمر السياسي لينسىَ وعودا كاذبة وعهودا باطلة بأنه سيحافظ على الأرض والبحر والنهر والغاز والعدالة والكرامة والمال والبترول والتعليم ومئات بل وآلاف من مفاصل الدولة.
الديكتاتور يُثبّت للرعية اقتناعها بظُلم أجهزة العدالة القضائية، فالمواطن متهم حتى لو لم تثبُت عليه تُهمة، لكنها لذة الحاكم ومزاج رجل الأمن.
الديكتاتور لا يكفيه أنه يحكم؛ إنما حقه على الشعب أن يمتلكه!
تيران وصنافير جزيرتان مصريتان استراتيجيتان في حماية الجيش الوطني. قرر الرئيس بيعهما أو التنازل عنهما رغم المعارضة الظاهرة للشعب.
صمتت القوات المسلحة التي عليها حماية الأرض والبحر والجو، وتم الزج بمن اعترض في سجون تستقبل الوطنيين لتطحنهم.
الديكتاتور كلما كان قاسيا، فظا، غليظ القلب؛ التفّتْ الجماهير حوله، ودافعت عنه، وبررت قذارته، ومسحت بوجهها على عفنه، حتى لو نكث الوعد، وبصق على القسَم الذي كان عهدا بينه وبين محكوميه باحترام الدستور.
كانت همسات الشياطين المستشارين له بتغيير الدستور ليطيل فترة حُكمه ضعفين توطئة لابن من نسله، فكل ديكتاتور كان يُعد ابنَه وريثا، عُدي صدام حسين، أحمد علي عبد الله صالح، سيف الإسلام القذافي، جمال مبارك، جان كلود ديفالييه( هاييتي) وعشرات غيرهم.
يتحول المهللون والمصفقون إلى قردة ترقص، بعدها تنتقل القرود إلى طور الكلاب التي تخدم وتنبح، بعد ذلك تصبح الكلاب خنازير تسمن من طعام الفضلات قبل أن يتم ذبحها.
الديكتاتور لا يتنفس إلا في مجتمع مليءٍ بالبغضاء والفتنة الطائفية ومعارك بين فصائل تسعى كل منها للحصول على دعمه.
الديكتاتور يصنع ماضيه بنفسه، ويزركش فيه ويلونه، ويسدّ ثغراته.
مجلة باري ماتش الفرنسية نشرت في أوائل حُكم الديكتاتور التونسي زين العابدين بن علي صورا له وقد نسج البياضُ الفضي شعْرَ رأسِه.
أمر الرئيس بسحب كل أعداد المجلة من المكتبات التونسية، ومع مرور الوقت اختفىَ من الذاكرة الشعرُ الأبيض ليحل محله شعرٌ أسود وبدلة بيضاء أنيقة ورئيس يصطنع الأدب الجمَّ كلما أمر ببناء سجون جديدة.
كل ديكتاتور يضع صانعوه وصانعهم أمامه صفحة بيضاء ليرسم فيها ماضيه الجديد الذي ستتعامل معه وسائل الإعلام والمعاهد، والمدرسة، والجامعة، الرياضة التي مارسها، الأصدقاء، الحيّ الذي كان يسكنه...
الديكتاتور يحتاج مع السلطة العسكرية سلطة دينية تصبغ القداسة على أحاديثه، وتُقنع البسطاء بالرباط المقدس بينه وبين السماء، وتخيف المعارضين لأن طاعة ولي الأمر من طاعة الله!
الديكتاتور يصنع معارك في الداخل والخارج، ولا يكترث للنصر أو الهزيمة فإعلامه قادر على تحويل أي هزيمة منكرة إلى نصر من الله.
عندما هُزِم الجيش الليبي بأسلحته الثقيلة أمام متمردين في شمال تشاد، وعادت جثامين جنود العقيد معمر القذافي ، قام الإعلام بالاحتفال بالانتصار التاريخي حتى لو كان بين الدبابة الليبية و النبّوت التشادي.
الديكتاتور لا يتلذذ فقط بما يصيب شعبه في الداخل من كوارث وفقر وقهر وإذلال، لكنه يريد أن ينعكس ذلك على مواطنيه في الخارج.
أتذكر كلمة قالها لي صديقي المحامي السويسري دنيس بايو في جنيف عام 1975:
"لقد جرىَ العُرْفُ في العالم كله أن المصري هو المواطن الوحيد الذي لا تدافع عنه حكومته مهما حدث معه في أي بلد"!
وكان ذلك إبان حُكم السادات واستمر مع المخلوع الحرامي حسني مبارك ثم المشير طنطاوي فمحمد مرسي فعدلي منصور وأخيرا السيسي!
الديكتاتور يطير في كل مكان بأجنحة غير مرئية من أجهزة الأمن والاستخبارات فهي خط الدفاع الأول عنه، وفي عصر الإنترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي التي يسيطر على أكثرها جهلة وجبناء وعشرات الآلاف من الحسابات الوهمية تُراقَب كل كلمة تنشرها أو تذيعها يوتيوبيــًا، والوشاةُ من الناس أضعاف المراقبين من أجهزة الأمن، وربما تجد أكثر الوشاةِ من القريبين والأصدقاء، وتجد أحطّهم صديقَ الغُربة .
الديكتاتور يحتاج إلى المال حتى يشتري أو يُسكت أو يُخرس خطوط الدفاع عنه وهنا يمكنه أن يشتري الجنرالات وعائلاتهم ورتبَهم العسكرية ويضع في خدمتهم قصورا وفيلات ومئات الأفدنة وإمتيازات تعلوها سلطة تنفيذية مُفزعة، ويزيح السلطة القضائية بعيدا ليضمن تبرئة رجاله ولو سرقوا ونهبوا الوطن كله.
الديكتاتور يُقيّد الشعب بقروض خارجية لأموال تُساعد في تثبيت حُكمه، فينفق من جيوب الفقراء والضرائب والإتاوة .
الديكتاتور يظهر أحيانا في صورة جماعة من البشر تحت غطاء طائفي أو عسكري أو حروب وهمية أو إبادة جماعية لشهور أو لسنوات مثلما حدث في كمبوديا فأبيد ثلث الشعب وبدتْ أوامر بول بوت كأنها تطهير وطني في صورة مذابح هزت الإنسانية برمتها.
وفي رواندا عام 1994 قتل أبناءُ طائفةٍ أبناءَ طائفةٍ أخرى وحصد مَلـَـكُ الموت أرواح مليونــًــا من الروانديين في ثلاثة أشهر جحيمية، فالشعب هنا هو الديكتاتور.
الديكتاتور يُسَبِّح بحمد الله إذا ذبح بسكين رجل الدين، ويُشهِد اللهَ أنها توجيهات أخلاقية سامية ، والمعبد قادر أن يحشد مهووسين كما يتجمع المهووسون وهم يرجمون امرأة زانية محشورة في حفرة ، ثم يتوجهون لشُكر السماء على نعمة الفضيلة
الديكتاتور يجمع في قبضته السلطة التشريعية والسلطة القضائية ويلصقهما بالسلطة التنفيذية، فهو الحَكَم والمعبد والمحكمة في آن واحد.
الديكتاتور الأخطر هو الأجهل مثل جان بيدل بوكاسا ومعمر القذافي وعيدي أمين دادا وحسني مبارك، وهناك ديكتاتور أرفع ذكاءً مثل ستالين وفرانكو وسوموزا وسالازار ومحمد رضا بهلوي وبينوشيه وموجابي، وهناك الديكتاتور الذي لا يخضع للمعايير المتعارَف عليها، فهو من جنس الذئاب يفترس قبل أن يفكر مثل بول بوت وهتلر وموسوليني ومنجستو هيلامريم.
الديكتاتور لا يتنفس إلا في وجود قانون الطواريء في السلم والحرب، فمصر مثلا لم تعرف في نصف القرن المنصرم حياة خارج قوانين الطواريء وأضاف إليها السيسي منع تجمع خمسة أشخاص في احتجاج سلمي، ثم أصبح رفعُ لافتةِ احتجاجٍ جريمةً ولا أستبعد أن يصبح قريبا المواطن بمفرده تجمعا ممنوعا.
اختيار المسؤول الأكثر جهلا يمنح الديكتاتور الجاهل قيمة كبرىَ، ففي مصر مثلا ينتفخ الرئيس أمام جهل القُضاة ورئيس مجلس النواب وأكثر النواب وأغلب الإعلاميين.
ينام الديكتاتور ولا يحلم مثل باقي البشر ولا تطارده الكوابيس، لكنه يستمتع ويتلذذ ويبتهج كلما نُقل إليه خبر اعتقال وتعذيب سجين، خاصة سجناء الرأي والضمير، فهؤلاء يفكرون خارج الصندوق،
عشرات الآلاف من المعتقلين في مصر وأكثرهم لم يُعرَضوا على القضاء العادل أو الظالم، لكنهم سيظلون خلف القضبان حتى تنتهي فترة حُكم الديكتاتور بالموت أو بالقتل أو بانقلاب مضاد.
هل يوجد ديكتاتور يحب شعبه؟ هذا مستحيل؛ ولكن توجد شعوب تعشق الديكتاتور حتى لو لم يحرّك كرباجه في كل مرة قبل الهتاف له.
الديكتاتور يشهد نهايته بأيدي أبناء شعبه مثل موسوليني الذي أعدمته الجماهير الإيطالية، ومعمر القذافي ، وعلي عبد الله صالح وغيرهم؛
لكنه قد يُزَف إلى العالم الآخر في جنازة شعبية أو عسكرية بعدما تكون مُدة جحيمه الأرضي قد اندست في مسامات جسد الرعية، فحسني مبارك لص ونهــّــاب وهرّب وعذب وزور وزيّف وآذىَ شعبه وأرضه وأعاد الوطن لمئة عام للوراء، وجرائمه لو راكمتها فوق بعضها خلال ثلاثين عاما لوصلت إلى السماوات العُلا، ومرَّ على سجونه ربع مليون معتقل رأي وضمير، وكانت النتيجة جنازة عسكرية يتقدمها رئيس الدولة .. العسكري أيضا، فشياطين القضاء قاموا بتبرئته حتى لا يضطر أي نظام يأتي مستقبلا فيطالب باسترداد مليارات منهوبة ومُهرّبة للخارج.
الديكتاتور يتنفس برئة المواطن الجبان والجاهل والأمي والمنافق والوصولي والفاسد واللص والمزايد دينيا، والأكاديمي الخائف على منصبه.
الديكتاتور يُبغض اللهَ ويراه، عزّ وجل، منافسا له كمعبود، ويضيق صدره بالرسائل الأخلاقية التي يُنزّلها الله للبشر، فقصر الديكتاتور لا يحتفظ برسالة أخلاقية.
في صدر كل إنسان مساحة فراغ مخلوقة ليضع فيها الديكتاتور الخوفَ والجُبنَ والفسادَ والنفاق، أو يحشوها الإنسان النبيل بالشجاعة والسُمو والجمال والوطن حتى يرثها عنه أبناؤه وأحفاده بعد حين.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج في 11 يونيو 2020

06‏/04‏/2020

رضا السيسي من رضا الله!

هل تريد أن تربح رضا الرئيس؟
أنا أفهم أنك تؤمن بأنَّ التنازلَ عن تيران وصنافير هو من أجل مصر، وأنَّ اعتقالَ ستين ألف مواطن أكثرهم بدون محاكمة من أجل مصر، وأنَّ اختيارَ أعفن إعلاميين منافقين للتعبير عن رؤية السيسي من أجل مصر، ومليارات من القروض المُهلـِكة والقاصمة لظهر الوطن في أجيال قادمة هو من أجل مصر، وأنَّ استضافة كل المعاقين ذهنيا من النواب وعلى رأسهم رئيسهم في التلفزيون من أجل مصر، وأن بناء تفريعة قناة السويس من أموال الحصّالة المصرية من أجل مصر، وأن توقيع اتفاق سدّ النهضة مع رفض إثيوبيا هو من أجل مصر، وأن صناعة ثقافة التسوّل في كل مؤسسات الدولة وإعلاناتها من أجل مصر، وأن اعتقال أي منافس للرئيس من أجل مصر، وأن رفض مئة مليون مصري مشاهدة القنوات التلفزيونية المصرية هو من أجل مصر، وأن نكث الوعد في احترام الدستور الذي أقسم عليه ثم عدّله ليحتفظ بالعرش إلى ما لا نهاية من أجل مصر، وأن موتَ السياحة لأن الرئيس لا يعرف ماذا تعني كلمة سياحة هو من أجل مصر، وأن استمرار القُضاة الجهلة والظالمين والمتخلفين هو من أجل مصر، وأن تقسيمَ مصر وخيراتها وأرضها ومناصبها على اللواءات فقط من أجل مصر، وأن غياب أي مشروع وطني وقومي وإصلاحي وثقافي هو من أجل مصر، وأن إنزال الرعب في صدر كل مصري يريد أن يتكلم أو يتنفس أو يختلف هو من أجل مصر، وأن امتلاءَ الفضاء المصري بالمتطرفين والمتشددين المتخلفين دينيــًا هو من أجل مصر، وأن غيابَ أكثر حقوق أشقائــِنا الأقباط وخاصة المساواة المواطــَـنية هو من أجل مصر!
وقد أتفهم أن الكراهيةَ لثورة 25 يناير المجيدة هو من أجل مصر، وأنْ لا مكان لمسؤول أو إعلامي أو كاتب أو ناشر لا يمتدح في الرئيس هو من أجل مصر، وأن نجاة المخلوع اللص مبارك بمليارات الشعب المنهوبة ثم خروج جنازة عسكرية لوداعه إلى مقره مع دود الأرض هو من أجل مصر، وأن رفض الرئيس السيسي وقبله محمد مرسي وقبلهما المشير طنطاوي استرداد أموال الشعب من الخارج هو من أجل مصر، وأن مضاعفة أعداد الفقراء والمتسولين هو من أجل مصر، وأن توسعة مساحة الفساد في كل أرجاء البلد هو من أجل مصر، وأن أربعة أخماس المحافظين لواءات من أجل مصر، وأن حجب زُرقة البحر عن عيون المصريين في الاسكندرية من أجل مصر، وأن مطاردة المغتربين والمهاجرين سواء في الذباب الالكتروني للمرشدين أو قائمة المترقب وصولهم من أجل مصر، وأن الجيش المصري خسر عددًا هائلا من الشهداء الشباب في نفس المكان وبنفس الطريقة الغبية في شمال سيناء كان من أجل مصر، وأن اتفاق الغاز في البحر المتوسط الذي أضاع علىَ أُمِّ الدنيا مليارات هو من أجل مصر، وأن لذة ومتعة الرئيس في اختيار وزراء من خصوم الثقافة والمعرفة من أجل مصر، وأن التعذيبَ في السجون والمعتقلات لأبرياء لم تتم محاكمتهم هو من أجل مصر، وأن مصر الكبرى التي كان من الممكن أن تأمر فتأتيها تركيا وإيران وليبيا وقطر والسلطة الفلسطينية اختفت بفضل السيسي من أجل مصر، وأن استقلالية القرار الوطني ضعفتْ وهزلتْ وأصبح المموّل ومن يدفع أكثر هو المتحكم من أجل مصر.
وقد أفهم أن يكون الرئيس الديكتاتور مثقفا وخبيرا في شؤون المعرفة والعلوم والآداب واللسانيات فتغضب عليه، لكنك لا تخجل منه أمام الدنيا كلها!
الغريب الذي لم أفهمه من مصريين كثيرين أرسلوا لي مؤكدين أن السيسي يبني قصورًا واستراحاتٍ في كل مكان وبأموال الشعب، من أجل مصر!

هل هناك فيروس أشد من الكورونا اخترق عقولـــَنا وصدورنا وقلوبنا ومشاعرنا فجعل المصريين يتجمدون عند 3 يوليو بعدما أعادت 25 يناير روحَهم من جديد وهي التي غابتْ في صدور آباء خائفين لحوالي قرن من الزمان.. أي منذ ثورة 1919؟
تبقى مشكلة المشاكل؛ كيف أكتب لأهل بلدي وهم يكرهون القراءةَ، ولا يُكْملون ثلاثة أسطر فيتعرقون، ويزيحون أيَّ موضوع بعيدًا عن أعينهم؟
كيف أكتب والمثقف والأكاديمي والإعلامي والفنان يلتصقون كالأرانب في سروال الرئيس؟

كيف والدولة أرسلتْ حشـــّاشين وشتّامين وسبّابين وعواطلية ومقهيين وأنصاف أميين يُعلـّقون ويردّون ويلعنون كل من يناهض الاستبداد، وعيونهم مُصَوَّبة على شفتي الرئيس ورضاه؟
كيف أكتب والكثيرون يتسابقون لكسب ودِّ أجهزة الأمن والمرشدين والمتعاونين والوشاة لضمان السلامة و.. لئلا يغضب عليهم القصرُ؟
كيف أكتب وقد تم وضع الدين في خدمة الظُلم والطائفية والكراهية وتأييد أحكام الجهل؟

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

01‏/04‏/2020

رسالة مفتوحة إلى صفاء الهاشم



عادت النائبة صفاء الهاشم تُطلق النار على المصريين؛ فأعدتُ نشر رسالتي إليها لعلها تستطيع وضع الكراهية بجانب المحبة، فتُرجّح كفة واحدة!
رسالة مفتوحة إلى صفاء الهاشم
السيدة النائبة،
المُصارعُ الذي يدخل معركةً ويضرب تحت الحزامِ قبل الوصول إلى الحَلبة ستهزمه الجماهيرُ المتعطشةُ لسقوط الذي تصفق له أو.. لخصمه .
أما المُصارع الذي صنع خصمـًـا، وجعل يلاكمه من تحت قـُـبّة حرمٍ ديمقراطي، وينتظر التصفيق فقد خسر الاثنين معا: مطرقة الرئيس والحصانة البرلمانية!
لم يدر بذهني قط أنْ أتعاطف في معركة بينكِ وبين النائب المصري مرتضىَ منصور، فكل منكما أساء للديرة و.. أرض الكنانة، وكل منكما يرى الحصانة في لسانــِـه مع نزع قداستها، فخسر عشاق مصر من الكويتيين وهُم كُثر، ولم يربح عشاق الكويت من المصريين وهم أكثر!
ولم يدر بذهني أنْ أمسَّ من قريب أو من بعيد البرلمان الكويتي؛ فبيني وبين كثير من أعضائه مودة دافئة عبّر عنها رئيس مجلس الأمة الكويتي الأسبق الأستاذ أحمد السعدون عندما استقبلني بُعيد التحرير وقال لي: كنتُ وزملائي في لندن خلال شهور الاحتلال نتنفس حرية من كتاباتك، ونرى الأرضَ راجعةً إلينا بين سطور كلماتك، وأكمل سمو الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح، رحمه الله، عندما استقبلني في مقر إقامته بالعاصمة البريطانية: هل تعرف أنَّ كل كويتي يحبك، أنتَ كنتَ تمثل الأملَ لنا، بل إنني قرأت كتابَك( كتابات لا ترضي الرقابة) في ليلة واحدة؟
وأنا آخرُ من يتعصب للوطنية الضوضائية التي تُغطي على السلطة، ولو أخطأ بلدي الأم، مصر، فقلمي بفضل الله ماهر في خسارة أصدقائي.
ربما لا تعرفينني، أنا المصري الاسكندراني الذي أصدر ثلاثة كُتب عن الكويت وبين يدي كتاب رابع عن ( خرافة عراقية الكويت )، رغم أنني أقيم في النرويج منذ أكثر من أربعين عاما؛ وأنا الصحفي العربي الوحيد الذي تحدّث في قلب بغداد عن حدود كويتية آمنة ومرسومة مع العراق، وكدت أصبح ضحية صدام في نهاية مايو 1990 لولا أن ألهمني اللهُ بعدم العودة لبغداد مرة ثالثة بعد زيارتي في 7 مايو في المؤتمر الشعبي للتضامن مع العراق، رغم أن برزان التكريني هدد بتصفيتي بسبب وقوفي مع الكويت، تماما كما قال سفير الجماهيرية في كوبنهاجن بأنني محظوظ فقد نجوت من عملية ( شدّ أُذُن ) أي تصفية في طرابلس، ولم أسافر للقاء العقيد القذافي الذي قال عن الكويت بعد الغزو العراقي بأنها دولة ورقية!

أوسع الأبواب التي فتحها حديثُكِ دخل منها إعلاميون ومواطنون مصريون قرأوا تاريخَ الكويت من هوامشه، ولم يعرفوا أن الفضلَ في تحرير هذا البلد الصغير يرجع إلى الكويتيين أنفسهم والمقاومة الكويتية الباسلة التي شهد لها سفيرا النرويج والهند صباح الثاني من أغسطس، وجسّدها سمو الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، وزير الدفاع آنئذ، فكان آخر من قاوم في الوزارة، وغادرها بضغط من سمو الشيخ سعد العبد الله ليقيم مركزَ مقاومة ضد جيش صدّام على الحدود السعودية.
ساهمتْ أكثر من ثلاثين دولة في تحرير الكويت، وفي المقدمة شجاعة الملك فهد بن عبد العزيز الذي استضاف الشرعية الكويتية في الطائف، ومن السعودية انطلقت وفود شعبية في منتصف أكتوبر 1990 تجوب العالم؛ لكن فضل التحرير بعد الله هو للكويتيين ولإعلامها ووفودها الشعبية وسفرائها ودبلوماسييها وآل الصباح الكرام، وعدم وجود متعاون كويتي واحد عكس كل الدول التي تم احتلالها!
كل الجيوش التي حاربتْ جاءت بأوامر من زعمائها؛ ولم يتبرع جنود دولة بتكوين جيش حُرّ أو خاص أو حتى مرتــَـزَق، لذا فالمصريون الغاضبون من كلماتكِ لهم عُذرُهم في الجهل بأسباب تحرير الكويت وذهب الظن بهم أن جيش مصر الشقيق هو الذي حرر الكويت رغم إسقاط 28 مليار دولا كانت ديونا على نظام اللص حسني مبارك ورجاله الفاسدين.
لكن الحقَّ يُقال فأول مظاهرة خرجت منددة بالغزو الآثم كانت من مسقط رأسي، الإسكندرية، في صباح يوم الغدر، والجيش المصري الذي تلقىَ الأوامر بالمساهمة في تحرير الكويت لم تمنعه مشاعر المحبة والمودة للكويتيين من أخذ وضع الاستعداد لنيل الشهادة كما نالها كويتيون في حرب 73 على جبهة القنال!

مشاعرُكِ، السيدة النائبة صفاء الهاشم، أثارتْ حفيظة كل الشرفاء، وطعنتْ تاريخا طويلا من الدفءِ بين بلدين شقيقيّن، فأنا أعرف مصريين تحتقرينهم هم أكثر كويتية منكِ، وبادلتهم الكويت محبة بمثلها، فجمال عبد الناصر الذي وقف ضد أطماع عبد الكريم قاسم في بلدكِ هو أبو خالد نفسه الذي وقف كويتي وطني عروبي أمام السادات قائلا له بأنه سيدفع من جيبه ما ذكر جلال الدين الحماصي، كذبا، أنه مبلغ في ذمة عبد الناصر.
من أين جاءتكِ، السيدة النائبة، مشاعر الكراهية تلك وكأنكِ مولودة على سطح القمر وكل الناس مستنسخون من كونتاكنتي، فالوافدون من بنجلادش وباكستان والهند وكوريا الجنوبية ومصر ونيبال واليمن وايران يعملون في أسفل السلم بالقرب من الصرف الصحي، رغم أن كثيرين يعملون جنبا إلى جنب مع أشقائهم الكويتيين ومنهم مستشارون في الديوان الأميري ومنهم صحفيون وإعلاميون تشهد تروس المطابع أنهم قدّموا أدمغتهم لوطنهم الثاني الكويت.

في 13 ديسمبر 1990 اتصل بي الدكتور بدر جاسم اليعقوب من القاهرة ليحدثني عن الوفد الشعبي الكويتي الذي سيزور النرويج بعدها بيومين وطلب مني أن أنظم لهم برنامجا لشرح قضية الاحتلال العراقي، فلما سألتُ وزيرَ الإعلام إنْ كان قادما معهم، ردّ قائلا: إنَّ الكويت بلدك وأنت سفيرنا في النرويج، ولما تحدثت بعدها مع سفير الكويت في لندن الأستاذ غازي الريس قال لي: سأضع اسمَك ضمن الوفد الشعبي الكويتي فهي قضيتك كما هي قضيتنا.
كان هناك في الكويت مصري نوبي يعمل في مكتب رئيس ديوان سمو ولي العهد. اسمه يحيي عبد الباري، يشبه طمي النيل وهو يترسب على شطه الجميل. كان نحيفا مثل أغصان النهر الخالد. كانت لديه أسرار ومعلومات وخصوصيات كبار رجال الدولة وساهم في فتح أبواب العمل والإقامة في الكويت لعشرات من النوبيين.
كان يحيي عبد الباري، رحمه الله، عجينة مصرية في تراب الكويت، وعاشق للنوبة والديرة كأنهما توأمان. إذا تلقىَ سرًا أو خبرًا خاصا ألقاه فورًا في بئر صدره فلا يخرج إلا مع خروج روحه.

في جعبتي، السيدة النائبة، حكايات عن العشق الكويتي / المصري، في السراء والضراء، في الفرح والحزن، ما لو قصصته عليكِ لاستدعيتِ كل المصريين في الكويت، الأشرار منهم والأخيار، لتضعي قُبـْـلــَـة على وجه كل منهم دونما حاجة لــ ( هاتوا الأوراق تتقرا).
ومع ذلك فجريمتكِ، السيدة النائبة، كانت في جعل ملايين المصريين يتحسرون على جرائم شيطان بغداد عندما دنس أشاوستُه أرضَ كويتكِ الطاهرة.

أوقف الرئيس مرزوق الغانم صناعتكِ للكراهية قبل أن تمتد وتشتعل في غضب يصغر بجانبه غضب صعايدة خيطان الذي انفجر منذ عدة سنوات.
رئيس مجلس الأمة الكويتي أثلج صدورَ الكويتيين قبل المصرييين؛ فالنواب معادن ورئيسكِ من معدن نادر جعل الوفد الإسرائيلي في مؤتمر البرلمانات يهرون في الخروج مُسرعا.

النائبة صفاء الهاشم،
لا يدخل الجنةَ من كان في قلبه مثقالُ ذرة من كِبْر؛ فكيف ذهب بك الظن أن هناك من الوافدين من تم استيرادهم في مراكب من ليبريا أخطأت أعالي البحار إلى أمريكا فرستْ في الكويت؟
لن أبالغ إذا قلتُ لك ما يجعلك تصُكــّـين وجهك قائلة: مصري عقيم، يقول بأنه ومئات الآلاف أعلىَ محبة للديرة من أبراج الكويت!

أنا رأيت الوجهَ المشرق والمتسامح والمتحضر للكويت لأكثر من ثلاثة عقود، والذي تريدين تشويهَه، وجذب كارهين لديرتكِ، وماذا حدث؟
مواقع التواصل الاجتماعي انتفختْ بأخبارٍ عنكِ، مُخجلة ومحرجة، أكثرها كذب وبعضها حقيقي، وهذا الحقيقي القليل قادرٌ على إعادتكِ لعدة أجيالٍ سابقة ليتبين لكِ أنَّ الجذورَ المختبئةَ قد تصل أصولـُها إلى أماكن تبعد سنوات ضوئية عن الكويت، وربما يأتي من يغوص في جذور شجرة عائلتكِ الكريمة فلا يرىَ أيَّ أثرٍ للكويت فيها.

أول شيء فعله الشيخ سعود ناصر الصباح عندما عاد من واشنطون للكويت وزيرًا للإعلام أن طلب من السيدة أمل الحمد أن تدعوني للزيارة فورًا لأن مقالاتي، على حد قوله رحمه الله، كانت بلسما له كسفير للكويت يريد أن يبتهج ببلده من خلال رؤية مصري بغير الحاجة إلى ( هاتوا الدفاتر تتقرا)!
لديَّ حكايات تجعلك تفتخرين بالكويتيين والوافدين بنفس القدْر، بل قد تلمس ضميرَكِ، إذا كان ما يزال مستيقظا، فتطلبين من الحرم الديمقراطي سنّ قانون يُسهّل الحصول على الجنسية الكويتية لوافدين هم، للأسف الشديد، أشد وأعمق وأعشق وأصلب وأجذر منك امتدادا في تُربة الكويت.
خطيئتكِ، السيدة النائبة، كانت حشر مفردات الكراهية والبغضاء والتمايز والطاووسية تحت قبة برلمان ظل منذ استقلال الكويت مُعَلـِّـما لجيرانــِـه، ومَعْلــَـمـــًــا لبلدِ( العربي)و( عالم الفكر) و( البيان ) و( الفكر المعاصر)!
لو تسلل صدام حسين من قبره الآن، وأنصتْ لمئات الآلاف من المصريين الذين كانوا يلعنونه، فلما استمعوا إليكِ ترحّموا عليه، لعاد إلى قبره مُبتسمــًـا، وإلىَ دود الأرض مبتهجاً!

إن الحصانة البرلمانية للذين يطالبون بالمساواة بين البشر ولا يفرّقون بين مساقط الرأس ليساقـَـط منها غيرُ الأصيل حتى لو كان هو الأصل في تطور أمة، فالبنغالي الذي يحرقه قيظ الصيف في شارع بالجهراء قد يكون أفضلَ من الكويتي أو الوافد الأنيق الجالس أمام مكيف هواء بالأحمدي يحصي أمواله في البيت والمصرف!
الولاء للكويت تواضع، هكذا رأيت آل الصباح الكرام طوال أعوام معرفتي بهم، وأتذكر عندما كان الوزير الشيخ سلمان صباح السالم الحمود الصباح عندما كان يصافح النوبيين العاملين في رَكــْـن السيارات أمام فندق الشيراتون، ومن فرط تواضعه لم يصدّق العاملون أنه صباحيُ الأصل من الذين تتماسك بهم شجرة العائلة الكريمة.

أستعيد ذكري عشرات .. ومئات من الكويتيين المتواضعين فأفهم لماذا لم يجد جنود صدام حسين متعاونا واحدا منهم.
نزل الوزير الأستاذ سليمان ماجد الشاهين من سيارته في منطقة معزولة، وحمل معه ما أفاء الله عليه به، وسلّمه لعدة أسَرٍ فقيرة دون أنْ ينبس ببنت شفة أو حتى ينظر في وجوههم خشية أن يجرح حياءَهم، ولما عاد للسيارة وكنت جالسا فيها أتأمله؛ أزاح وجهه إلى الناحية الأخرى لئلا أرىَ تأثرَه بأشقائه في الإنسانية وليس بوافدين تثقل كاهلــَــهم طلبات السيدة النائبة صفاء الهاشم.

أنا أقترح عليكِ النزولَ في جولة تفقدية في كل المناطق الفقيرة التي يتكدس بها وافدون كُثُر، وتقومي، رعاكِ الله، بتقبيل يد كل وافد فيها لعل بعضَهم أعطى عُمره وأولاده وجهده وحبه للكويت أكثر مما فعلت السيدة النائبة.
حدثتك عن نفسي كثيرا في هذه الرسالة ليس لأنني استثناء، معاذ الله أن أكون من الظالمين، ولكنني واحد من عدد هائل عرفوا عن كثب الصفات الطيبة والمتواضعة والإنسانية لأكثر الكويتيين حتى لو أفلتتْ منهم جماعات عنصرية متغطرسة ظنت أنها الأعلىَ.

لن أطلب منك، السيدة النائبة، مراجعة النفس فهي مهمة لا يقوم بها إلا الذين ربطوا قلوبهم بالسماء، وعرفوا أن مكان المولد مصادفة الطـَـلــْـق من رحم لم تقُم صاحبته باختيار نقاء الأرض والجنسية والهوية، وربما كان اللهُ يُقدّر لك المولد فوق حصيرة ببيت منهار بزقاق ضيق في ضواحي كلكُتا أو خرابة في لاهور، فتصبح حينئذ النائبة نوائب!
أكتفي بهذا القدر رغم رغبتي في كتابة مئات الصفحات عن كارثة الطاووسية والتفرقة بين البشر، وإنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم، أي أكثركم تواضعا فلا يصعّر خدَّه، أو خدَّها، للناس.
وسلام الله على الكويت
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيي
أوسلو في 17 نوفمبر 2018

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...