08‏/07‏/2019

مشتاق .. مشتاق .. مشتاق!

مشتاق .. مشتاق .. مشتاق!
مشتاق لمصر جديدة لا يستطيع فيها أحد أن يكذب زاعما أن الله معه، أو أن فقيها منذ ألف عام حدد للمصريين ماذا يفعلون عام 2019.
مشتاق لمصر جديدة تقضي عدة أسابيع في الكلية أو المدرسة أو المصنع أو الشركة وأنت لا تعرف دينَ زميلك، مسلما كان أو مسيحياً.
مشتاقٌ إلى مصر بدون خيام متحركة، وعفن الفكر السلطوي ضد المرأة، واحتقار أمهاتنا وبناتنا وزوجاتنا وأخواتنا في اخفائهن داخل قماش أسود يختلط عرق المرأة به فيغرق المكان برائحة كريهة، فالنقاب، حسب فهمي الإسلامي، حرام ومهانة وإذلال ووأد للمرأة وازدراء لها واعتبار كل رجل ذئب وكل امرأة على استعداد للترحيب بأنياب الذئب.
مشتاقٌ للعقل والمنطق والفكر والموضوعية بدون أن يــُــلقي محدثي في وجهي بحديث أو حِكمة أو آية أو قول مات وشبع موتا في كتب معَّفرة.
مشتاق لأجمل حوارات عمري الاستنارية، فقد كانت مع الشيخ علي حلمي في مسجد البوصيري بعد صلاة الفجر، ومع الشيخ محمد الغزالي بمكتبه بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وهو يستحسن أفكاري، ومع شيخ الجامع الأزهر في مكة المكرمة وهو يستمع إليَّ بتواضع عن رؤيتي للصوم في بلاد شمس منتصف الليل، ومع الشيخ أحمد جمال في طليطلة، ومع روجيه جارودي عندما كنا ضيفين على مؤتمر المساجد العالمي بالقرب من جدة، ومع الشيخ عاشور في الاسكندرية ( رحمهم الله جميعا)، فأنا الآن لا أرى إلا قليلا من وجوه مشرقة بالايمان، إنما أرى وجوها كالحة وإرهابية وقاسية وصخرية وقبيحة وكثيفة الشعر وسيفية اللسان ونتنة المظهر كأن خفافيش الظلام أضحت المتحدث الفضائي باسم الإسلام.
مشتاق لمصر بدون عمرو خالد أو مصطفى حسني أو محمود المصري أو وجدي غنيم أو آيات عرابي أو الحويني أو ياسر برهامي أو خالد الجندي أو أبي إسلام أو ....
مشتاق إلى مصر نظيفة، وجميلة، وآمنة، يخرج فيها المصري مع أخته أو زوجته أو خطيبته ( أو حتى الجو بتاعه !) لمشاهدة فيلم عاطفي والعودة بعد منتصف الليل دون أن يعترضهما ممثل مزيف للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو بلطجي!
مشتاق إلى مصر التي لا تتحدد قيمتك فيها وفقا لتغطية شعر الرأس أو زبيبة الصلاة.
مشتاق إلى مصر التي لا تتصارع فيها مكبرات الصوت لتفوز واحدةٌ بخرق طبلة الأذن أو إزعاج مريض مُسن يحتاج إلى الهدوء.
مشتاق إلى مصر التي كنا نتصاحب فيها ونضحك حتى الثمالة على كل شيء، ونتحدث في الفيلم والقصة والرواية والسباحة والمدرسة والموسيقى، أما مصر الحديثة فتبدأ بتكشيرة وحديث في الدين، وينتهي النقاش بترهيب ووعيد بقرب نار جهنم من جسدك الغض الضعيف.
مشتاق إلى التسامح ومساهمة المسلمين في ترميم كنيسة ووقوف الأقباط مع أشقائهم المسلمين في إصلاح مسجد.
مشتاق إلى النور والسماء المشرقة والزحام القليل والمسرح والأوبرا والسينما وحفل أم كلثوم في مساء أول خميس من كل شهر.
مشتاق إلى مصر بدون أوغاد ومجرمين وسجناء هاربين وبؤر ارهاب في سيناء وأسلحة مهربة من غزة وبنغازي.
مشتاق إلى مصر وفيها مطرقة القاضي تخشع لها القلوب، والقاضي الذي كان يسمع الشعر والنثر ويقرأ المقال ويحترم المتهم المثقف والعالم.
مشتاق إلى مصر عندما كان القاضي يتحدث بلغة عربية سليمة والتي انتهت على يدي المستشار أحمد رفعت فلم يستطع نطق كلمة واحدة سليمة.
مشتاق إلى مصر الحب التي انتهت إلى مصر الكراهية والتعصب والطائفية والاستعانة بالكفر المغطى بايمان مزيف لمناهضة الإيمان غير المزايد في الدين.
مشتاق إلى مصر التي يدخل كنائسَها مسلمون ينتظرون زملاءَهم بعد الانتهاء من قُداس الأحد، ولمصر التي كان يجلس مواطن قبطي داخل صحن المسجد في خشوع يتأمل صديقه المسلم وهو يصلي العصر!
مشتاق لمصر بدون مسؤول متخلف العقل، ضعيف الفكر، ضحل الثقافة، مغرور الحديث، كاره للكتاب، أمّي اللغة.
مشتاق لمصر بدون قوانين الطواريء المهينة والتي يتم تجديدها بهدوء وصمت الشعب.
مشتاق لمصر حيث ينتفض الشعب كله إذا مسّ حبة تراب فيها عدو أو صديق، وليست مصر التي يبيع فيها القصر جزيرتين ومعهما عبق الشهداء الجنود المصريين، ويتحدى البائع مئة مليون أن يعترضوا، فيطرقون رؤوسهم خوفا وخجلا.
مشتاق لمصر حيث لغة إعلامييها كانت العربية وليست الغُرْزية التحشيشية.
مشتاق لمصر قبل بيع شواطئها للصعاليك الجُدُد تحت سمع وبصر الرجل الأوحد!
مشتاق لمصر العروبة صاحبة المشروع القومي، المنتصر أو المنهزم!
مشتاق لمصر حيث كان رئيسها، منتصرا أو مهزوما، إذا هبطت طائرته الرئاسية مطار بلدٍ خرج مسؤولوه كلهم يستقبلونه، ويتبركون باسم مصر وحاكمها، ويخرج تلاميذ مدارسه لتحيته فرئيسُ مصر هو العالم العربي كله، بل هو الكون كله.
مشتاق لمصر التي لم يتجرأ النقاب على زمنها فهي ما تزال تحصد نتائح عصر النهضة، وليست مصر التي يتسابق رجالها ونساؤها على اعتبار الإسلام هو خيمة سوداء تتكفن فيها المرأة، وزبيبة حُشرت في حصيرة فأتت جهلا كل ثقافته الدينية هي حيض المرأة وتعدد الزوجات وبول الرسول وتفخيذ الرضيعة!
مشتاق لمصر حيث شواطئها يسبح فيها الغني بجوار الفقير، ويُمنع بناء أسوار تمنع سكان المدن الساحلية من مشاهدة البحر أو النهر.
مشتاق لمصر التي لو وضع رئيس إثيوبي حجرًا يحجز نقطة مياه من نيلها واهب الخــُـلد للمصريين لالتهمته تماسيحُها وهو في قصره بأديس أبابا!
مشتاق لمصر التي حتى منافقو إعلامييها كانوا ينظفون ألسنتهم بلغة صحيحة وقواعد سليمة لم يعرفها عمرو أديب وعكاشة والدندراوي وتامر أمين وأحمد موسى وعزمي مجاهد ومئات غيرهم ممن سقطوا من مواسير الصرف الصحفي داخل ماسبيرو.
والأهم .. الأهم .. الأهم مشتاق لمصر حيث تصل الشكوىَ إلى رئيس الجمهورية من مواطن عادي فتنقلب الدنيا عاليها سافلها!
من منكم مشتاق لهذه المصر التي أتحدث عنها؟
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...