15‏/07‏/2020

بِدْءُ ملءِ سدِّ النهضة!

بِدْءُ ملءِ سدِّ النهضة!
في مصر خبراء ري ومياه ومهندسو سدود وزراعة عباقرة منذ آلاف السنين، فالنيل مُعــَـلــّـمهم ومَعــْـلــمُهم، ومياهه حياتهم، وفي كل جيل إنْ أردت حفنة من هؤلاء الخبراء آتيك بمئة من مثلها قبل أن تقوم من مقامك.
ومع ذلك وفي أقل من تسع سنوات منذ أن انتفض شباب مصر لكرامة آبائهم الصامتين تولى ملفَ النيل وسدّ النهضة والأخطار القادمة من الجنوب مع النهر الخالد أغبياء وحمقىَ وجهلاء وأنصاف أميين ومتغطرسون.
وفي السنوات السبع المنصرمة جاء رجل من الاستخبارات العسكرية مليء بالغرور ويظن أنه طبيب الفلاسفة ومهندس الري وحارس النيل فلم يستعن بأي خبير تقف خلفه خمسة آلاف عام؛ بل ظن بحماقته أنه يعرف كل شيء، وبدلا من توجيه عينيه إلى الجنوب نظر إلى الغرب وتسلم أموالا واعتبر أن حرب المصربيين الحقيقية في ليبيا.
وفهم الإثيوبيون أن مصر يحكمها جاهل طاووسي لن يستشير شعبه أو برلمانه أو خبراء النيل.

وأراد العودة إلى الاتحاد الأفريقي فبدأ التنازل في مفاوضات سد النهضة.
وتصوَّر أنه يجلس في مقهى شعبي مع رئيس وزراء إثيوبيا، الدكتور آبي أحمد الديمقراطي والحاصل على جائزة نوبل للسلام والمفاوض الأقوى مع إريتريا فاستحلفه بالله بلغة لا يفهمها أنه لن يضر بمصلحة مصر.
وضحك الضيف الإثيوبي على هبالة وعباطة رئيس أكبر دولة عربية، وفهم أن سدَّ النهضة سيقوم على رؤوس جهلة لا يحترمون شعوبهم.

وطلبت إثيوبيا التفاوض معها، فأعطى أوراقه إلى تل أبيب، أقصد ترامب وبومبيو بدلا من الاتحاد الأفريقي.
واستمر آبي أحمد في بناء بلده وديمقراطيته واحترام شعبه في الوقت الذي لم يتوقف السيسي عن احتقار المصريين وكتم أنفاسهم وسرقة أموالهم لقصوره واستراحاته.. وجنرالاته.
ورفض السيسي آراء المتخصصيين( إنتم مين، وعاوزين إيه؟)!
اليوم بدأ الإثيوبيون في ملء سدّ النهضة، وتبقى الخطوة الأخيرة: متى يبكي المصريون على الخضوع لأجهل رئيس شهدته أم الدنيا منذ بناة الأهرام؟
أعني متى تتم محاكمة السيسي؟


محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 15 يوليو 2020

13‏/07‏/2020

هل تضرب مصرُ سدَّ النهضة؟

هل تضرب مصرُ سدَّ النهضة؟

سؤالٌ مطروحٌ علىَ الساحةِ المصريةِ كأنَّ مصرَ ستقذف إثيوبيا بــبُمْب العيد؛ رغم أنَّ الحربَ لم تكن في يومٍ من الأيامِ نزهةً كما تصوَّر السيسي في سيناء؛ وهو يحارب الإرهابيين فيسقط أبناؤنا شهداءَ خلال سبع سنوات، وفي كل مرة بنفس الطريقة و.. أحيانا في نفس المكان.

سدُّ النهضة مع كل الأضرار المائية التي سيسببها لمصر لم يقُمْ فجأة؛ ولم يَحُكّ حكّامُ إثيوبيا مصباح علاء الدين ليخرج المارد ويقول شبيك لبيك، لكنه مشروعٌ عدواني على هـِـبَة النيل مصر، صمتَ عليه المخلوع الحرامي حسني مبارك الذي أبعد مصر عن أفريقيا حتى أنه في عام 1994 أرسل أسلحة للحكومة الرواندية فساهم في مذابح المليون قتيل.

وصمتَ المشير طنطاوي وزير الدفاع حين أصبح رئيسا للدولة والمجلس العسكري.
وجاء حُكم المرشد بواجهة محمد مرسي وكان المشروع العدواني أكبر منهم، حتى أن الدكتور أيمن نور قال في اجتماع بأنه يمكن إيهام الإثيوبيين أن مصر ستضرب السدَّ، وكان الميكروفون مفتوحاً، عمدًا أو مصادفة، لكن كان الاجتماع مع الرئيس مرسي حالة حماقة لا مثيل لها.

ثم جاء المستشار عدلي منصور ولم يُحرك ساكنا!
وأخيرا جاء السيسي ووقّع على اتفاق سدّ النهضة عام 2015، وكذلك وضع توقيعه الانفرادي عندما رفضت السودان وإثيوبيا، ثم ألقى الأوراقَ، كما فعل السادات، في حِجْر الرئيس الأمريكي وفي يد بومبيو، وهما قبل نتنياهو في حماية إسرائيل.
ليس السؤال هو كيفية ضرب سدِّ النهضة؛ إنما كيفية محاكمة الرؤساء المصريين الخمسة، وبدون إهمالهم الخطر المائي على مصر؛ ما كانت إثيوبيا قادرة على وضع حجرة واحدة تحجز نصيب مصر من قطرة مياه يتيمة.

كيف نضرب سدَّ النهضة في الطريق من سرت والجفرة لمواجة تركيا وحكومة الوفاق؟
كيف نضرب سدَّ النهضة وقد وافقنا تحت قيادة زعماء متخلفين وجهلاء وغير وطنيين على الابتعاد عن أفريقيا لتتسلمها إسرائيل فتدعم السدّ خبراتيا وماليا وعسكريا؟
كيف نضرب السدَّ وقد انشغل جنرلات جيشنا في البزنس وشراء العقارات والقصور والاستراحات والأراضي أُسوَةً بكبيرهم الذي يبني لنفسه ولعائلته مايشاء ليكون المثل الأعلى في التفريط في وطننا العزيز؟

سدُّ النهضة يحتاج إلى قنبلة نووية وليس أسرابا من الطائرات تمر في سماء السودان التي لن توافق طبعا، ثم تضرب وتعود "كأن مشيتها من بيت جارتها مرُّ السحابة، لا ريث ولا عجَل"؟

سدُّ النهضة يعني تدميرُه إغراقَ السودان الشقيق، وستقوم إثيوبيا بضرب السدِّ العالي، وسيدين العالمُ مصر وقادتها وتتم المقاطعة لأن رئيس وزراء إثيوبيا الحاصل على جائزة نوبل للسلام سيكون في نظر الغرب وأمريكا داعية سلام!
إثيوبيا زعمت أنها قادرة على حشد مليون جندي إذا اقتربت منها القوات المسلحة المصرية، وأنا أتوقع أن الأسرار التي تملكها إسرائيل عن جيشنا بفضل حماقة وغباء السيسي ومبارك ستكون تحت إمرة الإثيوبيين.
إن محاولة ضرب سدِّ النهضة سيتبعها بالتالي ضرب جناحي جيشنا على الجبهة الليبية وفي داخل سيناء.

إن دعاة الحرب والضرب ودخول مصر المثقلة بديون بالمليارات والواقعة تحت حُكم عسكر قساة، والمُتربــَـص بها من جماعة الاخوان المسلمين الحالمين بالعودة لقصر الاتحادية هي عملية انتحار لن ينفع معها هتافات الإعلاميين المهووسين بالدماء.
ما هو الحل؟
محاكمة الزعماء المجرمين الخمسة الذين أهملوا سدَّ النهضة منذ أن كان حلما بعيد المنال لدىَ القيادة الإثيوبية، وكانت الاستخبارات المصرية مشغولة بحماية الرئيس وبالقضاء على ثورة 25 يناير، وكان المجلس العسكري منشغلا بضبط عملية القضاء على روح التمرد واستعادة أحذية العسكر لسجاد الاتحادية، حتى أقباطنا لم يرحمهم طنطاوي!

أنا أكتب، وأخطيء وأصيب، وأشجب وأُدين، وأحاول ما وسعني الجهد توضيح رؤيتي، لكنني لأ أضع خطة عسكرية للقضاء على سدّ النهضة الذي وافق عليه حمقانا وبلهاؤنا، صراحة أو ضِمنا، فالكاتب يسعىَ لتوسعة المدارك والتنبيه للخطر، ثم يتلقىَ الشتائم والسباب من مُرشدي السلطة ومتعاونيها واستخباراتها ورجال أمنها وجبناء النت و.. متخلفي الجماعات الإسلامية.
إن دخول مصر الحرب ضد إثيوبيا وتركيا وإسرائيل والغرب وأموال قطر وربما السودان أيضا والإرهاب في سيناء والخطوط الحمراء التي يضعها الزعيم المصري هي انتحار جـَـمْعي لا تتحمله مصر.

ليس كل من يدخل الاتحادية يصبح (زعيم مجانص)، وقد آن الوقت أن يُسمَح للمصريين بالتنفس والحديث والاقتراحات وحتى انتقاد الرئيس والجنرالات وهنا سيعرف الذي يحكم مصر أنه خادم ينصت لشعبه وليس العكس فقط.
حفظ الله مصر من الغوغاء ودعاة الدم وإعلاميي الجهل.
يجب أن يترك كبار الضباط البزنس والعقارات والأراضي والتجارة والتربح الفاسد ويتوجهوا إلى الجبهة وثكناتهم العسكرية لحماية مصر، أما الداخل فالمصريون قادرون على إدارة شؤون بلدهم شريطة الحرية والديمقراطية والعدالة وأن لا يكون الرئيسُ هو كلَ مصر؛ بل هو خادم للمصريين رغم أنفه.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 13 يوليو 2020

04‏/07‏/2020

شروط الوقوف مع مصر!

شروط الوقوف مع مصر!
1- ينبغي الوقوف ضد كل صور الاستبداد والفساد والظُلم.
2- رفض توقيع السيسي المنفرد على اتفاقية سدّ النهضة دون الرجوع للشعب وللمتخصصين.
3- وقف فوري لكل أنواع النهب التي يمارسها السيسي في شراء القصور والاستراحات لنفسه، فإهدار مال الشعب هو صورة قبيحة للسرقة.
4- يجب أن تكون في مصر حكومة من أصحاب الكفاءات وصغيري السن وغير المشتركين في فساد الحكومات السابقة.
5- حل مجلس النواب وطرد رئيسه الجاهل.
6- القيام بحملة مصالحة مصرية يقودها أذكياء ذوو علاقات طيبة بدول العالم، وتتقدم مصر نحو إيران وتركيا وقطر، فالمصالحة تُعبّد الطريق لنجاح مصر في قضايا الدولية.
7- سحب أي أوراق ثقة بإسرائيل التي وقفت مع إثيوبيا بالمال والخبرات والسلاح منذ بداية التخطيط لسدّ النهضة دون أن تتلقى كلمة عتاب واحدة من مبارك وطنطاوي ومرسي وعدلي منصور والسيسي، فكلهم متواطئون ضد شعبنا.
8- إعادة الاعتبار للقوات المسلحة المصرية على الحدود والمعسكرات والجبهات، فتحويله إلى جيش بزنس ومشروعات خضار وجمبري وسرقة الدور المدني من الشعب لصالح القوات المسلحة كان له أسوأ الأثر على اقتصاد الوطن إلا إذا وافقنا الحمقى بأن النهضة هي بناء كباري وطُرق ليدخل جيوب الجنرالات منها عمولات من الحرام.
9- نعم، الاخوان المسلمون فشلوا، وفتحوا الطريق لقوى التطرف، وسمحوا بدخول مئات الآلاف من قطع السلاح لسيناء وهم ليسوا فصيلا وطنيا؛ إنما مهووسون بحُكم ديني، لكنهم أيضا مصريون يجب إيجاد طريق وسط للمصالحة معهم، على مضض، وإدخالهم في الجسد المصري مرة أخرى بدون شروط دينية. الاخوان المسلمون بدعم دولي يستطيعون بناء حُلم السلطة للعودة إلى الاتحادية، وعلى الرئيس الذكي في مصر، وأنا بالمناسبة لا أثق قيد شعرة في السيسي، أن تعيد تأهيلهم من جديد، والإفراج عن معتقليهم.
10- الدولة التي يحكمها قضاة جهلة وقساة وأنصاف أميين كأنها تعيد الاستعمار من باب العدالة الظالمة.
11- نقف مع مصر عندما يتم طرد تسعة أعشار الإعلاميين المصريين في الفضائيات، فهم مُشعلو الفتن، ومروجو الشائعات، وحشاشو اللسان، وأجهل من القردة. واختيار أي رئيس لهم أو اختيارهم له هزيمة كبرى لمستقبل مصر.
12- إلغاء قوانين الطواريء المكبلة للشعب، فالشعوب المقيدة لا تمارس الدفاع عن نفسها، وما دام السيسي وعسكره وشرطيوه ومرشدوه يحرمون المصريين من التنفس الحر، والتظاهر السلمي، والاحتجاج الآمن فإن أي قوة معادية من سيناء أو من الجنوب أو أي حدود مصرية ستُنزل الهزيمة بجيش عقيدته هي حماية النظام فقط.
13- الافراج الفوري عن كل المعتقلين الأبرياء خاصة شباب يناير الذين دفعوا الثمن غاليا وبدون محاكمات عادلة، وانتقم منهم السيسي لئلا يتعلم غيرهم قيمة الدفاع عن الوطن.
14- وقف تقريب المرشدين والمطبلين والمهللين والجبناء وكلاب السلطة، ومنع إرشادات الأمن الوطني للإعلاميين أن يقولوا ما يريده سيد القصر فقط.
15- إلغاء حقارة وقذارة وعفن تعديل الدستوررغم أنف الشعب، ومدّ فترة حُكم الديكتاتور ونقل السلطة إلى ابنه، فالصمت هنا ليس وقوفا مع مصر؛ إنما ضدها.
16- إبعاد أيدي وألسنة رجال الدين الإسلامي والمسيحي عن التأييد الروحي للرئيس، فالسيسي خادم للشعب، إنْ خدم جيدا شكرناه، وإنْ فرّط وباع وأهدر ركلناه على مؤخرته.
17- وقف تام للقروض فهي كارثة لأحفاد المصريين.
18- إن أوراق القضايا المصرية في يد أمريكا تعني أننا نُسلمها لتل أبيب، فواشنطون في عهد ترامب وبومبيو أخطر على مصر من نتنياهو.
19- ندعم مصر بعدم غض البصر عن خطايا وجرائم وسرقات وفساد رئيس الدولة ومعه كلابه.
20- أهم شرط للوقوف مع مصر كما قال عبد الرحمن الكواكبي في طبائع الاستبداد" وعلى الرعية أن تكون كالخيل، إنْ خُدمت خــَــدمتْ، وإنْ ضُربتْ شرستْ؛ وعليها أنْ تكون كالصقور، لا تُلاعَب ولا يُستأثر عليها بالصيد كله".
تلك هي رؤيتي لشروط الوقوف مع مصر، فنحن مع بلدنا سواء حكمها ملاك أو شيطان، طيب أو ابن ستين كلب، شريف أو لص، وطني أو خائن، فهي في القلب ولا تحتاج لحملة إعلامية من المُلوثين لتقنعنا أن نقف مع أهلنا وأرضنا وبلدنا ووطننا الأم.
هل أنا مخطيء في الشروط المذكورة أعلاه؟

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 4 يوليو 2020

25‏/06‏/2020

عيد ميلاد سمو الشيخ نواف الأحمد!

عيد ميلاد سمو الشيخ نواف الأحمد!

اليوم 25 يونيو عيد ميلاد سمو الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، ولي عهد الكويت!
نادرا ما تجتمع السلطة والتواضع؛ لكنها تتوْأَمتْ معه!
ونادرا في عصرنا ما يكون وزيرُ الدفاع فارسا قبل جنوده، لكن الفروسية شهدت لحظات نادرة في تاريخ الكويت عندما رفض الشيخ نواف الأحمد أن يغادر مقرَه بعدما اقترحت جحافل الغزو العراقي فأصبحت قاب قوسين أو أدنىَ، فرفض أن ينتقل قبل أن يطمئن على جنوده.
ونادرا ما تكون مساحةُ الغضب من الأصدقاء صغيرة فيتركها للزمن حتى تذيبها الأيام، وهكذا كان طوال عُمره، أطاله الله.
ونادرا ما يُجْمع كل أعضاء مجلس الأمة على رجل واحد، وليــًا للعهد، فإذا بكل صوت تحت قبة البرلمان يصوّت له كأنه صيادُ قلوب قبل أن يصبح الرجلَ الثاني في الديرة.
ونادرا ما يشعر الوافدون والمقيمون والزائرون بمساواتهم مع مضيفيهم في رؤية رجل دولة؛ فكان سمو الشيخ نواف الأحمد في كل مناصبه قبل ولاية العهد حالة حب تساوي بين المواطن وبين ضيفه الوافد.
رأيت الوجه المشرق لسمو الشيخ نواف الأحمد عشرات المرات، التي حكيت عنها من قبل، وما خذلني أبدًا.
أول تعارف كان عام 1985 وأول استقبال سموه لي في وزارة الدفاع كان عام 1988 حيث شعرت بأنني التقيت بالكويت كلها للمرة الثانية؛ أما الأولى فكانت في وزارة الإعلام  عندما استقبلني سمو الشيخ ناصر محمد الأحمد الجابر الصباح في حضور الشاعر والإعلامي رضا الفيلي، رحمه الله، فدخلتُ الكويت من أوسع أبوابها، أعني دخلتْ هي ..  واحتلتْ مكانها في قلبي!
تعرفت على أحلام الشيخ نواف الأحمد وزير الدفاع لتكوين جيش قوي، سويسري النهج، لبلد صغير، ولكن جاء الثاني من أغسطس.. يوم الغدر الصدامي فجعل الحُلمَ كابوسا.
وتعرفت على الجانب الإنساني منه عندما كان وزيرًا للشؤون الاجتماعية والعمل فكانت رقته ورحمته وتفهمه لهموم الناس كأنه يرعي كل فرد بمفرده.
وتعرفت على تواضعه الجَمِّ وهو النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية عندما استقبلني فصارحته بأسفي على بيروقراطية المطار وتململ الركاب البريطانيين الذين أوقعهم حظهم مع موظفة كسولة صباح أمس. لم يقل لي بأن هذا ليس شأني؛ لكنه ابتسم بحزن وقال: في العام القادم عندما تقوم بزيارتنا؛ ستجد مطار الكويت في حالة مختلفة ومتقدمة وسريعة تسبقها خدمات مدهشة.
وتعرفت على عبقريته في الحرس الوطني وكان ساعده الأيمن الشيخ سلمان صباح السالم الحمود الصباح أحد أوفىَ المسؤولين الكويتيين له، بل هو تلميذه الأنجب.
وزاد قربي من سموه عندما أصبح وليا للعهد، وجاءتني مكالمة تليفونية من الكويت بصوته الهاديء والوديع والحاسم قائلا: كنت أعرف أنك ستكون أول الفرحين بثقة صاحب السمو بي.
في كل مرة كان يسمح لي أن أطرح أي سؤال يفيدني كصحفي، وأنا بدوري أحترم الخصوصية ولا تخرج كلمة واحدة من المجلس إلى أقرب الناس.
وتعرفت على حزمه وحسمه وإصراره على العودة إلى الكويت والمساهمة في تحريرها، وأكد لي سموه في رسائل فاكس من الطائف في السعودية على العلاقة الأخوية الجميلة، واللقاء في الكويت المحررة بإذن الله.
مرة واحدة في 34 عاما غضب مني عندما قمت بتوزيع كتابين من مؤلفاتي على 91 إعلاميا حضروا الملتقى في فندق شيراتون الكويت، وثارت الدنيا واهتز الحضور، وغضب كثيرون، أغلبهم أطيح برؤسائهم لاحقا، لكنني أحرجت بتصرفي هذا مضيفي سمو ولي العهد الأمين( 8 ابريل 2008).
وامتدت مساحة غضب سموه لعامين كاملين هي الحد الأقصى لغضبه مني، وعدت ضيفا عزيزا مكرما، وأكد لي سموه بقلبه المعادل لمساحة الوطن أنه سيظل الأخ القريبَ لي، وكان هذا أجمل لقاء رغم أن كثيرين من الإعلاميين الوشاة ظنوا أن القلبيـّـن انكسرا مع الكتابين!
34 عاما هي عُمر علاقة رجل دولة بصحفي، وأشهد اللهَ أنني كنت صريحا مع سموه وجازفت بالغضب مرات كثيرة حتى عندما كان وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية وقبل أن يتحدث قلت لسموه: كيف أتكلم وأئمة المساجد من الوافدين لا يستطيعون إحضار زوجاتهم وأولادهم إلى الكويت وهذا لا يستقيم مع العدالة الكويتية.  لم يعاتبني للتدخل في شؤون محلية؛ لكنه وعد بأن يصدر قرارا بإلحاق زوجات الأئمة والخطباء الوافدين بأزواجهم، وكبر الشيخ نواف الأحمد حينئذ في نظري كما لم يحدث قبلها.
34 عاما لم تتغير مشاعري قيد شعرة، فما زلت أحمل لسموه كل المحبة والمودة والاحترام والتقدير، وأيضا الشكر الخالص على سنوات الصراحة، فكان يقول لي: أنت الصحفي الوحيد الذي تحدث علانية في قلب بغداد بحقوق الكويتيين في حدودهم الآمنة، وحملتَ راية الأسرى والمختطفين، وظل موقفك من هموم الكويت ثابتا لا يتغير، في السراء والضراء.
اليوم أحتفل بعيد ميلاد سمو ولي العهد الأمين، داعيا المولى أن يطيل عُمره، وأن يهبه الصحة والشفاء والسعادة .
اليوم أبعث لسمو الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح رسالة تهنئة من القلب، مؤكدا لسموه شكري العميق على كل لحظة دافئة وصريحة ومفيدة وفرها لي لأكثر من ثلاثة عقود.
عيد ميلاد سعيد صاحب القلب الكبير.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

22‏/06‏/2020

الإنصات لأنفاس الأرانب!

الإنصات لأنفاس الأرانب!
كل الطغاة والديكتاتوريين في التاريخين القديم والحديث كانوا يتركون كُوة صغيرة يتنفس منها المواطن ولو لبعض الساعة في كل عام؛ إلا عبد الفتاح السيسي فهو حالة لم يأت التاريخ بمثلها!
إنه يحتقرك، ويزدريك، ولا ينصت إليك، ويمنعك حقوقك، ويختار الأسوأ لإدارة شؤونك، ويُهدر أموالك، ويبيع أرضك وجُزُرك وغازك ونفطك ثم يضع يده في جيبك المثقوب لعله يجد فيه ما أنت في حاجة له لسدّ جوع أبنائك.
يشتري السلاح بأموال القروض وهو كمبارك لم يفكر في بناء مصانع أسلحة لتوفير المال واستقلالية القرار السيادي.

مغرور حتى النخاع رغم جهله الشديد، وأنزل الرعب في كل مسامات جسد المصري وجعل الخوف منه كالهواء تماما لا يستطيع المرءُ الاستغناء عنه لدقيقة واحدة.
أتخيل مصر في عهده بعد عشر سنوات أو عشرين أو ثلاثين ولن يبقىَ فيها كائن حيّ يتنفس أو قرش مثقوب في جيب مواطن أو ذرة كرامة لدى مصفق ركع له أكثر مما فعل مع رب العالمين.

أنا أكتب منذ نصف قرن تقريبا، لكنني لم أعرف يوما واحدًا في أي عهد قبل السيسي فيه كمية من ترهيب وتخويف وتهديد أبناء وادي النيل كما هي في عهد هذا الديكتاتور.
أخشى أن يتم اعتقال أي شخص لا يتبول على نفسه فزعا عندما يسمع اسم السيسي.

الحمقى يُحمّلون الاخوان المسلمين مسؤولية استمرار الديكتاتور خشية عودتهم للحُكم، رغم أنهم لن يعودوا حتى يلج الجمل في سم الخياط، فالاخوان فشلوا مرة واحدة لأنهم لم يختلفوا عن كل الطغاة باستثناء لجوئهم إلى بركات السماء لخداع البسطاء المغفلين.
قرأت طوال عُمري عن الطغاة وشغلتني العلاقة المعقدة بين الطاغية والديكتاتور والمستبد الدراكيولي وبين رعية أقل شجاعة من الأرانب؛ لكنني للحق لم أجد ديكتاتورا أسوأ من السيسي فهو جاهل وفظ غليظ ومخادع ومتعجرف وأوهمه الأوغاد أنه نائب الله على الأرض.
سيدرس المؤرخون هذه الحقبة السوداء من تاريخ أم الدنيا عندما تولى الحُكمَ أجهل المصريين؛ فكاد المصريون يسجدون له من دون الله.
الرجل أدخل يده في صدور المصريين ونزع قلوبهم وأكبادهم وفرغ جماجمهم وقطع ألسنتهم؛ وكلما أوقعهم في كارثة وجدوا له مئة حجة قبل أن يقوم من مقامه.

أخشى أن ينتحر المؤرخون بعد زمن السيسي إذا طُلب منهم الكتابة عن مصر في عهده.
قطعا أنا لا أصدّق من يمتدحه أو يطبل له أو يصفق أو يبرر جرائمه أو يدفعه لمحاربة الدنيا أو يوهمه أنه هو الفتاح العليم أو ينفي حقيقة مقالي هذا لأنني أسمع ضربات ونبضات وطبول وصرخات قلوب تحتضر لتودّع الحضارة وتُدفـــَـن في بطن فأر!
لن أناقش أو أحاور أو أجادل في السيسي أحدًا فقلوبُ المصريين بين إصبعين من أصابعه، بل يمكنني إثبات خطأ من يقول بأن الله، عز وجل، يخطيء، لكنني أعجز عن إقناع مصري( إلا أقل القليل من أهل بلدي) أن حاكمهم يرتكب هفوة واحدة.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 22 يونيو 2020

14‏/06‏/2020

عيد ميلاد تيران وصنافير!

عيد ميلاد تيران وصنافير!
في مثل هذا اليوم منذ ثلاث سنوات وافق البرلمان المصري على تسليم تيران وصنافير المصريتين إلى دولة أخرى قد تمنحهما لدولة ثالثة.
أعضاء السلطة التشريعية المصرية وضع كل واحد منهم حذاءً في فمه( إلا القليل) بعد أن بصق السيسي في وجوههم. في نفس الوقت صمت وخرس أبناء أبطال العبور العظيم ورفضوا أن تكون مهمتهم حماية الأرض المصرية، فهي ليست أرضهم أو أرض آبائهم، لكنها أرض الرجل الذي يخدمهم. والجنرالات الذين حطم آباؤهم أسطورة استحالة عبور القناة؛ أصبحوا اليوم يبولون على يونيفورهم إذا صاح الرئيس أو نظر أو عاتب أو توعد أيا منهم.
القضاة أيضا ابتلعوا أحذية فخرسوا، والإعلاميون التهموا غائطا قبل أن يسجدوا للديكتاتور. عشرات الملايين من المصريين أعرق شعوب الأرض لم يحركوا ساكنا فالعبودية كانت أقوى منهم.
الملائكة هربت من المساجد ومن الكنائس حياءً؛ فهي لا ترفع أدعية المصريين إلى السماء.
الدنيا كلها من بشر وجن وحيوانات ونباتات وأسماك بكت على أحوال أمة كانت ثابتة في نفس الأرض لخمسة آلاف عام، فجاء جاهل وسادي وضعيف فنفخ في أبناء هذه الأمة ليسقط الجميع رعبا وخوفا.

زعم كل خائف أنه يخشى على أهله وأن بائع الأرض يراقبه في اليقظة والمنام وأن أجهزة الأمن تفعص المصريين تحت حذائها ولو هربوا لأقصى الأرض.
اعتبر المشترون انهم اشتروا الأرض المباركة من حشرات كانت منذ مئة عام تقود النهضة في المنطقة فجاء رجل يقنعها أنه أكبر من الله، وأنه الفتاح العليم، وأن المصري لا قيمة له، وأن نضالهم يجب أن ينحصر في رفع القبضة والهتاف ب( تحيا مصر).

قطع الأكاديميون والمثقفون والنخبة والمتعلمون ألسنتهم بأيديهم، وبرروا أحقر عملية بيع لجزء من الوطن سواء بالصمت أو بهراوة الأمن أو بالخوف على مناصبهم.
الديكتاتور في دهشة وهو يضرب كفا بكف ويسأل نفسه: ماذا أفعل بهم ومعهم حتى يغضبوا لكرامتهم؟ هل أبيع الأرض والجُزر والعِرض والغاز والبترول والنهر الخالد؟

لقد فعلت أكثر من كل هذا، وأقنعتهم بأنني إذا رفعت حذائي من على رؤوسهم فسيأتي الاخوان المسلمون ليفعلوا نفس الشيء.
فرح المصريون بهذه الحجة والذريعة فقالوا لن يعود الاخوان مرة مرة فالذُل مع هذا الرجل أرحم من الذل مع أحفاد حسن البنا.
وظل التعامل مع المصريين على انهم حشرات، فالحُكم الديني كالحُكم العسكري، وقسوة الإسلاميين وغلظتهم كجهل العسكر وساديتهم.

وقرر المصريون التوقف عن القراءة والمتابعة والمعرفة والكتاب والنقد والاعتراض لئلا يواجهوا الحقيقة.
وماتت عبقرية الكلمة، واستخدم المصريون الكتب المقدسة في كتم أفواههم، وانتقم الرجل من الذين ثاروا ضد المخلوع الحرامي.

وتبقىَ مشكلة المشاكل: لماذا لا يبكي المصري ويرتعش غضبا ويخرج من القفص ويعلن بشريته وإنسانيته وأن الله نفخ فيه من روحه؟
لماذا لا تسقط دمعة واحدة من عيون مصرية جميلة بعد قراءة هذه الكلمات؟
لماذا يحتقر المصري نفسه إذا أتيت أمامه على ذِكْر حاكمه؟
لماذا أصبح عبور أكتوبر الجديد صيحة( تحيا مصر) فيتخدر الجسد المصري، وينام ابن وادي النيل وهو في حراسه سجّانيه ومعذبيه؟

إذا أراد المصري الهروب من المسؤولية الأخلاقية في كلماتي تلك سيُلقي باللائمة على الاستعمار أو عبد الناصر أو ثورة يوليو أو كامب ديفيد أو القوى العظمى أو أي شيء مضىَ ولا يستطيع محاسبته حتى لا ترىَ عيناه وضميره بائعــَـه الجديد.
سعادتي في دموع مصرية على ما وصلنا إليه في هذا العهد، لكن المصريين يقومون بتوزيع الدموع على كل العهود والجماعات والحُكام حتى تختفي المسؤولية في المجهول.
شكرا لكل من سيبلغني أنه شجّ رأسه في الحائط وبكى على مصر.. وعلى تيران وصنافير.
بالمناسبة اليوم أيضا تاريخ ميلاد المناضل الثوري تشي جيفارا!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 14 يونيو 2020

12‏/06‏/2020

هل يحكم ديكتاتورٌ بلدَك!


هل يحكم ديكتاتورٌ بلدَك!

لا أقصد هنا ديكتاتورًا بعينه كما سيحاول أنْ يتصور الكثيرون؛
لكنني أشير إلى كل ديكتاتور طاغية أمسك بخناق شعبه بفضل الجبناء والساديين والوصوليين
الذين يكرهون شعوبَهم فيساعدون السفاحَ في الإمساك بالسكين قبل ذبح الأبرياء.
كل الأوبئة تحتاج إلى علاج حتى تتوقف عن حصاد البشر إلا الديكتاتور فلا علاج له ومنه إلا بإزالته تماما.
الديكتاتور عبارة عن مستنقع لكل الأمراض المستعصية وفي مقدمتها الكِبْر والاستعلاء والطاووسية!
الديكتاتور كتلة ملتهَبة من البثور والتشنجات والأخاديد النفسية والعصبية والعاطفية.
الديكتاتور يمارس الموت في صورة حياة، وهو
صانعٌ للقبور في الحقيقة وفي الخيال، وهو متسلل إلى عالم البشر من عوالم الشياطين.
الديكتاتور كائن يصنع المرضَ تحت زعم أنه طبيب الفلاسفة، وأن الله خلقه هكذا يصف العلاج حتى لو كان استدعاءَ ملَــَكِ الموت ليُعجّل في قبض أرواح مناهضيه.
الديكتاتور لا يُصدّق أن الله أقوى منه، فهو يبحث عن التصاق اسمه في ذهن المواطن المتلقي باسم الله،
لذا فَهَمَ مستشارو الرئيس المصري أن تسمية أكبر مسجد باسم مسجد الفتاح العليم سيجعله يقترب من مساواته بالمعبود
، فعبد الفتاح تُصبح فتاحا، وتُحذَف( عبد) ليتحول إلى نائب الله على الأرض قبل أن يصل إلى مرتبة الزعيم الإلــَـه
الديكتاتور يحب نفسه ولو كان يبغضها، ويريد أن يتذكر كل أبناء رعيته أنه ( الأخ الكبير) كما وصفه جورج أورويل في كتابه 1984، لهذا كان مشروع صور القائد المهيب صدام حسين حالة من النرجسية المشوبة بالسادية، فأينما يولي المواطن وجهه فسيجد صورة الزعيم الإلــَــه بدلا من (أينما تكونوا فثم وجه الله).
الديكتاتور برغم كراهيته المقيتة لشعبه إلا أن الجانب المعاكس للكراهية قد يبدو للناس كأنه شفافية عاطفية ولو خرجتْ من بين أظافر ملؤها الدم، فأدولف هتلر كان رقيقا مع إيفا براون، وكان أرَقَّ مع كلبِه في الوقت الذي كان يُدَمِّر ويقتل ويحرق الضعفاءَ والخصومَ والمعارضين؛ وكذلك كان التعذيبُ في معتقلات المخلوع اللص حسني مبارك يجري على قدم وساق في الوقت الذي تتحول شغافُ قلبه إلى الأبوة الثانية لحفيدِه الذي أوجعه لاحقا موتُه فأنهكه وضاعف آلامَه وطال عُمرُه مع عذابِ خلع أنبياء 25 يناير الشباب له، واختفاء الحفيد من حياته.
الديكتاتور يثق أن سخرية الدنيا كلها منه لن تُزحزحه قيد شعرة عن كُرسي الحُكم،
بل قد تُطيل السخرية من وجوده لظن الساخرين أنهم أدّوا مهمتهم في المعارضة الصارخة أو الهامسة؛ وهناك آلاف الحكايات عن القذافي وخيمته وعن عيدي أمين دادا الذي طلب من السادات زيارة مصر سابحـًا في النيل، وعن جان بيدل بوكاسا الذي اقترض من فرنسا لتنصيب نفسه إمبراطورا على الجائعين في جمهورية أفريقيا الوسطى، وعن عبد الفتاح السيسي واعتقاده أن الله خلقه ووضع فيه كل العلوم والذكاء...
السخرية ليست تحريضا ضد الديكتاتور؛ إنما تخديرٌ ليستريح المعارضون كأنهم كانوا في ساحة الوغىَ في مناهضة مُعذبهم.
الديكتاتور يتعذب في داخله إذا رأىَ رأســًا مرفوعة، فأنْ ترفع رأسَك أو كتفيك أو صوتَك أو حتى نبرةَ صوتــِك فهذا يعني بداية النهاية لقُربك منه.
وعندما ارتفعت حدة الحديث بين وائل الإبراشي وكامل الوزير تلفزيونيا كان الإعلامي يرتعش والعسكري يهدد مع مديح غث. وبعد أقل من ثلاثة أيام كان الإبراشي يمتدح في عبقرية الرئيس السيسي حتى تنجو رقبته من مقصلة العزل الإعلامي.
الديكتاتور يقف أمام المصفقين والمُهللين مستمتعا بمهانتهم وهو يلقي عليهم توجيهاته نصفَ الإلهية؛ أما السيسي فقد اكتشف نوعا جديدا تماما من إهانه مستمعيه في المؤتمرات، فهو يعطيهم ظهره، ويترك لهم تأمل قفاه بعدما احتضن عشقه الأول والأخير، أي الميكروفون!
مستشاروه يعرفون أنه لم يحضر للحديث إلى الشعب؛ إنما مع مرآته كما كانت زوجة أبي الأميرة في رواية بياض الثلج تحدّث مرآتها صباح كل يوم وتسألها إنْ كان هناك من هو أجمل منها!
الديكتاتور لا يتحمل فكرة وجود مواطن بعيدا عن عينيه أو أذنيه؛
وعندما كان أنور خوجة يحكم جمهورية الرعب.. ألبانيا، كانت الشرطة السرية تأمر سكان البلد المنكوب أن يكتب كل مواطن تقريرًا عن تحركات ونشاطات جيرانه وأصدقائه، وإذا شق عليه الأمر فيكتب تقريرا عن نفسه ويذهب إلى أقرب قسم شرطة ويبلغ عن نفسه في مذكرات يومية مملة ومفصلة.
الإمبراطور الإثيوبي هيلاسلاسي كان يسمع من مستشاريه صباح كل يوم ملخصا للأحاديث التي دارت طوال الليل في شوارع أديس أبابا بين مواطنيه.
في منتصف الثمانينيات جاءني في المكتبة العالمية التي أنشأتها في أوسلو عام 1983 شاب مغربي. رآني استمع إلى كاسيت لخطبة سياسية عن الملك الحسن الثاني.
سألته إنْ كان يريد أن يقترض الكاست، فرفض بهستيريا شديدة خوفا من أن يعرف الملك.
قلت له: لكنك ستسمعه في سيارتك وبمفردك في النرويج وعلى مبعدة آلاف الكيلومترات من القصر الملكي في الرباط.
ردّ بثقة يقينية: حتى لو أغلقت كل نوافذ السيارة فجلالة الملك قادر على الاستماع إلى الخطبة السياسية.
الديكتاتور يرى عُلو ذكاء أي مواطن انتقاصا من قدْر سيد القصر.
في كتاب جيمس سكوت( المقاومة بالحيلة..كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم؟) حكىَ عن أحد العبيد السود في مزرعة سيد أمريكي أبيض؛ قال المسكين: لقد تعلمت كما تعلم غيري من العبيد أن أخفي ذكائي حين ألتقي بسيدي!
في فيلم أمريكي عن رئيس الخدم في البيت الأبيض ظهر نفس المشهد حين سُئل من جانب ضيوف الرئيس عن رأيه في قضية سياسية!
ردّ الخادم متصنعا الغباء والجهل بأنه لا يفهم ما يتحدثون عنه.
انفرجت أسارير الضيوف البيض رغم أن الخادم الزنجي العبد كان أعلم منهم في هذا السؤال بالذات.
فهم السيسي في الحوار التلفزيوني مع ابراهيم عيسى ولميس الحديدي أن الإعلامي الكبير لايُخفي عُلو ذكائه، بعكس زميلته التي رفعت من شأن الرئيس،
حينئذ خرج ابراهيم عيسى من دائرة التحليلات السياسية في عهد الديكتاتور السيسي إلى التحليلات الدينية؛
رغم أن له الفضل في بسط السجاد العسكري بديلا عن الممشىَ الديني الذي مثّله محمد مرسي، فابراهيم عيسى هو الذي أطاح بأباطرة المُقطّم في حلقات مبدعة وصريحة وشديدة عن العفريت الديني الذي أحضره تلاميذ حسن البنا.
وضحتْ معالم البهجة على مُحيــّا الرئيس السيسي حين استمع لكلمة الترحيب بانتخابه في البرلمان التي ألقاها علي عبد العال وهو يرتجف يدين وشفتين؛ فرئيس السلطة التشريعية بدا، حقيقة أو افتعالا، كتلميذ خائب في الثانية الابتدائية، وهنا ظهر الديكتاتور المتخلف كأينشتاين المصري.
الديكتاتور ليس فقط طبيبَ الفلاسفة، لكنه طبيبُ الأطباء ولو كانت معلوماته لا تزيد عن معرفته بفائدة حبة باراست للصداع.
خاف السيسي في مؤتمر خاص بتوجيهاته الحكيمة في معركة فيروس الكورونا أن تجلس وزيرة الصحة بجواره لئلا يضطر إلى إشراكها في عبقريته الطبية،
فأمر مُنظمي المؤتمر بأن يكون مقعد وزيرة الصحة في الصف الثالث خلف الجنرالات فاليونيفورم الكاكي قبل البالطو الأبيض، ووباء الكورونا يخشى البندقية أكثر من خشيته المصل !
الديكتاتور ليس مهووسا فقط بعبودية الشعب لمعرض صوره في كل مكان تقع عينا المواطن عليه، لكن التماثيل أيضا تُجسّد العبودية، فلو مر مواطن في كوريا الشمالية أمام تمثال لكيم يونج أون، أو لوالده، أو لجده المؤسس دون أن ينحني فيمكن أنْ تستدعيه الشرطة السرية وكذلك لو أعطىَ ظهره للتمثال.
هنا تصبح كل عين لمواطن عينا للديكتاتور تُسرع في الإبلاغ عمن يُشم منه أنه قد يحلم بالمعارضة، نفس الأمر ينسحب على مئات الآلاف من المصريين المهاجرين والباحثين عن لقمة عيش كريمة فإذا بهم يعرضون خدماتهم على أجهزة أمن الحُكم في مصر، أي بوقوفهم خط الدفاع المهاجرعن الديكتاتور، في مقابل الشعور بالأمان.
الديكتاتور لا يعيش بدون وشاة، يهمسون في أُذنه، ويتجسسون تطوعا على رعيته من أجل حمايته وحماية أنفسهم.
أسوأ أنواع الوشاة هُم الذين يتبرعون لأجهزة الأمن عن زملائهم في العمل والمؤتمرات، كالسيدة التي أبلغت الشرطة في بغداد عن زميلتها التي طلبت منها تخفيض صوت المذياع حينما كان يذيع خطابا لصدّام حسين، انتهت بثلاثة أسابيع قضتها الموظفة المسكينة في زنزانة باردة.
الغريب أن بين جاليات من عالم الديكتاتوريين من تعيش في قلب الديمقراطية الغربية هاربة من أوجاع الوطن الأم النائم تحت حذاء الديكتاتور، لكنها تُلقي بأبناء وطنها بين أنياب أجهزة الأمن سواء عن طريق البعثات الدبلوماسية أو لدى عودتها فينتهي الاسم في قائمة المترقب وصولهم.
في السبعة والأربعين عاما التي قضيتها في أوروبا، انجلترا وسويسرا والنرويج، التقيت عددا هائلا من مغتربين ومهاجرين يستمتعون بالحرية في الغرب ويدافعون عن الاستبداد في الشرق. يخرجون في مظاهرة من أجل أصغر حقوقهم في الغرب ويغضون الطرف عن عذابات عشرات الآلاف من القابعين ظُلما في سجون لا آدامية في بلادهم الأم.
على العشاء في فندق عاصمة خليجية سألت صحفيا زميلا نصف معارض عن سبب تجنب زملائه الالتقاء بي، رد قائلا: أصارحك الحقيقة؛ فنحن نكتب تقارير ضد بعضنا ونقوم بتسليمها لمباحث أمن الدولة فور عودتنا للقاهرة لنضمن وظائفنا وسلامنا وأمن عائلاتنا، فوظيفتنا الإعلامية هي الدفاع عن الرئيس حسني مبارك.
الديكتاتور يُحدد النسيج الاجتماعي ويُصنّفه طبقات فوق أخرى؛ ويضع المنبوذين في الأسفل ، والمنبوذون هنا هم العبيد الأحرار كالإعلاميين ورجال الدين والأكاديميين وضيوف البرامج الحوارية، فيوحي إليهم أنهم من الطبقة العليا شريطة أن يتلقوا الأوامر من ضباط الأمن في مقابل الاحتفاظ بالصورة اللائقة أمام عائلاتهم.
الديكتاتور يُنصت إلى الشفرة المُتعارف عليها بين طبقة المنبوذين الأحرار، ومن أراد النجاة بأمواله ووظيفته فعليه التأكيد في كل اللقاءات الجماهيرية أو الملتقيات الثقافية والسياسية والدينية والإعلامية والفنية أن توجيهات القائد كان لها الفضل الأكبر؛ وهنا تمُدّ يدُ الدولة له الجزرة بعدما استوعب أن العصا في اليد الأخرى.
الديكتاتور كارثة إنسانية ولعنة على نفسه وعلى البشر.
إنه يكره الرؤوس غير المنخفضة، ولعلنا نتذكر السفيرالوطني معصوم مرزوق الذي لم يطلب أكثر من استفتاء عادل ومراقَب دوليا فإذا نجح السيسي فسينسحب السفير من كل صور المعارضة له وسينخرط في خدمته.
جُنّ جنون الرئيس ولأن القضاء والنيابة والسجّانين والعَسْكر والشرطة عبيدٌ لدىَ الديكتاتور، فقد انتهى الأمر بالقبض على السفير، وصمت المصريون عن بكرة أبيهم.. كالعادة!
الديكتاتور يُعطي مواقع التواصل الاجتماعي فرصة الرقابة الذاتية والرعشة الطوعية،
وكل صاحب موقع أو حساب أو صفحة عليه أن يضع رضا أو غضب الديكتاتور في ذهنه، ويحذف ويحظر كل من يكتب ما يخالف رغبة القصر، من لا تصطك أسنانه وتتصادم ركبتاه فلا مكان له في جمهورية أو مملكة الديكتاتور.
الديكتاتور يصنع في ذهن المواطن الزهايمر السياسي لينسىَ وعودا كاذبة وعهودا باطلة بأنه سيحافظ على الأرض والبحر والنهر والغاز والعدالة والكرامة والمال والبترول والتعليم ومئات بل وآلاف من مفاصل الدولة.
الديكتاتور يُثبّت للرعية اقتناعها بظُلم أجهزة العدالة القضائية، فالمواطن متهم حتى لو لم تثبُت عليه تُهمة، لكنها لذة الحاكم ومزاج رجل الأمن.
الديكتاتور لا يكفيه أنه يحكم؛ إنما حقه على الشعب أن يمتلكه!
تيران وصنافير جزيرتان مصريتان استراتيجيتان في حماية الجيش الوطني. قرر الرئيس بيعهما أو التنازل عنهما رغم المعارضة الظاهرة للشعب.
صمتت القوات المسلحة التي عليها حماية الأرض والبحر والجو، وتم الزج بمن اعترض في سجون تستقبل الوطنيين لتطحنهم.
الديكتاتور كلما كان قاسيا، فظا، غليظ القلب؛ التفّتْ الجماهير حوله، ودافعت عنه، وبررت قذارته، ومسحت بوجهها على عفنه، حتى لو نكث الوعد، وبصق على القسَم الذي كان عهدا بينه وبين محكوميه باحترام الدستور.
كانت همسات الشياطين المستشارين له بتغيير الدستور ليطيل فترة حُكمه ضعفين توطئة لابن من نسله، فكل ديكتاتور كان يُعد ابنَه وريثا، عُدي صدام حسين، أحمد علي عبد الله صالح، سيف الإسلام القذافي، جمال مبارك، جان كلود ديفالييه( هاييتي) وعشرات غيرهم.
يتحول المهللون والمصفقون إلى قردة ترقص، بعدها تنتقل القرود إلى طور الكلاب التي تخدم وتنبح، بعد ذلك تصبح الكلاب خنازير تسمن من طعام الفضلات قبل أن يتم ذبحها.
الديكتاتور لا يتنفس إلا في مجتمع مليءٍ بالبغضاء والفتنة الطائفية ومعارك بين فصائل تسعى كل منها للحصول على دعمه.
الديكتاتور يصنع ماضيه بنفسه، ويزركش فيه ويلونه، ويسدّ ثغراته.
مجلة باري ماتش الفرنسية نشرت في أوائل حُكم الديكتاتور التونسي زين العابدين بن علي صورا له وقد نسج البياضُ الفضي شعْرَ رأسِه.
أمر الرئيس بسحب كل أعداد المجلة من المكتبات التونسية، ومع مرور الوقت اختفىَ من الذاكرة الشعرُ الأبيض ليحل محله شعرٌ أسود وبدلة بيضاء أنيقة ورئيس يصطنع الأدب الجمَّ كلما أمر ببناء سجون جديدة.
كل ديكتاتور يضع صانعوه وصانعهم أمامه صفحة بيضاء ليرسم فيها ماضيه الجديد الذي ستتعامل معه وسائل الإعلام والمعاهد، والمدرسة، والجامعة، الرياضة التي مارسها، الأصدقاء، الحيّ الذي كان يسكنه...
الديكتاتور يحتاج مع السلطة العسكرية سلطة دينية تصبغ القداسة على أحاديثه، وتُقنع البسطاء بالرباط المقدس بينه وبين السماء، وتخيف المعارضين لأن طاعة ولي الأمر من طاعة الله!
الديكتاتور يصنع معارك في الداخل والخارج، ولا يكترث للنصر أو الهزيمة فإعلامه قادر على تحويل أي هزيمة منكرة إلى نصر من الله.
عندما هُزِم الجيش الليبي بأسلحته الثقيلة أمام متمردين في شمال تشاد، وعادت جثامين جنود العقيد معمر القذافي ، قام الإعلام بالاحتفال بالانتصار التاريخي حتى لو كان بين الدبابة الليبية و النبّوت التشادي.
الديكتاتور لا يتلذذ فقط بما يصيب شعبه في الداخل من كوارث وفقر وقهر وإذلال، لكنه يريد أن ينعكس ذلك على مواطنيه في الخارج.
أتذكر كلمة قالها لي صديقي المحامي السويسري دنيس بايو في جنيف عام 1975:
"لقد جرىَ العُرْفُ في العالم كله أن المصري هو المواطن الوحيد الذي لا تدافع عنه حكومته مهما حدث معه في أي بلد"!
وكان ذلك إبان حُكم السادات واستمر مع المخلوع الحرامي حسني مبارك ثم المشير طنطاوي فمحمد مرسي فعدلي منصور وأخيرا السيسي!
الديكتاتور يطير في كل مكان بأجنحة غير مرئية من أجهزة الأمن والاستخبارات فهي خط الدفاع الأول عنه، وفي عصر الإنترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي التي يسيطر على أكثرها جهلة وجبناء وعشرات الآلاف من الحسابات الوهمية تُراقَب كل كلمة تنشرها أو تذيعها يوتيوبيــًا، والوشاةُ من الناس أضعاف المراقبين من أجهزة الأمن، وربما تجد أكثر الوشاةِ من القريبين والأصدقاء، وتجد أحطّهم صديقَ الغُربة .
الديكتاتور يحتاج إلى المال حتى يشتري أو يُسكت أو يُخرس خطوط الدفاع عنه وهنا يمكنه أن يشتري الجنرالات وعائلاتهم ورتبَهم العسكرية ويضع في خدمتهم قصورا وفيلات ومئات الأفدنة وإمتيازات تعلوها سلطة تنفيذية مُفزعة، ويزيح السلطة القضائية بعيدا ليضمن تبرئة رجاله ولو سرقوا ونهبوا الوطن كله.
الديكتاتور يُقيّد الشعب بقروض خارجية لأموال تُساعد في تثبيت حُكمه، فينفق من جيوب الفقراء والضرائب والإتاوة .
الديكتاتور يظهر أحيانا في صورة جماعة من البشر تحت غطاء طائفي أو عسكري أو حروب وهمية أو إبادة جماعية لشهور أو لسنوات مثلما حدث في كمبوديا فأبيد ثلث الشعب وبدتْ أوامر بول بوت كأنها تطهير وطني في صورة مذابح هزت الإنسانية برمتها.
وفي رواندا عام 1994 قتل أبناءُ طائفةٍ أبناءَ طائفةٍ أخرى وحصد مَلـَـكُ الموت أرواح مليونــًــا من الروانديين في ثلاثة أشهر جحيمية، فالشعب هنا هو الديكتاتور.
الديكتاتور يُسَبِّح بحمد الله إذا ذبح بسكين رجل الدين، ويُشهِد اللهَ أنها توجيهات أخلاقية سامية ، والمعبد قادر أن يحشد مهووسين كما يتجمع المهووسون وهم يرجمون امرأة زانية محشورة في حفرة ، ثم يتوجهون لشُكر السماء على نعمة الفضيلة
الديكتاتور يجمع في قبضته السلطة التشريعية والسلطة القضائية ويلصقهما بالسلطة التنفيذية، فهو الحَكَم والمعبد والمحكمة في آن واحد.
الديكتاتور الأخطر هو الأجهل مثل جان بيدل بوكاسا ومعمر القذافي وعيدي أمين دادا وحسني مبارك، وهناك ديكتاتور أرفع ذكاءً مثل ستالين وفرانكو وسوموزا وسالازار ومحمد رضا بهلوي وبينوشيه وموجابي، وهناك الديكتاتور الذي لا يخضع للمعايير المتعارَف عليها، فهو من جنس الذئاب يفترس قبل أن يفكر مثل بول بوت وهتلر وموسوليني ومنجستو هيلامريم.
الديكتاتور لا يتنفس إلا في وجود قانون الطواريء في السلم والحرب، فمصر مثلا لم تعرف في نصف القرن المنصرم حياة خارج قوانين الطواريء وأضاف إليها السيسي منع تجمع خمسة أشخاص في احتجاج سلمي، ثم أصبح رفعُ لافتةِ احتجاجٍ جريمةً ولا أستبعد أن يصبح قريبا المواطن بمفرده تجمعا ممنوعا.
اختيار المسؤول الأكثر جهلا يمنح الديكتاتور الجاهل قيمة كبرىَ، ففي مصر مثلا ينتفخ الرئيس أمام جهل القُضاة ورئيس مجلس النواب وأكثر النواب وأغلب الإعلاميين.
ينام الديكتاتور ولا يحلم مثل باقي البشر ولا تطارده الكوابيس، لكنه يستمتع ويتلذذ ويبتهج كلما نُقل إليه خبر اعتقال وتعذيب سجين، خاصة سجناء الرأي والضمير، فهؤلاء يفكرون خارج الصندوق،
عشرات الآلاف من المعتقلين في مصر وأكثرهم لم يُعرَضوا على القضاء العادل أو الظالم، لكنهم سيظلون خلف القضبان حتى تنتهي فترة حُكم الديكتاتور بالموت أو بالقتل أو بانقلاب مضاد.
هل يوجد ديكتاتور يحب شعبه؟ هذا مستحيل؛ ولكن توجد شعوب تعشق الديكتاتور حتى لو لم يحرّك كرباجه في كل مرة قبل الهتاف له.
الديكتاتور يشهد نهايته بأيدي أبناء شعبه مثل موسوليني الذي أعدمته الجماهير الإيطالية، ومعمر القذافي ، وعلي عبد الله صالح وغيرهم؛
لكنه قد يُزَف إلى العالم الآخر في جنازة شعبية أو عسكرية بعدما تكون مُدة جحيمه الأرضي قد اندست في مسامات جسد الرعية، فحسني مبارك لص ونهــّــاب وهرّب وعذب وزور وزيّف وآذىَ شعبه وأرضه وأعاد الوطن لمئة عام للوراء، وجرائمه لو راكمتها فوق بعضها خلال ثلاثين عاما لوصلت إلى السماوات العُلا، ومرَّ على سجونه ربع مليون معتقل رأي وضمير، وكانت النتيجة جنازة عسكرية يتقدمها رئيس الدولة .. العسكري أيضا، فشياطين القضاء قاموا بتبرئته حتى لا يضطر أي نظام يأتي مستقبلا فيطالب باسترداد مليارات منهوبة ومُهرّبة للخارج.
الديكتاتور يتنفس برئة المواطن الجبان والجاهل والأمي والمنافق والوصولي والفاسد واللص والمزايد دينيا، والأكاديمي الخائف على منصبه.
الديكتاتور يُبغض اللهَ ويراه، عزّ وجل، منافسا له كمعبود، ويضيق صدره بالرسائل الأخلاقية التي يُنزّلها الله للبشر، فقصر الديكتاتور لا يحتفظ برسالة أخلاقية.
في صدر كل إنسان مساحة فراغ مخلوقة ليضع فيها الديكتاتور الخوفَ والجُبنَ والفسادَ والنفاق، أو يحشوها الإنسان النبيل بالشجاعة والسُمو والجمال والوطن حتى يرثها عنه أبناؤه وأحفاده بعد حين.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج في 11 يونيو 2020

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...