28‏/09‏/2020

من قال إنَّ عبدَ الناصر مات!

نصف قرن منذ أنْ توقف قلبُه الكبير إثـْر عودته من وداع آخر ضيوف مصر في مؤتمر قمة لوقف مذابح الحسين بن طلال ضد الفلسطينيين؛ وما تزال مصرُ تُذكــَر بعبد الناصر كأنه متفرّع من النهر الخالد.

هُزِم من قال أنه هُزم في نكسة يونيو 1967، فقد ضُرِبَ وجيشُه ضربة قاتلة فلم يُسَلـّم الروح، وكان طبيعيــًا أن يُضرَب ويُهزَم في ستة أيام!

في ثمانية عشر عاما أوجع أبو خالد كل القوى الاستعمارية، وطاردها كما يطارد نسرٌ كلبــًا هائمـًا، أجربَ الجلدِ ولو كان أشقــَرَه.

جاء يطلب مثل غيره شراءَ سلاح، فرفضوا لئلا تغضب إسرائيل، فلجأ إلى تشيكوسلوفاكيا( 1955)، فأصدقاءُ ناصر شرقـًا أضعافُ أعدائــِه غربــًا.

اصطدم قبلها بعام مع جماعة الاخوان المسلمين(1954) التي تأسست في ميونيخ في الثلاثينيات وأعطتها أمريكا الضوء الأخضر.

أمم قناةً مائية مصرية لحساب أصحابها المصريين؛ فهاج وماج وحوشُ الغابة، فعادتْ الامبراطورية التي غابت عنها الشمس إلى الشمس في بورسعيد، وفرنسا التي قاومها الجيل الجزائري الخامس فسدّدَ عن آبائــِه مليون ونصف المليون شهيد وكانت روح ناصر تسري في أجساد أبطال المقاومة الجزائرية، ودخلتْ جحافل الجيش الصهيوني سيناء بأحدث الأسلحة الأمريكية. انسحبتْ الدول الثلاث بفضل ثلاثة أسباب: المقاومة الشعبية المصرية، رفض واشنطون عودة بريطانيا إلى منطقة ستكون من نصيبها لاحقا، وإنذار موسكو.

لم يهدأ الريّس فهو صاحب مشروع قومي، فكانت الوحدة المصرية/السورية التي تحصر بينها الكيان الصهيوني( 1958)، ثم انتصب  السد العالي أكبر مشروع مائي في القرن العشرين بعدما رفضت أمريكا دعمه. فأوجعوه في حبه الكبير، ونجح الانفصاليون لشطر دمشق والقاهرة مرة أخرى.

وشغلوه في دعمهم حُكْم الإمامة المتخلف باليمن وقامت ثورة في 26 سبتمبر 1962، فألقوا بكل ثقلهم مع جهات عربية لجعل جبال اليمن السعيد مستنقعا تعيســًا لتتم تصفية آلاف من جنودنا البواسل بفضل حرب رجال العصابات والقبائل، فعبد الناصر صاحب مباديء التزم باتفاقية الدفاع العربي المشترك.

ووقتها لم يصمتْ؛ فانطلق صوته عبر الأثير في ست ساعات يعلن الميثاقَ الوطني، وفهم الاستعمار أن هذا الرجل خطر عليه فهذا مشروع وطني وقومي ومصري، وتفتحتْ دور النشر، وظهرت الرواية والقصة والأدبيات والموسيقى وكل أنواع الفنون ومراكز البحوث العلمية، واستنشقت حركات التحرر من هواء القاهرة، ولم يعد هناك مواطن أفريقي أو آسيوي أو عربي إلا وقد وضع أذُنـــَه في ترانزستوره الصغير ليسمع صوتَ الحياة.. صوت ناصر من مصر، فتعود إليه روحُ المقاومة.

وفهم الاستعمار أن الريّس رجلُ أحلام تتحقق وليست احلاما تختفي في الأثير، فوقف مع حركة المقاومة السمراء ضد الاستعمار الأبيض في جنوب أفريقيا، وتعلم مانديلا من ناصر أن أفريقيا للأفريقيين.

جن جنون الاستعمار لكنه ظن أن أبا خالد سيتركهم لحال سبيلهم في أمريكا اللاتينية فهو مشغول في الكونغو والقارة التي لوّحَتْ وجوهَ أبنائِها شمسٌ حارقة.

وجاءهم ناصر بعدم الانحياز وجمع ثلثَ الدنيا، أي آسيا الكبرى فحلقت روحه فوق الهند وإندونيسيا حتى ماو وشواين لاي كانا يقفان في الصين مبهوريّن بسليل الفراعنة.

وكان لا بد من ضربــِه في داخل مصر عن طريق أكبر تيار إسلامي لا يفهم المنتسبون إليه الفارق بين الاشتراكية والإلحاد، وبين ماركس وبومدين، ومع ذلك ورغم اصطدام عبد الناصر بالجماعة عام 1954 إلا أن مطابع الدولة تركت القُطبين يغرقان المكتبات بأفكار الدولة/الجماعة بدلا من الدولة/الشعب، وشاهدنا مؤلفات سيد قطب وأخيه محمد قطب والمودودي والندوي، وكانت الأسلمة الفكرية  تخطو أولىَ خطواتها نحو الجامعات والمعاهد  وحتى المدارس.

وتم اعتقال آلاف الأعضاء وربما عشرات الآلاف الذين كانوا على أهبة الاستعداد لعمل غسيل الأدمغة بالماء المقدس الذي حوته( معالم في الطريق)و( جاهلية القرن العشرين)و( معركة التقاليد)و( منهج الفن الإسلامي) و( الحجاب ) و( تفسير سورة النور).

زادت مطالب الوحدة العربية من صنعاء إلى طنجة، ومن بغداد إلى الصومال، ووصلت الرسالة واضحة إلى قوىَ الاستعمار وهي ترى قادة العالم الثالث ودول عدم الانحياز وأفريقيا وأحرار أمريكا اللاتينية يولون وجوهَهم شطر القاهرة؛ فالأب الروحي في انتظارهم، إنديرا غاندي ونكروما وجومو كينياتا وجيفارا ومحمد علي كلاي.

وارتعش عملاء الاستعمار في كل مكان من تشومبي إلى رضا بهلوي، وأقنعت إسرائيل الغرب والشرق وكل الخائفين أن تقدم وتطور مصر وعملقة الفكر الناصري هو الهولوكوست المصري الذي كان على وشك إحراقها، حتى أن حمقىَ المثقفين حمَلوا أكاذيب عبرية تؤكد أن عبد الناصر وعد بإلقاء إسرائيل في البحر رغم أن الوحيد الذي قال هذه الكلمة كان أمين عام جامعة الدول العربية  في زمن النكبة عام 1948.

أنهكتْ حرب اليمن جيشــَــنا وعاد إلى مصر، وجندت جماعة الاخوان الرأسمالية كل إمكانياتها لمحاربة الفكر الاشتراكي بالضرب الكاذب تحت الحزام واقناع مريديها أن ناصر الذي وسّع دائرة انتشار الاستنارة الأزهرية في كل مكان، هو ملحد يُعادي الإسلام، وما أسهل الكذب باسم الدين.

بدأ استفزاز عبد الناصر من كل ناحية بحرية وبرية وجوية، وكانت الترسانة الإسرائيلية تتلقى من خلال عقدة الذنب النازية تعويضات غربية في مقدمتها السلاح ومعلومات استخباراتية وإعلام موجّه ضد مصر بحجة أنه لإضعاف المعسكر الشرقي.

وكان 5 يونيو 1967 يومَ الانتقام الإسرائيلي/الأمريكي/الغربي من الرجل الذي سبب له صداعا في كل مستعمراتهم.

وأخطأ عبد الناصر عندما لم يضع حلا لصراعات الضباط الأحرار، فوضع ثقته في عبد الحكيم عامر وشِلة الغرور.

وأخطأ عبد الناصر عندما ترك أجهزة استخباراته تمارس أشد أنواع التنكيل والتعذيب في أعضاء الاخوان المسلمين  في السجون والمعتقلات ، والاخوان إذا غضبوا انتقموا، وإذا انتقموا افترسوا، وإذا افترسوا مزّقوا،وإذا مزقوا نهشوا، وإذا أسمعوك حكايات دار الزهراء وأحمد رائف وزينب الغزالي ومحمد جلال كشك فقد جعلوك ترىَ إبليس ملاكا مقارنة بمن يعادونهم!

لكن الضربة التي كان من المفترض أن تكسر ظهر ناصر شدّتْ كل عضلاته والتئمتْ الجروح، وانتحر عبد الحكيم عامر أو قُتِل، وتفرق أصحابه، وخرجت الملايين تنادي عبد الناصر بالبقاء حتى إزالة آثار العدوان.

ولم يهتز، واسْتــُقـِبـلَ في مؤتمر الخرطوم استقبال الأبطال نكاية في قوى الاستعمار، وبدأ حربَ الاستنزاف منذ الأسبوع الأول بعد هزيمة جيشنا، وأغرق أبطال البحرية المدمرة الإسرائيلية إيلات، وجددتْ الثورة نفسَها لكن أعداءَها تضخموا، وتوَحدوا، فحاربوه في الجانب الأدفأ بالقلب، أي في أحبابه الفلسطينيين وحدثتْ مذابح الأردن، وكان أبو خالد ما يزال كبيرًا فاستدعي الملك حسين وأبا عمار وأجلسهما أمامه كتلميذيـّن في فصل للطلاب المشاكسين، واستمعا إليه وانتهت المذبحة في المملكة الهاشمية لكنها تسربتْ إلى القلب الكبير، وعندما ودّع آخر ضيوف القمة في مطار القاهرة الدولي ، أمير دولة الكويت، كان القلب يُنذر صاحبَه بالضربات الأخيرة، وفي مساء يوم 28 سبتمبر 1970 سلـّـم الروحَ لبارئِها.

رغم اعتذار عبد الناصر وتحمّله مسؤولية هزيمة يونيو والبدء الفوري في حرب الاستنزاف وإعادة بناء الجيش ورفض الملايين تجديد مصر بغير روح الريّس، إلا أن التاريخ الذي يكتبه الخصوم، الاخوان والوفد والسادات وتلاميذ إيلي كوهين في مصر، كان وصفا لجهنم الناصرية.

خمسون عاما كتب تاريخَ مصر أربعة رؤساء وضعوا في صفحاته كل أحاديث الإفك وكلٌ بطريقته الخاصة، سادات كامب ديفيد، ومبارك اللص، ومحمد مرسي الدرويش( وما أدراك ما الستينيات) ثم السيسي البائع!

ليس غريبـًا أنْ ترتبك معلوماتُ المصريين ولولا الأشقاء العرب في كل مكان لنسيَ المصريون تاريخَهم الناصري ومشروعَهم القومي الكبير، وكلما أهالوا الترابَ على زعيم لم يعرفه أكثرُهم، أزاح الترابَ أشقاؤنا العرب في العراق وسوريا وليبيا والجزائر واليمن والكويت وفلسطين وكل عربي تابع تاريخَ مصر الحديث عن غيرِ طريق الاخوان والوفد والصهاينة ورؤساء ما بعد أبي خالد.

ضعوا له أوصافـًا شيطانيةً تثلج صدورَكم، النكسة، صديق صديقه، معتقلات شمس بدران، استخبارات صلاح نصر، تهور ومغامرات ومقامرات، كلاب تنهش جسد زينب الغزالي، حتى نكبة 1948 التي كان فيها ضابطا في جيش الملك جعلوها من أخطاء الريّس!

لكن جمال عبد الناصر سيظل في غيابه حاضرا، وستأتي أجيال مصرية لم تتلوث ألسنتها بعبرية من جاءوا بعد الريّس، وسيقرؤون التاريخَ من جديد، وسيكتشفون مصرَهم مرة أخرى، وربما يذهبون إلى قبر عبد الناصر لذرف دموع كانت عَصيـّة طوال سنوات الغش والكذب والكوهينية وأحقاد السادات ومبارك ومرسي والسيسي، فعبدُ الناصر لم يمُت، وروحه تحلق في الوطن العربي برمته وعندما تصل فوق أرض مصر التي عشقها تُسْقــِط من العالم الآخر دموعــًا لا يراها أكثر المصريين.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 28 سبتمبر 2020 

  

 

27‏/09‏/2020

هل يُصاب شعبٌ بمرضٍ نفسي جَمْعي؟

 هل يُصاب شعبٌ بمرضٍ نفسي جَمْعي؟

تتعرض شعوبٌ لضغوطاتٍ هائلةٍ لو أصابتْ جبالاً شاهقةً لتصدعتْ، وتهشَّمتْ، وتناثرتْ فوق الوديان!

تطول فترةُ احتلال خارجي، وتكبر أجــنّة وُلـِدَتْ في ظلال المدافع والدبابات والقتل والاغتيال ومطاردة المحتل للمواطنين، ونهب خيراتٍ، وتعذيب من يرفض الفوقيةَ الاستعمارية؛ وعندما يأخذ الاستعمارُ عصاه ويرحل، يكون قد تَرَكَ شعبــًا رغم بطولة أبنائــِه إلا أنَّ القسوةَ والانتقامَ وروحَ الثأرِ تكون قد طالتْ أكثرَ أفرادِ الشعبِ المُحَرَر، إلا القِلــّـة النادرة التي نجتْ بفضل مقاومة عقلية وعصبية وثقافية وعقائدية.

تمدّ فترةُ حُكْمِ ديكتاتور في توسعة مساحة الاضطهاد، فيصبح البلدُ في ظل حُكْم طاغية من أبنائه كأنه نسخةٌ مُصَغَّرَةٌ من معتقل جوانتانامو، وإذا زادتْ فترة حُكْم الديكتاتور المُذِل والمهُين عن عشرين أو ثلاثين عامــًا يظهر أحدُ أخطر أمراض العصر فيصبح الوشاةُ أكثرَ عددًا من المواطنين الطبيعيين، ويخاف المواطنُ من الحائطِ لئلا يُسرّب صوتــَه وآهاتــِه، ومن رجل الشرطة خشية أنْ تلتقي عيناه بعينيه فيتم القبضُ عليه، ويرتعش المواطنُ لدىَ سماعِ أيّ صوتٍ، وإذا أوقفه طفلٌ صغيرٌ في الشارع ذهب به الظنُ للوهلةِ الأولىَ أنه مطلوبٌ في أقرب قسم شرطة.

يحكُم جاهلٌ بلدًا فتلتف حوله النخبةُ والصفوة والمثقفون والأكاديميون، وإذا بَصَقَ فَسَّر إعلاميوه البصقةَ أنها ترمز لكراهيتــِه لأعداءِ وطنه، وأنها تعبيرٌ عن رؤيته للذين يريدون تدمير َإنجازاته.

وهنا يولد جيلٌ جديدٌ، أو يُجَدَّد جيلٌ قديمٌ لا يرىَ في الجهل عيبــًا، ولا في الأميــّة خطأً، ولا في الدروشة ثغرة واحدة.

رغم الخطأ في التعميم إلا أنه حقيقة واقعة مع استثناءات قليلة؛ فتستطيع أنْ تقول عن شعب أنه جبان أو غليظ الحِسّ، أو جافٌ في مفردات حواره، أو مازوخي النزعة، أو قابلٌ للاحتلال من قِبَل قوىَ أخرى، أو يحتقر ذكورُه إناثَه، أو مؤمنٌ بأنَّ سيدَ القصر هو خالقُ الكون، أو ذو نزعة زراعية أرضية تجعله لا يغامر بمغادره مسقط رأســـِه، أو شعب لا ينظر أبناؤه تحت أقدامِهم إنما يتوسلون للسماء أنْ تدلــّهم على الطريق، وشعب يأكل ويشرب وينام ويتزوج بفضل الأدعية الدينية ظنــًا منه أنَّ اللهَ يرسل إليه حلولاً جاهزةً أو يُنـــَـزل عليه مائدةً من السماءِ أو يُحيي الطيرَ أمامه ليتأكد أنه الحق.

التعميمُ الكاملُ والتام لأمراضٍ شعبيةٍ يحتمل الخطأَ، أما الاستثناءُ القليلُ فيُدخلك في دائرة وصفٍ شبه حقيقي لصفاتِ شعوبٍ لم تتحمل الضغوطاتِ الثقيلةَ فاحتاجتْ إلىَ فحصٍ طبــّيٍ نفسي وعصبي و.. عقلي جَمْعي!

عندما يدخل استعمارٌ بلدًا آمنــًا يبحث عن الكود الخاص بشعبه، أو ما أُطلق أنا عليه الأمراض النفسية والعصبية والعقلية والعقائدية لتسهيل مهامــِه الاحتلالية مع افتراضِ أنَّ الاستعمارَ نفسَه لم يَقُمْ بصناعتــِها.

هناك مرضُ الدونية اللسانية فيخرج المحْتل بعد عدة أجيال ويترك لسانــَه في حَلــق الشعب المستعْمَر ليعيد إنتاجَ العبودية والإذلال والانبهار من باب الثقافة والتعليم!

يمارس رجالُ الدين في بلدٍ ما صناعةَ المواطن الدرويش بعد تغذيتــِه بفضلات حكايات ماضوية مشحون فيها الدين والجنس والمرأة ورضا السماء مع جائزة مستحَقة يوم القيامة بمزيد من الجنس واللذة والمُتعة.

هذا المواطنُ المصاب بمرض الدروشة عجينة في أيدي الطغاة والمستَغـــِلين والنصّابين والمُحتالين فبمجرد ما توحي إليه أنَّ حديثــَك عنعنته أجيالٌ بعد أجيالٍ من سلفٍ مجهولين لا تعرفهم يمكن أنْ يرتكب كل الفواحش وتخاف على أطفالك منه لأنَّ الدروشة والضمير العقلي لا يجتمعان.

سؤالي مرة أخرى: هل يُصاب شعب ( مع تخفيف التعميم) بمرض عصبي ونفسي وعقلي وعقائدي؟

أجيب بــ(نعم) كبيرة فقد أتيحت لي الفرصة للاحتكاك بمعظم شعوب العالم وكنتُ أتنبأ، بيني وبين نفسي، بنوعية الحوار اللاحق مع شخص وفقا لحساباتي الخاصة عن طبائع الشعوب، وغالبا ما يكون استنتاجي صحيحـًا!

هناك صفات إذا زادتْ حَدّتــــُها تصبح أمراضــًا، وإذا خفّتْ تنضوي تحت طبائع الشعوب.

لم أشر إلى أسماء أفراد شعب بعينه في هذا المقال فالمنتفضون دفاعا عن أمراض شعوبهم أكثر من المتأملين صمتا لعل في كلامي بعض الحقيقة!

طائر الشمال

محمد عبد المجيد

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 27 سبتمبر 2020  

25‏/09‏/2020

شجاعةُ الدينِ ليست دينَ الشجاعةّ!

 شجاعةُ الدينِ ليست دينَ الشجاعةّ!

لا يوجد دينٌ على وجهِ الأرضِ يجعل منك إنسانــًا شجاعـــًا في الفروسيةِ وقولِ الحق والحوارات الأدبية والمخاطرة لإنقاذ فريسة من أنياب حيوان متوحش والوقوف في وجه ديكتاتور والتعبير عن الرؤية السياسية خارج الصندوق في قضايا رأي عام!

ولكن توجد شجاعةٌ منك تزفرها شخصيتــُك وأفكارُك وقدرتُك على المواجهة فتـُلـْصِق نفسَها بالدين أو تُفسِّر الآياتِ الحمَّالــَةَ الأوجه لصالح أنفاس الحرية والكرامة والثقة بالنفس التي تتمتع أنت بها، فتدلف إلىَ مشاعرِك قداسة انتزعتــَها أنت من الدين في الوقت الذي أخذها غيرُك كأنها طاعة عمياء لمن تظن أنهم فوقك.

كل التعاليم في أديان الأرض قاطبة تُفسّرها أنت وفقــًا لمساحة الشجاعة في صدرِك، فتحيل المفردات إلى قاموس الجُبْن أو نظيرِه مُعجمِ الشجاعة، فالخنوعُ يتحول إلى رغبة في السلام، والخوف يصبح بحثــًا عن الأمن، والمعركة الأدبية تَضحىَ هُدْنةً واستراحة أو تجنبَ صداعِ الحوارات؛ أما استخدام مُعْجَم الشجاعة فعكس السابق تمامـــًا.

لهذا فإنَّ المتلاعبين بالمقدسات من خارج دائرة المؤمنين يسْهُل عليهم السيطرة الايجابية أو السلبية بتفسيرات الإقدام أو الخنوع حسبما توجههم الرغبة في تقديم الدين كمُحفِّز علىَ الغضب أو .. كمُفَرمل للشجاعة!

كل الحروب الدينية على مدار التاريخ الإنساني لجأتْ إلى أعماق النفس زاعمة أنها دخلتْ صفحات الكتب المقدسة، فتستخرج ما يوافق هوىَ المحاربين أو القياديين وتضع خِتْمَ السماء علىَ معارك الأرض.

حتى العبيد كانوا يجدون تفسيراتٍ مريحةً للضمير لدىَ الوقوف تحت أقدام أسيادِهم، خاصة إذا خُتمَتْ برضا المعابد، وطاعةُ العبــْد لسيدِه تختلط مع طاعة العبدِ لربـــِه بفضل تفسيرات السَيّد الذي يضع الكـُرباجَ داخل كتابـــِــه المقدّس.

السماءُ تأمرك بالحُسنىَ فيأتي من يقنعك أنَّ المقصودَ بالحُسْنىَ جزُّ الرؤوس، فتقتنع؛ ليس بما قيل لك من الخارج، ولكن بما أفرزته نفسُك من الداخل.

معاركُ مقارنة الأديان هي أسهل الحروب الافتراضية على وجه الأرض، لأنَّ المحاورين يعثرون بسهولة على تناقضات أديان بعضهم بحُكْمِ المساحة الزمنية والمكانية في التاريخ والجغرافيا، فتختلط الحقائق والحكايات التي اختفىَ قائلوها تحت الأرض مع مقدسات عاشت في صدور المؤمنين بها فاكتسبتْ كلها صفة الرهبة؛ وهي التي تُيسّر التفسيرَ النفسيَ لفرسان المقارنة والمقارعة والضرب تحت الحزام حتى لو لم تصهل خيولـــُهم الفكرية.

ضع مسلمــًا ومسيحيــًا ويهوديــًا في ساحة معركة مقدسة مع بوذي وهندوسي وكونفشيوسي، فهل تستطيع أنْ تتنبأ بالمنتصرين؟

أغلبُ الظن، أو كما أنا أظن، أنَّ المنتصرين منهزمون كما أن المنهزمين منتصرون، فمئات السنوات من تاريخ كل دين من الأديان الستة، سماوية أو أرضية، تسمح لك أنْ تعثر على ثغرات وضعية يزعم صاحبــُها أنها سقطتْ من السماءِ، أو ثغرات سماوية قذف بها تجار ُالدين إلى الأعلىَ.

كل عُشّاق مقارنة الأديان يدخلون المعركة بالقَدَمِ اليُسرىَ فيطعنون في مُسَلــّماتِ مخالفيهم اعتقادًا منهم أنهم يدافعون عن مُسَلــّماتهم الذاتية، فلا آمن هؤلاء بعقيدة الآخرين و.. لا كفر الآخرون بمعتقداتهم.

أعودُ إلى قضية الطرح مؤكدًا أنَّ الدينَ لا يُعَلــّمك الشجاعةَ؛ إنما تُعَلــّمك إياه صفاتــُك النفسيةُ حتىَ لو صنعها التهَوّرُ واللامبالاة بالخطر والرغبةُ في التهْلــُكة، وكذلك الشجاعة تستطيع أنْ تصبغ بها الدينَ كلـــَّه أو بعضـَه وتقنع نفسَك بأنها أوامرُ و.. توجيهات عقائدية جعلتك فارســـًا مغوارًا.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 25 سبتمبر 2020  

 

24‏/09‏/2020

لماذا تتأخر بعض الشعوب؟

 لماذا تتأخر بعض الشعوب؟


هل يتوقف النمو العقلي أو التطور الذهني لبعض الشعوب ولفترة مُحددة ترجع لأسباب مجهولة أو معلومة؛ ثم تعاود التطور مرة أخرى؟

الجماهير التي تتوسع فتصبح شعوبا محشورة في مساحة جغرافية تكون لها أحيانا بعض صفات الأفراد؛ فتتأخر أو تتقدم أو تتقزم فكريا أو تَضْحىَ فقيرة في تغذية اكتشافاتها التنموية أو النهضوية، فتتراجع لتصبح فريسة سهلة لقوىَ أكبر وأذكى وأقوىَ منها، فتغري الاستعمار، مثلا، لافتراسها أو تمنح الأثرياءَ فرصة للتلاعب بمقدراتها، أو تؤكل خيراتُها من كل جانب.

هناك شعوب وصلت في زمن ماضٍ إلى قمة الحضارة في ذلك الوقت، ونفس هذه الشعوب المُكوِّنة لدول وبلدان تراجعت على كل المستويات، ولكن ظل الجانب الفسيولوجي كما هو من الجسم والعظام وحجم المُخ وحدة البَصَر   وغيرها.

ويتناسب التطور الحضاري عكسيا مع قوة تحمّل الأمراض الفردية، وتظل الأوبئة عصية على الإنسان بنفس القدر، سواء كان متطورا أو متخلفا، وكوفيد 19 مثال حيّ لاكتساحه العالم المتقدم ونظيره المتأخر بنفس السرعة والقوة.

لكن يظل السؤال المطروح عن غرابة التأخر بغير إجابة بعكس التطور وهو حالة طبيعية للجنس البشري والحضارات والخبرات والعلوم والاكتشافات الطبية والفضائية والالكترونية.

لماذا تتأخر شعوب شهد تاريخها نهضة معمارية وفكرية وعلمية، ورسم الأقدمون في معابدها قوتهم وتقدمهم، فجاء وقت ضعف حضارة الخــَــلــَــف وأصبحوا غير قادرين على مواجهة شعوب صغيرة العدد، ضئيلة التسلح والجيش؟

هل الجينات الوراثية لها تأثير في حركة الشعوب والدول؛ وإذا كان هذا صحيحا فكيف تنشط جماعات في ظل الاستعمار المتقدم، فإذا غادرها أو أُخرج منها أو هزمه أصحاب الأرض عاد الضعف يُنهك المنتصرين ؟

أعود إلى السؤال الرئيس عن كيفية التأخر بطيئا أو حثيثا فتقبل جماعة من البشر المذلة والخنوع والفقر ونهب أموالها وفتح السجون والمعتقلات لأبنائها وإذا استخدمت عقلها ففي تبرير مهانتها وكثيرا ما تضفي قداسة دينية على من يدوس فوقها؟

بعد سنوات من قبول الأمر الواقع والخضوع لهدوء وسلامة وأمان الإذلال تكون الجماعة قد غيّرت مفاهيم لغوية في قاموسها الحياتي، فلا تستطيع أن تشرح لها معاني الكرامة والحرية والإنسانية والاستقلال فهي مفردات قادمة من عالم غريب عنها حتى لو كانت من صُلب حضارتها القديمة وكفاحها ضد مستغليها ومحتليها ومستنزفيها وناهبيها.

أغلب الظن أن هذا الضعف والخمول والمسكنة يفتح الباب لرجل واحد فيدخل مستعرضا قوته، ويجد في انتظاره حراسا ومدافعين وجبناء وخائفين ومنافقين وعبيدا يكوّنون خط الدفاع الأول عنه، ثم تكبر وتتناثر وتتسع دوائر وخطوط الدفاع فتدخل كل مؤسسات الدولة وسلطاتها القضائية والتشريعية.

هنا تكون الجماعة قد فقدت إيمانها بنفسها وبوطنها وبقدرتها على إدارة شؤون بلدها، وتظهر قدرة المتحكم في تحريك الخيوط في كل اتجاه يراه مُساعدا لاستمرار الخمول الشعبي.

لا يكون حاكم قوي أو ديكتاتور سوبرمان أو طاغية مُستنسخ من كينج كونج، إنما يوجد مرشدون ومتعاونون ووصوليون وجبنان ومستغلون، وهؤلاء يحركون من وراء الشعوب ومن خلف الستار ويوحون لجماهير الناس أن الديكتاتور هو الذي يمسك كل الخيوط.

الطائفية والتطرف الديني وقداسة بعض الأفراد والتبرع الذاتي بالخوف كلها أمور تنتهي بالتخلف الاجتماعي والتأخر الجماهيري.

من الذي حرّك هذه الجماهير، مثلا، في رواندا عام 1994 فقتلت من بعضها مليونا كأنها في لعبة تشبه صراع الديكة؟

لماذا يختار حاكم في بلد ما ضعاف النفوس والعقول والجهلاء والجبناء والوصوليين للامساك بمفاصل الدولة، وتصمت الأغلبية؟

معظم الشعوب المتخلفة قامت لها قائمة وانتصبت في تاريخها حضارات بل ربما أغارت على جيرانها وأرسلت جيوشها وعلماءها ومبشريها ودعاتها إلى أركان البسيطة في أقصاها وأبعدها، ومع ذلك إذا نظرت إليها الآن لا تجد تفسيرا منطقيا لقبول التأخر التدريجي الذي ينتهي بالعبودية الطوعية!

أنا أظن أن فقدان او ضعف أو غياب ما يمكن أن أطلق عليه( حاسة الغضب) هو الذي يفتح المجال للضعف في كل جوانبه، والفرد كالجماعة كالشعب؛ إذا ذبلت أو اضمحلتْ أو خفتت حاسة الغضب للكرامة والاستقلالية والإنسانية والملكية الجماعية( هذه بلدي، وأرضي، وبحري، ونهري، وخيراتي، وإرثي من أجدادي، وحريتي ..) تكون الدولة كلها في حالة استعداد للقبول بكل سيئات التخلف ومنها الإذعان والمهانة وتقديس القوي أو تقوية القديس قبل الخضوع له.

المبشرون المسيحيون والدعاة المسلمون مارسوا أكثر على مدى التاريخ دور وسطاء الخنوع واقناع الشعوب أن التخلف والطاعة والعبودية قد تكون أقصر الطُرق لرضا السماء.

على المستوى الفردي فأنا تُحيّرتي الصورة الغامضة لفرد تعلــَّــم وتثقف وقضىَ جل حياته في تحصيل المعرفة ثم اختار العبودية الطوعية والقداسة لممثلي السماء المزيفين وممسكي سوط الحاكم فركل بحذائه ما تعلمه، ولعق بلسانه ما سيُنجيه من خطورة تطوره الذهني والعلمي والفكري.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 24 سبتمبر 2020 


 

23‏/09‏/2020

خطورة الاكتفاء بالضمير الديني!

 خطورة الاكتفاء بالضمير الديني!

لا أقصد هنا اللجوء للضمير الديني لتوجيه المرء لصلاح نفسه وخدمة المجتمع؛ ولكنني أعني الاكتفاء بالضمير الديني وجعله الحاكم والمتحكم في سلوكيات الفرد أو الجماعة أو المجتمع أو السلطة، تنفيذية أو قضائية أو تشريعية!

الضمير الديني ليس بالضرورة مصنوعا في السماء، أو تُحركة إرادة عليا فأي شخص يمكنه الاستعانة به لأغراض دنيوية دنيئة ثم الزعم بأن السماء راضية على أفعاله، كالمجرم القاتل أو المُغتصب الذي يقف أمام القاضي مُدعيا أنه أتىَ إلى المحكمة وبصحبته الله، ليشهد على صحة أقواله.

كل تجار المخدرات يشكرون الله لأن البضاعة وصلت سليمة، بل إن بعضهم يدفع رشوة إلى السماء لأنها، على حد زعمه أخفته عن رجال الأمن، فيُسْكِت ضميرَه الديني الهشّ بمساعدة بعض الفقراء والمساكين وإقامة موائد الرحمن!

الضمير الديني قد يكون مناهضا للدين وفاتحا المجال لكل الشرور مع صبغة مقدسة ومظاهر خادعة والاستشهاد برب العباد.

إذا أراد ديكتاتور سادي وفاشي تمرير جرائمه من بين صيحات الاستحسان التي يطلقها الساذجون من رعيته فإنه يرتدي مسوح الرهبنة( إسلامية أو مسيحية أو يهودية) فجان بيدل بوكاسا أراد الحصول على تصريح من بابا الفاتيكان ليًسْكِت المؤمنين في جمهورية أفريقيا الوسطى، ثم اقترب من الإسلام ليمد يده في جيب العقيد معمر القذافي، لكن العلمانية أيضا دعمته فرنسيا بنفقات تنصيبه إمبراطورا.

أنت قد تؤمن بالله وتصلي في مسجدك أو كنيستك أو معبدك فتظل في دائرة السلوكيات المفيدة لك ولمجتمعك عندما يحركك ضميرك الاجتماعي حينما تمارس شعائرك الدينية؛ ولكن إذا كان اللجوء شبه الوحيد للضمير الديني فثغرات سلوكياتك اليومية تتضاعف وتزداد وتتوسع، فكل لص وطاغية وقاتل وإرهابي لن يجد صعوبة في البحث في أسمىَ الآيات عن تبرير لأعماله المشينة.

الخطورة في الضمير الديني أن المحكمة قد تُعقد بعد مئة عام أو ألف أو مليون، بل يمكنك أن تتوب أرضيا ظنا منك أن القضاء السماوي لن يعقد جلساته، فالتوبة كلمات وصلوات وأدعية بعدما تكون قد آذيت أو سفحت أو قتلت أو سرقت النفس التي حرم الله.

الضمير الديني يظن أن الاغتسال والصلاة والبخور وقليل من الصدقات يهيل التراب على جريمتك، لكن الضمير الاجتماعي يربطك بكل ما حولك، ولا يشغلك بالفروقات العقائدية والمذهبية ولا يُفرّق بين الذكر والأنثى.

الضمير الديني يُربك حياتك في إدخالك نفق الحرام فقط، وكلما أتت أمُّةٌ أضافت للمحرمات قناعاتها الجديدة مع مزجها بأقوال أناس أكلهم دود الأرض، والضمير الاجتماعي يعاملك كإنسان يخطيء ويصيب ويُعاقَب ويُكافَـأ وصراطه المستقيم هو احترام قوانين ذكية وعادلة وصالحة ومتقدمة ونهضوية لا تطلب شهادة موثقة بالقداسة من باعة الأديان وتجار العقائد.

أتذكر الشاب المهذب السعودي الذي تعرفت عليه منذ سنوات في مدينة الطلاب هنا في أوسلو. جلسنا في كافتيريا فطلبتُ مياه غازية وطلب هو  زجاجة بيرة. ذهب الظن به أنني خجل منه فقلت له: أنا لم أرتشف نقطة خمر طوال حياتي في أوروبا، لكنك حُرٌ فيما تفعل!

تعجب وقال: لكنك تعيش في دولة اسكندنافية  ولا أراك ملتحيا أو تُزيّن جبهتــَـك زبيبةُ صلاة، هل أنت خجل مني لأنني قادم من مكة المكرمة؟

قلت له: إن الله في السعودية هو الله في النرويج، فبُهتَ الضيف و.. لاذ بالصمت.

الضمير الديني يرى الخطيئة في المرأة والجنس فيرتكب الحرام في الخفاء، وأكثر جرائم الجنس والتحرش بالأطفال تجدها في مجتمعات تُغطي نفسها بالضمير الديني والنواهي والأوامر والمحرمات، وأنا عني شخصيا لو خُيرّت بين ترك طفل بمفرده مع رجل دين في معبد أو في غرفة مغلقة أو بين تــَرْكـــِه مع حشّاش أو مجرم بلطجي فلن أتأخر عن الاختيار الثاني، فالأول يضع الشيطانُ أمامه حسابا بعد الموت وسيتوب عنه قبل حضور حفّار القبور، والثاني يضع هو أمام نفسه صورة المجتمع والأهل وأطفال جيرانه والتحضر والتمدن حتى لو كان مقيما دائما في غرزة مخدرات.

الضمير الديني قد لا يقبل توبتك أو استغفارك أو ندَمَك فيقطع رقبتك على طريقة داعش وبوكوحرام وشباب الصومال وطالبان، والضمير الاجتماعي تُحركه أنظمة وقواعد وقوانين وأحكام.

الضمير الديني لا يخجل من القسوة والوحشية وجزّ الرقبة، ومن استعباد الأفراد والجماعات، ومن تجارب الإبادة على الشعوب.

هكذا فعل كريستوفر كولمبس في العالم الجديد باسم الدين حتى أن ملكة إسبانيا رفضت هديته المكونة من أرقاء تمخر بهم سفن اللصوص عباب البحر، فجريمته أغمض الضمير الديني عينيه عنها، ونفس الجريمة أيقظ الضمير الديني للملكة ضميرها الاجتماعي فرفضت. طبعا من الصعب الدخول في تفاصيل الدين والمجتمع في تلك الفترة فقد دفع المسلمون واليهود ثمنا باهظا، ودفع المسلمون والمسيحيون ثمنا باهظا أيضا في فلسطين المحتلة بعد خلط الضمير الديني بالفكر الاستعماري وزعم وعد الرب أنه يُقرب إليه الاحتلال.

خلافات واختلافات المهاجرين تزداد شراسة إذا استعانوا بالضمير الديني، فتنبت الطائفية والكراهية والجهل بالتاريخ والاستعانة بكتب مقدسة، ويقف في المقدمة الاستعلاء والظن أن بعضهم من الفرقة الناجية أو من شعب الله المختار أو من الجنس النقي والدماء الزرقاء وربطها بأحقية الاستعمار.

لم يكن لدىَ الضمير الديني مانع أن يُصلي جنوب الأفريقي الأسود في كنيسة للواقعين تحت الاحتلال ويرفعون أدعيتهم لمسيح اسمر، ويرتدي البيض ملابس أنيقة يوم الأحد وينتظرهم كاهن ليؤدي مع قُداسا أمام مسيح أبيض البشرة، وربما أزرق العينين.

الضمير الديني للمسلم والمسيحي واليهودي والبوذي والكونفشيوسي والهندوسي يبرر بنفس القدر الذي يستعين به سُنّي وشيعي إذا اختلفا في إيران والعراق ولبنان، أو بروتستنتي وكاثوليكي في بلفاست إبان الحرب الأهلية.

إبادة المسلمين في الجزائر من الكاثوليك الفرنسيين، كإبادة الروهينجا من البوذيين كإبادة الأرمن من المسلمين كإبادة البوسنيين المسلمين من الأرثوذوكس الصرب كإبادة الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين من الصهاينة المستعينين بكتب اليهود.

هشاشة الضمير الديني لم يجعلني يوما واحدا أبتعد عن الله والدين والتعاليم، لكنني لا أثق بمن يحاكمني انطلاقا من فهمه للدين.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في  23 سبتمبر 2020

 


16‏/09‏/2020

رسالة من مصري لابنه شهيد ثورة يناير!

 رسالة من مصري لابنه شهيد ثورة يناير!

ابني الحبيب،

مرَّتْ تسع سنوات منذ أن غُدِر بك فغادرتنا، قتلوك فذبحونا حُزنـًا، سرقوا دورَ الله في قبض روحِك فقبضوها غيلة وغيظا وقسوة وغلظة.

أتذكر صباح الخامس والعشرين من يناير وأنا أُلــَـقـنك درسا في الجُبْن فتعلــّـمني الشجاعة والفروسية والنُبل، فتأتي كلماتك السحرية القادمة من عُمق النبوّة الشبابية وأنت تقول: لقد ألزمتَ نفسَك، أبي الحبيب، بالصمت ثلاثين عاما على أبشع طاغية ولص وكاذب ومُزوّر ومهرّب ونهّاب، والآن تريد مني أن أضع رأسي تحت حذاء ابنه ثلاثين عاما جحيمية جديدة؟

كنتَ، ابني الشهيد، في تلك اللحظة كأنك نضجتَ ثلاثين عاما في يوم واحد، وكان معك حق فمن الظلم أنْ أورثك بلدًا للعبيد فتلعن زمني الذي حاولت فيه تعليمَك الصمت فعلــّـمك ميدانُ التحرير صرخات الحرية والكرامة.

منذ رحيلك وأمُّك التي جفّتْ دموعها تنظر إلى الباب وعندما نحاول إقناعَها أنك في رحاب ربك ذي الجلال والإكرام، تغضب، وتتوجه إلى النافذة لعلها تراك قادما من بعيد فتجري لتُعــِدّ الغداءَ الساخن، وقد حجزت لك خُفية الخبزَ الطازج. تصطدم بالسراب فتحيل حُلمَ عودتك إلى اليوم التالي .. وهكذا طوال تسع سنين، ولم تلعن قاتليك ولو مرة واحدة.

مررتُ أول أمس أمام الجامعة ووقفت قليلا أتأمل مشهدا ماضويا عندما كانت تسبقك ابتسامتك البريئة المليئة بأحلام التخرج فحَوّلها الأوغاد إلى بــِـرْكة دماء لأنك طالبت بالكرامة والحرية وكل حقوقك المواطنية!

كثير من زملائك وأصدقائك تخطوا الآن العام الثلاثين، منهم من تزوج وانفصل، ومنهم من وجَدَ ليلاه بعد قصة حب فتزوجا و.. أنجبا، ومنهم من انحرف يمينا أو يسارا أو دينا أو اخوانا أو سلفا، ومنهم من هاجر باحثا عن وطن آخر يفتح ذراعيه للشباب الطموح بعدما فتحت سلطة الوطن النار عليهم.

أتذكر في اليوم الثالث لثورتكم المجيدة أنك اتصلت بنا لتسألني عن أمك وشقيقك الصغير وشقيقتيك، وسألتك: كيف تُصلي في زحام الميدان؟ قلتَ لي: صليت صباح اليوم بجوار دبابة وظُهر أمس ذهبت إلى الكنيسة المجاورة للميدان فتوضأت، وأفسح لي قــِـسٌّ ذو لحية بيضاء ووجه ملائكي مكانا للصلاة، ووجَّهني إلى القِبــْــلة؛ ثم تلوتُ آيات بينات من المصحف الشريف، وعدتُ إلى ميدان التحرير.

منذ أربع سنوات دعاني وأمــَّــك صديقــُـك جرجس إلى حفل زفافه على زميلة لكما كانت تبيت معكم في الميدان، وحضرنا الحفل في الكنيسة، وبكينا عندما أتىَ علىَ ذِكْرك، فقد فقأ مجرمٌ من كلاب مبارك العين اليٌمنىَ لشقيقه وهو لم يكن في المظاهرة، وجاء ليحضر لكم بعض الطعام، فعاجله كلبٌ قذر تعلم في الكلية أن الشرطة في خدمة الشعب، فلما تخرج فهم أنها تعني: الشعب في خدمة الشرطة.

شقيقتُك الكبرىَ هاجرت مع زوجها، والصغرى تدخل غرفتها، وتتأمل في صورتك وأنت ترفع عــَــلــَــمَ مصر في الميدان، وتتمتم معاتبة إياك: لماذا كنت تحب مصر أكثر من الذين صمتوا ثلاثين عاما على الظُلم، يا ليتك كرهتها وبقيت معنا! تسمعها أمُّك وتطلب منها أن تستغفر الله، فقاتلك هو الذي ماتت روحه وبقي جسده يأكل ويشرب وينهب.

أظنك تريد أن تسألني عما حدث لمصر بعد رحيل المئات من زملائك، وقنص عيون المئات، واعتقال الكثيرين ممن حلموا لمصر فتحولت أحلامهم لكوابيس فجعت الوطن كله.

لسذاجتكم وطيبتكم وقلة خبراتكم سلــّـمتم الثورة بعد الإطاحة بالطاغية إلى وزير دفاعه وأمين أسراره  فأصبح رئيسا للبلاد وهتف الاخوان والسلفيون : المشير هو الأمير! لعام ونصف كان الرجل وحشا كاسرا، ينتقم لمبارك ومعه مجلس عسكري يكره كل عضو فيه المصريين أكثر مما يكره إسرائيل.

واستطاع طنطاوي تمكين الحرامي مبارك السادي والمزور النتن من الإقامة في شرم الشيخ حتى يتم تقنين المنهوبات، وتهريب المال، وشراء الذمم من ضباط وقضاة ومدراء مصارف.

وبدأت مسرحية المحاكمة كأنهم استعانوا بكافكا!

حكاية طويلة، ابني الشهيد، لا أريد أن أطيل عليك فيها. انتخابات رئاسية تتبدل وتتبندل لتنتهي لاثنين: شفيق يمثل المخلوع، ومحمد مرسي يمثل انتقام الاخوان.

وتساوى الاثنان تقريبا، ليست مصادفة، واختارت جماهير شعبنا المُزايد في التديــُّـن مَنْ دغدغ مشاعرهم الدينية كأن جيش الاخوان سيدخل مكة ويرفع علم الجماعة على بيوت قريش.

جاء محمد مرسي وفجأة أصبحت الدولة كلها ملتحية وزبيبية وحجابية أو نقابية، وتراجع الوطن ليحل محله الفهم الديني القطبي.

وبعد عام من البؤس خرج الملايين يطالبون بالاطاحة بالرئيس مرسي. 

وجاء رجل من أقصى الجهل ونصف الأمية والغطرسة والغرور والطاوسية يعدهم بالمَنِّ والسلوى.

كان شحاذا في صورة رئيس، ومتسولا وقاسيا وسجّانا ومبغضا لثورتكم المجيد، فكتم أنفاس المصريين كما لم يفعل ديكتاتور في الدنيا برمتها.

وكانت خطوط دفاعه قضاة فاسدين وجهلة، وإعلاميين فضائيين وجبناء وصامتين ومرتعشين ومبررين كل الجرائم التي يرتكبها الرجل.

ولأن الجبناء على الشاشة فقد أقنعوا الملايين بان ثورتكم النبوية الشبابية هي(وكسة).

طبعا تمَّتْ تبرئة كل اللصوص والقتلة والمجرمين وعائلة مبارك حتى تظل الأموال المهربة في أمان بالخارج لينال من وقفوا مع المجرم نصيبهم.

ومات المجرم بعد تبرئته، وخرج رئيس الدولة في موكب عسكري لوداع أكبر لصوص العصر، وقاتل زملائك الذين لولا ثورتهم لما كان للرئيس الجديد موقع قدم.


لا أريد أن أقص عليك، ابني الشهيد، من أمر خيرات مصر ونهرها الخالد وغازها وسينائها وجزُرها وأموالها واستقلالها، خوفا عليك أن ترحل للمرة الثانية.

مئة ألف معتقل في أقذر وأقسى وأغلظ سجون الدنيا يشهدها عصر الرئيس الجديد، الذي غير الدستور تمهيدا لاغتصاب مصر لأجيال قادمة، وسرق أموال الشعب ليبني بها قصورا واستراحات خارجة من عقدة نقص لديه قال عنها بأنه لم يكن يملك في ثلاجته لعشر سنوات غير المياه.

قام برشوة الضباط والقضاة ورجال الدين والإعلاميين وكبار المسؤولين والنواب، ولو اغتصبهم الآن ما رفعوا عيونَهم أمامه.

اشتقنا إليك ابني الشهيد الحبيب، ولن أقول كما قالت أختك من فرط حبها لك: يا ليتك لم تحب مصر هذا الحب المجنون، فمئة ألف معتقل في سجون العدو الداخلي هم الوجبة الأولى قبل إدخل مصر كلها في الزنزانة.

لن أجعل أمك تقرأ هذه الرسالة لئلا تفيض روحها شوقا إليك.

تسألني ابني الشهيد: ماذا لو قرأ مصري في زمن ما بعد رحيلك واستشهادك هذه الرسالة؟

لو أجبتك فستقوم القيامة الصغرى، فالمصري بعدكم مات!

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 16 سبتمبر 2020


    

08‏/09‏/2020

عـــبــــقـــريـــة الديكتاتور الـــفـــاشــي!

 عـــبــــقـــريـــة الديكتاتور الـــفـــاشــي!


لقد استطاع في سبع سنوات أنْ يقنع المصريين بأنهم مجموعةُ أصفار!

وأنَّ نهرَ النيلِ بحيرةٌ إثيوبية!

وأنَّ جيشَه الوطني لا يستطيع أنْ يعترض على التفريط في جزيرتين استراتيجيتين؛ ولا أن يقضي على ثلاثة آلاف من الإرهابيين في مساحة مكشوفة في سيناء طوال سبع سنوات، بل وخبرته العسكرية تجعل الإرهابيين يقتلون الجنود المساكين في نفس المكان عدة مرات وبنفس الطريقة اعتمادا على الجهل العسكري للقيادات.

وأنَّ كنوزَ جبلِ الحلال ومليارات الغاز كانت فياسكو!

وأن حدود مصر البحرية والصحراوية والنهرية ليست خطوطا حمراء إلا في عقله الأجوف.

وأنَّ المصريين يعملون خدمــًا لديه؛ رغم أن الطبيعي أنه يعمل لديهم!

وأنَّ الدستور لُعبة يقوم بتغيير قواعدها فيخرس الشعب كله!

وأنه قام بشراء كل الجنرالات في الجيش والشرطة.

وأن كل مصري يريد أن ينجو بحياته فقط فلا يدافع عن سجين أو مظلوم أو منهوب أو بريء يتعذب في زنزانة بقبو تحت الأرض.

وأن معتقلاته أصبحت أكثر شُهرة من معتقلات هتلر وموسوليني وأنور خوجة والقذافي وصدام حسين وفرانكو وبينوشيه وعيدي أمين دادا...

وأن المصري إذا اختفى أخوه أو أبوه أو ابنه في معتقلات السيسي يكتفي بالدعاء، ويطلب من الله التعجيل في الإفراج عنه.

وأنه لو أعاد الله بعث كل الأنبياء والرُسل مرة واحدة بكل الكتب المقدسة وتوصية خاصة من رب العالمين أن يرفع السيسي يده عن شعب مصر لما اهتزت شعرة في جسده.

وأنه يعرف كراهية المصريين للقراءة وعدم تأثرهم بالكلمة، فعاذ فسادا.

وأن السيسي يؤمن أن بناء طوبة في قصر منيف له ولأسرته أفضل من أن يأكل فقير عشاءه بثمنها.

وأنَّ مواطنــًا يرفع لافتةَ اعتراض عليه ستنتظره زنزانة.

وأنَّ عشرة ملايين مصري في الخارج يرتعشون ويرتعدون خوفا من قائمة المُترَقَب وصولهم.

وأنَّ الذين قاموا بثورة ضد الحرامي المجرم حسني مبارك سيعاقبهم السيسي.

وأنَّ القضاة والمستشارين يأتمرون بتوجيهاته وليس بقانون العدالة.

وأنَّ الجنرالات في الجيش والشرطة يملكون حق تقسيم أراضي الدولة بينهم .

وأن الخطاب الديني السلفي هو المُعبّر عن الرئيس.

وأن 25 يناير لن تتكرر.

وأن الإعلامي الذي لا يمتدح في الديكتاتور السيسي لن تفتح له أي قناة مصرية شاشتها واستوديوهاتها.

وأن الإعلاميين أنصاف الأميين والمطبّلين والمهللين والقردة والمنافقين هم خط الدفاع عنه.

وأنه على يقين من أن فترة حُكمه قد تمتد حتى تصعد روحه إلى بارئها ثم يرث ابنه المصريين ووطنهم وأرضهم.

وأن مجلس نوابه مكانه الطبيعي حديقة الحيوانات مع رئيسه ذي القدرات العقلية الضحلة.

وأن جهله وفاشيته وحماقاته وخربطاته هي فلسفة العصر فهو طبيب الفلاسفة.

وأن المثقفين والأدباء والشعراء والعلماء والأكاديميين مهمتهم خدمته أو لعق حذائه.

وأن عبقريته في التسَوّل من الأثرياء.

وأنه صنع مصرَ من جديد في إنشاء بعض الطرق والكباري في مقابل إهمال التعليم والعلاج والمستشفيات.

وأن فلسفة القروض فكر متقدم ينفق منها على عصره، ويسددها وفوائدَها أحفادُ المصريين.

وأن البحر وشواطيء الاسكندرية ينبغي أن تحتجب عن الشعب.

وأن مسجد "الفتاح" العليم المقصود به السيسي وليس الله.

وأن شمّاعة استمراره هي الحرب ضد الاخوان حتى بعد أن أصبحوا لا يملكون إلا بعض الإذاعات والقنوات الفضائية.

وأن إسرائيل لم تجد منذ النكبة عام 1948 عرّابا لها أفضل منه.

وأنه لا يحب العربَ الفقراء، فيدُه في جيوب الأثرياء وهم يتحكمون فيه.

وأن رئيسَ مصر الأقل احتراما في العالم من أي زعيم آخر.

وأن الإثيوبيين يحتفلون بسذاجته وعباطته وتخلفه فحصلوا على ما لم يحلموا به منذ آلاف السنين.

وأن فرحته بوصف ترامب له بــ"ديكتاتوري المفضَّل" لن تدوم طويلا.

وأنه لا يلتقي مصريان إلا ويسخران منه، لكن السخرية لا تُسقط الطواغيت.

وأن مئة ألف معتقل هي الوجبة الأولى لاستعباد المصريين قبل اعتقال الشعب كله.

وأن الجبان فقط من تتفتح له كل الأبواب.

وأن الوشاة هم حُماة القصر.

وأن عددا هائلا يعتقلهم بدون محاكمة ولكن بقانون الطواري:" أنا أو ولاد الكلب"!

وأن مئة مليون مصري يعادلون فِرْدة حذاء في قدمه اليُسرى، حتى لو أغضبهم هذا الكلام وصاحوا: لا تقترب من كرامتنا.

كيف أقنع السيسي المصريين بأنهم صُمٌّ، بُكْمٌ، عُميٌ.. في عهده.

وأن كل كلمة في الهاتف والنت والتلفزيون والراديو وقسم الشرطة تصل إليه قبل أن ينطقها المواطن.

وأن تأثير المسيحية والإسلام في مناهضة الظلم صفر على الشمال.

وأن المصريين يخشونه أكثر من خشيتهم رب الكون العظيم.

وأن من لا يخافون منه، يفزعون من الأصدقاء والأحباب والزملاء والأهل فالوشاية أضحت دينَ الشعب .

كيف استطاع السيسي الجاهل والفاشي والمتعاون مع الاحتلال والقاتل ورافض علاج المرضى السجناء السيطرة على أعرق شعوب الأرض؟

لابد أن يكون هذا الديكتاتور الجاهل عبقريا في معرفة كلمة السر التي تُدخله في صدور المصريين فيتحولون إلى أرانب تجري إذا شمّتْ رائحتــَه؟

يُضْرَب المثل بالمصريين في الدنيا كلها في عهده بأنهم يخافون من خيالــِهم، ويخشون بعضَهم، ويعرفون أن الزنزانة الضيقة القذرة هي السكن الملائم لمن يتنفس أمامه.

لو نزل إبليس بنفسه واستولىَ على الحُكم فسيترك للمصريين دقائق معدودة يصرخون أو يتنفسون أو يعترضون على استحياء؛ أما هذا الرجل فهو مصنوع في المجلس العسكري وأكمل المصريون صناعته ليتحول إلى دراكيولا العصر بابتسامة ومَســْكــَـنَة قبل أن يُرهب و..  يُخيف.

صدّقوني إذا قلت بأننا قد نستيقظ ذات صباح ونكتشف أن السيسي باع مصر كلها، شعبا وأرضا وبحرا ونيلا وخيرات، وأنه قبض الثمن، وأن رقابَ المصريين ستنتقل إلى ديكتاتور آخر، عربي أو عبري أو أمريكي أو سلفي متطرف أو قائد عسكري.

لو اقتنع المصريون بأن من حقهم الغضب إذا سُرقوا، وأهينوا، وظُلموا، وتعذبوا، وحُرموا من السكن أو التعليم أو الطعام أو الشراب أو التنفس أو حق الكلام والاحتجاج؛ فإن نهاية السيسي تصبح قاب قوسين أو أدنى من الهروب من قصر الاتحادية.

لو ألهمني اللهُ كلمةَ السرِّ التي تُغضب أبناءَ شعبي لما ترددت لحظة في كتابتها أو الصراخ بها!

لي رغبة أن أطرح سؤالا حرجا لن يغضب منه السيسي؛ لكن أبناء مصر سيغضبون!

هل هناك من يملك دليلا واحدًا أنَّ المصريين أحياء؟

يقرأ المصري هذه الكلمات التي تتصدع لها الجبال عن الظلم والقهر فيقول: المهم أنا وأبنائي وأسرتي وليذهب الآخرون إلى الجحيم، فلست أنا الذي سيغير الكون.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 8 سبتمبر 2020


لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...