23‏/03‏/2019

تمخض الرصاصُ فوَلـَـدَ حُبــًـا في نيوزيلندا!

تمخض الرصاصُ فوَلـَـدَ حُبــًـا في نيوزيلندا!

أشد العواصف تأتي من الهدوء، وأعلىَ الأمواج من المحيط الهاديء الذي تنام نيوزيلندا في أحضانه فتصنع سلاما بعيدا عن أعين المتلصصين، فبريطانيا العظمىَ أخذت عصاها ورحلت عام 1947، أي بعد استقلال الهند، ثم تقسيمها إلى هند وباكستان، ثم تقسيم المقسَّم إلى باكستان وبنجلاديش؛ لئلا نغض الطرف عن تقسيم فلسطين بين المحتل و .. صاحب الأرض في نفس العام.
واحد في الألف من المسلمين في العالم سمعوا عن رئيسة وزراء نيوزيلندا، تلك المرأة الرائعة التي أرضعت طفلتها في جلسة للأمم المتحدة؛ وفجأة تمنّىَ كل مسلم أن تكون جاسيندا أردرن رئيسته في البلد وفي العمل و.. في البيت!
في العدالة فإن النساء قوامات على الرجال، وفي بضعة أيام كانت الدولة كلها وبرلمانها وشرطتها وجيشها تستجيب للمرأة المرضعة وتسحب السلاح نصف الآلي، ثم تصبح الدموع الدافئة على الضحايا المسلمين في المسجدين مقدمة للتسامح في بلد استضاف أقل من واحد في الألف من أتباع خاتمة الرسالات السماوية، ونصف النصف من الهند حيث ترعى روح غاندي السلام والماعز والنسيج.
متطرف من نبتة شيطانية؛( رفضت جاسيندا نُطق اسمه ) فإذا تأملت في جذورها رأيت الإعلام ومقارنة الأديان والفيلم العنيف والعنصرية البغيضة وكراهية الآخر بجهل مخيف!
ألم يكن للمتطرف النيوزيلندي نسخة نرويجية انفجرت حقدا في 22 يوليو 2011، واختارت واختار القاتل المصلين الآمنين كما اختار برايفيك النرويجي مؤتمر شبيبة حزب العمال  ففرغ لأكثر من ساعة رصاصاته المجنونة في شباب وضع للتو خطواته على باب المستقبل.
آندريش برايفيك مثل أي إرهابي، يعطي إشارات قبل القتل، وينتظر أن تفهم السلطات، إنْ عاجلا أو آجلا، سيقوم بعملية إرهابية في مكان ما. أجهزة الأمن لا تُبصر ما يراه المحللون النفسيون، فالارهاب الديني واليميني والشيوعي والعنصري يكاد يصرخ بالجريمة قبل وقوعها.
قوامة المرأة على الرجل في استتباب الأمن وتحقيق العدالة أمر لا أرتاب فيه، وحتى القبضة الحديدية ( مرجريت تاتشر في جزر الفوكلاند) كانت عدالة كما تراها سيدة الإمبراطورية البريطانية على مبعدة آلاف الأميال من الأرجنتين.
سيدات حكمن فعدلن، أما جاسيندا آردرن فقد أضافت إلى الحُكم لمسات إنسانية فلا يدري المرءُ إنْ كانت تحكم أم..  تحب!
عبقرية الحُكم أن يرتدي الحاكم رداء المظلوم وغطاء الضحية ويزيح جانبا الفروقات الإيديولوجية بين الناس؛ حينئذ تلتصق العدالة بالمساواة.
لو ارتدىَ حاكمٌ مصريٌ رداءً وطنيا قبطيا في الأربعين عاما المنصرمة لاحتفل المصريون كل يوم بعناق الهلال والصليب، ولما تجرأ مجنون(!) أن يخدش أو يجرح كنيسة في أرض الكنانة.
لم تشهد نيوزيلندا منذ عام 1943 ( عندما قتل 48 يابانيا في الحرب العالمية الثانية )  مذبحة بشرية كمذبحة المسجدين.
نيوزيلندا قفزت من المجهول إلى قلوب العالمين بمختلف جنسياتهم وعقائدهم، ويبدو أن الله خلق الرجل من ضلع المرأة، فالعنصرية رجل، وكذلك الإرهاب والحروب والنزاعات والتعصب والتبشير الاستعماري والحروب العالمية هي رجل!
تُرىَ لو كانت امرأة هي التي تلقت الأوامر بإلقاء قنبلتي هيروشيما وناجازاكي في نهاية الحرب المجنونة؛ فهل كانت ستطيع قائدها؟
جاسيندا آندرن أول داعية إسلامية غير مسلمة؛ لكنها حملت راية الإنسانية ولم تتحصن بالكتب المقدسة؛ إلا عندما ألـّـفتْ بين القلوب في تأبين الشهداء.
من حق مسلمين أن يفرحوا باعتناق مئات النيوزيلانديين الإسلام بعد المذبحة؛ لكنني لو خُيّرت، رغم أن الأمر كله لله، فسأطلب عودة أرواح الضحايا لأحضان أحبابهم بدلا من اعتناق المئات للإسلام.
إن خطاب الفوقية البيضاء قديم قِدَم التاريخ، وتشهد عليه حملات الاستعمار في كل شبر من الأرض الملوثة بالدماء، جنوب أفريقيا وناميبيا وليبيا والصومال والجزائر والكونغو وفيتنام و ...
القاتل، الأبيض والأسمر والأصفر، بيننا، ونزعم أننا لا نراه!
إن اعتناق المئات للإسلام ليس انتصارًا للدين؛ إنما هو نصر للإنسانية ممثلة في جاسيندا آردرن، ولو حدثت المذبحة في معبد بوذي أو هندوسي أو سيخي أو بهائي أو قادياني فالناس الطيبون المفعمون بالإنسانية سيتوجهون نحو عقيدة الضحايا!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 23 مارس 2019   

18‏/03‏/2019

العبيدُ يهزمون العبيدَ .. مديحــًــا!

العبيدُ يهزمون العبيدَ .. مديحــًــا!

أن تُهزَم دولة في حرب مع عدو خارجي أقل فداحة من أنْ يهزمها أدباؤها وإعلاميوها ومثقفوها المحصّنون بالتاريخ والجغرافيا واللغة!
الهزيمة الداخلية بضلعيها اللغوي والمديحي للسلطة عارٌ بكل المعايير، ومناهضة للأخلاق، ومعاكسة للقيم الروحية، فالأمة التي يتسابق مثقفوها في كيل المديح لسيد القصر؛ سيأتي الوقت الذي يمتدحون فيه فأرًا ميتـًـا إذا ترشح لسيادة القصر.
الأمة التي لا تُفرّق بين الصوت والسوط تُهيل الترابَ على مستقبلها؛ فلا يكفي أنْ تسخر في غرفة مغلقة ومظلمة من خلف ظهر الحاكم، فالجُبن له عدة وجوه وقلب واحد إذا حرَّكت الرياح ورقة من فرع شجرة سقط بين الأضلع قبل أن تصعد الروح.
كلما امتدح مثقف أو أديب أو إعلامي أو شاعر في عبقرية حاكم متخلف وكاره للثقافة وخصم للغة وعدو للمعرفة؛ أحسستُ بضربة كف غليظة تصفع قفاي من الرأس إلى الظهر!
نعم، أكلُ العيش مُرٌ، والأمَرّ منه ابتلاع الغائط الجاري من مواسير قصر الحاكم، ولا أبالغ إذا قلت بأنني أعرف الكثيرين تبرعوا بالتهام غائط سيدهم؛ وتلذذوا به.
في السنوات القليلة المنصرمة أصابتني أقلام وألسنة عِجاف بغثيان لم يَمُر عليَّ مثلـُه طوال نصف قرن.
إذا لم تصطك أسنانهم وترتعش ركبهم، تبرعوا بهزّها وتحريكها؛ فالحاكمُ يغضب من أيِّ إشارة لا يرسلها المثقف والإعلامي والنخبوي والأكاديمي ممهورة بتوقيع العبد الذليل والمطيع ولو كان عقله يزن مئةً من زويل ومجدي يعقوب، فالعبودية المختارة قدَرٌ لا فكاك منه.
خسرت عشرات من أصدقاء وأحباب كانوا يمنحونني الدفءَ الفكري، والفهمَ الوطني، واللسان الذي يصهل في الساحة قبل المعركة.
في سنوات قليلة كان الكرباج الواحد والوهمي ينزل على ظهورهم دفعة واحدة، وهُم على أهبة الاستعداد ليخسروا وطنهم وأهلهم وفلذات أكبادهم وصلة الرحم وصداقة العُمر من أجل أن لا تقدح العين السليمة لحاكم أعور شرارة وغضبا؛ فالأخبار العشرة الأولى من تسعة لم تُشر لعبقريته.
ملعون من يزعم أن حاكمنا وسيدنا لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما!
ملعون من لا يصدق أن حاكمنا سيقف على يمين الله، عز وجل، يوم القيامة ليحاسب الناس وشعبه والأنبياء والمرسلين!
يبدأ الإيمان من الغضب، ولكن كيف تقنع أبناء شعبك أن الجزائريين هم أنبياء 2019، تماما كما كان الينايريون في مصرأنبياء 2011بدون ختم النسر من البيت الأبيض؟
أيها المثقفون والصفوة والنخبة والإعلاميون والأكاديميون والدعاة الدينيون،
عودوا إلى مقاعد الدراسة الابتدائية، للبدء في تعلُّم القراءة والكتابة والأخلاق والمباديء والشجاعة ونجدة الملهوف والفروسية، أو اقتلوا أنفسكم لعل الله يستبدل بكم آخرين تحل فيهم روح الكون، فتهرب الجنُّ من الأكف والألسن والقلوب التي في الصدور.
هذا ملخص لحكاية خسارتي لأصدقاء ارتدوا لبعض الوقت ملابسَ الأنبياء، فصدّقتهم قبل أنْ يصفقوا لسيد القصر فتـَـبْين أنيابٌ في أفواههم بدلا من الأسنان، حتى لو كانت صفراء .. فاقعة وباهتة!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 18 مارس 2019 

16‏/03‏/2019

ثقافة الصورة وكوارثها!

ثقافة الصورة وكوارثها!


اقتحمتْ الصورة وملحقاتها الفيلمية المكانَ المقدسَ للكتابِ، وأزاحته عن موقعِه، وتواصلتْ مع الجماهير كأنها مصدرُ المعرفة والعلوم والآداب والأخبار والتحليلات!
تسلل إليها الغثُّ والسمين، الطيب والشرس والقبيح، الجاهل والعالــِــم وفتحتْ مواقعُ التواصل الاجتماعي أبوابَها ونوافذَها لضيوفٍ ما كان لأحدهم في عصر الكتاب أنْ يحلم بالوقوف علىَ باب مكتبة أو قريبا من مسرح أو على ناصية دار أوبرا!

أوحت الصورةُ وملحقاتها إلىَ الجميع أنهم على قَدَم المساواة في المعرفة، وجاء ضيوفٌ للفضائيات من قاع جلسات التخزين والتحشيش، وسمح لهم التساهل اللغوي بشرح مكوّنات الكون ومفردات الحضارة وتفصيلات المعرفة، فأصبحوا نجومَ المجتمع العلمي والفني والسياسي؛ بل والديني .. فبعدما كانت تؤخذ المعرفة ممن قضىَ حياته في تحصيلها أصبحت قوة الحنجرة ومتانة الحبال الصوتية وزركشتها بآيات بينات وتفسيرات لأنصاف حوادث وأرباع مَشاهد دليلا قاطعا ودامغا يرفع فيه الإعلامُ صاحبَه إلى عليين، وما أدراك ما عليّون!

لو أرهفتَ السمع فسيتناهى إلى أذنيك نحيبُ لغة كان يصنعها الكتاب، ويُدفئها مثقفون وشعراء وأدباء متنبّيون إذا سمعتهم ظننت أنَّ اللغة هي روح الكون.
الصورة وملحقاتها أعلنتْ الحرب على كل أنواع المعرفة الجادة، وشنّتْ هجوما كاسحا على كل من أراد أن يُعيد للكتاب بهاءَه، وللموسوعات جمالـَها، ولأصول البحث العلمي رونقَها؛ فسلـّـط رجال السياسة والدين والبرلمانات صغائرَهم بدعم من مواقع التواصل الاجتماعي فانسحبتْ أو انحسرت أو اندثرت أو هربت النهضة.

الصورة وملحقاتها نفختنا بالفراغ .. فظننا أنها نفحتنا بالمعرفة، وأصبحنا نتحاور بألسنة ملوثة استعرناها من الفضائيات واليوتيوبيات، وصفعنا أبا النهضة .. الكتابَ على غلافيه، فنحن في عصر ( ضيفانا اليوم العالـِـم فلان، والفنان علان ) سيتحدثان عن الخيوط الذهبية في أحاديث القائد والزعيم وتوجيهاته.
أخشى أنْ نقترب من الضربة القاضية عندما تمتنع كل وسائل الإعلام عن بث الجدّيات والأفكار والآراء التي تمسك بيد النهضة وتساعدها على المُضي قدما في طريق مختلف عن الذي انتهجته القِرَدة!

من يصدّق أن التحليل النفسي والسياسي والديني والخبري يقوم به هاربون أو أشباه هاربين من مصحات عقلية فتحتْ أبوابها في خلسة عن عصرنا، ونقلتْ أكثرنا إلى قرون مضت، وماتت، واندثرت؟
الصورة وملحقاتها الفيلمية جعلت قراءَتنا لثلاثة أسطر في كتاب لجمال حمدان أو عبد الوهاب المسيري أو ثروت عكاشة أو ادوارد سعيد أو جبرا ابراهيم جبرا أو أمين معلوف أو مالك بن نبي .. كأنها الدهر المثقلة به ظهورُنا!
الصورة وملحقاتها الفيلمية سمومٌ نلهث خلفها ونلتهمها، وتسري في عقولنا قبل أجسادنا، ولا ندري، أننا مرضىَ مقيـّـدة رؤوسنا أمام الشاشة الملونة، فكلنا ديجيتاليون في سرادق عزاء الكتاب و.. نعي النهضة.
كل دقيقة من وقتك أمام التلفزيون تسرق منك صفحة من كتاب معرفي، ولا أستثني من ذلك نفسي!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

11‏/03‏/2019

رسالة مفتوحة إلىَ رئيسٍ مَيّــتٍ! ) من أرشيفي

رسالة مفتوحة إلىَ رئيسٍ مَيّــتٍ!

السيد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة،
مبروك مقدما للولاية الخامسة وربما الثامنة والعاشرة نكاية في دود الأرض الذي ينتظرك بصبر أيوبي.
أنا أعرف وأنت كذلك تعرف أنك ميتٌ نصفه حياة، ومدفون فوق الأرض على كرسي متحرك، وأن حواسك الخمس تراجعت إلى نقطة الالتقاء بين الثعبان الأقرع وملك الموت، لكن الذين خدعوك لم يتقوا الله في شعب الجزائر العظيم، شعب المليون ونصف المليون فارس الذين أصبحوا شهداء من أجل الجزائر جزائرية، فإذا بعسكرك يتركون لك بعض النبضات ليظن الجزائريون أن روحك لم تصعد بعد.

كنتَ تلميذا لهواري بومدين، المناضل العنيد، وعندما غادر الدنيا ظننا أنك تعلمت منه أصول الحُكم وأنت على قيد الحياة، فإذا بأعداء الشعب يُعلــّــموك أصول الموت على كرسي متحرك تستقبل خيالات زعماء، ولا تستطيع أن تذهب للحمّام بمفردك أو تمسك قلما، أو تحلق شعر ذقنك إلا بمساعدة مساعدي العسكر.
أهانوك، سيدي الرئيس، وكذبوا علينا بحكايات مفبركة عن قدرتك على التفكير والكتابة والتذكر، فإذا أنت تقع سجينا لمرؤسيك، يتحدثون باسمك، ويوقـّـعون على الأوراق بقلمك، ويصدرون أوامر الاعتقال باسم الثورة المباركة.

شعبك، وأنت لا تدري ماذا أقول لك، يستطيع أن يمدّ العالم العربي بأكفأ القيادات والإداريين والعلماء والخبرات والسياسيين دونما حاجة لرُتَب عسكرية أو نياشين أو دبابير، لكن من يحكمون شعبنا العظيم يدوسون على كل القيم والمباديء والأخلاق، ولا يشفقون على صحتك التي لا تنهض بعضو من جسدك خليةٌ واحدة منه، فبعضُ الموتي أكثر حياة منك.
هل تستطيع أن ترفض أو يرفض شعبك أو أهلك أو عائلتك أو بقايا مناضلي ثورة التحرير الاستمرار في هذه اللعبة السخيفة والمؤلمة والحزينة، فتنتقل إلى بيتك قبل أن يقوم حفّار القبور بزيارتك وأنت كريم، لا أن يبتعد عنك وأنت عاجز؟

كل عربي فيه من الجزائر شطر، وكل مناضل يأخذ شهداء الجزائر مثله الأعلىَ في المقاومة، وإذا عبــّـرنا عن حبنا للجزائر ففي صلابة بومدين، وفي فكر مالك بن نبي، وفي إيمان بن باديس، وفي روح جميلة بوحيرد، وفي كنوز قسنطينة الفكرية، لكننا نقف عاجزين عن إنقاذِ رجل عاجز إذا هبت نسمة رقيقة اقتلعته من القصر.

سيدي الرئيس،
لماذا فعلوا بك ما لو جاء الاستعمار بقسوته لرفض محاكاة أبناء الشهداء وهم يصمتون صمت الموت على رجل ميّت.
مشهدك أسوأ وأحزن من مشهد محنط في تابوت يحركونه يمينا ويسارًا لتأكيد أن النزع الأخير لم يستأذن مالك المُلك بعد.
ما الذي أصاب الجزائريين فلاذوا بالصمت على أن يكون وليُّ الأمر يحكم أو لا يحكم مع دود الأرض؟

أحب الجزائر حبـَّـا جما، وأراها الأمل في مستقبل مشرق، لكن الفساد فيها أضعاف ما في باكستان ونيجيريا والعراق، وخيراتها في جيوب الزاعمين بالوطنية، ومشاكلها مصطنعة محليا، وفي المقدمة فبركة الاكاذيب ضد المغرب ليظل البلدان في ذيل ركب شمال أفريقيا، رغم أن المملكة المغربية قدّمت للجزائر فُرصا عظيمة للقاءات وحدوية، وفتح الحدود، وتحالف بلدين عظيمين، وتعاون صناعي وزراعي وتجاري يزيل كل المصاعب التي عرقلت تطور وتنمية البلدين.

سيدي الرئيس بوتفليقة،
أعاتب الجبناء الذين يشاهدونك في حالة مزرية، ومرضٍ عضالٍ، وموتٍ حيٍّ، وعجزٍ تام، ثم يوافقون رغم أنفهم على جعل أحذية العسكر تحكم فوق رفات مليون ونصف المليون شهيد.
قطعا لن أطلب منك أن لا تترشح للمرة الخامسة فأنت لا تدري ماذا يحدث حولك، وتَرَشُحك إهانة شديدة لشعبنا الجزائري ولتاريخ النضال الطاهر؛ والحُكم باسمك ليس أكثر من ضرب أبناء شعبنا الجزائري العظيم على أقفيتهم أمام قبر الجندي المجهول.
ترشحك للمرة الخامسة إهانة للعقل والوجدان والتاريخ والدين والإيمان، وأعتذر أنك لن تقرأ أو تسمع أو تعقل ما أكتب.
عزائي لشعبنا العظيم في نعي الكرامة، فقد تعلــّـمنا في طفولتنا أن الجزائري يثأر لكرامته وهو في بطن أمه، وانتهينا إلىَ أن الكرامة تبكي حسرة علىَ تفريط الصمت الجزائري في تراب الوطن تحت الحُكم الوطني .

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 21 يوليو 2018

09‏/03‏/2019

لهذا يكرهني الإعلاميون المصريون!

بيني وبين الإعلاميين المصريين فجوة كبيرة من يتخطاها يسقط فيها، وشبه نفور تلقائي كأنني قادم من كوكب آخر، وجئت لاعتدي على سلطتهم الرابعة!

حكايتي معهم ليست في أنني مغترب أو أسرق المِداد من أقلامهم أو أنتظر فرصة لأثب فوق مكاتبهم، لكنها حكاية القصر التي وصفها المأمون أبو شوشة في ديوانه دموع المهرج 1964 ( في قصرك المعمور بالخيرات يا ملكي كلاب.. ولأنها في عز مُلكك لا تثور.. لا شك أنك عالم لما لا تثور.. الأغبياء الأدعياء المغرضون، يهللون: إن الرعية حرة والشعب جبار عنيد.. لكن كلابك أنت زرقاء الدما شيء جديد.. تهوى الخضوع والاستكانة.. انظر لسُخف حديثهم.. لغبائهم.. أو ليس شعبك أو كلابك كلهم ملكا حلال؟).

الأربعون عاما الإعلامية من عُمري فشلتُ فيها فشلا ذريعا في الاقتراب من إعلاميينا المصريين، إلا قلة نادرة منهم، والباقي اصطدموا بي بسبب القصر، السادات ومبارك وطنطاوي ومرسي والسيسي، لأنهم خط الدفاع الأول عن الحاكم.

التقيت بالقلة الرائعة التي أثلجت صدري وأنعشت فكري ومنحتني الأمل في غلبتها على الأكثرية؛ مع الكثرة الساحقة كلما اقتربت، ابتعدت أو أبعِدْت أو انتصب جدار طويل يمنع زملاء المهنة عن التدفئة القلمية، فسيدُ القصر يراقب، ومرشد الجماعة يتابع.

لا أزكـّـي النفس، لكن الحقيقة أنني لم أبدأ الصدام إلا مرة واحدة عام 1987 عندما نشرت في ( طائر الشمال ) مقالا تحت عنوان ( قراءة في فكر ساقط) وكان نقدًا شديدًا لكتاب ( خواطر مسلم في المسألة الجنسية ) للكاتب الإسلامي، والماركسي سابقا، محمد جلال كشك، صاحب المقولة الحاقدة عن الكويت فكتب عنها:( الدولة التي لا يريدها أحد!)

رفع المؤلف دعوى قضائية ضدي فرفضت تسلمها من وزارة الخارجية المصرية وقلت بأنني نرويجي الجنسية وكتاباتي تخضع لقوانين النشر في النرويج.

فأعاد محاميه إرسالها عن طريق وزارة الداخلية النرويجية فاضطررت لتسلمها على باب البيت في أوسلو. اتصلت بالأستاذ محمد حسنين هيكل في القاهرة الذي رحب بمساعدتي وشرح القضية للدكتور يحيي الجمل. كسبت القضية وأنا في مكاني فالناصريون لديهم مئات الوثائق التي تدين جلال كشك.

في 23 يوليو 1992، أي في العيد الأربعين للثورة كان الأستاذ هيكل يستقبلني في مكتبه بقاهرة المعز، في لقاء خاطف امتد بحميمية إلى ساعة كاملة أسرَّ لي فيها بكراهية حسني مبارك له، عندما سألته عن سبب إحجامه عن الرد على منتقديه وفي مقدمتهم جلال كشك! قال لي بأن كل هؤلاء يوعز إليهم مبارك بالهجوم.

ودّعني حتى المصعد، وفتح بابَه لي، وكانت دماثة خلقه ولغته الجميلة المتناغمة والموسيقى الكلاسيكية التي يعبق بها المكتب شاغلي بعد مغادرتي.

ومن الإعلاميين الذين جذبتنا لبعضنا كيمياء مريحة كان خالد الشامي الذي استضافني في ( أوراق مصرية) على قناة الحوار اللندنية ثلاث مرات، منها تلك التي هدد فيها جمال مبارك القناة بعد حلقة ساخنة معي، (10 نوفمبر 2010) دعوت فيها للثورة ضد مبارك، رغم أن خالد الشامي كان يعرف مسبقا بالمصيدة التي نصبها لي الدكتور فيصل القاسم في الاتجاه المعاكس في نهاية ابريل 2008، ومع ذلك فقد كانت لديه الشجاعة أن يبدي في برنامجه ثقتَه بي، بعد حلقة  أجراها طارق حمو في تلفزيون عربي/كردي يبث من شمال بلجيكا تعاطفا معي بعد حلقة مصيدة فيصل القاسم.

ومن الإعلاميين الذين امتهنوا الحرفية الهادئة والملتزمة كان حسام فتحي الذي التقيته أول مرة خلال تغيير حكومي في قطر( 1989)، وكان مراسلا لصحيفة ( الأنباء ) الكويتية في الدوحة. أجرى في خمسة أيام أربعة لقاءات مع وزراء قطريين جُدُد ولم يتمكن أي إعلامي آخر أن يفعل مثله، ورفض أن يبيع أي لقاء كخبطة صحفية حتى أن رئيس تحرير ( الراية ) توسل إليه بحُكم الصداقة فكان ردّ حسام فتحي بأنه مراسل لصحيفة ( الأنباء ) الكويتية، وأي نجاح يُنسَب إليها فقط. انبهرتُ بالأمانة الصحفية له، وظللنا أصدقاء لثلاثين عاما، أستمتع بحديثه كلما قمت بزيارة الكويت المقيم هو بها.

ومن الإعلاميين الرائعين كان عبد الغني سعودي المستشار في مكتب رئيس الوزراء، وهو إعلامي مصري كان يلتهم في المساء كل الصحف الكويتية ليكتب ملخصا عنها، وهو متابع دقيق للشؤون الكويتية، وحديثه الدافيء مع أصدقائه يُشعرك أن الإعلامي المصري في الخارج إذا أتيحت له الفرصة تظهر مواهبه ساطعة ومشرّفة.

وقلة أخرىَ غير تلك القلة، أما غيرهم من عشرات الإعلاميين الذين التقيتهم فقد كان خلافي معهم قبل اللقاء بوقت طويل، فالإعلامي المصري تتحرك بوصلته في اتجاه القصر الجمهوري، وقلبه معلق بالتوجيهات الصامته، أي رضا سيد القصر، ويمكنه أن يكرهك لو اقترب سن قلمك من رئيس الدولة فالفراعنة يعبدون آلهتهم منذ خمسة آلاف عام، والتوجيهات يتناقلونها فيما بينهم لئلا تفهم مباحث أمن الدولة، أو الأمن الوطني لاحقا، أن هناك بذرة تمرد تسري في قلم أو لسان الإعلامي حتى لو كان يعمل في أقصى الأرض.

تسبقني آرائي قبل اللقاءات مع إعلاميين مصريين، ويلاحظ المضيفون في الملتقيات الإعلامية هذا النفور حتى أنني حاولت عشرات المرات أن أتودد بكل التهذيب، مثلما حدث ومددت يدي لأسامة سرايا لأصافحه فأدار وجهه إلى الناحية الأخرى.

سألت عصام كامل مدير تحرير صحيفة ( الأحرار ) عن سبب نفور الإعلاميين المصريين مني كأنني جرَب، فقال: لأنك تنتقد بشدة الرئيس مبارك، وكل واحد منا خائف أن يكتب آخرون تقريرا لأمن الدولة أنه تحدث معك، فيفقد الامتيازات وفرصة السفر للخارج.

قال ممتاز القط لصحفية لبنانية استفسرت منه عن سبب انسحاب الصحفيين المصريين بمجرد ظهوري كأنني عفريت من الإنس فقال لها: لأن انتقاداته للرئيس مبارك غير مقبولة.

وكيل وزارة الإعلام في دولة خليجية قال لي: في مرات قادمة سندعوك بمفردك وليس في لقاء إعلامي، فأهل بلدك من الإعلاميين المصريين لا يرغبون في وجودك بينهم!

عندما تلقى عدد كبير من الإعلاميين نسختين مجانيتين من كتابين بقلمي مع كلمة رقيقة، هاجت الدنيا وماجت. وصل غضب مكرم محمد أحمد إلى كل الملتقين في المؤتمر الإعلامي، وقال لي: هل تظن أنني أحمل كتابيك معي في الطائرة؟ أنا لا أقرأ هذا الكلام، فهذان ليسا كتابين، إنما قنبلتان!

السفير المصري قام بدعوة كل الإعلاميين المصريين وطلب استثنائي وقد لاحظ مراسل وكالة الأنباء السورية، فاقترب مني وقال: لا تهتم، فأنت عربي ولست مصريا فقط.

أحدهم صافحته بأدب جم فقال لي: لكنني لا أعرفك! قلت، تعارفنا وتحدثنا طويلا على هامش عرض سينما أوديون في لندن فيلم ( هي فوضىَ)! نفىَ أن يكون قد رآني من قبل، وظل طوال فترة المؤتمر في عاصمة خليجية يتابعني أو يتدخل في حواري مع آخرين وهو يرتدي بدلته المزركشة والبيبيون كربطة عنق وتقدح عيناه شررًا كأنني قاتلُ أعز الناس إليه. وفي معرض الكتاب أرسل زميلا صحفيا آخر، كل منهما يقيم في عاصمة الضباب، وحاول استفزازي، فانسحبت.

الإعلامية العريقة سامية صادق التي كنت قد تعرفت عليها للتو، ومدحتُ في تاريخها اللساني الجميل، ولغتها البديعة، فشكرتني. وبعد ساعات من لقائها بالإعلاميين المصريين كانت قد نفرت مني، فعيون السلطة تراقب من القاهرة كل إعلامي مصري في ملتقيات ومؤتمرات خارج الوطن لئلا يتحدث أو يتودد لمعارض!

في لقاء للدكتور عمرو عبد السميع والدكتور رفعت السعيد تحاورا ساخريّن في برنامج عن الوضع في مصر. وقال رفعت السعيد بأن هناك شخصا يزعم أنه مقيم في النرويج تحت اسم طائر الشمال، وهو يدعو للانقلاب على الرئيس مبارك، ويحذر المصريين من هروب الرئيس محّملا بشولة(!) مليئة بالملايين، لذا يجب الذهاب إلى المطار لمنع تهريبها. وضحك الاثنان على هذه الفبركة عني.

بعد برنامج ( أوراق مصرية ) الذي حرضت فيه ضد مبارك في 10 نوفمبر 2010 من لندن، كتب عبد الله كمال في روزا ليوسف أنه كان يتلقى مقالات من شخص مهتز وغير متوازن اسمه محمد عبد المجيد، ثم هدد الوسيط الفضائي في الأردن إذا لم تسحب القناة في لندن البرنامج الذي استضافني.

صديق عزيز، أو كان عزيزًا، كنا نلتقي، ونتناقش، وكتبت عنه وعن احترافه ووجهه المشرّف للمصريين في الخليج، وكتب عني إثر استقبال سمو الشيخ سعد العبد الله( رحمه الله) لي كلاما يبهج القلب والقلم معا. وأكلنا سويا عيش وملح. ثم عاد بعد سنوات غربة في الخليج( خاصة في الكويت ) إلى مصر بعدما حصل على مستحقاته المالية وفوقها بوسة!

تغيرت نظرته وكتاباته عني كأنني لم أمسك القلم من قبل رغم أنني أكتب عندما كان هو في مرحلة الروضة. بدا ساخرًا ومقللا من شأني في كل الموضوعات، ومنها رؤيتي لهموم أقباطنا وقد رآها فتنة طائفية، وكتاباتي الكثيفة عن المغتربين، وطبعا عن عبقرية السيسي في قناة السويس الجديدة وعدالة أحد عشر قاضيا حكموا بتبرئة حسني مبارك.

فجأة أرسل لي كاتبا بأنيابه وليس بسن قلمه مهددا إياي بفضيحة علاقاتي بشيوخ الخليج( ويقصد الكويت !)، وأنه لن يسكت عن انتقادي للرئيس السيسي.

أكلُ العيش مُرّ، وأكثر مرارة لدىَ الإعلاميين المصريين، وكلما جاء للقصر الجمهوري في القاهرة رئيس جديد فرشوا له السجاد الأحمر تحت أقلامهم، وكتبوا مقالات مقدسة، وجعلوا الرجل صاحب رسالة نبوية جديدة.

تاريخ طويل يمتد لأكثر من أربعين عاما يمر بالسادات ومبارك وطنطاوي ومرسي وعدلي منصور والسيسي، وأنا لا أدخل للإعلامي المصري من زور(!)

في جعبتي حكايات لا حصر لها وكلها كراهية في شخصي وقلمي حتى ترقص حجرات القصر الجمهوري من الفرحة، وترضىَ عن الإعلاميين المصريين أجهزةُ الأمن.

أكتب هذه الكلمات وقد تخطيت عامي الثاني والسبعين، وأستطيع أن أسرد لضميري عشرات الحكايات عن معاركي ضد الطغاة والفساد والإسرامصريين، وكتاباتي كلها تشهد أنني مصري معجون بالعروبة، وأحب عالمي العربي بكل سلبياته وإيجابياته.

لم أقف كغيري موقف المتفرج من أنظمة الحُكم العربية، من السودان إلى العراق، ومن ليبيا إلى الاردن، وتعرضت للتهديد بالقتل عدة مرات ( من شقيق صدام حسين ومن القذافي وغيرهما )، وكان يمكن أن تتفتح لي أبواب أكبر الصحف حتى عندما رفضت أن تكتب لي وزارة إعلام صفوت الشريف أسئلة لطرحها على حسني مبارك في حوار كان سيفتح لي مغاليق الصحف الكبرى، لكنه كان سيغلق مفاتيح ضميري المهني.

لذا لم يكن غريبا أن تظل علاقتي على مدى سنوات بالصحفيين والإعلاميين المصريين، إلا قليلا، علاقة مشوبة بكراهية يحملونها لي باسم القصر وسيده.

نشرت آلاف المقالات وأصدرت عشرين كتابا ممهورة بتوقيع ضميري وعلى نفقتي الخاصة، لا بأس بين الحين والآخر من بعض المجاملات.

في الأربع سنوات المنصرمة وصل الإعلام المصري إلى قمة السقوط، وزكمت رائحة النفاق أنوفنا، وأرتعشت الأيدي، واصطكت أسنان أصحاب السلطة الرابعة.

لم يمسني كبرياء الفرعونية فأنا عربي حتى النخاع، وأحب سوريا وفلسطين والكويت والإمارات وتونس وليبيا والجزائر كما أحب مصر، وقاطعت إسرائيل ولم تدخل بيتي طوال حياتي في أوروبا التي امتدت لستة وأربعين عاما برتقالة واحدة من يافا، ولم أجرح العرب في غيابهم أو أتعالى بنيلي على فراتهم ودجلتهم وليطانهم.

نحن في عصر العبودية الطوعية بعدما كانت بالكرباج، وخلافي مع الصحفيين المصريين، إلا القلة الملائكية الرائعة التي أحتفظ بأسمائها لنفسي، خلاف من المهد إلى اللحد، فحبر المطابع فوسفوري الرائحة، والفضائيات المصرية وصمة عار في جبين أم الدنيا.

اختار الإعلاميون المصريون الاحتماء بالقصر لضمان سلامة البيت، لهذا كنت ومازلت مكروها من أكثرهم، لكنني أتلقىَ رسائل محبة وتشجيع وتعاطف ومديح تكفي أن تدفءَ صدري ما بقي لي من عُمر، وتفرش قبري عندما يطرق حفّار القبور بابي.

حكايتي مع الإعلاميين والصحفيين المصريين مُخجلة ومؤسفة، لكنها لم تقم بتقزيمي، خاصة أمام زوجتي وأولادي وأحبابي وقرائي الأوفياء، وأكثرهم ينايريون، نزلتْ عليهم النبوة المصرية في ميدان التحرير، ثم سرقها الأوغاد لمحاولة إعادة الجماهير إلى جماهيرية التطبيل.

محمد عبد المجيد
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
طائر الشمال
أوسلو النرويج
  

03‏/03‏/2019

الكلمةُ في البـِـدءِ وليستْ في القبر!


الكلمةُ في البـِـدءِ وليستْ في القبر!

أيُّ شعبٍ لا تُحَرّكه الكلمةُ الغاضبةُ ضد الظلم يحفر قبرَه بأيدي أبنائــِه ويحسب أنَّه في عُرْسٍ يشهده الحاكمُ ويحتفل به معه العبيدُ المطيعون!
لم يرسل اللهُ، عزَّ وجَلَّ، نبيــًا أو رسولا بدون كلمة ؛ إذا هجرها الناسُ فقد كفروا بمُرْسلـِها وحاملـِها وقدسيتِها، وفي عصرِنا الحديثِ ظهرتْ الكلمةُ مقروءةً ومسموعةً ومُشاهــَـدة، ثم تطورتْ وأصبحتْ الكترونيةً وأثيريةً يستطيع الأمّيُّ أنْ يعثرعليها في عشرات الصور المختلفة.
ومع ذلك فكثيرٌ من الشعوب تفضّل الصَمَمَ والعَمىَ وتقطع ألسنـَـتَها في تصوير مجازيٍ لتُبهج سيدَ القصر، وتُسْعِد رجالَ أمْنِه، وتنام ملءَ جفونِها في محاولةٍ لاقناع الضمير أنْ ينام هو الآخر.
عندما تفقد الكلمةُ تأثيرَها ومفعولـَها وقوتــَها تنسحب المباديءُ والأخلاقُ والفروسيةُ والنُبــْـلُ إلىَ الخلفِ لتترك السوطَ يحل محلَ الصوتِ، وتغادر روحُ اللهِ القلبَ فتحتله على الفورِ ارتعاشةُ الرعب، واصطكاكةُ الخوف.
مع اتساع رقعة المعرفة التي تطارد الناسَ عقلا وقلبا من مداخل كل حواسه، المعلومة والزائدة، سلـَّـمَ أكثر الناس مصائرَهم لأشباحٍ من البشر؛ قد تقضي عُمرَك كله تخشاهم ولا تشاهدهم، وتسمع صدىَ أصواتِهم المصنوعة من خيالك في عُمق طبلة أذُنك.
تحتضر الكلمةُ أو تمرض أو تضعف؛ فإذا ألقيتها في قلب جبانٍ ماتتْ قبل أنْ تصل إلىَ شغافــِـه، وهنا تكون مصانعُ العبودية في أوجهها لتتحول من عبوديةِ قهرٍ إلىَ عبوديةٍ مختارةٍ و.. طوعية؛ وقد يصل مداها إلىَ المازوخية!
يوهم الجبانُ نفسَه أنَّ السلطة مختبئة تحت وسادتـــِـه لتراقب أحلامــَه، وأنها قد تستدعيه عند انبلاج فجر الرقيق لتستفسر منه عن أشياء تغضبها وقد مرّتْ بذهنــــِه دون أنْ يفصح عنها؛ وكأنَّ لسانَ حالــِـها يُجــَـسّد المثلَ الصينيَ الذي يقول: اضرب زوجتك عند عودتك إلى المنزل بدون ذِكْر السبب، لكنها لا بد وأنْ تكون قد ارتكبت ما يسيئك منها في غيابِـك!
تنهار الأممُ عندما يجفّ تأثيرُ الكلمة، والشعوب التي لا تغضب مرة في كل يوم يباركها الشيطان، والكاتبُ الهاديءُ والمسالــِـمُ صيدٌ ثمينٌ لقوىَ الشرّ، والضميرُ الذي لا ينتفض لاعتداءِ خبرٍ كاذبٍ على آدميته؛ صاحبُهُ خادمٌ لدىَ سلطةٍ غاشمة.
الإنسان الذي لا يتحسس قفاه طوال الوقت خشية كفِّ السلطة؛ لن يعرف ضميرُه الطريقَ إلى السماء، والكلمة التي لا تؤثر فيك تفسح المجالَ لسلسلة مربوطة حول رقبتــِـك.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 3 مارس 2019

   

02‏/03‏/2019

صراحة جارحة عن المهاجرين والمغتربين!

صراحة جارحة عن المهاجرين والمغتربين!
كل ما كنت تحلم به في بلدك الأم وفّرَته لك بلدك المضيف، فواجبك أن تبحث عن إيجابياتها، ولا تلعن أهلها، ولا تسرق منهم، ولا تتكاسل، ولا تتحايل على مكتب الضمان الاجتماعي، ولا تعلــّـم أولادك عنهم إلا كل الخير، ودافع عنهم في سياحاتك في كل مكان تزوره، وقل لأهلك في وطنك الذي ولدت فيه بأنك ولدت مرة أخرى.
لا تُهن أديانهم ومذاهبهم وعقائدهم، وكن خير سفير لهم.

تحدث عن أيامك في المستشفى والمدرسة وكورسات تعليم اللغات وما تلقاه أطفالك وهم صغار من رعاية وعناية وضمان.

لم أطلب منك أن تنافق أو تجامل في غير الحق، ولكن ضع على عينيك نظارة جديدة تقرأ بها النفوس والقلوب والصدور والخدمات والأمن والأمان.



لا تسبهم في حضورهم أو غيابهم، وقل الحق أمامهم بأنهم قدّموا إليك ما لم يقدمه بلدك وأهلك وعشيرتك الأقربون.


قل لابنك وهو صغير: هذا بلدك الحقيقي، ولا مانع ان تحكي له عن كل الذكريات المشرقة في بلدك الأم.
لا تحتقر عاداتهم، ولا تنفر من حياتهم، ولا تقلل من شأن ثقافتهم، واقرأ كتبا بلغتهم، وتابع صحافتهم ولو على النت، واسمع أخبارهم.
لا تلمّع السلبيات، ولا تقل بأن كل شيء على ما يرام، ولكن عش حياتك بينهم كأنك منهم.
إنهم أهلك الجُدد، بسلبياتهم وإيجابياتهم.
لا تلمّع السلبيات، ولا تقل بأن كل شيء على ما يرام، ولكن عش حياتك بينهم كأنك منهم ولو كنت من الجيل الأول، وأولادك من الجيل الثاني على قدم المساواة، وأحفادك سيكونون من هذا البلد فلا تنتزعهم بماضيك عن مستقبلهم.
قدّم لهم الشكر ولا تنكر معروفا قدموه لك في المال والعمل والتعليم والسكن والملبس والصحة والعلاج والحرية والثقافة.
فوقية المهاجر على المضيفين جريمة بكل المعايير الأخلاقية.
لا تنس بأن المهاجر قد يكون أكثر عنصرية بتخلفه من المضيف بتمدّنه.
كلنا، من الجيل الأول عانينا عنصرية، ومررنا بتجارب سريعة آذتنا، لكن في المقابل عشنا حياة أفضل من حياتنا السابقة في الوطن الأم.
إياك أن تظن دينك أفضل من دينهم، وكتابك المقدس أسمىَ من كتابهم، ونبيك أرفع وأطهر من أنبيائهم، فللعنصرية الدينية والطائفية العقيدية رائحة كريهة قد لا تشعر بها، لكنها تصنع مسافة بينك وبين مضيفيك الكرماء.
تأمل في كل ما حصلت عليه في وطنك الجديد منذ قدومك، وستكتشف أن معاناتك أصفار متراصة مقارنة بحياتك مع من استقبلوك بعدما اخترت وطنك الجديد.
أيها المهاجرون والمغتربون، ارحموا أهلكم الجُدد فستضمكم معهم مقبرة واحدة بطول وعرض الوطن الجديد.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...