26‏/09‏/2018

إما أن تصافح زميلاتك أو .. تترك العمل!


إما أن تصافح زميلاتك أو .. تترك العمل!

التقطت نشرات الأخبار التلفزيونية والصحف النرويجية حكاية المسلم(40 عاما) الذي استغنت عنه مدرسة إيكيبرج في أوسلو لأنه يرفض مدّ يديه لمصافحة النساء ويقول بأنه يلبي توجيهات النبي، عليه الصلاة والسلام!
وكانت هناك مشكلة معه في المدرسة الإعدادية لأنه يرفض نقل أي طعام به لحم الخنزير!
بهذا المنطق يمكنه أن يرفض المبيت في فندق لأن هناك احتمال وجود علاقات جنسية في الغرفة المجاورة لغرفته أو التي فوقها!
وبهذا المنطق لا يحق له العمل لأنه سيرى وجوه النساء في النرويج، ويسمع أصواتهن وهي عورة، وتلتقط أذناه الموسيقى في المدرسة!
وبهذا المنطق تصبح كل حياته حراما في حرامِ؛ فلماذا يُصرّ صاحبنا أن يقيم في النرويج بدلا من بلد إسلامي يسمع فيه مكبرات الصوت ليلا ونهارًا؟
لماذا يزايد المسلم في كل لحظة بدينه وكأنه ضيف مضطر لدىَ أناس سيعذبهم الله مهما فعلوا من حسنات وخير؟
عني أنا شخصيا فأقيم في أوروبا منذ 45 عاما ولم أرتشف رشفة خمر واحدة، ولا آكل لحم الخنزير، وأقاطع إسرائيل، ولم يسبب هذا أدنىَ مشكلة لي حتى مع العنصريين.
أما مصافحة المرأة فهو جزء أساسي من العلاقات الاجتماعية والدفء الإنساني والتودد للآخر في كل مكان في العالم إلا في المناطق التي يصيب الرجلَ فيه الشبق إذا رأىَ خصلة شعر امرأة، ولا ينام الليل من ضغط الشهوة الجنسية إذا مر خيال أنثى بذهنه.
ليست المشكلة في التطرف والتعصب والتزمت والتشدد؛ لكنها في الاستعداد لصناعة أجيال قادمة تصطادها دواعش الوطن، وتستوردها بلحاها ونقابها وزبيبة الصلاة المصطنعة لتفجر أولادنا، وتعجّل في تدمير أوطاننا.
في النرويج والدول الاسكندنافية تسير الحياة طبيعية؛ فإذا جاء متطرف مسلم شمَّ رائحة الجنس على مبعدة ألف ميل، ومع ذلك فهو يرتكب عشرات المحرمات من الكذب على الدولة، واختلاق حكايات مرض الظهر ليحصل على إعانة( الكسل )، ويزعم أنه وزوجته منفصلان فيأتيه مرتبه وتحصل زوجته على مرتب آخر.
تسعة أعشار المسلمين يشربون الخمر في أوروبا، وعشرة أعشارهم لا يقتربون من لحم الخنزير، فيؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعضه.
أكثر المسلمين في أوروبا لا يقاطعون البضائع الإسرائيلية؛ لكنهم يلعنون الاحتلال كالذي يحدثك عن تأديته الصلاة طوال الوقت، فإذا استمع إلى خطبة طاغية يذبح أهله، رفع يديه بالتصفيق حتى تدمىَ!
كل هؤلاء من الذين يتحدثون عن عدم المصافحة وأهمية تغطية وجه المرأة والدفاع عن ختانها، وزلزلة الأرض إذا ظهرت خصلة شعر أنثى، والانضمام لتيارات الدين والتمذهب، يقومون بتربية المسلم المفخخ الذي رأيناه في سوريا والعراق وليبيا وسيناء والجزائر والمغرب ومالي ونيجيريا وبيشاور و ....
المسلم المُستغنىَ عنه في مدرسة إكيبرج في أوسلو يجلس في بيته متمارضا، ويرفض أن يكسب مالا من عرق جبينه رزقا لأطفاله لئلا يخالف الإسلام ويصافح المرأة!
في السنوات العشر المنصرمة وصل غباء التطرف إلى جعل عقل المسلم المتشدد كالأميبيا حتى أن هناك دعوة في التلفزيون المصري في برنامج حواري بعلم الدولة ورضاها أن لا يتم دفن المرأة بجانب الرجل ( طبعا خشية ملامسة جسدها عندما يصبح ترابا مع بقايا ما لفظه دود الأرض من جسد ذكر ميت!).
لو كان لي حق الإفتاء لأفتيت بجواز اعتقال الأغبياء في سجون معزولة مدىَ الحياة، خاصة إذا كان الغباء ملتصقا بتعاليم دينية ليس لها أصل إلا في أمخاخ مخاطية صنعها الإعلام والبيت والدعاة!
أيها المسلمون، صافحوا النساء تصحّوا، فالله خلقنا لنتعارف ونتبادل الودّ، وننظم حياتنا الاجتماعية في إطار إنساني جميل.
لا تخافوا؛ فالله لا يعاقب المتصافحين والمتصافحات؛ إنما غضبه، عز وجل، على الكاذبين واللصوص والمنافقين والمتطرفين وكارهي من يختلفون معهم في الدين والعقيدة والمذهب حيث لم يقم أحد باختيار بطن أمه ليسقط منه!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو   النرويج

18‏/09‏/2018

من الذي يسرق البحر في مصر؟ .. بكائية على أوجاع وطن


من الذي يسرق البحر في مصر؟ .. بكائية على أوجاع وطن
هكذا رأيت مسقط رأسي منذ أربعة عشر عاما!

في عهد الراحل أنور السادات ظن اللصوص أن عصرهم الذهبي حمله لهم الرئيس المؤمن؛ وبدأ الانفتاح، ودخل اللصوص الجُدد مغارة علي بابا.. ولكن ظلت هناك أشياء بحُكم التقاليد والعادات والعُرف عصيّة على السرقة، أو على الأقل لم تكن في جدول اهتمامات حيتان الوطن. 
وعندما جاء الرئـيس حسني مبارك انقلبت مصر عاليها سافلها، ولم يعد هناك شيء غير مستباح، الأراضي، العقارات، أجسام المرضى في غرف العمليات بالمستشفيات الاستثمارية، قضبان السكك الحديدية، أموال المصريين في البنوك، تحويلات الغلابة من الخارج، كرامة المواطن المصري في قسم الشرطة، عدالة القضية في قاعات المحاكم، مُرَتب الموظف المسكين، علاوة العُمّال السنوية، دَخْل قناة السويس، مبيعات البترول، الفارق بين العُملة المصرية وغيرها، المحصولات الزراعية، أراضي الفلاحين أو من بقي منهم فلاحا أو مزارعا، شواطيء سيناء لصالح القرى السياحية، جيوب المصريين والسُيّاح وهي تفرغ في ثقافة التسول والبقشيش والإكراميات التي صنعها النظام، الصوت الانتخابي في مجلس الشعب، حرية المواطن في اختيار رئيسه وخليفته.. الخ قائمة من مئات الالاف من كنوز الوطن المادية والمعنوية والأدبية والتاريخية. 
لقد تعرضت مصر لأكبر عملية نهب في تاريخها منذ عهد الفراعنة إلى الآن، ولا يزال المصريون يبحثون في المكان الخطأ عن المتسبب الأول في الكوارث والفواجع التي لحقت بهم. 
ومع ذلك ظل هناك شيء واحد في مصر عصيّا على السرقة، يُخْرج لسانه للصوص الجدد الذين أغمض الرئيس حسني مبارك عينيه عنهم، عمدا وعن سبق اصرار لمحو مصر العظيمة من على خريطتي التاريخ والجغرافيا لصالح الأسياد الجدد، وكان هذا هو البحر. 
ملاذ الغلابة يغسلون فيه همومهم، ويتساوى في مياهه السيد والعبد، ويسبح فيه في الوقت عينه الملياردير بجانب المصري الذي إنْ عاد سالما لبيت ليس فيه عشاء قد تمر كرامته على كف ضابط شرطة فتجعله لا ينسىَ أن يشكر الله لأنه لم يمت بعد جوعا أو تسولا في عهد الرئيس حسني مبارك. 
كان البحر كما يقول نجيب سرور يضحك حتى تبدو نواجذه، ويحتضن المصريين بدون تفرقة،ويسبّ ويلعن في الذين سرقوا بعض أطرافه وجعلوها للأثرياء والسياح والوزراء ورجال الأعمال من رمل سيناء في القرى السياحية إلى شاطيء مارينا حيث يدهس أبناء الذوات أجسادَ الفقراء بسياراتهم الفارهة أو بلنشاتهم الصغيرة والتي تقفز فوق الآمنين والأبرياء في عُرض البحر. 
 في مدينة الاسكندرية حيث كان المستشار اسماعيل الجوسقي يدمر العاصمة الثانية لثلاثة عشر عاما تجمعت خلالها على مكتب الرئيس حسني مبارك مئات الشكاوى الموثقة والمُبكية عما يحدث في الثغر؛ ولكن سياسة الرئيس كانت ولا تزال في ترك الفساد يسرطن في كل الخلايا أولا.. ويزحف بدون عوائق، ويمنع الرئيسُ استئصالـــَــه حتى تأتي اللحظة التي يتأكد فيها أن الألسنة ستتوجه بالشكر لسيادته لأنه منع فاسدا من الاستمرار بعدما نهب وشبع وأشبع غيره من حيتان الفساد. 
وفي العهد الأسود الذي عاشته الاسكندرية الجميلة تحت قبضة المستشار الجوسقي لم يستطع أحد أن يسرق البحر، خاصة طريقه الممتد من المنتزه حتى رأس التين، فهو مــِـلـْـكٌ لكل الناس، ومنهم الحفاة والجوعى وبائعو السميط والتلاميذ الهاربون قبل الظهر من المدارس القريبة وحارسو العمارات من الصعايدة الذين كان الواحد منهم يلقي بالجلابية فوق الرمال المتسخة، ثم يُلقي بجسده المنهَك في مياه غير نظيفة اختلطت بها نفايات وفضلات البواخر المارة من مسافات بعيدة، وبعدها يعود إلى عمله، ويبيع زجاجات البيبسي الصغيرة بضِعْف ثمنها، ويضرب تحية لسكان العمارة من الذين يدفعون له بين الحين والآخر اكرامية أو بقشيشا. 
وجاء اللواء محمد عبد السلام المحجوب وكأنه مَلــَــك من السماء سقط على العاصمة الثانية وقرر أن يعيد فيها زمنا جميلا في قلب زمن أسود. 
كان الرجل ولا يزال أكبر َمن الشراء، وممثلا للقيم والمباديء والجَمال والخير. 
قابلته في لقاء مطول بعدما تسلم الثغر بأقل من عامين، وذرفتُ دمعتيّ فرحة على مسقط رأسي. 
بسطت أمامه أحلامي وآمالي في الاسكندرية التي خرج منها أحمد عرابي والبارودي وسيد درويش وبيرم التونسي ويوسف شاهين، وتعلـّـم منها المصريون أصول المقاومة، وضربتْ للعالم المثل في التسامح الديني والمذهبي والعقيدي والفني؛ فـــغـنّىَ لها جورج موستاكي وداليدا وكلود فرانسوا والشيخ امام، وكتب لها وعنها أحمد فؤاد نجم وادوارد الخراط وإبراهيم عبد المجيد، واستقرت في قاع ذكريات مئات الالاف من الأوروبيين والمصريين والعرب الذين عاشوا بها، وفرّغوا همومهم في مياه بحرها الأزرق، أو الذي كان أزرقا. 
قلت للواء محمد عبد السلام المحجوب: معالي المحافظ، ألا تخشىَ من إغراءات الحيتان الجُدد وقوتهم وما قد يعرضونه عليكم من مال وعقارات وأشياء يسيل لها لعاب الشريف؟ 
ردَّ الرجل بثقة المؤمن بالله بأنه سيكون آخر مصري يمكن أن يفكر للحظة واحدة في الخضوع لكل الاغراءات والتهديدات. 
ولكن عبقرية وإخلاص ونزاهة وشرف اللواء محمد عبد السلام المحجوب لم تمنع سماسرة العهد الجديد من سرقة أقدس مقدسات 
ومدخرات الفقراء، وذكريات أهلها والمصطافين والعاشقين الذين كانوا ينتظرون منتصف يونيو من كل عام لتكملة قصة حب الصيف السابق، أو الوقوع في حب جديد غاب عن وصفه قلم احسان عبد القدوس، و( دقوا الشماسي ) للعندليب الأسمر. 
وزحف السماسرة على الشواطيء، وأغلقوا البحر في وجوه الفقراء، واشتروه بثمن بخس جنيهات معدودة وكانوا فيه من الزاهدين. 
نعم يمكنك أن تضرب غُطســًــا في مياهه ببضعة جنيهات تسرقها من ميزانية أسرتك التي لن تكمل اليوم الثالث عشر في الشهر حتى يبدأ الدعاءُ عاليا لرب العزة أن يستر الأسرة حتى نهاية الشهر. جريمة بكل المقاييس، فالبحر في الاسكندرية أكثر قدسية من المسجد والكنيسة والمركز الثقافي ومكتبة الاسكندرية وجامع القائد ابراهيم والمقر البابوي وبائع الفشار في محطة الرمل وبينالي الاسكندرية ولوحات فاروق حسني ونادي السينما الذي تعلمنا فيه من مصطفي درويش أصول النقد السينمائي. 
قطعا لن نوجه حديثنا للرئيس حسني مبارك فهو لن ينقذ الاسكندرية كما لم ينقذ مصر طوال أكثر من عقدين، وربما سيسعد بخبر سقوط قلعة الصمود الأخيرة.. البحر في أيدي لصوص عهده الجدد. 
إننا نخاطب ضمير اللواء محمد عبد السلام المحجوب، فعندما يترك المنصب، أطال الله في عمره، لن يغفر أهل الاسكندرية وعشاقها وأولادهم وأحفادهم له أن البحر الذي كان عصيا على صعاليك كل العصور سقط في عهده بضربة قاضية، ولم يعد بامكان المواطن أن يسير على الكورنيش، ثم يلقي بجسده في أي بقعة مباركة من الكيلومترات الممتدة من المنتزه حتى قصر رأس التين. الجريمة بكل أركانها لا تحتاج لتقرير أو توثيق أو محكمة أو تظلم أو شكوى، لكنها تستغيث بضمير وايمان المحافظ أنْ يُــنهي فورا وبدون انتظار تكملة الجريمة حتى نهاية الصيف. نريد أن تظل صورة المحافظ الشهم والمؤمن والوطني الشريف وعاشق مصر كما هي منذ اليوم الأول لتسلمه منصبه. 
لقد تساهلنا جميعا في سرقة الوطن كله، وعندما يكمل الرئيس القادم جمال مبارك مهمة أبيه ويترك الحيتان يُجْهِزون على ما بقي من مصر، كنا واثقين أن البحر عصيٌّ على السرقة، مُحَصّن ضد النهب، مُقاوم شرسٌ في مواجهة أحط لصوص وسماسرة كل العصور. 
ولكن البحر الجميل المقدس ينسلّ من بين أيدي أهله وعُشّاقه أمام المحافظ، وإذا أردتَ أن تغسل وجهَك فقط في مياهه المالحة فعليك بجيبك، فسماسرة الوطن سرقوه في العهد الأغبر. 
ذهبت أيضا إلى الدكتور سعد الدين وهبة في مكتبه بالقاهرة لتهنئته على مقالات نشرها تستصرخ أصحاب الضمائر الحيّة لإنقاذ الإسكندرية من أيدي الصعاليك، وأباطرة المال.

ماذا يبقي في مصر يجاهر بأنه لم يتعرض للاغتصاب والنهب والاحتيال والسرقة؟ 
سيدي المحافظ؛ هل تعرف أن الذين سرقوا البحر أرادوا سرقة كل انجازاتك من ذاكرة أهل الاسكندرية؟ فهل لنا أن نستصرخ ضميرك؟

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج
أوسلو في 24 سبتمبر 2004 ( من أرشيفي)

16‏/09‏/2018

نداء لتميم ومحمد بن سلمان ومحمد بن زايد!


نداء لتميم ومحمد بن سلمان ومحمد بن زايد!

أحب دولة الإمارات حُبا جمّــًــا، وأحترم قيادتها الرشيدة التي تُسَيّر الدولة بروح زايد، رحمه الله، وأرىَ في فكر قيادييها تحضُّرا وتمدنا ورغبة في صناعة مجتمع السعادة والرفاهية.
لكن المستقبل المشرق الذي سينعكس أضعافا مضاعفة على دول المنطقة وعلى شعب الإمارات ووافديه وضيوفه سيتحقق بخروج الإمارات من كل صراعات المنطقة، صغيرها قبل كبيرها، فشعبنا الإماراتي يستحق كل فرد فيه أنْ يحيا ويموت في سعادة..  وأمان لأطفاله.
المنطقة تمر بجنون الكبار، وحلــْــبُ خيراتها يجري على قدم وساق، وأكثر دول العالم تطمع في الكعكة الإماراتية، وعبقرية الإدارة ستُجابَه بمعوقات وألغام فكرية وداعشية واخوانية وسلفية وجزيرية!
السعودية لن تتمكن من مساعدة الإمارات لأن الدوحة وطهران وأنقرة تقف كلها بالمرصاد لاستنزاف الرياض، والبحرين لديها مشاكلها الطائفية فضلا عن تربص طهران بها، ومصر بها فساد لم تعهد مثله منذ عهد الفراعنة وبها أيضا فكر داعشي سلفي لا يحمل مودة للإمارات إلا تقية ما دام الدعم المالي موجودًا، وبها أيضا أضعف إعلام وأجهل إعلاميين في العصر الحديث.

تبقى معركة دولة قطر المدعومة إخوانيا وتركيا وحوثيا، ولديها فائض في الأموال والغاز والنفط جعلته في خدمة كثير من الإعلاميين المرتزقة، وأكثرهم ذوو توجهات دينية.
وقطر تستضيف أقطاب الفكر الإسلامي الطالباني والداعشي والقرضاوي، فالدوحة لا تُفرّق بين معركتها مع النظام العسكري في مصر ودعمها لنظام الدرويش الاخوانجي محمد مرسي في سجنه.
من يتابع الإعلامَ القطري وربيبته الدبلوماسية يتأكد له أن أموال نظام الحمدين وتميمهما ستظل تُستنزف في معارك الكراهية الدينية ضد دولة الإمارات.
لقد قامت الإمارات بواجبها، وجابت النظام الطائفي الحوثي في اليمن الذي يمكن أن ينتهي بعد نصف قرن طالما كان مدعوما من الهوس الإيراني الذي ظل في حالة هياج منذ فبراير 1979!
السؤال المطروح والصادق من صديق للإمارات وخائف عليها وعلى نهضتها المباركة هو: هل دولة الإمارات مستعدة للاستغناء عن سعادة مواطن واحد أنبتته يد الراحل العظيم الشيخ زايد، رحمه الله، في تُربة صالحة للخير والإنسانية والسلام؟
لقد قدّمت الإمارات شهداءَها، والحرب في اليمن يلعب بها الكبار والصغار، وعلي عبد الله صالح كان طاغية ومجرما تلقىَ دعما من العالم العربي برمته، وعبد ربه منصور هادي لا يستطيع أن يُحرّك حزمة قات من موضعها.
دولة قطر تمر بوقت هي في حاجة للمصالحة قبل دورة الألعاب الأولمبية لعام 2022، وتحتاج لملايين الخليجيين والوافدين الذين سيجعلون ملاعبها حدثا تاريخيا، ولابد من تجديد المقاطعة في صورة تحفظ ماء وجه الجميع، وتقطع الطريق على أنقرة وقُم وجماعة المرشد.
إذا اجتمع الشيخ تميم والشيخ محمد بن زايد والأمير محمد بن سلمان من خلال مبادرة مصالحة بعيدًا .. بعيدًا عن القوى الكبرى، فأنا واثق أن الزعماء الثلاثة قادرون على وضع حد للحرب في اليمن، وطرد عصابات الاخوان من الخليج كله، وتهيئة المنطقة لأولمبياد 2022 العملاق، وضمان نجاح قطر في استضافته، واقناع الدوحة بأن طابورها الخامس الإعلامي لم يعد له مكان؛ ففبركة الأخبار ضد الإمارات والسعودية ومصر والبحرين ( أنا مناهض للحكم في مصر وكاره لعودة الاخوان في أي صورة من الصور) وصلت إلى درجة مقززة للنفس العفيفة، وتجعل كل أيام تل أبيب أفراحا!
حديثي للمصالحة لا ينتقص من قدر كل قطرة دم شهيد إماراتي في الحرب ضد الحوثيين الطائفيين.
أتمنى عودة قطر إلى الحُضْن الخليجي رغم أن في نفس حزنا وغضبا شديدين من أثر المصيدة الحقيرة والقذرة والاستخباراتية التي نصبها لي الدكتور فيصل القاسم في ابريل 2008، فأجمعت أجهزة أمن عديدة على إحراقي على الهواء، وعدت بعدها بفضل الله أقوى وأشد صلابة وتماسكا.
كانت لي علاقات طيبة ودافئة مع المسؤولين في قطر، ونشرت حوالي 30 مقالا في ( الشرق ) القطرية إبان الاحتلال العراقي الآثم لدولة الكويت، إلى أن جاء ( الاتجاه المعاكس ) بمصيدته الإعلامية العفنة والدنيئة، فانتهت قطر من حياتي، وربح فيصل القاسم رضا أجهزة استخبارات عدة.
دعوتي للمصالحة الثلاثية هي رسالة حب لخليجية الخليج بدون جماعات دينية وقيادات إسلامية تستضيفها دولة قطر، وبدون وجود روسي أو أمريكي أو تركي أو إيراني.
ستقفز دولة الإمارات عقدين أو ثلاثة في انسحابها بعد المصالحة من كل أزمات الخليج والشرق الأوسط، فدولة الإمارات مكانها الطبيعي في صناعة السعادة والرخاء والحكمة.
تُرىَ هل أتوقع استجابة لندائي أم أنَّ المال والبارود والعواصم الكبرى أقدر على سدّ أذان من بيدهم الأمر.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 16 سبتمبر 2018    

ذكريات لا يرثها عنك أحد!

ذكريات لا يرثها عنك أحد!
ذكريات المرء لا يستطيع أن يرثها أولاده وأحفاده، أو حتى أقاربه الأقربون، فهي في الذهن قبل أن تكون رسائل وصورًا بالألوان أو بالأبيض والأسود.
كل صورة مرسومة في الذهن بالكلمات والمعاني والإشارات والحوادث والأزمنة والأماكن.
كلُّ الناس لم يعودوا كلَّ الناس، فمنهم من ابتعد، ومنهم من نزل أو أُُنزل في باطن الأرض، ومنهم من إذا شاهدت صوره قفزت أمامك حوادث مريرة أو تصرفات غير لائقة أو مشاعر غير ودية اختبأت ردحا من الوقت، فلما انفجرت فجَرَت، ولما خاصمتْ قطعتْ .. باللسان قبل السيف.
ومنهم من تظل صورهم في مخيلتك حتى يأتي حفّار القبور فيتسلمك بعد تغسيلك، ويضعك برفق في حراسة دود الأرض.
لا يمكنك أن تقص نفس الحكاية مرتين بدون تغيير، لكنك تحكيها لنفسك مئات المرات على طول سنوات عُمرك، وتظل كما هي، أو تظن أنها كما هي.
اليوم مرت أناملي على أرشيف صور لي أو بعدستي خلال 45 عاما، وفرحت وحزنت، وغضبت، واشتقت، وزارتني كل المشاعر المتناقضة.
تخلصت من عدد هائل من الصور، مزقتها كأنني أصفع أصحابها، واحتفظت بعدد كبير من الصور ملفوفة في أحاسيس إنسانية لا تموت ولا تحيا، لكنها قابعة في مكان ما في القلب أو العقل أو الصدر أو الخيال.
لدي صور بعدستي لكثيرين في مناسبات عدة، الملك سلمان عندما كان أميرا، صدام حسين، أمين الجميل، الدكتور منصف المرزوقي، الرئيس الكيني جومو كينياتا، إيلي فيسيل، نيلسون مانديلا، جيمي كارتر، فاكلاف هافل ونادين جورديمر وجورج بوش الأب، كل المسؤولين الكويتيين تقريبا منذ عام 1984.. وعشرات غيرهم.
لدي صور بعدستي لشوارع دمشق وبغداد والكويت والدوحة وأبوظبي ودبي ومراكش وطنجة وباريس ولندن وساوث هامبتون ومكة المكرمة وبروكسيل وأمستردام وكريتا واثينا وجدة والرياض ومدريد وإشبيليا وجلاسجو ونيويورك وفاراو( البرتغال) ومسقط وصلالة وأستوكهولم وفيينا ولوكسمبورج وفانتاميليا( ايطاليا) وكوبنهاجن وطبعا صور مصرية وعشرات من المدن السويسرية ...
بعض المدن تظل رائحتها في أنفك سنين عددا، وبعضها تهرب من خيالك فور مغادرتك إياها..
بعض المدن تبتسم لك بعد زيارتك إياها بوقت طويل، وبعضها تلتقيك ببرود كأنك جئت لغزوها.
بعض المدن تجد الله هناك ولو كان أهلها على غير دينك، وبعضها لا تعثر حتى على ملاك واحد رغم أن كل أهلها ينتمون لعقيدتك.
بعض المدن متربة وشوارعها ضيقة وبوهيمية لكنها تعانقك، وبعض المدن كأنك في الجنة والخضرة والوجه الحسن؛ ولكن بلسعة الجحيم.
بعض المدن تمشي فيها آمنا في الظلام بعد منتصف الليل، وبعضها يطاردك الخوف والحذر ولو كنت في زحام بعد الظهر.
بعض المدن لو رقصت عاريا في أكبر شوارعها فلن يستجوبك أحد، وبعض المدن يستدعيك رجل أمن لأن شكلك لم يرُق له.
بعض المدن كانت لأهلها فأحببتها، ولما عدت إليها بعد أعوام وجدتها لأغراب ..سرقوا روحها، وخربشوا وجهها، وسرقوا أمانها.
بعض المدن تشعر أنك وُلدت فيها ولو سقطت من بطن أمك في مكان بعيد، وبعض المدن تشكر الله أنها لم تشهد مولدك.
بعض المدن ملائكتها أضعاف شياطينها، وبعض المدن لا تتبين فيها أجنحة ملائكة أو قرون شياطين.
اليوم مزقت صورا كثيرة رفض ذهني أن يحتفظ بها، واحتفظت بصور كثيرة رفض حنيني التخلي عنها!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 27 أغسطس 2018

أوهام عراقية الكويت ( مقتطفات من كتاب قيد الطبع )


أتیحت الفرصة للجیش الكویتي في الصحراء السعودیة بقیادة الشیخ نواف الأحمد الجابر الصباح وزیرالدفاع للتدریبات الشاقة، والإرادة السیاسیة، والأمل الذي بثه الشیخ جابر الأحمد والشیخ سعد العبد لله، رحمھما لله، في التعجیل بالتحریر.
تماما كما فعل شارل دیجول عندما ترأس حكومة فرنسا الحرة من لندن في 18 ینایر 1940 ثم الحكومة المؤقتة للجمھوریة الفرنسیة وھي آخر خطوة نحو التحریر، وتنظیم المقاومة في الداخل.
كل مقاومة للاستعمار من خارج الوطن المحتل تلقى صعوبات جمة بسبب التشكیك في نوایاھا، وقد یكون ھناك منطق واقعي قائم على معرفة مسبقة بأشخاص یعرف الشعب
أنھم غیر أبریاء من تھمة التعاون مع المحتل.
أما آل الصباح فھم خارج دائرة المقارنة مع شعوب أخرى لأنھم قاموا بتوحید الشعب في فترة عصیبة تحتمل كل الشكوك والاتھامات والخصومات والخروقات والمعارضة ولو كانت على استحیاء، رغم أن الحرب لا تعرف ھذا النوع من الاستحیاء.
وكانت الصدمة كبیرة على القوى المعادیة للكویت ، فضلعاھا في الداخل والخارج بارقة أمل في التحریر العاجل. في الداخل لم یجد صدام حسین متعاونا واحداً كویتیاً مما خلق
حالة من الدھشة في العالم أجمع.

وفي الخارج كانت المعارضة الكویتیة في حالة سباق لتأكید أنھا جزء من الشعب، وأن ولاءھا لشرعیة آل الصباح لیس أقل من الصباحیین أنفسھم، فمؤتمر جدة الذي انبثقت عنه الوفود الشعبیة الكویتیة لم یقم باختیار أعضاء الوفودعلى أساس القبیلة أو المذھب أو الطائفة أو القرب من الأسرة الحاكمة أو حتى عدم التوافق معھا قبیل الاحتلال.
كان الكویتیون نسیجاً واحداً في العاصمة السعودیة الثانیة.. جدة، وانصھرت أقطاب معارضة ما قبل الاحتلال في بوتقة واحدة، فالوطن الصغیر المحتل على الحدود، والأھل على مبعدة ساعتین أو أكثر یفصلھم تراب أرض مشتركة قال عنھا الملك فھد بن عبد العزیز، رحمه لله، بأنھا وحدة كویتیة/ سعودیة في الحرب والسلام والتاریخ، والضیافة!
كانت الأسرة الحاكمة في الكویت تمارس الاثنین معا:
الشرعیة في الداخل والخارج والمشروعیة في المقاومة،
رغم حماقة وغباء وسذاجة ملایین من العرب الذي تشربوا كبریاء الشرق فزادھم ازدراءً للخلیج رغم التفاف الشعب الكویتي كله خلف آل الصباح الكرام.

في 20 أغسطس 1953 قامت سلطات الاحتلال الفرنسیة بنفي الملك المغربي محمد الخامس إلى جزیرة كورسیكا ثم إلى جزیرة مدغشقر ولم تكن تعرف أنھا بدایة ثورة شعبیة ومقاومة لا تلین، فالاستعمار یمكن أن یتحول إلى غباء مستترعندما یجھل طبیعة العلاقة بین الشعب وقیادته، كما حدث مع صدام حسین في الكویت.
كانت الثورة المغربیة بطیئة وھادئة لكنھا في كل لحظة فوق نار مستعرة. وعندما تأسست كتلة العمل الوطني في أغسطس 1933 قامت على الفور بالدعوة إلى الاحتفال بعید العرش لاعطاء رسالة للاحتلال الفرنسي والإسباني أن الصلة الروحیة بالملك محمد الخامس ھي في حد ذاتھا مقاومة دینیة ورمزیة وسیاسیة وتاریخیة ووطنیة.

الفكر المقاوِم یأتي في كثیر من الأحیان من خلال أوجاع المنفى، الاختیاري أو الاضطراري، والرؤیة من خارج الوطن تُصقَل في وجود حریة الحركة.
ولكن إذا كانت القضیة تحدیاً للشعب، ونفیا طوعیا أوجبریا للزعیم، أو نتیجة لحركة ثورة أو لإنقلاب ضد حفنة من اللصوص، فھنا تختفي تماما أي صورة من صور المقاومة، فالمقاومة فكرة أخلاقیة مھما كان التوجه الوطني أو المذھبي
أو القبلي أو الدیني أو اللادیني لأصحابه.

صحیح أن الملك فھد بن عبد العزیز، رحمه لله، فتح بلده وذراعیه وأحضانه لاستقبال الشرعیة الكویتیة، وساعد الحظ الجغرافي فیھا مساعدة كبیرة، فالحدود واحدة، والتناغم العربي والإسلامي والتاریخي یسمح للشرعیة أن تستخدم الأراضي السعودیة في التدریب، والاتصالات، والتثبیت المؤقت للحكومة الكویتیة، ولم یكن ھناك حَجْر أو شروط أو توجیھات أو مطالب من الریاض، فالملك فھد تعامل مع شرعیة آل الصباح على أنھا في ضیافته لبعض الوقت حتى یندحر الاحتلال العراقي الآثم.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو ( مقتطفات من كتاب قيد الطبع عن أوهام عراقية الكويت )

03‏/09‏/2018

الوطن من الخارج أكبر!

الوطن من الخارج أكبر!
كل دولة لها خصوم في الخارج تفرز تلقائيا طابورها الخامس الذي تلتقي مصالحه مع أعداء الخارج فتتكون جبهة موحدة حتى لو لم يكن هناك لقاء ظاهر أو حوار مباشر أو دعم مبطن أو تعاطف ضمني.
وكل جماعة أو طائفة تكبر أو تتعاظم أو تتعالى مشاعر أفرادها طائفيا أو مذهبيا أو دينيا أو ايديولوجياً تلتقطها قرون استشعار من قوى خارجية ترى أنها قد تكون امتداداً لها في الحاضر أو خلايا نائمة لوقت لاحق عندما يحين موعد التعاون.
ليس هناك استثناء وتاريخ الغزوات والاستعمار والاحتلال والاستيطان يؤكد على هذه الحقيقة، فيتقدم الطالبانيون الأفغان في مدن الحدود الباكستانية ليجدوا في أحضانهم نظراءهم على الجانب الآخر، ويصرخ أئمة في قُم الإيرانية ليصغى إليهم مصلون، ليس كل المصلين، في النجف الأشرف، وتزعم الحكومة اليمنية أنها ستقضي على تمرد شيعي فيظهر مئة موقع سني يبرر جرائم السلطة في صنعاء، ويخرب الاخوان المسلمون طوال عام كامل الحياة في مصر فينبض قلب حزب العدالة والتنمية في تركيا الأردوغانية تعاطفا مع الباطل الاخواني في مصر، وتخرج مظاهرة في العقبة الأردنية من الامتداد الروحي للجماعة في المملكة الهاشمية.
الوطن يصغر كلما كبرت جماعة فيه، ويتقزم إذا تطرفت، وتبهت صورة قومه حين تتناثر على أرضه قوميات وطوائف ومذاهب وعقائد وجبهات، ليختفي بعد ردح من الزمن خلف كل جماعة، ففي لبنان مثلا يختفي الأرز خلف سبعة عشر زعيماً، فإذا أتى الغريب لا يحتاج حينئذٍ إلى التشرف باستئذان القاعد في قصر بعبدا، ولعلنا نذكر كونداليس رايس وكيف هبطت طائرتها الأمريكية في مطار بيروت وتوجهت إلى الزعماء في دلالة إلى أن سيد القصر ليس إلا اختياراً سورياً حتى يطل الأسد، أب أو ابن بعده، من شرفة قصره الدمشقي على رعايا الشام في بيروت.
الغريب أن صورة الوطن التي بهتت في الداخل تشرق في المهجر، ففي خضم التصفية على الهوية في بلاد الرافدين، والرعب الذي يزلزل كيان العراقي وهو ينتقل من منطقة إلى أخرى، و من شارع إلى ميدان، والشك الذي يرسم علامات الفزع على الوجوه وكأن الآخر يستعد لجزّ رقبة ابن بلده، يكون هناك في مكان ما بعيداً عن العراق ثلة من الأصدقاء، شيعي وسني وكردي وتركماني ومسيحي وصابئي يتسامرون في شقة أحدهم، ويذرفون الدموع المهجرية وهم يستمعون لناظم الغزالي، ويحكي كل واحد عن طفولة حذف منها كل ما يشير إلى الطائفة أو الدين أو المذهب، ثم يتعانقون في نهاية السهرة، ويعود كل منهم إلى بيته، فإذا اتصل بأهله في صباح اليوم التالي رسموا له على الأثير دماء وجروحاً وأشلاء ومشاعر كراهية حاول أن ينساها في سهرة اليوم السابق فأعاد له أهله رسمها من جديد.
في الغربة نحب الوطن، ونلغي من ماضينا كل السلبيات التي علقت به، ونقطع لسان من يسيء إليه، ونتباهى به، ونبرر سلبياته، ونتفاخر بإيجابياته، ونصل في العشق إلى جعله مركز الكون حتى لو كان قائما على بضعة مئات من الكيلومترات.
وفي الوطن يقوم أهلنا بتوسعة المسافة بينهم وبينه، وقد لا تصيبهم الدهشة وهم يشاهدون ممثلي الشعب تحت قبة البرلمان يتسابقون في إهانته، فمنهم من يرفض الوقوف تحية للنشيد الوطني، ومنهم من يحتقر العلم بألوانه الزاهية التي تخفق في القلب قبل أن ترتفع فوق السارية، ومنهم من يرى جنسيته عقيدته فيلغي الآخرين الذين لا يدينون بعقيدته.
الطائفية والمذهبية والجبهوية الدينية حالات متعددة من الكراهية حتى لو أقسم أصحابها بأن إيمانهم ممهور برضا السماء، لذا فالعدو يعثر بسهولة على متعاونين من بين الطوائف المذهبية والدينية لأن الضمير الديني على أهبة الاستعداد لتقديم تبريرات في لي عنق الآيات المقدسة.
الطابور الخامس غالبا ما يكون مواطنين تحركوا قليلا أو كثيرا ناحية مشاعر الطائفية أو الجماعة أو الأقلية العرقية، لذا كان أكبر مشهد تحقيري يؤكد أن الوطن والطائفية نقيضان لا يلتقيان إلا لـِـماماً صورة مواطنين مصريين تعلموا على أيدي جواسيس نائمين أن يدوسوا بأحذيتهم القذرة على عــَـلـَـم بلادهم.
التيارات الدينية في العالم العربي لا تختلف عن جحافل الغزو ، وفي أقل من عام من حُكم الإخوان كانت تل أبيب ترقص فرحة بمرسيها، وواشنطون تسترخي لأن رجالها حلوا محل جمال عبد الناصر في القصور الجمهورية، وبؤر الإرهاب تناثرت على رمل سيناء، وميليشيات مسلحة وملثمة تستعرض عضلاتها في كل مكان، ورئيس متخلف عقلياً كلما زار بلداً هبط بالمصريين درجة وترك انطباعا أن ديمقراطية صندوق الانتخاب تعني اختيار الأجهل.
المهاجرون الذين يشاهدون وطنهم من الخارج يعانون غربة مواطنيهم في الداخل ، والسوري والعراقي واليمني والمصري والليبي والسوداني والتونسي الهائمون على وجوههم في شوارع باريس وجنيف واستوكهولم وروما وسيدني وهيوستون وبرلين وأثينا وكوبنهاجن يعيشون عذابات الوطن مضاعفة حتى لو لم يكن من بينها أمن وسكن ورغد العيش وأسرة وأولاد وصحة وعلاج و ....
اللصوص المحترفون يسرقون من المواطنين كتبهم المقدسة قبل أن يستولوا على الوطن، ويزعمون أن ملكية الأرض حصلوا عليها بموافقة السماء، فإذا وصل الكذب والتزوير والتزييف إلى أقصى المدى أقسموا أن الله شاهد على أعمالهم ويخفون حقيقة أن رب الكون العظيم شاهد على جرائمم.
لو أخفى كل العرب خلف ظهورهم ولمدة عامين فقط المذهب والدين والطائفة والعقيدة والحزب والفرقة والجبهة والجماعة لأسقاهم الله ماءً غدقاً، ورزقهم من حيث لا يحتسبون.
كلما حدثني عربي عن تقواه وإيمانه وتمسكه بعقيدته رأيت بوضوح دماءً تسيل من أنيابه.

العقيدة الوحيدة التي تقف مدافعة عن الوطن والمواطنين هي الصمت ، وما عدا ذلك فمزايدة دينية قبل قطع رقاب خصومهم.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 30 ديسمبر 2013

02‏/09‏/2018

الحياد المنحاز ومأزق المنتدىَ!


    الحياد المنحاز ومأزق المنتدى

قليلة هي المطبوعات التي تُجبرك على احترامها حتى لو اختلفت مع نهجها، ونادرة هي المطبوعات التي تستقطب المثقفين والمفكرين والمبدعين على اختلاف مشاربهم وأفكارهم واتجاهاتهم. وقد شهد وطننا العربي بعضا منها فأثرت الفكر العربي، وساهمت مساهمة كبيرة في تثبيت الوعي وعرض مختلف الآراء بصورة عقلانية تناسب فكر مشارف القرن الحادي والعشرين.
فكانت “الدوحة” القطرية و” الفيصل” السعودية و “ العربي” الكويتية و “ الناقد” اللندنية وغيرها.
وقد واصل بعضها مسيرته، صعودا وهبوطا، بحسب المناخ الثقافي المسيطر علي الفكر العربي.

وفي الأعوام الخمسة الماضية عرفت أقلام المفكرين طريقها إلى مطبوعة ثقافية جيدة يصدرها منتدى الفكر العربي في العاصمة الأردنية عمّان، ويشرف عليها الرجل الثاني في المملكة الهاشمية الأمير الحسن بن طلال. ولكن بصمات الدكتور فهد الفانك والدكتور سعد الدين إبراهيم واضحة كل الوضوح في نهج المطبوعة من صفحتها الأولى إلى غلافها الأخير.
وقد قامت” المنتدى” وهو اسم المطبوعة، بدور كبير في بلورة الوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي لدى قطاع عريض من القراء وكانت تنشر أخبار منتدى الفكر العربي وتجتذب الحاضرين ندواتــــه، والمشاركين في أعماله. وقضية الثقافة العربية كانت سهلة وواضحة ما انفك المثقف العربي يدين الإمبريالية ويهاجم الصهيونية ويكتب عن حقوق الإنسان العربي وضرورة احترامها.

إلى أن جاء الخميس الأسود، أو يوم القيامة الكويتي، وانشق المثقفون العرب وانفرط عقد التضامن العربي، وزلزل الضمير العربي زلزاله واكتشف المثقفون والمفكرون والمبدعون في “المنتدى” أنهم جزء من النظام العام الأردني وأن هناك خطوطا حمراء كثيرة لم يتبينوها من قبل، وأن عشرات المقالات والندوات والمحاضرات والأحاديث عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والأخلاق والعروبة والشرف وقيمة المواطن، وما إلى ذلك، لم تعد لها فائدة لأن الحقيقة المُرّة مغايرة تماما لكل تنبؤات أصحاب القلم، ومثقفي الأمة. 

وهذه القضية بالذات ليس فيها حياد، ويخطئ من يظن أنه يستطيع الرقص على الحلبتين معا وفي الوقت الواحد.
الذين تابعوا” المنتدى” منذ صدورها سيدهشهم أمر عجيب حقا، وهو أن منتدى الفكر العربي ينشر دائما في مطبوعته أسماء المتبرعين وقيمة التبرع سواء كان من أفراد أو مؤسسات.
وتقرأ الأسماء فتجد من بينها:
لجنة المصاريف الكويتية  -  معهد الأبحاث العلمية  -  بنك الكويت الوطني  -  الدكتورة سعاد الصباح  - صندوق النقد العربي ـ الكويت، غرفة التجارة والصناعة ـ الكويت  -   بنك الكويت الصناعي وعشرات غيرها من الشخصيات الكويتية والمؤسسات الوطنية والخاصة، هذا فضلا عن مسابقة الإبداع الفكري التي نظمتها الدكتورة سعاد الصباح للمنتدى وتبرعت بقيمة الجوائز الممنوحة للمتسابقين.

معنى ذلك أن الكويت كانت السبــّـاقة دائماـ كالعادةـ لنشر الثقافة العربية ولم تبخل على المنتدى، بل إن الفضل في استمرار هذا الصرح الفكري الكبير يعزى إلى بترول الخليج العربي.
ونالت الكويت جزاءها شماتة في العدوان العراقي، وإهمالا من الذين أوقفتهم على أقدامهم.
وصدر عدد أكتوبر من “ المنتدى” في محاولة للوقوف على “ الحياد في الجانب العراقي” أو عرض وجهات النظر المختلفة شريطة أن تتفق مع النهج العام في الأردن. 

وهكذا أصبح للثقافة العربية وجه يعبر عن” الحياد المنحاز”، وتفتقت العبقرية العربية لمثقفينا عن هذا النوع من خداع النفس.
ويكبر الحزن في النفس لاختفاء “ منتدى الفكر العربي”، على الرغم من إصرار القائمين عليه على أنه مازال موجودا على الساحة العربية. واستقال الدكتور سعد الدين إبراهيم، واعتذر كثير من المثقفين أصحاب الضمائر الحية عن المشاركة في نشاطات المنتدى، وسقطت قلعة أخرى من قلاع الثقافة العربية.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو ( من أرشيفي عن الغزو العراقي للكويت )

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...