13‏/04‏/2019

لهذا لن يكون في مصر يناير جديد!

لهذا لن يكون في مصر يناير جديد!

أيها المصريون الغاضبون لا تنتظروا ربيعا آخر وينايرًا جديدًا ما دامت القوىَ الدينية؛ خاصة الاخوان المسلمون، متربصين بالحُكْم، وحالمين بالعودة الفاشية للسلطة باسم الله!
حتى لو تم نزع الخوف الثابت في صدورأبناء شعبنا المصري فسيحل محله الفزع من حُكم سلطوي ديني كاذب يمهد الطريق لدواعش وسلفيين وبلطجية وقتلة ومتطرفين.
يناير الجديد لن يقف مرة أخرى في ميدان التحرير طالما كانت صورة المرشد ماثلة أمام أعيننا، والكذب باسم الشريعة يقف كخط الدفاع الأول عن القصر و.. عن العسكر.

لقد أطيح بالبشير وببوتفليقة عندما انكمشت، وتقزّمتْ، واختبأتْ القوىَ الدينية، ثم انصهرت في مطالب الشعب بغير شعارات عدائية للقوى المدنية وحقوق الإنسان.
إن وصول عبيد المرشد للقصر تستتبعه مشاهد يقشر لها جسد الإنسان الحر، فالمواطــَـنة تجري حثيثا نحو الترابط الديني، والقانون يُستبدل، وتحل محله خطب منبرية هوجاء ومهووسة، وتتحول الدولة إلى مشاهد مفُسَّرة بالجنس واللحية والحجاب والنقاب، ووقف مناقشات هموم الشعب في مجلس النواب حتى يُرفع الأذان ومراقبة المصري لابن بلده من خلال المُقَدَّس الوهمي ومطاردة الإبداع ثم التحالف مع قوى إرهابية، حتى عن طريق غير مباشر.
لذا فالربيع المصري الثاني لن يعود ولو بعد مئة عام ما انفك الاخوان المسلمون يزعمون أنهم معارضون، ويفتحون معركة إعلامية في كل مكان مهاجمين النظام وهو سعيد بهم، فهم يمدّون في عُمره.
عندما تراجعت القوى الدينية وتركت الوطنيين المدنيين وفي المقدمة نساؤهم وأطفالهم وشبابهم يرفضون الحُكْم الجائر والفساد، خرَّ بوتفليقة والبشير وبن عوف لأنهم لم يجدوا معارضة دينية تنقذهم بهجومها عليهم.
أنا أدعوكم لليأس من أي تغيير في المشهد المصري؛ فالقصر ثابت في مكانه بفضل خوف الجماهير من حُكْم شريعة كاذب تزعم سلطته أنها من عند الله، وما هي إلا خادمة للاثنين معا: السلطان والشيطان.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 14 ابريل 2019

الربيع الثاني .. إما النصر وإما مصر!

الربيع الثاني .. إما النصر وإما مصر!
قمة الوعي في الشعار الذي رفعه سودانيون في كندكتهم الرائعة خشية سرقة انتفاضة الجماهير!
رفع محتجّون شعار( إما النصر وإما مصر!)، إشارة إلى سرقة ثورة 25 يناير واستبدال المشير طنطاوي بالمخلوع مبارك ليُعاد إنتاج المباركية في صورة أبشع وأشد قسوة بدتْ في كشوف العذرية وقتل أقباط ماسبيرو وإعطاء مُهلة للصوص مبارك في ترتيب الفساد وتهريب المسروقات في فترة شرم الشيخ قبل المحاكمات المسرحية التي انتهت بتبرئته أو .. تبرئتهم!
إما النصر وإما مصر تعني أن الجماهير المنتفضة على الغيلان استفادت في السودان والجزائر من إعادة تدوير الديكتاتورية المصرية، وستكون هذه مقدمة لكل ثورة عربية من المحيط إلى الخليج، فالشارع هو السيد وهو الحاكم حتى يتنحى عن الطريق اليونيفورم والجبة، المعسكر والمنبر، الدبابة والمصحف!
إما النصر وإما مصر تعبّر عن وعيٍ شديد في (الربيع الثاني) للغضب العربي الرافض أنْ يحكم حذاء العسكري أو خطاب التغييب الديني.
الربيع الثاني إذا استقام فسيكنس قوىَ الشر في القصر والإعلام ومنصة القضاء حيث تتجمع رؤوس الفساد.
إما النصر وإما مصر هي رسالة حب لشباب ثورة 25 يناير المصرية الذين فرمتهم أحذية العسكر وألسنة القوى الدينية.
لم تفشل ثورة 25 يناير المغدور بها فقد عادت تُلهب مشاعر الغاضبين في الوطن العربي، وتحذّرهم: إما النصر وإما طنطاوي وبن عوف وسعيد بوتفليقة و ...
اللهم ألهم كل عربي نفحة من شجاعة الفرسان فمن حق العرب أن يتنفسوا الحرية كأكثر شعوب الدنيا.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 13 يناير 2019

10‏/04‏/2019

وقائع محاكمة الرئيس السوداني عُمر حسن البشير!

أرشيفي يُنعش ذاكرتي! بمناسبة الانتفاضة السودانية ومرور 14 عاما على محاكمتي للطاغية
وقائع محاكمة الرئيس السوداني عُمر حسن البشير!
لم أكد أفتح عيني بعدما غفوت مرتين ورأيت خلالهما محاكمتين: الأولى كانت ( وقائع محاكمة الرئيس حسني مبارك) والثانية (وقائع محاكمة العقيد معمر القذافي) حتى غفوت مرة أخرى وبدا لي أن محاكمةً ثالثةً على وشك البدء، وأنني أجلس في الصف الثالث على مقعد قديم متهالك وقريب من قفص حديدي يجلس خلفه الرئيس السوداني عمر حسن البشير.
كانت قاعة المحكمة بنفس لون جُدرانها القاتم والحزين والحاضرون يتزاحمون على الفوز بأماكن تسمح بمشاهدة القاضي والمتهم في نفس الوقت.
وجوه سمراء، وأخرى أكثر سمْرةً وكأنَّ اللونَ يفصل بين السكان، فيظن الغريبُ أن تدرجا يبدأ من الشمال حتى ينتهي مع وجوه سوداء زنجية تلمع فيها أسنان بيضاء جميلة، لكن التدرج هذا لا يشمل ما عُرف عن السودانيين من قلوب طيبة دافئة.

كان المتهمُ يجلس ذليلا خانعا، لكن عينيه كانتا تدوران بحثا عن خصوم حاضرين للشماتة، أو أصدقاء يستعدون للتخلي عنه فور صدور الحكم.
كانت أصوات الحاضرين عاليةً ومتداخلةً فيتحدث خمسةٌ ليسمع واحدٌ، حتى دخل القاعةَ رئيسُ المحكمة يحيط به مستشاران ووقف الحاضرون مرة واحدة ثم جلسوا وقد خفتت الأصوات، ثم خيم صمتٌ عجيب على القاعة، وبدأت المحاكمة التاريخية...

القاضي: اسمك وتاريخ ميلادك ووظيفتك؟
المتهم: عمر حسن البشير، مواليد قرية حوش بانقا ريفي في أول يناير 1944. رئيس الجمهورية.
القاضي: سابقا!
المتهم: نعم، سيدي القاضي، سابقا.
القاضي: كيف وصلت إلى الحكم؟
المتهم: في انقلاب عسكري في الثلاثين من يونيو عام 1989.
القاضي: وهل استوليت على الحكم من حكومة عسكرية وَثَبَتْ بدورها على ظهر دبابة؟

المتهم: لا، سيدي القاضي، فقد كانت حكومة منتخبة انتخابا شعبيا.
القاضي: تاريخك الاجرامي يشهد عليك منذ اللحظة الأولى لاغتصابك السلطة، فقد فتحت المعتقلات لأبناء بلدك، ومارست التعذيب بسادية، واستخدمت الدين الاسلامي في خداع الساذجين، وقمت بعمليات ابادة في الجنوب، وأدعيت أنك تحكم بالشريعة الاسلامية وأنت أبعد السودانيين عن هذا الدين الحنيف، ومارست تجارة بيع وشراء الرقيق، ومنحت الفرصة للقوى الخارجية للتدخل في شؤون السودان، وقمت بالتآمر على جيرانك، وخططت لاغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا، وكذلك حاولت اغتيال الرئيس الارتيري أسياس أفورقي، وقمت باحراق أراض سودانية بأهلها على طريقة صدام حسين في الأهوار 
المتهم: أنا لا أنكر هذه التهم الموجهة لي، لكنني لم أقم بالانقلاب بمفردي فقد وجدت الشعب كله الذي اختار حكومته عن طريق صناديق الاقتراع يدعمني أو يقف صامتا أو ينحاز إلى البندقية بدلا من غصن الزيتون.
القاضي: لماذا أدعيت أن نظامك قائم على تعاليم السماء على الرغم من أن الأرض تنفر منه، وأن الترويع والارهاب والقتل والسحل والاعتقالات العشوائية والظلم الفادح كل هذا ميز عهدك الأغبر؟

المتهم: لم يكن أمامي خيار آخر، فحليفي الدكتور حسن الترابي مُنَظّر الانقاذ، وهو الذى أوحى إلي بفكرة تخدير الشعب بالمقدس.إن استخدام الدين يسمح لي بأن أقدم وعودا للساذجين مقابل تضحياتهم، واستطيع أن أزج بكل خصومي في معتقلات السودان كله بحجة محاربتهم لتعاليم السماء، ويمكنني أن أجد باشارة واحدة مني ملايين من الحمقى والمغيبين في العالم الاسلامي كله يدافعون عني لأنني أطبق شرع الله.
القاضي: لكنك أقمت الحدود على الفقراء والمساكين، وقطعت أيدي نساء لا يجدن طعام العشاء، وجلدت شبابا سرقوا في المجاعة كسرة خبز، وحولت السودان إلى خصم لكل الجيران والغرب والأصدقاء والخيرين.
المتهم: لقد أردت السلطة فقط، وقام الدكتور الترابي بتلميعها وتأهيلها واضافة القداسة عليها، فلم أصدق أن الجيش السوداني الحر الذي يسانده شعب مدرك وواع لخطورة الانقلابات والثورات وقف بجانبي تماما كما فعل مع جعفر النميري الذي دمر البلاد، ثم وضع كتابه عن النهج الاسلامي، وأقام الحدود في قطع الأيدي والرجم والجلد على فقراء الخرطوم وأم درمان والقرى النائية التي يسقط فيها الالاف صرعى الجوع والعطش والجفاف والحروب الأهلية.
القاضي: لماذا لم تحترم وثيقة حقوق الانسان الدولية التي وقعت عليها الخرطوم؟
المتهم: لأنني أحكم شعبا لا يفهم غير لغة السوط والجلد والخوف.
القاضي: هذا ليس صحيحا بالمرة، فأنت مجرم مغتصب للسلطة التي اختارها الشعب عن طريق ديمقراطي، حتى لو حدثت تجاوزات بحكم التخلف الحضاري في العالم الثالث، فإن احترام اختيار الشعب لسلطته كان ينبغي أن تلتزم به وأنت العسكري الذي تعلم أصول الوطنية، ونلت ماجستير العلوم العسكرية ، ثم ماجستير آخر في ماليزيا، وزمالة أكاديمية السودان للعلوم الادارية.
المتهم: لقد أردت صناعة قوة عسكرية واقتصادية وسياسية كبرى من السودان الذي مزقته الحروب الداخلية.

القاضي: لماذا ساندت صدام حسين في غزوه للكويت على الرغم من كراهيتك لحزب البعث العربي الاشتراكي، ومعرفتك الواعية بقوافل الخير الكويتية التي لم تتأخر عن السودان؟
المتهم: لماذا، سيدي القاضي، توجه هذا السؤال لي؟ ألم تكن قيادات فلسطين والأردن وتونس والجزائر وموريتانيا واليمن واقفة تشهد الزور لحساب طاغية بغداد؟
لقد سال لعابي لأموال الكويتيين وذهبهم وفضتهم وثرواتهم التي وعدني الرئيس العراقي بجزء منها لو أنني وقفت بجانبه.
القاضي: ارتكبت قواتك بأوامر مباشرة منك مذابح ضد الأهالي العُزّل الأبرياء في مناطق جبال النوبة، وفي منطقة النيل الأزرق، ولم ترتوي نفسك من دماء الجنوبيين فقمت بتسليح ( الجنجويد ) ليقوموا بأكبر مذابح ضد القبائل التي تمتد لأصول أفريقية، هل لديك تبرير؟
المتهم: إن محاربة أعداء الثورة واجب وطني، وأنا القائد الأعلى لهذا البلد وواجبي يحتم علي الحفاظ على أمن الدولة!
القاضي: وأمن الدولة يعني في رأيك المتبجح بالايمان والتقوى اغتصاب مئات النساء على ايدي جنودك القساة، أليس كذلك؟
المتهم: إن ترويع ومطاردة الرجال تلزمنا أن نغتصب النساء لآذلال الجميع، وأنا فعلا كانت تصلني تقارير عن تفاصيل عمليات الاغتصاب التي كادت تقترب مما حدث في رواندا، لكن الجميع يدفع ثمن الحروب.
القاضي: ما يحيرني في الأمر هي وقاحتك في الحديث عن الاسلام وتعاليم الله، عز وجل، وقوة إيمانك به، ورغبتك في اقامة عدالة دينية تنبع من الكتاب والسنة، وأنت عدو لدود لكل القيم والمباديء الأخلاقية السامية، لماذا لم تترك شعبك السوداني يعيش في سلام؟

المتهم: إن السلام الذي تتحدث عنه، سيدي القاضي، كان يعني حرية وديمقراطية وتقاسم ثروة بين أبناء الشمال والجنوب واعطاء الأفارقة السودانيين حقوقهم المساوية للمسلمين، وهذا سينتهي إلى مطالبة بانتخابات حرة ونزيهة، وبازاحتي عن السلطة.
القاضي: تدمر بلدا كبيرا رائعا كالسودان من أجل شهوة السلطة. لم يعرف السودان في تاريخه كله مخربا مثلك، ومجرما متعطشا للدماء باسم الدين، ومع ذلك فقد حكمت سنوات طويلة. كيف تمكنت من تغييب الشعب؟
المتهم: كنت أملك العصا السحرية، أي الدين وفي هذه الحالة فإن المعارضة تصبح اعتداءا سافرا على أوامر الله، ويصمت الناس، وتتقدم كتيبة متخلفة من أنصاف المثقفين ورجال الدين تبرر الجرائم كلها فلا صوت يعلو فوق الصوت الرسمي باسم السماء، ويستطيع أي شخص أن يسحر الجماهير بالشعارات الدينية، وأي مرشح في الانتخابات في عالمنا العربي يضمن أكثرية أصوات الناخبين لو عَلَّقَ فوق رؤوسهم شعار ( الإسلام هو الحل)، بل يمكنك أن تقتل وتذبح وترتكب كل الجرائم بحجة أن خصومك يخالفون تعاليم الدين، فيلعنهم العامة دون معرفة تفاصيل الحقيقة، ويتلقى القاتل دعوات وتهاني وتمنيات بجنة الخلد.
لم يكن أمامي، سيدي القاضي، غير هذا الحل السحري لاسترهاب الجماهير، واستغفال الحمقى، وتخدير العامة.
القاضي: لكنك جعلت شركاء الوطن من الجنوبيين يكرهون الاسلام، ويخشون تعاليمه، ويرحبون بأي تدخل أجنبي من أجل التخلص من الاستبداد الديني الذي تمثله أنت وزبانيتك.
المتهم: وأنا لم أكن أسمح بهذا الجون جارانجح أن يشاركني الحكم، وكغيري من أكثر زعماء عالمنا العربي لا نسمح لرجل ثان أن يسرق ولو جزءا ضئيلا من سلطتنا.
القاضي: الضغوطات الدولية حاصرت السودان، وكاد الأمر يتطور إلى تدخل عسكري غربي أمريكي كان يمكن أن ينتهي إلى فصل الجنوب تماما وتأسيس دولة تكون مرتعا لاسرائيل، ومطرقة على رؤوس الدول المطلة على النيل، وربما انفصال جديد لاقليم غرب السودان يشهد مذابح مخيفة ضد القبائل العربية، وهذا يعني بالمفهوم الاقتصادي الزراعي أيضا انتهاء أي أمل في وصول السودان إلى بر الأمان، هل تدري ما هي مسؤوليتك؟

المتهم: عندما وَثَبْتُ على الحكم لم أكن أعرف، سيدي القاضي، أن الأوضاعَ بهذا التعقيد والتشابك، وظننت أن الأمور ستجري في غاية السهولة، نظامُ حكم إسلامي يعتبرني فيه السودانيون أميرا للمؤمنين، وسلطة مطلقة لا تحدها حدود، وتبرير ديني من الترابي لأي جرائم أو أخطاء أو تجاوزات، ومنصب روحي في العالم الاسلامي.
القاضي: ألم تفكر باسم الاسلام أيضا في اغلاق المعتقلات والسجون التي لاتليق بآدمية الانسان، خاصة سجن كوبر المخيف، وأن تفرج عن الأبرياء، وأن تمنع التعذيب والاغتصاب وانتهاكات حقوق الانسان، أم أن هذا أيضا من إيمانك بالدين الاسلامي الحنيف؟
المتهم: لكن الحرية لم تكن مطلبا سودانيا بالمرة، وأنا أعطيت توجيهاتي بالاستمرار في عمليات الرقيق بعيدا عن أعين منظمات حقوق الانسان، وكنت أرى ملايين السودانيين يخرجون في مظاهرات أقرب إلى فوضويات المتحمسين للفاتح من سبتمبر العظيم.

أما كرامة المواطن فقد فكرت فيها عدة مرات، لكنني انشغلت في هموم داخلية أخرى ولو استمر حكمي عشرين عاما أخرى فربما كنت قد اتخذت قرارات جديدة في صالح كرامة المواطن السوداني!
القاضي: الجوع والفقر والمجاعات والجفاف تعصف بالمجتمع السوداني الذي يقيم فوق ما عرف ب( سلة العالم العربي) ولو كان في صدرك مثقال ذرة من خير لاهتز كيانك كله بأطفال بلدك وهم يبحثون في القمامة عن كسرة خبز، أو تضغط أسنانهم على أثداء أمهاتهم الفارغة من نقطة حليب واحدة وتحلق قريبا منهم طيور جارحة تنتظر خروج الروح من طفل رضيع لعله يكون صيدا ثمينا لها.
ماذا فعلت بهذا البلد الطيب؟
المتهم: لماذا لا تحاول، سيدي القاضي، تقدير ظروفي، فأنا أيضا إنسان يعشق السلطة والمال والاستبداد، وكانت كل الظروف مهيأة لي لكي أمارس أقصى درجات الطغيان منذ يونيو عام 1989 ولم تهتز الدنيا، وكل جيراني يعرفون ما يحدث، ويستقبلني العقيد في خيمته الملونة وأشرب معه حليب الناقة وأحصل على دعم، ويعانقني الرئيس المصري وهو يعلم أنني خططت لاغتياله، ويصمت آلاف المثقفين، وتخرس الألسنة، وتندفع كل التيارات الاسلامية، تقريبا، تتهم الغرب بأنه يعادي السودان لأننا نطبق الشريعة العادلة، ويغيب العلماء كما غابوا في أربعين عاما استعبد خلالها الحسن الثاني شعبه المغربي، بل إن عشرات من الجماعات الاسلامية التي ينضوي تحت لوائها ملايين من المسلمين، سرا أو جهرا أو تعاطفا، يضربون المثل بالعدل في نظام حكمي لمجرد أنهم علموا بقطع يد امرأة فقيرة أو بجلد شاب سرق بضعة جنيهات ليشتري دواء لأمه التي تحتضر.

القاضي: انقلابك على حكومة الصادق المهدي المنتخبة شعبيا أجهض كل محاولات السلطات السابقة تحقيق سلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، خاصة اتفاق ( ميرغني/جارانج)، وهذا يزيد الشكوك في أنك مدفوع لاثارة الاضطرابات في السودان، والغاء الاتفاقات والعهود، ثم ينتهي الأمر بتقسيم السودان وتحقيق حلم اسرائيل في منع كوب الماء عن المصريين كما يفعل الأتراك مع السوريين.
المتهم: هذا ليس صحيحا بالمرة فأنا لست مدفوعا من جهة خارجية وهدفي الوحيد كان مزيدا من السلطتين العسكرية والروحية ليصبح السودان كله تحت قدمي.
القاضي: ما هو دور جامعة الدول العربية في الصراع الدائر على أرض السودان؟
المتهم: لم يكن للجامعة أي دور، والمبادرة العربية الوحيدة كانت في أكتوبر عام 2000 وقدمتها مصر وليبيا، ورحبت أنا بها ولكن جون جارانج أدار لها ظهره.
القاضي: لماذا انقلبت على حسن الترابي؟
المتهم: بعد استيلائي على الحكم في يونيو عام 1989 قمت بحل مجلس قيادة الثورة، وشكلت المجلس الوطني الانتقالي عن طريق التعيين مع تركيزي على أعضاء الجبهة الاسلامية القومية، وأضفت إليهم خليطا عجيبا من لاعبي كرة القدم ونجوم المجتمع ( مثل نجم فريق الهلال طارق أحمد آدم، ومدرب المنتخب الوطني شوقي عبد العزيز، ووضعت العقيد محمد الأمين خليفة

رئيسا لهذا المجلس، وعندما جاء برلمان جديد بعد انتهاء فترة الأول، كان نصفه بالانتخاب والنصف الآخر بالتعيين، وهنا برزت أنياب الدكتور حسن الترابي الذي حاول سحب البساط من تحت قدمي وتقليص صلاحياتي، فقمت بحل البرلمان، وأعلنت حالة الطواريء في البلاد.
القاضي: كيف تعاملت مع انتهاكات حقوق الانسان التي يخفيها جحيم السودان في قلب سجن ( كوبر ) الأكثر شهرة في العالم العربي؟
المتهم: كيف يمكن أن أكون زعيما عربيا يهابني الجميع،ويحترمني زملائي، وتخشاني القوى المعارضة دون أن يكون تحت إمرتي سجن ينزل الرعب في قلوب خصومي؟
لقد أردت أن أنافس سجون الوطن العربي، فالأردنيون يسقطون خوفا عندما يأتي الحديث على ذكر معتقل ( الجفرة)،والمغاربة يعتقدون أن جحيم الآخرة أكثر نعيما من سجن ( تزمامارت)، وسجون ( القلعة وأبو زعبل وطره ) لدى الشقيقة الكبرى مصر يتبرأ مما يحدث فيها إبليس نفسه، أما ( تدمر) السوري فهو يفسر الآية الكريمة ( .. ثم رددناه أسفل سافلين )، ولن أحدثك، سيدي القاضي، عن ( سجن أبو سليم ) الليبي، وسجون ومعتقلات لبنان وتونس وموريتانيا والصومال والجزائر وما بقي من عالمنا المسكين.

أما العراق فقد تفوق في عهديه، الصدامي والأمريكي العلاوي، في التعامل مع السجناء والمعتقلين معاملة تنفر منها الحشرات.
إنني لم آت بجديد عندما أمرت جلادي النظام وكلابنا المطيعة من رجال الأمن بتعليم السودانيين أن يكون رقيقا مطيعين لعصا السلطة وأوامر القصر.
القاضي: هل حدثت محاولات انقلابية ضد نظام حكمك؟
المتهم: السودان، سيدي القاضي، مثل سوريا قبيل وصول الرئيس الراحل حافظ الأسد، من يستيقظ باكرا يتسلم الحكم.
عشرات الانقلابات التي حدثت في السودان منذ الاستقلال عام 1956، بعضها نجح، وأكثرها فشل. بعضها وثب قادتها على السلطة، والبعض الآخر تم اعدامه علنا أمام جماهير منفعلة ومهيجة رغم أن هذا يتعارض مع طبيعة الشعب السوداني المسالم.
أول انقلاب نجح كان بقيادة الفريق إبراهيم عبود وحكم البلاد بالحديد والنار لمدة سبع سنوات. وهناك انقلاب 25 مايو 1969 الذي قاده جعفر النميري مع بعض القوميين والشيوعيين، وظل هو أيضا يحكم بقبضة حديدية وحول السودان إلى مكان خصب لعشاق الدماء والقتل إلى أن انقلب عليه رفيقه هاشم العطا في 19 يوليو 1971 واحتل فعلا العاصمة الخرطوم لمدة يومين، لكن النميري قضى على الانقلاب، ونصب المشانق لعشرات الضباط، وظلت الانقلابات هكذا إلى أن جاء حكم ديمقراطي للصادق المهدي، فانتظرتُ ثلاثة أعوام حتى قمت بانقلابي بمساعدة المنظر الديني الدكتور حسن الترابي. وأنا تعرضت لمحاولات انقلاب كثيرة أهمها (انقلاب رمضان) عام 1990 بقيادة اللواء عبد الله الكدرو، واللواء الطيار محمد عثمان حامد، لكنني نجوت بفضل الله وأعدمت 28 ضابطا كبيرا.

في عام 1992 قام البعثيون بقيادة أحمد خالد بمحاولة انقلاب ضدي، وكانت النتيجة مزيدا من المعتقلين في سجوني، ومنذ ذلك الحين وشعبي السوداني يعيش حالة من الخوف، وكبار الضباط يعرفون أنني لا أمزح في هذه الأمور وأن العدالة عندي هي حبل المشنقة أو الاعدام رميا بالرصاص.
القاضي: لماذا يشعر غير العرب والمسلمين في السودان بأنهم مستهدفون؟
المتهم: دعني أعترف لك، سيدي القاضي، وأنا بين يدي العدالة بأنني لم أفهم الخصوصية الثقافية للشعب السوداني، ولم أستوعب فكرة تداخل الهويات والثقافات والأديان والعقائد والمذاهب ليتكون منها نسيج نادر ومتكامل وصحي يثري الوطن.
القاضي: لو شعر السودانيون كلهم على اختلاف أطيافهم وألوانهم ومشاربهم أن حكومة مركزية تساوي بينهم لما رفع أحد السلاح دفاعا عن نهر أو بحيرة أو نفط أو جبال أو مزارع

المتهم: كنت أظن طوال الوقت بأننا أرفع شأنا وفكرا وحضارة من الجنوبيين وغير العرب، ولعلي أقوم بتشبيه وضعنا بوضع التداخل السنغالي الموريتاني الذي لم يستطع الطرفان أن يفهما ثراء الاختلاط فأججت السياسة الحمقاء مشاعر الكراهية.
القاضي: الآن أنت خلقت اشكالية جديدة وهي مشاعر البغضاء والكراهية التي صنعتها سنوات الحرب والقتل والاختطاف والمجاعة، وكذلك تحويلك قضايا المجتمع إلى نزاعات ايديولوجية بدلا من الأسباب الحقيقية وهي سرقة موارد الوطن والاعتداء على ممتلكات الغير واعتبار النفط من حق الشماليين، أليس هذا صحيحا؟
المتهم: لست المجرم الوحيد في تمزيق الوطن فقد كان معي حسن الترابي، وكان يبرر دينيا تجاوزاتنا، ويقوم مع الجبهة الاسلامية بتوزيع الأراضي المغتصبة على الأعوان والأصدقاء والمعارف، وقد حصل الكثيرون على مئات الآلاف من الأفدنة الزراعية.
القاضي: اعترفت لأول مرة في نهاية شهر سبتمبر 2004 بانتهاكات حقوق الانسان في اقليم دارفور، لماذا انتظرت كل هذا الوقت وأنت تعرف أن عمليات قتل جماعية واغتصاب لنساء الاقليم تجري في كل يوم؟
المتهم: كنت أخشى أن يشمت في خصوم السودان لأنني أنكرت مرات عديدة وكنت أعرف أن عشرين امرأة وفتاة يتم اغتصابهن في كل يوم من قبل عصابات القبائل التي نقوم نحن بدعمها.

القاضي: هل تعرف أن المرأة في دارفور تخشى على زوجها وأولادها الذكور من القتل، فتضطر تحت وطأة الحاجة الملحة للخروج للبحث عن الماء وهي تعلم أنها معرضة غالبا للاغتصاب؟ أي مهانة تشعر بها هذه المرأة السودانية؟
وهل كنت تعرف أن عصاباتك تسحب الفتيات الصغيرات من المدارس وتقوم باغتصابهن؟
المتهم: لم يكن بيدي أي حل، سيدي القاضي، فقد أفلت الزمام والعصابات لم يكن من الممكن السيطرة عليها، والاغتصاب في الحروب اذلال للرجال قبل النساء.
القاضي: قلت خلال الاحتفال بالعيد الخمسين لتأسيس الجيش بأنك قادر على احلال السلام والأمن في دارفور، وأن أعداء الوطن يثيرون الاضطرابات بعد نجاح الحكومة في المحادثات مع الجنوبيين، لماذا إذن استمرت الانتهاكات حتى أن الشرطة السودانية تقوم باغتصاب النساء في مقابل حمايتهن من قبائل الجنجويد العربية؟
المتهم: كنت مضطرا لقول هذا وذلك لرفع الروح المعنوية لجنودي في عيد القوات المسلحة، لكن الحقيقة أن السودان كله كان ينهار أمام عيني، وكنت أعرف أن نهايتي اقتربت، وان الأمر لا يعدو أن يكون عدا تنازليا قبل وقوفي المهين أمام عدالتكم.
القاضي: لماذا لم تقم بمعاقبة رجال الأمن الذين انتهكوا حقوق المواطن، بل إنك منحتهم حريةَ استجواب وتعذيب المواطنين، ثم حبسهم لفترات طويلة دون اللجوء للقضاء؟

المتهم: لأن خصومي أقوياء، وكان لابد من استخدام القوة المفرطة في التعامل مع المتمردين والمشاغبين والمتظاهرين والمعترضين على طريقة حكمي.
إن قوات الأمن القومي تقوم باعتقال العشرات وحبسهم لمدد تزيد على تسعة أشهر دون اللجوء للقضاء أو ابلاغ أهلهم وأقربائهم، ونحن كما ذكرت من قبل نقوم بقطع الأيدي والأرجل وبتر الأطراف والجلد، وحتى أضمن عدم تذمر قواتي الأمنية فإنني لا أحيل أي ضابط للمساءلة ، فهم رجالي.
القاضي: قلت في حديث لصحيفة ( الأهرام ) القاهرية أنك تسعى لاقامة نظام حكم ديمقراطي فأين كنت منذ عام 1989؟
حتى في محنة دارفور كنت تمنع الصحفيين والاعلاميين من تغطية الأخبار الحقيقية لكارثة الاقليم، وكنت تعطي الأوامر للجيش بأن يصاحب عصابات الجنجويد لابادة السكان واحراق بيوتهم ومطاردة المتمردين بقسوة وغلظة.

المتهم: كل الزعماء يتعاملون بهذه الطريقة، أي وضع حقيقي، وآخر لتلميع النظام والتعامل مع العالم والمنظمات الدولية وأنا أظن أنها كانت مؤامرة أمريكية.
القاضي: هل تهجير أكثر من مليون من أبناء الاقليم وقتل مئة وخمسين ألفا واغتصاب آلاف النساء والفتيات وتلميذات المدارس مؤامرة أمريكية؟ لقد كنت أنت المجرم الأول في مذابح العصابات وجنودك ضد أبناء شعبك، وبعض الحقائق لا تستطيع أن تخفيها بأصابعك فالعالم كله شاهد رغم التعتيم الاعلامي من طرفك أكبر عمليات تهجير وقتل واستخدام سياسة الأرض المحروقة. لماذا لم تصل إلى اتفاق نهائي مع جون جارانج؟
المتهم: لأن الحركة الشعبية لتحرير السودان أعني متمردي الجنوب غيرت جلدها مرات كثيرة فقد بدأت حركة يسارية يدعمها منجستو هيلا مريم وتتلقى مساعدات من موسكو، ثم طالبت بتقسيم ثروات البلاد بين الشماليين والجنوبيين، ثم بدأت في وضع لمسات مسيحية على الحركة وفتح الجنوب لحركات التبشير المرتبطة بقوى الاستعمار، وأخيرا كشفت عن وجهها ورفضت حكم الشريعة الاسلامية واعتبار مسيحيي الجنوب غير معنيين بالحكم المركزي في الخرطوم. إن جون جارانج هو الذي يرفض السلام.
القاضي: أنت كاذب كيوم استيلائك على السلطة، فلو عاملت أبناء بلدك من غير العرب والمسلمين معاملة حسنة وتساويهم بالخرطوميين لما خشي الجنوبيون الصلح والسلام. الآن قل لي لماذا أنكر حسن الترابي وجود بيوت الأشباح وبعد الاعتداء عليه في كندا عاد ليؤكد، على الرغم من أنها سجون ومعتقلات سمع بها القاصي والداني ودَوَّنَ بعضُ الذين وُلدوا من جديد، أعني خرجوا منها أنها أكثر رعبا من أشد تخيلات أي مخرج لأفلام الرعب؟
المتهم: لم يكن ممكنا لي الحفاظ على وحدة الوطن وأمنه دون بيوت الأشباح، ففيها يتعلم المعارضون آداب السلوك مع السلطة، ويتردد من هم خارجها سبعين مرة قبل انتقاد السلطة.

القاضي: كيف وصل احتقاركم للانسان السوداني لدرجة جلد طالبات من كلية الأحفاد الجامعية أمام مبنى الجامعة في مشهد مقزز ومناف تماما للقيم والأخلاق؟
المتهم: كنا نبحث عن تعاطف الجمعيات الخيرية الاسلامية في دول الخليج، ونعرف أن مثل هذه الأمور التي ستصلهم على أنها التزام من النظام السوداني بتطبيق شرع الله ومحاربة الرذيلة ومطاردة الفساد فإن التبرعات ستنهال علينا .
القاضي: ومعروف أيضا عنك الغدر، ليس فقط لأنك طعنت الكويتيين في ظهورهم بالتعاون مع شيطان بغداد وتأييد الاحتلال البعثي الفاشي لدولة الكويت التي لم تتأخر في دعم المستشفيات والمدارس والجامعات والمشروعات الزراعية والمساجد وغيرها في السودان، لكنك غدرت بالأفراد وقمت ببيع كارلوس للسلطات الفرنسية، وببيع الشيخ عمر عبد الرحمن للاستخبارات الأمريكية تماما كما يبيع العقيد القذافي كل أصدقائه من أجل أن ينجو من مصير صدام حسين، أليس في قلبك ذرة رحمة أو وفاء تركها إيمانك بالله وبالاسلام الحنيف؟

المتهم: أرجوك، سيدي القاضي، فلم يعد بامكاني تقريع الضمير بأكثر مما فعلت، ولو استمرت الجلسات عدة أيام فسأصبح في كتب التاريخ السوداني لأجيال قادمة أحد الأشباح التي امتلئت بها سجوني ومعتقلاتي.
نعم أنا مجرم وقاتل وقمت متعمدا بتخريب وطن وتمزيق دستوره واستخدام الدين كستار للفساد والطغيان والاغتصاب، وأنا نادم أشد الندم على يوم وسوس لي الشيطان بانهاء الحكم الديمقراطي في السودان في 30 يونيو عام 1989 لأقيم فوقه واحدة من جمهوريات الخوف التي لم يكن عالمنا العربي محتاجا لها فلديه الكثير منها.
القاضي: وحتى لو اصدرت حكما مخففا عليك، فإن نار جهنم ستميز غيظا وهي تتلقفك في حممها، وطرق القاضي على المنضدة، ثم نظر إلى جمهور الحاضرين المتعطش لصوت العدالة وقال: الحكم بعد المداولة.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

اقـــتـــلـــوه بـــالـــصـــمـــت!


اقـــتـــلـــوه بـــالـــصـــمـــت!
يقولون لي: لقد قضيتَ أكثر من أربعين عاما تكشف سوءات الطغاة، وتدافع عن حقوق المضطهـَـدين، وتناهض الطائفية والتعصب، وتحاكم المستبدين، ونشرت وقائع محاكمة حسني مبارك وعمر حسن البشير وبوتفليقة والقذافي وعلي عبد الله صالح وزين العابدين بن علي، ووضعت سنّ قلمك في عيون مُعذبي الشعوب واللصوص، ونشرت آلاف المقالات، وأصدرت عشرين كتابا على نفقتك الخاصة، ومع ذلك فقد قتلوك بالصمت، ورفضتك الصحافة العربية( إلا قليلا)، وقاطعك الإعلاميون العرب، وابتعد عنك زملاؤك، وعرفتك كل أجهزة الأمن في عالمك العربي الذي ما زلت تحبه رغم كراهية أكثر حُكامه لك؟
يقولون لي: أكثر نداءات الحرية والكرامة والمساواة والحقوق والثورات الطاهرة كنتَ أنتَ سبّاقا لها لأكثر من نصف عُمرك؛ ولم تُشر صحيفة عربية أو زميل إعلامي أو منتفض ضد الظلم لكتاباتك؛ وأنت مستمرإلىَ أنْ يضمُّك قبر باردٌ في النرويج لا يعرف حتى موقعه أهلُ وطنك المتناثرين في عالم يمتد من البحر إلى النهر، ألم ينتابك التعب والكلل والضجر والسأم واليأس فتستريح في مهجرك في أمن وسلام ومعيشة كريمة؟
يقولون لي: كلنا قرأنا كتاباتك وأدرنا لها ظهورنا، وكلنا تلصصنا على غضبك وراقبنا رصاص حرفك في وجوه وصدور الطغاة، لكنك لم تفهم أننا ننحاز للسلطة وكلابها ولصوصها وفاسديها، ولن يقف معك في عدالة قلمك إلا حفنة قليلة؛ تنظر ثم تختفي.
هل هناك ملعون فاسد ولص ومستبد وديكتاتور وسجّان في عالمك العربي الذي تعشقه كتبتَ عنه، وفضحت جرائمه ومع ذلك وقفنا معك، حتى خـُـفية ومن خلف الستار؟
يقولون لي: لن يقول أحد أنك أوجعت فاسدًا أو طاغية وفضحت لصا حاكما وأحلامُك في الحرية للسجناء الأبرياء لا تــَــقـِلّ عن أحلام أهلهم بأحضانهم، لذا فلن نتذكر مقالاتك وكتُبك ومناهضاتك ومحاكمات أجريتها للأوغاد، فمن يناهض أسيادَنا يصبح عدوًا لنا ولو عانقناه في كل لقاء!
عندما كتب لك ينايري شاب بأنه تذكّر كتاباتك وهو في ميدان التحرير فرفع حذاءه ثم نظر خلفه، فإذا بالآلاف يرفعون أحذيتهم في وجه اللعين حسني مبارك، لم يُشر أحد ولن يُشير لكتاباتك التي تقترب من نصف القرن ؛ فلا كرامة لعربي بين أبناء وطنه حتى في مهجره الطويل.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين 
أوسلو في 10 ابريل 2019

ذنوب الأديب!


ذنوب الأديب!

ثلاثة أرباع ذنوب الأديب والشاعر تأتي من مدحِ الحاكم وغض الطرف عن جرائمه والصمت عن السجناء الأزياء.
يظل الأديب في كنف الملائكة حتى يتباهى بالمستبد في قرارات الظلم؛ حينئذ تتلقفه الشياطين لتعيد صناعة أدبه وشعره في رجوم من الجحيم.
الأديب صوت الشعب؛ فإذا أصبح سوط الحاكم فأدبه وشعره ونثره ونصوصه تصبح شواهد على سفالة الإبداع.
الأديب الذي يسدّ أذنيه عن صرخات الموجوعين في أقبية السجون يتلبس إبليس كل حروف حتى لو كانت مقدسة.
خيانة الأديب لضميره تظهر واضحة في انحيازه للقصر ضد الكوخ.
الأديب الذي ترتعش يداه وهو يُلقي كلمة ترحيب بعبقرية الديكتاتور  لن يصفق له بصدق وحماس غير إبليس.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 9 ابريل 2019

31‏/03‏/2019

وقائع محاكمة الرئيس الجزائري بوتفليقة!

تلك كانت رؤيتي لحُكم بوتفليقة منذ أربعة عشر عاما(14 عاما)، وتلقيت وقتها جبالا شاهقة من الشتائم.
الحراك الجزائري الحالي أثبت أنني كنتُ على حق، وكنتُ صوتَ الشعب الجزائري العظيم، وكالعادة لم تُصدقني إلا القلة عند محاكماتي لجرائم صدام حسين وعمر حسن البشير وزين العابدين بن علي وحسني مبارك والمشير طنطاوي والحسن الثاني وعلي عبد الله صالح وعشرات من المجرمين وأجهزة الاستخبارات وأباطرة الفتاوى الدينية الداعشية.
ولم أتوقف منذ نصف قرن في نشر آلاف المقالات برغم التهكم والسخرية والتهديد في عالم النفاق والتطبيل والوشاية.
تُرىَ إلى متىَ سأظل في حماية الله، عزّ وجل؟
اسمحوا لي، وبدون نرجسية، أن أقوم بطبع قُبلة على سنِّ قلمي، وأن أطلب منكم قراءة المحاكمة في زمنها!
-------------------------------------------
وقائع محاكمة الرئيس الجزائري بوتفليقة!
أوسلو في 31 يناير 2005

كنت أجلس مسترخياٌ قُبيل العصر ملتصقا بالنافذة وعيناي تُحدّقان في مشهد طبيعي أخّاذ، وأخذتُ استعرض كلَّ جلسة من المحاكمات السابقة التي مَثَلَ فيها أمام العدالة الرئيس حسني مبارك والعقيد معمر القذافي والرئيس السوداني عمر حسن البشير والتونسي زين العابدين بن علي، وقبل أن استكمل استرجاع مشاهد المحاكمة الرابعة حدث أمرٌ غريب بدا فيه أنني غفلت لبعض الوقت ووجدتُني جالسا في أحد الصفوف الأمامية في قاعة محكمة ظننتها للوهلة الأولى ثكنةً عسكريةً من كثرة المتواجدين بها الذين يحملون فوق صدورهم وأكتافهم علامات ونياشينَ أكثر مما حملته قياداتُ الحرب العالمية الثانية.
إنني حقا شاهد على المحاكمة الخامسة التي جرت أو ستجري أو لن تحدث وقائعها إلا في أضغاث أحلامي!
نظرت عن يميني متفحصا الوجه الغاضب للرئيس المتهم .. عبد العزيز بوتفليقة وهو يترقب بدوره دخول رئيس المحكمة ومستشاريه.
بعد قليل دخل القاضي مهرولا كأنه يستعجل الحكمَ قبل المداولة أو يخشى انقلابا عسكريا يسبق صيحةَ الحاجب: محكمة!
لم ينتظر القاضي عودةَ الهدوء إلى القاعة فبدأ بتوجيه أسئلته إلى المتهم الذي بدا متحفزا.. 

القاضي: اسمك وتاريخ ومكان مولدك؟
المتهم: عبد العزيز بوتفليقة من مواليد شهر مارس عام 1937 في مدينة تلمسان.

القاضي: كيف وصلتَ إلى حكم البلاد؟
المتهم: في انتخابات نزيهة جرت في الخامس عشر من ابريل عام 1999.

القاضي: وهل كان هناك مرشحون غيرك؟
المتهم: نعم، سيدي الرئيس، فقد كان هناك ستة من المرشحين انسحبوا احتجاجا فأصبحتُ المرشحَ الوحيدَ ولم أكترث لهم.

القاضي: وطبعا منهم الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي الرجل الذي قاد عمليةَ مراجعة تاريخك الأسود واكتشف عام 1980 اختلاسَك مبلغ 43 مليون دولار وبدلا من وضعك في السجن مع المجرمين وسارقي أموال الدولة خرجتَ من الجزائر لتعود بعد ثمان سنوات معتمدا على الذاكرة الضعيفة للشعب، أليس كذلك؟
المتهم: لكنني، سيدي القاضي، قمت بإعادة الأموال التي نهبتها من أفواه شعبنا الجزائري. وفي عام 1994 تم استدعائي لتولي الحُكم خليفة للرئيس علي كافي، لكنني اشترطت تعييني من قبل المؤسسة العسكرية التي تعرف أهدافي جيدا.

القاضي: هل تقصد موقفك من الصحراء المغربية ودورك المشبوه في اثارة القلاقل للمغرب على الرغم من أنك قضيت سنوات من طفولتك وشبابك في مدينة وَجْدَة؟
المتهم: كنت على أتم استعداد لعقد أي صفقة مع الشيطان في مقابل إثارة الاضطرابات للمغرب ومنعه من ضم الجمهورية الصحراوية عنوة لئلا تكبر المملكة المغربية.

القاضي: ولكن ليست هذه كل الصفقة التي بموجبها جعلك العسكريون واجهة لتدمير الوطن الذي دفع مليونا ونصف المليون من الأرواح للتحرير، ألم يرفضك العسكر من قبل؟
المتهم: بلىَ، سيدي القاضي، كان ذلك عام 1978 وبعد وفاة الرئيس هواري بومدين وحال العسكر دون وصولي للحكم فجاء الشاذلي بن جديد.

القاضي: بمناسبة ذكرك رئيسك الراحل، لماذا ترفض حتى الآن فتح ملف وفاة الرئيس هواري بومدين؟
المتهم: كل من تابع بدقة الأسابيع الأخيرة للرئيس الراحل لا يخالجه أدنى شك في أن صدام حسين هو الذي دسّ السم له خشية أن يفضح دوره الخبيث في الحرب العراقية الايرانية فقد كان بومدين يملك أوراقا كثيرة تدين طاغية بغداد وتكشف اتصالاته الخفية التي انتهت إلى اعلان الحرب على طهران.

القاضي: لماذا أخفيت عن أهل بلدك حقيقة اختفاء قسري لأكثر من عشرة آلاف جزائري وكأن الأرض ابتلعتهم؟
المتهم: لقد أبلغنا في نوفمبر عام 2001 منظمة هيومان رايتس ووتش أن لدينا ملفات لحوالي خمسة آلاف مختفٍ، وأن رئيس اللجنة الاستشارية ، مصطفى فاروق قسنطيني، يظن أن الذين اختفوا قد يبلغ عددهم اثني عشر ألفا.

القاضي: أنا لا أحدثك عن طيور أو قطط أو كلاب، إنما استفسر عن مصير آلاف من الجزائريين الذين كنت تعرف مصيرَهم واشترى العسكرُ صمتَك المخيفَ مقابل بقائك في الحكم.
المتهم: كانت لدىَ قوات الأمن أوامر بتجاوز أي خطوط حمراء أخلاقية أو أدبية أو وطنية في سبيل إعادة الاستقرار إلى البلاد.
وكان إلقاء القبض على الجزائريين يجري على قدم وساق بدون تُهَم أو إدّعاء أو تبرير أو حتى الحديث إلى المواطن وهو يسير آمنا في شوارع بلدته أو أي مكان آخر.

القاضي: لقد تفوقتَ بجرائمك على كثيرين من طغاة العالم، وكنا نظن أن قضايا الاختفاء تتفوق فيها بعض دول أمريكا اللاتينية، لكنك جعلت الجزائر الأكثر رعبا وهلعا للمواطن المسكين.
لماذا أبلغت أهالي المختفين بأن ستمائة من أولادهم انضموا للجماعات المسلحة؟
المتهم: لم يكن أمامي غير هذا الحل فقد قمنا بتصفية الآلاف، ثم إن هناك عقدا بيني وبين الجنرالات لا أستطيع أن أنكثه لئلا يكون مصيري مثل محمد بوضياف.

القاضي: اختطاف المواطن من الشارع وهو عائد من عمله أو يتسوق لأولاده أو ذاهب للمسجد أو آمن على نفسه في وطنه كان جريمة فادحة بكل المقاييس، لكن الأسوأ والأحقر تمثل في شعوركم في نظام الحُكم القذر بلذة تعذيب الأهالي وهم يبحثون عن أولادهم في أقسام الشرطة والمستشفيات وفي الجبال وفي القرى النائية وأنتم تعلمون أن أجهزة أمنكم تولت ارسال المختطفين إلى العالم الآخر، ألم يكن في قلبك ذرة من إيمان تستند عليها لتخفف من عذابات وآلام الآباء والأمهات والأولاد والأحباب؟
المتهم: أنت لا تعلم، سيدي القاضي، قوة وسطوة وطغيان المشاعر السلطوية، وأنا في الواقع متهم سابق بالاختلاس والسرقة، ومن السهل فتح ملفاتي فكنتُ مضطرا لتوقيع اتفاق جنتلماني مع مافيا الجنرالات وليذهب الجزائريون إلى الجحيم.

القاضي: لا أستطيع أن اصدّق أنك كنت ساعدا أيمن لهواري بومدين الذي كان على رغم أخطائه، خاصة النزاع الصحراوي واعتقال أحمد بن بلّا، إلا أنه كان طاهرا وشريفا وعاشقا لوطنه وكارها لقوى الاستعمار.
هل كنتَ على علم بآلاف من حالات التعذيب في سجون الجزائر؟
المتهم: كانت حياتي مساوية للصمت فالجنرالات يضعون أيديهم فوق رقبتي، وأنا أسُدُّ أذني وأغض الطرف عن جرائم يهتز لها عرش الرحمن.

القاضي: ما هو الشيفون؟
المتهم: إنها طريقة للتعذيب تجري في معتقلاتنا وسجوننا وهي عبارة عن وضع خرقة مبللة بمياه قذرة أو مواد كيماوية على فم وأنف المحتجز، وهي في الواقع من ابتكار رجال الأمن في الجزائر ننافس بها الأشقاء في سجون ومعتقلات الوطن العربي الحبيب!

القاضي: هذا يعني أنك كنت على علم بالتجاوزات والانتهاكات والتعذيب والاغتصاب والتصفية التي تقوم بها قوات الأمن ضد مواطنيك، أم ستنفي معرفتك بها؟
المتهم: كنت أعلم عن تفاصيل كثيرة يشيب لها شعر الجنين، لكن أحلامي في الصعود والاحتفاظ بالسلطة وجعل اسمي يسبق اسم الجزائر وتجنب اغضاب العسكر جعلني أقوم بتخدير ضميري خشية أن يستيقظ ويقرعني عن صمتي.

القاضي: هل يمكنك أن تذكر لي سبب اعتقال الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج؟
المتهم: كان ذلك اثر نجاح الجبهة الاسلامية للانقاذ في الانتخابات التشريعية وحصول الجبهة على 82% من الأصوات، مما دفع العسكر إلى الغاء الانتخابات ثم غابت الدولة في فوضى.

القاضي: لكن اعتقال الشيخين جرى قبل أن تسيل أي دماء في الجزائر، ثم إن الافراج عنهما في عهدك كان مقابل عدم ممارسة أي أنشطة سياسية أو ثقافية أو اجتماعية أو دينية، أي أنه استمرار للاعتقال بعد الافراج، فلماذا وضعت هذه الشروط المجحفة؟
المتهم: حتى تكون أمامي فرصة لاعتقالهما لأي سبب تافه أو بسيط بحجة ممارستهما أو أحدهما لنشاط معين حتى لو كان مناقشة في قضية اجتماعية.

القاضي: هل كانت هناك نشاطات للموساد في عهدك؟
المتهم: وهل هناك بلد عربي يستعطف واشنطون، ويستجدي سيّدَ بيتها الأبيض يستطيع أن يفعل ذلك دون أن يفتح بابا صغيرا خفيا يتسلل منه رجال الاستخبارات الاسرائيلية؟
ألم تقم اسرائيل بتصفية قيادات للمقاومة في تونس في غياب أجهزة الأمن التونسية؟
ألم يرسل العقيد القذافي حُجّاجا لبيت المقدس لترضية واشنطون؟
ألم يكن الملك الحسن الثاني الأقرب إلى اسرائيل من أي زعيم آخر؟
ألم يكن الحسين بن طلال صاحب العلاقات السرية مع حكام تل أبيب طوال فترة حُكمه؟
أليس أسياس أفورقي رجل الموساد في أفريقيا؟
ألم تقم الاستخبارات الاسرائيلية بحماية نظام الحكم الارهابي في موريتانيا؟
ألا يمثل التعاون بين نظام الرئيس حسني مبارك والكيان الصهيوني نموذجا للتضحية بمصالح الوطن من أجل تجنب الغضب الأمريكي؟

وهنا قاطعه القاضي غاضبا: وهل نسيت أنك أرسلت صحفيين جزائريين لإسرائيل؟
وهل كانت مصافحتك لرئيس الوزراء الاسرائيلي في جنازة الملك الحسن الثاني هي الوحيدة في تاريخ علاقتك المشبوهة بالكيان العبري؟
المتهم: وهل أنا أقف أمام عدالتكم بتهمة الحوار مع اسرائيل؟

القاضي: التهم الموجهة إليك تكفي لوضعك في زنزانة منفردة ومنعزلة في أقصى الصحراء ما بقي لك من عمر، لكننا نبحث عن أهم جرائمك المتعلقة بحقوق المواطن الجزائري وبمسؤوليتك عن الانتهاكات والتعذيب والتصفية.
الآن، لماذا قمتم باعتقال الحاج محمد إسماعيل ممثل الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان بولاية جليزان؟
المتهم: لأنه سافر إلى باريس لحضور ندوة عن حقوق الإنسان، وعندما عاد إلى مطار وهران أمرنا باعتقاله حتى يتعلم الجزائريون المهووسون بحقوقهم أن الدولة فوق القانون، وأن أكبرهم لا يساوي ثمن رصاصة يطلقها رجل أمن في مؤخرة رأسه وهو يسير آمنا فوق التراب الوطني.

القاضي: لماذا لم تأمر بالافراج عن معتقلي الرأي القابعين ظلما وعدوانا في سجن لعلاليق، وأنت كنت تعلم أنهم يعانون من مشاكل صحية ويعاملهم الحراس معاملة الكلاب أو أقل؟
المتهم: لأنني كنت غاضبا على ( محارق السجون ) وهي انتفاضة المعتقلين والمسجونين الذين أضربوا عن الطعام أو قدموا احتجاجات وأثاروا زوابع على نظام حكمنا.
صحيح أننا قمنا بتصفية عشرات منهم كما كان رفعت الأسد يقوم بنفس العمل في سجن تدمر السوري، وكما فعل أخي العقيد معمر القذافي الذي قتل 1200 ليبي في سجن أبي سليم، وكما فعل الأمريكيون وهم ينقلون أسرى أفغان في الصحراء ثم أوقفوا السيارات المكدسة وفتحوا النار على مئات بداخلها كانوا في الواقع قد لقوا حتفهم من الاختناق فشرّفهم الأمريكيون بالموت للمرة الثانية.
لم أفرج عن سجناء الرأي في معتقل لعلاليق ليتعلم الجزائريون فضيلة الصمت ولعق أحذية العسكر والرئيس.

القاضي: أنت تتحدث عن أبطال جاد مليون ونصف المليون من آبائهم بأرواحهم من أجل أن نعيش وأجيالنا القادمة أحرارا، فكيف أطاعتك نفسك الكريهة وقد كنت في يوم من الأيام بجوار هواري بومدين الذي رفض زيارة فرنسا حفاظا على سكون أرواح شهداء حرب التحرير؟
المتهم: كانت قبضة العسكر قوية، وكنت الضعيف أمامهم، والمنقذ أمام المتزلفين والمنافقين والأفّاقين والجبناء، والمشاغب أمام جيراني المغاربة، والبطل أمام قوى التحرر الأفريقية التي تعيش أحلام الزمن الجميل لهواري بومدين، والطاغية أمام القوى المعارضة.

القاضي: لماذا لم تقوموا بعملية فرز علنية تفصلون فيها بين الجبهة الاسلامية للانقاذ وبين الجماعة الاسلامية المسلحة؟
المتهم: لأن هذا كان يعني إبطال حُجّة الدولة في اعتقال الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج، وربما عودة ( الفيس ) للعمل على الساحة وهذا لن يسمح به جنرالات الجيش وسيقومون بتصفيتي كما فعلوا مع محمد بوضياف.

القاضي: كم كان عدد القتلى الذين قمتم بتصفيتهم في السجون العشرة التي شهدت تمردا؟
المتهم: ليس لدي إحصاء دقيق، لكن رجال الأمن التزموا بتعليماتنا بأن حياة المواطن الجزائري السجين أرخص من حشرة، لكننا للحقيقة، سيدي القاضي، لم نقتلهم كلهم رميا بالرصاص، فمنهم عدد كبير لقي حتفه في حريق بسجن شلقوم العيد، وآخر القتلى كانوا في سجن بشار في جنوب الجزائر.

القاضي: أنت تتحدث الآن مع رئيس المحكمة، وينبغي أن تتأدب ولا تستخف بعقلي. كيف يتمرد في وقت واحد سجناء في عدد كبير من المعتقلات التي تفصل بينها مئات الكيلومترات ولا تستطيع ذبابة أن تنقل خبرا من سجن إلى آخر؟
وهنا خفت صوت المتهم بوتفليقة، ونظر إلى الأرض خجلا وقد بدت عليه ملامح الارهاق والمذلة في خليط عجيب لا يخفى على أي ملاحظ متمرس في تعبيرات الوجوه.
ثم قال دون أن ينظر لوجه القاضي: معذرة، سيدي الرئيس، فأنا لم أقصد إهانتك، والحقيقة أننا كنا نرسل عملاء ومدسوسين ومرشدين يعيشون مع السجناء لفترة من الوقت، ثم يقومون بتحريضهم على التمرد في الوقت الذي نحدده نحن، وهذا تفسير للتمرد المشترك من سجناء لا تربطهم أي صلة حتى لو كانت نسمة هواء تسري من أقصى البلد لأقصاها.

القاضي: لقد شهد عهدُك أحطَّ أنواع الفساد ويمكن لمن يملك أن يشتري أي شيء، ويقوم بتهريب البضائع والبشر والمخدرات.. 
للمرة الأولى في تاريخ نضال هذا الشعب العظيم يبحث الأطفالُ في صناديق القمامة عن فتات الطعام الذي يلقيه أناس أثرتهم الحرب الأهلية، ورفعت من قيمتهم قبضات الجنرالات، وضمتهم إلى المافيا أحذية العسكر.
إنهم يُذَكّرونني بأطفال غزة الذين يبحثون أيضا عن الطعام في صناديق القمامة القريبة من بيوت وفيلات وقصور أعضاء الحكومة والمجلس التشريعي وأصحاب الياقات البيضاء الذين جاءوا من تونس ليحكموا أبطال الانتفاضة فخسرت الثورة الفلسطينية بقيادتها الفاشلة أكثر مما خسرت بقسوة وغلظة ووحشية عدوها الصهيوني.
هل كان لديك مشروع قومي لانقاذ الوطن المهزوم؟
المتهم: لم يكن لدي مشروع قط فأنا توليت السلطة وكل شيء فاسد، من الميناء إلى الثكنات العسكرية، ومن الفهم المتخلف للدين إلى الادارة الفاشلة والبطالة المليونية وقضايا الصراع الفكري التي لم يحسمها الجزائريون فلما قام الرئيس الفرنسي بزيارتهم خرجت الجزائر كلها تستقبله كأنه المنقذ أو الحلم الذي توارى لبعض الوقت أو نافذة الحرية للتخلص من العسكر أو جنة الاستعمار القديم في مقابل الحرية الحديثة.

القاضي: كيف تحول الجزائريون في عهدك إلى مواطنين من الدرجة الثانية الذين تسبقهم فئة قمتم بصنع جزء منها وهم تجار المخدرات ومهربو البضائع والفاسدون المرتشون وناهبو نفط الدولة فضلا عن أسياد الجزائريين .. أعني جنرالات الحرب؟
المتهم: لكل طاغية، سيدي القاضي، طريقته في اخضاع عبيده ورعاياه، وحيث أنني لا أحكم بمفردي الجزائر كما هو الحال مثلا في مصر وليبيا وتونس والمغرب والأردن فإن صناعة الخضوع لا تبقى حِكْرا عليَ بمفردي، فرقبتي تحت أحذية العسكر، واستمرارهم رهنٌ بكراهية شعبي لي فإذا أردت التمرد فإن استدعاء ملك الموت ليقبض روحي لن يستغرق ساعة أو بعض الساعة.
إنني ومافيا العسكر كنا نكمل بعضنا، على الرغم من أنني الحلقة الأضعف.

القاضي: لو وقفت أمام شعبك وطلبت دعمه وفضحت في خطاب علني كل صور الفساد وذكرت الأسماء وأمرت باعتقالهم فإن الجزائريين كلهم ( تقريبا ) كانوا قادرين على ازالة دولة العسكر والاستخبارات وتنصيبك بطلا!
المتهم: لكنني، سيدي القاضي، لم أكن قادرا على التحريض فتاريخي معروف لديهم، وملفي الذي يحتفظ به خصومي كان يمكن أن يجهز لي سبعين حبلا للمشنقة بدءا من عملية الاختلاس وتحريضي ضد المغرب وليس انتهاء بموافقتي، الضمنية أحيانا والصريحة أحيانا أخرى، على عمليات التصفية والتعذيب والاختطاف.

القاضي: هل قرأت ( مافيا الجنرالات ) و ( الحرب القذرة )؟
المتهم: نعم وقرأت عشرات من المقالات والتحقيقات التي نشرتها الصحافة الفرنسية، لكنني لم أهتز لها فالرئيس الفرنسي قام بزيارتي كما قمت أنا بزيارة رسمية لباريس وهم يطرحون قضايا حقوق الانسان على استحياء، فالقيم في الغرب وأمريكا يمكن تخديرها من أجل المصالح.
ألم يستقبل العقيد القذافي زعماء أوروبا الحرة في خيمته بعدما روعهم بعملياته الارهابية؟
ألم يكن كل زعماء فرنسا يعرفون ما يجري في جحيم المعتقلات المغربية لكن أمير المؤمنين كان يرفض أي عتاب أو نقد بعدما نهب معظم ثروة شعبه؟
إننا، سيدي القاضي، في مسرح كبير يلعب كل منا دوره القذر، وفي داخل كل منا سيد وعبد، ونحدد وفقا للموقف إن كنا نعطي أقفيتنا أو نمسك سوطنا، نلعق الأحذية أو نلهب الظهور، نصلي في دار العبادة أو نسهر مع عاهرة.

القاضي: مذابح السلطة ضد أبناء الجزائر من البربر بلغت مداها العفن في فتح النار على المتظاهرين وقتل المئات دون أن يرف جفن أي منكم. لماذا تضطهدون البربر وتمنعون عنهم حقوقهم المواطنية الكاملة؟
المتهم: لأننا لم نخرج بعد من دائرة الحيرة الثقافية وبالتالي نظن أن المواطن لو كان يعتنق دينا آخر أو يتحدث لغة ثانية أو تعود جذوره لسلالات مهاجرة أو حتى للسلالات الأصلية لو كنا نحن أبناء المهاجرين، فإننا ننظر إليه نظرة دونية خشية أن يطالب بحقوقه المشروعة.

القاضي: لكن البربر ليسوا أغرابا فهم سكان الوطن كالطوارق في ليبيا والسُنّة في العراق والشيعة في البحرين والعلويين في سوريا والدروز في لبنان والأقباط في مصر والأكراد في العراق وسوريا وتركيا والنوبيين في مصر والفلسطينين في الكيان العبري والجنوبيين في السودان .. كل هؤلاء مواطنون من المفترض أنهم من الدرجة الأولى كالآخرين تماما ، أما الفروقات في الدين والطائفة واللغة والثقافة والمشاعر المشتركة بين كل جماعة لا تنتقص من حقها قيد شعرة.
المتهم: إنها قضية لم يصنعها عهدي لكنني ورثتها، ولست من أَمَرَ باطلاق النار على المظاهرات.

القاضي: هل تريد أن تقنعني أنك بريء من دماء الجزائريين، وأنك لست الزعيم الذي كان بامكانه أن ينحاز إلى شعبه؟
المتهم: دعني، سيدي الرئيس، أعترف لك قبل أن تحكم بأقصى العقوبات التي يبدو أن جرائمي تستدعيها من عدالتكم فأنا فعلا قمت بأحط الأعمال ضد أبناء شعبي، وفَضّلت الصمتَ أمام المذابح، وقرأت آلاف التقارير عن التعذيب في المعتقلات والسجون، وكنت أعرف أن المختطفين والمغيبين والمختفين تمت تصفية أكثرهم، وأنني أشاهد بأم عيني فسادا في كل أجهزة الدولة ولم استطع أو لم أرغب في القضاء عليه، ووقعت في يدي أدلة وشواهد وبراهين على مذابح وجرائم مافيا العسكر فاخترت الصمت حماية لنفسي ولسلطتي ولمنصبي، وكانت لي لقاءات ومحادثات مع مسؤولين صهاينة، وأنني فتحت الأبواب أمام أمريكا لعلي استطيع لعب دور سياسي أكبر فيتجاذبني الأمريكيون والفرنسيون، وأن استمراري في ترشيح نفسي بعدما انسحب الستة الآخرون كان جريمة بكل المقاييس ولو كان هناك عدل لفقدتُ الشرعية مع أول صوت انتخابي.
وهنا أشار له القاضي بالسكوت، فالجريمة مكتملة الأركان، والتحالف بينه وبين العسكر كان اختيارا طوعيا، ومذابح مافيا العسكر لا تقل عن مذابح الاسلاميين ضد الشعب البريء، ووقف القاضي طالبا عشرين دقيقة للمداولة، لكن الحقيقة أن هناك عدة آلاف من المجرمين والقتلة، من الجنرالات والاسلاميين، لم يَمْثلوا بعد أمام عدالة محكمة الشعب.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 31 يناير 2005 

30‏/03‏/2019

النُخبة هي الشيطان!

النُخبة هي الشيطان!
المستشار حسن فريد قاضي الإعدامات يختلف عن المستشار أحمد فريد قاضي محكمة القرن، وعن علي عبد العال رئيس البرلمان، مجلس النواب.
أحمد رفعت لا يستطيع قراءة أوراق الحُكْم أو حتى جملة واحدة منها، وعلي عبد العال لم يسمع عن اللغة العربية من قبل وهو أجهل من دابة؛ أما حسن فريد فهو أمّي وهناك شواهد علنية تثبت ذلك، وحكايته في الطائرة مع الدكتور أسامة فوزي عندما طلب المساعدة في ملءِ استمارة التأشيرة صادقة ومخزية وواقعية، فالرجل لم ينكر أنه أمّي.
في قضية إعدامات الشباب التسعة، ورغم تحفيظ زملائه له؛ فالرجل لم يستطع قراءة كلمتين، أيّ لم يطـّـلع على أوراق القضية.
تتعمد مصر أن تبهر الدنيا بجاهليها وأمييها، فالمطلوب احتقار وازدراء الشعب أمام الكون كله؛ فالشعب الذي يصمت على حُكم جهلاء ومسؤولين لا يعرفون القراءة والكتابة لا يستحق في رأي الحاكم شفقة.
المجرمون الحقيقيون والأوغاد وكارهو مصر ومفسدوها هم الصفوة والنخبة والمثقفون والإعلاميون والأكاديميون وأساتذة الجامعات والروائيون والأدباء الذين يشهدون على أمية وجهل هؤلاء، ثم يساهمون في تثبيت أقدامهم في مؤسسات يدمرونها.
نحن لا ننتقد المستشار حسن فريد، فالرجل المسكين أمّي وعلى مدىَ سنوات منحته الدولة ووزارة العدل قضايا الوطن حتى يبصق عليها إذا لم يستطع أن يقرأها.
أعترف لكم بأن جسدي كله يرتعش لدى الحديث عن مستشاري وقضاة ومسؤولي بلد، كانت اللغة السليمة فيه مقدمة للفكر السليم، أما الآن فالرئيس ووزير العدل ورؤوس الحُكم والإعلام يعلمون أن مستوى حسن فريد يعادل مستوى تلميذ في الثانية الابتدائية، ومع ذلك فهو يمثل عدالة السماء ويضع أصابعه في عيوننا.
لا نريد مساجد وكنائس وبيوتا وطعاما وشرابا؛ لكننا نريد مستشارين وقضاة غير أمّيين، فهل هذا المطلب كبير على صاحب الأمر والنهي؟
إن وضع حسن فريد كمستشار وقاضٍ ليس أكثر من قذف بصقة صفراء مبلغمة من شرفة قصر الاتحادية في وجوه مئة مليون مصري لم تعرف روح الجزائريين طريقها إليهم بعد!
كلما عدت للكتابة تتسمم مسامات جسدي من المشهد الكارثي الذي يصفق له العبيد، خاصة من الصفوة والنخبة والمثقفين والإعلاميين.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 30 مارس 2019

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...