31‏/03‏/2019

وقائع محاكمة الرئيس الجزائري بوتفليقة!

تلك كانت رؤيتي لحُكم بوتفليقة منذ أربعة عشر عاما(14 عاما)، وتلقيت وقتها جبالا شاهقة من الشتائم.
الحراك الجزائري الحالي أثبت أنني كنتُ على حق، وكنتُ صوتَ الشعب الجزائري العظيم، وكالعادة لم تُصدقني إلا القلة عند محاكماتي لجرائم صدام حسين وعمر حسن البشير وزين العابدين بن علي وحسني مبارك والمشير طنطاوي والحسن الثاني وعلي عبد الله صالح وعشرات من المجرمين وأجهزة الاستخبارات وأباطرة الفتاوى الدينية الداعشية.
ولم أتوقف منذ نصف قرن في نشر آلاف المقالات برغم التهكم والسخرية والتهديد في عالم النفاق والتطبيل والوشاية.
تُرىَ إلى متىَ سأظل في حماية الله، عزّ وجل؟
اسمحوا لي، وبدون نرجسية، أن أقوم بطبع قُبلة على سنِّ قلمي، وأن أطلب منكم قراءة المحاكمة في زمنها!
-------------------------------------------
وقائع محاكمة الرئيس الجزائري بوتفليقة!
أوسلو في 31 يناير 2005

كنت أجلس مسترخياٌ قُبيل العصر ملتصقا بالنافذة وعيناي تُحدّقان في مشهد طبيعي أخّاذ، وأخذتُ استعرض كلَّ جلسة من المحاكمات السابقة التي مَثَلَ فيها أمام العدالة الرئيس حسني مبارك والعقيد معمر القذافي والرئيس السوداني عمر حسن البشير والتونسي زين العابدين بن علي، وقبل أن استكمل استرجاع مشاهد المحاكمة الرابعة حدث أمرٌ غريب بدا فيه أنني غفلت لبعض الوقت ووجدتُني جالسا في أحد الصفوف الأمامية في قاعة محكمة ظننتها للوهلة الأولى ثكنةً عسكريةً من كثرة المتواجدين بها الذين يحملون فوق صدورهم وأكتافهم علامات ونياشينَ أكثر مما حملته قياداتُ الحرب العالمية الثانية.
إنني حقا شاهد على المحاكمة الخامسة التي جرت أو ستجري أو لن تحدث وقائعها إلا في أضغاث أحلامي!
نظرت عن يميني متفحصا الوجه الغاضب للرئيس المتهم .. عبد العزيز بوتفليقة وهو يترقب بدوره دخول رئيس المحكمة ومستشاريه.
بعد قليل دخل القاضي مهرولا كأنه يستعجل الحكمَ قبل المداولة أو يخشى انقلابا عسكريا يسبق صيحةَ الحاجب: محكمة!
لم ينتظر القاضي عودةَ الهدوء إلى القاعة فبدأ بتوجيه أسئلته إلى المتهم الذي بدا متحفزا.. 

القاضي: اسمك وتاريخ ومكان مولدك؟
المتهم: عبد العزيز بوتفليقة من مواليد شهر مارس عام 1937 في مدينة تلمسان.

القاضي: كيف وصلتَ إلى حكم البلاد؟
المتهم: في انتخابات نزيهة جرت في الخامس عشر من ابريل عام 1999.

القاضي: وهل كان هناك مرشحون غيرك؟
المتهم: نعم، سيدي الرئيس، فقد كان هناك ستة من المرشحين انسحبوا احتجاجا فأصبحتُ المرشحَ الوحيدَ ولم أكترث لهم.

القاضي: وطبعا منهم الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي الرجل الذي قاد عمليةَ مراجعة تاريخك الأسود واكتشف عام 1980 اختلاسَك مبلغ 43 مليون دولار وبدلا من وضعك في السجن مع المجرمين وسارقي أموال الدولة خرجتَ من الجزائر لتعود بعد ثمان سنوات معتمدا على الذاكرة الضعيفة للشعب، أليس كذلك؟
المتهم: لكنني، سيدي القاضي، قمت بإعادة الأموال التي نهبتها من أفواه شعبنا الجزائري. وفي عام 1994 تم استدعائي لتولي الحُكم خليفة للرئيس علي كافي، لكنني اشترطت تعييني من قبل المؤسسة العسكرية التي تعرف أهدافي جيدا.

القاضي: هل تقصد موقفك من الصحراء المغربية ودورك المشبوه في اثارة القلاقل للمغرب على الرغم من أنك قضيت سنوات من طفولتك وشبابك في مدينة وَجْدَة؟
المتهم: كنت على أتم استعداد لعقد أي صفقة مع الشيطان في مقابل إثارة الاضطرابات للمغرب ومنعه من ضم الجمهورية الصحراوية عنوة لئلا تكبر المملكة المغربية.

القاضي: ولكن ليست هذه كل الصفقة التي بموجبها جعلك العسكريون واجهة لتدمير الوطن الذي دفع مليونا ونصف المليون من الأرواح للتحرير، ألم يرفضك العسكر من قبل؟
المتهم: بلىَ، سيدي القاضي، كان ذلك عام 1978 وبعد وفاة الرئيس هواري بومدين وحال العسكر دون وصولي للحكم فجاء الشاذلي بن جديد.

القاضي: بمناسبة ذكرك رئيسك الراحل، لماذا ترفض حتى الآن فتح ملف وفاة الرئيس هواري بومدين؟
المتهم: كل من تابع بدقة الأسابيع الأخيرة للرئيس الراحل لا يخالجه أدنى شك في أن صدام حسين هو الذي دسّ السم له خشية أن يفضح دوره الخبيث في الحرب العراقية الايرانية فقد كان بومدين يملك أوراقا كثيرة تدين طاغية بغداد وتكشف اتصالاته الخفية التي انتهت إلى اعلان الحرب على طهران.

القاضي: لماذا أخفيت عن أهل بلدك حقيقة اختفاء قسري لأكثر من عشرة آلاف جزائري وكأن الأرض ابتلعتهم؟
المتهم: لقد أبلغنا في نوفمبر عام 2001 منظمة هيومان رايتس ووتش أن لدينا ملفات لحوالي خمسة آلاف مختفٍ، وأن رئيس اللجنة الاستشارية ، مصطفى فاروق قسنطيني، يظن أن الذين اختفوا قد يبلغ عددهم اثني عشر ألفا.

القاضي: أنا لا أحدثك عن طيور أو قطط أو كلاب، إنما استفسر عن مصير آلاف من الجزائريين الذين كنت تعرف مصيرَهم واشترى العسكرُ صمتَك المخيفَ مقابل بقائك في الحكم.
المتهم: كانت لدىَ قوات الأمن أوامر بتجاوز أي خطوط حمراء أخلاقية أو أدبية أو وطنية في سبيل إعادة الاستقرار إلى البلاد.
وكان إلقاء القبض على الجزائريين يجري على قدم وساق بدون تُهَم أو إدّعاء أو تبرير أو حتى الحديث إلى المواطن وهو يسير آمنا في شوارع بلدته أو أي مكان آخر.

القاضي: لقد تفوقتَ بجرائمك على كثيرين من طغاة العالم، وكنا نظن أن قضايا الاختفاء تتفوق فيها بعض دول أمريكا اللاتينية، لكنك جعلت الجزائر الأكثر رعبا وهلعا للمواطن المسكين.
لماذا أبلغت أهالي المختفين بأن ستمائة من أولادهم انضموا للجماعات المسلحة؟
المتهم: لم يكن أمامي غير هذا الحل فقد قمنا بتصفية الآلاف، ثم إن هناك عقدا بيني وبين الجنرالات لا أستطيع أن أنكثه لئلا يكون مصيري مثل محمد بوضياف.

القاضي: اختطاف المواطن من الشارع وهو عائد من عمله أو يتسوق لأولاده أو ذاهب للمسجد أو آمن على نفسه في وطنه كان جريمة فادحة بكل المقاييس، لكن الأسوأ والأحقر تمثل في شعوركم في نظام الحُكم القذر بلذة تعذيب الأهالي وهم يبحثون عن أولادهم في أقسام الشرطة والمستشفيات وفي الجبال وفي القرى النائية وأنتم تعلمون أن أجهزة أمنكم تولت ارسال المختطفين إلى العالم الآخر، ألم يكن في قلبك ذرة من إيمان تستند عليها لتخفف من عذابات وآلام الآباء والأمهات والأولاد والأحباب؟
المتهم: أنت لا تعلم، سيدي القاضي، قوة وسطوة وطغيان المشاعر السلطوية، وأنا في الواقع متهم سابق بالاختلاس والسرقة، ومن السهل فتح ملفاتي فكنتُ مضطرا لتوقيع اتفاق جنتلماني مع مافيا الجنرالات وليذهب الجزائريون إلى الجحيم.

القاضي: لا أستطيع أن اصدّق أنك كنت ساعدا أيمن لهواري بومدين الذي كان على رغم أخطائه، خاصة النزاع الصحراوي واعتقال أحمد بن بلّا، إلا أنه كان طاهرا وشريفا وعاشقا لوطنه وكارها لقوى الاستعمار.
هل كنتَ على علم بآلاف من حالات التعذيب في سجون الجزائر؟
المتهم: كانت حياتي مساوية للصمت فالجنرالات يضعون أيديهم فوق رقبتي، وأنا أسُدُّ أذني وأغض الطرف عن جرائم يهتز لها عرش الرحمن.

القاضي: ما هو الشيفون؟
المتهم: إنها طريقة للتعذيب تجري في معتقلاتنا وسجوننا وهي عبارة عن وضع خرقة مبللة بمياه قذرة أو مواد كيماوية على فم وأنف المحتجز، وهي في الواقع من ابتكار رجال الأمن في الجزائر ننافس بها الأشقاء في سجون ومعتقلات الوطن العربي الحبيب!

القاضي: هذا يعني أنك كنت على علم بالتجاوزات والانتهاكات والتعذيب والاغتصاب والتصفية التي تقوم بها قوات الأمن ضد مواطنيك، أم ستنفي معرفتك بها؟
المتهم: كنت أعلم عن تفاصيل كثيرة يشيب لها شعر الجنين، لكن أحلامي في الصعود والاحتفاظ بالسلطة وجعل اسمي يسبق اسم الجزائر وتجنب اغضاب العسكر جعلني أقوم بتخدير ضميري خشية أن يستيقظ ويقرعني عن صمتي.

القاضي: هل يمكنك أن تذكر لي سبب اعتقال الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج؟
المتهم: كان ذلك اثر نجاح الجبهة الاسلامية للانقاذ في الانتخابات التشريعية وحصول الجبهة على 82% من الأصوات، مما دفع العسكر إلى الغاء الانتخابات ثم غابت الدولة في فوضى.

القاضي: لكن اعتقال الشيخين جرى قبل أن تسيل أي دماء في الجزائر، ثم إن الافراج عنهما في عهدك كان مقابل عدم ممارسة أي أنشطة سياسية أو ثقافية أو اجتماعية أو دينية، أي أنه استمرار للاعتقال بعد الافراج، فلماذا وضعت هذه الشروط المجحفة؟
المتهم: حتى تكون أمامي فرصة لاعتقالهما لأي سبب تافه أو بسيط بحجة ممارستهما أو أحدهما لنشاط معين حتى لو كان مناقشة في قضية اجتماعية.

القاضي: هل كانت هناك نشاطات للموساد في عهدك؟
المتهم: وهل هناك بلد عربي يستعطف واشنطون، ويستجدي سيّدَ بيتها الأبيض يستطيع أن يفعل ذلك دون أن يفتح بابا صغيرا خفيا يتسلل منه رجال الاستخبارات الاسرائيلية؟
ألم تقم اسرائيل بتصفية قيادات للمقاومة في تونس في غياب أجهزة الأمن التونسية؟
ألم يرسل العقيد القذافي حُجّاجا لبيت المقدس لترضية واشنطون؟
ألم يكن الملك الحسن الثاني الأقرب إلى اسرائيل من أي زعيم آخر؟
ألم يكن الحسين بن طلال صاحب العلاقات السرية مع حكام تل أبيب طوال فترة حُكمه؟
أليس أسياس أفورقي رجل الموساد في أفريقيا؟
ألم تقم الاستخبارات الاسرائيلية بحماية نظام الحكم الارهابي في موريتانيا؟
ألا يمثل التعاون بين نظام الرئيس حسني مبارك والكيان الصهيوني نموذجا للتضحية بمصالح الوطن من أجل تجنب الغضب الأمريكي؟

وهنا قاطعه القاضي غاضبا: وهل نسيت أنك أرسلت صحفيين جزائريين لإسرائيل؟
وهل كانت مصافحتك لرئيس الوزراء الاسرائيلي في جنازة الملك الحسن الثاني هي الوحيدة في تاريخ علاقتك المشبوهة بالكيان العبري؟
المتهم: وهل أنا أقف أمام عدالتكم بتهمة الحوار مع اسرائيل؟

القاضي: التهم الموجهة إليك تكفي لوضعك في زنزانة منفردة ومنعزلة في أقصى الصحراء ما بقي لك من عمر، لكننا نبحث عن أهم جرائمك المتعلقة بحقوق المواطن الجزائري وبمسؤوليتك عن الانتهاكات والتعذيب والتصفية.
الآن، لماذا قمتم باعتقال الحاج محمد إسماعيل ممثل الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان بولاية جليزان؟
المتهم: لأنه سافر إلى باريس لحضور ندوة عن حقوق الإنسان، وعندما عاد إلى مطار وهران أمرنا باعتقاله حتى يتعلم الجزائريون المهووسون بحقوقهم أن الدولة فوق القانون، وأن أكبرهم لا يساوي ثمن رصاصة يطلقها رجل أمن في مؤخرة رأسه وهو يسير آمنا فوق التراب الوطني.

القاضي: لماذا لم تأمر بالافراج عن معتقلي الرأي القابعين ظلما وعدوانا في سجن لعلاليق، وأنت كنت تعلم أنهم يعانون من مشاكل صحية ويعاملهم الحراس معاملة الكلاب أو أقل؟
المتهم: لأنني كنت غاضبا على ( محارق السجون ) وهي انتفاضة المعتقلين والمسجونين الذين أضربوا عن الطعام أو قدموا احتجاجات وأثاروا زوابع على نظام حكمنا.
صحيح أننا قمنا بتصفية عشرات منهم كما كان رفعت الأسد يقوم بنفس العمل في سجن تدمر السوري، وكما فعل أخي العقيد معمر القذافي الذي قتل 1200 ليبي في سجن أبي سليم، وكما فعل الأمريكيون وهم ينقلون أسرى أفغان في الصحراء ثم أوقفوا السيارات المكدسة وفتحوا النار على مئات بداخلها كانوا في الواقع قد لقوا حتفهم من الاختناق فشرّفهم الأمريكيون بالموت للمرة الثانية.
لم أفرج عن سجناء الرأي في معتقل لعلاليق ليتعلم الجزائريون فضيلة الصمت ولعق أحذية العسكر والرئيس.

القاضي: أنت تتحدث عن أبطال جاد مليون ونصف المليون من آبائهم بأرواحهم من أجل أن نعيش وأجيالنا القادمة أحرارا، فكيف أطاعتك نفسك الكريهة وقد كنت في يوم من الأيام بجوار هواري بومدين الذي رفض زيارة فرنسا حفاظا على سكون أرواح شهداء حرب التحرير؟
المتهم: كانت قبضة العسكر قوية، وكنت الضعيف أمامهم، والمنقذ أمام المتزلفين والمنافقين والأفّاقين والجبناء، والمشاغب أمام جيراني المغاربة، والبطل أمام قوى التحرر الأفريقية التي تعيش أحلام الزمن الجميل لهواري بومدين، والطاغية أمام القوى المعارضة.

القاضي: لماذا لم تقوموا بعملية فرز علنية تفصلون فيها بين الجبهة الاسلامية للانقاذ وبين الجماعة الاسلامية المسلحة؟
المتهم: لأن هذا كان يعني إبطال حُجّة الدولة في اعتقال الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج، وربما عودة ( الفيس ) للعمل على الساحة وهذا لن يسمح به جنرالات الجيش وسيقومون بتصفيتي كما فعلوا مع محمد بوضياف.

القاضي: كم كان عدد القتلى الذين قمتم بتصفيتهم في السجون العشرة التي شهدت تمردا؟
المتهم: ليس لدي إحصاء دقيق، لكن رجال الأمن التزموا بتعليماتنا بأن حياة المواطن الجزائري السجين أرخص من حشرة، لكننا للحقيقة، سيدي القاضي، لم نقتلهم كلهم رميا بالرصاص، فمنهم عدد كبير لقي حتفه في حريق بسجن شلقوم العيد، وآخر القتلى كانوا في سجن بشار في جنوب الجزائر.

القاضي: أنت تتحدث الآن مع رئيس المحكمة، وينبغي أن تتأدب ولا تستخف بعقلي. كيف يتمرد في وقت واحد سجناء في عدد كبير من المعتقلات التي تفصل بينها مئات الكيلومترات ولا تستطيع ذبابة أن تنقل خبرا من سجن إلى آخر؟
وهنا خفت صوت المتهم بوتفليقة، ونظر إلى الأرض خجلا وقد بدت عليه ملامح الارهاق والمذلة في خليط عجيب لا يخفى على أي ملاحظ متمرس في تعبيرات الوجوه.
ثم قال دون أن ينظر لوجه القاضي: معذرة، سيدي الرئيس، فأنا لم أقصد إهانتك، والحقيقة أننا كنا نرسل عملاء ومدسوسين ومرشدين يعيشون مع السجناء لفترة من الوقت، ثم يقومون بتحريضهم على التمرد في الوقت الذي نحدده نحن، وهذا تفسير للتمرد المشترك من سجناء لا تربطهم أي صلة حتى لو كانت نسمة هواء تسري من أقصى البلد لأقصاها.

القاضي: لقد شهد عهدُك أحطَّ أنواع الفساد ويمكن لمن يملك أن يشتري أي شيء، ويقوم بتهريب البضائع والبشر والمخدرات.. 
للمرة الأولى في تاريخ نضال هذا الشعب العظيم يبحث الأطفالُ في صناديق القمامة عن فتات الطعام الذي يلقيه أناس أثرتهم الحرب الأهلية، ورفعت من قيمتهم قبضات الجنرالات، وضمتهم إلى المافيا أحذية العسكر.
إنهم يُذَكّرونني بأطفال غزة الذين يبحثون أيضا عن الطعام في صناديق القمامة القريبة من بيوت وفيلات وقصور أعضاء الحكومة والمجلس التشريعي وأصحاب الياقات البيضاء الذين جاءوا من تونس ليحكموا أبطال الانتفاضة فخسرت الثورة الفلسطينية بقيادتها الفاشلة أكثر مما خسرت بقسوة وغلظة ووحشية عدوها الصهيوني.
هل كان لديك مشروع قومي لانقاذ الوطن المهزوم؟
المتهم: لم يكن لدي مشروع قط فأنا توليت السلطة وكل شيء فاسد، من الميناء إلى الثكنات العسكرية، ومن الفهم المتخلف للدين إلى الادارة الفاشلة والبطالة المليونية وقضايا الصراع الفكري التي لم يحسمها الجزائريون فلما قام الرئيس الفرنسي بزيارتهم خرجت الجزائر كلها تستقبله كأنه المنقذ أو الحلم الذي توارى لبعض الوقت أو نافذة الحرية للتخلص من العسكر أو جنة الاستعمار القديم في مقابل الحرية الحديثة.

القاضي: كيف تحول الجزائريون في عهدك إلى مواطنين من الدرجة الثانية الذين تسبقهم فئة قمتم بصنع جزء منها وهم تجار المخدرات ومهربو البضائع والفاسدون المرتشون وناهبو نفط الدولة فضلا عن أسياد الجزائريين .. أعني جنرالات الحرب؟
المتهم: لكل طاغية، سيدي القاضي، طريقته في اخضاع عبيده ورعاياه، وحيث أنني لا أحكم بمفردي الجزائر كما هو الحال مثلا في مصر وليبيا وتونس والمغرب والأردن فإن صناعة الخضوع لا تبقى حِكْرا عليَ بمفردي، فرقبتي تحت أحذية العسكر، واستمرارهم رهنٌ بكراهية شعبي لي فإذا أردت التمرد فإن استدعاء ملك الموت ليقبض روحي لن يستغرق ساعة أو بعض الساعة.
إنني ومافيا العسكر كنا نكمل بعضنا، على الرغم من أنني الحلقة الأضعف.

القاضي: لو وقفت أمام شعبك وطلبت دعمه وفضحت في خطاب علني كل صور الفساد وذكرت الأسماء وأمرت باعتقالهم فإن الجزائريين كلهم ( تقريبا ) كانوا قادرين على ازالة دولة العسكر والاستخبارات وتنصيبك بطلا!
المتهم: لكنني، سيدي القاضي، لم أكن قادرا على التحريض فتاريخي معروف لديهم، وملفي الذي يحتفظ به خصومي كان يمكن أن يجهز لي سبعين حبلا للمشنقة بدءا من عملية الاختلاس وتحريضي ضد المغرب وليس انتهاء بموافقتي، الضمنية أحيانا والصريحة أحيانا أخرى، على عمليات التصفية والتعذيب والاختطاف.

القاضي: هل قرأت ( مافيا الجنرالات ) و ( الحرب القذرة )؟
المتهم: نعم وقرأت عشرات من المقالات والتحقيقات التي نشرتها الصحافة الفرنسية، لكنني لم أهتز لها فالرئيس الفرنسي قام بزيارتي كما قمت أنا بزيارة رسمية لباريس وهم يطرحون قضايا حقوق الانسان على استحياء، فالقيم في الغرب وأمريكا يمكن تخديرها من أجل المصالح.
ألم يستقبل العقيد القذافي زعماء أوروبا الحرة في خيمته بعدما روعهم بعملياته الارهابية؟
ألم يكن كل زعماء فرنسا يعرفون ما يجري في جحيم المعتقلات المغربية لكن أمير المؤمنين كان يرفض أي عتاب أو نقد بعدما نهب معظم ثروة شعبه؟
إننا، سيدي القاضي، في مسرح كبير يلعب كل منا دوره القذر، وفي داخل كل منا سيد وعبد، ونحدد وفقا للموقف إن كنا نعطي أقفيتنا أو نمسك سوطنا، نلعق الأحذية أو نلهب الظهور، نصلي في دار العبادة أو نسهر مع عاهرة.

القاضي: مذابح السلطة ضد أبناء الجزائر من البربر بلغت مداها العفن في فتح النار على المتظاهرين وقتل المئات دون أن يرف جفن أي منكم. لماذا تضطهدون البربر وتمنعون عنهم حقوقهم المواطنية الكاملة؟
المتهم: لأننا لم نخرج بعد من دائرة الحيرة الثقافية وبالتالي نظن أن المواطن لو كان يعتنق دينا آخر أو يتحدث لغة ثانية أو تعود جذوره لسلالات مهاجرة أو حتى للسلالات الأصلية لو كنا نحن أبناء المهاجرين، فإننا ننظر إليه نظرة دونية خشية أن يطالب بحقوقه المشروعة.

القاضي: لكن البربر ليسوا أغرابا فهم سكان الوطن كالطوارق في ليبيا والسُنّة في العراق والشيعة في البحرين والعلويين في سوريا والدروز في لبنان والأقباط في مصر والأكراد في العراق وسوريا وتركيا والنوبيين في مصر والفلسطينين في الكيان العبري والجنوبيين في السودان .. كل هؤلاء مواطنون من المفترض أنهم من الدرجة الأولى كالآخرين تماما ، أما الفروقات في الدين والطائفة واللغة والثقافة والمشاعر المشتركة بين كل جماعة لا تنتقص من حقها قيد شعرة.
المتهم: إنها قضية لم يصنعها عهدي لكنني ورثتها، ولست من أَمَرَ باطلاق النار على المظاهرات.

القاضي: هل تريد أن تقنعني أنك بريء من دماء الجزائريين، وأنك لست الزعيم الذي كان بامكانه أن ينحاز إلى شعبه؟
المتهم: دعني، سيدي الرئيس، أعترف لك قبل أن تحكم بأقصى العقوبات التي يبدو أن جرائمي تستدعيها من عدالتكم فأنا فعلا قمت بأحط الأعمال ضد أبناء شعبي، وفَضّلت الصمتَ أمام المذابح، وقرأت آلاف التقارير عن التعذيب في المعتقلات والسجون، وكنت أعرف أن المختطفين والمغيبين والمختفين تمت تصفية أكثرهم، وأنني أشاهد بأم عيني فسادا في كل أجهزة الدولة ولم استطع أو لم أرغب في القضاء عليه، ووقعت في يدي أدلة وشواهد وبراهين على مذابح وجرائم مافيا العسكر فاخترت الصمت حماية لنفسي ولسلطتي ولمنصبي، وكانت لي لقاءات ومحادثات مع مسؤولين صهاينة، وأنني فتحت الأبواب أمام أمريكا لعلي استطيع لعب دور سياسي أكبر فيتجاذبني الأمريكيون والفرنسيون، وأن استمراري في ترشيح نفسي بعدما انسحب الستة الآخرون كان جريمة بكل المقاييس ولو كان هناك عدل لفقدتُ الشرعية مع أول صوت انتخابي.
وهنا أشار له القاضي بالسكوت، فالجريمة مكتملة الأركان، والتحالف بينه وبين العسكر كان اختيارا طوعيا، ومذابح مافيا العسكر لا تقل عن مذابح الاسلاميين ضد الشعب البريء، ووقف القاضي طالبا عشرين دقيقة للمداولة، لكن الحقيقة أن هناك عدة آلاف من المجرمين والقتلة، من الجنرالات والاسلاميين، لم يَمْثلوا بعد أمام عدالة محكمة الشعب.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 31 يناير 2005 

ليست هناك تعليقات:

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...