31‏/03‏/2019

وقائع محاكمة الرئيس الجزائري بوتفليقة!

تلك كانت رؤيتي لحُكم بوتفليقة منذ أربعة عشر عاما(14 عاما)، وتلقيت وقتها جبالا شاهقة من الشتائم.
الحراك الجزائري الحالي أثبت أنني كنتُ على حق، وكنتُ صوتَ الشعب الجزائري العظيم، وكالعادة لم تُصدقني إلا القلة عند محاكماتي لجرائم صدام حسين وعمر حسن البشير وزين العابدين بن علي وحسني مبارك والمشير طنطاوي والحسن الثاني وعلي عبد الله صالح وعشرات من المجرمين وأجهزة الاستخبارات وأباطرة الفتاوى الدينية الداعشية.
ولم أتوقف منذ نصف قرن في نشر آلاف المقالات برغم التهكم والسخرية والتهديد في عالم النفاق والتطبيل والوشاية.
تُرىَ إلى متىَ سأظل في حماية الله، عزّ وجل؟
اسمحوا لي، وبدون نرجسية، أن أقوم بطبع قُبلة على سنِّ قلمي، وأن أطلب منكم قراءة المحاكمة في زمنها!
-------------------------------------------
وقائع محاكمة الرئيس الجزائري بوتفليقة!
أوسلو في 31 يناير 2005

كنت أجلس مسترخياٌ قُبيل العصر ملتصقا بالنافذة وعيناي تُحدّقان في مشهد طبيعي أخّاذ، وأخذتُ استعرض كلَّ جلسة من المحاكمات السابقة التي مَثَلَ فيها أمام العدالة الرئيس حسني مبارك والعقيد معمر القذافي والرئيس السوداني عمر حسن البشير والتونسي زين العابدين بن علي، وقبل أن استكمل استرجاع مشاهد المحاكمة الرابعة حدث أمرٌ غريب بدا فيه أنني غفلت لبعض الوقت ووجدتُني جالسا في أحد الصفوف الأمامية في قاعة محكمة ظننتها للوهلة الأولى ثكنةً عسكريةً من كثرة المتواجدين بها الذين يحملون فوق صدورهم وأكتافهم علامات ونياشينَ أكثر مما حملته قياداتُ الحرب العالمية الثانية.
إنني حقا شاهد على المحاكمة الخامسة التي جرت أو ستجري أو لن تحدث وقائعها إلا في أضغاث أحلامي!
نظرت عن يميني متفحصا الوجه الغاضب للرئيس المتهم .. عبد العزيز بوتفليقة وهو يترقب بدوره دخول رئيس المحكمة ومستشاريه.
بعد قليل دخل القاضي مهرولا كأنه يستعجل الحكمَ قبل المداولة أو يخشى انقلابا عسكريا يسبق صيحةَ الحاجب: محكمة!
لم ينتظر القاضي عودةَ الهدوء إلى القاعة فبدأ بتوجيه أسئلته إلى المتهم الذي بدا متحفزا.. 

القاضي: اسمك وتاريخ ومكان مولدك؟
المتهم: عبد العزيز بوتفليقة من مواليد شهر مارس عام 1937 في مدينة تلمسان.

القاضي: كيف وصلتَ إلى حكم البلاد؟
المتهم: في انتخابات نزيهة جرت في الخامس عشر من ابريل عام 1999.

القاضي: وهل كان هناك مرشحون غيرك؟
المتهم: نعم، سيدي الرئيس، فقد كان هناك ستة من المرشحين انسحبوا احتجاجا فأصبحتُ المرشحَ الوحيدَ ولم أكترث لهم.

القاضي: وطبعا منهم الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي الرجل الذي قاد عمليةَ مراجعة تاريخك الأسود واكتشف عام 1980 اختلاسَك مبلغ 43 مليون دولار وبدلا من وضعك في السجن مع المجرمين وسارقي أموال الدولة خرجتَ من الجزائر لتعود بعد ثمان سنوات معتمدا على الذاكرة الضعيفة للشعب، أليس كذلك؟
المتهم: لكنني، سيدي القاضي، قمت بإعادة الأموال التي نهبتها من أفواه شعبنا الجزائري. وفي عام 1994 تم استدعائي لتولي الحُكم خليفة للرئيس علي كافي، لكنني اشترطت تعييني من قبل المؤسسة العسكرية التي تعرف أهدافي جيدا.

القاضي: هل تقصد موقفك من الصحراء المغربية ودورك المشبوه في اثارة القلاقل للمغرب على الرغم من أنك قضيت سنوات من طفولتك وشبابك في مدينة وَجْدَة؟
المتهم: كنت على أتم استعداد لعقد أي صفقة مع الشيطان في مقابل إثارة الاضطرابات للمغرب ومنعه من ضم الجمهورية الصحراوية عنوة لئلا تكبر المملكة المغربية.

القاضي: ولكن ليست هذه كل الصفقة التي بموجبها جعلك العسكريون واجهة لتدمير الوطن الذي دفع مليونا ونصف المليون من الأرواح للتحرير، ألم يرفضك العسكر من قبل؟
المتهم: بلىَ، سيدي القاضي، كان ذلك عام 1978 وبعد وفاة الرئيس هواري بومدين وحال العسكر دون وصولي للحكم فجاء الشاذلي بن جديد.

القاضي: بمناسبة ذكرك رئيسك الراحل، لماذا ترفض حتى الآن فتح ملف وفاة الرئيس هواري بومدين؟
المتهم: كل من تابع بدقة الأسابيع الأخيرة للرئيس الراحل لا يخالجه أدنى شك في أن صدام حسين هو الذي دسّ السم له خشية أن يفضح دوره الخبيث في الحرب العراقية الايرانية فقد كان بومدين يملك أوراقا كثيرة تدين طاغية بغداد وتكشف اتصالاته الخفية التي انتهت إلى اعلان الحرب على طهران.

القاضي: لماذا أخفيت عن أهل بلدك حقيقة اختفاء قسري لأكثر من عشرة آلاف جزائري وكأن الأرض ابتلعتهم؟
المتهم: لقد أبلغنا في نوفمبر عام 2001 منظمة هيومان رايتس ووتش أن لدينا ملفات لحوالي خمسة آلاف مختفٍ، وأن رئيس اللجنة الاستشارية ، مصطفى فاروق قسنطيني، يظن أن الذين اختفوا قد يبلغ عددهم اثني عشر ألفا.

القاضي: أنا لا أحدثك عن طيور أو قطط أو كلاب، إنما استفسر عن مصير آلاف من الجزائريين الذين كنت تعرف مصيرَهم واشترى العسكرُ صمتَك المخيفَ مقابل بقائك في الحكم.
المتهم: كانت لدىَ قوات الأمن أوامر بتجاوز أي خطوط حمراء أخلاقية أو أدبية أو وطنية في سبيل إعادة الاستقرار إلى البلاد.
وكان إلقاء القبض على الجزائريين يجري على قدم وساق بدون تُهَم أو إدّعاء أو تبرير أو حتى الحديث إلى المواطن وهو يسير آمنا في شوارع بلدته أو أي مكان آخر.

القاضي: لقد تفوقتَ بجرائمك على كثيرين من طغاة العالم، وكنا نظن أن قضايا الاختفاء تتفوق فيها بعض دول أمريكا اللاتينية، لكنك جعلت الجزائر الأكثر رعبا وهلعا للمواطن المسكين.
لماذا أبلغت أهالي المختفين بأن ستمائة من أولادهم انضموا للجماعات المسلحة؟
المتهم: لم يكن أمامي غير هذا الحل فقد قمنا بتصفية الآلاف، ثم إن هناك عقدا بيني وبين الجنرالات لا أستطيع أن أنكثه لئلا يكون مصيري مثل محمد بوضياف.

القاضي: اختطاف المواطن من الشارع وهو عائد من عمله أو يتسوق لأولاده أو ذاهب للمسجد أو آمن على نفسه في وطنه كان جريمة فادحة بكل المقاييس، لكن الأسوأ والأحقر تمثل في شعوركم في نظام الحُكم القذر بلذة تعذيب الأهالي وهم يبحثون عن أولادهم في أقسام الشرطة والمستشفيات وفي الجبال وفي القرى النائية وأنتم تعلمون أن أجهزة أمنكم تولت ارسال المختطفين إلى العالم الآخر، ألم يكن في قلبك ذرة من إيمان تستند عليها لتخفف من عذابات وآلام الآباء والأمهات والأولاد والأحباب؟
المتهم: أنت لا تعلم، سيدي القاضي، قوة وسطوة وطغيان المشاعر السلطوية، وأنا في الواقع متهم سابق بالاختلاس والسرقة، ومن السهل فتح ملفاتي فكنتُ مضطرا لتوقيع اتفاق جنتلماني مع مافيا الجنرالات وليذهب الجزائريون إلى الجحيم.

القاضي: لا أستطيع أن اصدّق أنك كنت ساعدا أيمن لهواري بومدين الذي كان على رغم أخطائه، خاصة النزاع الصحراوي واعتقال أحمد بن بلّا، إلا أنه كان طاهرا وشريفا وعاشقا لوطنه وكارها لقوى الاستعمار.
هل كنتَ على علم بآلاف من حالات التعذيب في سجون الجزائر؟
المتهم: كانت حياتي مساوية للصمت فالجنرالات يضعون أيديهم فوق رقبتي، وأنا أسُدُّ أذني وأغض الطرف عن جرائم يهتز لها عرش الرحمن.

القاضي: ما هو الشيفون؟
المتهم: إنها طريقة للتعذيب تجري في معتقلاتنا وسجوننا وهي عبارة عن وضع خرقة مبللة بمياه قذرة أو مواد كيماوية على فم وأنف المحتجز، وهي في الواقع من ابتكار رجال الأمن في الجزائر ننافس بها الأشقاء في سجون ومعتقلات الوطن العربي الحبيب!

القاضي: هذا يعني أنك كنت على علم بالتجاوزات والانتهاكات والتعذيب والاغتصاب والتصفية التي تقوم بها قوات الأمن ضد مواطنيك، أم ستنفي معرفتك بها؟
المتهم: كنت أعلم عن تفاصيل كثيرة يشيب لها شعر الجنين، لكن أحلامي في الصعود والاحتفاظ بالسلطة وجعل اسمي يسبق اسم الجزائر وتجنب اغضاب العسكر جعلني أقوم بتخدير ضميري خشية أن يستيقظ ويقرعني عن صمتي.

القاضي: هل يمكنك أن تذكر لي سبب اعتقال الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج؟
المتهم: كان ذلك اثر نجاح الجبهة الاسلامية للانقاذ في الانتخابات التشريعية وحصول الجبهة على 82% من الأصوات، مما دفع العسكر إلى الغاء الانتخابات ثم غابت الدولة في فوضى.

القاضي: لكن اعتقال الشيخين جرى قبل أن تسيل أي دماء في الجزائر، ثم إن الافراج عنهما في عهدك كان مقابل عدم ممارسة أي أنشطة سياسية أو ثقافية أو اجتماعية أو دينية، أي أنه استمرار للاعتقال بعد الافراج، فلماذا وضعت هذه الشروط المجحفة؟
المتهم: حتى تكون أمامي فرصة لاعتقالهما لأي سبب تافه أو بسيط بحجة ممارستهما أو أحدهما لنشاط معين حتى لو كان مناقشة في قضية اجتماعية.

القاضي: هل كانت هناك نشاطات للموساد في عهدك؟
المتهم: وهل هناك بلد عربي يستعطف واشنطون، ويستجدي سيّدَ بيتها الأبيض يستطيع أن يفعل ذلك دون أن يفتح بابا صغيرا خفيا يتسلل منه رجال الاستخبارات الاسرائيلية؟
ألم تقم اسرائيل بتصفية قيادات للمقاومة في تونس في غياب أجهزة الأمن التونسية؟
ألم يرسل العقيد القذافي حُجّاجا لبيت المقدس لترضية واشنطون؟
ألم يكن الملك الحسن الثاني الأقرب إلى اسرائيل من أي زعيم آخر؟
ألم يكن الحسين بن طلال صاحب العلاقات السرية مع حكام تل أبيب طوال فترة حُكمه؟
أليس أسياس أفورقي رجل الموساد في أفريقيا؟
ألم تقم الاستخبارات الاسرائيلية بحماية نظام الحكم الارهابي في موريتانيا؟
ألا يمثل التعاون بين نظام الرئيس حسني مبارك والكيان الصهيوني نموذجا للتضحية بمصالح الوطن من أجل تجنب الغضب الأمريكي؟

وهنا قاطعه القاضي غاضبا: وهل نسيت أنك أرسلت صحفيين جزائريين لإسرائيل؟
وهل كانت مصافحتك لرئيس الوزراء الاسرائيلي في جنازة الملك الحسن الثاني هي الوحيدة في تاريخ علاقتك المشبوهة بالكيان العبري؟
المتهم: وهل أنا أقف أمام عدالتكم بتهمة الحوار مع اسرائيل؟

القاضي: التهم الموجهة إليك تكفي لوضعك في زنزانة منفردة ومنعزلة في أقصى الصحراء ما بقي لك من عمر، لكننا نبحث عن أهم جرائمك المتعلقة بحقوق المواطن الجزائري وبمسؤوليتك عن الانتهاكات والتعذيب والتصفية.
الآن، لماذا قمتم باعتقال الحاج محمد إسماعيل ممثل الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان بولاية جليزان؟
المتهم: لأنه سافر إلى باريس لحضور ندوة عن حقوق الإنسان، وعندما عاد إلى مطار وهران أمرنا باعتقاله حتى يتعلم الجزائريون المهووسون بحقوقهم أن الدولة فوق القانون، وأن أكبرهم لا يساوي ثمن رصاصة يطلقها رجل أمن في مؤخرة رأسه وهو يسير آمنا فوق التراب الوطني.

القاضي: لماذا لم تأمر بالافراج عن معتقلي الرأي القابعين ظلما وعدوانا في سجن لعلاليق، وأنت كنت تعلم أنهم يعانون من مشاكل صحية ويعاملهم الحراس معاملة الكلاب أو أقل؟
المتهم: لأنني كنت غاضبا على ( محارق السجون ) وهي انتفاضة المعتقلين والمسجونين الذين أضربوا عن الطعام أو قدموا احتجاجات وأثاروا زوابع على نظام حكمنا.
صحيح أننا قمنا بتصفية عشرات منهم كما كان رفعت الأسد يقوم بنفس العمل في سجن تدمر السوري، وكما فعل أخي العقيد معمر القذافي الذي قتل 1200 ليبي في سجن أبي سليم، وكما فعل الأمريكيون وهم ينقلون أسرى أفغان في الصحراء ثم أوقفوا السيارات المكدسة وفتحوا النار على مئات بداخلها كانوا في الواقع قد لقوا حتفهم من الاختناق فشرّفهم الأمريكيون بالموت للمرة الثانية.
لم أفرج عن سجناء الرأي في معتقل لعلاليق ليتعلم الجزائريون فضيلة الصمت ولعق أحذية العسكر والرئيس.

القاضي: أنت تتحدث عن أبطال جاد مليون ونصف المليون من آبائهم بأرواحهم من أجل أن نعيش وأجيالنا القادمة أحرارا، فكيف أطاعتك نفسك الكريهة وقد كنت في يوم من الأيام بجوار هواري بومدين الذي رفض زيارة فرنسا حفاظا على سكون أرواح شهداء حرب التحرير؟
المتهم: كانت قبضة العسكر قوية، وكنت الضعيف أمامهم، والمنقذ أمام المتزلفين والمنافقين والأفّاقين والجبناء، والمشاغب أمام جيراني المغاربة، والبطل أمام قوى التحرر الأفريقية التي تعيش أحلام الزمن الجميل لهواري بومدين، والطاغية أمام القوى المعارضة.

القاضي: لماذا لم تقوموا بعملية فرز علنية تفصلون فيها بين الجبهة الاسلامية للانقاذ وبين الجماعة الاسلامية المسلحة؟
المتهم: لأن هذا كان يعني إبطال حُجّة الدولة في اعتقال الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج، وربما عودة ( الفيس ) للعمل على الساحة وهذا لن يسمح به جنرالات الجيش وسيقومون بتصفيتي كما فعلوا مع محمد بوضياف.

القاضي: كم كان عدد القتلى الذين قمتم بتصفيتهم في السجون العشرة التي شهدت تمردا؟
المتهم: ليس لدي إحصاء دقيق، لكن رجال الأمن التزموا بتعليماتنا بأن حياة المواطن الجزائري السجين أرخص من حشرة، لكننا للحقيقة، سيدي القاضي، لم نقتلهم كلهم رميا بالرصاص، فمنهم عدد كبير لقي حتفه في حريق بسجن شلقوم العيد، وآخر القتلى كانوا في سجن بشار في جنوب الجزائر.

القاضي: أنت تتحدث الآن مع رئيس المحكمة، وينبغي أن تتأدب ولا تستخف بعقلي. كيف يتمرد في وقت واحد سجناء في عدد كبير من المعتقلات التي تفصل بينها مئات الكيلومترات ولا تستطيع ذبابة أن تنقل خبرا من سجن إلى آخر؟
وهنا خفت صوت المتهم بوتفليقة، ونظر إلى الأرض خجلا وقد بدت عليه ملامح الارهاق والمذلة في خليط عجيب لا يخفى على أي ملاحظ متمرس في تعبيرات الوجوه.
ثم قال دون أن ينظر لوجه القاضي: معذرة، سيدي الرئيس، فأنا لم أقصد إهانتك، والحقيقة أننا كنا نرسل عملاء ومدسوسين ومرشدين يعيشون مع السجناء لفترة من الوقت، ثم يقومون بتحريضهم على التمرد في الوقت الذي نحدده نحن، وهذا تفسير للتمرد المشترك من سجناء لا تربطهم أي صلة حتى لو كانت نسمة هواء تسري من أقصى البلد لأقصاها.

القاضي: لقد شهد عهدُك أحطَّ أنواع الفساد ويمكن لمن يملك أن يشتري أي شيء، ويقوم بتهريب البضائع والبشر والمخدرات.. 
للمرة الأولى في تاريخ نضال هذا الشعب العظيم يبحث الأطفالُ في صناديق القمامة عن فتات الطعام الذي يلقيه أناس أثرتهم الحرب الأهلية، ورفعت من قيمتهم قبضات الجنرالات، وضمتهم إلى المافيا أحذية العسكر.
إنهم يُذَكّرونني بأطفال غزة الذين يبحثون أيضا عن الطعام في صناديق القمامة القريبة من بيوت وفيلات وقصور أعضاء الحكومة والمجلس التشريعي وأصحاب الياقات البيضاء الذين جاءوا من تونس ليحكموا أبطال الانتفاضة فخسرت الثورة الفلسطينية بقيادتها الفاشلة أكثر مما خسرت بقسوة وغلظة ووحشية عدوها الصهيوني.
هل كان لديك مشروع قومي لانقاذ الوطن المهزوم؟
المتهم: لم يكن لدي مشروع قط فأنا توليت السلطة وكل شيء فاسد، من الميناء إلى الثكنات العسكرية، ومن الفهم المتخلف للدين إلى الادارة الفاشلة والبطالة المليونية وقضايا الصراع الفكري التي لم يحسمها الجزائريون فلما قام الرئيس الفرنسي بزيارتهم خرجت الجزائر كلها تستقبله كأنه المنقذ أو الحلم الذي توارى لبعض الوقت أو نافذة الحرية للتخلص من العسكر أو جنة الاستعمار القديم في مقابل الحرية الحديثة.

القاضي: كيف تحول الجزائريون في عهدك إلى مواطنين من الدرجة الثانية الذين تسبقهم فئة قمتم بصنع جزء منها وهم تجار المخدرات ومهربو البضائع والفاسدون المرتشون وناهبو نفط الدولة فضلا عن أسياد الجزائريين .. أعني جنرالات الحرب؟
المتهم: لكل طاغية، سيدي القاضي، طريقته في اخضاع عبيده ورعاياه، وحيث أنني لا أحكم بمفردي الجزائر كما هو الحال مثلا في مصر وليبيا وتونس والمغرب والأردن فإن صناعة الخضوع لا تبقى حِكْرا عليَ بمفردي، فرقبتي تحت أحذية العسكر، واستمرارهم رهنٌ بكراهية شعبي لي فإذا أردت التمرد فإن استدعاء ملك الموت ليقبض روحي لن يستغرق ساعة أو بعض الساعة.
إنني ومافيا العسكر كنا نكمل بعضنا، على الرغم من أنني الحلقة الأضعف.

القاضي: لو وقفت أمام شعبك وطلبت دعمه وفضحت في خطاب علني كل صور الفساد وذكرت الأسماء وأمرت باعتقالهم فإن الجزائريين كلهم ( تقريبا ) كانوا قادرين على ازالة دولة العسكر والاستخبارات وتنصيبك بطلا!
المتهم: لكنني، سيدي القاضي، لم أكن قادرا على التحريض فتاريخي معروف لديهم، وملفي الذي يحتفظ به خصومي كان يمكن أن يجهز لي سبعين حبلا للمشنقة بدءا من عملية الاختلاس وتحريضي ضد المغرب وليس انتهاء بموافقتي، الضمنية أحيانا والصريحة أحيانا أخرى، على عمليات التصفية والتعذيب والاختطاف.

القاضي: هل قرأت ( مافيا الجنرالات ) و ( الحرب القذرة )؟
المتهم: نعم وقرأت عشرات من المقالات والتحقيقات التي نشرتها الصحافة الفرنسية، لكنني لم أهتز لها فالرئيس الفرنسي قام بزيارتي كما قمت أنا بزيارة رسمية لباريس وهم يطرحون قضايا حقوق الانسان على استحياء، فالقيم في الغرب وأمريكا يمكن تخديرها من أجل المصالح.
ألم يستقبل العقيد القذافي زعماء أوروبا الحرة في خيمته بعدما روعهم بعملياته الارهابية؟
ألم يكن كل زعماء فرنسا يعرفون ما يجري في جحيم المعتقلات المغربية لكن أمير المؤمنين كان يرفض أي عتاب أو نقد بعدما نهب معظم ثروة شعبه؟
إننا، سيدي القاضي، في مسرح كبير يلعب كل منا دوره القذر، وفي داخل كل منا سيد وعبد، ونحدد وفقا للموقف إن كنا نعطي أقفيتنا أو نمسك سوطنا، نلعق الأحذية أو نلهب الظهور، نصلي في دار العبادة أو نسهر مع عاهرة.

القاضي: مذابح السلطة ضد أبناء الجزائر من البربر بلغت مداها العفن في فتح النار على المتظاهرين وقتل المئات دون أن يرف جفن أي منكم. لماذا تضطهدون البربر وتمنعون عنهم حقوقهم المواطنية الكاملة؟
المتهم: لأننا لم نخرج بعد من دائرة الحيرة الثقافية وبالتالي نظن أن المواطن لو كان يعتنق دينا آخر أو يتحدث لغة ثانية أو تعود جذوره لسلالات مهاجرة أو حتى للسلالات الأصلية لو كنا نحن أبناء المهاجرين، فإننا ننظر إليه نظرة دونية خشية أن يطالب بحقوقه المشروعة.

القاضي: لكن البربر ليسوا أغرابا فهم سكان الوطن كالطوارق في ليبيا والسُنّة في العراق والشيعة في البحرين والعلويين في سوريا والدروز في لبنان والأقباط في مصر والأكراد في العراق وسوريا وتركيا والنوبيين في مصر والفلسطينين في الكيان العبري والجنوبيين في السودان .. كل هؤلاء مواطنون من المفترض أنهم من الدرجة الأولى كالآخرين تماما ، أما الفروقات في الدين والطائفة واللغة والثقافة والمشاعر المشتركة بين كل جماعة لا تنتقص من حقها قيد شعرة.
المتهم: إنها قضية لم يصنعها عهدي لكنني ورثتها، ولست من أَمَرَ باطلاق النار على المظاهرات.

القاضي: هل تريد أن تقنعني أنك بريء من دماء الجزائريين، وأنك لست الزعيم الذي كان بامكانه أن ينحاز إلى شعبه؟
المتهم: دعني، سيدي الرئيس، أعترف لك قبل أن تحكم بأقصى العقوبات التي يبدو أن جرائمي تستدعيها من عدالتكم فأنا فعلا قمت بأحط الأعمال ضد أبناء شعبي، وفَضّلت الصمتَ أمام المذابح، وقرأت آلاف التقارير عن التعذيب في المعتقلات والسجون، وكنت أعرف أن المختطفين والمغيبين والمختفين تمت تصفية أكثرهم، وأنني أشاهد بأم عيني فسادا في كل أجهزة الدولة ولم استطع أو لم أرغب في القضاء عليه، ووقعت في يدي أدلة وشواهد وبراهين على مذابح وجرائم مافيا العسكر فاخترت الصمت حماية لنفسي ولسلطتي ولمنصبي، وكانت لي لقاءات ومحادثات مع مسؤولين صهاينة، وأنني فتحت الأبواب أمام أمريكا لعلي استطيع لعب دور سياسي أكبر فيتجاذبني الأمريكيون والفرنسيون، وأن استمراري في ترشيح نفسي بعدما انسحب الستة الآخرون كان جريمة بكل المقاييس ولو كان هناك عدل لفقدتُ الشرعية مع أول صوت انتخابي.
وهنا أشار له القاضي بالسكوت، فالجريمة مكتملة الأركان، والتحالف بينه وبين العسكر كان اختيارا طوعيا، ومذابح مافيا العسكر لا تقل عن مذابح الاسلاميين ضد الشعب البريء، ووقف القاضي طالبا عشرين دقيقة للمداولة، لكن الحقيقة أن هناك عدة آلاف من المجرمين والقتلة، من الجنرالات والاسلاميين، لم يَمْثلوا بعد أمام عدالة محكمة الشعب.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 31 يناير 2005 

30‏/03‏/2019

النُخبة هي الشيطان!

النُخبة هي الشيطان!
المستشار حسن فريد قاضي الإعدامات يختلف عن المستشار أحمد فريد قاضي محكمة القرن، وعن علي عبد العال رئيس البرلمان، مجلس النواب.
أحمد رفعت لا يستطيع قراءة أوراق الحُكْم أو حتى جملة واحدة منها، وعلي عبد العال لم يسمع عن اللغة العربية من قبل وهو أجهل من دابة؛ أما حسن فريد فهو أمّي وهناك شواهد علنية تثبت ذلك، وحكايته في الطائرة مع الدكتور أسامة فوزي عندما طلب المساعدة في ملءِ استمارة التأشيرة صادقة ومخزية وواقعية، فالرجل لم ينكر أنه أمّي.
في قضية إعدامات الشباب التسعة، ورغم تحفيظ زملائه له؛ فالرجل لم يستطع قراءة كلمتين، أيّ لم يطـّـلع على أوراق القضية.
تتعمد مصر أن تبهر الدنيا بجاهليها وأمييها، فالمطلوب احتقار وازدراء الشعب أمام الكون كله؛ فالشعب الذي يصمت على حُكم جهلاء ومسؤولين لا يعرفون القراءة والكتابة لا يستحق في رأي الحاكم شفقة.
المجرمون الحقيقيون والأوغاد وكارهو مصر ومفسدوها هم الصفوة والنخبة والمثقفون والإعلاميون والأكاديميون وأساتذة الجامعات والروائيون والأدباء الذين يشهدون على أمية وجهل هؤلاء، ثم يساهمون في تثبيت أقدامهم في مؤسسات يدمرونها.
نحن لا ننتقد المستشار حسن فريد، فالرجل المسكين أمّي وعلى مدىَ سنوات منحته الدولة ووزارة العدل قضايا الوطن حتى يبصق عليها إذا لم يستطع أن يقرأها.
أعترف لكم بأن جسدي كله يرتعش لدى الحديث عن مستشاري وقضاة ومسؤولي بلد، كانت اللغة السليمة فيه مقدمة للفكر السليم، أما الآن فالرئيس ووزير العدل ورؤوس الحُكم والإعلام يعلمون أن مستوى حسن فريد يعادل مستوى تلميذ في الثانية الابتدائية، ومع ذلك فهو يمثل عدالة السماء ويضع أصابعه في عيوننا.
لا نريد مساجد وكنائس وبيوتا وطعاما وشرابا؛ لكننا نريد مستشارين وقضاة غير أمّيين، فهل هذا المطلب كبير على صاحب الأمر والنهي؟
إن وضع حسن فريد كمستشار وقاضٍ ليس أكثر من قذف بصقة صفراء مبلغمة من شرفة قصر الاتحادية في وجوه مئة مليون مصري لم تعرف روح الجزائريين طريقها إليهم بعد!
كلما عدت للكتابة تتسمم مسامات جسدي من المشهد الكارثي الذي يصفق له العبيد، خاصة من الصفوة والنخبة والمثقفين والإعلاميين.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 30 مارس 2019

23‏/03‏/2019

تمخض الرصاصُ فوَلـَـدَ حُبــًـا في نيوزيلندا!

تمخض الرصاصُ فوَلـَـدَ حُبــًـا في نيوزيلندا!

أشد العواصف تأتي من الهدوء، وأعلىَ الأمواج من المحيط الهاديء الذي تنام نيوزيلندا في أحضانه فتصنع سلاما بعيدا عن أعين المتلصصين، فبريطانيا العظمىَ أخذت عصاها ورحلت عام 1947، أي بعد استقلال الهند، ثم تقسيمها إلى هند وباكستان، ثم تقسيم المقسَّم إلى باكستان وبنجلاديش؛ لئلا نغض الطرف عن تقسيم فلسطين بين المحتل و .. صاحب الأرض في نفس العام.
واحد في الألف من المسلمين في العالم سمعوا عن رئيسة وزراء نيوزيلندا، تلك المرأة الرائعة التي أرضعت طفلتها في جلسة للأمم المتحدة؛ وفجأة تمنّىَ كل مسلم أن تكون جاسيندا أردرن رئيسته في البلد وفي العمل و.. في البيت!
في العدالة فإن النساء قوامات على الرجال، وفي بضعة أيام كانت الدولة كلها وبرلمانها وشرطتها وجيشها تستجيب للمرأة المرضعة وتسحب السلاح نصف الآلي، ثم تصبح الدموع الدافئة على الضحايا المسلمين في المسجدين مقدمة للتسامح في بلد استضاف أقل من واحد في الألف من أتباع خاتمة الرسالات السماوية، ونصف النصف من الهند حيث ترعى روح غاندي السلام والماعز والنسيج.
متطرف من نبتة شيطانية؛( رفضت جاسيندا نُطق اسمه ) فإذا تأملت في جذورها رأيت الإعلام ومقارنة الأديان والفيلم العنيف والعنصرية البغيضة وكراهية الآخر بجهل مخيف!
ألم يكن للمتطرف النيوزيلندي نسخة نرويجية انفجرت حقدا في 22 يوليو 2011، واختارت واختار القاتل المصلين الآمنين كما اختار برايفيك النرويجي مؤتمر شبيبة حزب العمال  ففرغ لأكثر من ساعة رصاصاته المجنونة في شباب وضع للتو خطواته على باب المستقبل.
آندريش برايفيك مثل أي إرهابي، يعطي إشارات قبل القتل، وينتظر أن تفهم السلطات، إنْ عاجلا أو آجلا، سيقوم بعملية إرهابية في مكان ما. أجهزة الأمن لا تُبصر ما يراه المحللون النفسيون، فالارهاب الديني واليميني والشيوعي والعنصري يكاد يصرخ بالجريمة قبل وقوعها.
قوامة المرأة على الرجل في استتباب الأمن وتحقيق العدالة أمر لا أرتاب فيه، وحتى القبضة الحديدية ( مرجريت تاتشر في جزر الفوكلاند) كانت عدالة كما تراها سيدة الإمبراطورية البريطانية على مبعدة آلاف الأميال من الأرجنتين.
سيدات حكمن فعدلن، أما جاسيندا آردرن فقد أضافت إلى الحُكم لمسات إنسانية فلا يدري المرءُ إنْ كانت تحكم أم..  تحب!
عبقرية الحُكم أن يرتدي الحاكم رداء المظلوم وغطاء الضحية ويزيح جانبا الفروقات الإيديولوجية بين الناس؛ حينئذ تلتصق العدالة بالمساواة.
لو ارتدىَ حاكمٌ مصريٌ رداءً وطنيا قبطيا في الأربعين عاما المنصرمة لاحتفل المصريون كل يوم بعناق الهلال والصليب، ولما تجرأ مجنون(!) أن يخدش أو يجرح كنيسة في أرض الكنانة.
لم تشهد نيوزيلندا منذ عام 1943 ( عندما قتل 48 يابانيا في الحرب العالمية الثانية )  مذبحة بشرية كمذبحة المسجدين.
نيوزيلندا قفزت من المجهول إلى قلوب العالمين بمختلف جنسياتهم وعقائدهم، ويبدو أن الله خلق الرجل من ضلع المرأة، فالعنصرية رجل، وكذلك الإرهاب والحروب والنزاعات والتعصب والتبشير الاستعماري والحروب العالمية هي رجل!
تُرىَ لو كانت امرأة هي التي تلقت الأوامر بإلقاء قنبلتي هيروشيما وناجازاكي في نهاية الحرب المجنونة؛ فهل كانت ستطيع قائدها؟
جاسيندا آندرن أول داعية إسلامية غير مسلمة؛ لكنها حملت راية الإنسانية ولم تتحصن بالكتب المقدسة؛ إلا عندما ألـّـفتْ بين القلوب في تأبين الشهداء.
من حق مسلمين أن يفرحوا باعتناق مئات النيوزيلانديين الإسلام بعد المذبحة؛ لكنني لو خُيّرت، رغم أن الأمر كله لله، فسأطلب عودة أرواح الضحايا لأحضان أحبابهم بدلا من اعتناق المئات للإسلام.
إن خطاب الفوقية البيضاء قديم قِدَم التاريخ، وتشهد عليه حملات الاستعمار في كل شبر من الأرض الملوثة بالدماء، جنوب أفريقيا وناميبيا وليبيا والصومال والجزائر والكونغو وفيتنام و ...
القاتل، الأبيض والأسمر والأصفر، بيننا، ونزعم أننا لا نراه!
إن اعتناق المئات للإسلام ليس انتصارًا للدين؛ إنما هو نصر للإنسانية ممثلة في جاسيندا آردرن، ولو حدثت المذبحة في معبد بوذي أو هندوسي أو سيخي أو بهائي أو قادياني فالناس الطيبون المفعمون بالإنسانية سيتوجهون نحو عقيدة الضحايا!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 23 مارس 2019   

18‏/03‏/2019

العبيدُ يهزمون العبيدَ .. مديحــًــا!

العبيدُ يهزمون العبيدَ .. مديحــًــا!

أن تُهزَم دولة في حرب مع عدو خارجي أقل فداحة من أنْ يهزمها أدباؤها وإعلاميوها ومثقفوها المحصّنون بالتاريخ والجغرافيا واللغة!
الهزيمة الداخلية بضلعيها اللغوي والمديحي للسلطة عارٌ بكل المعايير، ومناهضة للأخلاق، ومعاكسة للقيم الروحية، فالأمة التي يتسابق مثقفوها في كيل المديح لسيد القصر؛ سيأتي الوقت الذي يمتدحون فيه فأرًا ميتـًـا إذا ترشح لسيادة القصر.
الأمة التي لا تُفرّق بين الصوت والسوط تُهيل الترابَ على مستقبلها؛ فلا يكفي أنْ تسخر في غرفة مغلقة ومظلمة من خلف ظهر الحاكم، فالجُبن له عدة وجوه وقلب واحد إذا حرَّكت الرياح ورقة من فرع شجرة سقط بين الأضلع قبل أن تصعد الروح.
كلما امتدح مثقف أو أديب أو إعلامي أو شاعر في عبقرية حاكم متخلف وكاره للثقافة وخصم للغة وعدو للمعرفة؛ أحسستُ بضربة كف غليظة تصفع قفاي من الرأس إلى الظهر!
نعم، أكلُ العيش مُرٌ، والأمَرّ منه ابتلاع الغائط الجاري من مواسير قصر الحاكم، ولا أبالغ إذا قلت بأنني أعرف الكثيرين تبرعوا بالتهام غائط سيدهم؛ وتلذذوا به.
في السنوات القليلة المنصرمة أصابتني أقلام وألسنة عِجاف بغثيان لم يَمُر عليَّ مثلـُه طوال نصف قرن.
إذا لم تصطك أسنانهم وترتعش ركبهم، تبرعوا بهزّها وتحريكها؛ فالحاكمُ يغضب من أيِّ إشارة لا يرسلها المثقف والإعلامي والنخبوي والأكاديمي ممهورة بتوقيع العبد الذليل والمطيع ولو كان عقله يزن مئةً من زويل ومجدي يعقوب، فالعبودية المختارة قدَرٌ لا فكاك منه.
خسرت عشرات من أصدقاء وأحباب كانوا يمنحونني الدفءَ الفكري، والفهمَ الوطني، واللسان الذي يصهل في الساحة قبل المعركة.
في سنوات قليلة كان الكرباج الواحد والوهمي ينزل على ظهورهم دفعة واحدة، وهُم على أهبة الاستعداد ليخسروا وطنهم وأهلهم وفلذات أكبادهم وصلة الرحم وصداقة العُمر من أجل أن لا تقدح العين السليمة لحاكم أعور شرارة وغضبا؛ فالأخبار العشرة الأولى من تسعة لم تُشر لعبقريته.
ملعون من يزعم أن حاكمنا وسيدنا لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما!
ملعون من لا يصدق أن حاكمنا سيقف على يمين الله، عز وجل، يوم القيامة ليحاسب الناس وشعبه والأنبياء والمرسلين!
يبدأ الإيمان من الغضب، ولكن كيف تقنع أبناء شعبك أن الجزائريين هم أنبياء 2019، تماما كما كان الينايريون في مصرأنبياء 2011بدون ختم النسر من البيت الأبيض؟
أيها المثقفون والصفوة والنخبة والإعلاميون والأكاديميون والدعاة الدينيون،
عودوا إلى مقاعد الدراسة الابتدائية، للبدء في تعلُّم القراءة والكتابة والأخلاق والمباديء والشجاعة ونجدة الملهوف والفروسية، أو اقتلوا أنفسكم لعل الله يستبدل بكم آخرين تحل فيهم روح الكون، فتهرب الجنُّ من الأكف والألسن والقلوب التي في الصدور.
هذا ملخص لحكاية خسارتي لأصدقاء ارتدوا لبعض الوقت ملابسَ الأنبياء، فصدّقتهم قبل أنْ يصفقوا لسيد القصر فتـَـبْين أنيابٌ في أفواههم بدلا من الأسنان، حتى لو كانت صفراء .. فاقعة وباهتة!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 18 مارس 2019 

16‏/03‏/2019

ثقافة الصورة وكوارثها!

ثقافة الصورة وكوارثها!


اقتحمتْ الصورة وملحقاتها الفيلمية المكانَ المقدسَ للكتابِ، وأزاحته عن موقعِه، وتواصلتْ مع الجماهير كأنها مصدرُ المعرفة والعلوم والآداب والأخبار والتحليلات!
تسلل إليها الغثُّ والسمين، الطيب والشرس والقبيح، الجاهل والعالــِــم وفتحتْ مواقعُ التواصل الاجتماعي أبوابَها ونوافذَها لضيوفٍ ما كان لأحدهم في عصر الكتاب أنْ يحلم بالوقوف علىَ باب مكتبة أو قريبا من مسرح أو على ناصية دار أوبرا!

أوحت الصورةُ وملحقاتها إلىَ الجميع أنهم على قَدَم المساواة في المعرفة، وجاء ضيوفٌ للفضائيات من قاع جلسات التخزين والتحشيش، وسمح لهم التساهل اللغوي بشرح مكوّنات الكون ومفردات الحضارة وتفصيلات المعرفة، فأصبحوا نجومَ المجتمع العلمي والفني والسياسي؛ بل والديني .. فبعدما كانت تؤخذ المعرفة ممن قضىَ حياته في تحصيلها أصبحت قوة الحنجرة ومتانة الحبال الصوتية وزركشتها بآيات بينات وتفسيرات لأنصاف حوادث وأرباع مَشاهد دليلا قاطعا ودامغا يرفع فيه الإعلامُ صاحبَه إلى عليين، وما أدراك ما عليّون!

لو أرهفتَ السمع فسيتناهى إلى أذنيك نحيبُ لغة كان يصنعها الكتاب، ويُدفئها مثقفون وشعراء وأدباء متنبّيون إذا سمعتهم ظننت أنَّ اللغة هي روح الكون.
الصورة وملحقاتها أعلنتْ الحرب على كل أنواع المعرفة الجادة، وشنّتْ هجوما كاسحا على كل من أراد أن يُعيد للكتاب بهاءَه، وللموسوعات جمالـَها، ولأصول البحث العلمي رونقَها؛ فسلـّـط رجال السياسة والدين والبرلمانات صغائرَهم بدعم من مواقع التواصل الاجتماعي فانسحبتْ أو انحسرت أو اندثرت أو هربت النهضة.

الصورة وملحقاتها نفختنا بالفراغ .. فظننا أنها نفحتنا بالمعرفة، وأصبحنا نتحاور بألسنة ملوثة استعرناها من الفضائيات واليوتيوبيات، وصفعنا أبا النهضة .. الكتابَ على غلافيه، فنحن في عصر ( ضيفانا اليوم العالـِـم فلان، والفنان علان ) سيتحدثان عن الخيوط الذهبية في أحاديث القائد والزعيم وتوجيهاته.
أخشى أنْ نقترب من الضربة القاضية عندما تمتنع كل وسائل الإعلام عن بث الجدّيات والأفكار والآراء التي تمسك بيد النهضة وتساعدها على المُضي قدما في طريق مختلف عن الذي انتهجته القِرَدة!

من يصدّق أن التحليل النفسي والسياسي والديني والخبري يقوم به هاربون أو أشباه هاربين من مصحات عقلية فتحتْ أبوابها في خلسة عن عصرنا، ونقلتْ أكثرنا إلى قرون مضت، وماتت، واندثرت؟
الصورة وملحقاتها الفيلمية جعلت قراءَتنا لثلاثة أسطر في كتاب لجمال حمدان أو عبد الوهاب المسيري أو ثروت عكاشة أو ادوارد سعيد أو جبرا ابراهيم جبرا أو أمين معلوف أو مالك بن نبي .. كأنها الدهر المثقلة به ظهورُنا!
الصورة وملحقاتها الفيلمية سمومٌ نلهث خلفها ونلتهمها، وتسري في عقولنا قبل أجسادنا، ولا ندري، أننا مرضىَ مقيـّـدة رؤوسنا أمام الشاشة الملونة، فكلنا ديجيتاليون في سرادق عزاء الكتاب و.. نعي النهضة.
كل دقيقة من وقتك أمام التلفزيون تسرق منك صفحة من كتاب معرفي، ولا أستثني من ذلك نفسي!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

11‏/03‏/2019

رسالة مفتوحة إلىَ رئيسٍ مَيّــتٍ! ) من أرشيفي

رسالة مفتوحة إلىَ رئيسٍ مَيّــتٍ!

السيد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة،
مبروك مقدما للولاية الخامسة وربما الثامنة والعاشرة نكاية في دود الأرض الذي ينتظرك بصبر أيوبي.
أنا أعرف وأنت كذلك تعرف أنك ميتٌ نصفه حياة، ومدفون فوق الأرض على كرسي متحرك، وأن حواسك الخمس تراجعت إلى نقطة الالتقاء بين الثعبان الأقرع وملك الموت، لكن الذين خدعوك لم يتقوا الله في شعب الجزائر العظيم، شعب المليون ونصف المليون فارس الذين أصبحوا شهداء من أجل الجزائر جزائرية، فإذا بعسكرك يتركون لك بعض النبضات ليظن الجزائريون أن روحك لم تصعد بعد.

كنتَ تلميذا لهواري بومدين، المناضل العنيد، وعندما غادر الدنيا ظننا أنك تعلمت منه أصول الحُكم وأنت على قيد الحياة، فإذا بأعداء الشعب يُعلــّــموك أصول الموت على كرسي متحرك تستقبل خيالات زعماء، ولا تستطيع أن تذهب للحمّام بمفردك أو تمسك قلما، أو تحلق شعر ذقنك إلا بمساعدة مساعدي العسكر.
أهانوك، سيدي الرئيس، وكذبوا علينا بحكايات مفبركة عن قدرتك على التفكير والكتابة والتذكر، فإذا أنت تقع سجينا لمرؤسيك، يتحدثون باسمك، ويوقـّـعون على الأوراق بقلمك، ويصدرون أوامر الاعتقال باسم الثورة المباركة.

شعبك، وأنت لا تدري ماذا أقول لك، يستطيع أن يمدّ العالم العربي بأكفأ القيادات والإداريين والعلماء والخبرات والسياسيين دونما حاجة لرُتَب عسكرية أو نياشين أو دبابير، لكن من يحكمون شعبنا العظيم يدوسون على كل القيم والمباديء والأخلاق، ولا يشفقون على صحتك التي لا تنهض بعضو من جسدك خليةٌ واحدة منه، فبعضُ الموتي أكثر حياة منك.
هل تستطيع أن ترفض أو يرفض شعبك أو أهلك أو عائلتك أو بقايا مناضلي ثورة التحرير الاستمرار في هذه اللعبة السخيفة والمؤلمة والحزينة، فتنتقل إلى بيتك قبل أن يقوم حفّار القبور بزيارتك وأنت كريم، لا أن يبتعد عنك وأنت عاجز؟

كل عربي فيه من الجزائر شطر، وكل مناضل يأخذ شهداء الجزائر مثله الأعلىَ في المقاومة، وإذا عبــّـرنا عن حبنا للجزائر ففي صلابة بومدين، وفي فكر مالك بن نبي، وفي إيمان بن باديس، وفي روح جميلة بوحيرد، وفي كنوز قسنطينة الفكرية، لكننا نقف عاجزين عن إنقاذِ رجل عاجز إذا هبت نسمة رقيقة اقتلعته من القصر.

سيدي الرئيس،
لماذا فعلوا بك ما لو جاء الاستعمار بقسوته لرفض محاكاة أبناء الشهداء وهم يصمتون صمت الموت على رجل ميّت.
مشهدك أسوأ وأحزن من مشهد محنط في تابوت يحركونه يمينا ويسارًا لتأكيد أن النزع الأخير لم يستأذن مالك المُلك بعد.
ما الذي أصاب الجزائريين فلاذوا بالصمت على أن يكون وليُّ الأمر يحكم أو لا يحكم مع دود الأرض؟

أحب الجزائر حبـَّـا جما، وأراها الأمل في مستقبل مشرق، لكن الفساد فيها أضعاف ما في باكستان ونيجيريا والعراق، وخيراتها في جيوب الزاعمين بالوطنية، ومشاكلها مصطنعة محليا، وفي المقدمة فبركة الاكاذيب ضد المغرب ليظل البلدان في ذيل ركب شمال أفريقيا، رغم أن المملكة المغربية قدّمت للجزائر فُرصا عظيمة للقاءات وحدوية، وفتح الحدود، وتحالف بلدين عظيمين، وتعاون صناعي وزراعي وتجاري يزيل كل المصاعب التي عرقلت تطور وتنمية البلدين.

سيدي الرئيس بوتفليقة،
أعاتب الجبناء الذين يشاهدونك في حالة مزرية، ومرضٍ عضالٍ، وموتٍ حيٍّ، وعجزٍ تام، ثم يوافقون رغم أنفهم على جعل أحذية العسكر تحكم فوق رفات مليون ونصف المليون شهيد.
قطعا لن أطلب منك أن لا تترشح للمرة الخامسة فأنت لا تدري ماذا يحدث حولك، وتَرَشُحك إهانة شديدة لشعبنا الجزائري ولتاريخ النضال الطاهر؛ والحُكم باسمك ليس أكثر من ضرب أبناء شعبنا الجزائري العظيم على أقفيتهم أمام قبر الجندي المجهول.
ترشحك للمرة الخامسة إهانة للعقل والوجدان والتاريخ والدين والإيمان، وأعتذر أنك لن تقرأ أو تسمع أو تعقل ما أكتب.
عزائي لشعبنا العظيم في نعي الكرامة، فقد تعلــّـمنا في طفولتنا أن الجزائري يثأر لكرامته وهو في بطن أمه، وانتهينا إلىَ أن الكرامة تبكي حسرة علىَ تفريط الصمت الجزائري في تراب الوطن تحت الحُكم الوطني .

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 21 يوليو 2018

09‏/03‏/2019

لهذا يكرهني الإعلاميون المصريون!

بيني وبين الإعلاميين المصريين فجوة كبيرة من يتخطاها يسقط فيها، وشبه نفور تلقائي كأنني قادم من كوكب آخر، وجئت لاعتدي على سلطتهم الرابعة!

حكايتي معهم ليست في أنني مغترب أو أسرق المِداد من أقلامهم أو أنتظر فرصة لأثب فوق مكاتبهم، لكنها حكاية القصر التي وصفها المأمون أبو شوشة في ديوانه دموع المهرج 1964 ( في قصرك المعمور بالخيرات يا ملكي كلاب.. ولأنها في عز مُلكك لا تثور.. لا شك أنك عالم لما لا تثور.. الأغبياء الأدعياء المغرضون، يهللون: إن الرعية حرة والشعب جبار عنيد.. لكن كلابك أنت زرقاء الدما شيء جديد.. تهوى الخضوع والاستكانة.. انظر لسُخف حديثهم.. لغبائهم.. أو ليس شعبك أو كلابك كلهم ملكا حلال؟).

الأربعون عاما الإعلامية من عُمري فشلتُ فيها فشلا ذريعا في الاقتراب من إعلاميينا المصريين، إلا قلة نادرة منهم، والباقي اصطدموا بي بسبب القصر، السادات ومبارك وطنطاوي ومرسي والسيسي، لأنهم خط الدفاع الأول عن الحاكم.

التقيت بالقلة الرائعة التي أثلجت صدري وأنعشت فكري ومنحتني الأمل في غلبتها على الأكثرية؛ مع الكثرة الساحقة كلما اقتربت، ابتعدت أو أبعِدْت أو انتصب جدار طويل يمنع زملاء المهنة عن التدفئة القلمية، فسيدُ القصر يراقب، ومرشد الجماعة يتابع.

لا أزكـّـي النفس، لكن الحقيقة أنني لم أبدأ الصدام إلا مرة واحدة عام 1987 عندما نشرت في ( طائر الشمال ) مقالا تحت عنوان ( قراءة في فكر ساقط) وكان نقدًا شديدًا لكتاب ( خواطر مسلم في المسألة الجنسية ) للكاتب الإسلامي، والماركسي سابقا، محمد جلال كشك، صاحب المقولة الحاقدة عن الكويت فكتب عنها:( الدولة التي لا يريدها أحد!)

رفع المؤلف دعوى قضائية ضدي فرفضت تسلمها من وزارة الخارجية المصرية وقلت بأنني نرويجي الجنسية وكتاباتي تخضع لقوانين النشر في النرويج.

فأعاد محاميه إرسالها عن طريق وزارة الداخلية النرويجية فاضطررت لتسلمها على باب البيت في أوسلو. اتصلت بالأستاذ محمد حسنين هيكل في القاهرة الذي رحب بمساعدتي وشرح القضية للدكتور يحيي الجمل. كسبت القضية وأنا في مكاني فالناصريون لديهم مئات الوثائق التي تدين جلال كشك.

في 23 يوليو 1992، أي في العيد الأربعين للثورة كان الأستاذ هيكل يستقبلني في مكتبه بقاهرة المعز، في لقاء خاطف امتد بحميمية إلى ساعة كاملة أسرَّ لي فيها بكراهية حسني مبارك له، عندما سألته عن سبب إحجامه عن الرد على منتقديه وفي مقدمتهم جلال كشك! قال لي بأن كل هؤلاء يوعز إليهم مبارك بالهجوم.

ودّعني حتى المصعد، وفتح بابَه لي، وكانت دماثة خلقه ولغته الجميلة المتناغمة والموسيقى الكلاسيكية التي يعبق بها المكتب شاغلي بعد مغادرتي.

ومن الإعلاميين الذين جذبتنا لبعضنا كيمياء مريحة كان خالد الشامي الذي استضافني في ( أوراق مصرية) على قناة الحوار اللندنية ثلاث مرات، منها تلك التي هدد فيها جمال مبارك القناة بعد حلقة ساخنة معي، (10 نوفمبر 2010) دعوت فيها للثورة ضد مبارك، رغم أن خالد الشامي كان يعرف مسبقا بالمصيدة التي نصبها لي الدكتور فيصل القاسم في الاتجاه المعاكس في نهاية ابريل 2008، ومع ذلك فقد كانت لديه الشجاعة أن يبدي في برنامجه ثقتَه بي، بعد حلقة  أجراها طارق حمو في تلفزيون عربي/كردي يبث من شمال بلجيكا تعاطفا معي بعد حلقة مصيدة فيصل القاسم.

ومن الإعلاميين الذين امتهنوا الحرفية الهادئة والملتزمة كان حسام فتحي الذي التقيته أول مرة خلال تغيير حكومي في قطر( 1989)، وكان مراسلا لصحيفة ( الأنباء ) الكويتية في الدوحة. أجرى في خمسة أيام أربعة لقاءات مع وزراء قطريين جُدُد ولم يتمكن أي إعلامي آخر أن يفعل مثله، ورفض أن يبيع أي لقاء كخبطة صحفية حتى أن رئيس تحرير ( الراية ) توسل إليه بحُكم الصداقة فكان ردّ حسام فتحي بأنه مراسل لصحيفة ( الأنباء ) الكويتية، وأي نجاح يُنسَب إليها فقط. انبهرتُ بالأمانة الصحفية له، وظللنا أصدقاء لثلاثين عاما، أستمتع بحديثه كلما قمت بزيارة الكويت المقيم هو بها.

ومن الإعلاميين الرائعين كان عبد الغني سعودي المستشار في مكتب رئيس الوزراء، وهو إعلامي مصري كان يلتهم في المساء كل الصحف الكويتية ليكتب ملخصا عنها، وهو متابع دقيق للشؤون الكويتية، وحديثه الدافيء مع أصدقائه يُشعرك أن الإعلامي المصري في الخارج إذا أتيحت له الفرصة تظهر مواهبه ساطعة ومشرّفة.

وقلة أخرىَ غير تلك القلة، أما غيرهم من عشرات الإعلاميين الذين التقيتهم فقد كان خلافي معهم قبل اللقاء بوقت طويل، فالإعلامي المصري تتحرك بوصلته في اتجاه القصر الجمهوري، وقلبه معلق بالتوجيهات الصامته، أي رضا سيد القصر، ويمكنه أن يكرهك لو اقترب سن قلمك من رئيس الدولة فالفراعنة يعبدون آلهتهم منذ خمسة آلاف عام، والتوجيهات يتناقلونها فيما بينهم لئلا تفهم مباحث أمن الدولة، أو الأمن الوطني لاحقا، أن هناك بذرة تمرد تسري في قلم أو لسان الإعلامي حتى لو كان يعمل في أقصى الأرض.

تسبقني آرائي قبل اللقاءات مع إعلاميين مصريين، ويلاحظ المضيفون في الملتقيات الإعلامية هذا النفور حتى أنني حاولت عشرات المرات أن أتودد بكل التهذيب، مثلما حدث ومددت يدي لأسامة سرايا لأصافحه فأدار وجهه إلى الناحية الأخرى.

سألت عصام كامل مدير تحرير صحيفة ( الأحرار ) عن سبب نفور الإعلاميين المصريين مني كأنني جرَب، فقال: لأنك تنتقد بشدة الرئيس مبارك، وكل واحد منا خائف أن يكتب آخرون تقريرا لأمن الدولة أنه تحدث معك، فيفقد الامتيازات وفرصة السفر للخارج.

قال ممتاز القط لصحفية لبنانية استفسرت منه عن سبب انسحاب الصحفيين المصريين بمجرد ظهوري كأنني عفريت من الإنس فقال لها: لأن انتقاداته للرئيس مبارك غير مقبولة.

وكيل وزارة الإعلام في دولة خليجية قال لي: في مرات قادمة سندعوك بمفردك وليس في لقاء إعلامي، فأهل بلدك من الإعلاميين المصريين لا يرغبون في وجودك بينهم!

عندما تلقى عدد كبير من الإعلاميين نسختين مجانيتين من كتابين بقلمي مع كلمة رقيقة، هاجت الدنيا وماجت. وصل غضب مكرم محمد أحمد إلى كل الملتقين في المؤتمر الإعلامي، وقال لي: هل تظن أنني أحمل كتابيك معي في الطائرة؟ أنا لا أقرأ هذا الكلام، فهذان ليسا كتابين، إنما قنبلتان!

السفير المصري قام بدعوة كل الإعلاميين المصريين وطلب استثنائي وقد لاحظ مراسل وكالة الأنباء السورية، فاقترب مني وقال: لا تهتم، فأنت عربي ولست مصريا فقط.

أحدهم صافحته بأدب جم فقال لي: لكنني لا أعرفك! قلت، تعارفنا وتحدثنا طويلا على هامش عرض سينما أوديون في لندن فيلم ( هي فوضىَ)! نفىَ أن يكون قد رآني من قبل، وظل طوال فترة المؤتمر في عاصمة خليجية يتابعني أو يتدخل في حواري مع آخرين وهو يرتدي بدلته المزركشة والبيبيون كربطة عنق وتقدح عيناه شررًا كأنني قاتلُ أعز الناس إليه. وفي معرض الكتاب أرسل زميلا صحفيا آخر، كل منهما يقيم في عاصمة الضباب، وحاول استفزازي، فانسحبت.

الإعلامية العريقة سامية صادق التي كنت قد تعرفت عليها للتو، ومدحتُ في تاريخها اللساني الجميل، ولغتها البديعة، فشكرتني. وبعد ساعات من لقائها بالإعلاميين المصريين كانت قد نفرت مني، فعيون السلطة تراقب من القاهرة كل إعلامي مصري في ملتقيات ومؤتمرات خارج الوطن لئلا يتحدث أو يتودد لمعارض!

في لقاء للدكتور عمرو عبد السميع والدكتور رفعت السعيد تحاورا ساخريّن في برنامج عن الوضع في مصر. وقال رفعت السعيد بأن هناك شخصا يزعم أنه مقيم في النرويج تحت اسم طائر الشمال، وهو يدعو للانقلاب على الرئيس مبارك، ويحذر المصريين من هروب الرئيس محّملا بشولة(!) مليئة بالملايين، لذا يجب الذهاب إلى المطار لمنع تهريبها. وضحك الاثنان على هذه الفبركة عني.

بعد برنامج ( أوراق مصرية ) الذي حرضت فيه ضد مبارك في 10 نوفمبر 2010 من لندن، كتب عبد الله كمال في روزا ليوسف أنه كان يتلقى مقالات من شخص مهتز وغير متوازن اسمه محمد عبد المجيد، ثم هدد الوسيط الفضائي في الأردن إذا لم تسحب القناة في لندن البرنامج الذي استضافني.

صديق عزيز، أو كان عزيزًا، كنا نلتقي، ونتناقش، وكتبت عنه وعن احترافه ووجهه المشرّف للمصريين في الخليج، وكتب عني إثر استقبال سمو الشيخ سعد العبد الله( رحمه الله) لي كلاما يبهج القلب والقلم معا. وأكلنا سويا عيش وملح. ثم عاد بعد سنوات غربة في الخليج( خاصة في الكويت ) إلى مصر بعدما حصل على مستحقاته المالية وفوقها بوسة!

تغيرت نظرته وكتاباته عني كأنني لم أمسك القلم من قبل رغم أنني أكتب عندما كان هو في مرحلة الروضة. بدا ساخرًا ومقللا من شأني في كل الموضوعات، ومنها رؤيتي لهموم أقباطنا وقد رآها فتنة طائفية، وكتاباتي الكثيفة عن المغتربين، وطبعا عن عبقرية السيسي في قناة السويس الجديدة وعدالة أحد عشر قاضيا حكموا بتبرئة حسني مبارك.

فجأة أرسل لي كاتبا بأنيابه وليس بسن قلمه مهددا إياي بفضيحة علاقاتي بشيوخ الخليج( ويقصد الكويت !)، وأنه لن يسكت عن انتقادي للرئيس السيسي.

أكلُ العيش مُرّ، وأكثر مرارة لدىَ الإعلاميين المصريين، وكلما جاء للقصر الجمهوري في القاهرة رئيس جديد فرشوا له السجاد الأحمر تحت أقلامهم، وكتبوا مقالات مقدسة، وجعلوا الرجل صاحب رسالة نبوية جديدة.

تاريخ طويل يمتد لأكثر من أربعين عاما يمر بالسادات ومبارك وطنطاوي ومرسي وعدلي منصور والسيسي، وأنا لا أدخل للإعلامي المصري من زور(!)

في جعبتي حكايات لا حصر لها وكلها كراهية في شخصي وقلمي حتى ترقص حجرات القصر الجمهوري من الفرحة، وترضىَ عن الإعلاميين المصريين أجهزةُ الأمن.

أكتب هذه الكلمات وقد تخطيت عامي الثاني والسبعين، وأستطيع أن أسرد لضميري عشرات الحكايات عن معاركي ضد الطغاة والفساد والإسرامصريين، وكتاباتي كلها تشهد أنني مصري معجون بالعروبة، وأحب عالمي العربي بكل سلبياته وإيجابياته.

لم أقف كغيري موقف المتفرج من أنظمة الحُكم العربية، من السودان إلى العراق، ومن ليبيا إلى الاردن، وتعرضت للتهديد بالقتل عدة مرات ( من شقيق صدام حسين ومن القذافي وغيرهما )، وكان يمكن أن تتفتح لي أبواب أكبر الصحف حتى عندما رفضت أن تكتب لي وزارة إعلام صفوت الشريف أسئلة لطرحها على حسني مبارك في حوار كان سيفتح لي مغاليق الصحف الكبرى، لكنه كان سيغلق مفاتيح ضميري المهني.

لذا لم يكن غريبا أن تظل علاقتي على مدى سنوات بالصحفيين والإعلاميين المصريين، إلا قليلا، علاقة مشوبة بكراهية يحملونها لي باسم القصر وسيده.

نشرت آلاف المقالات وأصدرت عشرين كتابا ممهورة بتوقيع ضميري وعلى نفقتي الخاصة، لا بأس بين الحين والآخر من بعض المجاملات.

في الأربع سنوات المنصرمة وصل الإعلام المصري إلى قمة السقوط، وزكمت رائحة النفاق أنوفنا، وأرتعشت الأيدي، واصطكت أسنان أصحاب السلطة الرابعة.

لم يمسني كبرياء الفرعونية فأنا عربي حتى النخاع، وأحب سوريا وفلسطين والكويت والإمارات وتونس وليبيا والجزائر كما أحب مصر، وقاطعت إسرائيل ولم تدخل بيتي طوال حياتي في أوروبا التي امتدت لستة وأربعين عاما برتقالة واحدة من يافا، ولم أجرح العرب في غيابهم أو أتعالى بنيلي على فراتهم ودجلتهم وليطانهم.

نحن في عصر العبودية الطوعية بعدما كانت بالكرباج، وخلافي مع الصحفيين المصريين، إلا القلة الملائكية الرائعة التي أحتفظ بأسمائها لنفسي، خلاف من المهد إلى اللحد، فحبر المطابع فوسفوري الرائحة، والفضائيات المصرية وصمة عار في جبين أم الدنيا.

اختار الإعلاميون المصريون الاحتماء بالقصر لضمان سلامة البيت، لهذا كنت ومازلت مكروها من أكثرهم، لكنني أتلقىَ رسائل محبة وتشجيع وتعاطف ومديح تكفي أن تدفءَ صدري ما بقي لي من عُمر، وتفرش قبري عندما يطرق حفّار القبور بابي.

حكايتي مع الإعلاميين والصحفيين المصريين مُخجلة ومؤسفة، لكنها لم تقم بتقزيمي، خاصة أمام زوجتي وأولادي وأحبابي وقرائي الأوفياء، وأكثرهم ينايريون، نزلتْ عليهم النبوة المصرية في ميدان التحرير، ثم سرقها الأوغاد لمحاولة إعادة الجماهير إلى جماهيرية التطبيل.

محمد عبد المجيد
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
طائر الشمال
أوسلو النرويج
  

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...