11‏/05‏/2017

الغرور!

غرور اليهود والمسيحيين والمسلمين، وتصورهم أنهم مركز الكون، جعلهم يعتقدون أن الله، جل شأنه، يتابعهم أكثر من غيرهم، مع أن خالق الكون العظيم يتابع بنفس القدر سكان جبال جواتيمالا ووديان باراجواي وجزر البهاماس وفقراء هاييتي وراكبي الأمواج في كوستاريكا والمرضى في منغوليا والرُحــَّــل في ناميبيا والأطفال في جزيرة رينيون وسكان سيبريا وآلاف الطيارين البعيدين عن منطقتنا وركاب المكوكيات الفضائية ...
أيها المسلمون والمسيحيون واليهود، 
 توقفوا قليلا عن الظن بأنكم تحتلون، دون غيركم، اهتمامات السماء، فالله في كل مكان في الكون اللانهائي.
 هناك مئات الأديان في الهند والصين وأفريقيا، ويعبد المؤمنون بها، وقد تكون وثنية أو متخلفة أو بدائية، الربَ كما تعلموا، فلماذا نشعر أننا أفضل منهم؟

أكاد أرى نملة تحت صخرة في كهف بأدغــال كولومبيا يهتم بها الله كاهتمامه، عز وجل، بشيخ وقسيس وحاخام في شرقنا الأوسطي!
 تواضعوا في العلاقة مع السماء، يلين لكم الكون.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
 أوسلو النرويج

لماذا نُصــَــلـّـي؟

العقلُ والإيمان يقولان بأنها صلة دائمة ويومية بالله رب العالمين، أيّ أنْ تكون علىَ إتصال بالسماء في مواعيد متقاربة ومتباعدة، لكنها لا تجعلك جامعــًــا الصلوات أو أكثر في عدة ساعات، وتترك فراغــًـا عباديــًــا لأربع عشرة ساعة!
 منطقة خطرة وحمراء وتـُـغضب كل المسلمين تقريبا، لكنني أخوضها بقلب مؤمن لا يستطيع أحدٌ أن يزايد عليَّ فيها.
 الصلوات وفـْـقا للشمس والشروق والغروب كانت في زمن لم يعرف المسلمون عقاربَ الساعة، الصغيرة والكبيرة، ولم يكن مستر روليكس أو أومجا أو مسيو ديور في الصورة، لكننا قضينا مئات السنوات ونحن نظن أنَّ اللهَ، جل شأنه، ينتظرنا إذا أشارتْ الشمس أو غربت أو أشرقت أو قبلها أو بعدها.
واكتشفنا الدنيا، واكتشفتنا عقاربُ الساعة، وكان من الممكن أن تكون الصلواتُ متقاربةً وفق الساعة الزمنية بحيث لا تبتعد عن الله كثيرا إلا في ساعات النوم.
 وفي هذه الحالة تتناغم وتنسجم عبادات المسلم، وتدخل إلى صدرك أنفاس جديدة من الإيمان وفي مقدمتها الإحساس الجميل بأنك تصلي في نصف الكرة الشمالي مثلا مع ملايين في نفس الدقيقة والثانية، وتصلي مع آخرين في نصفها الجنوبي في وقت واحد.
 الشمس والقمر من خلق الله، والزمن أيضا، أو ما نطلق عليه الساعة الزمنية، هي أيضا جزء من فهم المسلم للكون.
مجرد فكرة خطرت بذهني مرات كثيرة عندما اكتشفت أنني في الشتاء انتظر صلاة بعد صلاة مباشرة، وفي الصيف أقضي اليوم كله في الخارج دون أن يجيء توقيت صلاة لاحقة.
 إنها مجرد أفكار، تُرفـــَـض أو تُقبــــَـل، لكنها حجر في بحيرة راكدة سيأتي اليوم الذي يستخرجها آخرون ويقذفونها في بحيرة جديدة ولو بعد عدة مئات من الأعوام.
 أرجو أن لا يقرأ السلفيون هذا البوست وإلا سأكون مسؤولا عن انتحار المئات منهم.
محمد عبد المجيد
 طائر الشمال
أوسلو   النرويج

17‏/04‏/2017

لماذا يخاف المصريون؟

لماذا يخاف المصريون؟

لم تشهد مصرُ في المئة عام المنصرمة عهدًا يخاف فيه المصري من خياله، وأصابعه، وأنامله، وهاتفه، وتغريدته على الفيسبوك والتويتر، أكثر من عهد الرئيس السيسي.
لم تشهد مصر أيضا عهدًا يتسابق فيه المصريون على مديح الرئيس، ومجاملته، وتبرير جهله، وتعظيم فشله أكثر من العهد الحالي.

المصريون يجلسون أمام رئيس لا يتمكن من تركيب جملة واحدة سليمة، ولا يعرض مشروعا للاستفتاء، ولا يتنازل عن أرضٍ مصرية بموافقة شعبه، ويلخبط، ويشخبط، ويكذب، ومع ذلك فهو، الشعب الذي وُلدَتْ من رحمه أعظم ثورات العصر.. ثورة يناير المجيدة، لم يخف من قبل كما يخاف اليوم.
المصريون يتبرعون بتخويف أنفسهم وأصدقائهم، ويهجرون نبي الأنبياء الجُدد .. الإنترنيت، خشية تلصص وتجسس ومراقبة ومتابعة رجال السيسي لهم.

المصريون يرفعون راية الخوف من خيال المآتة، ويقاطعون بعضهم، ويخاصمون أصدقاءهم وأهلهم وأحبابهم، ويستبدلون بمصر رئيســَـها، ويرسمون في قلوب مرتعشة" تحيا مصر" لعل رجال الرئيس يغضّون الطرف عنهم.
المصريون يتناقشون، ويتجادلون، ويتحاورون في غرف مغلقة بعيدة عن الجن الأزرق، ومع ذلك فخيال الرئيس في أذهانهم، وصورته تحيل أحلامَهم إلى كوابيس مزعجة.
المصريون صنعوا الغول الاكتروني، وسابقوا الريحَ أمامه، وخافوا أن ينظروا خلفهم للتأكد من أن البُعبُع لا يجري خلفهم.
المصريون يراقبون بحسّ الأرانب، وارتعاشة الفئران كل ما حولهم متمنين أن لا تحمل الرياح غضبهم إلى القصر.

المصريون يعانون من كل كوارث ومشاكل وأزمات وفواجع العصر، فقر ومرض وتلوث وفساد وظلم القضاء وتبرئة ولاد الكلب المجرمين واحتقار الرئيس لهم؛ ولذته في اختيار أفشل وأحمق وأجهل مسؤولين في معظم(!) مؤسسات الدولة، وبالرغم من ذلك ران صمتٌ عجيب على أرض الكنانة.
المصريون اختارهم رؤساء، مبارك وطنطاوي ومرسي وعدلي منصور والسيسي، ثم يتحدثون عن خيار الشعب.
حشرات الإعلاميين احتلوا الفضائيات بدعم من القصر لبث الرعب والزيف والفبركة والأكاذيب والتفاهات والانحطاط والطائفية، فكانت أكبر وأقذر وألعن حرب ضد شعبنا لمحو بقايا العقل في جمجمة المصري.
الرئيس صنع الإرهاب بتبنـــّـيه السلفيين، واحتضانه قياداتــهم الداعشية، ثم زعم أن الدولة تحارب الإرهاب على الساحة؛ أما الإرهاب الفكري والنفسي والسلوكي واللساني فلا شأن للقيادة به.
المصريون خائفون .. خائفون .. خائفون؛ حتى لو زعم كل واحد أنه أنبل الفرسان، وأشجع القعقايين، وأعمق المؤمنين، وأحرص المواطنين على أم الدنيا.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 17 ابريل 2017

13‏/04‏/2017

أيها المُراقـــَــبون .. لا تخافوا!


شائعات مغرضة وممنهجة تكتظ بها وسائل التواصل الاجتماعي تؤكد أن كل من يدخل على النتّ مراقَب، وكل جملة وكلمة وحرف تتلقفها أجهزة الأمن، وأن اسمك في كل مطارات الدنيا، وأن كثيرين تم اعتقالهم لمجرد تعليق أو بوست على الفيسبوك أو التويتر، وأن شخصا تم منعه من دخول الولايات المتحدة لأنه كتب بوست انتقد فيه دونالد ترامب.

أجهزة الأمن وضعت هذه الخطة للتخويف ولإنزال الرعب في قلوب من تسوّل له نفسه معارضة سلطة أو زعيم أو دولة أو جيش أو جهاز أمني أو ... الخ
هذا الكلام المبالـــَـغ فيه سيضع شريطـًـا لاصقا فوق شفتي كل إنسان حُرّ وكاتب ومثقف ومتمرد وحَسِن النية ومهتم بالشؤون السياسية والوطنية والدينية وغيرها
هذا هو الإرهاب بعينه الذي سيسمح للدولة ببسط قبضتها، والتضييق على الأحرار، ومنع الأصوات المناهضة والمعترضة على أي نظام من إيصال رسائلها لمتابعيها.

هذه الشائعات القذرة ليست موجهة للإرهاب؛ إنما للصحفيين والإعلاميين والكُتاب والمثقفيين والنشطاء، فالإرهاب الحقيقي موجود أمامنا منذ سنوات، على اليوتيوب مئات الآلاف من دعوات القتل والذبح والطائفية والتهديد والكراهية.
لا تستطيع أجهزة المتابعة الالكترونية في العالم برمته أن تتعقب مليارات التغريدات، لكنها تستطيع التخويف.
لذا رأينا تراجع الأصدقاء والمتابعين والمعلقين والبوستيين تراجعـًـا شديدًا يكاد يشي بوجود الكرباج الالكتروني المُسلط على ظهر كل فيسبوكي وتويتري وإنترنيتي.
لا تخافوا إلا بالقدر المعقول، أي الحذر، فلا ينبغي أن تنقلب الآية فبدلا من أن تخاف السلطات والطغاة واللصوص والفاسدون ينعكس الخوف على مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الحرة.

نجن مراقــَـبون بقدر حجم العفريت المختبيء في قلوبنا، فلا تنفخوا أجهزة المتابعة الالكترونية لتجعلوها ديناصورات في مواجهتنا نحن الفئران.
لا تتركوا الساحة الالكترونية لوحوش القصر، فهذه الشائعات تنتزع من الحُرّ إنسانيته وتضع مكانها أرنبـًـا يرتعش من الخوف خشية الافتراس.
مواقع التواصل الاجتماعي خُلقت للأحرار؛ فلا تجعلوها سلاسل حول رقابكم.
ملايين الملايين من التغريدات في الدنيا كلها، وبكل لغات الأرض، يجب أن تعبر عن انتصار العلوم والتكنولوجيا والتقدم والمعلومات والبحث وحتى الكلمات التي نكتبها بأنامل مرتعشة يجب أن تكون لصالحنا وليس لقوىَ البغي.
لا تخف ما دمت تتحرك بضمير حر ويقظ ومسالم، فلا تمتدح في الإرهاب، ولا تدعوش بوستاتك، ولا تزيف التاريخ، ولا تطلق شائعات، ولا تنشر أخبارًا كاذبة.
أيها الخائفون، عودوا إلى مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات ومواقع المقالات الجريئة فهي عالمكم، وعصركم، وزمنكم، ودهشة المعرفة في العالم/القرية الصغيرة.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 12 ابريل 2017

30‏/03‏/2017

صناعة الطاغية والشعب.. العلاقة التبادلية!


أشفق كثيرًا على المصريين الطيبين الساذجين الذين يُقَدّمون مشروعات وأفكارًا وكنوزًا من  المعرفة والآراء والنصائح والارشادات على كل وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي من أجل نهضة مصر.
لكن لا فائدة، فالرئيس السيسي يتعامل مع الأفكار العبقرية على أنها روث بهائم، ففي خلال ثلاث سنوات فصَل نفسه عن الواقع المصري وعاش يرتوي من المديح والثناء والاطراء والتفخيم والنفخ.

الرئيس عبد الفتاح السيسي في المرحلة الأولى من صناعة الطاغية الذي يبدأ مستبدًا، ثم ديكتاتورًا، لينتهي الأمر إلى "ما أريكم إلا ما أرىَ!".
انظر إلى حيوات كل طغاة التاريخ تجد أنك لا تستطيع التفرقة بين الذكي وبين المتخلف عقليا، وبينهما الأبله والفاشل والفاشي وحاد الذكاء لأن النهاية واحدة، وتصفية الجماهير تجمعهم عندما تتجمع السلطات في أيديهم.

في الأيام الأخيرة لنفخ الطاغية تجد تشابها عظيما بينهم، فمبارك وطنطاوي ومرسي والسيسي والقذافي وصدام حسين وموجابي وهيلاسلاسي وتشاوشيسكو وسوموزا وسالازار ومنجستو هيلامريم وباتستدا وفرانسوا ديفالييه وبينوشيه وفرانكو وهتلر وستالين وماوتسي تونج وأنور خوجة وموسوليني وغيرهم تجمعهم السلطة المطلقة القادرة على إعادة صناعة الشعب المطيع.
المرحلة الأخيرة لابد أن يتملك اليأسُ أفراد الشعب ويدرك كل فرد فيه أن التغيير مستحيل، وأن لا بديل للزعيم، وأن رجاله قادرون على التسلل لأحلام الجماهير.

انتظروا السيسي في المرحلة الثانية أي الديكتاتور وهذه تبدأ فور تجديد عقد العبودية، ثم المرحلة الثالثة أي الطاغية وتلك لا نهاية لها، فلا يرى الرجل مخرجا إلا مزيدا من جنون العظمة.
ثم يحيط نفسه أو يُحاط بإعلاميين جوبلزيين وبقضاة ومستشارين وضباط جيش وشرطة وقردة مجالس النواب ورجال الدين .. مزيفي تعاليم السماء.
هنا لا يُصدق الطاغية أن الله أكبر منه، كما قال موسوليني: كم دبابة يملكها بابا الفاتيكان؟
راقبوا الرئيس عبد الفتاح السيسي جيدًا وستعرفون أن صناعته جاءت من أفشل المواد الخام، لغة وتعبيرا وأسلوبا وأفكارًا وغطرسة فارغة.

عندما لا يكون هناك في النفس الإنسانية مكان للغضب؛ تتحرك قوى دعم الطاغية بسهولة شريطة وجود العصا والجزرة، فالطاغية يتوعد ويُعطي بسخاء.
العبيد لا يلجأون للأخلاق لاكتشاف مواطن الضعف في طاغيتهم، إنما للتعرف على طرق سماوية لقبول المذلة والمسكنة، فالدين وعي وتغييب، شجاعة وجُبن، فروسية وخمول، نُبل وخسة، وكل إنسان يبحث عما في نفسه أولا ثم يزعم أنه وجد صفاته في الكتب المقدسة.
مدرسة تعليم الطغاة تعمل بطريقة آلية وبطيئة لكنها مضمونة النتائح حتى لو كان مخ الطاغية أقرب إلى الأميبيا من أي شيء آخر، فهم يصبرون عليه صبر الشعب على حماقاته، وقد لا يستطيع في المرحلة الأولى تجميع جملتين سليمتين، أو فكرة واحدة متكاملة ، فتسخر الجماهير شهورًا عدة حتى تصل إلى مرحلة العثور على عبقرية فيما كانت تسخر منه.

ليست هناك لدى الجماهير مواصفات محددة في زعيمها أو طاغيتها أو مستبدها أو سيدها، فهي قد تقبل القسوة الشديدة كأهم صفة لديه، مثلما حدث مع ستالين حيث كان الكثيرون يخشون التوقف عن التصفيق خلال إلقائه خطبة خوفا من أن يراهم أحد رجاله. 
وهي قل تكون الايحاء بأن كل مواطن مراقــَـب حتى في أحلامه، فأهالي أديس أبابا كانوا يظنون أن الامبراطور هيلاسلاسي يعرف أحاديثهم الجانبية في شوارع العاصمة بعد منتصف الليل. وأنور خوجا كان يجبر سكان تيرانا الألبان أن يُقدم كل منهم تقريرا عن جيرانه، فإن لم يفعل فليذهب إلى قسم الشرطة السرية ويُسلمهم تقريرا مفصلا عن حياته الشخصية.

وهي قد تكون إيعازات داخلية قادرة على تبرير البلاهة والسطحية والتفاهة بدعم من وسائل الإعلام، فالمجلس العسكري المصري اختار الرئيس السيسي على هذا الأساس، وترك للناس حوارات المقاهي والفضائيات وغُرز المخدرات والحواري لتبرير أي كلمة يتفوه بها لسانه.
وقد تكون السجون والمعتقلات والاختفاء وراء الشمس حالات معروفة لكسر روح التمرد لدى الشعب حتى قبل أن يتنفس حرية، فسجون الحسن الثاني وصدام حسين وحافظ الأسد ومنجستو هيلامريم وبينوشيه لا يستطيع طاغية محاكاتها، وهنا أتذكر شابا مغربيا رفض أن أعيره كاست لخطبة سياسية خشية أن تصل إلى مسامع الملك الحسن الثاني رغم أن المواطن سيسمعها في سيارته المغلقة والتي تنهب الأرض في النرويج، فقال لي بأنه واثق أن الملك المغربي سيعرف بأمر الكاسيت.

صناعة الطاغية تعادل أحيانا صناعة الشعب، فيتبادل الأسياد والعبيد السادية والمازوخية بحيث يرضى الجميع على الوضع التبادلي الطبيعي، السيد يصرخ ليرهب، والعبد يصرخ من الآلام.
تبقى في تلك العلاقة المريضة عبقرية التبرير التي تظهر في ( إحنا آسفين يا ريّس) وكذلك قنوات وكتب ومطبوعات ويوتيوبيات كلها تذرف الدمع على السوط الذي ولّىَ، فالعبودية بأثر رجعي سُقم ليس من السهل الشفاء منه.
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=553313

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 30 مارس 2017

24‏/03‏/2017

هكذا يغتالون الإعلامي .. يسري فودة نموذجا!

هكذا يغتالون الإعلامي!
مقال مهم جدًا جدًا، تحتاج فيه للسير بين ألغام الدعاية المضادة، وإحراق إعلامي، وتصوير البطل في مشاهد متفرقة: محترف، مهني، جاسوس، وطني، ينايري، اخواني، وصولي، شجاع .. وعشرات غيرها حتى تؤدي الغرض المطلوب.
 مقال مصنوع في أروقة الاستخبارات بشتىَ أنواعها، مديح في أوله، تشكيك في منتصف، اغتيال في نهايته، مع ربطه بجوبلز وزير إعلام هتلر لارسال رسالة لكل الأطراف.
مقال يحتاج إلى تأنّي وتأمُّل، وقراءة ما بين السطور وما خلفها.
مقال لو قرأت نصفه ما فهمت شيئا، ولو قفزت فوق فقراته فكأنك لم تقرأ شيئا.
 مقال مصنوع في عدة مكاتب للاستخبارات، العربية والغربية، المصرية والقطرية والأفغانية والأمريكية والداعشية.
 مقال يبين لك فكرة مالك بن نبي ( الصراع الفكري في البلاد المستعمرة ) لتكتشف في النهاية أنك في قطعة الشطرنج.
 مقال اغتيالي من الدرجة الممتازة، وقد تقف حائرا، مع أو ضد يسري فودة، وفي النهاية يحقق المقال غرضه.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 23 مارس 2017
===============================================
 مقال منقول عن يسري فودة

لعل العنوان يكون صادما للوهلة الأولى، ولكن التفاصيل أكثر صدمة، والشيطان دائما يكمن فى التفاصيل، ويسرى فودة يعرف هذا جيدا، ليس باعتباره شيطانا بالطبع، ولكن لأنه قارئ بليغ للتاريخ والأدب الألمانيين، على الأقل من طول عشرة الألمان ومعاملتهم والاتصال بهم والعمل معهم، وبالتأكيد يعرف مقولة المعمارى الألمانى «لودفيج ميس فان دير روه»: «الله يكمن فى التفاصيل»، التى أنتج الواقع مقابلها بسبب ما رآه الناس من مفاجآته وكوارثه المتلاحقة، حتى أصبح المقابل المصنوع أشهر من الأصل المنحوت، وأصبحت التفاصيل باب الشر الوحيد الذى يمكن أن يسمح لجيوش الخير بالمرور، للرد على الشرور الأكبر، وكشف حقائق صانعيها، ونزع أقنعتهم المصنوعة بعناية فائقة، لا تقل جودة عن رصف المعلومات وترتيب الأفكار ووضع الخطط وبرامج العمل فى أعتى أجهزة المخابرات وأقواها.
يقول أدولف هتلر فى كتابه «كفاحى»، أن الدعاية تهدف إلى لفت نظر الجمهور لوقائع وأحداث، لا إلى تنويرهم على أساس علمى، ووفق هذا التعريف الواضح للأب الشرعى للدعاية والتضليل السياسيين، لا يمكن اعتبار أى جهد إعلامى لا يستند إلى محاولة جادة للتنوير العلمى إعلاما حقيقيا، هو دعاية سياسية، والكلام بشأنها لن يكون عن أدوات مهنية بقدر الحديث عن الدوافع والأغراض والمصالح والداعمين والمستفيدين، الصورة إلى هذا الحد واضحة ولا ارتباك فيها، ولكن المشكلة تظهر بقوة وحدّة وإرباك، حينما تتخفى أدوات الدعاية وترتدى أقنعة ووجوها أخرى، ويكون القائمون عليها واعين وموظفين وفق خطط مسبوكة بعناية، هنا تغيم الصور وتتداخل الأصوات، وتصبح الكفاءة والممارسة المتمكنة أداة خداع عنيفة التأثير، بقدر ما تفيد ماكينة الدعاية وتحقق طموحات مؤسسها جوزيف جوبلز، بقدر ما تنتهك حقوق الناس وعقولهم، ولا جسر يربط بين الأمرين، فإما أن تكون ظهيرا للمعرفة والتنوير، وهنا ستظل تعمل وتجد وتناضل دون كسب ولا غاية إلا المهنة، أو تكون تلميذا فى المدرسة، وهنا يمكنك الترقى والتربح ونسج العلاقات والدوران بين الدول والأجهزة، لتصبح بقدر من الاجتهاد والتلون «أنجب تلاميذ جوبلز».
يسرى.. من ألمانيا ولألمانيا يعود
فى يونيو 20166 أعلنت «دويتش فيله» إنجاز تعاقد مع الإعلامى المصرى البريطانى يسرى فودة، للظهور عبر قناتها العربية بدءا من 20 يوليو التالى، إضافة إلى كتابته مقالا أسبوعيا عبر موقعها بدءا من 25 يونيو، ورحبت قيادات المؤسسة بالتعاقد الذى أنجزه ناصر شروف، رئيس القسم العربى فى «DW»، ألمانى من أصل فلسطينى ويرتبط بعلاقات قوية مع حركة حماس، بعد اتصالات من مدير مكتب المؤسسة بالقاهرة، عمادالدين السيد عبدالله، المحسوب على الإخوان، واستغل «شروف» وجود يسرى فى «بون» لإنجاز التعاقد، خلال حضوره فعاليات منتدى الإعلام الذى نظمته المؤسسة فى الشهر نفسه بحضور 2300 شخص منهم إعلاميون وفنانون وحقوقيون وأكاديميون مصريون.

البرنامج الذى تعاقد «فودة» لتقديمه نظير 250 ألف يورو سنويا، وانطلق فى الثالث من أغسطس 2016 متأخرا أسبوعين عن موعده المحدد، بسب اشتراط إدارة القناة لموضوع حلقة البداية وضيوفها، وتقاطع ظروف المواعيد والإجراءات الروتينية للضيف المصرى مع موعد البث، ليس بداية معرفة يسرى فودة بالإعلام الألمانى كما قد يتصور البعض، ولا حتى بالساحة الألمانية بشكل عام، فقد بدأت العلاقة منذ سنوات بعيدة، بتعاونه مع مؤسسة «فريدريش ناومان» الألمانية، التى تحمل اسم لاهوتى بروتستانتى شهير، وأسسها أول رئيس لألمانيا الاتحادية «تيودور هيوس»، وترتبط بإحدى القوى اليمينية الألمانية، الحزب الديمقراطى الحر، حزب «هيوس» الذى تأسست خلال رئاسته «دويتش فيله» ودائرة الاستخبارات الاتحادية «BND»، ومن خلال هذا التعاون أشرف يسرى فودة على تدريب أعداد من العاملين باتحاد الإذاعة والتليفزيون المصرى، وخلال هذه الفترة تواصل مع إدارة «دويتش فيله»، قبل أن يعود إليهم بعد سنوات طويلة اسما بارزا ووجها أساسيا ضمن كتيبة المؤسسة لتغطية منطقة الشرق الأوسط، ومصر بشكل خاص.
رحلة بين المؤسسات والأجهزة
 بين بداية يسرى فودة مع فريدريش ناومان، ووصوله لمحطة «دويتش فيله»، سنوات طويلة قطعها الإعلامى الطموح بين مؤسسات وشاشات ودول وأجهزة عديدة، لم يتخل فى أى محطة منها عن طموح يقود خطاه للذيوع والانتشار ودخول مطبخ صناعة المعلومة، لا الاكتفاء بمراقبتها ونقلها وشرحها، ربما يختلف فى تفاصيله عن طموح الأديب والصحفى جوزيف جوبلز نحو الزعامة السياسية، ولكنه لم يختلف فى جوهره، ظل الأساس لدى «فودة» أن يكون قريبا من دائرة الفعل ورأس الإدارة، شريكا وخليلا وفاعلا وأداة فى آن، ولا دليل على هذا الطموح أو ضوء يكشف خباياه إلا مسيرة «فودة» نفسه وتتبعها من بدايتها حتى محطتها الأخيرة.

خلال تعاون «فودة» مع مؤسسة فريدريش ناومان، لم توافق الموجة الألمانية هواه وقتها، وسرعان ما اقتنص فرصة مع بريطانيا سنة 1993، عبر منحة دكتوراة من خلال المجلس الثقافى البريطانى، وخلال وجوده فى لندن انتزع مكانا بهيئة الإذاعة البريطانية «BBC»، وخلال تلك الفترة غطّى حرب البوسنة وبعض أحداث وتطورات الشرق الأوسط، بينما كان مشروعه وأسلوبه الإعلامى والمهنى، وآليات إدارته لعمله وخططه، قيد التشكل، وسريعا ما نفذ لمستويات سياسية وأمنية بريطانية، صانعا دائرة واسعة ومهمة من العلاقات، أثمرت أثرا حقيقيا مع تعيينه مقدما للبرامج بالقسم العربى فى «BBC»، وخلال هذه الفترة تواصل فى إطار مهنى مع عناصر من جهازى «MI5» و»MI6»، الاستخبارات الداخلية والخارجية، لينتقل بطريقة غريبة وسريعة وغير مفهومة وقتها من «BBC» إلى تليفزيون وكالة «أسوشيتدبرس» الأمريكية، ومنها سريعا أيضا إلى قناة الجزيرة القطرية التى تأسست سنة 1996 باتفاق ودعم ووكالة مباشرة مع «BBC»، التى كانت بصدد إطلاق شبكة تليفزيون عربية، قبل أن تبيعها بتجهيزاتها وعامليها لقطر، ليعود «فودة» لدائرة العمل الإعلامى فى لندن مؤسسا لمكتب الجزيرة هناك، قبل أن يطلق فى وقت لاحق برنامجه الأشهر وسبب شهرته ومعرفة اسمه فى المنطقة العربية «سرى للغاية».
«سرى للغاية».. البرنامج والعلاقات
 بدت حلقات «سرى للغاية» مصنوعة بعناية فائقة، فى إطار بنية استقصائية غير معهودة فى الإعلام العربى وقتها، ومع فتح ملفات وقضايا مثيرة، وتقديم رؤى وأفكار واسعة لمتخصصين كثيرين، إضافة إلى حصيلة وفيرة من البيانات والمعلومات، حقق البرنامج انتشارا كبيرا بالمنطقة، بينما ظل النظر فى أمر هذا الوصول السهل للقضايا والأطراف المختلفة والمعلومات المثيرة والملفتة سؤالا جديرا بالفحص، وغائبا للأسف عن الإثارة والبحث والإجابات.

فى حلقات البرنامج فتح يسرى فودة ملفات عديدة، وفجر مفاجآت، كانت منها حلقة «العميل الهارب»، التى التقى خلالها الضابط ديفيد شيلر، المنشق عن جهاز الاستخبارات الداخلية البريطانية «MI5»، وتناولت الحلقة محاولة اغتيال الرئيس الليبى معمر القذافى، وقضية طائرة لوكيربى، وتفجير السفارة الإسرائيلية بلندن، واحتاج «فودة» لإنجازها المرور على «MI6» والحصول على موافقته لإثارة الموضوع ولقاء «شيلر»، وبفضل علاقته السابقة بالجهاز مر الأمر بهدوء، وامتدت يد المساعدة له لاحقا لتيسر تحركاته فى قضايا وملفات أخرى خارج لندن، وغير متصلة ببريطانيا مباشرة، ومن بوابة البرنامج وما حظى به من تسهيلات مالية وأمنية وفنية من بريطانيا وقطر، فتح يسرى فودة خطوط اتصال مع جهات أُخرى، أو بادرت هذه الجهات بفتح الخطوط، المهم أنه حظى بمظلة أمان وتغطية واسعة لعمله، تمثل أبرزها فى حلقتى «الطريق إلى عتليت» و»الطريق إلى 11 سبتمبر».
فى «الطريق إلى عتليت» فتح «فودة» ملف قتل إسرائيل للأسرى المصريين فى حربى 1956 و1967، وخلال الحلقة زار مدينة حيفا الإسرائيلية، وحصل على دعم كبير داخلها، من خلال اتصالات رسمية من الدوحة، إضافة إلى تأكيد مصادر مقربة من الدبلوماسى الراحل محمد بسيونى، سفير مصر الأسبق فى تل أبيب، أنه حكى لهم عن تلقيه اتصالات رسمية من دوائر أمنية نافذة ضمن نظام مبارك، طلبت منه تقديم كل الدعم اللازم لـ»فودة» خلال وجوده فى إسرائيل، والتسهيلات نفسها قُدّمت له داخل مصر، إذ استُقبل فى مقر الخارجية والتقى الدكتور مصطفى الفقى، مساعد الوزير إبان تسجيل الحلقة فى 2000، كما سُمح له بلقاء الفريق سعدالدين الشاذلى الذى كان قد حصل على عفو من الرئيس الأسبق بشأن العقوبة التى كان يقضيها بتهمة تسريب أسرار تمس الأمن القومى، ويجلس منعزلا فى قريته، وليس من الطبيعى أن يظهر فى لقاء تليفزيونى متحدثا عن أمور تخص الحرب والأسرى ومصيرهم دون موافقة رسمية من الدوائر العليا للنظام، أما داخل إسرائيل فقد وفرت علاقة يسرى فودة بـ«عمير أورين»، الصحفى فى «هآرتس»، فرصة واسعة للقاء أكاديميين وباحثين فى التاريخ، لتكتمل الحصيلة فى النهاية، بدعم الدوحة واستغلال علاقاتها بالسلطة فى تل أبيب، ودعم أصدقاء يسرى داخل الأجهزة الاستخباراتية البريطانية، ودعم الأجهزة الأمنية التابعة لنظام مبارك، من لقاء ضباط وجنود سابقين بالجيش الإسرائيلى، ولقاء نائبى وزيرى الدفاع والخارجية، وبالتأكيد كانت مبررات الدعم مختلفة، قطر كانت تثير ملفا مزعجا لمصر وتشغل شاشتها الناشئة بموضوع مهم، وبريطانيا كانت تواصل صنع أسطورة رجلها، وأجهزة مبارك كانت تفتح ملف المآسى التى شهدتها الفترة الناصرية، كوسيلة لغض الطرف عن مآسى النظام القائم والتماس شهادة إيجابية له من باب القدح فى «عبدالناصر» ومرحلته، وفى حلقة «الطريق إلى 11 سبتمبر»، توسعت دائرة التغطية والدعم من ألمانيا لأمريكا لبيشاور الباكستانية، وخلالها التقى رمزى بن الشيبة وخالد شيخ محمد، الضالعين فى التخطيط لأحداث 11 سبتمبر، وعددا من المحللين والخبراء ورجال الاستخبارات، بدعم مباشر من «MI6»، والاستخبارات الألمانية «BND»، والاستخبارات الباكستانية IB»، وتم تأمين رحلته وإقامته وتحركاته فى بيشاور، وصولا إلى ضمان عودته بغنيمته من المعلومات والشرائط الصوتية والمصورة.
بطل من ورق
 خلال رحلته الإعلامية كانت صورة البطل تداعب مخيلة يسرى فودة طوال الوقت، مخلوطة بأحلام التأثير والنفوذ والزعامة، وكانت وسيلته الأقرب، الأوراق والنصوص الحماسية المكتوبة بحرفية، والتدرب طويلا على الأداء المشحون، حتى عُرف بمقدماته النارية، منتقاة الكلمات ومحسوبة الأداء والانفعالات، والمطعمة بأبيات الشعر والحكم والأماثيل، بشكل يتجاوز كثيرا حياد الإعلام ومهنيته، لتضاف إلى تجاوزات أخرى تورط فيها «فودة» خلال رحلته، ربما بشكل عارض، وبعض الظن أنها كانت مقصودة، فالصورة العامة التى سيطرت على برامجه انحصرت فى نصوص محكمة تقود لنتائج قاطعة، أقرب إلى سيناريو مؤلف منها إلى تحقيق استقصائى قد تتوزع خيوطه ولا تفضى بالضرورة لنسيج واحد، فالرجل ينتقى ضيوفه بحساب نوعى ربما لا يوفر تغطية موضوعية حقيقة لمساحة التقصى، يتشاجر مع بعضهم ويتعاطف مع آخرين، ينصب نفسه قاضيا فى أحيان ومحاميا فى أحايين أخرى، يراهن فى أدائه للمقدمات والأسئلة والمداخلات على مفردات حادة وهجومية، وعلى شحن نفسى وعاطفى للعبارة اللغوية، وعلى ملامح وجه تتبدل بين الجمود والابتسامة الناعمة، فى انسجام كبير مع محتوى الرسالة الصوتية والموقف من الضيف.

بطولة «فودة» لم تنحصر فى أجواء العمل ومساحة الشاشة وحسب، الرجل وأصل تلاعبه بالأوراق لتعميق بطولته، أو حفر طريقه نحوها، أحيانا دون مبرر منطقى، هكذا استقال من «الجزيرة» فى 2009 عبر خطاب طويل نشره بإحدى الصحف، مستعرضا فيه على الناس بطولته القيمية والمواقفية الرافضة للظروف الإدارية والسياسية والمهنية المحيطة بـ «الجزيرة»، التى اكتشفها فجأة بعد 13 عاما من العمل، مبتعدا عن شرحها أو حتى الاقتراب منها، وبينما يشير مقربون منه إلى أن الاستقالة كانت لأسباب مادية، تشير مصادر أخرى إلى أنه اتخذ القرار بعد تشاور مع أصدقاء بريطانيين وعناصر من «BBC» وبعض الأجهزة الإنجليزية، الذين أشاروا عليه بأهمية التواجد فى مصر فى الظروف التى تشهدها وقتها، وعليه استجاب الرجل واستقال من القناة القطرية وعاد للقاهرة، وسرعان ما حصل على فرصة للظهور عبر إحدى الشاشات الخاصة الشهيرة وقتها، وظل يواصل عمله بالآلية نفسها، المقدمات الخطابية المشحونة عاطفيا، والمعالجات التى تبدو عميقة فى ظاهرها بينما تراهن على الانفعال والتأطير والنمذجة، معمقا صلاته بالجماعات والأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية المختلفة، ومحافظا فى الوقت نفسه على روابطه بالأجهزة الأمنية فى نظام مبارك، التى توطدت بشكل أكبر سمح له فى أحيان كثيرة بأن يكون وسيطا بينها وبين إعلاميين وسياسيين وشخصيات عامة على الساحة، واستمر هكذا حتى قطع علاقته بالقناة فى 22 سبتمبر 2014، ليعود للبطولة الورقية مرة أخرى، معلنا أن الأسباب تعود لضغوط أمنية ومنع مباشر من جانب السلطة، بينما رد مالك القناة وقتها على هذه البطولة المدعاة قائلا فى حوار تليفزيونى: «كان يجب على فودة أن يأتى بفكرة جديدة لبرنامجه كى يستمر فى عرضه، وقرار رحيله جاء بسبب انتهاء العقد، ولم نرغب فى تجديده مرة أخرى»، يُضاف لهذه الكذبة موقف سابق مع القناة نفسها خلال العام 2012، هدد فيه يسرى فودة بإيقاف البرنامج والعودة إلى لندن، وقال مقربون أن الخلاف مالى بالأساس، إذ يطالب المذيع اللامع برفع أجره من 3 إلى 4 ملايين جنيه، وهو ما صنع صداما مع إدارة القناة وصعد بالأمور إلى التهديد المباشر بالسفر، قبل أن يجلس معه المالك ويستجيب لشروطه، بالاتفاق على رفع أجره %20، إضافة إلى %10 من الإعلانات، وهى الرواية التى لم ينفها أحد من مسؤولى القناة، ولا حتى يسرى فودة نفسه، بينما قال مدير القناة وقتها أن عقد «فودة» أقل من 4 ملايين جنيه، مفسرا أنباء إيقاف البرنامج وسفر مقدمه بالقول: «ما حدث بالضبط هو أن يسرى كان يتوقع أن تهدأ الأمور فور إعلان اسم رئيس الجمهورية، لهذا فكر فى العودة لـBBC، إلا أنه رأى أن المشهد السياسى فى مصر مازال مشتعلا ومن الأفضل أن يبقى»، وهو ما يدعم المعلومات القائلة أن استقالته من الجزيرة وعودته لمصر كانت وفق توجيهات، أو على الأقل وفق تنسيق ونصائح من إدارة «BBC» وبعض الجهات المتصلة بها داخل منظومة السلطة والأمن فى بريطانيا، التى يحمل يسرى فودة جنسيتها.
 صداقة «القاعدة» والترويج لـ«داعش»

التماس البطولة الورقية الذى قاد يسرى فودة لعرض أكاذيب أو معلومات مغلوطة حول مواقفه فى الجزيرة ثم فى مصر، وصولا إلى ادعائه أنه خرج من القاهرة منفيا، بحسب حوار مع برنامج «شباب توك» عبر شاشة «دويتش فيله» فى يونيو 2016، التى قال عنها «فودة» فى الحوار نفسه إنها قناة فقيرة ونافذة واعدة فى مشهد عربى بائس، متجاهلا علاقتها بالاستخبارات الألمانية التى لا يصح أن تخفى على رجل تواصل مع أجهزة مخابرات عديدة، والتقى إرهابيين من تنظيمات متنوعة، وتتوفر لديه معلومات كثيرة طوال الوقت، كما يتجاهل أنها تمنحه 250 ألف يورو سنويا، ما يتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما لم يكن يحصل من الجزيرة على نصف هذا المبلغ، ولا من «BBC»، ولم يتجاوز راتبه فى مصر 3 ملايين جنيه قبل زيادة قيمة التعاقد، ولكن ثقافة «فودة» الواسعة وإجادته لآليات إعلام جوبلز والدعاية السياسية وقِدم علاقته بألمانيا وأهدافها، وفرت له دائما مساحة واسعة للرمادية واجتزاء الحقائق ونزع دسم المعلومات، كأن يقول مثلا فى حلقة برنامجه «السلطة الخامسة» قبل أسبوعين، وكان ضيفه فيها عمرو حمزاوى، أن وزير الدفاع الإسرائيلى اعترف بتنفيذ عمليات عسكرية بسيناء، متجاهلا نص التصريح القائل «أعتقد أن العمليات الخاصة التابعة للختنشتاين هى من قامت بالأمر»، ربما جهلا منه بأن ليختنشتاين دولة صغيرة لا جيش لها، أو تعمدا للتزوير والكذب، وهذا الموقف الكاشف ينسحب على كثير من عرض يسرى فودة للمعلومات ومعالجته لها إعلاميا، فكثيرا ما تسبق فرشاته الملونة واجباته المهنية وما يتوفر تحت يديه من معلومات.
فى واحدة من حلقات «سرى للغاية» بعد شهور من غزو العراق، عبر يسرى فودة الحدود السورية العراقية مع قافلة من المهربين والمتطرفين، حيث مهد تنظيم الدولة الإسلامية وقتها، بدعوة مباشرة من التنظيم، ووثّق الرحلة لاحقا ضمن كتاب «الطريق إلى الأذى: من معاقل القاعدة إلى حواضن داعش»، ورغم جاذبية الحلقة إلا أنها تثير سؤالا حول علاقة الرجل بالإرهابيين وقدرته على النفاذ لصفوفهم والعودة سالما، هكذا جلس مبتسما خلف علبة سجائره وهو يحاور خالد شيخ محمد ورمزى بن الشيبة فى بيشاور، متحدثا بنعومة وابتسامة وروح صوفية عن إمامتهم له فى الصلاة، بشكل ترويجى أكثر من كونه عمل رصد وتوثيق، بينما قُبض على «ابن الشيبة» فى كراتشى الباكستانية بعد فترة قصيرة من اللقاء، وهى الصداقة المثيرة للريب المستحق فى ظل علاقات «القاعدة» و«داعش» الوطيدة بأجهزة استخبارات دولية عديدة، ومن الباب ذاته استضاف فى حلقة «الجهاد فى سوريا» بتاريخ 14 فبراير 2013 عبر برنامجه المصرى، شخصا ملثما من العائدين من صفوف داعش بسوريا، يُكنى بـ«أبوآدم»، إلى جوار شخص ممن يتولون تهريب الشباب للانضمام للتنظيم، وحملت الحلقة حالة من الترويج بالاتكاء على مناقشة الشرعية الدينية وتجاهل الشق القانونى وحقيقة تجاوز الأمن القومى واختراقه بهذه الممارسات، والمفاجأة أن الشخص الملثم قُبض عليه بعد أيام فى القضية 309 حصر أمن دولة عليا، وهكذا أيضا عرض فى برنامجه عبر «دويتش فيله» تحقيقا عن تهريب السلاح من ليبيا لـ«داعش» بسيناء، يتضمن لقاءات بعدد من المهربين «الملثمين بالطبع»، ليثير مزيدا من الأسئلة حول آلية الوصول لمهربين داخل مصر، لم تصل لهم الأجهزة الأمنية، وحول حدود الفصل بين المهنى والقانونى والأمنى، وقانونية التستر على إرهابيين وخارجين على القانون تحت دعاوى الممارسة الإعلامية المهنية، بينما تحيط به شبهات الإبلاغ عن «ابن الشيبة» و«أبوآدم».
أمس، وبالتزامن مع طباعة الصحيفة، استضاف يسرى فودة فى حلقة «السلطة الخامسة» جوليان أسانج، مؤسس موقع ويكيليكس الشهير، المقيم فى سفارة الإكوادور بلندن منذ 5 سنوات تقريبا، تحت حماية الخارجية والاستخبارات الإكوادوريين، وقد احتاج الادعاء السويدى إلى موافقات أمنية ودبلوماسية من بريطانيا والإكوادور للتحقيق معه، وهى التسهيلات نفسها التى حصل عليها «فودة» على طريقة جهات التحقيق السويدية، ورغم كل هذا فإن. الأمور السابقة ليست حصرا لتناقضات يسرى فودة وعلامات الاستفهام بشأن مشروعه فى كل المؤسسات التى عمل بها والأجهزة التى تواصل معها، هناك مزيد منها يحتاج تفسيرا وتبريرا منطقيين، بالضبط كما تحتاج مواقفه الأخيرة للتبرير، فالرجل الذى عمل داخل منظومة الإعلام المصرى حتى سبتمبر 2014، تحول فجأة بشكل غير مفهوم لكثيرين، رغم عمق اتصاله بعديد من المسؤولين والوجوه البارزة فى السلطة قبل ثورة يناير وبعدها، وبينما يخفى «فودة» التفاصيل، أو يعرضها فى حواراته وكتاباته وفق رؤيته المخلصة للبطولة الورقية، وبالأخص كتاب «آخر كلام» الذى تحدث فيه عن رقابة ومصادرة ومنع وتحكم فى برنامجه وحلقاته، فى الوقت الذى كذّب مالك القناة هذه الادعاءات، ويكذبها صبر «فودة» نفسه واستمراره فى العمل وعدم اتخاذ موقف قيمى وأخلاقى ومهنى يليق ببطل، أن كان حقيقيا وليس ورقيا، يواصل الإعلامى اللامع لعبته المحببة، فيروى من جانب واحد تفاصيل لقائه بوزير الدفاع وقتها، بعد إنقاذه بطائرة عسكرية إثر حادث سير تعرض له بالغردقة، قائلا أنه عرض دفع المقابل، وإن خطوة الطائرة كانت محاولة لكسر عينه، على حد تعبيره، بينما تؤكد مصادر مقربة من «فودة» أن تحوله يعود لمقاطعة بعض المسؤولين وقتها لبرنامجه وتفضيلهم الظهور مع إعلاميين آخرين، وهو ما يصلح تبريرا مقنعا لانعطافة الرجل الطارئة ووصفه لأحداث رابعة العدوية بـ«المذبحة» بعد وقوعها بأكثر من 13 شهرا، وانتقاده لثورة 30 يونيو وترتيباتها بعد اندلاعها بأكثر من 15 شهرا، وتحديدا بعد لقاءات جمعته فى لندن بالصحفى وائل قنديل، وعدد من عناصر الإخوان بالخارج، وهى اللقاءات التى تكررت ومازالت، وشهد بعضها الاتفاق على ترتيبات تخص برنامج «السلطة الخامسة» على شاشة «DW»، بشأن تواصل شباب الجماعة مع البرنامج وتنشيطهم للهاشتاجات التى يقرر عرضها ومناقشة مستوى نشاطها، والاستعانة بعناصر من فريق موقع «العربى» ضمن منظومة الرصد والإعداد وصياغة المحتوى، لتنضم كل هذه التفاصيل لسابقاتها، مكونة صورة عريضة لاسم لامع فى سوق الإعلام، يثبت أنه يمكن بقليل من الحماسة والكتابة المنمقة والأداء الانفعالى أن تنجح وتنتشر، وبقليل من التلون والقفز بين الشاشات والدول والأجهزة، أن تصبح أنجب تلاميذ جوبلز، لتستقر فى النهاية على مقعد وثير داخل قلعته التى حلم بها ولم يرها، «دويتش فيله».

19‏/03‏/2017

هزيمة السرطان في الجولة الأولىَ !

أربعة أيام في المستشفىَ
 هزيمة السرطان في الجولة الأولىَ !

في الأول من شهر يناير كانت أشعة مقطعية تبحث في جسدي عن سلامة الأمعاء، فوجدتها سليمة لكنها اكتشفت في الكلىَ اليُمنىَ ورما سرطانيا كان مختبئًا في أمان دون أن يُشعرني بألم كأنه لص يتخفى إلى حين موعد الإغارة بعد فوات الأوان.
في الأول من فبراير أبلغتني الطبيبة في المستشفىَ أنه سرطان مثل 60% من حالات المرض غير المرئي التي تُظهرها مصادفة البحث عن مرض آخر.
في 7 فبراير قضيت اليوم كله في المستشفىَ هنا في أوسلو استعدادًا لاجراء العملية الجراحية في اليوم التالي، ولكن شاء الله أن أًصاب بنصف أنفلونزا مع سعال شديد مما استدعىَ الأطباء إلى ارسالي للبيت وتأجيل العملية خمسة أسابيع.
في 14 مارس عدت إلى المستشفىَ للتحضير لعملية اليوم التالي.
جراحان ماهران مع طبيب التخدير وكتيبة من الممرضات كأن الجميع يشحذ أسلحته، كل في تخصصه، لهجوم مضاد على المرض الذي يخيف اسمُه أشجع الفرسان.
السرطان لا يمزح أو يبتسم أو يضحك أو يُشفق عليك، فإذا جاء دخل من حيث لا تدري. مصّاص دماء يُدَرْكـِـل غاراته. 
كل الأمراض تخدعك بلفتة مودة، إلا السرطان فهو قبيح ينمو، ويكبر، وينتظر اللحظة المناسبة ليبدأ الهجوم المباغت.
المستشىفى والعناية والنظافة والأجهزة والأطباء والمساعدون والممرضات خلية نحل تصنع لك العسل، ولا تلدغك! تعالجك بالابتسامة قبل كل الأدوية فتقتنع بأن يوم العملية هو عيد الحب، وأن مشرط الجراح لا يؤلم؛ إنما يبدع ويرسم ويلوّن ثم يطبع في النهاية قُبلة على الجرح.
كأن كل العاملين والعاملات في خدمتي، ليلا ونهارًا، صبحا ومساءً، إذا استدعيت ممرضة جاءتك فراشات تطير أمامك شعورهن الشقراء والسمراء كما تفعل نسمة هواء في حرير يطير ويسقط على الوجه ولا يحجب الابتسامة.
أكثر من عشرين ممرضة في الأيام الأربعة ، وكل واحدة توحي إليك أنك مريضها المُفضّل، وأنك في حمايتها قبل الأطباء. 
الطبيب ودود قبل العملية، وصديق خلالها، وأخ بعدها، فإذا تحدث معك فقد عالج نصف المرض، ويجب أن تلاحظ أن كل المرضى أمراء تُلبىَ طلباتهم قبل أن يقوم المريض من مكانه، وملوك قبل أن يرتد لأي منهم طرفه.
في غرفتك معك المستشفى كلها، إذا ارتفع الضغط أو السكر أو هبط أو نقص فيتامين أو هجرك النوم فستجد من تجلس بجانب فراشك تتحدث إليك حديثـًـا شافيا كأنك على وشك الخروج من المستشفى مع عروس في عُمر أصغر بناتك.
في الصباح كانت احداهن تطير بالسرير في ردهات المستشفى إلى غرفة العمليات ثم استقبلني طبيب التخدير مع أسئلة متبادلة للتأكد أنني أعرف لماذا أدخل هنا، وماذا أتوقع، فالخطأ غير مغفور في هذه الأمور.
ثم غرفة العمليات واستقبلتني عيون خمس ممرضات يُعوض بريقها الابتسامة المختفية خلف قناع أخضر .
كانت النظافة سيدة العملية برمتها، وخرجت منها برأي يقيني أن الله يقبل صلوات الناس في المستشفيات الطاهرة والنظيفة أسرع من قبولها في المساجد والكنائس والمعابد. 
كل خطوة محسوب الطهارة والنظافة فيها قبل وبعد العملية، وفراشك للملائكة فقط ، وخلاصة الاقامة أنك في أمانة الأيدي الأمينة، فإذا نظر لك ملك الموت بإيعاز من السرطان، تراجع فورا أمام العناية والطهارة والنظافة والكفاءة، فكل رداء أبيض أو أخضر يعرف مكانه ويشرق وجهه وهو يفتح باب الغرفة للمرة المئة ليستفسر عن حالتك وراحتك.
بعض المستشفيات خُلقت للعلاج، وبعضها للسعادة، فيخجل ملك الموت ويخرج من الغرفة فورًا.
ساعتان استغرقت العملية، وأزيل السرطان الملتصق بالكلىَ اليُمنى بمنظار عبر خمس فتحات فضلا عن السادسة لخروج الدماء، وكنتُ أعلم عن احتمال عملية فتح بطن في حالة التعقيدات أو إزالة الكلَــىَ اليُمنىَ كاملة في حالة مضاعفة التعقيدات.
أعادوني برفق إلى الغرفة مع خراطيم وثقوب ومحاليل وأشياء تُرفع وأخرى تنخفض. العملية استغرقت ساعتين وعدت إلى الغرفة بعد سبع ساعات.
تم ارسال الورم السرطاني إلى المعمل للتأكد من طيبته أو خبثه، حميد فيتركني أو خبيث فيعاود الإغارة في وقت لاحق. كل هذا سيكتشفه التحليل المختبري في خلال شهر أو أكثر من الآن.
أربعة أيام في مستشفى خمسة نجوم، وعناية سبعة، ومتابعة عشرة نجوم.
في المستشفى لا يطلبون منك المغادرة حتى لو بدا أنك شفيت، فأنت صاحب القرار في راحتك وهم أصحاب القرار في علاجك وابلاغك بالشفاء.
صباح اليوم زارني أحد الجراحيّن وهما نرويجي من أصلل عراقي كردي، والثاني نرويجي وهو مسؤول العملية. وسُمح لي بالمغادرة على أن أعود بعد شهر والتأكد من نوعية السرطان. الجراحان كانا على درجة عالية من المهارة والكفاءة والخبرة فتغمض عينيك وتعطي الجراح جسدك ومفتاحه ولا تغلق خلية واحدة منه.
كل اجرءات العملية من ألفها إلى يائها، من مشرطها إلى قناعها، من الاقامة إلى الراحة لم أسدد فيها قرشا واحدًا، فالدولة هي الأم والأب، والزوج والزوجة، والابن والابنة حتى سيارة الأجرة في العودة إلى البيت على نفقة الحكومة الخادمة للشعب .
تلك هي حكايتي في الأيام الأربعة الماضية أو الشهرين ونصف الشهر منذ اكتشاف المرض. وهذا أول مقال لي بعد" الخروج من الجنة"!
وقبل كل شيء وبعده، وقبل نطفة الحياة ودود الموت، وقبل نفخة الروح وغيابها أو استمرارها إلى حين، تبقىَ رعاية الله، جلّ شأنه، وأنا رأيت نور الله ويده ورعايته، فعدت إلى البيت ونجحت المرحلة الأولى من العملية الجراحية، قبل الغارة القادمة أو انسحاب السرطان إلى غير رجعة!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 18 مارس 2017

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...