23‏/07‏/2018

الجماهير ليست صاحبة حسم أخلاقي كرودريجو الفيلبيني!


الجماهير ليست صاحبة حسم أخلاقي كرودريجو الفيلبيني!

إذا أردت أن تصنع نهضة شعبية من القاعدة، فاجعل القاعدة تتولى التغيير، وحينئذ تتحقق النهضة بعد يوم القيامة.
لا نهضة على قاعدة شعبية في العالم الثالث، ولو التف المثقفون والمتنورون والعلماء والخبراء والأكاديميون والخطباء والفقهاء ورجال كل الأديان حول جمهرة شعبية ترفع جبلا ما تمكنت من تحريك صخرة؛ ولو أن قائدا واحدًا أمر الجبل أن يتحرك فلن يعصي للجماهير أمرًا.
الثورات والتطور والصناعات والحروب والسلام والاتفاقات والتدمير والبناء والتعليم والمشروعات والتحفيز و .... كلها لا تستطيع الجماهير في عالمنا الثالث أن تقوم بها ما لم يقم على رأسها رأسٌ مستقل يحركها ذات اليمين وذات الشمال.
منذ عامين تولى الحُكمَ في أفسد دولة آسيوية رجل غاضب، ثائر، عاشق للعدل، فقرر أن يُغيّر شعبا بأكمله، ويحرك سلوكه نحو النهضة.
رودريجو دوتيرتي فيليبيني في كرامة معجونة بغضب على كل صور الفساد؛ فارس يعرف كلمة السر التي لا تسير بدونها الشعوب في العالم الثالث، فحزم، وحسم، وقرر، وأخاف، وأرهب كل المفسدين من تجار المخدرات .. إلى العصابات، ومن بلطجية الاستيلاء على السكن، إلى شبّيحة أزقة مانيلا.
قال: إذا اختفت حقيبة واحدة في مطار مانيلا فسأقوم بطرد كل العاملين في المطار، وكانت السرقات قد أصبحت ظاهرة مخيفة كما كانت في شركة مصر للطيران إبان عهد المهندس الريان.
ارتعش اللصوص الأرانب، وتوقفت السرقات.
أقسم أن يجعل من الفيليبين واحة أمان، فقرر مئات الآلاف منهم العودة للوطن الأم وشراء عقارات ومساكن وأراضٍ، وانتعشت التجارة، وتوارت مافيا سيارات الأجرة.
رودريجو دوتيرتي من مواليد 1945 ويحمل فوق كتفيه خبرة قرون، وفوقها عشق شديد لبلده، ومعرفة بأن الإدارة في العالم الثالث ليست محبة فقط، إنما قوانين تمر من تحتها قيادة تساوي بين الأغنياء والفقراء، الأصحاء والمرضى، المقيمين والمهاجرين.
موقفي لم يتغير على الرغم من دعاة الديمقراطية السائبة، وهو أن دولة في العالم الثالث لن تنفعها الأديان والقوانين والبرلمانات والقضاء بدون أن يحكمها زعيم عادل، محب لوطنه، مثقف، كاره للفساد.
إن الله لم يبعث أناسا للتغيير، لكنه، جل شأنه بعث أفرادًا، فإذا أصبح الفرد اثنين فسيختلفان: وألقى الألواحَ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وكان الاثنان، موسى وهارون، مبعوثيـّـن برجاء من الأول، عليه السلام، (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ..).
رجل واحد يصبح فارسا، وثلة من الفرسان يمكن يولون الدُبرَ في ذعر وخوف.
رجل واحد يغير دفة السفينة، وعشرة رجال يجعلونها تصطدم بأول صخرة في المياه.
أتحدث عن مجتمع في العالم الثالث يضحك عليه العالم الأول ويطلب منه انتخابات برلمانية بيضاء لامعة كأنها باروكة القضاة البريطانيين، فيسقط الوطن في خدعة ذكاء الجماهير، مع أن العقل الجمعي للجماهير هو الطريق الأسهل للجحيم.
رودريجو دوتيرتي رفع الفيليبين في عامين، وحرّكها للأمام خمسين عاما، وختمها بكلمة السر: الأمان وتخويف الفاسدين!
كل القرارات الجماهيرية والشعبية إذا لم يلتقطها فارس واحد فستنقطع حبالها، والموضوع ليس دعوة للديمقراطية أو للاستبداد؛ إنما للاستنارة برجل حكيم، وفيلسوف، وإداري، وزعيم، وحاسم، ومحصّن ضد الفساد، ولا علاقة له بأي دين أو مذهب أو طائفة، ولكن بوطن واحد.
مليون مقالة في الثقافة والفكر والرواية والجمال والموسيقى والشعر والحرية والحب والأمن لن تغير شعرة في وطن لم يعثر على زعيم أو لم يعثر الزعيم عليه.
التنوير يبدأ من القصر .. وليس من الثكنة أو المسجد أو الكنيسة أو الحزب.
التنوير يبدأ من مهاتير محمد ونيلسون مانديلا ورودريجو دوتيرتي، لكن الجماهير تركت غاندي ومارتن لوثر كينج وباتريس لومومبا يدفعون ثمن ضعفها الحاشد.
كل ضباط الشرطة في المكسيك وكولومبيا وباكستان وكازخستان وألبانيا ونيجيريا لن يحركوا فاسدا أو مهربا من مكانه، فخلفه مئة آخرون، لكن الزعيم الواحد هو وطن موحد!
محمد عبد المجيد
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
طائر الشمال
أوسلو في 22 يوليو 2018


21‏/07‏/2018

رسالة مفتوحة إلىَ رئيسٍ مَيّــتٍ!


رسالة مفتوحة إلىَ رئيسٍ مَيّــتٍ!

السيد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة،
مبروك مقدما للولاية الخامسة وربما الثامنة والعاشرة نكاية في دود الأرض الذي ينتظرك بصبر أيوبي.
أنا أعرف وأنت كذلك تعرف أنك ميتٌ نصفه حياة، ومدفون فوق الأرض على كرسي متحرك، وأن حواسك الخمس تراجعت إلى نقطة الالتقاء بين الثعبان الأقرع وملك الموت، لكن الذين خدعوك لم يتقوا الله في شعب الجزائر العظيم، شعب المليون ونصف المليون فارس الذين أصبحوا شهداء من أجل الجزائر جزائرية، فإذا بعسكرك يتركون لك بعض النبضات ليظن الجزائريون أن روحك لم تصعد بعد.
كنتَ تلميذا لهواري بومدين، المناضل العنيد، وعندما غادر الدنيا ظننا أنك تعلمت منه أصول الحُكم وأنت على قيد الحياة، فإذا بأعداء الشعب يُعلــّــموك أصول الموت على كرسي متحرك تستقبل خيالات زعماء، ولا تستطيع أن تذهب للحمّام بمفردك أو تمسك قلما، أو تحلق شعر ذقنك إلا بمساعدة مساعدي العسكر.
أهانوك، سيدي الرئيس، وكذبوا علينا بحكايات مفبركة عن قدرتك على التفكير والكتابة والتذكر، فإذا أنت تقع سجينا لمرؤسيك، يتحدثون باسمك، ويوقـّـعون على الأوراق بقلمك، ويصدرون أوامر الاعتقال باسم الثورة المباركة.
شعبك، وأنت لا تدري ماذا أقول لك، يستطيع أن يمدّ العالم العربي بأكفأ القيادات والإداريين والعلماء والخبرات والسياسيين دونما حاجة لرُتَب عسكرية أو نياشين أو دبابير، لكن من يحكمون شعبنا العظيم يدوسون على كل القيم والمباديء والأخلاق، ولا يشفقون على صحتك التي لا تنهض بعضو من جسدك خليةٌ واحدة منه، فبعضُ الموتي أكثر حياة منك.
هل تستطيع أن ترفض أو يرفض شعبك أو أهلك أو عائلتك أو بقايا مناضلي ثورة التحرير الاستمرار في هذه اللعبة السخيفة والمؤلمة والحزينة، فتنتقل إلى بيتك قبل أن يقوم حفّار القبور بزيارتك وأنت كريم، لا أن يبتعد عنك وأنت عاجز؟
كل عربي فيه من الجزائر شطر، وكل مناضل يأخذ شهداء الجزائر مثله الأعلى في المقاومة، وإذا عبــّـرنا عن حبنا للجزائر ففي صلابة بومدين، وفي فكر مالك بن نبي، وفي إيمان بن باديس، وفي روح جميلة بوحيرد، وفي كنوز قسنطينة الفكرية، لكننا نقف عاجزين عن إنقاذِ رجل عاجز  إذا هبت نسمة رقيقة اقتلعته من القصر.
سيدي الرئيس،
لماذا فعلوا بك ما لو جاء الاستعمار بقسوته لرفض محاكاة أبناء الشهداء وهو يصمتون صمت الموت على رجل ميّت.
مشهدك أسوأ وأحزن من مشهد محنط في تابوت يحركونه يمينا ويسارًا لتأكيد أن النزع الأخير لم يستأذن مالك المُلك بعد.
ما الذي أصاب الجزائريين فلاذوا بالصمت على أن يكون وليُّ الأمر يحكم أو لا يحكم مع دود الأرض؟
أحب الجزائر حبـَّـا جما، وأراها الأمل في مستقبل مشرق، لكن الفساد فيها أضعاف ما في باكستان ونيجيريا والعراق، وخيراتها في جيوب الزاعمين بالوطنية، ومشاكلها مصطنعة محليا، وفي المقدمة فبركة الاكاذيب مع المغرب ليظل البلدان في ذيل ركب شمال أفريقيا، رغم أن المملكة المغربية قدّمت للجزائر فُرصا عظيمة للقاءات وحدوية، وفتح الحدود، وتحالف بلدين عظيمين، وتعاون صناعي وزراعي وتجاري يزيل كل المصاعب التي عرقلت تطور وتنمية البلدين.
سيدي الرئيس بوتفليقة،
أعاتب الجبناء الذين يشاهدونك في حالة مزرية، ومرضٍ عضالٍ، وموتٍ حيٍّ، وعجزٍ تام، ثم يوافقون رغم أنفهم على جعل أحذية العسكر تحكم فوق رفات مليون ونصف المليون شهيد.
قطعا لن أطلب منك أن لا تترشح للمرة الخامسة فأنت لا تدري ماذا يحدث حولك، وتَرَشُحك إهانة شديدة لشعبنا الجزائري ولتاريخ النضال الطاهر؛ والحُكم باسمك ليس أكثر من ضرب أبناء شعبنا الجزائري العظيم على أقفيتهم أمام قبر الجندي المجهول.
ترشحك للمرة الخامسة إهانة للعقل والوجدان والتاريخ والدين والإيمان، وأعتذر أنك لن تقرأ أو تسمع أو تعقل ما أكتب.
عزائي لشعبنا العظيم في نعي الكرامة، فقد تعلــّـمنا في طفولتنا أن الجزائري يثأر لكرامته وهو في بطن أمه، وانتهينا إلىَ أن الكرامة تبكي حسرة علىَ تفريط الصمت الجزائري في تراب الوطن تحت الحُكم الوطني .
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 21 يوليو 2018

17‏/07‏/2018

لابد أن تتحجبي!

لابـــد أن تـــتـــحـــجـــبـــي!
المهووسون الجدد يتركون كل المشاكل والقضايا والأزمات والمعاصي التي يهتز لها عرش الرحمن، ويمسكون في تلابيب أم الكوارث.. تغطية شعر الرأس!
لا يسألون المرأة غير المحجبة عن أخلاقها، وثقافتها، وتربيتها لأولادها، وصدقها مع النفس، وتسامحها مع الآخرين، ونظافة بيتها، وكرمها مع أهلها، ورعايتها للمسنين في عائلتها، ودفعها الضرائب التي لا تتطور الدولة بدونها، لكن جحيم الأرض وغضب الله وتسونامي السماء ينصب فقط على شعر الرأس الذي هو عنوان الأخلاق.
كل الأشياء الأخرى تهون: الكتاب، رعاية الطفل، إتقان العمل، عدم التمارض للغياب، الامتناع عن اللغو في الحديث، أما شعر الرأس فهو مشكلة المشاكل، فإذا غطت شعرها أصبحت مسلمة راضية مرضية ولو كانت تأكل السُحت، وتشرب الكذب، وتتنفس جهلا، وتنبعث منها روائح عرق كريهة لا ترى أهمية في التخلص منها.
أعيد التذكير بأطوار بهجت الإعلامية العراقية التي ثقب الأوغاد رأسها بالشنيور، وتم نشر صورة المسكينة، لكن وغداً حقيرا ينتسب إلى الحشرات أرسل للصحيفة محتجــًــا على نشر صورة الإعلامية لأن ( شعر رأسها قد ظهر مما يخالف شرع الله)، أما رأسها المثقوبة، والغدر بها كفتاة مراسلة إعلامية تنقل ما يحدث في وطنها، فهذا لا يهم في قليل أو كثير، فالكون كله قائم على شعر الرأس.
ما هذا السُخف والبلاهة والانحطاط؟
إن حصر خاتمة الرسالات السماوية في هذا المطلب فهو ليس أكثر من دماغ يتشرب على مياه بالوعة للصرف الصحي.
سيقول متخلف لي: هل أنت مع الحجاب أم ضد تغطية شعر الرأس؟
ولو رددت فسأكون أكثر تخلفا منه، فكلنا عشنا ورأينا أمهاتنا وجداتنا وخالاتنا وعماتنا وجاراتنا بالشعر مغطىَ أو سافراً، البعض منهن تغطي نصفه أو ثلثه، والبعض الآخر تتركه منسدلا أو تحجب كل شعرة فيه.
من المسؤول عن انحطاطنا، وإدخال الإسلام في ثقب الإبرة، وفصل السلوك عن الدين؟
من المسؤول عن جعل المرأة المسلمة منشغلة بالعفاريت والزار وشيخ الطريقة وحق الزوج في الزواج عليها واستئذان أباطرة الفتاوى في تعليمها كل شيء عن جسدها، رغم أن الشيخ المسلم والمفتي الملتحي آخر من يحق له أن ينصح المرأة.

الطريق إلى الضلال يبدأ من تصغير وتقزيم وتحجيم الإسلام، وجعل خاتمة الرسالات السماوية محصورة في تغطية شعر المرأة
أسفل صور الانحطاط الذهني تلك التي تُصور إلــَــه الكون تاركا السماوات والأرض ومليارات الخلق ومنشغلا، عز وجل، بآراء الحويني وعمرو خالد ومحمد حسان ومحمود المصري وآيات عرابي وأبي يعقوب وأبي إسلام وياسر برهامي، فهم المتحدثون السماويون باسم الإسلام بعد أربعة عشر قرنا.

الإسلام بدأ منذ أربعين عاما، ونساء ما قبل تغطية شعر الرأس سيُقذَفن من شعورهن إلى نار جهنم.
لماذا يحاول هؤلاء الأوغاد تقزيم وتصغير وتحجيم الأكبر الذي ليس كمثله شيء؟
كيف اقتنع الرجل وتبعته المرأة أن الله يراقب من سدرة المنتهي كل خصلة شعر، فيغضب، لكنه، سبحانه لا يكترث للجهل والظلم والأمية والهزائم والتعذيب والسجون والمعتقلات والتزوير والغش والكذب والاغتصاب والطائفية والدعوشة والقذارة والجُبن والمذلة والخنوع؟
كيف ضحك متخلفون، أنصاف أميين، أرباع حشاشين، على أمة محمد، صلوات الله وسلامه عليه، وأقنعوها في أقل من نصف قرن بالإسلام البرهامي الجديد؟

لهذا تحجبت مسلمات مصر كلهن، تقريبا، في وقت قياسي فالمسلمة اكتشفت فجأة موطن الإغراء أو بلاء الحرام، ولكن لأن الكل يمسك للكل كرباج الحجاب؛ وغير المحجبة متهمة؛ حتى لو كانت من شركاء الوطن القبطيات!
كل مسلم مصري الآن، من رئيس الدولة إلى مهرب المخدرات والمدرس الخصوصي ومغتصب الأطفال يُشهد الله أن خصلة شعر واحدة في رأس حريمه لا تظهر، لذلك يضمن الجنة واثنتين وسبعين حورية غير محجبات يغرق في أحضانهن لملايين السنوات وهو في حالة انتصاب كامل!
إنني غاضب .. غاضب .. غاضب بقدر ما يفرح نتنياهو وعمرو خالد ودار الإفتاء ووجدي إبليس غنيم، فالمسلمون تسلحوا بتغطية شعر نسائهم، ويستطيع المسلم أن يقضي ما بقي من عُمره منافحا، ومدافعا، ومقاوما، وواهبا حياته للموت من أجل الإسلام الجديد الذي لا يشاهد الشيطان فيه خصلة واحدة من شعر امرأة عجوز صلعاء.
ستنشق الأرض ويظهر علماء أجلاء وجهلة، مثقفون وأميون، دعاة وحشاشون، عقلاء ومجانين يأتون لي بعشرات الأدلة أن شعر رأس المرأة عورة يهتز لسفورها الكون كله.
ماذا حدث للعقل المسلم؟
ما الذي تخفيه جمجمة المسلم العصري؟

هل صحيح أن شعر رأس المرأة لو ظهرت منه، في عصر محمد حسان، خصلة واحدة فسيشعر المسلم العفيف بلذة الشبق، وتقتله الرغبة الجنسية، ويغتصب أي أنثى يرىَ شعيرات ولو بيضاء من رأسها؟
لماذا لا ينتحر المسلمون ويأتي الله بقوم يحبونه ويحبهم، يُكبّرونه ويعظــّـمونه ويفهمون روح الكون وعبقرية الرسالة السماوية؟
الآن لم يكتف مهينو المرأة بالحجاب الخفيف، ولكن جعلوه حجابا مزدوجا في قيظ الصيف، للصغيرة والعجوز، ليتضاعف رضا الله، والمسلمة الحمقاء تظن أن خاتمة الرسالات السماوية جاءت لحماية الرجل المهووس من خصلات شعر المرأة إذا ظهرت ، وهُزمت الأمة، واحتلتنا إسرائيل، وغــّــيـّـر النيل مجراه الذي حفرَ!
كتبت في نصف القرن المنصرم آلاف المقالات، وكان المسلم يرُدّ عليها أو يُعقب على استحياء وبرعشة خوف تؤكد أن طرف السلسلة التي تطوق رقبتها يمسكه الحاكم.. سيد القصر، فإذا اقتربتُ من شعر المرأة هجموا من أركان الدنيا ينافحون عن أم الفضائل، ويشككون في إيماني بالإسلام.
شباب هجروا الكتاب والعلوم الإنسانية والفكر الفلسفي والمنطق السليم ومليارات المعلومات النتية، وجمعوا كيدهم لمحاربة من يقترب من قداسة تغطية شعر رأس المرأة.
شباب تتلمذوا، وتربوا أمام الشاشات الصغيرة، واكتفوا برؤوس موضوعات وسطرين من كل مقال ليقتحموا ساحة الوغىَ من أجل تغطية شعر رأس امرأة عجوز أو طفلة بريئة.
شباب يقضي سهراته ما بين مخدرات وبطالة وتسكع وهجرة للكتاب؛ ويغوص في عالم التفاهات، وينتظر أعداء الله، كما يظن، الذين يتجرأون على شعر رأس المرأة.
شباب لا يرفع أحدهم إصبعه احتجاجا على ظُلم زميل، وتعذيب جار، ومحاكمة مفكر، لكنه يهب عُمره لينضم للمدافعين عن عدم وجود بلهارسيا في مياه النيل.
سيقولون: هذا مقال طويل.. يسرق وقت الفرفشة والتلفزيون والمقهى والصحبة وصلاة التراويح.
شباب لم يتعلم أن المسلمين والأقباط عنصر واحد، وينصت بشغف لمهووس متخلف يرى ضرورة عدم تهنئة شركاء وطنه في أعيادهم لأنها وثنية، وتظل الأولوية لتغطية شعر رأس المرأة و.. الاحتلام في الفراش بعد تخيل اثنتين وسبعين من الحور العين في أحضان محروم بحالة انتصاب أبدي!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

16‏/07‏/2018

بل هم فرنسيون رغم أنفنا!

بل هم فرنسيون رغم أنفنا!
كل لاعب من هؤلاء لم يكن ليحقق نصرًا أو نصْف نصر لو كان قد ظل مع فريق بلده الأم.
اختاروا هويتهم الجديدة بفضل أقدامهم الساحرة، ومهاراتهم الكروية واستقروا في بلد احتضنهم رغم تاريخ مؤلم من الاستعمار، تماما كالأدباء والروائيين والعلماء القادمين برغبتهم للبدء بحياة عائلية كريمة.
لو أن كل واحد منهم قرأ كتاب مارك فيرو ( الاستعمار .. الكتاب الأسود) فربما ولوا الأدبار من الملعب إلى مجاهل أفريقيا قبل تسلم كأس العالم، لكنهم مواطنون فرنسيون أحرار ببشرة سمراء لم يتم اختطافهم من المغرب ومالي والكونغو والجزائر وموريتانيا والسنغال والكاميرون.

نفس الأمر ينسحب على أبناء محمد صلاح بعد عشرين عاما، فالنجاح الذي يحصده أبناء المهاجرين يفرح به الوطنان: الوطن الأم و.. البلد المضيف.
تاريخ الاستعمار تخجل منه الإنسانية، فثلث سكان ليبيريا تم اختطافهم من قبل قراصنة إلى العالم الحُرّ .. أمريكا، والكونغو كانت ملكية خاصة لملك بلجيكا، ومعركة الجزائر في الهوية لن تنتهي قبل قرنين، لكن هذا لا يمنع أن نضرب صفحا من النسيان المتعمد لئلا نصاب بالجنون، فكل الدول التي اشتركت في أولمبياد بوتين لو أخذت ماضيها وحدودها معها إلى روسيا لتكررت مذبحة المماليك.
لا تمنّوا على فرنسا لأن لاعبيها سمرُ الوجوه عليها أشْعُر سودُ؛ ولو كانت هناك منافسات العلماء والإداريين والبيولوجيين والأطباء والمهندسين واللغويين والمسرحيين و .. فلن يكونوا كلهم من أصول أفريقية.

لو أن مُنـَـظمي كأس العالم من السياسيين ورجال الدين والعسكر لانفجرت الملاعب قبل أول ضربة جزاء يوجهها أبيض لأسود، أو أصفر لقوقازي، أو بلجيكي فرنسي لبلجيكي هولندي!
الملاعب الخضراء فتحت صفحة جديدة لمحو ما تيسر من العنصرية البغيضة، ولكن لا تسرقوا فرحة فرنسا بأبنائها ( المؤقتين ) بحجة أنهم ينتمون إلى العالم الثالث والمتخلف والذي يجتر ذكريات الاستعمار.
لا أخفف من لعنة الاستعمار، إنما أنا أضاعف من دفءِ أحضان الوطن الجديد فلا تساهموا في تمزيق حياة المهاجر وأسرته وأولاده لـتـُـلبسوه عنوة هوية هجرها، لكنه احتفظ بذكرياتها في صدره وبشرته إلى حين، فإذا هاجمته العنصرية فقد يستعين بالوطن الأم المهاجر منه.

الفريق الفرنسي الذي حقق النصر الكروي قدّمته فرنسا باسمها، فقدّمها باسمه؛ أعطته علـَـمَها ليرفعه، فرفعه ومعه فرنسا.
الفريق الفرنسي كان ذا لونين: الأسمر الظاهر والأبيض في أذهان محبيه من أصول وطنه المضيف، فإذا توقفنا عن تمزيقه بذكريات عن العنصرية أصبح اللونان لونا واحد مكتوبا في الصدر، يتوارثه جيل وراء جيل دون أن يشيروا إليه.
طوال حياتي وأنا أبغض العنصرية والاستعمار، لكن حبي للعدل يدفعني لطيّ صفحات التاريخ في الملاعب، والحديث عنه في مكتبتي أو إذا تعرضتُ لعنصرية قبيحة وصريحة.

دعوهم يفرنسوا أفريقيا لبعض الوقت فالكأس الذهبي ذهب به عاشقو الساحرة المستديرة إلى عاصمة النور؛ من يدري فقد يرىَ الفرنسيون الأصفر أسودً، وقد تكون ملاعب روسيا بداية فخر آباء سُمرٍ لم يولد أبناؤهم بعد.
مبروك لفرنسا المتسامحة رغم أنف ذكرياتي المُرّة عن العنصرية.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 16 يوليو 2018

13‏/07‏/2018

صديقي القبطي؛ ألم يأن الوقت أن تتحرر؟


صديقي القبطي؛ ألم يأن الوقت أن تتحرر؟

قضيتُ ثلثي سنوات عُمرى أدافع عن هموم وحقوق أقباطنا، ومع ذلك فيُصر البعض أنني من نسل العرب والمسلمين الغزاة الذين احتلوا مصر منذ ألف عام، ولسان حاله يكاد يقول: عليك أن تنبش قبور آبائك وأجدادك لمئات الاعوام الماضية، وتلقي بها خارج مصر الممهورة بتوقيع سماوي كملكية خاصة للأقباط فقط.
يريد مناقشتي والحوار معي ليثبت أنني غازٍ ومحتل، وينزع عني مصريتي وذكرياتي وإسلامي، وماذا سيتبقى له؟
التاريخ إذا وقع على لسان الجاهل والطائفي فسيتحول إلى ساحة دم داخل جمجمة، فإذا خرج منها فيصبح على هيئة حروب أهلية وأكاذيب تاريخية وعبث أنصاف أميين.
عندما كنت أنشر مقالات تعاطف ومساندة ودعم لأحبابنا الأقباط في موقع ( منتدى أقباط الولايات المتحدة )، وتلقيت من الشتائم ما يعف عنها وجدي غنيم وآيات عرابي وأبو إسلام، وطالبني البعض أن أتوقف عن عرض حقوق شركاء الوطن الأقباط قبل أن أرتد عن الإسلام وألقي برأسي على صدر المسيح، ولم يسعفهم ذكاؤهم المهتريء لاكتشاف أن محبتي للمسيح لا تقل ذرة واحدة عن محبتي لمحمد بن عبد الله، عليهما السلام.
لم يفهم كثير من الأقباط أن معركتنا ضد قوى الباطل والعنصرية وتمزيق حقائق التاريخ هي التحام جيشين وليست صراع قوتين!
ماذا سيستفيد صديقي إذا وقفت امامه مرتعشا، ثم جلست على كرسي الاعتراف قائلا أنني ابن الغزاة العرب والمسلمين، وهو من نسل نقي سقط من بطن أمه حاملا الصليب وفي عروقه دم خالص لم يختلط بدماء نجسة كدمائي!
هل سمعتم عن الجنس النقي بعد آلاف السنين؟
هل تعرفون شعوبا كان أصلها ملائكة يمشون في الأرض مطمئنين، ثم أصبحوا السكان المشتركين مع غيرهم في وطن واحد؟
تتفتح كل مسامات جسدي، وتتراكم معلوماتي وقراءاتي، وتأتيني ذكرياتي الجميلة مع أقباطنا، ويتحول جرس الكنيسة في أذنيّ إلى شبه آذان ينطلق تارة من مأذنة وتارة أخرى من كنيسة العذراء، فيزداد تمسكي بالإسلام الحنيف كلما وقفت في خط الدفاع الأول عن أقباطنا ومسيحيتهم وحقوقهم، ثم فجأة يأتي أناس خرجوا من رحم برامج فضائية طائفية وكتابات جاهلين وجاهليين رضعوا من نهد وفاء سلطان وتكونت في أدمغتهم خيالات وخزعبلات رشيد  وموريس صادق ومجدي خليل وزكريا بطرس، فيدفعون بي خارج المحبة والشراكة الوطنية، ويقضون لياليهم السوداء في محاولات إثبات والصاق كل الموبقات والسلبيات بنبي الإسلام صلوات الله وسلامه عليه.
معركة فرضها الجهل، وغير متكافئة لأنني مقيّد كمسلم بحب المسيح، وهم يرتعون ويمرحون ويصوّبون رماحهم المسمومة بخرافات لصدور وآذان محبيهم من المسلمين.
يتحدثون العربية، ويتعلمون بها، ويقرأونها، ويحفظون الكتاب المقدس بها، ويتلون المزامير بلغة الضاد، ولا يعرفون نشيد الإنشاء إلا بالعربية، ويقفون أمام الله في الكنيسة يبثون أوجاعهم ومظالمهم بلغة يقولون بعدها بأنها مفروضة عليهم من المحتل العربي والإسلامي.
ما أخطر الجهل والثقافة الضحلة المعجونة بالكراهية على العلاقات الإنسانية!
أنا أملك الشجاعة لأتحدث عن عفن دعاة مسلمين كُثْرٍ، وأكره متخلفيهم أكثر مما يفعل أصحاب الأديان الأخرى، وأراني في نفس مستوى وجبهة شركاء وطني، وعلى استعداد لأن أقضي ما بقي لي من عُمر قليل أنافح عن أقباطنا، لكنني لا أمسّ المسيح بن مريم، عليهما السلام، بكلمة سوء!
لا أدخل معارك دون كيخوت مع أنصاف الأميين وأرباع الحاقدين، ولا أطعن ولا أحب أن أُطعَن.
سيأتون لي بآلاف الأصوات والكتابات الصدئة والآسنة من أقلام وألسنة مسلمين فقستهم أفكار داعش قبل أن تولد بعشرات الأعوام، وأنا على استعداد أن آتي بأكثر منها من موريسيين ورشيديين وبطرسيين وفيسبوكيين غمسوا ألسنتهم في مخاط الشيطان وطعنوا في دين شركاء وطنهم.
لا أجادل في الدين، ولا أناقش فروقات بين حقائق وأكاذيب باسم الدين، لكنني أرى دعوة المسيح إسلامية، ودعوة محمد مسيحية، عليهما السلام، ومع ذلك فلا أعثر إلا على قليل ممن يفهم.
لو قرأتهم التاريخ الإسلامي والمسيحي واليهودي لجاء كل واحد منا يركع أمام زميله في الإنسانية.
كان صديقي في أوسلو لأكثر من ثلاثين عاما، ونتحادث في كل شيء، ويعرف أنني خط الحماية الأول عن دينه وكنيسته وحقوقه.
ثم فجأة أصيب بلوثة الفضائيات النتنة، وفي آخر لقاء قال لي بأن نبي الإسلام كان يمارس الفحشاء مع النساء الموتىَ. قلت له: هل تعرف أحدا يدافع عن حقوق الأقباط أكثر من هذين الاسمين: البابا شنودة ومحمد عبد المجيد؟ نظر إليَّ بخجلٍ مصطنعٍ ولم يجد جوابا، وقطعتُ علاقتي به !
وماذا لو أنني قلت لصديقي القبطي بأنني من نسل الاحتلال، كما كل سكان امريكا اللاتينية من صُلب الاحتلالين الإسباني والبرتغالي، فهل المطلوب مني نتيجة نقاش لغير المتخصصين أن أحمل عصاي وأطلب من آبائي وأجدادي لألف عام أن يخرجوا من القبور ويدفنوا أنفسهم في الحجاز؟
هل القبطي أو المسلم أو اليهودي أو الفارسي أو العثماني أو ... من نسل خالص ونقي؟
قل، يا صديقي، ما لديك لنفسك، احتلال عربي أو غزو أو فتح، واحتفظ به في صدرك، وابتسم لي، رغم أنفك، فأنا صديقك وجارك وشريك وطنك، ورفضي النقاش الديني هو قوة وليست ضعفا، فأنا درست مقارنة الأديان، وكدت انتهي من وضع كتاب فيها منذ نصف قرن، لكن الله هداني للإنسانية والمحبة والتسامح، عن قوة ومعلومات ومعرفة بالتاريخ والكتب المقدسة، لهذا أرفض الجدال والحوار الديني وتجزئة التاريخ.
لقد آن الوقت الذي يعود فيه أحبابنا .. أقباطنا إلى أحضان المسيح، عليه السلام، فقائمة الحساب عن تجاوزات وأخطاء وجرائم ومذابح أصحاب كل الأديان الأرضية والسماوية ستجعلنا نمرّغ وجوهنا في التراب خجلا وحياءً.
لا تظنن من يرفض الردّ ضعيفا، ولكن في عالم النت والفضائيات تظل القوة الظاهرة لأصحاب الألسنة الحِداد، ومن يشتم يظن أنها الضربة القاضية لخصمه.
نحن نصنع عداوات من فراغ، وننتقي من سلوكيات أوغاد وأقذار ومتطرفي ومتعصبي ومتشددي وجهلة كل دين ما يناسب معاركنا الوهمية.
صديقي القبطي،
أنا أقرب إليك من كل المبشرين والدعاة المسيحيين، فأكثرهم يوسوس إليهم الشيطان؛ أما أنا فعن يميني محمد وعن يساري المسيح، عليهما السلام: فكيف لك أن تشرب نخب الانتصار؟
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 13 يوليو 2018




01‏/07‏/2018

فتاوى العلماء والفقهاء ليست ملزمة للمسلمين!


فتاوى العلماء والفقهاء ليست ملزمة للمسلمين!


العالــَم الغريب للفتاوى يسحر المسلم، ففيه خليط من تجارة رابحة، وقداسة مصطنعة، وتواكل على الغير، وتعامل جدي من منطلق استدعاء نصوص دينية للتعامل مع تفاصيل أدق الأمور الحياتية.
ومسلم العصر الحديث يستفتي في كل شيء، فهو يسأل إن كان تطهير الأذُن يبطل الصيام أم ل، وهل يحق للمسلم أن يرسل أموالا لشقيقه المقيم في بلاد الكفار، ورجل يقيم مع والدته بمفردهما؛ فهل يحق له العودة متأخرا وهي نائمة، ومسلم يسأل إن كان تصليح الأجهزة الكهربائية حراما أم حلالا، وآخر يريد أن يعرف إن كان المسلم يتعرض لأمراض نفسية كما يتعرض لها الكافرون أم لا؟
وتجارة الفتوى أصبحت أكثر انتشارا من المخدرات على الرغم من أنها أعمق تأثيرا وتخديرا وتغييبا من البانجو الصومالي، والقات اليمني، والحشيش التركي، والهيروين الأفغاني، وتظاهرات الفاتح من سبتمبر الليبية!


عشرات الآلاف من الفتاوى دخلت نسيج الأمة، واختلطت بأفكار وأحلام وكوابيس المسلم, فكبلته، وقيدته، وغيبته عن الوعي، وعادت به إلى القرن الثالث الهجري، ونزعته عنوة من زمنه ليعيش ميتـًـا في زمن آخر لا يعرف عنه شيئا!

حــِجـْـر كامل على العقل، ومنع تام لاستخدامه، وتخدير للعواطف، وقتل عمد لمشاعر سامية ونبيلة كانت تعبر عن تناغم وانسجام المسلم مع عصره.
وكلما خرجت من المطابع صحيفة أو مجلة، فتحت نافذة صغيرة أو كبيرة يطل عليها المعاقون ذهنيا من الأميين ثقافيا لطرح أسئلة مهينة لكرامة البشر، وكأن صاحبها يبصق على العقل والمنطق والحكمة والفكر الخلاق والإبداع والحرية، وسيجد فقيها أو عالما أو ملتحيا أو جلبابيا يتبرع بالردّ الأحمق على السؤال المتخلف.
مسلم يسأل عن رأي الإسلام في قرض الأظافر، وثان يريد أن يعرف رأي الإسلام في أنه استقبل مسيحيا في غرفته عندما كان مريضا؛ وجلس صديقه المسيحي على طرف الفراش، فهل أصبح الفراش نجسا؟

ومسلم يجبر زوجته أن لا تخلع النقابَ في الحمّام لئلا يشاهدها عفريت من الجن، وآخر في حيرة من أمر الطلاق عن طريق البريد الالكتروني.
قابلت مسلمة رفضت أن يشاهد والدها نشرة أخبار التلفزيون لأن فيها صورا متحركة، وأخرى تقول بأنها لا تذهب لصيدلي غير مسلم حتى لو مات ابنُها الصغير بسبب نقص الدواء!
الفتاوى الفجة والعفنة والغبية الخارجة من عقل أكثر سوادا وظلمة وظلاما هي جريمة مكتملة الأركان، وتجريد خليفة الله في الأرض من عقله، واستهانة بكرامة الإنسان، واستخفاف بمقدراته، واستعباد طوعي يستعذب به المسلم لذة السوط على ظهره وقفاه.
مسلم يستفتي أحدهم في طاعة أوامر الجن عندما يطلبون منه مجامعة زوجته، وآخر لا يعرف أن الله، العلي القدير، غفور رحيم فيسأل عن كيفية معرفة عدد الركعات التي فاتته عندما كان صغيرا في العمر، ومسلمة تظن أن بجوار فراشها عفريتا من الجن يجامعها دون أن يعرف زوجُها.

ويزداد مزاد أعفن تجارة صنعها التخلف والفساد والأمية، لكن المسلم يصر على مزيد من القيود، ويطالب أباطرة الفتوى بمنع الهواء النقي عنه، وحجب الحرية، واغتيال الجَمال، وتسويد كل الألوان.
سيقول قائل بأن هناك عشرات الآلاف الأخرى من الفتاوى الضرورية لحياة الانسان فهل تستقيم أمور وشؤون المسلم دون أن يلتزم بفتوىَ عالم أو فقيه أو شيخ، مع العلم بأن أكثر المهن والوظائف استغناء عن العلوم والآداب والفلسفة والمعرفة والمنطق والموضوعية هي علوم الفتوى في العصر الحديث؟.
ويمكن لأي جلبابي ملتح أن يطل على آلاف القراء في أي مطبوعة بصفحتين ملونتين:( أنت تسأل؛ ونحن نجيب) وكأنه بائع سميط على شاطيء البحر، أو صاحب بسطة من الأعشاب الملوثة بالأمراض يضعها على قارعة الطريق، ويدغدغ بها المرضى والملوثة عقولهم فيصف لهم الدواء الشافي في العلاج الكافي!

ثم من قال بأن هناك فتوىَ مُلزمة في الإسلام؟
نعم إن هناك آراء متعددة ومختلفة المشارب والاتجاهات، ومتنوعة الأهداف والمصالح، لكن القول بأن مفتي الأمة أو مفتي الديار أو المفتي العام أو شيخ أي هيئة أو تجمع اسلامي قد أفتى ولذا وجب على المسلم أن يطيع دون قيد أو شرط هو هراء وخرافات وعبث بالدين وجهل بالاسلام الحنيف.
في الاسلام أعلى درجات الوعي، وأعمق الدعوات إلى إعمال العقل، ومن منهجه يخرج التمرد، وتشتعل الثورات، ويتولد الرفض، وتترعرع الحرية، وتعلو قيمة الاختيار دون أن تكون هناك سطوة دينية أو مقدسة تقيّد تلك القيمة السامية من الحرية.
والفتوى في معظم الأحوال عمل سياسي يرتدي ملابس القداسة، ويبرر وضعا غير طبيعي، ويستمد قوته من صُلب السلطة، وهو لا يتناقض معها إلا قليلا، ويستخدم أساليب الردع والتهويل والترغيب والترهيب من أجل إضفاء قوة وهالة على الفتوى.
ومصطفى شكري روع وقتل باسم فتاوى إسلامية، والدكتور فرج فودة استُشهد بعد فتوى، ومكرم محمد أحمد ونجيب محفوظ وغيرهما تعرضوا لمحاولات اغتيال باسم الفتوى الدينية.
وأسامة بن لادن يصدر فتاويه الإجرامية من فوق بركان من الكراهية وعمليات سفك الدماء في أكثر الدول العربية والاسلامية خارجة من رحم الفتاوى الحمراء.

الفتوى ليست من الاسلام في شيء، وعندما قال رب العزة، جلــّـتْ قدرته: ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون  ) لم يكن المقصود هنا الالتزام بفتوى، لكن الارتفاع بجدية الحوار والنقاش والمعرفة، والتعرف والتعلم من أهل العلم.
ولكن تظل للمسلم حرية الاختيار القصوى في غير ثوابت العقيدة، لذا قال نبي الاسلام، صلوات الله وسلامه عليه: واستفت قلبك؛ وإنْ أفتوك..  وأفتوك..  وأفتوك.
الفتوى ليست فقط ردًّا وتفسيرا وتوجيها من عالم أو فقيه، لكن الشق الأخطر منها هو السؤال في حد ذاته، ومن هنا بدأ انحدارُ الأمة، وتكالب عليها كل من هبَّ ودب؛ فقد توهم المسلمون أن كل شاردة وواردة وحركة وخطوة ولمسة وهمسة تحتاج إلى فتوى ملزمة، وكانت النتيجة أن نوعا من الاسترقاق الفقهي عم العالم الاسلامي برمته، وكلما انفتحت نافذة يطل منها المسلم على الخير والجمال والحرية والاختيار، أغلقتها فتوى نتيجة سؤال أحمق ومتخلف يطرحه أبله معتوه كان من المفترض أنْ يمر على طبيب أمراض نفسية وعصبية للكشف عليه قبل طرح سؤاله.
طالب جامعي يسأل: هل حرام في الاسلام أن يختار الطالب في استمارة الجامعة ما يوافق رغباته أم أن عليه صلاة الاستخارة ثم يترك الخيارَ لله عز وجل؟
في الثاني من يونيو عام اثنين وثمانين تسلمت سفارة مصر في أوسلو رسالة من دار الافتاء بالقاهرة عن صيام شهر رمضان المبارك في بلاد شمس منتصف الليل. كانت الفتوى مستنيرة وعقلانية وملخصها بأنه يحق لمسلمي النرويج الصيام ست عشرة ساعة في المواعيد المتقاربة من العالم الاسلامي، بحُكم أن النهار يطول لأكثر من عشرين ساعة في الصيف في العاصمة، لكنه يظل أسابيع طويلة في الشمال، فلا يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ولا يمكن لمسلم أن يتم الصيام إلى الليل وإلا فسيسقط ميتا قبل اليوم الثامن من الضوء المتواصل؛ مع افتراض أن شهر رمضان توافق مع شهر يونيو. فإذا جاء معه ديسمبر أو يناير فإن الليل في الشمال يمتد لأسابيع طويلة وكأن الفريضة تسقط إن لم يتدارك العقل المستنير الأمر كله.

وقعت الفتوى علينا برداً وسلامـًـا، لكن الاعتراضات جاءتها من كل مكان في النرويج، وغضب صديق لي لأن دار الإفتاء تحاول تسهيل الصوم، وصاحبي يؤمن بأن المشقة هي الطريق إلى الجنة حتى أنه شكك في أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما خُيّر بين أمرين إلا أختار أيسرهما!
والتزمتُ بالفتوى رغم الثورة الهائجة، وجاءني أحدهم بإنذار أنَّ المسلمين يتربصون بي، وأن قتلي أصبح حتميـًـا لأنني قمت بإعادة طبع الفتوى وتوزيعها وهي، على حد قولهم، تُسقط فريضة الصوم.
الآن اختفت الفتوى لأنها ميسرة، وعاد المسلمون إلى الاختيار الشاق في الصيف أو الأقرب إلى رُبع صيام إن توافق شهر رمضان مع فصل الشتاء.
لكن عالــَــم الفتاوى له الآن أباطرته وتُجاره، وكل من يستطيع أن يقرأ كتابا عن الأعشاب أو وصف الحور العين في الجنة أو عن عذاب القبر، ويطلق لحيته الطالبانية يستطيع أن يصبح نجما فضائياً.
عشرات الآلاف من الأسئلة الحمقاء والفتاوى البلهاء عن عذاب القبر تصيب المسلم العفيف بالغثيان، وكلها تناهض وتعارض وتتحدى كلمة الفصل في كتاب الله العزيز (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه؛ ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا).
ماذا يريد المسلمون من رب العزة أكثر وضوحا وجلاء ومباشرة من هذه الآية الكريمة؟
كيف يظن المسلم أن هناك حسابا قبل الحساب، وأن عذاب القبر قد يمتد لمئات الآلاف من السنين قبل يوم الحشر، ثم يبدأ حساب الآخرة؟
أهو هزل أم سخرية أو تهكم من الدين أم تطاول وقح على عدالة السماء؟
ماذا سيفعل الثعبان الأقرع في القبر أو في جوف سمك القرش أو في حمم بركان ليلسع الكافر، أو يدس نابه السام في عظامه أو بقاياها؟

ماذا حدث للمسلمين؟
كانت هناك صحيفة اسمها ( المسلمون ) تصدر بالمملكة العربية السعودية، وتتبنى كل الفتاوى الفجة والساقطة، وقد كتبنا عنها مرارا وتكرارا، وتفضلت السلطات السعودية بايقافها بعد أن ضاقت على المسلمين كل سبل الحياة بسبب الفتاوى الخانقة والمقيدة والمكبلة للسائل والقاريء معا.
الفتاوى هي بداية الطريق لصناعة الأمة المستعبـَـدة، وإنهاء حرية الاختيار، وتسميم العقل، إنْ كان لا يزال موجودا، وهي رأس الإرهاب، وقمة الاسترقاق باسم الدين.
ليس في الإسلام فتوى مُلزمة ولو أصدرها شيخ الأزهر أو مفتي الديار المصرية أو السعودية أو المغربية أو الباكستانية أو حتى جمعية الدعوة الإسلامية بطرابلس الغرب ( مع افتراض أن القذافي لم يرهن أصولها المادية لدفع تعويضات ضحايا الفاتح العظيم ).
هناك رأي يحترم العقل والاختيار والحرية والمنطق وأصول العلوم؛ فإذا وافقها فهو من الإسلام، وإذا خالفها فينبغي أن يتصدى له المسلم أو يعارضه أو ينتقده أو يفنده.
عبقرية الإسلام في حرية الاختيار، وفي رفع القداسة عن الفقهاء والعلماء والسلاطين، لكن الدعوة إلى الاحترام والتقدير من صلب العقيدة الاسلامية.

هل يستطيع أي مفتي في العالم الاسلامي أن يصدر فتوى مُلزمة بحرمة الاعتقال العشوائي، والتعذيب في السجون، وتزوير الانتخابات، وقانون الطواريء، والمحاكم العسكرية، وتوريث السلطة للابن رغم رفض الشعب، والمساواة الكاملة بين المواطنين رغم اختلافاتهم العقيدية والمذهبية؟
سقوط امبراطورية الفتوى سيفك قيود المسلمين ويحررهم ويعيد للعقل احترامه وبهاءَه وتقديره، ويجب أن نستبدل بكلمة الفتوي ( الرأي الفقهي)، وننزع القداسة عنه ويظل الاحترامُ توقيرا لكل علمائنا الأجلاء.
أيها المسلمون: تمردوا، وانتفضوا، واعترضوا، وارفضوا، فهذا هو الطريق الوحيد لفهم طبيعة الإسلام.
والبداية تبدأ من الثورة على العالم السفلي للفتاوى الفج  والساقطة والمتخلف!.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 4 سبتمبر 2004

 

 

30‏/06‏/2018

أنا والخليج .. الحبُ المُحرَّم!

أنا والخليج .. الحبُ المُحرَّم!
( مقال مُعــَــدَّل )

المُفترض أن تكون بيني وبين الخليج العربي مسافة زمنية وفكرية أضعاف المسافة المكانية، فأنا أعيش في النرويج منذ أكثر من أربعين عاما فضلا عن أربع سنوات في سويسرا، وهذا يمنح المغترب والمهاجر مشاعر فوقية تُحَلـّـق فوق السحاب فيطير.
أكثر المهاجرين في الغرب مسّهم عفريت من الطاووسية حتى لو كانوا يتنفسون برئة مكاتب الضمان الاجتماعي، ويستمتعون بكسل البطالة حيث الدولة هي الأم والأب.
وامتدت مشاعر الغرور إلى الدبلوماسيين الذين حققت لهم الإقامة هنا الدفءَ الابيض مع تساقط الجليد، فاتسعت المسافة رغم تمثيلهم في العالم الأول لهموم العالم الثالث.
الغريب أن نفس مشاعر الاستعلاء تلك يزفر رائحتَها العنصرية أشقاءٌ وأصدقاءٌ وشعوبٌ اختلط بياضها مع سوادها، وأفريقيتها مع آسيويتها فنظروا إلى الخليج ليروه بئر نفط انفجر مصادفة من تحت أقدام قوم أعلمهم أقل شأنا من أجهل المشرقيين، فوصفهم نزار قباني قائلا: والعالم العربي يخزن نفطه في خصيتيه وربك الوهاب!
وتجربتي كانت عكس القبانيين تماما، وأبعد من الأوصاف القبيحة التي كان يوزعها مظفر النواب على الدشداشة والعقال والسبحة، فأنا منذ عام 1982 وقعت في حب الخليج بكل سلبياته ونقائصه وحقوق الوافدين المفزعة لرجل عاش ثلثي عُمره ينهل من الحقوق في الدول الإسكندنافية، على الرغم من تجارب قليلة ومخيفة في العنصرية، لكنها صفرٌ مكعب مقارنة بعالمنا الثالث.
لم أنظر إلى الخليج كما فعل حامد سليمان في كتابه العنصري( مهانة المصري في الخليج) والتي بلغ الكبر فيه طول الجبال؛ فبدا كأنه قادم من السماء السابعة المصرية لزيارة الناس في الأرض السابعة الكويتية.
لم يحرّك الثراء الخليجي في نفسي إلا بهجة لقوم عانوا من شظف العيش مئات السنين تحت شمس حارقة وفوق أرض غير ذي زرع، فجاءتهم نعمة الله ولم يبخلوا على الآخرين بها، فانتصبت مشاريع ومدارس ومستشفيات ودور عبادة في العالمين العربي والإسلامي، وارتوت الأرض الجافة، وسدّد الخليجيون ديونا على الفاسدين من أهل المشرق.
لم يكونوا ملائكة، معاذ الله، لكنهم أناس طبيعيون عاش أكثرهم بقلوب طيبة، وبين ألفينة والأخرىَ تقتحمها أفكار المزايدة الدينية فتُحجّر بعض القلوب باسم السماء.
لي بعض التجارب السيئة والقبيحة في الخليج، وفي مقدمتها المصيدة التي نصبها لي الدكتور فيصل القاسم  في الاتجاه المعاكس منذ عشر سنوات، وأيضا الوشايات التي حملها إعلاميون مصريون كان من المفترض أن يكونوا زملاء مهنة البحث عن المتاعب؛ لكنهم بحثوا عنها لي ليرضىَ عنهم سيد القصر في قاهرة المعز طوال أكثر من ربع القرن.
قضيت أجمل وأطول سنوات عُمري في علاقة دافئة مع خليجنا الأكثر دفئـًـا، وكلما بردت أو بهتت أو تراجعت الرابطة؛ قمتُ بإعادة تشغيل موتور الحركة فيها، ولكن كانت هناك عقبات، فدول الخليج بعدما كانت تكتفي بالتخفيف من قبول انتقاداتها انتقلتْ إلى العتاب ثم الغضب إذا انتقد المثقف أو الإعلامي دولة صديقة حتى لو كانت وطنه الأم؛ مما أربك حروف اللغة ولسانَها إذا تعلق الأمر بمساحة الحرية التي يتحرك فيها صديق دولة خليجية لئلا تغضب حكومات صديقة.
مع دخول أزمات اقتصادية مرحلة التضييق أو الترشيد أو إمساك اليد الذي سمّاه الخليجيون كرما وظنه الوافدون والأصدقاء حقا مكتسبا بدأ كثيرون في التفكير برحلة العودة إلى الوطن الأم؛ فمكتسباتهم ومستحقاتهم في الدولة الخليجية المضيفة تسمح لهم بحياة مُيسّرة، فقد تقدمت أعمارهم، وتزوج أولادهم، واستقرت معيشتهم في الوطن الأم، ويكفي أن يغضوا الطرف عن سلبيات سياسية ودينية ومجتمعية حتى تتفتح لهم، خاصة إذا انتفخت جيوبهم وحساباتهم، وتصبح الهجرة المعاكسة طريق العودة إلى نصف الجنة!
صحيح أن الكرم الخليجي نحو أبي إيفانكا يزلزل قلب كل عربي خائف على نقطة نفط تسيل على أرض صحراوية بدون ثمن، لكن ظل العُمق الخليجي فيه من الطيبة والعذرية الفكرية ما يجعل الكويت تستضيف مؤتمرًا لدعم العراق بعدما تبخرت ثلثا ثروة الديرة في عدوان لم تترك آثار القدم الهمجية شبرا في الأرض المسالمة إلا وعاثت فيه فسادا وسرقة ونهبـًـا من صدام وعائلته ورجاله وأشاوسته الذين هاموا على وجوههم في الصحراء في طريق العودة بعدما أحرقوا آبار النفط ونهبوا ما وصلت إليه أيديهم.
في الخليج العربي تلفح وجهي رياح دافئة، قادمة من قلوب لم يتعرف عليها مشرقنا العربي الذي ظن أهله أن الذهب الأسود انفجر من تحت أقدام عارية، وأن الله، معاذ الخالق الوهاب، كان ينبغي أن يمنح تلك الثروة لغير لابسي الدشداشة والعقال، فالأردني واللبناني والسوري والعراقي والمصري والفلسطيني والجزائري والتونسي والمغربي والسوداني أحق بنعمة الله من عباده الآخرين في دول مجلس التعاون الخليجي.
ما زلت أحب الخليج رغم أن رياح التغيير عصفت بكثير من السلوكيات الخام والبكر التي ميّزت شعب هذا الجزء من الوطن العربي الكبير، فالسياسة تلوّنت بالدين، والدين تدعْوَش فإذا بالمؤمنين تتحجر قلوب كثير منهم، والتحالفات صراعات، والصراعات ساحة يكتظ فيها ذوو العيون الزرق لتتفتح لهم خزائن مفاتحها تنوء بالعصبة أولي القوة.
أقل قليلا من أربعة عقود على معرفتي بالخليج ولا أستطيع أن أنزع من مسامات جسدي وشغاف قلبي صور ومشاهد وكلمات وابتسامات وحوارات مع أهل هذه البلدان الطيبة، وأتأمل كثيرًا جليد النرويج ويقتلني صقيعه وتسحرني شمس منتصف الليل وتجمد أطرافي مياه بحاره ويمتد نهاره صيفا فلا يبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فيهرب ذهني ويصطحب خيالي في رحلة إسراء نوستالجية على كورنيش الدوحة، وأدخل جمعية الصحفيين الكويتية كأنها بيتي الثاني، ويستقبلني الأمير سلمان( خادم الحرمين الشريفين حاليا ) في مكتبه بإمارة الرياض مشجعا إياي كالعادة أن أكتب ما أشاء بغير تردد، وأرصد في كل ساعة من زيارتي لدُبي مشروعا جديدًا، وأقارن بين أبو ظبي ونظيراتها من مدن أوروبية سبقتها بمئات الأعوام فإذا بالعاصمة الإماراتية تسابق رياح النهضة وتسبقها لتختصر العقد في سنة، والسنة في شهر، والشهر في يوم أو بعض اليوم.
قليلة هي المرات التي غضبت خلالها في الخليج، وعرفت مكتبات الكويت ورفوفها، واستمتعت بأحاديث مثمرة مع الشيخ حمد بن سحيم آل ثاني واستمعت لمحاضرات من الصفوة المبدعة والمبتكرة الجديدة في الإمارات وعرفت قدرة التسامح العُماني في صناعة المواطن .. عاشق وطنه وقيادته، وقفزت بجنون في وسط عشرات الدلافين في مسقط ثم عدت إلى المركب خائفا لأنها دلافيل برية لا تلاعب الإنسان ولا تستأنس به، وأبهرتني عبقرية الفكر القيادي في دُبي وأشتاق لأحاديث أدبية وشعرية بلغة عربية ثرية في جلساتي المطولة مع الوزير المستشار علي الشاعر في بيته الأنيق بالرياض، أو مع الدكتور عبد الله عُمر نصيف.
أشتاق لأصبّح على يومي بصحيفة الأنباء الكويتية أو الاتحاد الظبيانية أو الشرق القطرية.
عرفت الخليج وأهله ومثقفيه وأدباءه وشعراءه ودبلوماسييه وإعلامييه ورأيتهم أكثر تواضعا من نظرائهم في مشرقنا العربي الذي لا يعرف غير أحاديث مقارنة الزعماء، السابقين واللاحقين، وارتعاشات الرعب من أجهزة الأمن والاستخبارات.
في نفسي حُزن شديد على ما آل إليه خليجنا في صراعات تقترب من إصابة النهضة بنصف شلل، ولا أفهم كيف لدولة قطر المكوّنة من شعب طيب الأعراق أن تختار جانب التطرف الديني، ودعم لصوص المراكز الإسلامية في أوروبا، واستضافة عقول التشدد ودعاة الفتنة، وصناعة إعلام التحريض والإفك!
لو انسحبت قطر وإيران من دعم الانقلابيين الحوثيين لما كانت هناك حجة لأي طرف أن يرسل على شعبنا اليمني قذيفة أصغر من مفرقعات الأطفال في العيد.
لو استجابت قطر لطلب واحد وهو قطع الدعم والمساندة عن المنظمات والجمعيات والميليشيات الدعوية التي تصنع المسلم المفخخ لانفتح باب السلام على المنطقة برمتها.
قد تربح قطر الجولة الأولى، والعام الثاني، لكنها حتما لن تجد مفرًا من قبول الأمر الواقع وهي أنها جزء لا يتجزأ من خليج تماسك سنوات طويلة بفضل روح زايد، وعبقرية الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح( رحمهما الله)، وسلام النفس الذي صنعه السلطان قابوس بن سعيد.
لقد تغيرالخليج، الذي ما زلت أحبه، وتصاعدت حِدّة الحوارات فبدت كالسهام، وفُتحت ثغرات مرّ منها مفجرو الفتن والآكلون على كل الموائد.
أشتاق للخليج الذي دافع قلمي عنه لسنوات طويلة، وتواضعت كتاباتي تقديرًا لدور عظيم قامت به دول مجلس التعاون الخليجي على الرغم من أزمات الوافدين، وأنياب الترامبيين، وجواسيس الأنظمة المستبدة في مشرقنا العربي التي يستضيفها الخليج فتطعن مرة هنا، وتعانق مرة هناك!
أشعر بحنين للخليج، وكلما هممت بالكتابة تراجعت همّتي، رغم أن العشرين كتابا التي صدرت لي يحتل خليجنا العربي وبلدي الأم مصر ثلثي صفحاته، فالألسنة تُشحَذ مع أول حوار، والإعلام يَطعَن ويُطعَن، وضيوف المطابع من عرب المشرق يحصون أموالهم قبل الكتابة وبعدها، وصراخ الفضائيات يُلغي أهمية مكبرات الصوت.
أشتاق لخليج إذا امتد بصري للمياه لا أرىَ حراس الثورة الإسلامية، وإذا نظرت إلى الشمال أعادني الهدوء إلى السلام، وإذا قرأت عن الإمبراطورية العثمانية لا أسمع خرير أمواج البوسفور.
أشتاق لخليج عربي فيه الوطن قبل أي شيء آخر، ولا يزايد أحد بدينه أو مذهبه أو طائفته أو جماعته.
يظن الخليجيون أن من يتعاطف معهم ويحمل همومهم؛ لكنه يناهض ويعارض حكومة بلده الأم فهو يصبح في جانب مضاد ومعاكس لقضايا الخليج وأهله وحكوماته!
من لا خير له في بلده فلن تكون علاقته مع الآخرين إلا زيفا وانتهازية حتى حين!
عني أنا شخصيا فإننــي على استعداد أن أخسر كل أصدقائي وأحبابي في الخليج الذي قضيت معهم أكثر من نصف عُمري إذا كان شرط الاستمرار هو نفاق ومجاملة ودعم لصوص ثورة يناير، ومهدري ثروات شعبنا في مصر، وفاتحي أفواه سجونها ومعتقلاتها!
عارضت مبارك أكثر من ربع قرن، ثم عرف أصدقائي في الخليج أنني كنتُ محقا، فالمخلوع كان طاغية وسجّانا ولصـًـا وكذّابا ومزورا ومر ربع مليون مواطن على سلخانات التعذيب في عهده المشؤوم!
السيسي ورث عن مبارك وطنطاوي ومرسي الكراهية المتعارف عليها نحو خليجنا، فرمال الصحراء تتحول إلى أموال في جيبه، لكن قدرته على المسكنة والتسوّل أفضل من سابقيه، لهذا فأنا أريد الاثنين إرضاءً لضميري: تعاطفي مع خليجنا الدافيء وكراهيتي لنظام الحُكم في بلدي الأم!
لهذا بهتت، وبردتْ، وتراجعتْ، وضعفتْ علاقتي بدول الخليج العربية، لكن المودة والمحبة والنوستالجيا والوفاء لسنوات الحب لم تتغير من ناحيتي، ولو تعرض خليجنا العربي لعدوان فسيكون قلمي أسبق من سلاحهم في الدفاع عنهم.
كان أعلى وأكبر المسؤولين يبتسمون عندما يقرؤون انتقاداتي الحادة ضد مبارك، فيختلفون ويتفقون معي، لكن أواصر المحبة تظل قائمة.
الآن تغير الوضع؛ ومن يعارض السيسي من أبناء بلده ليس مرحبا به في أكثر دول الخليج العربية حتى لو كان في حالة حرب مع خصومهم وأعدائهم.
لم تتغير مشاعري نحو الخليج العربي، ولن يأتي الوقت الذي أتخلص فيه من ذكريات جميلة أبهجتني وأسعدتني وقدمتني لأناسٍ وجدوا أماكنهم في قلبي ولم يبرحوه ولن يغادروه ولو رفع كل خليجي السيف في وجه أخيه وصديقه وضيفه.
أتابع أحداث الخليج ولا أتعاطف مطلقا مع الموقف الرسمي القطري، وأحزن لاستمرار النزيف اليمني الذي ينكأ جرحه في كل يوم أعداء السلام.
الكرة في ملاعب أمريكا وقطر وايران وتركيا، وإذا سقط حارس المرمىَ فلن تقوم لخليجنا قائمة بعد اليوم.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
Taeralshmal@gmail.com
أوسلو  النرويج

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...