27‏/05‏/2018

دعاء الكروان .. رؤية جديدة!


دعاء الكروان .. رؤية جديدة!

كيف تمكّن الدكتور طه حسين، الكاتب والفيلسوف والمصلح والمصري الإفرنجي أنْ يدخل القرية، فيبصرها وهو لا يراها، يصفها بعيون معتمة وقلبٍ مفتوح على مصراعيه؟
في قنديل أم هاشم يتحرك يحيي حقي بين الفقر والمولد والتخلف فيرسمه بريشة مغترب، وفي موسم الهجرة إلى الشمال يعيد الطيب الصالح غزوَ وطنه الأم بالتمدن، فيسقط في عبقرية التخلف المصاحب للعادات والتقاليد.
نجيب محفوظ كان عبقرية سقطت بين القصرين فجاء قصر الشوق كسكرية تُحلّي التاريخ وتجعله يسير مع ألف مئذنة، فجائزة نوبل للأدب المغرقة في المحلية مثلما كانت نادين جورديمر البيضاء التي تكتب صفحات سوداء عن عالم الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، أما جونتر جراس صاحب ( الطبل الصفيح ) فقد كانت محليته تزخر بالصور النازية والعنصرية.
عندما يخوض الأديب لمرة يتيمة في رواية، مثل سارة للعقاد، ودعاء الكروان والحب الضائع لعاشق الضاد طه حسين يخرج العمل الفني المدهش في صورة جديدة ودقيقة وكل مشهد فيه يتحرك فوق حروف اللغة كأنه مصنوع في الذهن قبل الطبيعة.
لم يصطدم طه حسين مع الغرب في شرقه وهو يجعل تغريد الكروان دعاءً، وجعل الرواية فلسفة الصراع بين القوي والضعيف وليس بين المتمدن والمتخلف فـ ( العصفور دائما هو الغلطان) ومن يُعْتَدىَ عليه وهو ضعيف تقف الدنيا كلها في وجهه، فالسلطة والمال بين إصبعين من أصابع الحق المزيف.
دعاء الكروان رواية تشهد أن طه حسين كان يبصر أكثر مما لو كان بصيرًا، وأوصاف ومشاهد وصور القرية لا تقل إبداعا عن كبار الروائيين الذين وصفوها بعيونهم قبل أقلامهم، وأخص بالذكر ( بداية ونهاية ) لنجيب محفوظ والصراع الطبقي المذهل فيها.
طه حسين لم يفرنس دعاء الكروان كما فعل أكثر العائدين من بعثات النهضة الباريسية واللندنية، وتحدث عن أخلاقيات الحب والقرية والانتقام الضعيف كأنه يريد من أصدقائه الفرنسيين أن يشاهدوا بقلمه مسقط رأسه، تماما كما حدث مع عبقري عصر النهضة، قاسم أمين، في كُتــَـيبه الصغير ( المصريون ) وهو يردّ على الدوق داركور فيصف جسد الفلاحة وعذريتها ونهديها ومشيتها وجمالها في إطار التراث والعادات والتقاليد ليحارب بها الفكر الاستعماري البريطاني الذي خلط الأوراق فلم يفهم أهل البلاد المُستَعمرة، وقد هلهلها مالك بن نبي الجزائري المبدع في كتابه ( الصراع الفكري في البلاد المُستَعمرة)!
شاهدت اليوم ( دعاء الكروان) بعيون جديدة، ورأيت أن كل الأزمنة تقوم بتلوين الحكايات والأقاويل والأساطير والحقائق بطرق مختلفة، صعودا وهبوطا، توسعة وتضييقا، فأنت تستطيع أن تقرأ نفس العمل الأدبي عدة مرات وكأنه عدة أعمال بينها عدة عقود.
دعاء الكروان ليس عصفورًا من الشرق، لكنه عصفور في الشرق، وعبقرية طه حسين أنه اختار الأذنيّن بدلا من العينين، فلم يعُد بين صفحات الرواية كفيفـًـا؛ وربما أكثر قدرة على الإبصار الحاد من قارئيه.
لابد أن يكون الكتاب بين يديك طوال عُمرك فهو يتغير، ويتزامن، ويمنحك مرة ويمنع عنك مرات، فتقرأه حينا ويقرؤك أحايين أخرىَ.
تلك هي رؤيتي الجديدة لــ( دعاء الكروان ) فهل شطحت بعيدًا؟
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 27 مايو 2018



26‏/05‏/2018

نصف قرن على الجريمة! لماذا فرحنا بقتل روبرت كنيدي؟


نصف قرن على الجريمة!
لماذا فرحنا بقتل روبرت كنيدي؟

الفرح حق إنساني لا ينازعك فيه أحدٌ، بل يمكنك أن تستنفر كل خلايا جسدك لتفرز جراثيم البهجة في صورة عدالة وهمية يحققها لك قاتل تقنعك قضية أنت مؤمن بها أنه سفك دماءً من أجلها!
مساحات الصمت تمتد لنصف قرن؛ ونحن لا نراجع أنفسنا رغم أننا لسنا القاتلين؛ إنما نحن متعاطفون مع من أطلق النار على رجل دخل مئة معركة من أجل السلام والمساواة والإنسانية، فلما تعاطف مع إسرائيل، كأكثر زعماء الغرب وأمريكا في ستينيات الغضب الممتدة من ربيع براغ إلى انتقام لوس أنجلوس، فرحنا أنْ جاء رجل مِنــّـا، عربي وفلسطيني ومسيحي نسيَ رسالة السلام لابن مريم، عليهما السلام.
السيناتور روبرت كنيدي كان يدافع عن قضايا السلام، ويقضي ساعاته في البحث عن وحدة أمَّة متمنيا أن يرىَ اليوم الذي يجلس في المكتب البيضاوي رجل أسود يحكم دولة بيضاء عنصرية تتنفس من رئتي كلو كلوكس كلان، ويكتب تاريخ الاضطهاد فيها أحفاد كونتاكنتي!
روبرت كنيدي عرّض حياته للخطر عشرات المرات في زياراته للجيتوات السوداء، وأدمعت عيناه وهو يحمل طفلا أسود لا يأكل إلا فتاتا؛ فمات بين يديه.
قيل له بأنه سيُقتــَـل مثل أخيه، جون كنيدي، فلم ينصت إليهم، لكنه كان ينصت للرصاص الأعمى الذي حصد عشرات الآلاف في فيتنام، وأقسم أنه سينهي هذه الحرب الجهنمية الظالمة على شعب في الناحية الأخرى .. البعيدة عن بلده، ويعيد 185 ألف جندي أمريكي يعملون في وظيفة قتلة بالنيابة عن السياسيين.
كانت أمامنا الفرصة أن نقنعه، وكانت حساسيته المرهفة للمظلومين مقدمة لوضع قضية شعبنا الفلسطيني أمامه، حتى لو ربحنا نصف تعاطف في حال وصوله إلى الحُكم، فأمريكا كانت تبكي على أخيه وعلى مارتين لوثر كينج وعلى أبنائها في فيتنام الذين ذهبوا لمحاربة أشباح ماركس وانجلز، فإذا هم يقتلون السكان الضعفاء، صُفرَ الوجوه، نحيلي الأجساد، مجوفي البطون!
كان سرحان بشارة سرحان صغيرا في السن، يعيش حُلم عودة اللاجيء الفلسطيني إلى أرض الوطن المغتَصَب، واقتنع أن السيناتور هو سبب مصائب الاحتلال، رغم أن روبرت كنيدي الذي أنهى سرحان حياته بطلقتين في الرأس كان في الحقيقة الأقرب إلى التعاطف مع أصحاب أعدل قضية بعدما يكسب أصوات اللوبي الأمريكي المتعاطف مع تل أبيب.
وسقط السيناتور مضرجا بدمائه وهو في سن الثانية والأربعين، 6 يونيو 1968، وترك خلفه شبه دزينة أطفال، وأحلام مارتين لوثر كينج والمكسيكيين والهنود أحفاد السكان الأصليين والزنوج الذين أعطاه 90% منهم أصواتهم في الانتخابات التي جرت قبل أسبوعين من مصرعه.
كان السنياتور يقرأ بوعي وسلام الكتاب المقدس، ووصلته رسالة المسيح، عليه السلام، فأنصت إليها عكس ما فعله أكثر السياسيين الأمريكيين.
لماذا فرحنا منذ نصف قرن بجريمة قتل روبرت كنيدي وهو لم يكن قد تولىَ الحُكْمَ بعد، ويعيش وسط ضغوطات مراكز القوى البيضاء والصهيونية والعنصرية ومصانع الأسلحة وأنياب الرأسمالية المتوحشة التي لا تريد أن تعترف بهزيمتها أمام الضعفاء، آكلي الأرز في حقول فيتنام؟
هل صحيح أن سرحان بشارة سرحان قدّم لشعب فلسطين خدمة بقتله روبرت كنيدي؟
كانت الولايات المتحدة على مرمىَ حجر من التغيير الأسطوري في طريق السلام الذي كان سيمتد إلى آسيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية!
إن وضع قضايا عادلة في فوهة مسدس يطلق رصاصات عمياء في الجانب الآخر من الكرة الأرضية هو دفاع أحمق يُلمّع الخسارة، ثم يحتفل الغوغاء بالنصر الدونكيخوتي!
سرحان بشارة سرحان ظن أن مسيحيته ستجعل تروس المطابع في أمريكا ليــّــنة وهي تُدينه، وسيُصَليّ المسيحيون في أمريكا من أجله رغم أن القتيل هو الأقرب للمسيح، عليه السلام.
إننا نحن العرب نملك عزة نفس عجيبة تجعلنا لا نراجع أحكامَنا الظالمة التي أطلقناها في زمن مراهقتنا السياسية.
وحتى أقطع الشك والريبة عن أي قاريء؛ فأنا مقاطع لإسرائيل من مهدي إلى لحدي، ولو اعترف الإنس والجن وأربعمئة مليون عربي بالاحتلال الصهيوني فسأبقىَ بمفردي!
لكن رؤيتي الجديدة تلك لا تتعلق بقضية مصيرية ومبدئية عن سرقة أرض عربية بواسطة الأقدام الهمجية؛ إنما عن عدالة عوراء أقامها شاب مِنـــّـا، عربي فلسطيني، منذ نصف قرن، واختار السيناتور الأقرب للسلام والمحبة والمساواة والمسيح، فأرداه قتيلا، وخسرنا نحن رجلا كان يمكن أن ينصت إلينا.
كانت لغة الحوار على الأرض الأمريكية سائدة، وعندما قابلتْ جولدا مائير أخاه جون كنيدي، اقنعته في أقل من ساعتين بعدالة الظلم الصهيوني؛ أما نحن فكنا نظن أن صراخنا حوار.. فخسرنا.
لقاء واحد، هاديء، عقلاني بين الملك فيصل بن عبد العزيز والجنرال شارل ديجول انتهى إلى وقف تصدير السلاح للدولة الصهيونية.
نصف قرن على جريمة قتل السيناتور روبرت كنيدي، فهل تعلـّـمنا الدرسَ أمْ أننا لم نبرح زمن المراهقة السياسية التي تلوّح بالقبضة كأنها حوار؟
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 26 مايو 2018




23‏/05‏/2018

هل مصرُ ما تزال عربيــة؟

هل مصرُ ما تزال عربيــة؟
لماذا شنَّ المصريون الحربَ بضراوة ضد اللغة العربية؟
يكره المرءُ الشيءَ الذي يكشف ضعفَه، ويُعرّي سوءاته، ويُقصــِّــر طولــَــه، ويُضعِف قوتَه أمام الآخرين.
سنوات طويلة وغضُّ الطرْفِ عن الضعف اللغوي لدىَ المصريين أنتج في النهاية حالة اللا دهشة على كلِ المستويات، حتى كاد الخطأُ والصواب يتساويان، وتراجعتْ قيمة اللغة السليمة، وتلطختْ جودتها، ولم تعــُـدْ الأخطاءُ تثير انتباه أكثر المستمعين لها.
بكل خجل وحياء وأسفٍ واعــتذار أقول بأنَّ اللغة العربية الصحيحة والسليمة في مصر أضحتْ قريبة من القاع، والمثقفُ العربي في الجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا ولبنان وسوريا والخليج واليمن تكاد أذناه لا تتعرفان من لسان المصري على الضاد الجميلة التي عاشتْ سنوات انتعاشها قبل خمسين عاماً، وعرفتْ لغة أهل الجنة أدباءَ وإعلاميين وشعراء ورجال دين وسياسيين من مصر تقترب ألسنتهم من البيان حتى في أحاديثهم العادية.

في مصر الآن مناهضة ومعارضة وإزدراء وضعف وتسوّس ومرض لا يقتنع أصحابُه أن ألسنتهم في حاجة إلى علاج عاجل، ليس لغلبة العامية، وإنما لهجرة الكتاب، وإهمال قواعد اللغة، والأمـــَــرّ والأكثر حُزنا هو ميل المصري إلى اعتبار النطق العامي المخالف لجرس اللغة ورنينها وموسيقاها مقبولا في الأمة العربية التي تمزَّقت، فلما قاومتْ الغزوَ الثقافي مئات الأعوام جاءت الهزيمة، لــُغوياً، بيدِ أهلــِـها.
كانت اللغة العربية في مصر خطَّ الدفاع الأول، وتتوسع مصر عربيا وإقليميا باللغة أولا، عاميتها وفصيحتها، فلما نزل معْوَل الهدم على الأدب والشعر والكتاب والإذاعة والتلفزيون والحوارات بدأ خط الانحدار يسُرع إلى الحضيض، فلا تستطيع أن تفرّق بين استديو وغرزة، ولا بين إعلامي وتاجر مخدرات، ولا بين منطوق حُكْم قضائي و .. شجار في مقهى بلدي!

كانت القنبلة اللغوية على لسان المستشار أحمد رفعت وهو يقرأ الحُكْمَ في قضية القرن، فلم يتمكن من قراءة جُملة واحدة سليمة، ثم اكتشفنا لاحقا أن القضاة والمستشارين والإعلاميين ورؤساء المؤسسات الثقافية والتعليمية ونوابَ الشعب لم يسمعوا عن اللغة العربية وقواعدها ونحوها وصرفها وتشكيلها وبيانها وتعبيراتها وكنوزها وجمالها وموسيقاها، فعجــَّــموها ودهسوها وحطــّـموها ونثروها في آذان تنفر من الجمال.
أنا لا أخاف على مصر من هزيمة عسكرية أو سياسية أو خسائر مالية أو طوفان أو فيضان أو كل سدود أفريقيا حولها، لكنني أخاف عليها من انفصالها اللغوي والبياني واللساني عن محيطها ، فتصبح الهيروغليفية أقربَ إلى أهل مصر من المتنبي وأبي تمام والرافعي وطه حسين والعقاد والمازني والطهطاوي وعلي مبارك والبابا شنودة وفاروق شوشة ونظمي لوقا و ..

إذا أردتَ أن تهزم قوما فعليك بقطع حَبْل السُرّة اللساني الذي يربط تاريخَها بآدابِها، وجغرافيتَها بالتحامِ لغتها وصلابتها وسلامتها.
تأخــُـر مصر في أي مجال يغضبني ويحزنني ويؤسفني، في المجال السياسي أو العسكري أو الإعلامي أو النهضوي أو الأمني أو العُمراني أو التعليمي، أما الانحطاط اللغوي وتأخر اللسان عن تعليم صحيح البيان فهو الشيء الذي أخجل منه.
البداية تبدأ من هنا .. من الاعتراف بأنَّ المصريين تكاتفوا، وتعاونوا، وتساندوا في الحرب ضد اللغة العربية، وتفرنج الأبناءُ، وتلعثم الإعلاميون، وتضعضعتْ المفردات، وتقطعتْ الســُـبــُـلُ بالتعبيرات فلا تدري أعربيٌ هذا أم أعجمي.
كأني أرى الكــِـتابَ يـبكي بدموع ساخنة حقيقية على هجرة المصريين له، وكأني أقرأ خبر إلغاء كل مجمعات ومؤسسات وجمعيات وملتقيات الألسنة مصر من عضويتها حتى تأتي لهم بشهادة موثقة أن لغة أهلها ما تزال العربية.
أرني خطابا عربيا خارجا من مؤسسة مصرية يكون خاليا من الأخطاء المتعارَف عليها بدءًا من السنة الخامسة الابتدائية!

إما أن تنقذوا اللغة العربية أو تأتوا بمستشرقين يصححونها لكم!
في السنوات الخمس المنصرمة تم بعناية اختيار كل خصوم اللغة، وضعافها، ومرضاها لاحتلال مناصب الدولة الكبرىَ، فهل هي مصادفة؟
حدّثني عن مستشار أو قاضٍ أو إعلامي أو صحفي كبير يعرف اللغة العربيةَ ولا أقول مُلــِّـمــًـا بها، إلا قليلا!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج

19‏/05‏/2018

جاهروا بالإفطار في شهر رمضان!


جاهروا بالإفطار ليشعر الصائمون بمتعة مقاومة الجوع والعطش!

جاهروا بالإفطار إن كنتم مرضى أو على سفر أو لا تستطيعون الصوم، ليعرف الناس أنهم ذوو قدرات مختلفة.
جاهروا بالإفطار لقطع الطريق على النفاق واظهار غير ما يبطن المرء!
جاهروا بالإفطار ليتعلم الصائمون أنهم ليسوا أفضل من غيرهم، فالصائم يحصل على ثوابه، وغير الصائم قد تكون موانعه غيرَ قابلة للتنازل.
إنها ديكتاتورية الصائم!

هراءٌ من الاستبداد يسري بيننا في شهر رمضان المعظم فنتحدث عن مراعاة مشاعر الصائم إذا أفطر أحدٌ أمامه!
مشاعر الصائم لا علاقة لها بصيام أو إفطار الآخرين، بل بالعكس فالمفترض أن يسعد إذا أفطر أحد أمامه وهو قادر على الإمساك عن الطعام.
الصائم متسامح وليس مستبداً، ولا يفرض على غيره صومه، ولا يحشر مشاعره الغريبة في سلوكيات الغير.
هذا نوع من الترهيب، وأنا أعتقد أن عبقرية التسامح في الإسلام تلك التي تترك الحساب لرب الحساب، ولا تُحرج الآخرين وتتحكم في يومياتهم الرمضانية بحجة واهية وضعيفة وغير منطقية.. مشاعر الصائم!

اعذروني إذا وصفت تعبير ( احترموا مشاعر الصائم ) كنوع من العباطة الجاهلة.
أنا صائم واسير مع صديق غير صائم للأسباب المذكورة أعلاه. هو يستمتع بسندويتش جبنة رومي بالزيتون الأخضر والفلفل الأحمر، وأنا استمتع بقدرتي على التحمل. هو يتلذذ بكل قضمة من السندويتش الشهي، وأنا أتلذذ بحريتي في اختياري الصوم. مشاعري كما هي، بل تزداد عمقاً لاحترامي إياه وتفهمي لظروفه.
فلنتوقف عن محاكم التفتيش الرمضانية لنفرح بالصائم والمفطر معاً.

جاهروا بالإفطار فهناك أطفال ومُسنون وأصحاب عقائد أخرى، وشهر رمضان ليس شهر المساواة الظاهرة، فمن كان صائما فلله صومه، ومن لا يصوم فحسابه عند ربه.
جاهروا بالإفطار حتى لا يغادر هذا العدد الهائل من المسلمين إلى الخارج.
جاهروا بالإفطار ليتعلم أطفالنا أن كل صائم هو حالة خاصة، يمتنع عن الطعام والشراب طاعة لله، عز وجل، فلا يحاسب أحداً و.. لا يحاسبه أحد.
جاهروا بالافطار ليعرف الجميع أن صوم رمضان ليس بالعصا فوق الظهر.
دعونا نصنع المجتمع المطيع لله وليس الخائف بعضه من بعض.
طوال عُمري وأنا لا أعتز بصيامي أمام الصائم مثلي، ولكن أمام المفطر، أياً كانت أسبابه، فقد يكون إيمانه أعمق وأشد صلابة وعمقاً من إيماني، فاعتزازي بصيامي ربما يعادل المسموحات له أو أقل.
رُبع المسلمين مصابون بمرض السُكري، وكل واحد منهم مُعرض لاغماءة سكر في الطريق، وعليه أن يختار بين المجاهرة بالإفطار طاعة لله الذي أحل له الطعام في نهار رمضان و .. بين النفاق المجتمعي المستشري بيننا.
لو علمتم عدد الذين يظهرون كصائمين ويبطنون شبع بطونهم في الخفاء، لأيدتموني في مطلبي هذا!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال

أوسلو النرويج

16‏/05‏/2018

أحفادي و .. ذكرىَ النكبة!

أحفادي و .. ذكرىَ النكبة!
اليوم حضر أحفادي، أولاد مجدي اول مظاهرة لهم ضد الاحتلال الإسرائيلي. زوجتي وأنا ومجدي وزوجته النرويجية وأولادهما، سُفيان إيفين ويعقوب ممدوح ( توأمان 3 سنوات ونصف) وبيومي يوهان ( عام ونصف العام ).
مرت أربعون عاما على أول مظاهرة أشارك فيها ضد إسرائيل ولصالح شعبنا الفلسطيني.
المرة الأولى التي اصطحبت أحد أولادي كانت عام 1982، ووقفت ابنتي الكبرى سونيا( وكانت في الثالثة من عُمرها) فوق كرسي أمام فندق جراند هوتيل بقلب أوسلو تجمع تبرعات للفلسطينيين لشراء سيارة إسعاف وهي تضع الشال الفلسطيني.
وتمر السنوات، ويكبر الأبناء ويتوارثون حب الحق، وكراهية العنصرية الصهيونية ليأتي بعدهم أحفادي؛ واليوم كانت أول مظاهرة لهم.
عدد الحاضرين اليوم كان كبيرًا، وأكثرهم نرويجيون مع غياب تام، تقريبا، للمصريين!
كثيرون رفعوا شعارات مقاطعة إسرائيل مما جعلني أتذكر الثمانينيات عندما كان ثلثا أعضاء البرلمان النرويجي منخرطين في منظمتي( أصدقاء اسرائيل) و ( مع اسرائيل في السلام).
كالعادة فإن اليسار يقف مع العرب والبلاد التي تناضل ضد الاحتلال، واليمين يناصر اسرائيل ويبرر جرائم كل القوى الاستعمارية.
اتصل بي مجدي اليوم غاضبا وهو يقول: هل سمعت كلمة رئيسة الوزراء آرنا سولبرج، رئيسة الحزب اليميني، وهي تطلب من الطرفين عدم اللجوء إلى العنف؟ هل نطلب من المغتَصَب أن يكون لطيفا مع الذي يغتصبه، أو مع الحجر أن يلاطف الرصاص؟

أتذكر كوري كريستيانسن رئيس الحزب الشعبي المسيحي منذ ثلاثين عاما وهو يقول: على اسرائيل أن تضرب العرب متى شاءت وكيفما أرادت!
وباعت النرويج لاسرائيل الماء الثقيل الذي استخدمته في المفاعل النووي.
وفي نهاية الستينيات ساهمت النرويج في تهريب تهريب زوارق حربية من فرنسا إلى اسرائيل.

وسهّلت الاستخبارات النرويجية مهمة دخول رجال الموساد في محاولة لاغتيال أبو حسن سلامة ( الأمير الأحمر )، فأخطأوا، وقاموا بتصفية شاب مغربي مسكين، أحمد بوشيخي، كان يعمل جرسونا في مطعم بمدينة ليلي هامر، وكان بصحبة زوجته النرويجية الحامل، وكانت أول جريمة قتل في هذه المدينة منذ أربعين عاما.
في عام 1983( على ما أذكر ) حجزت ساعة استشارة لدى محامية كبيرة في أوسلو. استمعت لي لمدة ساعة كاملة وكان طلبي غريبا وهو رفع دعوىَ قضائية ضد اسرائيل لأنها تملك سلاحا نوويا قد يُعرّض أهلي في الاسكندرية للخطر. رفضت المحامية بأدب جم لأنها قضية خاسرة يقوم بها شخص لا تسانده جماعة أو منظمة. كانت الاستشارة وقتها بحوالي مئة دولار.

في عام 1979 أي بعد وصولي للنرويج بعامين رددت بلغة نرويجية ركيكة على مقال يدافع عن اسرائيل بقلم هنري كوهين رئيس قسم الاستعلامات بالسفارة الاسرائيلية واتهمت في المقال الركيك اسرائيل بالارهاب.
رد عليَّ هنري كوهين في نفس الصحيفة متهما إياي بالإرهاب

لهذا فإن مظاهرة اليوم والمطالبة بمقاطعة اسرائيل حدث عظيم مقارنة بتاريخ التعاطف النرويجي مع الكيان العنصري الصهيوني، والفضل يعود لاثنين: السيدة كريستين هالفورسون رئيسة الحزب اليساري الاشتراكي ( سابقا) أول من قاطع اسرائيل في الحكومة النرويجية، وكذلك الجنود الشباب النرويجيون الذين احتكوا باللبنانيين والفلسطينيين مع قوات حفظ السلام في أوئل الثمانينيات، فعادوا بصورة مغايرة تماما.
تُرىَ كيف ستكون أفكار أولاد أحفادي بعد نصف قرن من الآن؟

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 15 مايو 2018

14‏/05‏/2018

مغالطة مخزية .. حرب فلسطين!

مغالطة مخزية .. حرب فلسطين!
تجهل أمة تاريخها فيتبرع الأوغاد بكتابته لها، ويتولى المحتل تدريس أبنائها إياه عن طريق الحُكم الوطني حتى يبدو كأنه خارج من رحم النضال المهزوم.
لذا لم يكن للحكومات العربية التي تتلقىَ التوجيهات والأسلحة الفاسدة والخطط الفاشلة أن تنتصر على بعوضة فما فوقها ، فلندن وباريس تدعمان احتلال فلسطين حتى لو صدرت عشرات من بيانات الإدانة.
طوال مئات السنوات؛ والغرب يضطهد اليهود. وصمتت الكنيسة الكاثوليكية والبروتستنتية، ولحق الاضطهاد والظلم والتصفية بقمة العار الإنساني بوصول العنصري النازي أدولف هتلر إلى رأس الحُكم في ألمانيا.
تحول تاريخ البشرية إلى مذبحة استمرت عدة سنوات انتهت بأكثر من خمسين أو ستين أو سبعين مليون قتيل في حرب مجنونة فضلا عن عدة ملايين يهودي في أم المحارق.
ودفع المسلمون والمسيحيون الشرقيون الثمن غاليا، وقطع مضطهِدو اليهود من الأرض العربية قلبها.. فلسطين، فنزعوها من المسلمين والمسيحيين الأرثوذُكس( ثلاثة من كل أربعة فلسطينيين ينتمون إلى الإسلام، وواحد إلى المسيحية الشرقية الأرثوذكسية).
للمرة الثانية يدفع المسلمون ثمن الكراهية والعنصرية؛ الأولى في الأندلس مع أولاد العم اليهود، والثانية في فلسطين مع المسيحيين العرب الأرثوذوكس.. شركائهم في الأرض العربية .
ونجح تقسيم فلسطين، فأكثر الدول العربية كانت واقعة تحت الاحتلال الغربي الذي اعتذر لليهود، وكأفأهم أو اعتذر لهم في أرض غيرهم، ولا مانع من قراءة صحف موسى بعيون الاحتلال، وتفسير التوراة من خلال رؤية المنتصرين في الحرب العالمية الثانية وهم أنفسهم الذين اضطهدوا اليهود حيث لم يكن لهم ملجأ آمن غير أحضان العرب، من المغرب إلى اليمن.
وقام الغرب بتخدير ضميره حتى يقرأ التوراة بعيون عبرية ويفهم التلمود بضمير غائب؛ فيمنح أرض فلسطين للمهاجرين الهاربين خوفا من تكرار الهولوكوست.
اليوم يحتفل الشياطين بسبعين سنة على غياب الضمير الإنساني، ويلوم العربُ أشقاءَهم الفلسطينييين لأنهم وضعوا ثقتهم فينا.
اليوم تحتفل خمسون عاللة فلسطينية باستشهاد زهور تفتحت في أرض أجدادهم، فداست عليها الأقدام الهمجية.
اليوم يصبح الحَمَل ذئبا في عيد ميلاده السبعين الذي يوافق نكبتنا السبعين، ويرفع ترامب بأموالنا الستار عن النُصب التذكاري لإبليس.
لو احتضن الغرب أولاد عمومتنا اليهود قبل أن يحرق هتلر خمسة ملايين منهم، وكل الدلائل كانت تشير إلى ذلك من خلال كتابه( كفاحي) لما كانت هناك حجة لاحتلال أرضنا وجعلها أرض الميعاد.
اليوم انشغل العالم العربي بجمال إيفانكا وهي تحدثهم عن أرض السلام وسماحة الإسرائيليين وتصويب بندقية الجندي الصهيوني في صدر أطفال وشباب أكبرهم أصغر من عُمر شجرة زيتون.
اليوم ندفن شهداءنا وتلفزيوناتنا تبث مسلسلات وأغنيات ورقصات، لكنها لا تنس رؤية زعيم عربي يدعو المغول الجدد أن لا يضربوا أطفالنا بقسوة مفرطة!
اليوم جاوز الظالمون المدىَ، فدعونا نغني، ونصفق، وننتظر مسلسلات شهر رمضان، ونكفر بقولنا بأن الحجر هو الذي اعتدى على الرصاص.
اللهم ألعن كل عربي لا يقاطع إسرائيل حتى لو اشترى برتقالة يافاوية واحدة سيشتري بها جيش الدفاع الصهيوني رصاصة تصيب قلب ابنٍ لأحدنا.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 14 مايو 2018 
  

13‏/05‏/2018

الذكرىَ العاشرة لرحيل الشيخ سعد العبد الله


اليوم تمر الذكرى العاشرة علىَ رحيل الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء والأمير الوالد في دولة الكويت.
المسؤول الكويتي الكبير الذي أحبه الكويتيون والوافدون بنفس القدر، وهو بطل التحرير وأحد الرجال الذين صنعهم الوفاء، وأسلمت لهم الشجاعة قيادتـَـها، سواء إبان مذابح سبتمبر الهاشمية في الأردن، أو خلال مقاومته على الحدود الكويتية/ السعودية بعدما أنقذه الله من براثن جيش الاحتلال العراقي.
كنت أحبه حباً جمّاً ويبادلني، رحمه الله، نفس المشاعر الدافئة الجميلة.
شرَّفني برسالة فاكس خاصة من " الطائف"السعودية قبل التحرير بشهر تقريباً، يبلغني فيها بأنه سيستقبلني قريبا(!) في الكويت المحرَّرَة، فزارني التفاؤل بعدها، وبدأت أعدّ الأيام على هزيمة واندحار وخروج أشاوس(!) صدام حسين من جارته الصغيرة التي غدر بها في فجر الثاني من أغسطس عام 1990.
في نهاية عام 1993 دعاني وابنتي سونيا ( أربعة عشر عاماً آنئذٍ) وابني مجدي ( تسع سنوات في ذلك الوقت ) لزيارة الكويت، واستقبلنا في مكتبه بقصر بيان استقبالا حفياً، وعاملهما معاملة أب ودود ورائع.
المرة الوحيدة التي رأيت علامات الغضب على وجهه عندما قلت له بأن اصواتاً كثيرة من المسؤولين والكتاب وغيرهم تتحدث بصوت عال عن المصالحة مع طاغية بغداد، فقال لي بأنه لو صفح الكويتيون كلهم عن هذا المجرم وقوات الاحتلال العراقية فلن أفعل.
بعدها انتقلت للحديث عن موضوعات أخرى، ودعوته، رحمه الله، لزيارتي في النرويج، فوعدني بذلك رغم أنه يحب شمال ايطاليا على الحدود النمساوية فهو المكان المفضل لديه، صحياً وتأملياً.
تلقيت اتصالا هاتفيا في الفندق اللندني البسيط، وقيل لي بأن سمو الشيخ سعد العبد الله يريد أن يراني قبل عودتي في اليوم التالي إلى أوسلو.
كان قد شفى من الأزمة الصحية وخرج من المستشفى، فاستقبلني في مقر اقامته بالعاصمة البريطانية مرتدياً بدلة أنيقة تتوسطها ربطة عنق صفراء، وكان في أشد حالات البهجة والصفاء. قال لي: لقد علمت من السفارة بوجودك في لندن فحرصت على لقائك، فأنت عزيز على قلب كل كويتي لمواقفك وكتاباتك في أحلك اللحظات. ثم أردف، رحمه الله، قائلا: هل تعرف أن كتابك( كتابات ممنوعة- أحاديث لا تُرضي الرقابة) انتهيت من قراءته في ليلة واحدة، واكتشفت أنك ترصد المستقبل كأنك تراه أمامك.
سقط الشيخ سعد العبد الله مريضا مرة أخرى، وزادت حالته حرجاً، وقمت بزيارته في المستشفى بلندن ولم أتمكن من الدخول عليه، , وجلست في غرفة الانتظار مع الشيخ سالم الصباح والسفير الكويتي، وكان رحمه الله، نائماً، ولم أره بعد ذلك، وكنت قد طلبت من الشيخ سلمان صباح السالم الحمود زوج ابنته آنئذ ( وزير الإعلام بعدها) أن يُمكنني بعد عودة سموه من رحلة العلاج الأخيرة في الهند أن اقوم بزيارته لدقائق معدودة، لكن الموت إذا قرر دخول السباق مع الأماني، فلا يستطع حلم او طبيب أو محب أن يسبقه.
أتذكر أنني قمت بزيارته في الديوانية مرة واحدة، فكل لقاءاتي كانت بمفردي، وقمت أمام الجميع عندما حان وقت المغادرة ، فرأيت الصديق الشيخ فيصل الحمود المالك الصباح يشير إليَّ، وأفسح مكانه لي لأجلس بجوار الشيخ سعد العبد الله. الذي تبادل معي بعض الكلمات الرقيقة وهمس في أذني: لقد أرهقت كثيرا، لكنني والحمد الله انتهيت من تشكيل الحكومة وسأعلنها غداً!
خرجت من الديوانية وأنا طائر من الفرح، فلم يحدث أن استقبلني مسؤول في أي مكان، ثم أخرجت من اللقاء الخاص كلمة واحدة إلا أن تكون غير مباشرة وفي ثنايا مقال وبعد وقت طويل.
ثم كان اللقاء الأخير الذي لم يسمعني فيه عندما زرت قبره في مقابر آل الصباح، ووقفت أقرأ الفاتحة على روحه الطاهرة.
ورغم مرور عشر سنوات على رحيل سمو الشيخ سعد العبد الله إلا أنني أشعر كأنه استقبلني بالأمس القريب.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع الشهداء والصديقين والأنبياء، وحسن اولئك رفيقاً.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...