03‏/06‏/2017

المسلم المُفخخ .. صناعة الفتاوي



صناعةُ المتفجراتِ ليست فقط في مصانع الأسلحةِ أو معامل خبراءِ الجيشِ، لكنَّ هناك متفجراتٍ أشدّ فتكًا، وأعظم خطرا.
 إنها مصانعُ الفتاوىَ التي تمكنتْ من صُنع خمسة عشر سعودياً مِنْ تسعة عشر قاموا بتفجير البرجين التوأمين ففتحوا للماردِ المتعطش للحرب كلَّ الطرقِ للوصول إلى العالم الاسلامي ولو عن طريق جبل تورا بورا أو من بعقوبة أو من أسطول يُعَكّر صَفْوَّ مياهنا الدافئة.
هل سمعت عن العبودية المختارة؟
 إنها تلك التي تُسَهّل للطاغية أو الحاكم أو المستبد أو الاقطاعي الوصولَ بسوطه أو حذائه إلى ظهر أو رقبة رقيق سعوّا إليه قبل أن يستعبدهم، ووضعوا جباهَم تحت قدميه دون أن يُلَوّح لهم بقبضته أو عصاه أو كلابه.

لكن هناك عبوديةً مختارةً لم يعرف لها تاريخُ الاسترقاقِ مثيلا!
 عبودية قائمة على البحث عن كل شاردة وواردة واشارة ولمسة ولمحة وسلوك فيستفتي المسلمُ فيها لتأتيه فتوى جاهزة قبل أن يرتد إليه طرفه.
 علاقة عجيبة ومسحورة تجمع المُفْتّين والذين يستفتون، فإذا هي في واقعها وحقيقتها لذتان سادية ومازوخية ، يستعذب فيها الثاني قسوة الأول، ويستمتع الأول بمسكنة الثاني ومهانته ومذلته!
تلك هي عبودية الفتوى!
لا أتحدث عن مئات أو آلاف منها، لكنها بعشرات الآلاف إنْ التزمتَ بها فيمكنك أن تخرج من بيتك وتترك رأسك في الدار، ثم تعود دون أن يتغير شيء، فالفتوى تفكر لك، وتسير أنت بها، وتعمل، وتأكل، وتنام، وتخاطب الناس، وتسمع، وتشم، بل تدخل الحمّام أو تجامع زوجتك، أو تسهر ليلا، أو تصلي والشمس ساطعة، أو تقف ذبابة على طبق طعامك، أو تتسلل نغمة خفية إلى أذنيك ( سأل مسلمٌ مفتيًا عن الإثم الذي سيصيبه إنْ تناول الطعامَ في مطعم، ثم فجأة تسللت موسيقى من حيث لا يدري!).
 لو اجتمع كل المستبدين والطغاة الذين أنجبتهم الأرض منذ بدء الخليقة وقاموا بتقييد المسلم، فلن يفعلوا مثلما تفعل الفتاوى الحديثة التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة ولا حلما ولا كابوسا ولا خيالا إلا طاردته، وقبضت عليه متلبسًا بجريمة الهروب منها.
ستقول بأنه ليست هناك فتوى لإختيار الكلية بعد الثانوية العامة، ولا لشراء جهاز فيديو كافر، ولا لإستخدام مفتاح السكن ووالدتك في الداخل، وليست هناك فتوى للبعثة التعليمية، وشراء تذكرة السفر، وارسال حوالة بريدية، والاستماع رغما عنك لنغمة محمولك!

معذرة، فهذا ليس صحيحا بالمرة، فقد استفتى المسلمُ فيها كلَّها وفي أكثر منها فالمسلم يسأل عن الخَلّ، وعن شرب حليب الناقة ليلة الدُخلة، وعن وضع جهاز تسجيل في القبر ليسجل فحيح الثعبان الأقرع!

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

إعلام مصر في الدرك الأسفل من الانحطاط


لو سـُئلت عن أكبر جريمة سكت عنها الرئيس السيسي، طبعا بعد تبرئة المجرم اللص مبارك، لقلت على الفور: الإعلاميون المدافعون عنه.

 أتعجب من أن يكون الرئيس السيسي شخـصـًـاسويــّـــًـا ومع ذلك فيسمع إعلامييه كل يوم ولا يتقيأ، أو يصاب بالغثيان أو يطردهم من جنته.
 كل مديح فيه المتنبي ولو عدة أسطر إلا مديح الإعلاميين المصريين في الفضائيات ففيه غائط وصرف صحي وكُفر بكل القيم والمباديء.
 كيف استطاع الرئيس السيسي أن يجمع حوله حشرات نتنة تدخل الاستديو وتتحدث في السياسة والدين وعن مصر ثم تعبقر الرئيس أو تجعل منه نبيــًــا فرعونيـًـا؟
 لقد تم اختيارهم فرزًا لغويا سقيما، سبابيــًـا حقيرًا، معلوماتيا ضئيلا، ومع ذلك فكلما انحطوا، وتدهوروا، وسقطوا، وتخنزروا؛ توسعت برامجهم، وتسابق رأسماليو التخلف على الاستعانة بهم، وتلقوا دعوات من القصر، واحتضنهم رئيس الدولة.
نصف الأمراض النفسية لدىَ المصريين سببها إعلاميو الرئيس السيسي.
كثيرمنهم نجس، وكلما زاد انحطاطهم؛ اقتربوا من القصر.
 قد أبرر سكوت الرئيس عن سد النهضة، وعن تبرئة لصوص الدولة، ورفض استرداد الأموال المنهوبة في عهد المخلوع، وقوانين ازدراء الأديان، وفراغ رأسه من أي مشروع علمي أو ثقافي أو تعليمي أو صحي، وداعش البرهامية، لكنني لا أفهم كيف تمكن الرئيس من تجميع هذا العدد المفزع من ذباب الإعلام وجعلهم وجه مصر الرئاسي و.. الدفاع عن فكر الرئيس السيسي!


جاء حين من الوقت كانت مصر تُصدّر الإعلاميين، وتتسابق الدول العربية على وجوه إذا أطلت من الشاشة الصغيرة؛ تضاعف عدد المشاهدين.
وجاء الانحدار في عهد مبارك، وأتذكر أنني قابلت وزير الإعلام الأسبق صفوت الشريف في فندق الشام بدمشق 1996 ،عاصمة قلب العروبة النابض، وسألته: معالي الوزير، هل تعرف أن المصري الذي يمسك بيده الروموت كونترول باحثا عن قنوات عربية يُسرع في القفز فوق قناة أخرى إذا مرّ على الفضائية المصرية؟
ردّ قائلا: أعرف ذلك، لكنني قمت بعمل تغيير شامل منذ أسبوعين، ألم تلاحظ هذا؟
أما الآن في عهد الرئيس السيسي فأحسب أن إعلام مصر لم يشهد سقوطـًـأ مدويا منذ عهد بناة الأهرام.

في منتصف عام 1977، أي منذ أربعين عامــًــا، نشرت في مجلة( المستقبل ) الباريسية التي كان يرأس تحريرها نبيل خوري الإعلامي المحترف، وصاحب رواية ( حارة النصارىَ) مقالا حمل عنوان ( دمعة حزن على الصحافة المصرية) وكان ذلك في أوج حملات المثقفين المصريين على تطبيعات السادات، خاصة مجلة ( 23 يوليو) في لندن و ( اليسار العربي ) في باريس و( النشرة ) التي كانت تُطبع في أثينا وانتهت برصاصة غادرة في جسد ميشيل النمري ، المناضل ورئيس تحريرها الذي أغضب كل أجهزة الاستخبارات العربية.
في الثلاث سنوات المنصرمة هجم على الرئيس السيسي لاعقو الأحذية من بلاط صاحبة الجلالة السلطة الصفر، يبررون كل كلمة وحرف وإشارة وهمسة وغمزة وأمر وتوجيه بلغة مريضة، شوارعية، مقززة، طائفية، كأن أصحابها خريجو مدارس محو الأمية.
والغريب أنهم سقطوا على حـِجـْـر الرئيس، والتصقوا بهواه، وانسجموا مع فكره، وتبنوا لا رؤيته(!) فجعلوا منها كما قال بنفسه: أنا طبيب الفلاسفة!
إذا رأيتهم حسبتهم الجهل مجسدًا، والنفاقَ في أدنىَ صوره وأخبثها، ومع ذلك فكلما ازدادوا غيـًّـا؛ التصقوا بالقصر وسيده.
في نفسي حزن شديد، وأكاد لا أصدق أن الصحافة المصرية هي التي فتحت أبوابها للعقاد والمازني وطه حسين ومحمد حسين هيكل ومحمد حسنين هيكل والرافعي وأمير الشعراء شوقي وشاعر النيل حافظ ابراهيم ... فضلا عن مذيعيها ومقدمي برامج تلفزيون الريادة.

في عصور التطبيع والاستخبارات والرقابة ظل الحد الأدنى للثقافة واللغة والتعبير والمعلومة والقيادة والعروبة والمشروع الوطني يكفي لعدم خروج مصر من قضبان التطور، فقطار التنمية يسير متكاسلا أحيانا، ومسرعا أحايين أخرى.
نظرة واحدة على المشهد الإعلامي المصري، من جهل وطائفية وحوارات فجّة وفتاوىَ ساقطة ولسانيات غُرزية وتملق مفزع في نبوة الرئيس وإبليسية معارضيه تؤكد، وتثبت، وتختم على السقوط الأعظم للإعلام المصري.
جلهم خائفون، وأيديهم ترتعش، وأسنانهم تصطك، وركبهم تكاد تنفصل، فهنا لا يحتج سيد القصر إلى الكرباج، فالإعلامي لديه الرقابة الذاتية، أي كرباجه الداخلي، حتى لو لم تحمّر عينا الرئيس.
لا أريد أن أنشر قائمة بأسماء قردة الإعلام فلست وحدي الذي يعرفهم كما يعرف أصابع يديه، وما عليك إلا أن تشاهد عدة دقائق من برنامج حواري حتى يرتفع ضغط دمك وسكرك.

الصحفيون على دين زعمائهم، فإذا ابتسم الزعيم صفقوا، وإذا غضب على شخص أذاقوه الويلات، وإذا كره الثقافة مزقوا كتبهم.
الرئيس السيسي مثله كمثل شخص تصادف مروره قادما من مدرسة إعدادية فمر بجانب الإتحادية، وطُلب منه أن يتولىَ الحُكم دونما حاجة لمعرفة القراة والكتابة والعلوم الإنسانية وتاريخ الشعوب ونضالات الجماهير.
ثم عرض عليه قردةٌ أن يتولوا تلميعه، وتفسير فلسفته، وتبرير توجيهاته، فوافق؛ فإذا بمصر العظيمة تتقزم، وتصغر، ويفرج قضاؤها على عتاة الفساد، وينحسر دور الدين في الدروشة، ويغيب الضمير الاجتماعي ليحل الضمير الديني مكانه، وينشق المجتمع كما انشق البحر بعصا موسى، ويكتشف المسلمون أن شركاء الوطن غرباء الأرض، ويكذب الأقباط .. أصحاب أعدل قضايا الوطن فيمنحوه ثقتهم رغم سلفيته البرهامية الواضحة.

إعلام مصر فضيحة كل العصور، وهو خصم للوطن والمواطن والثقافة.
إعلام مصر هو يوم القيامة المصري، وهو يؤكد أنه، بدون أدنى مبالغة، لو قدّم حمارٌ طلب تعيينه مذيعا أو حواريـًـا في فضائية مصرية، فلا تتعجبوا إنْ تم اختياره قبل بدء الاختبار بوقت طويل.
محمد عبد المجيد

طائر الشمال

أوسلو في 12 مايو 2017



فيروس الهبالة!




كتبت في سنوات طويلة عن النقاب وتغطية وجه المرأة مقالات من المفترض أن من تقرأها تمزق قطعة القماش، وتفصح عن وجهها، وتلعن يوم أن ضحك عليها الرجل وأقنعها أن الله جعل عورتها في وجهها، وأن وأدها ينبغي أن يستمر فهي المبني للمجهول.
 كتبت تلك المقالات وتصورت أن زوج أو أب أو أخ المنقبة سينزعه من على وجهها فهو يريد أن يحافظ على كرامة حريمه، وأن يعرف من الذي يسير معها ومن يدخل بيته وغرفة نومه خلف خمار، رجل أم امرأة!
 وبالرغم من أن التأمل في النقاب وتغطية وجه المرأة يجعل من لديه كرامة لا ينام الليل ، فإن كثيرا من الناس يُصرّون أنه فرض، وأن الخيانة الزوجية غير المرئية لا بأس بها، وأن من دخلت غرفة نومه هي امرأة وليست رجلا، وأن النقاب ( حرية شخصية ) رغم أن المنطلق ديني كما يؤكدون!
 لم أتخيل الشيطان في حياتي ضاحكا حتى سقط على قفاه مثلما أتخيله وهو يقنع الأغبياء أن الإرهابي والمتحرش والخائن والعشيق للزوجة أو للأخت أو للابنة يمكن أن يتنقب!
 قولوا لي يرحمكم الله: هل هناك فيروس اسمه الهبالة مستخرَج من آخر اسمه العباطة أصابنا؟

محمد عبد المجيد
 طائر الشمال

مومياوات أجدادنا يُبعَثون لمليونية!




أسهلُ طريقةٍ للاحتيالِ علىَ البسطاءِ هي الإيحاءُ لهم بحُكم الشريعة، فهي عملية نَصْب وتزوير وتزييف وكازينو، تماماً كما يشكر تاجرُ المخدرات اللهَ لأنَّ البضاعة وصلتْ سليمة وأنَّ المالَ الحلالَ(!) لا يضيع!
 الحُكمُ بما أنزل اللهُ ليس له فَهــْـمٌ آخرغير الاستعانة برجلٍ، يُخطيء ويُصيب، فيتولىَّ تفسيرَ المُقدسِ حسبما يقضي هواه وفي حدودِ قــُـدراته العقلية والتي قد تكون عبقرية أو.. مُعاقة ذهنية!
 لكن بوجهٍ عام ومع اختلاط السياسة بالدين، ودخول دراويش مملوءة أدمغتُهم بخرافاتٍ وخزعبلاتٍ وأتربةِ كتبٍ عتيقة مجهولة النسب حَلبة الصراع تصبح الدعوةُ إلىَ ( الحُكم بما أنزل الله) ليست أكثر من (الحُكم بما يغضب الله).
 تسعة من كل عشرة من رجال الدين الذين يزعمون أنهم يحكمون بتوجيهات إلهية ينبغي عمل فيش وتشبيه لكل منهم.
البلطجة الدينية تبدأ بتفسير آيات سامية بواسطة من لم يُسَجَّل خطر بعد!
 ما أسهل أنْ يُقْسِم قاتلٌ بأنه مبعوثٌ من اللهِ، وأنْ يحلف مُهرِّبُ مُخدرات أنْ اللهَ شاهدٌ علىَ جَوّدة بضاعته، وأنْ يذبح حاكمٌ ثلثَ رعيته لأنَّ إلهاماً جاءه مِن السماء، فاستجاب لنداءِ الرب!
 الشريعة السمحاءُ يفسّرها الشيطان بمعجزة بلاغية، والمنبر يعتليه اللصُّ والشريف، والحروب المقدسة ليست بالضرورة من أجل الحق.
 لم يحدث في التاريخ المصري الحديث أنْ احتفل إبليس بأعياد ميلاد أولاده كلهم في نفس الوقت والمشهد ونظام الحُكم!
 أخشى أن نستيقظ ذات صباح مصري قح فنصطدم بمليونية بجوار الأهرامات تقوم بها مومياوات كانت محنطة، وأرادت أن تسترد مصر من أولادها غير الشرعيين، فاللصوص لا يرثون الفراعنة.

محمد عبد المجيد
 طائر الشمال

قابلتُ سكانَ الجنة!




رأيتُ فيما يرىَ النائمُ أنني في الجنة، أتنزه، وأتمشىَ، وأُحـَـيّي أناسـًـا عن اليمين وعن الشمال قاعدين.
 صافحتُ مسلمين ومسيحيين ويهودًا وبوذيين وهندوسـًـا وصابئة وبهائيين وبابيين وأحمديين وملحدين وكونفيشيوس وزرادشت ومن كل الأديان والمذاهب واللا أديان الذين ظننتُ بهم في حياتي الأرضية ظن السوء، وعقدت بغبائي وغروري وكبريائي بيني وبين نفسي محاكمات سريعة لهم حيث حذفت أسماءَهم من سكان الجنة، فإذا بهم يسبقونني إلى رحمة الله في جنة عرضها السماوات والأرض أعدها الله للمتسامحين والطيبين. 



محمد عبد المجيد
طائر الشمال

أوهام الشفاعة!



الرسالة القرآنية واضحة وصريحة" فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره؛ ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًا يره" إنها ملخص قوانين الحساب الأخروي، فيوم القيامة ليس أوكازيون لمن يستجدي من غير الله الشفاعة، والمُلك يومئذٍ لله.
 أما القول بأن نبي الإسلام(ص) سيشفع لمليارات من المسلمين جاءوا بعده، ولا يعرفهم، ولم يرهم، ولم يؤمنوا برسالة عرضها عليهم، إنما بدين توارثوه وليس لهم فضل في الإيمان به، فهذا ظلم بيّن فــي أهم قضايا الإيمان.
 من يشفع لك، أيــًــأ كان دينك أو لا دينُك، هو الله، جل جلاله، فلا تصدّقوا باعة أوهام الشفاعة، ولا تتخطوا عظمة الله، ولا تقفزوا فوق ملك الملوك، يُـعـِـز من يشاء ويذل من يشاء.
 إن الكُسالىَ الذين يرتكبون الآثام والمعاصي ويعتمدون على شفاعة تتناقض مع صُلب تعاليم القرآن الكريم لن يحصلوا عليها لأن الإيمان ينبغي أن يكون لله فقط.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو 

02‏/06‏/2017

النقاب حرام .. حرام .. حرام!



مع اشراقة كل يوم يزداد إيماني بأن إبليس بنفسه وناره وشــرّه يقف خلف اقتناع المسلم الأحمق، والمسلمة العبيطة بأن النقاب أمر من أوامر الله، عز وجل، وحاشا لله أن ينزل، سبحانه، إلى ما يزعمون!

المنطقة المحرمة في الفكر العربي والاسلامي تكاد تبسط هيمنتها على العقل كله, ثم تترك كوة صغيرة لإطلالة لا تسمن ولا تغني من جوع. 
والمحرمات كثيرة وعديدة وتبدو كأنها هي الأصل في الحياة العربية والاسلامية, أما المسموحات فلا تنطلق في الهواء الطلق بدون مرور على عملية غربلة جديدة لعل فيها المكروه والمشتبه به والمسكوت عنه والفتنة النائمة!

المثقفون العرب يختارون مسبقا قبل عرض أي قضية جانب الأمن والسلامة, ويتجنبون الصدام بكل أنواعه, مع السلطة, ومع الجماعات الدينية, ومع الفكر المتطرف والمتزمت والمتشدد خشية الدخول في معارك غير مأمونة الجانب من القضاء أو الدستور أو القوانين أو مفاجآت الأحكام العجيبة الخارجة من رحم العصور الوسطى. 
 تعكير البحيرة الراكدة مهمة شاقة في عالم من المحرمات يختلط فيه المازوخي بالسادي لينتج عنهما سوط يتلذذ به الاثنان معا, الضارب والمضروب.

ونحن نعلم مسبقا أن الماء الجاري أكثر نقاء وطهارة من الماء الراكد الآسن, وأن العقل العربي الذي أفرز هزائم وفسادا وجمودا ونهبا لوطن وزعامات مستبدة وشعوبا تخرج في مظاهرات غاضبة على رسم كاريكاتيري لمجلة أمريكية في طبعتها الهندية, لكن نفس الجموع تقابل المهانة والطغيان والقسوة والمعتقلات والتعذيب والظلم ببلادة لا مثيل لها. 
 المرأة هي الشغل الشاغل لفكر التدين الجنسي الذي اجتاح عالمنا العربي في العقود الثلاثة المنصرمة, فهي الشهوة والفتنة ونقص العقل والدين وأكثر أهل النار من النساء! 
 والرجل الشرقي والعربي والمسلم بوجه عام يعاني من صراع مع قوى الاستبداد في العمل والشارع وقسم الشرطة والضرائب والفواتير وصناديق الاقتراع وقوانين الطواريء والتهميش الكلي من جانب القصر المعمور بذئاب السلطة.
 فكرة النقاب التي تحولت إلى نموذج للعفة قامت في الواقع على انحراف مزاجي شاذ لقوى الفساد التي رأت في المجتمع المفتوح والصحي والصريح كشفا وتعرية لها, ولم يكن من الممكن أن يتنفس الفساد, وتتوسع دائرة الرذيلة في محيط يعرف كل المقيمين به أفراده, من نساء ومن رجال وأطفال وأغراب وزائرين وعابرين. 
 وتفتق ذهن شيطاني مهووس بالجنس عن أهمية وضرورة تغطية وجه المرأة حتى لا يتعرف أحد عليها وهي تسير بجانب زوجها أو شقيقها أو عشيقها أو صديقها, ونفس الأمر ينسحب على الرجل الذي يمكن أن يسير مرفوع الرأس أمام الجيران وسكان المنطقة ورجال الأمن وشرطة الآداب ولو كان بصحبة امرأة لم تستغرق معرفته بها أكثر من سويعات قليلة.

الاسلام العظيم أمر باشهار الزواج حتى يعلم كل فرد حدوده, ويتعرف الناس والجيران والأصدقاء والمعارف على الزوجين, وتتراجع فرص الخيانة الزوجية, وتدخل المرأة في حماية أهل منطقتها ورجالها وذوي الشهامة ممن يعرفون آداب وسلوك العلاقات المستقيمة في الاسلام. 
 والنقاب ليس فقط تغطية للوجه, لكنه اعتراض على واحدة من أروع وأجمل وأكبر معجزات العلي القدير الذي جعل الوجه مرآة لمئات المشاعر والأحاسيس من غضب وفرح وسعادة وبهجة وحزن وازدراء وطيبة وقسوة وتوسل وكبرياء ومكر وحب واسترحام واستعطاف وحسم وحزم وصحة ومرض وغيرها الكثير 

والعلاقة بين الرجل والمرأة المنقبة تقوم على شكوك وأوهام وخرافة الفتنة التي لم يجعلها الله, عز وجل, في الوجه مهما بلغ سحره وجماله وجاذبيته, لكن النفس المريضة التي تعفنت في أصحاب التدين الجنسي أوهمت المسلمين الأصحاء بأن طريق العفة يبدأ بتغطية الوجه, والحقيقة أن الفساد والرذيلة والأعمال المخجلة تنطلق من تغطية وجه المرأة لتتم التغطية على تحايل الرجل لخلق فرص الخيانة الزوجية في غياب التعرف على المرأة من قبل المجتمع والأقارب والمعارف والجيران.
 الاسلام الحنيف بريء من الفكرة المريضة للنقاب, والذين يتحدثون عن الفتنة إنما يخرجون ما في نفوسهم من خيالات وأوهام وهراء , فالأصل أن المرأة مخلوق كالرجل تماما, وأن تنقية المجتمع من الفساد وحمايته لا تستقيم إلا بعلاقة جميلة وأخوية وصحية وصريحة يرى فيه كل منهما وجه الآخر, ويكتشف ما لم يصرح به اللسان في النقاش والجدال والأحاديث الودية والأعمال الوظيفية والزمالة في الدراسة والعمل والشارع والمحل وفي كل مكان يضع فيه المجتمع ضوابطه السلوكية انطلاقا من فرضية البراءة وليس من الاتهام الموجه من المتطرفين والمتشددين.
 أما على المستوى الأمني فالنقاب سلاح لا يختلف مطلقا عن البندقية والمتفجرات , بل قد يكون أشد فتكا. وهناك عمليات ارهابية ضد الأبرياء تخفى خلالها المجرمون والارهابيون والقتلة خلف النقاب.

سذاجة وحماقة الأمن في دول عربية كثيرة جعلتهم يفسحون المجال للارهاب تحت سمع وبصر الجميع بحجة أن التي تسير أو تقود السيارة أو تمشي في الأسواق وتختفي خلف نقاب لا تنتمي لعالم الشر الذي تمثله قوى الارهاب, والنتيجة الطبيعية كانت مزيدا منه, وحماية من فقهاء الفتاوى الفجة في غياب تام للعقل العربي والاسلامي الذي يرفض رفضا قاطعا الاصطدام مع أباطرة الفتوى وأرباب التحريم.
 الأمن في العالم العربي الذي تعلم أفراده أبسط قواعد التعرف على مرتكبي الجرائم من الوجه أو بصمات الأصابع ( بلى قادرين على أنْ نسوّيَ بنانــَــه ) يغمض عينيه ويغض الطرف عن جريمة الجرائم في اخفاء الوجه واليدين وكأن أجهزة الأمن العربية تشارك الارهابيين والقتلة والمجرمين واللصوص في أعمالهم أو تتستر عليهم. 

عندما تقف المرأة المنقبة أمام الرحمن الرحيم يوم لا ينفع مال ولا بنون لن تستطيع أن تبرر هذا العمل المناهض لمعجزة الخلق, ولن تجيب على سؤال من رب العزة عن أسباب حجب معجزته ونعمته في الوجه ليكون الانسان خليفة على الأرض وتستقيم الحياة والعلاقات بين أبناء وبنات آدم وحواء.

نعم, النقاب حرام .. حرام .. حرام. 
 إنه الاسلام الحنيف والعظيم الذي أحببته, وآمنت به, وتعرفت عليه منذ طفولتي, ولم أتراجع يوما واحدا أمام الهجمة الشرسة لقوى التطرف التي تسعي للفساد بتغطية وجه المرأة. 
 مرة أخرى حتى لا يُساء الفهم: النقاب كما أراه دعوة للفساد والرذيلة, ويتعارض مع تعاليم الدين الاسلامي الحنيف, وهو اختيار إما أحمق وساذج من منطلق عقل توقف العمل به منذ زمن بعيد, أو خيار واع لقوى الفساد لمنع المبدأ الاسلامي بالتعرف والاشهار. 
 هكذا خلقنا العلي القدير لنكون شعوبا وقبائل, ونتعارف, ويحب بعضنا بعضا, أو يبغض أحدنا الآخر, ولكن النقاب الذي فرضه الفكر المنغلق أو قوى الرذيلة حرمنا من نعمة التعارف, ووضع المرأة في خدمة التدين الجنسي, وأهال على عقلها التراب, وأوهمها بأنه يدافع عن عفتها, لكنه في الواقع يُدخلها في معصية الخالق عزو وجل. 
 النقاب حرام دينيا, وجريمة أمنية في حق الوطن, واخفاء لمعالمها, وعصيان لأوامر الله العزيز الرحيم
وأنا مسؤول أمام الله، عزّ وجل، عن رأيي.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو  النرويج

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...