26‏/12‏/2020

غباء أنجيلا ميركل وذكاء السيسي!

 غباء أنجيلا ميركل وذكاء السيسي!

تخيلت أن الرئيس السيسي أرسل إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل رسالة عتاب بعد تخليها عن رئاسة الحزب، فجاء العتاب على النحو التالي:
لم يخطر على ذهني أنكِ بعد ثمان عشرة سنة في رئاسة الحزب لأقوى دولة في أوروبا تغادرين مقعدا تدفأ بكِ،وتحتفظين فقط بمنصب المستشارة.
ما رأيت في حياتي غباءً مثل هذا!

تُقيمين في شقة متواضعة بالقرب من مكتب الرئاسة بدلا من شراء قصر واستراحة في كل مدينة ألمانية، وحتى قرية أو شارع!
تتسوقين بنفسك الخضار والفاكهة؛ وأنا الرئيس المصري أجعل جيشا وطنيا عظيما في خدمتي لو طلبت من قياداته إمساك منشفة الحمّام لي لما تأخر أي قائد منهم.

تقودين أقوى اقتصاد في العالم المتقدم وتحصلين للأسف على مرتبك الشهري كاملا لا زيادة ولا نقصان، ولا تتبرمين أو تمتعضين، وأنا أرى قناعتكِ ضعفا أنثويا، ولو كانت حرمي المصون مكانكِ لقامت بتغيير أثاث القصور والاستراحات مرة في كل يوم؛ أقصد كل ساعة!
إنني أراكِ فاشلة في علاقتك بشعبك، فأنت تحترمين المواطنين وهم أقل شأنا منكِ، وتنزلين عند رغبة الألمان الجهلاء فيتحكمون في يومياتك الحُكمْية كأنكِ خادمة لديهم، وليس العكس كما أفعل أنا مع أحدث سلالات الفراعنة الذين انتهتْ حضارتهم تحت حذائي.

أتذكر دهشتك عندما قمت بزيارتك واصطحبني رهط من الإعلاميين المصريين، وفي المؤتمر الصحفي المشترك كانوا يصفقون لي بدلا من طرح الأسئلة، أما الصحفيون الألمان فظنوا أن مهمتهم إعلامية وليست خدمية مثل من جاؤوا معي في الطائرة الرئاسية على نفقة دولة فقيرة تدفع لهم نظير تطبيلهم.

لا أحترمكِ فأنت لم تحصلي على حقك من مليارات أغنى دولة أوروبية، وستنتهي حياتُكِ البائسة في شقة متواضعة، وفي كل صباح تمشين بين الناس، وتتسوقين الطماطم والليمون والخيار والأسماك وقطعة لحم صغيرة وتحملين الشنطة البلاستيك عائدة إلى البيت لطهي طعام الغداء؛ أما أنا فلا أعرف شكل الأسواق، ولم ألمس فاكهة أو أتسوق بنفسي أو أسحب مبلغا من المصرف المجاور، فالدولة كلها مِلـْكُ يميني، أستطيع أن أبيعها وشعبها ونهرها وبحرها وغازها ونفطها دون أن يرفع أحد عينيه أمام حذائي!
غباؤكِ، السيدة المستشارة، حيّرني كثيرًا، فسجونُك خالية إلا من المجرمين، ومعتقلاتُك لا تشبه معتقلات هونيكر في مسقط رأسك، ألمانيا الشرقية، فما هي فائدة الشرطة والجيش والسجّانين إذا فعلنا مثلكِ، واحترمنا الناسَ، وأنتِ تعلمين أن الشعوب مجرمة بالفطرة، وأن الجماهير التي لا يسلخها الحاكم بالسوط تحتج بالصوت!

ثمانية عشر عاما لو كنتُ مكانَكِ لأصبحت أغنى رجل في العالم، ولما كان في سجوني مئة ألف معتقل فقط، ولكن ملايين؛ وكنت سأجد بسهولة متعاونين ومرشدين ووشاة يجمعون لي معلومات عن كل من يتنفس بدون أذن مني.

تُضيّعين وقتكِ الثمين فتقرأين، وتتثقفين، وتتناقشين في الأدب والرواية والاقتصاد والسياسة والحروب والجيوش، وتتحدين أقوى دول الأرض، أما أنا فذكائي أرفع من ذكائكِ، فأحصل على المساعدة كرشوة من دول غنية، وأشتري بها أسلحة من أمريكا وفرنسا وبريطانيا، واقترض ليسدد أحفادُ المصريين القروضَ وفوائدَها، ومع ذلك فالمصريون يصفقون لي ليلا ونهارا، بل إنهم شرسون، ومتوحشون، وغاضبون على كل من يعارضني.

أنا لا أحترمكِ، السيدة المستشارة، فأنتِ امرأة، وأنا سلفي النزعة، وأنت تؤمنين بخرافة كرامة الفرد، بل يستطيع أي وغد حقير في الشارع أن يوقفكِ، ويناقشكِ، فتردّين بابتسامة الضعفاء بدلا من اعتقاله هو وأهله وعشيرته!
أما أنا فأجلس أمام الوزراء والجنرالات ورئيس البرلمان وأدير لهم ظهري في المؤتمرات، ولا أسمح لأحد منهم أن يناقشني أو يجادلني وهم سعداء، بمن فيهم قيادات الجيش الوطني والشرطة والإعلام والبرلمان، فحضورهم خلفي أقصىَ أمانيهم.

أتعجب أنكِ لم تتنازلي عن أرض للنمسا، وعن مياه لفرنسا، وعن حدود لسويسرا، وكأنكِ حارسة على الوطن وخادمة لشعبه، والحقيقة أنكِ كنتِ في حاجة للتعلـُّـم مني؛ فأنا لست خادما للمصريين الغوغاء، والخائفين، والمنكمشين، والمتعاونين، والوشاة، والذين يعارضونني بأدعية للسماء وهم مختبئون في غُرفهم، لكن المئة مليون هُم خدم لديَ ولدى أسرتي الكريمة.
تتنازلين عن رئاسة حزبكِ بكل سعادة، أما أنا فرئيس كل الأحزاب المؤيدة والمعارضة، ويمكنني أن أجلد رؤساءَهم على ظهورهم العارية متي شئت وفي أي مكان.

غباء منكِ، أيتها المستشارة الألمانية، إبداء الاحترام والتوقير والإنصات لكل مواطن أو وافد أو لاجيء أو غريب على أرض بلدكِ، فأرواح الزعماء طاهرة وأرواح الشعوب كمثيلتها لدى الكلاب والخنازير و.. الطحالب!

شعبُك تعلــَّــم أن القراءة معرفة، أما لدينا فإنْ تعلــَّــم المصري أو تثقف فكفُّ شاويش على قفاه يعيد تعليمه العبودية، إنْ لم تكن الطوعية فالقسرية!
حزين أنا عليكِ، أيتها المستشارة، فالنساء فعلا ناقصات عقل ودين، كما قال شيوخ السلفية في بلادي الحبيبة، ولا أفهم كيف لا يأتمر القضاء الألماني والكنيسة والبرلمان والناس بتوجيهاتكِ، كما تفعل مصر كلها معي، فأنا الأول والآخر والظاهر والباطن، وليس الله؛ كما يعتقد المؤمنون الساذجون، فعصيان الله مغفور له، أما عصياني أنا فينتهي بصاحبه إلى جحر للمعتقلين والفئران.

أخشى تنازلكِ عن منصب المستشارة إذا أرادتْ الجماهير الحمقاء قبل أن تعلمينهم كيفية الزحف على البطون أمام القصر.. أقصد أمام شقتك المتواضعة!

أنا لست في مثل غبائكِ في رفع مستوى معيشة المواطن، وإيجاد فرص عمل؛ لكنني بعبقريتي اكتشفت أن التسوّل من الأثرياء يجعل شعبي مدينا لهم فيجبرونه على الخضوع التام لي.
رسالتي تلك لو أرسلها للشعب الألماني صحفي لانقلبت البلاد عاليها سافلها، أما نحن فمئة مليون نسخة من هذه الرسالة لا تحرك بعوضة من مكانها، ولا تجعل نملة تدخل مسكنها.

أنتِ تستأذنين الشعب وفي بلدي يستأذنني الشعب، فأنتِ خادمة وأنا سيد، وأنت جاهلة بعلوم وأنا عالم بجهلي، وأنت ترفعين الشعب فوق رأسك، وأنا أضع الجماهير تحت قدمي، وشعبك يؤمن أن الدين علاقة بينه وبين ربه، وفي مصرنا فالدين علاقة بين أوامر القصر وجباه العبيد، وأنت تتوهمين ثراءَكِ بفقركِ وأنا أطمع في خيرات مصر لرفاهيتي، وأنت تنصتين لصحفي ألماني لا يرتعش أمامك، وأنا لا أنصت لصحفي مصري حتى وركبتاه تصطكان فزعا أمامي.

أنا طبيب الفلاسفة كما خلقني ربي، وأنت تقرأين لشوبنهاور ونيتشه وكانط وإنجلز وجوته وجونتر جراس فـ( طبلُك صفيح)، وخربشة حنجرتي تغريد بلابل.
أعتذر لرسالتي؛ فأنا السيد لم أرسل من قبل رسائل لخادمات الشعوب.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 26 ديسمبر 2020

25‏/12‏/2020

صناعة المُسلم الأفيوني!

 

صناعة المُسلم الأفيوني!

الدين يمثل برنامجاً سماويا لترتيب المنهج الرباني في النفس الإنسانية؛ لكن الذي يحدث منذ عقود هو أن هذا البرنامجَ السماوي السامي يُستخدَم من لدُن الحمقى والدراويش لصناعة الهَبَـل، والعباطة، وتسويق الخرافات، وترديد حكايات ورقية هشة كأنها حقائق رغم أنها لا تُقنع جنينا قبل أنْ يسقط من بطن أمه!

يمكنكم متابعة مئات، وآلاف البرامج التلفزيونية، واليوتيوب، والخُطَب الدينية،والمنبريات من الشيوخ الزبيبيين وهم يقُصّونها بطُرُق هستيرية تنتقل بين الهوس الجنسي، وبين التأكيد على تفاصيل دقيقة لا يمكن أن يتحقق من صحتها ولو عفريت من الجن عاش منذ أربعة عشر قرنا.

مرويات تستحق أن يمر المؤمنون بها على مصحّات نفسية وعقلية قبل غربلتها والوصول بها إلينا.

شيوخ منشغلون بأحقر، وأتفه ما ترسب في قاع الجهل، فيعيدون ترميمَها، ويضيفون إليها الصوت، والصورة، والصرخة، والآياتِ المقدسةَ، وما قيل بأنها أحاديث نبوية حكاها مجهولون عن مجهولين حتى إذا شاهدها وسمعها المسلمون مع أفواه مفتوحة، وشفاه متبلدة، وإيحاءات بقدسيتها تكون الفأسُ قد وقعتْ في الرأسِ، وتتسلل هذه الحكايات الخَرَفية، والخُرافية، والخريفية فتصنع المتخلفَ، والأبلـَـه، والداعشي، والإرهابي، والمُغيَّب!

الخطر على عالـَمِنا بعد الطواغيت والديكتاتوريين والمستبدين يأتي عن طريق المنبر، والداعية، والشيخ، وراوي الحكايات التي تُعادل كلُّ حكايةٍ منها في خطورتها كيلو حشيش، أو خمسين جرام هيروين، أو عَشْر حِزَم من القات!

أعترف لكم بأنني أشعر بقرف، وغثيان، ويأس، وإحباط لدى مشاهدتي دقائق معدودة لمحمد حسّان والحويني ومحمود المصري وعمرو خالد ومصطفى حسني وعبد الله رشدي ومحمد حسين يعقوب ووجدي غنيم وعشرات.. ومئات غيرهم؛ فهؤلاء لا يمثلون من قريب أو من بعيد ديني الإسلام الحنيف.

الخُطب الدينية أوضح عمليات احتيال، وتدليس، وغشّ تُبْعــِـد المسلمَ عن الله، وتُقرّبه من وثنية هرائية، وتُلصِق بذهنه ما ورثه الجهلة عن أسلافهم، أو عن كتبٍ غير معروف مصدرها.

الخُطبة الدينية أصبحت جريمة مكتملة الأركان، متكاملة البلاهة، مُغطاة بسطحية ساذجة، مليئة بكل مواد التخدير التي تداعب حِسّياتٍ جنسيةً لدى المسلم، أو أحلام اليقظة، أو طاعة الحاكم الظالم، أو عشق الجهل، أو كراهية كل ما ليس إسلاميًا على هواهم.

والمسلم الذي جهّلته الخطبُ الدينية لا تتحرك شعرةٌ في جسدِه إذا عرفَ أنَّ الحاكمَ الديكتاتورَ ذبحَ الشعبَ فردًا.. فردًا؛ لكن نفسَ هذا المسلمَ يُعلن الحربَ على من ينفي وجود الثعبان الأقرع، أو علامات الساعة، أو ظهور شعر رأس المرأة، أو عدم تحريك السبّابة في التشهد،  أو أنَّ صحيحَ البخاري مليء بالمغالطات و.. الخرافات!

أتذكر في مقال لي عن جرائم التعذيب في عهد حسني مبارك وهي جرائمُ تُحرّك الصخر من موضعه؛ وتحدثت عن مَلــَــك الموت؛ فانبرى مسلمٌ الخُطَبِ الدينية يردّ على مقالي وكأنه يحمل سيفـًا، مُهددًا، ومُتوعدًا لأنَّ صديقـًا له قرأ المقالَ وأبلغه أنني استخدمت تعبير عزرائيل، فكيف لا أذكره باسم مَلــَـك الموت؛ وليس عزرائيل كما جاء في مقالي، وهذا ما لفتَ نظرَ صاحبِنا المصنوع مُخاطُ مُخِّه فوق المنبر!

 الخُطبة الدينية يُحَرّكها القصرُ بطاغيته لتستمر الشعوبُ في نومِها الدائم مع وعودٍ بأنَّ من يصبر على الظلم سيجد الجنةَ في انتظاره، فاللهُ يمهل و.. لا يهمل!

الخطبة الدينية التي تبدأ بحزمة من الأدعية وتنتهي بأضعافها ليستْ أكثر من تخدير ونصب واحتيال.

إن وجود استثناءات قليلة.. بل قليلة جدا من علماء مستنيرين يُثَبّت الأكثرية من محاربي الإسلام باسم الإسلام.

سيقول قائلٌ: وما رأيك بالشيخ الفلاني؟ وأقول: أنا أتحدث عن مئات و.. آلاف من الشيوخ الغوغاء، وأباطرة الحكاوي، وأمراء المرويات التي لا يصدّقها ضفدعٌ يحتضر، أو فأرٌ مَيّتٌ، أو سِحْلية مريضة!

لقد خلط المسلمون حكايات اليوتيوب، والعباطات، وبورنوجرافيات المنابر وبين الإسلام العظيم، فسقطَ المسلمُ الحديثُ من القرن الحالي إلى قرون طويلة خلتْ، وصدّق المسلم أحاديثَ دارتْ في خيام متحركة بأقصى قرى معزولة حكاها لنا أناس لم يعيشوها، أو يعايشوها، فعششوها في أدمغتهم مع صبغة مقدسة لتوحي للساذجين أنها من الدين.

الخطبة الدينية أصبحتْ كأنها تجارةُ مخدراتٍ في الحلال؛ فصنعتْ المسلمَ المُغَيَّبَ، والغائبَ عن عصره.

الديكتاتور، والجهل، والظلم، والسجون، والمعتقلات، وتنويمُ الجماهيرِ صُنعتْ فوق المنابر، وعلى الشاشة الصغيرة، و.. في اليوتيوبيات الجاهلة.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

 عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 25 ديسمبر 2020  

07‏/12‏/2020

الحلُّ السعوديُ لأزماتــِنا!

 الحلُّ السعوديُ لأزماتــِنا!

عنوان مقالي هذا يستحق التهَكُّم قبل القراءة، ويضرب القاريءُ كفـّـاً بكَفٍّ على الحلِّ السعودي لأزماتِ العربِ، وأكثر المسلمين سيتهمون صاحبَه بالجنون قبل الانتقالِ إلى السطر الخامس.

كما ذكرتُ من قبل عدة مرات بأنَّ علاقتي بالمملكة طوال السنوات التي كان الملك سلمان بن عبد العزيز أميرا للرياض، ثم ملكا لهذا البلد المترامي الأطراف، الحدودية والدينية، كانت نموذجية و.. جميلة بكل المقاييس.

وعندما لا أشعر بالاطمئنان الأمني كصحفي أقوم باستفتاء باطني للتأكد أنَّ قلبي لا يضطرب، تمامـًـا كما حدث عندما تلقيت دعوة لزيارة طرابلس الغرب ولقاء العقيد معمر القذافي مع رهط من الصحفيين؛ فاعتذرتُ؛ ثم عرفت بعدها بعام من سفير الجماهيرية في كوبنهاجن عن طريق صديق عزيز أنهم كانوا قد أعدّوا لي مفاجأة صادمة نجوتُ بفضل الله منها.

وكذلك في الدعوة الثالثة من بغداد مع صحفيين لمؤتمر القمة العربي في 31 مايو 1990، رغم تأكيد مدير الإعلام الخارجي صلاح المختار بأن صدام حسين كان يتابع مقالاتي في طائر الشمال، وفهمتُ من زيارتي الأخيرة (7-10 مايو 1990) في المؤتمر الشعبي للتضامن مع العراق أنني لن أعود للعراق مطلقاً.

زيارتي الأخيرة للسعودية كانت تنسخ نفسَ إشارات الخطر، ولولا محبة الأمير سلمان لي(الملك حاليا)، ودعمه المعنوي والأدبي الصريح لكتاباتي الحادة لما قمت بأي زيارة.

وعندما تورطت في الحديث المُسهب، والشديد عن اغتيال جمال خاشقجي بعدما تصورت بسذاجتي أن الضمير العربي سيساندني، اكتشفتُ أنَّ كل الأيام مواسم مقدسة سعودية، وأموال خضراء لأكثر الإعلاميين، فضلا عن سلطات أمن بلادهم بإغلاق الفم وخياطة الشفتين!

كيف إذن أثق أن الحل السعودي( ليس الذي اقترحه محمد جلال كشك) سيعيد التوازن لنفوس وعقول كسّرتها، وشَوَّهتها، وجمَّدَتها عشرات الآلاف من الأفكار، والرؤى، والفتاوى، والتفاسير، والرجعيات التي نقلتها المؤسسة الدينية وفروعها مع هالة القداسة إلى جموع المسلمين فصنعتْ في كل بيتٍ دواعشَ، وعاد العاملون، والمغتربون إلى بلادهم؛ وقد تأخونتْ، وتسَلـّفَتْ، وتدعوشتْ، وتطلبنتْ جموعٌ هائلةٌ أصيبتْ بأخطر فيروسات العصر وهو فيروس الاستدارة إلى الخلف لتنهل من كُتُبٍ، وأفكار، وعنعنات، وحكايات، ومرويات أكثرها لا يصدّقها سكان غابات الأمازون أو قبيلة هيمبا أو الماساي!

قلة من المؤسسة الدينية كانت مستنيرة ومعبرّة عن الوجه المشرق للإسلام في السعودية وعلى رأسها الدكتور عبد الله عُمر نصيف، أمين عام رابطة العالم الإسلامي سابقا، والمستشار علي الشاعر وزير الإعلامي السابق( رحمه الله)، لكن الغَلبَة، والسطوة، والهالة، والقداسة كانت لعشرات الآلاف من أباطرة الفتوى، والتفسير، والشرح السادي، والدعوة الدموية، وجعل القرآن الكريم مرادفـــًا للمقصلة.

وعاش ملايين من المغتربين والوافدين في كل الوظائف تحت تأثير أباطرة الجهل المقدس، وكلما عاد فوجٌ إلى موطنهم أخذوا معهم تعاليم، وتوجيهات تبدو في ظاهرها كأنها إسلامية، لكنها في الواقع عنعنية لا تخلو من الإسرائيليات والحكايات المفبركة والأساطير والغيبيات.

وعلى مدار عشرات السنين فسد العقل الإسلامي من مصر إلى باكستان، ومن الصومال إلى بنجلاديش، ومن السودان إلى نيجيريا!

تساوى العالــِم والجاهل، الأكاديمي والأمي، المعتدل والمتطرف؛ فكلهم استسقوا الدعوة الإسلامية من منابر التيارات الدينية المتطرفة، والمتشددة، والمتزمتة، فسقتهم جفافــًا في المشاعر، وكراهية لكل من هو غير مسلم على طريقتهم، واستبدلتْ بزمانهم أزمنةً ديناصورية  يخجل منها سكانُ الكهوف.

وتم اغراق ثلاثة أجيال بتفسيرات دراويش تنبعث منهم روائح البخور والجهل وتولوا بأموال الشعب والذهب الأسود صناعة رجعية مخيفة في كل شيء: المرأة والطفل والرجل والتعليم والأوامر والنواهي مع عصا غليظة أو أحجار للرجم أو سيوف للقطع بحجة أن هناك اتفاق جنتلماني بين آل سعود و..  المؤسسة الدينية.

عاد المغتربون إلى بلادهم أكثر تعصبـــًا وتزمتا بقلوب صخرية لا ينبجس منها ماء.

وكان لمصر بعد مئة عام من نهضتها المباركة نصيب الأسد؛ فاقتحمتْ الأفكارُ الغريبة عقولَ، وأفئدة المصريين، بل كاد أسامة بن لادن يستقر في عقل كل مصري مسلم، إلا من رحم الله.

وتغيرتْ الملابس والأفكار والعقول ، واحتل الحرامُ توجيهات الإسلام الحنيف المتسامح، وتجمدتْ جماجمُ أتباع آخر الرسالات السماوية؛ فالمسلمون يستفتون أباطرة وشيوخ وباعة وتجّار الدين في كل شيء، من اختيار الكلية التي ينبغي أن يدرس فيها الطالب إلى كيفية الجِماع مع الزوجة، ومن الزواج من طفلة ملظلظة، ومربربة خرجت من بطن أمها لست سنوات قبلها إلى طاعة ديكتاتور سفاح لكنه يترك المسلمين يقيمون صلاة الجمعة والعيدين، ومن قتل من لا يُصلي أو يصوم رمضان إلى معرفة عدد أبواب الجحيم وأسماء الجان وفترة ممارسة الجنس مع كل واحدة من الحور العين، ومن معرفة طُرق الشفاء من كوفيد 19 إلى تهنئة غير المسلمين في أعيادهم!

وهكذا دواليك.. آلاف.. عشرات الآلاف.. مئات الآلاف من الوأد الفكري للعقل المسلم حتى تراجع المسلمون إلى مستهلكين لحضارات غيرهم، وقد اقتنعوا أن الله أرسل علوما لغير المسلمين ليستخدمها المسلمون مقابل الغرق في الأدعية ليلا و.. نهارا.

بدأتْ السعودية مع أفكار محمد بن سلمان، الذي أختلفُ أنا معه أضعاف ما أتفق، خاصة في شراء الذمم والضمائر والصحفيين وسيد البيت الأبيض، تُحرّك البوصلة في الاتجاه الإنساني وليس فقط الإسلامي، مع افتراض أنني أغمضت العين عن القنصلية السعودية في استانبول، وعن المهانة التي وجهها ترامب لوالده، الملك سلمان، الذي أحبه كثيرا!

الحديث يحتاج من قلمي إلى عدة موسوعات لشرح ملابسات التأثير الجاف، والمتخلف للمؤسسة الدينية السعودية بكل فروعها على العقل المسلم؛ لكنني أفترض ولي العهد الشاب، والذي هو بنصف عُمري، وأمامه ربما أربعة عقود ليحكم السعودية، نيّة الإصلاح والتجديد والتحديث واستعادة السعودية إلى العصر الحديث، أفكارًا وعقيدة وفهما وعلما واستنارة، قبل أن يذهب الذهب الأسود!

المصالحة في الداخل قبل الخارج، واقتحام بؤر الفساد الفكري والرجعي والمتخلف الذي أضر العالم الإسلامي وشوّه الإسلام كما لم تفعل كل التيارات الدينية.

الفكر الديني في السعودية، وأباطرة الفتاوى الفجّة كانوا وراء صناعة بوكوحرام، وطالبان، وداعش، والسلفية الوراثية الحمقاء، والاخوان المسلمين، وكوارثنا التي شهدت  بوضوح تسعة عشر إرهابيا سعوديا قلبوا الكرة الأرضية رأسا على العالم الإسلامي في تدمير البرجين التوأمين.

ربما يسأل الأمير محمد بن سلمان عمّا يمكن أن يقوم به، رغم استحالة أن يعرض عليه مستشار هذا المقال!

على ولي العهد السعودي كما فعل مع الأمراء في فندق ريتس كارلتون أن يجبر كل الشيوخ وأباطرة الفتوى ورجال المؤسسة الدينية على الاعتذار عن عشرات الآلاف من الفتاوى المُفجّرة، والمدمّرة تماما كما جعلهم يخرسون في تغطية وجه المرأة الذي ظل لخمسين عاما سببا في الاستغماية الجنسية، ويخرسون أمام قضايا الفنون والآداب والفلسفة والتعاون مع غير المسلمين والمصالحة الخليجية وهي قريبا بإذن الله.

على ولي العهد السعودي أن يمنع المؤلفة قلوبهم من صحفيين وإعلاميين ودبلوماسيين، فمن يقوم بالتلميع بأجر سيقوم باللعنة على المُلــَمَّعين بأجر مضاعف.

لقد تسَعْوَد المصريون، مثلا، في ثلاثة عقود، وزايدوا على شيوخ ودُعاة في السعودية حيث بدأ أكثرهم في التراجع والاعتذار.

على ولي العهد السعودي أن يُعيد صناعة نفسه على أسس جديدة فمنشرة القنصلية ستظل تطارده حتى تنتهي آثارها، ويختفي من الصورة كل من شارك فيها، ويُعاد الاعتبار لروح جمال خاشقجي.

على ولي العهد السعودي أن يمدّ يدَه إلى كل جيرانه، مخطئوهم قبل مصيبيهم، قطر واليمن وايران وتركيا وسوريا، فلا تقدُّم ديني أو علمي أو حضاري قبل المصالحة مع الجميع.

الحل السعودي لأزمات العرب والمسلمين في إرادة وفكر ويد الأمير محمد بن سلمان، فيقوم بالانخراط في عصر الحرية والكرامة وحق التظاهر ومنع اعتقال أي فرد لأسباب فكرية أو أيديولوجية.

الأمير محمد بن سلمان في أشد الحاجة لرسالة حب وتسامح وتنظيف ما علـَـق بديننا الحنيف من أوساخ دُعاة القسوة، والوحشية، والجهل.. والسلفية.

أتخيل أن الأمير محمد بن سلمان قرأ مقالي هذا من ألفه إلى يائه، وفكّر وتدبر، فسيجد فيه ، مع خلافي واختلافي الشديد، رسالة محبة للمملكة ولوالده الملك سلمان بن عبد العزيز، أطال الله عُمرَه، ليرى المملكة الجديدة في صناعة ابنه الشاب.

الأمير محمد بن سلمان في حاجة لجذب الملايين من العرب والمسلمين لبلده وليس فقط لذهبه وريالته ومقدسات على أرض  الوطن، فأكثر مادحي المملكة علنا هم كارهوها في الخفاء.

هذا هو الحل السعودي الذي تهكم على عنوانه الكثيرون(كما أعتقد)، والذي يوقن الناس أنه المستحيل عينه!

إنها محاولة مني لن يرضى عنها الأقربون قبل الأبعدين، المسلمون وغير المسلمين، السعوديون وغير السعوديين، لكنها رغبة قلمي أن يطرحها على الأمير الشاب!

ما زلت عند قراري بأنني لن أزور المملكة ما بقي لي من عُمْر!

عودة المملكة للحرية والكرامة ومحبة البشر وللإنسانية ولرسالة الله في خاتمة الديانات السماوية هي في مسح، وإلغاء، واحتقار، وازدراء، ومنع، وتجريم، وتحريم عشرات الآلاف من الفتاوى التي أفسدت عقل المسلم في نصف القرن المنصرم؛ حينئذ سيندهش ولي العهد الشاب عندما يلتف حوله العالــَمان العربي والإسلامي والأحرار وغير المسلمين من أشقائنا في الإنسانية عندما يصبح ملكــًا على عرش آل سعود.

تسعة من كل عشرة سيقرؤون المقال وهم واثقون بأنْ لا فائدة في الحُكم السعودي مع محمد بن سلمان، وأنا مع العاشر الذي يرى بصيص أمل من بعيد لا يبصره إلا من يحب هذا البلد العربي الكبير.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 7 ديسمبر 2020   

  

06‏/12‏/2020

مبروك للمغفلين فالأموال عادتْ للصوص!

 مبروك للمغفلين فالأموال عادتْ للصوص!


من منكم يتذكر حديث رئيسة الاتحاد الكونفدرالي السويسري وهي تطل علينا من الشاشة الصغيرة في 17 يوليو 2011 وتحث مصر على استرداد أموال طائلة في البنوك السويسرية(فقط) وقد ناهزت ما يعادل ملياري جنيه مصري، وقالت بأن الحُكْم على مبارك فقط هو السبيل الوحيد ليستعيد الشعب المصري أمواله.

وعرف القضاء المصري أن الكلمة الفصل له، وهي بالتالي لأي رئيس مصري حَكَمَ بعد مبارك.

ودخلتْ المحاكم في التقاذف بالأحكام والأحكام المضادة حتى تتم طبخة ذاكرة الشعب على نار هادئة، فجاء المشير طنطاوي ومنح مبارك عدة أشهر في شرم الشيخ لتسوية تهريب منهوبات الشعب؛ ثم جاء محمد مرسي لمدة عام وأغمض عينيه وعَصبَ الاخوان المسلمون والتيارات الدينية أعينَهم، ثم شهد قصر الاتحادية فترة حُكْم رجل القانون المستشار عدلي منصور فلم يرَ، ولم يسمع شيئا عن أموال الشعب.

 وجاء عبد الفتاح السيسي عدو ثورة يناير الأول التي أطاحت بأهم لصوص تاريخ مصر بعد ثلاثين عاما من النهب والسرقة.

وفهم القضاء المصري الأفسد من إبليس أن أموال الشعب المنهوبة لن يستعيدها أبو علاء والأربعون حرامي قبل تبرئة أكبرهم.

آلاف من التُهم الموثقة، والحكايات، وثورة عشرات الملايين، وربع مليون مسكين مرّوا على سجونه، ودعم مالي خارجي لأسرة هي الأحط و..  الأسفل في تاريخ أم الدنيا.

سرقة، نهب مشروعات فاشلة، وصفر في أكثر المجالات، وسرطنة المزروعات .. الخ

لعلي أتذكر رجل الأعمال المصري الذي أراد تأسيس مشروع ضخم في مصر من أمواله التي ربحها في كندا. وبعد ثلاث سنوات من الدوران حول كل مؤسسات ختم النسر(!) للموافقة النهائية جاءته مكالمة هاتفية من ابن الرئيس: تريد الموافقة على المشروع؛ أقاسمك بخمسين في المئة، تماما كما كان شقيق الملك الحسن الثاني في المغرب يفعل مع التجار الرأسماليين.

عاد المصري الأصيل إلى كندا وأقسم أن لا يزور مصر طوال حياته.

فهم القضاء المصري الذي تُحرّكه صورة الرئيس السيسي في خياله أن الحل القضائي برضا القصر، وتمتْ تبرئة مبارك؛ فعشرات الآلاف في السجون والمعتقلات ولو تجسّد شهر يناير شابا لوضعه السيسي في زنزانة منفردة.

أراد السيسي إرسال رسالة لكل الذين يحتفظون أو يجمّدون أموال الشعب المصري المنهوبة أن اللصوص يريدون أموالهم؛ فخرج في جنازة عسكرية تُشيّع مبارك إلى مثواه الأخير في ضيافة دود الأرض.

وصمت المصريون كالعادة، وارتفعت الأصوات تُهلل للصوص، وتكاد تلطم على وجوهها صارخة بأن الشعب هو اللص، وأن المصريين ولاد كلب لا يستحقوق أموالهم!

ووقفت المحكمة الأوروبية في لوكسمبورج في حيرة، فبلد الفساد يرتع فيها اللصوص كأسياد، والمصريون صُمٌّ، بُكْمٌ، عُمي خائفون من خيالهم.

وحكمت بالافراج عن أموال اللصوص بفضل الصفعات المتلاحقة التي احمرت لها أقفية المصريين من مبارك وعائلته، طنطاوي، محمد مرسي وجماعته، عدلي منصور وجهازه غير العدلي، وعبد الفتاح السيسي الذي شَرّف جنازة اللص حتى حفّار القبور.

في مصر يتلقى إبليس التهنئة كل يوم في المصارف، والسجون، والمعتقلات، والبرلمان، ومجلس الشيوخ، ورجال الدينين، الإسلامي والمسيحي، والمحاكم والإعلام!

إنه يومُ عيدٍ لكل اللصوص في وادي النيل، ومن أراد أن يسرق أو ينهب أو يبيع أرضا مصرية أو يُهرّب آثارا، أو يدعوش جماهير مُخدّرة بالدين، أو يغيـّـر الدستور، أو يغوص في مقعد مريح لمشاهدة أحمق وأجهل إعلاميين، أو ينتخب نوابا وشيوخا تم اختيارهم، بإيحاء من القصر، أو يُفرّط في النهر الخالد، أو يبصق في وجوه ملايين الحمقى الذين يظنون أن الجيش الوطني سيقوم بحماية تيران وصنافير.

كل الأيام أعيادٌ في مصر لدى اللصوص والمتطرفين!

خدِّروا المصريين بالفساد والحوارات الدينية ليلا ونهارا وهم سيأتون لقصر الاتحادية راكعين، ساجدين للسيد!

لوّحوا لهم بزنزانة منفردة لكل منهم إذا فتح فاه، فسيخيف بعضُهم بعضــًا.

اجعلوا المصريين مرشدين، ومتعاونين مع أجهزة الأمن حتى بدون تجنيد أو اتصال، والمصري قادر على أن يبلغ عن أخيه وأبيه إذا انتقد الرئيس.

قيدّوا المصريين بالقروض حتى يسددها أحفاد فقرائهم، لكن لا تقتربوا من الأثرياء فهم الأجبن في قول كلمة الحق خوفا على أموالهم.

اجعلوا كل مصري في الخارج يعتقد أن اسمه هو الأول في قائمة المترقب وصولهم إذا كان في الخارج، وهو الأول في قائمة الممنوعين من السفر إذا كان في الداخل.

اجعلوا المصريين يهيلون التراب على الحقوق والكرامة والعدالة والأمانة والشرف والاستنارة الدينية والثقافة والكتاب واللغة والقومية؛ فسيأتون خانعين، مهطعين، مقنعي رؤوسهم، مؤكدين لكل حاكم: إحنا آسفين يا ريّس!

اقنعوا المصريين بأن مصر بلدهم، وخيراتهم أملاكهم، فسيضحكون مِلء وجوههم على تلك السذاجة.

قولوا للمصريين: الوطنُ خيرٌ من النوم، فسيستيقظون للصلاة؛ دونما أيّ إشارة للوطن.

المصريون يبحثون عن حلول مشاكلهم الحالية في القرن الثالث الهجري، وهم مستعدون لقتل من يقول بأن تغطية وجه المرأة ليس أمرًا إلــَــهيــًا، لكنهم يقبلون تغيير الدستور، واستمرار اعتقال أبنائهم بدون محاكمة!

اليوم يشرب اللصوص نخبين: نخب الافراج عن سرقاتهم من الشعب، والثاني نخب لذة العبودية الطوعية!

أتحدى قلمي أن تهتز شعرة واحدة في رأس مصري بعد قراءة هذا المقال، مع افتراض أن هناك مصريين سيقرؤونه لنهايته؛ فاللصوصُ هم أسيادُ المصريين برغبة القصر أو..  رجال الدين!

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 5 ديسمبر 2020    

05‏/12‏/2020

حديث عن الذئاب المتدينة!

 حديث عن الذئاب المتدينة!


بعد نشري مقال( لهذا أكره النقاب) في مواقع كثيرة، وحظري أكثر من 300 فيسبوكي من أصحاب الألسن القذرة، والعفنة، والقبيحة الذين أزعجتهم تعريتي لأغراضهم الدنيئة في الاعتداء على الجنود والكمائن، والخيانة الزوجية، وانتهاك أعراض الأطفال الأبرياء خلف نقاب، والتهرب من الشرطة وأكثرهم مطلوبون في جرائم مُخلـّة بالآداب، وتهريب المخدرات، واخفاء الأسلحة والمتفجرات، والسرقات ثم الاختفاء عن الأنظار، واختطاف الأطفال والتسوّل بهم أو اغتصابهم ثم ذبحهم، ومخالفة توجيهات الله عز وجل بأن نتعارف كلنا منعا لأي فرصة يستغلها رجل أو امرأة، واحتراما لمعجزة رب العزة في الاحتفاظ بذكرياتنا في المدرسة والجامعة والعمل والصداقة والتعارف العائلي كابنة عمك وابنة خالك وجارتك.

وفي كشف الوجه تستقيم الحياة بين البشر، ولا تصبح المرأة قطعة من الجنس مملوكة لرجل، وتشاهد الآخرين من نافذتين صغيرتين أعلى الوجه، وفيه أيضا تتراكم الخبرة عن المشاعر من حب وكراهية وبغضاء واحتقار وطيبة وإيمان وراحة وثقة.

وفي كشف الوجه تتخلص المرأة من شبهة الاستغماية الخاصة بالمجرمين والمجرمات، وتعود الحياة الطبيعية بدون العبودية الذكورية التي تتلذذ بها المرأة تحت زعم أنها تُرضي الله، والحقيقة أنها تُغضب رب العرش العظيم.

وفي كشف الوجه تتخلص المرأة من سيطرة وسطوة شيوخ الجنس وأباطرة الفتوى الذين يُخفونها ويحلمون بتفريغ شحناتهم الجنسية في سبعين من الحور العين في الجنة أعدّها لهم مالك المُلك الرحمن الرحيم.

وفي كشف الوجه يتعلم المسلمون أن الله أكبر ولم يخلق البشر ليضع الشهوة في وجه المرأة مع مشاعر الإيمان والصداقة والمحبة والزمالة.

والوجه لتستقيم الأحاديث والنظرات والأذان وتعبيرات لم يضعها الله في الظهر أو البطن أو الأرداف أو الأرجل، ولكن في أجمل وأعظم وأسمى شيء خلقه العليم القدير.. الوجه.

وفي كشف الوجه تقوم المرأة بحماية نفسها، وبزجر أي متحرش بالعينين، وباقناع تلاميذها وطلابها بدروسها، وبالصباح الجميل الدافيء على زملائها في العمل، وبصبغ أيام مرضاها في المستشفى بوجه ملائكي طيب حتى لو لم تكن فيها مِسحة جمال.

وبكشف الوجه يعرف الجيران ورجال الحي والمتلصصون على المقاهي المرأة وزوجها وأباها وأخاها وأنها منهم وليست زائرة غريبة لا يدري أحد ماذا تفعل في هذا المكان.

وبكشف الوجه تستقبل باحترام أصدقاء ابنها، وتقدم لهم الطعام، ويتعاملون معها كأنها أم لكل منهم وليست جسدا معبأ في شوال يختفي في الغرفة لئلا تفترسها العيون الوقحة.

وبكشف الوجه تتساوى المرأة بالرجل، وتعيد ذكور الأمة إلى مواقعهم في الشراكة بالعمل والحياة والبيع والشراء والأحاديث والاحترام.

وبكشف الوجه يتعلم الرجل المهووس جنسيا أنها جارته أو أخته أو أم صديقه أو خطيبة زميله أو حتى امرأة آخر لا يعرفه لكنها تستحق الاحترام وليس التأمل الشهواني.

وبكشف الوجه يهجر الناس فكرًا بورنوجرافيا متخلفا يحلم بالجنس في الجنة بدلا من رؤية وجهه ذي الجلال والإكرام، وفي الدنيا يعتبر المرأة جارية مملوكة له بين جدران أربعة.

وبكشف الوجه يتعلم الحمقى أن كشف الوجه لا يعني العري، ولا الإغراء، ولا البكيني، ولا الخيانة أو عرض البضاعة لكل من هب ودب، لكنه قمة الاحترام الذي مارسته جدادتنا لمئات السنين فلما جاء الحوينيون والحسّانيون واليعقوبيون ومرضى محمود المصري وعمر عبد الكافي وعبد الله رشدي وأبي إسلام ومصطفى حسني وغيرهم من المتزوجين وممتلكي العشرات من الأجساد الأنثوية ، زوجات أو ما ملكت أيمانهم وأعضاؤهم الجنسية، حوّلوا المرأة إلى عار وفضيحة إذا رآها أحدهم.

وبكشف الوجه تستطيع المرأة الاستغناء عن حراس الفضيلة؛ فالفضيلة في وجهها، وقوتها، وخبراتها، ولسانها، ونظراتها، وعلاقاتها الاجتماعية التي بدونها تصبح أضعف من بيت العنكبوت.

والمتخلفون عقليا المزايدون في دينهم المصنوع بأيدي أباطرة الفتاوى كلما قرأوا عن كشف الوجه ردّوا: هل تريدها كاسية عارية ليسهل صيدها؟

العقل والإيمان والثقة بالنفس هي من تتولى حماية المرأة، وليس الرجل الشهواني الذي تتوسط وجهه لحية كثة، وحُفرة في جبهة الرأس.

وبكشف الوجه نقطع الطريق على أكثر الخطايا والذنوب والتحرش والخيانة والاستغماية الجنسية والشبهة في التهريب والأهم حماية أطفالنا من رجال منتقبين ومرضى ومجرمين يرتكبون جرائمهم في دقائق معدودة ثم يختفون وسط المجتمع الأحمق.

لهذا قمت فورا بحظر كل من طال لسانه، وقلّ أدبه، ودافع عن الحرام الخفي، وشتم وسبّ ولعن لأنني عريت غرضه المُشين.

لكن للحقيقة فإنه رغم هؤلاء الأوغاد المجرمين الطلقاء المدافعين عن النقاب فقد رأيت، وقرأت لعدد كبير من الرجال والنساء الذين عرفوا الحق والله والإنسانية في غضبي على دُعاة تغطية وجه المرأة.

كل الذين حظرتهم إثر شتائمهم القبيحة والإباحية والقذرة والنتنة هم من تلك الفئة المجرمة التي تخاف من كشف وجه المرأة لئلا تنكشف وجوههم عن أغراض دنيئة.

الموضوع لا علاقة له بالدين، ولكن باستغفال واستحمار واستنعاج المرأة المسلمة لتنفتح أبواب الجنس غير المرئي والارهاب والتهريب واختطاف الأطفال وانتهاك برائتهم.

أنا لا أصدق واحدا أو أقل من واحد يدافع عن التغطية العبودية والمُذلة والمهينة لوجه الأم والأخت والزميلة والابنة.

إنهم ذئاب يلهجون بذكر الفضيلة ويتلبسهم الشيطان.

صدقوهم أنتم، وبرروا جرائمهم وعفنهم ونتانتهم بحجة أن المرأة حرة ومن حقها أن تلعب الاستغماية مع المجتمع.

صدّقوهم أنتم وهم يضحكون عليكم، ويمارسون كل أنواع الإفك والحرام والارهاب.

صدّقوهم أنتم وسيدفع بعضكم الثمن في ابنه البريء الذي كان يلعب في الحارة واعتدى عليه منتقب.

صدقوهم أنتم وسيبحث منكم عن ابنته الصغيرة وقد اختطفتها امرأة منتقبة لتتسول بها في مدينة أخرى، وينتهك عرض الطفلة الزوج بعد عودة الاثنتين من يوم تسول طويل.

صدّقوهم أنتم عندما تتسلمون جثة ابنكم الشهيد وهو عائد من الجبهة بعد أن فجر منتقب جسده النحيل في عملية دنيئة.

صدّقوهم أنتم، وانزعوا المخ من جماجمكم، واستمعوا لخطبة جاهلة من فوق المنبر أو من رجل مزواج لديه جاريات يحدثكم عن السلعة الغالية التي تمتلكونها.

صدقوهم أنتم وقولوا بأنها دعوة علماني أو كافر أو منسلخ، ولكن الحقيقة أن في قلبي إيمانا أكبر مما في قلوب هؤلاء الأوغاد الأنذال الشتامين.

ولأنكم لا تقرؤون، ولن تصلوا لهذا السطر، وستدافعون فورا بغباء وبلاهة بحجة أنها دعوة لارتداء البكيني بدلا من النقاب، ولأن أباطرة الفتوى تغوطوا بأحاديثهم في جماجم أكثر المسلمين بموافقة ورضا السلطات الثلاث، التنفيذية والقضائية والتشريعية فضلا عن كل المؤسسات الدينية والتيارات والجماعات، فالطريق يحتاج لمئات الأعوام لنبدأ من نقطة الصفر.

أنا بالمناسبة أقوم فورا بحظر أي وضيع وعفن ونتن وقذر يعترض بالشتيمة والسباب.

ترىَ من يهتز لهذه الكلمات ويفكر دقيقة واحدة في أحبابه واهله ودينه ووطنه ويبتعد عن الأنجاس من دُعاة الخطيئة الخفية التي تبدو كانها فضيلة ظاهرة

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

24‏/10‏/2020

مقطع من يوميات منتقبة!

مقطع من يوميات مُنتقبـة!
مَرّتْ عِدَة أعوام منذ أنْ قررت، أو قـُرّر لي التنقب، والتحرك كشبح أسود يخيف الأطفالَ ولا تظهر مني غير عينين مُكحَلتين تدوران في محجريهما.
الإنسان من صلصال، والجان من نار، والرجل المسلم من شهوة جنسية إذا رأى وجه امرأة ولو كانت ابنة عمه، أو زوجة ابنه، أو جارته، أو زميلته في العمل تتدفق الدماءُ في كل شرايينه، فينتصب موضعُ العفةِ منه ولو كان يُصلي، ويصوم، ويعتكف، ولا ينتهي من ختم القرآن الكريم حتى يبدأ فاتحتَه من جديد!
هكذا علـّمني فقهاءُ عصري، وحشروا كل مصطلحات العفة، والحشمة، والوقار في لغةٍ لا تـُبقي ولا تَذَر، لوّاحة للبشر، فهي جريمة مُكتملة الأركان، وما أسهل أنْ تستعين بكتبٍ عليها غبرة، وبرجالٍ بيننا وبينهم مئات الأعوام.
صباح أمس توقفتُ مليـّاً أمام المرآة فلم أشاهد نفسي، فأنا كائنٌ نصفُه موت، وموءودة لا تجرؤ أن تسأل نفسها بأي ذنب قُتلتْ، وأنا عار على الرجل رغم أن أنثى أنجبته، وأنثى أرضعته، وأنثى خلـّدتْ اسمه في رجال من صُلبه، فأنا أمه، وأخته، وزوجته، وابنته؛ ثم يكذب مفترياً على نبي الإسلام، صلوات الله وسلامه عليه، فيدّعي أنه قال بأن أكثر أهل النار من النساء!
خلقني ربي لأتعرف على البشر، وجمع معجزتَه الكبرى في وجهي فوضع فيه مشاعري، وأنفاً أتنفس منه، وفماً يبتسم، وشفتين مع لسان يصنعون لغة التواصل، وبـَشرة تحّمَرّ خجلا، وتصفـَرّ مرضاً، وتسْوَد حزنا، وتزرقّ تعباً، وتنضح صحة أو.. تذبل سقماً.
كل معجزات العلي القدير تحتاج إلى شرح الهدف منها ليتدبر أولو الألباب، فالنجوم مُسَخـّرات، والشمس تجري لمستقر لها، والقمر قدره منازل، والجبال أوتادٌ، والبحر نأكل منه لحماً طرياً، إلا الوجه فهو أم المعجزات، ومن تخفيه ليست فقط كمن تحَرّم ما أحل الله، ولكن كمن ترفض التوجيه الالهي بأن العزيز الوهاب خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف.
دخلت في خيمتي المتحركة وأنا أشعر بدونيّة لا مثيل لها، فالرجل المسلم لا يهينني فقط، لكنه يهين نفسه، ويُظهِر ضعفه، ويحتقر شهوته التي تحركه فلا ينتبه لحديث امرأة أو تعبيرات وجهها الذي يفيض غضبا، أو محبة، أو طيبة، أو احتقاراً، أو بُغضاً، أو مسكنة، أو إمتناناً، أو شكراً، أو وَرَعاً، أو رفضا، أو قبولا، أو تأكيدً لمنطق، أو إضعافا لجدال، أو شهادة أمام سلطة قضائية أو تبرئة أمام سلطة أمنية أو ...
لسان حال المسلم الأحمق يقول لي: اصنعي ما شاء لك ضميرك، ولكن بعيدا عني، فهو حارس الفضيلة ظاهرياً، اما الخفاء فأمره لي.
هذا الأحمق يمنحني كل الفرص غير المتاحة للسافرات، فأنا أستطيع أن أفعل كل الموبقات، وأمارس الفاحشة، والخيانة الزوجية، ويدخل شاب إلى مخدعي أمام ذكور عائلتي، ولا يستطيع أي منهم أن يتحقق من شخصيته؛ فالصوت عورة.
وأنا أستطيع أن أتخفى من رجال الأمن، وأمنع معرفة بصمتي بقفاز سميك، رغم أن الله تعالى عندما قال في سورة القيامة ( بلىَ قادرين علىَ أنْ نسوَّيَ بنانه) كان يوجّه، سبحانه، بتوأمة الوجه والأنامل ليتعرف الإنسان على أخيه الإنسان.
خرجت في الصباح وقد أوحى لي نقابي أن كل الذين مررت عليهم ذئاب شرسة، تنتظر رؤية وجهي فتبدأ فكرة اغتصابي ولو كنت محاطة بآلاف مؤلفة من البشر، وحتى الذين أعرفهم، وأعمل معهم، ويجلسون على مقاعد الدراسة بالقرب مني، وأستاذي الأكاديمي الذي يُعلمني، والرجل المُسِنّ الذي يقارب عمره عمر جدي وهو جالس أمام دكانه لا يتحرك إلا متكئاً على عصاه، كلهم يحرك روموت كونترول وجهي الشهوة في أجسادهم، فيتصارعون عمن يبدأ بالقفز فوقي، واغتصابي قبل الآخرين.
توقفت قليلا، وتأملت المشهد من جديد، وزاد احتقاري لنفسي، وتضاعفت كراهيتي للذين قتلوني دون نزع الروح مني، وأوهموني أن رب العرش العظيم سيكون في استقبالي يوم الحشر ليسألني عن زنا الوجه، وعن كل الرجال الذين شاهدوني سافرة، أضحك، وأبكي، وأغضب، وأصيح، وأناقش، وأقرأ القرآن الكريم لأبنائي وتلاميذي، وابتسم، وأمكر، وأتفاعل مع كل ما يمر بي من حوادث.
قابلت صديقة لي كانت بصحبة سبع فتيات منتقبات فلم أعرفها في باديء الأمر، فكلهن متشابهات في اللون، متشحات بنفس السواد كأنهن على موعد مع جنازة، أو في الطريق للقاء مَلــَـكِ الموت، أو في نزهة بين المقابر يُلقين التحية على الثعبان الأقرع.
وقفنا نتحدث قليلا، ومرتْ بجوارنا سيدة تجُرّ عربة يجلس داخلها طفل صغير، فنظر إلينا وعلامات الرعب ترتسم على وجهه البريء وكأنه يشاهد فيلما مخيفاً تتراقص فيه الأشباح السوداء قبل أن تفترس ضحيتها.
اشتقت كثيرا إلى أشعة شمس تتسلل إلى وجهي فتدفئه، ثم تحيل لونه إلى إحمرار صحي تبتهج به ابتسامتي، وتستريح نفسي، وتنفتح مسامات كانت عصية، ومغلقة بسبب قطعة القماش السوداء الكثيفة.
الرجل الذَكَرُ الذي اخترع فكرة ربط العفة بتغطية الوجه سادي بكل المقاييس، فهو لم يخفيني فقط، لكنه اختار اللون الأسود الذي يمتص أشعة الشمس فيجعل حبّات العرق تختلط مع خيوط القماش اللزجة لتنطلق رائحة كريهة على جانبي الأنف فتكاد تَعْمى منها العينان!
المصيبة أن المدافعين عن نقابي يقطعون كل يقين بشك يضحك منه أكثر الأطفال سذاجة، وأكثرهم بارعون في الشتائم، ويملكون إكليشيات يتناقلونها بينهم ويحسبونها نتاجَ العقل، وصُلب الإيمان، وعصارة تجارب العلماء، فإذا هي تهافُتْ التهافت، وإعوجاج جمجمة حشتها كتبٌ صفراء انقطعتْ عن العصر عصراً، وابتعدتْ عن زمننا زمناً!
كم أنا مشتاقة لأن أكون النصفَ الآخر السوي للرجل، فإذا به يراني الضلع الأعوج حاملة خطاياه، ومحرضته على أكل التفاحة، فعثر على الحل النهائي .. أن أقبع في الدار لا أغادره إلا إلى القبر أو بيت الزوجية الذي قد يتحول إلى قبر آخر إنْ كان حظي في الزواج تعيساً!
مساء أول أمس اتصلت بي ابنة عمتي المقيمة في مدينة تولوز الفرنسية، وكانت تبكي بحُرقة لأن القانون الفرنسي الجديد سيجعل وجهها مكشوفا أمام رجال ليسوا محارمها، فطلبتُ منها أن تغادر فرنسا العلمانية وتعود إلى بلدها.
لكنها قالت بأنها لا تستطيع أن تترك الامتيازات التي تتمتع بها، فهناك حرية، وقدر كبير من المعيشة الكريمة، واحترام لآدمية الإنسان، وقوانين تتعامل مع الجميع على قَدْم المساواة، ورجل شرطة يوقفني بلطف شديد ليسألني بأدب جَمّ عن هويتي، وحقوق لي في التعليم والصحة والكتاب والمعاش عندما يأتي أوانه.
سألتها إن كان الرجل الفرنسي يبحث في وجوه كل النساء، في الشارع، وفي المترو، وفي المظاهرات، وفي المحلات، عمن يشتهيها دون الأخذ في الاعتبار أي علاقات أخرى بين الإنسان وأخيه الإنسان؟
انخفض صوتها قليلا، ثم قالت بصراحة: الحقيقة أن الهوس الجنسي في عالمنا فقط، وأن السلطة المُعادية للشعب تجدها في العالم الثالث، العربي والأفريقي والإسلامي، الذي أنا جزء منه.
وأنهت حديثها قائلة: في الواقع فأنا أصيح، وأرغي، وأصرخ، وأبكي حتى أُرضي ذكورَ قومي، لكن مشاعري، وقلبي، وعقلي مع قرار منع النقاب، فمن أرادت أن تصبح مبنية للمجهول في عالم يتعارف الناس فيه ويحترمون بعضهم، فلها أن تختار بين علاقة صحية يكون فيها الوجه واجهة الإحترام والتقدير، أو العودة إلى الوطن السجن حيث ينشغل ذكور القوم برضاع الكبير، وعدم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، ورفض تجاور كنيسة ومسجد، والشفاء ببول البعير، واعتبار النقاش حول كتاب ألف ليلة وليلة أهم من المطالبة بالافراج عن المعتقلين الأبرياء الذين مكثوا سنوات طويلة خلف القضبان دون محاكمة.
صديقة لأختي الكبيرة تناولت طعامَ الغداء معنا، واضطر والدي وشقيقي الأصغر إلى الانتقال لغرفة أخرى فتغطية الوجه هنا ستكون غير عملية بالمرّة، خاصة وأن الإسباجتي هو الطبق المفضل لضيفتنا.
بعد الغداء جلسنا ومعنا والدتنا نتحدث عن هموم العانسات من أبناء قومي، وأدهشني أن اسمع إحصائية عن عددهن!
إنها جريمة مفزعة يشترك فيها الجميع، فالفتاة التي تقبع في دارها لا تغادره إلا إلى القبر، أو يتحدث عنها أحدٌ لدى شخص لا يعرفها، فيصفها كما يصف البائع بطيخة غير مبقورة، وتظل السلعة موجودة في المخزن، أعني في البيت، وقد يأتي ابن الحلال أو لا يأتي أبدا، فذكور قومنا على استعداد للبحث في أقوال العلماء والفقهاء الذين مروا على الدنيا في الألف والأربعمئة عام الأخيرة، وقادرون على استدعاء شهادة الزور من الأرفف أو من افواه رجال دين يعيشون بيننا، وعقولهم وقلوبهم ونفوسهم لم تغادر القرن الثالث الهجري، وأزعم أن أهل الكهف أكثر استنارة من بعض علمائنا في عالم نظنه قد أصبح قرية صغيرة.
تذكرت وعيناي تفيضان دمعاً حاراً كل الفتيات العانسات اللائي تعرفت إليهن في السنوات الماضية، وحكاية كل واحدة مع العنوسة والحرمان والعزلة تجعل القلب الحجر ينفطر حزناً، وينشق كمداً، فتغطية وجه المرأة حال دون العثور على الزوج، والحمقى من المدافعين عن قطعة القماش التي تحجب الوجه يردون سؤالا بسؤال، فيقولون: أليس بين السافرات عانسات؟ هل من تبحث عن الخطيئة تحتاج لتغطية الوجه؟ هل الرجل الذي يتحرش بالأنثى يحتاج إلى النقاب لينحشر بينهن؟
وهكذا دواليك، إكليشيهات متحركة في قلوب ميتة وعقول خاصمت العصر كأنها اختبأت مئات الأعوام في كهف لا يعرف له أحد سبيلا!
أشعر برغبة شديدة في أن أعلن على الملأ أنني أحترم إنسانيتي وآدميتي، وأنني لست بضاعة مزجاة يخفيها صاحبها عن الأعين.
أريد أن أُشْهِر شخصيتي، ويعرفني الجميع، وأفرض احترامي على كل من يحدثني.
أريد أن أعطي الحق لمحدثي أن يرى وجهي كما أنا أرى وجهه، فهي ليست حرية شخصية لي أنا فقط، رغم أنني أخفي وجهي بأوامر من أدعياء حراسة الفضيلة، فكل شخص يملك الحق المطلق أن يرى تعبيرات وجه الأخر، فهي مكملة للحوار، ومرشدة لما بين الكلمات، ومعبرة عما لا تستطيع اللغة إيصاله.
أشعر بخنوع شديد، فكل من هب ودب يحشر أنفه في خصوصياتي، ويتقدم الدفاعَ الساذخَ والسخيفَ جهلاءٌ، وأميون، وشبابٌ محرومون من الجنس، وبعض الذين انتفخت أدمغتهم وَرَماً فظنوه ثقافة دينية.
الرجل يتلقى على قفاه سبعين صفعة في اليوم، ويركع للسلطة، ويغمض عينيه عن كوارث بلده، وينافق الكبار، ويرتعش أمام رئيسه، ويلتصق لسانُه بسقف حلقه رعباً من كرباج السلطة، ويغمض عينيه عن مئات من الأخطاء والتجاوزات وصور الفساد، ويمشي بجوار الحائط لئلا يراه رجل أمن.
والرجل هو الباحث عن الخطيئة، وهو الذي يشتري الجنس في بيوت البغاء، ويفكر كذئب قبيل اغتصاب امرأة، فيظن عندئذ أن كل أصدقائه، وأقاربه، وزملائه، ورجال قومه ذئابٌ تبحث عن حريمه.
معركة النقاب التي يخوضها الرجل نيابة عني هي نفاق مصطنع، فهي معركته هو ليخفيني، ويرتكب فواحشه كلها دون أن يتعرف أحد على من تسير معه، أو من تقوم بزيارته.
ويخوض المعركة لتسهيل تهريب المخدرات والسلاح !
ويخوض المعركة لحماية أي ذئب بشري ينتقب كامرأة، ويهتك عرض طفل صغير لا يستطيع أن يصف لأهله أو للشرطة المجرم الذي اغتصبه.
ويخوض المعركة حتى لا يعرف الناس هوية التي تسير معه، زوجته أو شقيقته أو صيده.
أنا كفتاة منتقبة أرى أي رجل يستميت في الدفاع عن النقاب مجرما، وخطيئة متحركة، وشيطانا يدعو كذبا إلى فضيلة عرجاء.
النقابُ حالة من الكراهية للأخلاق، ودعوة للرذيلة، واحتيال باسم الدين، ووسيلة صنعها الرجل ليخفي جرائمه، ويصطحب معه أمام الجميع عشيقته دون أن يرفع أحد عينيه أمامه.
أبحث عن الفضيلة في سفوري، وعن الاستقامة في وجهي، وعن الحرية في كرامتي كامرأة وأنثى، وعن دوري في مجتمع يعرفني الجميع فيه.
يزداد احتقاري لنفسي كلما زاد المزايدون في الدفاع عن حجب وجهي، خاصة أن أكثرهم هم الأبعد عن الفكر، والثقافة، والتحضر، والتمدن، واستخدام العقل!
وجهي، أيها السادة الذكور، ليس أردافي، ومؤخرتي، وخاصرتي، وحُقّين علاهما نِدُّ، وفخذين فوقهما كفل(!)، لكنه معجزة المعجزات التي وضعها العلي القدير فوق كتفين علاهما رأس!
وجهي، ايها السادة، هو هويتي، وبطاقتي الشخصية، والنقاط التي أضعها فوق حروف كلماتي، وهو صحتي وسقمي، ومحبتي وكراهيتي.
وجهي هو أنا، فإذا أخفيته فقد وأدت نفسي، وخنقت روحي، وأهنت كرامتي، وأصدرت أحكاماً جائرة على كل رجل بأنه ذئب يتربص بي.
معركتكم، أيها السادة الذكور، ليست من الدين، وليست من أجلي، فأنتم تخشون تعرية فضائحكم، وتبحثون عن التخفي كما يبحث زائر بيوت البغاء عمن لا تعرفه.
وجهي، أيها السادة، هو فضيلتي، وحُسْن أخلاقي، ولغة مشاعري، وفخري أمام مرآتي، وحقيقتي في مواجهة محدثي.
استيقظت فجر اليوم، وصليت لله تعالى، واستخرته ليدلني على الطريق المستقيم، وشعرت براحة شديدة وأنا اكتشف نفسي لأول مرة، وعندما خرجت من الدار كان وجهي مشرقا، وتنفسَتْ مساماته وهي تتفتح أمام اشعة شمس أحالت لونه في دقائق معدودة إلى صحة ونضارة، وأفصحت عن شخصيتي، ورفعتُ رأسي عاليا فأنا معجزة خلقها الله لتلد الرجال والنساء، وتصنعهم وهم يكبرون أمامها، وتعَلـّمهم، وتربيهم، وتدفع بهم إلى الحياة أصحاء، وشجعانا، وعقلاء.
لأول مرة أشعر أن هويتي الشخصية ليست فقط قطعة ورق في جيب بلاستيكي، لكنها وجهي الذي أعتز به، ويحميني، ويؤكد لكل من يراني بأنني المسؤولة عن تربية كل رجال الأمة وقد خرجوا من بطني بعدما حملتهم تسعة أشهر.
اليوم تحررت، ونزعت نقابي، فأنا حامية الفضيلة، وصانعة الحب والإيمان، وإنسان معبودُه الله العلي القدير، ولست بحاجة لأنصاف أميين، وصبيان التشدّد، وعشّاق الكراهية للدفاع عني.
اليوم فقط أشعر أنني امرأة تستحق رضا الله، فقد التزمت بأمره، وأفصحت عن هويتي، وأعرف الناس ويعرفونني، وقد تخلصت من المحامين الصبيان المرضى بهوس الجنس.
اليوم تأكدت أن النقاب حرام .. حرام .. حرام!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...