23‏/03‏/2018

ساركوزي .. أمين عام الأزرق الكبير




بمناسبة الاتهامات الموجهة للرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي؛ أعيد نشر مقالي عنه الذي مضت عليه عشرة أعوام!
ساركوزي .. أمين عام الأزرق الكبير
بعد عدة أعوام سيدعو رئيس وزراء إسرائيل إلى ( الاتحاد من أجل البحر الميت)، فتردّ إيرانُ بمشروع ( اتحاد الدول المطلّة على خليج هرمز)، فيقوم الرئيس اليمني القادم أحمد علي عبد الله صالح بعرض فكرة مشروع ( التجمع الموحّد من أجل جزيرة حنيش)، وهنا يغضب الزعيم الليبي القادم سيف الإسلام القذافي فيعقد مؤتمرا في خليج سرت حول مشروع ( مَدّ النهر الاصطناعي العظيم للدول المجاورة)!
نابليون بونابارت الجديد لن يحتاج إلى خيل يقتحم بها الأزهر الشريف، ولن يوحي لمستشاريه في مصر بأنه بصدد اعتناق الإسلام، لكنه سيقتحم أوروبا والعالم العربي برفقة زوجته الحسناء، وسيرفع راية النصر في كل مكان، من الجزائر إلى العاصمة البُلغارية صوفيا مع دموع الممرضات، ومن بروكسل حيث يأتيه الأوروبيون أفرادا وجماعات، إلى خيمة العقيد.. رسول الصحراء.
عندما كتبتُ بأنه قد يأتي الوقت الذي يصبح فيه أمين عام جامعة الدول العربية إسرائيلياً، لم يكن التندر أكثر من وجع في القلب، ودموع في العينين، وحسرة على عالم عربي تقوم سياساته على ردّ الفعل، وليس المبادرة.
ساركوزي يريد من العرب والإسرائيليين أن يَسْبَحوا في البحر المتوسط فهو مِلكية مشتركة بين أصحاب المنطقة وسكانها وبين المهاجرين الذين اضطهدتهم أوروبا لمئات السنوات فانتهى بهم الاضطهاد إلى الهولوكوست، ثم اعتذرت القارة البيضاء بهدية متواضعة تقرّ بها أعيُّن شعب الله المختار، وأعطى من لا يملك لمن لا يستحق أرضا باركها أنبياءُ الله ليتسلمها جيش الدفاع الإسرائيلي بوعد ممهور باسم الرب!
نابليون ساركوزي يرفض رفضا قاطعا أن يعتذر للعرب عن جرائم قرن ونصف القرن من الاستعمار الهمجي الوحشي، ومن مذابح طالت المغرب العربي برمته، وعن مليون ونصف المليون روح جزائرية صعدت إلى بارئها لينسحب دعاة الجزائر فرنسية بعد ثلاثة عشر عقدا.
ويرفض أنْ ينبس ببنت شفة عن جرائم التجارب النووية في صحراء الجزائر، فالعرب فئران تجارب لا يستحقون دمعة فرنسية رقيقة ولو تمساحية.
الرئيس الفرنسي يعرف أنه عندما يحتضن زعيما عربيا ويعانقه، فربما يقدم له الأخير صفقة العمر عربون محبة سمراء لعيون زرقاء!
سيداتي سادتي، 
يقوم رئس الوزراء الإسرائيلي بتمثيل أشقائه قادة الدول العربية المطلة على البحر الأبيض المتوسط نظرا لانشغالهم خلال فترة عقد المؤتمر.. هذا ما ستعلنه فضائية عربية بعد بضعة سنوات.
مع ملوحة المتوسط تصبح فرنسا عملاقا من جديد، فالأزرق الكبير تمر به أكثر من ثلاثة ارباع امدادات البترول، وهو المركز الرئيس للأساطيل البحرية في استعراض القوة الأوروبي والأمريكي، وفرنسا تأمن على مستقبلها من ثورتي الجياع والتكفير في شمال أفريقيا، وتجعل تركيا تنزلق إلى الأسفل العربي بدلا من أن ترفع عنقها إلى الأعلى الأوروبي.

اليورو سيحاصر العملة الخضراء حتى لو جعلها أوباما تلمع مرة أخرى، والقارة السوداء ستصبح امتدادا للاتحاد الأوروبي العربي الاسرائيلي، والجمهورية الإسلامية ستنحشر تحت ذراع روسيا وشقيقاتها المنفصلات بعد أن فسخ جورباتشوف عقد الزواج الستاليني!
وفرنسا ستسحب البساط من تحت أقدام برلين، فلا يمكن لأوروبا أن تُسَلّم الزعامة لألمانيا مرة أخرى.
الزعماء العرب الذين حضروا مراسم تتويج ساركوزي قبطانا يدير الدفة في البحر المتوسط وفقا لرياح الإمبراطورية الفرنسية لم يستشيروا شعوبهم، فرفضُ العقيد أو قبولُ بوتفليقة يتساويان، فالقذافي الذي هدد مرة بالانضمام لحلف وارسو يقرر للمرة الخامسة بعد الألف لعب دور البطولة، ونجاح أي مشروع يقوم دائما على معارضة بطل من ورق لتزداد ثقة الناس بأنَّ السُمَّ في العسل أقل من النسبة التي تَضُرّ.
قد ينجح المشروع ويلتصق الشمال بالجنوب، ويعم بعض الرخاء دولا يحلم سكانها بالهروب في زوارق متهالكة متمنّين أنْ يقبض عليهم خفر السواحل في مارسليا أو برشلونة أو مالطا أو رودس أو كريت لعلها تكون أرحم عليهم من فاقة الوطن، وغربة الداخل.
وقد ينجح أوروبياً ونقرأ عن مناورة عسكرية إسرائيلية/سورية في المياه الإقليمية للجزائر بمشاركة تونسية ومغربية!
لكن أغلب الظن أن الكعكة تسع الجميع، وأن الإمبراطور ساركوزي قادر على أن يجعل من حقوق الإنسان قضايا هامشية، ولن يهمس في أذن الطغاة العرب بكلمة واحدة عن المقابر الجماعية والسجون والمعتقلات وانتهاك الكرامة، بل يقوم بتعيين أطولهم عمرا وكرسيّاً للعرش الرجل الثاني إذا غاب القبطان أدار الدفة أو أمسك الشراع ولو انزلق غضروفه واحتاج للأيام الأخيرة في مستشفى ميونيخ.

ترى من سيكون صاحب المبادرة القادمة للاتحاد من أجل بحر الغزال أو خليج العقبة أو قناة السويس أو بحيرة فيكتوريا أو جزيرة ليلى؟
لم يتحرج أحد من الزعماء العرب المتوسطين بحراً، والأطول عُمراً عندما شاهد ساركوزي وهو يتردد في طرح سؤاله: هل ستقومون، يا طويل العمر، باستشارة شعبكم العظيم قبل الانضمام للعملاق المالح الجديد، فلسان الرئيس الفرنسي كقلم إميل زولا، وقبلاته تُذكرّني بالرئيس جورج بوش الابن وهو يوزعها على كل مستقبليه العرب قبل أن يتعرف على مناصبهم.
ولا عزاء لكل الذين تمنوا الخروجَ من أقبية السجون العربية بفضل أبناء محطمي الباستيل، فأجنحة الملائكة وقرون الشياطين تتم صناعتها في مصانع أسيادنا .. هناك! 
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 22 أغسطس 2008

19‏/03‏/2018

قراءة في شتائم الغوغاء!


لأكثر من أربعين عاما وأنا أتلقىَ سِبابـًـا وشتائم قبيحة كلما اقترب قلمي من الطغاة أو .. من الجهلاء دينيا.
في حياتهم وبعد مماتهم تتولى فئة من الجبناء والعبيد الدفاعَ عنهم بكل أسلحة اللسان السليط، وأدبيات الحشّاشين، فالديكتاتور والجاهل دينيا تظل روح كل منهما تحلق فوق أعفن بؤر الفساد الفكري والظلامية العقيدية.
لو أحصيت ما تلقيته من شتائم الجهلاء والعبيد والأميين لاحتاج الأمر لموسوعة عدد صفحاتها بعدد صفعات المستبدين ودعاة الجهل الديني على أقفية الرقيق.
كل مسامات جسدي تغضب وتكاد تنفجر، وبعد دقائق أعود إلى هدوئي وسلامي وقناعاتي وإيماني بأنني الأقوىَ، وأملك سلاح الصدمة التي تزعج مُفرملي النور والتحضر والتمدن.

أربعة عقود أزعجت سطحَ مياه آسنة وملوثة لعلها تتجدد، فقاطعني إسلاميون وحزبيون وإعلاميون وسلطويون وقفائيون ومازوخيون، ولم يبتعد الأمل عن صدري حتى لو تزحزح أو .. تزلزل.
تصلني تهديدات شياطين الإنس والعبودية المختارة، ولسان حالهم يقول: لماذا تــُـنَبّهنا إلى احمرار أقفيتنا وأنت تعلم أننا نستمتع بالصفع عليها، فالحاكم ورجل الدين والإعلامي والحزبي والخطيب والمثقف .. كل منهم يتلذذ بمشاهدة تعذيبنا ومهانتنا وعبوديتنا وطاعتنا!
طوال أربعين عاما (منذ أول مقال بقلمي عن دموع الصحافة عام 1977 في مجلة المستقبل الباريسية ) تكاد تنفد معاجم الشتيمة والقبحيات المقززة وهم لا يتوقفون إلا لالتقاط الأنفاس، وأنا لا أتوقف إلا لشحن قلمي بمِداد جديد في درجة الغليان.
أحباب وأصدقاء وأقرباء ومعارف ومخلصون يقاطعونني بعد أن يحذرونني، فالابتعاد عن الغوغاء والأوغاد والقساة والغلاظ يحمل معه السلامَ لي، وأردّ بأن أصابعي في عيونهم هو السلام عينه.

يتحصنون بالجُبن والحشيش، وأنا أستند إلى الضمير والإيمان.
كيف يمنح اللهُ الإنسانَ القدرة على الكتابة ثم يختار الكاتبُ لها أسهل الطرق الآمنة والبعيدة عن القصر والمنبر والاستديو حيث ترتع الشياطين.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 19 مارس 2018

سنوات الذل والعار في المغرب


سنوات الذل والعار في المغرب
أوسلو في 4 سبتمبر 2004

المقارنة بين صدام حسين وبين الحسن الثاني المقبور في جحيمه الأبدي ستكون بدون أدنى شك لصالح شيطان بغداد. 
فطاغية العراق لا تتعدى جرائمه ابادة الالاف بالأسلحة الكيماوية وشن حرب على جارته بعد نجاح ثورتها ضد الشاه, وألقت الحرب في ثمان سنوات لباطن الأرض بمليون قتيل, ودمرت بلدين, ثم احتل الكويت جارته الصغيرة المسالمة, ودمر جنوده,وقتلوا واغتصبوا, وسرقوا, ونهبوا, وعذبوا أهلها عذابا أليما, ثم اختطفوا ستمئة من أبناء الكويت لغياهب السجون والتعذيب ثم التصفية الجسدية. 
وأحال حياة العراقيين إلى جهنم أرضية, وجعل من عشرات المعتقلات والسجون سكنا جحيميا لمئات الالاف من المعتقلين قبل أن يدفنهم .

ومع ذلك فالمقارنة العميقة والمتأملة والراصدة لتاريخ المجرمين الكبيرين, صدام حسين والملك الحسن الثاني تأتي لصالح شيطان بغداد بدون منازع, رحمة ورأفة وإنسانية على الرغم من أنه لم يمر يوم في حكمه لم تتلوث يداه بدماء الأبرياء. 
لم يخلق الله إبليسا في صورة انسانية منذ هبوط آدم وحواء من الجنة إلا متلبسا الحسن الثاني , بل إننا نشك في أن الملك الراحل كان ينتمي لجنس البشر وطينته.

كان شريرا في كل الأوقات حتى وهو يمسك بأصابعه السبحة ويحرك شفتيه كأنه يسبح للعلي القدير, لكنه في الحقيقة كان منشغلا بدرجات التعذيب التي مهر فيها زبانيته وعلى رأسهم الجنرال محمد أوفقير. 
كتب جيل بيرو على لسان مؤمن ديوري الذي تم اعتقاله بعد أن رفع الحارس العصابة عن عينيه في دار المقري حيث تجري بروفات التعذيب ويحضرها الملك بين الحين والآخر:" غلالة سوداء تموجت بضع لحظات أمام عيني. بدا لي أنني أرى كائنات بشرية معلقة من أرجلها في السقف وٍرأسها إلى الأسفل. فكرت أن عيني قد غشيتا لانتقالهما من الظلمة إلى النور. خلال دقيقة ستعود رؤيتي واضحة وسأجد هؤلاء الأشخاص جلوسا أو وقوفا. للأسف, لم يكن ما رأيت خطئا أو خديعة, فالصور حقيقية فعلا, جد حقيقية. رجال ونساء مقيدون ومعلقون في السقف بقيود حديدية رُبطت إلى حبل. وعلى الأرض أطفال يرفعون رؤوسهم نحو أمهاتهم وآبائهم, وهم ينتحبون وقد أضناهم التعب والبكاء. وجوههم الصغيرة متسخة بالدموع, والمخاط يسيل من أنوفهم. لا عمر لهذه الكائنات الصغيرة التي بدت قريبة من الاحتضار, لهؤلاء الأطفال الراكعين أو الجالسين القرفصاء في برك من الدم والقيء. رائحة رهيبة من نتن صعدت إلى حلقي, شعرت بالغثيان والرغبة بالقيء. منذ كم من الأيام والليالي يتخبطون في هذا المكان؟" 


كان الجنرال محمد أوفقير يعرف أن الملك يتلذذ مثله بمشاهد التعذيب, وإن كان الأول يأخذ حبوبا مهيجة للانفعالات والعدوانية, أما الحسن الثاني فإن تركيبته الشيطانية كانت كافية لمَدّه في كل لحظات الليل والنهار بقدرة فائقة على متعة تعذيب الآخرين, وتزداد عندما يعرف أن أطفالهم كانوا يشاهدون درجات التعذيب وسط خليط من فضلاتهم ودموعهم ودمائهم. 

نائب من نواب الاتحاد الوطني" عٌلّق في السقف في تفنن جديد لهذه الطريقة إذ رٌبِط برجل واحدة. كما تعرض للتعذيب بحوض ماء مليء بمواد سامة" 
في محاكم الحسن الثاني الكلمة الأولى للقصر الملكي, أما العدل والحقوق والرحمة والرأفة فكلها من مخلفات ما قبل اعتلائه عرش المغرب. وإذا حكم القاضي بالبراءة على متهم غير متعاطف مع الملك, فتقوم الشرطة باختطافه بعد انتهاء الجلسة, ثم يختفي من العالم المرئي نهائيا. قد ينتهي به الأمر إلى المقابر الجماعية أو واحد من سجون الملك الممتدة في طول المغرب المسكين وعرضه. بعد الاستقلال استولى الملك محمد الخامس على النصيب الأكبر من الأراضي التي كان يملكها المستعمرون الأثرياء ووضع يده على الأراضي التي كانت القبائل ترعي فيها قطعانها بشكل جماعي, وجاء ابنه الحسن الثاني ليسير على الدرب نفسه, وظل طوال سنوات حكمه يرفض زيارة الريف المغربي, ويحتقر الشعب, ويعتبر نفسه من سلالة الأشراف الأطهار مقارنة بما كان يظنه نجاسة الشعب المغربي.
عندما عم الفساد, واطلق المغاربة على الأمير عبد الله شقيق الحسن الثاني " صاحب السمو 51%" وهي النسبة التي كان يفرضها على الشركات والمقاولين والتجار والأثرياء لتسهيل أمورهم, خرج الصغار من تلاميذ المدارس في مظاهرة في الدار البيضاء, فقد تربوا في عشش الصفيح, وشاهدوا الذل والمهانة والعبودية في الحياة اليومية لآبائهم وأمهاتهم. 
ولما زجت الشرطة بآلاف منهم في المخافر ودوائر الأمن, خرج الأهالي للبحث عن أبنائهم المحتجزين, وعمت المظاهرات والاحتجاجات الدار البيضاء. 
اقتحمت الدبابات وأربعمئة شاحنة ممتلئة برجال الأمن المسلحين الشوارع الكازابلانكية التي تشهد على عمق الفجوة بين الملك اللص وحاشيته وأسرته وبين جموع الشعب الطيب. 
" هبط الليل على الشوارع المقفرة, وراح الجنود يجمعون الجثث ويدفنونها في أماكن مجهولة مشتركة" 
ثلاثة أيام دهرية والجنرال أوفقير يقتل بأمر ملكي مئات أو آلاف من أبناء شعبه, وكانت الجثث الطرية الغضة الدافئة والبريئة لتلاميذ المدارس هي ما كان يجمعه الجنود لالقائها في المقابر الجماعية. 
وقف الملك أمام الميكروفون مخفيا وجهه القبيح والحقيقي خلف ابتسامة هادئة, وصوت حزين ليقول للمغاربة : " وضعتني أمام الاختبار يا شعبي العزيز"! 
يقول جيل بيرو في كتابه " صديقنا الملكNotre ami leRoi": لعله تذكر قول تشرشل, ليس عندي ما أعدكم به غير الدم والعرق والدموع, وكان الحسن الثاني عند وعده فسفح دماء المغاربة بغزارة. 
بعد خطف المهدي بن بركة ندد شارل ديجول بالحادث, ولم يتحمل أن يتم خطف ضيف على الأرض الفرنسية, واستدعت فرنسا سفيرها من المغرب, وعَلَّقَتْ مساعداتها المالية, وأصدرت مذكرة توقف بحق أوفقير والدليمي, لكن الحسن الثاني حَوَّلَها إلى قضية كرامة وطنية, وتباهى أمام شعبه والعالم كله بوزير داخليته الجنرال أوفقير صاحب فكرة خطف بن بركة, والغريب أن الجنرال نفسه لقي مصرعه بعد ذلك بسنوات بيد الملك نفسه. 

معظم المناضلين والمقاومين والمكافحين ضد الاستعمار والذين كانت تُفتح أمامهم أبواب العالم ويستقبلهم مسؤولون وكبار ويصغي لكلماتهم زعماء الهيئات والأحزاب وقوى التحرر الكبرى اضطروا في عهد الحسن الثاني إلى تقديم اعترافات عن جرائم لم يرتكبوها تحت ضغط التعذيب الذي لا يتحمله بشر ما بين دار المقري أو فيلات الدليمي , وفي كل منها يأتي الملك بين ألفينة والأخرى ليدخل البهجة لنفسه القبيحة ويشاهد عمليات التعذيب ويبتسم في داخله, فقد كان يكره شعبه كراهية مقيتة, ولو كان الأمر بيده لسلخ جلود المغاربة كلهم بدون استثناء. 
يقول جيل بيرو: " رنت ساعة الحقيقة بالنسبة للجنرال مدبوح على خليج كاليفورنيا حيث تقابل مع سيناتور أمريكي صديق لشركة الطيران بان أمريكان. أشار السيناتور إلى بعض الخبرة في الفساد في العالم الثالث , لكن المغرب من وجهة نظره أذهل الأكثر تقززا منهم". 
وقدم الأمريكي للجنرال المغربي أدلة ووثائق وشهادات على الفساد وسرقة الثروة الوطنية وتحويل العمولات للوزراء والعائلة المالكة, فهم تربية مثالية للص الكبير .. الملك الحسن الثاني. 
وكعادة أمير المؤمنين فقد كان يتمتع بوقاحة لا مثيل لها, فألغى زيارته المقررة للولايات المتحدة, ثم رفع شعار " النزاهة الأخلاقية " في عيد الجلوس, وبعدها زاد جشعه للاستيلاء على كل ما يراه جميلا يتمتع به الآخرون. 
كان الفساد يعم المغرب كله, من قمة نظام الهرم الاجتماعي إلى مؤسسات الدولة, ولا يمكنك استخراج ورقة رسمية أو انهاء معاملة أو جواز سفر أو شهادة دون أن تدفع رشوة للمسؤول. 
أما الخامات الفلزية وهي مادة التصدير الأولى في المغرب فقد كان المسؤولون الكبار والعائلة المالكة يبيعونها بسعر يقل كثيرا عن السعر الرسمي, ويذهب الفارق بعشرات الملايين إلى جيوب حاشية الملك الفاسد.
كان الملك " مثالا وقدوة سيئة. فهو أول مالك عقاري في البلاد, وأول مُصَدّْر للحمضيات, وأكبر متعهد. اشترى مجددا ملكيات مصرف باريس في فرنسا ولوكسمبورج وبلجيكا وهولندا, ووظف أمواله في منتجات الألبان ومزارع الزهور ونباتات الزينة . أما ودائعه في البنوك الأجنبية فلا حصر لها"! 
الملك الحسن الثاني كان واحدا من أكبر لصوص القرن ومصاصي الدماء وشياطين الانس, وبكاه المغاربة عندما صعدت روحه إلى بارئها,. 
علاقة غريبة بين السيد والعبيد في عالمنا الثالث, وكلما أمعن الطاغية في الاذلال والارهاب والترويع والقهر, لانت قلوب العبيد وتمسكوا به حيا وميتا! 
الغريب أن التمسك بالملك كان يُخفي رغبة دفينة في الاطاحة به, لذا تعرض إلى عدة محاولات انقلاب وفي مقدمتها مذبحة الصخيرات والتي أنقذت الملكَ منها معجزةٌ لا تفسير لها بعد قتل مئات من المدعوين الضيوف, لكن رصاصة واحدة كان يمكن أن تنهي الملكية لم تنطلق في صدر الحسن الثاني. 
ثم جاء الهجوم على طائرة الملك وهو عائد من فرنسا بعد أن توقف في اسبانيا, وكانت المعجزة الثانية ونجا أمير المؤمنين من موت محقق. 
كان الجيش يغلي, والمعارضة وأكثر أفرادها من رجال المقاومة ضد الاستعمار تلعب لعبة القط والفأر مع الحسن الثاني, لكنه كان يملك ذكاء استراتيجيا, ورباطة جأش, وتخطيطا دقيقا وتفصيليا سمح له بوضع المغرب لأربعة عقود تحت سيطرة كاملة تكاد تحصي أنفاس المغاربة في غرف مغلقة لا يدخلها إنس ولا جان. 
أذكر أن مواطنا مغربيا مقيما بأوسلو قال لي بأنه يود الاستماع إلى شريط كاسيت كان لدي لخطبة سياسية حادة, لكنه يخشى أن يضعه في السيارة فتعرف استخبارات الملك في المغرب أنه كان يستمع وهو في النرويج لخطبة سياسية داخل سيارته! 
ولما استفسرت منه عن كيفية معرفة استخبارات الملك في بلده عما استمع إليه في سيارته المغلقة نوافذها باحكام وهو يقودها في شارع مهجور بالعاصمة النرويجية, كان رده لصالح كل الطغاة على وجه الأرض. قال لي: إنك لا تعرف الملك, لكنه يقرأ أحلامنا وكوابيسنا ولو كنا في بروج مشيدة. 
قد يحدث أن يحتار القضاة فيما يرضي القصر, فيصدرون حكما مخففا أو بالبراءة على متهمين تم تلفيق التهم لهم, وهؤلاء مهما بلغ عددهم تأتي شاحنات لنقلهم أو بالأحرى لخطفهم لفترات قد تقصر أو تطول أو ربما يختفون من على وجه الأرض, ولا يسمح لأهلهم بالبحث عنهم, فالشعب المغربي كله كان مِلْكا ليمين أمير المؤمنين, يقتله, أو يعذبه, أو يرضى عنه, كما حدث مع الاخوة الثلاثة مدحت وبيازيد وعلي أولاد بورقات الذين كانوا يحضرون حفلات الملك, ويحظون برضاء الأميرات, ولكن في السادسة من صباح الثامن من يوليو عام ثلاثة وسبعين اقتحم رجال الملك بيت عائلة بورقات, واختطفوا الأولاد الثلاثة, وكأن عفريتا من الجن مسحهم من الوجود. 
الأمر نفسه حدث مع الاثنين وسبعين متهما الذين برأتهم المحكمة في دعوى القنيطرة, فاختطفتهم استخبارات الحسن الثاني إلى غياهب المجهول. 
كان الملك على استعداد لابادة نصف شعبه لكي يعيش النصف الآخر تحت قدميه ذليلا خانعا ومستكينا, فالحسن الثاني كان مجرما وبلطجيا وغليظ القلب ومتحجر المشاعر.

عاش المغاربة ينتظرون دائما تفضل الملك عليهم في عيد العرش في مارس, أو عيد الميلاد في يوليو للافراج عن المعتقلين ظلما وبهتانا, أو لظهور الذين اختطفتهم يد الاثم الملكية, فإذا مرت مناسبة ولم يتكرم أمير المؤمنين بالعفو, فعلى الأهالي انتظار مناسبة أخرى, فالشعب كله كان مقيدا بسلسلة من العبودية والسخرة يملك طرفها الآخر واحد فقط, مجرم بالولادة, وقاتل محترف, ولص خسيس, وإبليس يرتدي مسوح الأشراف. 
" عندما يهرب معتقل تحتجز الشرطة مبدئيا كل أفراد العائلة. فمن جهة لن يتمكنوا أن يمدوا له يد العون والمساعدة, ومن جهة أخرى يمارس اختفاء العائلة على الهارب عملية ابتزاز فعالة غالبا". 

كان الملك محبا لليل.. يستيقظ متأخرا, وينام متأخرا أيضا. في المساء يضع جانبا حمل السلطة ويرفه عن نفسه بصحبه مهرجين مكلفين بإضحاكه, ثم يلتحق بنسائه. وفي كل سنة يتنقل بين قصوره العديدة في فاس ومكناس ومراكش وإفران والرباط والدار البيضاء وأغادير. 

" في أحد الأيام كان الملك يصطاد في الأطلس الأوسط, فلفت نظره جمال احدى بنات الأعيان قرب قرية مريرت. هي متزوجة وأم لطفلين. حضرت سيارة في اليوم التالي 
لتأخذها مع الطفلين. حاول زوجها أن يستردها وولديه, ولكن أمر الملك لا يناقش. كان الأمر بالنسبة اليه كأن عائلته اختفت من سطح كوكب الأرض بين ساعة وأخرى". 
كيف يشعر السجين بانسانيته في معتقلات أمير المؤمنين؟ 
يقول ابراهيم السرفاتي الذي قضي عشر سنوات جحيميات في أقبية تتقزز منها الحيوانات:" كنت وحدي في زنزانة السجن, بعد أربعة عشر شهرا وخمسة أيام شعرت من جديد أنني كائن بشري, لمجرد أنني استطعت تحريك ذراعيي بعد رفع القيود الحديدية" 
" سبعة أشهر دون رؤية الشمس. جميع المنافذ مغطاة. الحياة, أو ما حل محلها, مجموعة من الممنوعات. ممنوع الكلام, ممنوع النظر, ممنوع التحرك, ممنوع التبول إلا في الساعات المخصصة لذلك وإلا فالضرب ..." 
" عشرات الشبان, معصوبو الأعين, مقيدو اليدين, ملزمون بالصمت, ممدون على ظهورهم أربعا وعشرين ساعة من أربع وعشرين" 
" الليل والنهار مختلطان, يبطل الزمن. كل دقيقة تشبه سابقتها في هذا التحجير الطارح. مع تدهور العضلات يأتي خدر الدماغ, وربما بعده يأتي الجنون" 
إذا كان المغرب هو مملكة الشمس كما كان يردد الملك, فإن المعتقلين المنسيين في سجن تزمامارت لا يرون الشمس لسنوات طويلة قد تصل إلى ستة عشر عاما متواصلة في نزنزانة بطول أربعة أمتار وعرض مترين ونصف. وفي الزاوية مرحاض مجرد من طرادة المياه, وفراش من حجر وغطاءان وصحن ووعاء من البلاستيك, إنها ثروة السجين الحي الميت. 
الظلام يغرق الزنزانة ليلا ونهارا والتي يصلها الهواء بالكاد عبر عدة ثقوب صغيرة لينتهي أمر السجين حتما بالربو أو أمراض التنفس الأخرى.
ثمانية أشهر في العام هي مدة البرد القاتل في الزنزانات, ولا يصبح الأمر غريبا عندما يستيقذ السجين, ويصرخ, ثم يرقص كالمجنون وهو يرتعش. أما في الصيف حيث درجة الحرارة ملتهبة فيضطر السجين لوضع أنفه في فتحة الباب لعله يستنشق نسمة هواء باردة. 
المقابر الجماعية في سجن تزمامارت إن حكت عما بداخلها فسيهتز إيمان الكثيرين بالعناية الالهية. كل شياطين الموت والتعذيب والقتل من ستالين إلى هتلر, ومن تشاوشيسكو إلى سالازار, ومن سوموزا إلى منجستو هيلامريم,كانوا أكثر رحمة من الحسن الثاني. 



" ثلاثة أرباع السجناء كانوا يسيرون على أربع قوائم في زنزاناتهم الرهيبة" 
يقول أحدهم: " غدونا بين الحيوان والانسان, أكثر قليلا من الجرذان, وأقل كثيرا من البشر" 
" موت رهيب نتجرعه قطرة .. قطرة. منذ دخولنا في ثقب أسود, لم نخرج في يوم إلى الشمس" 
أما من بقي على قيد الحياة, أو ما حل محلها, إما أنه أصيب بجنون أو كان يمشي كالحيوانات على أربع. 
في السنوات الأخيرة كان معظم السجناء يبقون مستلقين على ظهورهم شهورا عدة, ويقضون حاجاتهم على أنفسهم, ويلتصق البول والبراز بالملابس ليكونا طبقة سميكة لا يستطيع أنف أن يتحمل رائحتها من مسافات بعيدة. 
لقد أخطأ السجين الذين وصف نفسه وزملاءه بأنهم أكثر قليلا من الجرذان, فقد كانوا أقل كثيرا من أحط الحشرات. 
وكان علماء العالم الاسلامي يتسابقون على رضاء الملك, ويلقون محاضرات في الدروس الحسنية, ويتحدثون علانية وهمسا عن ايمان الملك وقربه من الله.


من يستطيع أن يقنعني بأننا لسنا كلنا مجرمين ومشتركين بسلاح الصمت مع الاستبداد والطغيان والارهاب وابادة الشعوب واستعباد الرعايا؟ 


قال الملك بأن الصحراويين مغاربة من رعاياه, وكان كاذبا كالعادة, فقد اختطفت أجهزته الأمنية العشرات من الأبرياء, ومنهم تلاميذ مدارس, بحجة أنهم ينتمون إلى عائلات المقاتلين الصحراويين, وهؤلاء تم مسح كل أثر لهم من أرض المغرب. 
عائلات البوليساريو كانت متفرقة في سجون كثيرة, لكن المعاملة واحدة. منها رجل في الثمانين من عمره, وفتاة لم تبلغ الثانية عشرة من عمرها. وكانت كلاب الحراسة تأكل نفس طعام السجناء وفي الوعاء ذاته, وهذا يعتبره الملك تكريما لرعاياه. 
معظهم كانوا عرايا كل الوقت, وينتابهم الخجل الشديد لدى قضاء الحاجة أمام بعضهم, ثم يخرجون إلى الفناء لمشاهدة الحفرة التي سيدفنون فيها بعد موتهم, ويعودون فورا إلى الزنزانات. 


ازداد سلوك الملك خزيا وعارا, ففي الوقت الذي كان جنوده يلتهمون الرمال في صحراء لا متناهية, وفي الوقت الذي تقتل أجهزة أمنه المئات في شوارع الدار البيضاء وتعتقل الآلاف, كان الحسن الثاني يبني قصورا جديدة, ومنتجعات عديدة, ويوسع, ويزخرف, وينفق مئات الملايين من أموال شعبه الجائع, فقد كان أكثر لصوص العصر وقاحة. 
القصر الملكي العاشر في أغادير كان تكلفته أكثر من ثلاثمئة وخمسين مليونا من الدولارات منذ ثلاثين عاما, أي ما يعادل مليارين من العملة الخضراء لكي يقضي فيه الملك عدة أيام بصحبه نساء وبغايا وفتيات مختطفات من أزواجهن. 

الجنرال أحمد الدليمي قائد القوات المغربية التي تحارب البوليساريو قدم فكرة جنونية للملك بانشاء جدار عازل يوقف هجمات المقاتلين الصحراويين. وافق الملك, وتم بناء الجدار, وارتفعت شعبية الدليمي, فغضب الحسن الثاني. إن ارتفاع شعبية أي قائد عسكري تعني قرب استدعاء ملك المغرب لملك الموت لقبض روح المسكين. 
استقبل الملك الجنرال أحمد الدليمي, وقدم له التهنئة, وبعد خروجه صدمته شاحنة يقودها سائق متهور (!), وصدر بيان القصر الملكي يعلن الخسارة الوطنية في مصرع القائد. 
وحضر الملك القاتل الجنازة وقرأ الفاتحة على روح القتيل. 
منذ منتصف الثمانينيات بدا أن المغرب الساحر الجميل عاجز عن توفير لقمة العيش لنصف عدد سكانه. عشرة ملايين من خمسة وعشرين مليونا يكملون عشاءهم جوعا, والناس تحلم بالهجرة والسفر والغرق في عرض البحر بعيدا عن مملكة الصمت. 
قامت مظاهرات الجوعى مرة أخرى في مراكش وصافي وتطوان والنادور, وكان من الصعب معرفة عدد الضحايا الذين قتلتهم أجهزة الأمن ودبابات الجيش, مئات, آلاف, أكثر أو أقل. لا أحد يعرف في مملكة الصمت. 
الشاعر علي ادريس الكيتوني نشر في ديوان له قصيدة باللغة الفرنسية تحت عنوان ( الفلسطينيون ) يقول فيها: 
وأنت أيضا, يا هتلر الثاني. 
محرر فردتي جزمتي. 
أنت ونابلس غدوتما اثنين 
ستدفع قريبا ثمن أخطائك. 
وهتلر الثاني هو الملك الأردني حسين بن طلال, لكن القضاء المغربي فسر حرف H في كلمة هتلر الثاني بأنها تعني الحسن الثاني. وصدر الحكم على الشاعر بالسجن خمسة عشر عاما في غياهب جحيم ملك شيطان. 
هل صحيح أن تزمامارت هي أقصى ما توصل اليه عقل الشيطان الحسن الثاني في صناعة جحيم أرضي لا يستطيع أن يأتي بمثله زعيم ديكتاتور آخر؟ لا ليس صحيحا, فقد كانت هناك سجون أخرى سيعرف بنو البشر, والمغاربة خاصة, يوم القيامة أسماءها حينما يعُرض الحسن
الثاني على العلي القدير في حساب أخروي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. 

ألم يأن الوقت لنبش تاريخ العار لحفار القبور الحسن الثاني؟

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 4 سبتمبر 2004

18‏/03‏/2018

رسالة إلى صدام حسين .. حفار القبور يحكم الجمهورية السجن! ( من أرشيفي )



إهداء الى الذين يقولون بأن صدام حسين كان بطلا للعروبة!
رسالة إلى صدام حسين .. حفار القبور يحكم الجمهورية السجن!
أوسلو في أكتوبر 1995، أي منذ ثلاثة وعشرين عاماً!
أظن قبل البدء بتوجيه رسالة مفتوحة إليك أنه لا تستطيع أي جهة أو شخص أو حتى من المقربين إليك أن يتجرأ ويعرض عليك رسالتي وهو يعلم مُسبقا أن ذرة من غضبك تنهي حياته، وأن الاقتراب منك دون معرفة مسبقة بحالتك النفسية قد تزيد القاطنين في باطن الأرض واحدا أو أكثر، بل إنني أزعم أن لملك الموت مقرا ثابتا في بغداد فهي العاصمة التي تمد في عهدك دود الأرض بجثث العراقيين دون حساب مع افتراض نجاتهم من الإذابة في حامض الأسيد كما فعل الملك المغربي الراحل الحسن الثاني مع المعارض المهدي بن بركة!
المرة الأولى التي وجهت إليك فيها رسالة مفتوحة شملت كل صفحات عدد طائر الشمال بعد غزو أشاوسك لدولة الكويت، لكنني أعلم أنك لا تسمع غير صوتين، إما صدى صوتك، وإما همزات الشياطين والتي بدأت تخشى أن تقوم أنت بالتفوق عليها بل وغوايتها على مالم تحِطْ به علما من شرور الكون وأسباب وطرق الإيذاء!

هل يمكن أن تصبح النفس مستودعا لآثام لا نهائية تزيدها نهما غلظة وقسوة ووحشية لا قبل لإنس أو جان بها؟

قد تقفز إلى ذهني الآن صور حفنة من المستبدين الدمويين أمثال ستالين وهتلر وفرانكو وسالا زار وتشاوشيسكو وعيدي أمين دادا وجان بيدل بوكاسا وهيلاسلاسي ومنجستو هيلا مريم ومعمر القذافي وغيرهم، ولكن للحقيقة وللأمانة وللتاريخ فإن كل هؤلاء من أعداء البشرية وخصوم الخير وشقائق الشيطان يقفون بجوارك تلاميذ في مدرسة الشر مع استثناء وحيد لإرهابي مثلك هو بول بوت الذي كاد يقضي على نصف سكان كمبوديا.
هل يؤثر فيك أن تعلم عدد الذين يصبون جَمَّ غضبهم عليك ويتضرعون إلى العلي القدير أن يكون اليوم هو آخر أيام حياتك؟ لعلك لو قضيت أياما طويلة تحصيهم عدا لما بلغت نصفهم أو ثلثهم أو أدنى من ذلك أو أقل ولو ساعدك في ذلك طائفة من الذين معك، أعني الذين سينقلبون عليك فور أنْ يتناهى إلى أسماعهم البيان الأول من إذاعة بغداد وهو يبشر شعبنا العراقي العظيم بنهاية حكم رجل آل علي نفسه أن يدفن العراقيين كلهم أو يغرقهم في نهر دجلة حتى يحلبجهم كما فعل مع أكراد قومه!
أحسب أنك تستمتع بحكايات الرعب التي يتناقلها العراقيون فتزيدهم خوفا وهلعا لتتسع دائرة سطوتك وسيطرتك فتطارد المواطن العراقي في بيته وعمله وفي غرفة نومه بل وفي همساته غير المسموعة خشية أن تلتقطها أذن صغيرة فيكررها أمام زملائه في المدرسة لتبدأ رحلة العذاب للمواطن الذي تُلقي به كلاب قصرك من زبانية جهنم التكريتية في واحد من معتقلات تكاد تُغطي جمهورية الخوف من بصرتها إلى موصلها!
في الغربة، حيث يتوزع عدة ملايين من العراقيين الذين هربوا من جحيمك لا يلتقي عراقيان شريفان إلا وانقشعت حجب السماء عن لعنات يصبــّـونها عليك وعلي نظامك وولديك وعائلتك التكريتية ومخابراتك وكلاب قصرك وحراس سجونك وساديي معتقلاتك وذئاب أمنك، ولعل لله، عز وجل، حكمة في تأخير أجلك رغم حشرجة أصوات الملايين الذين يرفعون أكف الدعاء إلي ملك الموت لكي يعجل في قبض روحك قبل أن يقرأ عراقيو المنافي الفاتحة على من بقي من عراقيي الداخل في الجمهورية السجن.

لن أحدثك عن الخوف وهو يتسلل إلى كل مسامات الجسد وخلاياه فلا شك أنك عانيت أيضا منه على الرغم من الذين يزعمون أن القائد المهيب صدام حسين يملك قلبا لا يلين وروحا لا تنهزم ونفسا تحتكر لنفسها شجاعة أمة بأكملها، فقد شاهدك العالم كله ثلاث مرات وأنت تقترب من أكثر لحظات العمر ضعفا وقد امتص الرعب دماء وجهك وكادت تبدو مكانه صورة عبد الكريم قاسم وهو يتعرض لنفس المصير الملتصق بتاريخ انتقام العراقيين من حكامهم!

المرة الأولى عندما هاجمت طائرات التحالف بغداد تدكها دكا لينتقم الأمريكيون والبريطانيون من عاصمة الرشيد التي تحولت في عهدك إلى مركز عدوان على جيران العراق، فرأيناك في مخبئك خائفا مرتعدا وأنت تحرض شعبك على الصمود.
والمرة الثانية عندما بدأ أشاوسة نظامك المنسحبين من الكويت في رفع الرايات البيضاء وتقبيل أحذية اليانكي والتوسل إلى جنود العم سام أن يأخذوهم أسرى فذُلُ الأسر والمهانة والانهزام أمام رامبو الأمريكي، أعني الأمريكي الذي دس الفيتنامي أنفه في التراب فأعدت أنت إليه كرامته بحماقتك وغرورك وغباء قادتك العسكريين وجبن مستشاريك، أهون من العودة إلى الوطن السجن ومرتع الأشباح والمقر الرئيس لملك الموت.
أما المرة الثالثة فكانت يوم أن انهارت كل مؤسساتك تقريبا خلال ثورة مارس التي أعقبت تحرير الكويت، وكان العراقيون الثائرون على مبعدة كيلومترات معدودة من بغداد وبدعم شعبي لم يلتفت لحظة واحدة إلى الطائفية المقيتة التي حاول إعلامك الفاشل أن يصورها شيعية إيرانية فجاء القرار فورا من أسيادك في البيت الأبيض بتسهيل القضاء على الثورة العراقية خشية قيام نظام عراقي وطني يهدد أمن أساطيل أمريكا في الخليج، فأنت وحدك فقط الذي يمكن أن يحقق للغرب مصالحه في ابتزاز دول الخليج ونهب ثرواتها وتثبيت هراوات النظام العالمي الجديد في خليجنا الدافئ.

يقال بأن الرعب الذي امتد إلى كل مواطن سوفييتي في عهد ستالين جعل الجماهير التي كانت تصفق له تخشى التوقف عن التصفيق إلا بعد أن يشير إليها الديكتاتور، ومع ذلك فقد قتل ستالين من أبناء شعبه أكثر مما حصدت آلة الحرب العالمية الثانية في الاجتياح الهتلري لأراضي الإمبراطورية السوفيتية الواسعة.

ونفس الأمر ينسحب على بول بوت الذي أتخم دود الأرض بجثث ثلث سكان كمبوديا حتى الذين كانوا يضعون على وجوههم النحيلة نظارات طبية اعتبرهم بول بوت أعداء للشعب وتمت تصفيتهم فربما كانوا مثقفين أو متابعين لأحداث وطنهم!
ولكن الحكايات الشبحية المفزعة عن العراق في عهدك تجعل المرء يزداد حيرة في التعرف إلى خبايا ومسارب النفس والتي يتحقق فيها قول العلي القدير

" ثم رددناه أسفل سافلين".

ولكن من أين أبدأ؟

من الطالب الجامعي الذي سقطت من كراسته ورقة محاضرات فتم القبض عليه لأن أجهزة المخابرات في الجامعة اعتبرتها إشارة إلى شيء غامض لا تعرف كنهه، أم من سائق السيارة الذي أوقعه حظه العاثر في طريق مر به مسؤول كبير، وكانت سرعة قيادة السائق لسيارته أقل من سرعة سيارة المسؤول خلفه فتم توقيف المسكين وألقى به الأمن في المعتقل بتهمة عدم ذكر أسباب قيادته السيارة بأقل من السرعة القصوى؟

هل أبدأ من السيدة التي كانت تعمل في مؤسسة حكومية وطلبت من زميلتها خفض صوت المذياع الذي كان يذيع خطابا لك فلبثتْ في السجن أسبوعين طويلين تعرضت خلالهما لكل صنوف العذاب، أم من الأب الذي ذهب إلى جحيم سجونك لأن ابنه الصغير ذكر في المدرسة أن والده وضع صورة أخرى بدلا من صورة " بابا صدام" في إحدى غرف الدار؟
وربما أبدأ من قسوة أشاوستك وهو يدنسون حرمة مسكن عائلة كويتية أثناء الاحتلال الآثم فيسحبون إلى الخارج شابا كويتيا ويطلقون عليه رصاصات عمياء، ثم يهددون أهله بالويل والثبور إن لم يتركوا جثته أمام بيته ثلاثة أيام وثلاث ليال، فقد دخل جنود الغزو دولة الكويت محملين بزاد لا ينضب من قسوة علمتهم أنت إياها، ولقنتهم دروسا في الغلظة وكيفية تعذيب الأبرياء فبدا الأمر كأن إبليس لم يعد له موقع بين جنودك لأنك أنت وحدك جسدت كل همزات الشيطان ونزعاته منذ أن أقسم لرب العزة بأنه سيغوينهم أجمعين!

عندما تنتهي فترة حكمك السوداء بإذن الله في محكمة الشعب العراقي العظيم التي قد تكون سحلا في شوارع بغداد أو حرقا في البصرة أو إعداما في ساحة شعبية في تكريت سيقول المرجفون والمؤيدون لك والمنافقون ونافخو أبواق التزييف الإعلامي بأنهم لم يكونوا على علم بكل آثامك وخطاياك، وسيبحثون أمام الشعب العراقي يطلبون الصفح والعفو في وقت تكتشف فيه الحكومة القادمة عشرات من المقابر الجماعية التي تم فيها دفن آلاف العراقيين على حفيف أقلام الصحفيين الأردنيين والفلسطينيين والجزائريين والمغاربة واتحاد الكتاب التونسيين وهم يطيلون بقاء روحك في جسدك بأكاذيب وأباطيل ونفاق أصحاب السلطة الرابعة!

في سجن أبو غريب كانت صرخات الموجوعين والمعذبين أكثر حدة وشدة مما تتحمله أي نفس ولو صُنعت من حديد أو من صخر وهو يتعرضون للاعتداءات الجنسية والكي بالنار ونفخ الجسد وسبل العيون وإحراق مواضع العفة منهم, وعلى مبعدة دقائق معدودة كان عادل إمام يعرض مسرحية، وقبله تلوثت سماء بغداد بضحكات رجال استخباراتك وعائلاتهم وكلاب قصرك وهم يشاهدون الفنان محمد صبحي في مسرحية" ماما أمريكا" فعباقرة الفن يقفون في صف طويل ويصمون آذانهم عندما تصل طائرة ملعونة مطار صدام الدولي، فالفنانون الذين سيتشرفون بلقائك لا يرغبون في التعرف على العراقيين في الجمهورية السجن!

ومع ذلك فكل المستبدين والطغاة كانوا يملكون قدرا ولو ضئيلا من حرية التحرك خارج بلادهم إلا أنت فقد سجنت شعبك كله ونسيت أنك أيضا سجين في وطن لم يعد لك فيه غير حفنة من الكلاب والذئاب وزبانية الموت الذين يطيعون أوامرك الشيطانية بالقتل والتعذيب والتنكيل ودس أنوف العراقيين في التراب أو حفر المزيد من القبور لإرضاء نزعات الشر في نفسك.

ترى كم كان إحساسك بالضآلة والدونية وأنت تتابع من قصرك المسلح في بغداد وقائع المؤتمر الشعبي الكويتي في منتصف أكتوبر من عام الغزو وقد التفت كل فئات الشعب الكويتي في الداخل وفي الخارج حول الشرعية الممثلة بآل الصباح ولم يتخلف كويتي واحد عن التأييد المطلق لحكومته الشرعية حتى وهي بعيدة عن أرض الوطن و لا تملك من القوة إلا الإيمان بالنصر والتحرير والعودة؟
لو انعكست الآية وكنت أنت وعائلتك ورجالك في أي منفى إجباري أو اختياري لما كتب الله لك أن تشرب من ماء دجلة ما بقى لك من عمر!

كيف استطعت أن تحول الجنود العراقيين، الفرسان من أهل الشجاعة والإقدام، إلى لصوص في خدمة ابنك المتخلف الدموي عُديّ وأحد لصوص بغداد المدعو علي حسن المجيد لسرقة كل ما تقع عليه عيونهم وأيديهم في الكويت حتى أن الدبابات والمصفحات التي كان من المفترض أن تتوجه إلى فلسطين فأمرتها أنت بالتسلل إلى الكويت فجر يوم خميس أسود كانت تعود إلى عاصمة الرشيد محملة بالأثاث والملابس ولعب الأطفال الكويتيين وأجهزة طبية سرقها أشاوستك من المستشفيات؟

هل فتحت صدر كل جندي قبل تدنيس أرض الكويت ووضعت فيه جمرة من شرورك وآثامك وخطاياك؟
أزعم أنك لم تستطع إلى هذه اللحظة أن تتخيل أو تستوعب مصيرك ومصير عُديـّـك وقُصيـــّـك وساجدتك وكلاب حراستك وذئاب معتقلاتك عندما ينتفض الشعب العراقي العظيم وتهتز لغضبته أرض الرافدين وتتلون حمرة مياه نهرية ولا يبقى في شوارع بغداد بعد سحل العائلة كلها وفي المقدمة كبيرهم الذي علمهم الغدر والقسوة قطعة من جسد!

كراهيتي لك كمجرم عتيق لا تقل بأي حال من الأحوال عن كراهيتي للذين يمارسون التعتيم الإعلامي والسياسي على جرائمك ويتخندقون معك في مواجهة الشعب العراقي وإذلاله وإهانته والتغطية على عمليات القمع والاختفاء القسري فضلا عن عشرات الآلف الذين تمت تصفيتهم في سجني أبو غريب والرضوانية منذ توليك مهمة تحويل العراق إلى جمهورية الأشباح.
عندما أشاهد على شاشة التلفزيون وفي قناة العراق الفضائية الأكثر بؤسا من كل الفضائيات، باستثناء الليبية، عراقيين في تجمع أو ندوة أو احتفال أو معرض أو مظاهرة أو حتى عرس أجد كل ملامح الذل والخوف والفزع على وجوههم وهي تكاد تنطق هلعا مناشدة الأحرار والأشراف البحث عن مخرج للهروب من الجمهورية السجن، ثم يزداد غضبي عندما تقع عيناي على ضيوف العراق من المنافقين والأفاقين ومتحجري القلوب وأنصاف الأميين من الفنانين والسياسيين ورجال الأعمال المحتالين والإعلاميين الذين قدموا إلى بغداد لتحية صمود الشعب العراقي، كما يدعون، ولم يكلف أحدهم نفسه جهدا لقراءة صفحتين من أي تقرير لمنظمة العفو الدولية أو أي منظمة حقوق أخرى عن الوضع الكارثي لحقوق الإنسان العراقي.

أحسب أنك أكثر سعادة من أسياد البيت الأبيض في فرض العقوبات الدولية الظالمة على شعبك، فهي لم تمسسك أو تقترب منك أو تؤثر في جـشعك لمزيد من القصور والأموال المنهوبة والنسبة المئوية من أموال النفط، لكنها ساعدتك في قهر الشعب وإذلاله وبسط قبضتك على كل حفنة من فتات الطعام الذي يدخل جوف طفل عراقي، فالحصار الدولي، ظاهرا والأمريكي واقعا جاء ليُثَبت قدميك ويحميك من غضب شعبك ويبتز دول الخليج العربية ويضمن المكوث أطول فترة ممكنة بين منابع النفط، والاقتراب من إيران، وتهديد ما بقى من أشلاء اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية.

وكلما بدأ الخليجيون في التململ والضجر وفهم لعبة الاستغلال الأمريكي، خاصة في دولة الكويت، جاءت تهديداتك أو لوثات لسان ابنك المتخلف عُديّ أو وسائل إعلامك تهدد أمن وسلامة الكويت حتى تتيح أنت بحماقتك وتآمرك لجنود أمريكا وأساطيلها المكوث في المنطقة، فكل الدلائل والشواهد والقرائن تثبت أنك أنت الخادم المطيع والعميل السري والعلني لقوى الغرب، واليد التي تبطش بها أمريكا وإسرائيل كل حركات التطور والتنمية والتقدم والرفاهية واستقلالية القرار النفطي.
سياسة النفط مقابل الغذاء كانت تهدف منذ بدء تطبيقها إلى مساعدتك في إحكام السيطرة على العراق، فتوزيع حصص الغذاء على العراقيين أتاح لك فرصة استدعاء المواطنين إلى مراكز التدريب لتكوين جيش جديد من حراس الجمهورية السجن الذين تطعمهم أنت في مقابل أمنك والتجسس على العراقيين والوقوف في مواجهة المد الشعبي من الجنوب أو التمرد الكردي في الشمال.

وسياسة النفط مقابل الغذاء جعلت أفواه الأطفال الجائعين والمرضى في قبضتك، فصعدت أرواح مئات الآلاف منهم في خلال العقد الماضي إلي بارئها تشكو ظلم الاستبداد الخارجي وصمت العرب والمسلمين وقبل ذلك تبتهل إلى العلي القدير أن يخلص العراق منك ومن ولديك وأهلك وعشيرتك الأقربين وربما من حزب البعث العربي الاشتراكي كله! 

الساذجون فقط هم الذين يظنون أن الإدارة الأمريكية تسعى للإطاحة بك وبنظام حكمك وبأنها تدعم المعارضة بالمال والسلاح وأنها هي التي ساهمت في إنشاء إذاعة عربية في العاصمة التشيكية لمناهضتك فأمريكا لم تنته بعد من حلب آخرة قطرة نفط من ثدي البقرة الخليجي، وهي لن تجد في الزعماء العرب كلهم، على كثرة رجالها في القصور العربية، رجلا يخدم مصالحها مثلك، وعدوا للعرب والإنسانية كالرئيس المهيب.
قبل غزو جيشك للكويت كان كثير من العرب يقفون معك لسبب بسيط لعله يعود إلى الحرب التي أمرت بشنها على إيران بعد عام ونصف العام من نجاح الثورة الإسلامية التي قضت على الإرهابي المستبد محمد رضا بهلوي شاه إيران وكان غباء السياسة الإيرانية بعد نجاح الثورة هو الذي جعل المفكرين والمثقفين والسياسيين العرب يدعمون العراق في حربه غير العادلة ضد الثورة الإسلامية، فقد بدأ الإيرانيون بالهوس والإعدامات الجماعية التي كان يصدر خلالها خلخالي الحكم بالإعدام في أقل من ثلاث دقائق من عرض المتهم عليه ثم استنطقت الثورة الإيرانية النعرة الطائفية، الفارسية والشيعية، وتعالت على العرب وأظهرت أنيابها لدول مجلس التعاون الخليجي وجعلت الخليج العربي فارسيا وسال لعابها للاستيلاء على البحرين والاحتفاظ بالجزر الإماراتية المحتلة.
وغزو الكويت قام بتعرية سوءات نظام حكمك الدموي, وما قام به جنودك خلال سبعة أشهر جحيمية في الكويت المحتلة لا يستطيع إبليس نفسه أن يقوم به لو كان من جنودك أو من زبانية نظامك. فقد نصب أشاوستك للكويتيين المسالمين كل أدوات التعذيب التي تفتقت عنها أذهان كلابك وفي مقدمتها منح الجندي أو الضابط أو المحقق سلطة مطلقة في التعامل مع الكويتيين تماما كما يفعل في العراق.

ولكن تحرير الكويت أثبت أن جيشك المنسحب والمنهزم كان جيشا من ورق، وكان جنودك يخبئون قطع قماش بيضاء في دباباتهم ومصفحاتهم وعرباتهم ليسلموا أنفسهم مع أول طلقة معادية لهم أو مع أول قطع للاتصال بالقيادة في العراق فأي مكان في العالم يحسبه العراقيون نعيما مقيما عندما يقارنوه بجحيمك الكارثي. هل يعرف الذين يقومون بزيارتك أو الذين يطالبون بعودتك إلى الحظيرة العربية أنهم يشاركونك في تثبيت جمهورية الخوف؟

هل قرأ أحد منهم عن الأساليب المتبعة في السجون العراقية والتي تعرض لها مئات الآلاف من الأبرياء والمظلومين ومنها وضع الرأس في المرحاض والضرب بالعصي وحرق الصدر بأعقاب السجائر ونتف شعر الجسد والتعليق من القدمين لساعات طويلة ثم الوخز بالإبر واستخدام المكواة الكهربائية وهي ساخنة لحرق الأعضاء التناسلية وتقديم طعام فيه حشرات ونفخ البطن من الدبر واغتصاب السيدات أمام أزواجهن إمعانا في إذلال السجين العراقي والتغطيس في مياه حارقة وربط ثقل حديدي في الجهاز التناسلي للمعتقل؟
هل يعرف الذين يعيدون تلميعك وتأهيلك أن لعنة الشعب العراقي ستلاحقهم في المستقبل وتطاردهم أينما كانوا وتصب عارها عليهم وعلى كل من يقف معك أو يصمت أمام بغيك أو يغمض العين عن جرائمك وهو قادر على فضحها وتعريف المجتمع الدولي بها؟
العلاقة العدائية التي صنعتها بينك وبين شعبك لن تجعلك أنت وأهلك في مأمن ولو كنتم في بروج مشيدة. إنني أتنبأ لك بمصير تصغر بجانبه نهايات كل المستبدين الآخرين، فلن يقرأ الفاتحة على روحك أحد ولن يشفع لك عندما يأتي أجلك كل أصدقائك ومعارفك ورجال الأعمال العرب وأصحاب القلم المغموس في قلوب أطفال العراق من الصحفيين الأردنيين والفلسطينيين والجزائريين والمغاربة والتونسيين وغيرهم، وحتى لو عرض كل الفنانين والمطربين والراقصات في مصر إقامة مهرجانات في بغداد لإسعاد رجال مخابراتك وإدخال الفرحة والبهجة والسرور إلى نفوس حرسك الجمهوري أو شبيبة صدام وقصي فلن يتأخر مصيرك الأسود يوما أو بعض يوم! 

هل حدثك أحد عن الملايين الأربعة من العراقيين في المنافي والمهجر والغربة الموحشة بعيدا عن الوطن؟

إنهم ينتظرون بصبر نافد اليوم الموعود عندما يطيح بك الشعب العراقي وينفجر غضبه حمما حارقة في كل مكان، ويطارد رجال الحرس الجمهوري وضباط أجهزة المخابرات والأمن وزبانية التعذيب في سجون العراق التي يزيد عددها عن عدد الحدائق وأماكن لهو الأطفال الأبرياء الذين قضيت على آبائهم بقسوتك وغلظتك وساديتك المهووسة برائحة الموت وجمال القبور ونغمات صيحات وصراخ المعذبين في الجمهورية السجن.
لا شك في أن اليوم الأخير في حياتك سيكون أيضا نهاية البعث العربي الاشتراكي عندما يتبرأ أعضاؤه المنخرطون فيه رغم أنوفهم من كل صلة به وببرنامجه وبأعماله ونشاطاته ومبادئه حتى لو كانت حقا الدعوة إلى أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة!

هل تصدق إنني لم أقابل في السنوات العشر الأخيرة عراقيا واحدا يحمل لك ذرة من تعاطف أو تأييد فضلا عن المحبة؟

في كل مكان يصادقني عراقي يبدأ الحديث عن هموم العراق، فإذا زالت شكوكه، وكل عراقي في الغربة يخشى الحديث مع أي غريب لئلا يكون من أزلام نظامك العفن، فتنطلق بسرعة الصوت من بين شفتيه لعنات وكلمات يعاقب عليها قانون الحياء وألفاظ لو أصابت أذنيك بعضٌ منها لعرفت كم أنت بعيد عن شعبك بُــعــد المشرقين وأنك لست حاكما له إنما سجان غليظ القلب عديم الرحمة.
إن رسم لوحة سوداء تبين مدى الرقابة التي يتعرض لها شعبك بفضل نظامك القمعي تحتاج إلى وقت طويل، فكل عراقي مراقب منذ استيقاظه إلى أن يغلبه النعاس ولا مانع أن تطارده صورتك في منامه فيستيقظ فزعا فإذا بصورك تطارد عيون العراقيين أينما ولوّا وجوههم.

أذكر أنني رأيت في إعجاب الرئيس الراحل أنور السادات بنفسه دليلا قويا على أنانيته ونرجسيته، فقد كان رحمه الله، يستدعي مَثّالا فنانا من تركيا ويجلس أمامه ساعتين في كل يوم لينحت تمثالا للرئيس المؤمن.

أما أنت فجبل من التعاجب والأنانية حتى أنك أمرت بتنفيذ مشروع صور السيد الرئيس القائد فتنتصب اللوحات والصور الكبيرة ويتم تعليق الأصغر في كل مكان بعشرات الآلاف خشية أن يتبادر إلى ذهن أي عراقي أن هناك مترا واحدا من أرض الرافدين لا تقع عيون المواطنين فيه على صورتك.
إنه إمعان في التعذيب والامتهان ودس كرامة المواطنين في أحذية كلاب قصرك المولعين بالنقيضين معا، المازوخية أمامك والسادية في مواجهة رعاياك.

المواطن العراقي يخرج من بيته وهو يعلم تماما أنه مفقود حتى يعود إليه مرة أخرى وعلى الرغم من ذلك فهو ليس آمنا في بيته، فقد يتلقى أمرا بالتوجه إلي أقرب مخفر للشرطة ويطلب منه ضابط الأمن تسليم مفاتيح سكنه لأن الشرطة السرية ترغب في مراقبة جهة ما أو بعض الأشخاص من سكن هذا المواطن المسكين، فيعود مسرعا ليبحث هو وزوجته وأولاده عن أقارب لهم يستضيفونهم لشهر أو شهرين أو عام كامل إلى أن تتفضل الجهة الأمنية وتستدعيه على عجل، ثم تلقي في وجهه مفاتيح سكنه ليعود إليه ذليلا خانعا.
كيف تفتق عقلك الجهنمي عن كل أفكار البطش والتوحش والذئــبــوية ؟

إن ما يحيرني ولا أجد عنه جوابا نصف شاف أو أقل، هو مدى كراهيتك لشعبك ولذاتك المريضة في وضع حذائك فوق رؤوس كل أبناء شعبك وكأنك تعتذر أنْ ولدتك أمك في العوجة وتربيت تكريتيا قاسيا ورضعت مع الشياطين ثم انفصلت عنها لتُكَون عالمك الخاص!

أعود للملايين الأربعة من العراقيين في المنافي الذين كان يمكن أن تصنع بهم ومعهم معجزة الرخاء والرفاهية والأمن والسلام، لكنك رأيت أن العراقيين لا يستحقون شرف الحياة التي وهبها لهم الخالق، عز وجل، فآليت على نفسك أن تكون حَفّارا للقبور وعميلا مدهشا لملك الموت لتدمير وتخريب العراق حاضرا ومستقبلا.
عراقيون في كل مكان، في الأردن يفترشون الأرض بعشرات الآلاف بعد أن كان الأردنيون يحلمون بالسفر إلى بغداد ليتقاسموا مع العراقيين خيرات الرافدين والذهب الأسود! وفي تركيا يلتقطون أنفاسهم بعد رحلات شاقة ومضنية عبر جبال الشمال للهروب من قبضتك والارتماء في أحضان تجار التسلل الذين يطلبون من العراقي كل ما ملكت يداه في مقابل الهروب من الوطن السجن.

ثم يجد العراقي نفسه مرة أخرى بين يدي تجار النعوش المائية الذين يكدسون أكبر عدد ممكن من مواطنيك في مركب متهالكة فيبتلعهم البحر أو يقعون في قبضة شرطة السواحل في اليونان أو ايطاليا أو أي جزيرة بائسة فالموت أو السجن أكثر رفاهية ومتعة من الحياة في ظلك!

وفي الغربة أيضا عشرات الآلف من العراقيين الذين تتسابق دول كثيرة على الفوز بأي منهم، فمنهم خبراء في الكيمياء والذرة والطب والهندسة والسلاح والاقتصاد وعشرات من العلوم الحديثة، لكنهم لاجئون، ويقف بعضهم في انتظار موافقة السلطات الأوروبية على طلبات لجوئهم السياسية أو الإنسانية. 

أينما وليت وحهي وجدت عراقيا على استعداد تام لقبول أكثر الأعمال بساطة وتواضعا ولو كان في بلده عالما أو أستاذا جامعيا، فالسعادة تم اختصارها لدى العراقي إلى العيش بكرامة بعيدا عنك وعن نظامك وحزبك وأهلك وعشيرتك وأمنك وولديك المعتوهين.
في طريقي إلى معرض فرانكفورت الدولي للكتاب تحدثت مع سائق سيارة الأجرة العراقي، فلما زالت شكوكه كاد لسانه يشتعل من كثرة ما صب في أذني من شتائم ولعنات عليك وعلى حكمك، فقد كان عالما في الذَرَّة وأستاذا جامعيا، وفقد شقيقيه في معتقلاتك، فلما اقترب منه الموت دفع كل ما يملك لمن استطاع تهريبه من جمهورية الموت!

قال لي شاب عراقي بأن صديقا له تم إلقاء القبض عليه لأنه هاتف زميلا آخر واستخدم في حديثه كلمة " لاسلكي" فهبطت عليه كعزرائيل كتيبة أمنية واقتادته من بيته لتحقق معه في المكالمة الهاتفية التي استخدم فيها كلمة ممنوعة أو على الأقل تثير الريبة، ولبث بعدها في السجن بضع سنين!

ما هذا الخوف الذي يشم الموطن رائحته مع كل نسمة هواء ملوثة تدخل رئتيه؟

كيف استطعت بإبليسيتك أن تجند مئات الآلاف من العراقيين للتجسس والتنصت على شعبك ورعاياك ومواطنيك، فجعلتهم في كل مكان يتواجد فيه عراقي. 

في موقف الحافلات يقف جواسيسك لعل موطنا ينبس ببنت شفة متذمرا من وضع أو عاتبا على الحكومة أو غير راض عن حزب البعث العربي الاشتراكي. وداخل الحافلة يتناثرون كالذباب، وأكثر من ثلث سائقي سيارات الأجرة هم من رجالك أو من عيون رجالك. وفي المصانع والمدارس والمستشفيات والجامعات والفنادق لا يخطئ العراقي في التعرف عليهم، فآذانهم تلتقط حفيف الأوراق وهمسات البــُـكْم، وعيونهم مدربة على الدخول إلى المناطق المعزولة من النفس البشرية للتفتيش فيها فربما تنم ابتسامة صفراء لسماع خطابك أو اسمك عن كراهية يحملها في قاعه اللانهائي مواطن عراقي، وهنا لن يجانب المرء الصواب إن بدأ في قراءة الفاتحة على روح من يقترب منه أحد كلاب أمنك سواء كان ضابطا أو شرطيا أو مرشدا أو متبرعا للإرشاد عن مواطنيك ليضمن لنفسه السلامة لبعض الوقت!
لقد نجحت أنت لبعض الوقت في تنفيذ خطتك اللعينة بسحق وترويع الشعب العراقي تمهيدا لاجتثاثه بعد الإذلال والتعرض لكل أنواع الأذى، بدأ رجالك في تنفيذ الخطة المُحكمة وذلك بإيصال العنف إلى أقصى درجاته بين أفراد الشعب في محاولة لإيهام العراقيين بأن حياة كل منهم مستهدفة من قبل "الآخر" الذي قد يكون صديقا أو جارا أو ابنا أو زوجة أو قريبا أو زميلا أو حتى رفيق رحلة قصيرة في سيارة أو حافلة، وأن إنقاذ حياة العراقي ليس لها إلا طريق واحد يمر عبر التسليم الكلي، الروحي والفكري والجسدي، لقوى السلطة الممثلة برجال الأمن وحفظة النظام.
في ظل نظام حكمك العفن استطعت تطبيق قانون الغاب الحيواني الذي يؤكد أن كل عراقي مذنب حتى تثبت براءته، وهكذا وقف عشرون مليونا من أصحاب واحدة من أهم حضارات الشرق خلف قفص الاتهام أمام واحد من أخطر مجرمي وبلطحية عصرنا الحديث.

لاريب في أن المهانة التي تشعر بها لا تقل بأي حال من الأحوال عن الإذلال الذي سعيت لأن يكون سمة واضحة من سمات عهدك وحكمك، فأنت وحيد في قصرك وقبوك وبين عائلتك.

يهرب من قبضتك أزواج بناتك وتتخلص ابنتاك من ظلمك قبل أن تقوم أنت بتصفية زوجيهما، ثم يتوالى مسلسل الهروب الغريب الذي طال أفرادا من عائلتك من المفترض أنهم ينعمون بالسلطة والمال والسطوة.
والخوف الذي يسيطر عليك ليس أقل قدرا من الرعب الذي جعلته يسري في أجساد كل مواطنيك، فلا يستطيع ابنك أن ينفرد بك وسلاحه معه، وتقوم بتبديل مواقع إقامتك في كل يوم، وتغيير حراسك مرتين أو أكثر قبل أن يخيم الظلام، وتخشى الطبيب والزائر ومقص الحلاق وغرفة العمليات ونوع الدواء والطعام والشراب وكل ما فوق الأرض وما تحتها، هذا فضلا عن الجانب الذي يجهله كل من حولك وهو الكوابيس التي تطاردك في منامك وتؤرقك وتعذبك فالله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ونفس الأمر ينسحب على آل الصباح الذين جاء غزوك ليؤكد للعالم كله شرعية ودستورية حكم آل الصباح بعدما وقف الكويتيون كلهم في مؤتمر جدة خلف هذه الأسرة التي ما قصّرت يوما واحدا في تحقيق الخير لشعبها الكويتي.

ترى كم هي مرارة الدونية التي تشعر بها عندما تعلم أن أي تضرع لله في مسجد أو كنيسة في طول البلاد وعرضها يعني بالضرورة دعاء إلى الله أن يذيقك بعض ما أذقت لشعبك الصابر المسكين؟

ولأنني لا أفهم حكمة العزيز الوهاب في إرجاء أجلك فلا شك أنني مثل ملايين غيري أتعجل يوم الحشر العراقي عندما ينتفض شعبك ضد جلاديه، ويخرج إلى النور عشرات الآلاف من المعتقلين الذين لم تر عيونهم ضوء الشمس لسنوات طويلة وهم في أقبية تحت الأرض يمتد بعضها عمقا لعشرين مترا أو أكثر.

كل فروع الأمن في جمهورية الخوف العراقية أصبحت مصانع جاهزة لتعليب الموت ومع ذلك فقد امتدت فروع وأجهزة القتل والتعذيب إلى آلاف المواقع في طول البلاد وعرضها فلم تعد فقط شرطة التحقيق أو أجهزة المخابرات لكنها أيضا الأمن العسكري والأمن السياسي والحرس الجمهوري وأمن الرئاسة وشبيبة صدام و القوات الخاصة التابعة لأصغر ولديك ولا مانع من أن يقلد عدي أباه في التلذذ بتعذيب الرياضيين أو جلد الصحفيين أو اغتصاب الفتيات أو التحرش الجنسي بأي امرأة جميلة تسير مع زوجها، فعائلتك ورثت الإجرام منك، وقيمة العراقي في نظر هذه العصابة التكريتية لا تساوي روح حشرة يدهسها حذاء أحدكم.

قابلت في الإسكندرية أرملة واحد من وزرائك السابقين الذي أبدى في أحد الاجتماعات رأيا مخالفا لما طرحته أنت فكان لابد أن يكون عبرة لرجالك وقمت، لعنك الله، بتصفيته أمام زملائه. أشعر أن الدماء تغلي في كل عروقي وأنا أتابع المقالات والتحقيقات التي ينشرها زملائي في مهنة البحث عن المتاعب وهم يعيدون تأهيلك وتحويلك من قاتل إلى قتيل، ومن شيطان إلى ملاك، ومن مفرّق العرب إلى موحدهم، ومن سبب معظم كوارث الفلسطينيين إلى صلاح الدين..الجديد، ثم يغمضون أعينهم عن جحيم جمهورية الموت.
عندما كانت جثث المصريين المشوهة تلقي في صناديق خشبية رخيصة في بغداد وتنزلق من أحشاء الطائرة في مطار القاهرة الدولي وسط صمت مريب من السلطات المصرية، كان رئيس تحرير واحدة من أهم الصحف المصرية، إبراهيم نافع، ينشر حديثا عفنا ونتنا معك ويسألك لماذا يطلق عليك أحبابك المصريون المحامي الوحيد عنهم؟
وحتى الآن لا تزال أموالك التي نهبتها من الشعب العراقي أو من الكويت تدمر بها حياء الكتاب والصحفيين في دول عربية كثيرة وفي المهجر ليعيدوا تزعيمك قائدا وحيدا لأمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة وكأن هذه الكلمات تصب من فوق رؤوسهم حميما ويصهر به ما في البطون. 

إن الحرب التي يشنها مؤيدوك وزائروك ومُلمّعوك وكتَبة السلطة وأفاقو الصحافة وشياطين الإعلام ضد شعبنا العراقي العظيم بحجة عودتك إلى الصف العربي لا تقل عن أي جريمة أخرى في بشاعتها وحقارتها ودنائــتـها. 

لقد آن الوقت لاعتبار كل من يصمت على جرائمك شريكا حيا وفعالا في تعذيب العراقيين، ولا نامت أعين الجبناء.
تتعرض أسر المعتقلين في جمهورية الموت في عهدك اللعين لكل أنواع الأذى ومنها زائر الفجر واختطاف الفتيات واغتصابهن والتهديد بتصفيته إن لم تستجب الأسرة لمطالب كلاب أمنك وقد تكون هناك زيارة واحدة ليرى أهل المعتقل ابنهم وقد أنهكه الجوع والإذلال والتعذيب والإرهاب الجسدي والمعنوي.

كلما هرب مسؤول كبير، أمني أو استخباراتي، من سجنك واستنشق نسيم الحرية ظننت للوهلة الأولى أنه سيكشف كل الأوراق وسيفضح نظامك ويتعاون مع خصومك، ولكن فجأة يتم تدجين الهارب وينزل على لسانه هدوء مريب ويتراجع عن بعض تصريحاته ويكتفي في صف المعارضة بما لا يؤذيك من قريب أو من بعيد، وهي ظاهرة تصب في صالحك وتطيل عمر نظامك وتثبت الحيرة بين أعداءك.

كنت أظن أن اللواء وفيق السامراني سيكشف كل الأوراق ويعجّل في تخليص العراقيين منك، لكنه يعطي جرعات صغيرة من المعلومات في ثنايا بعض التحليلات وبغض الطرف عن كنز دفين من الأسرار التي يملكها ويستطيع بها أن يؤدي خدمات جليلة لشعبه وللعرب وللإنسانية، حتى قضية الأسرى والمختطفين والمرتهنين الكويتيين رفض أن يمد دولة الكويت بما تحتاجه من معلومات تساعد في التعجيل بعودة الأبرياء أو التعرف إلى مصيرهم وإنهاء عذابات أهلهم وذويهم.
تمنيت أن يفجر الكاتب والصحفي سعد البزاز في " الزمان" طاقات المعارضة ويزيل كل شكوك عن علاقته بنظامك ويبرئ ذمته من تاريخ التعاون معك ويطلق أقلام كل خصومك في صحيفته دعما لشعبه واعتذارا عن ماضيه وتأكيدا لموقفه الجديد، ولكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه فإن " الزمان" لن تحرك شعرة واحدة من مكانها في جمهورية الموت، ولن تنقذ عراقيا واحدا من براثن ذئابك.

أما المسؤولون العرب والوزراء والمثقفون والإعلاميون والفنانون ورجال الأعمال والكتاب الذين يتوافدون على جمهورية الموت العراقية لتأييدك أو تهنئتك على اقترابك من الانتهاء من عملية إبادة الشعب العراقي فهم مسؤولون أمام الله يوم لا ينفع مال ولا بنون، وسيحاسبهم شعبنا العراقي العظيم حسابا عسيرا بعد سحلك وأسرتك وزبانيتك في شوارع بغداد.

وسيعرف الذين صمتوا جبنا وخوفا وإيثارا للسلامة أنهم مشاركوك في جرائمك، وآثمون وأعداء لشعبنا العراقي.

رسالتي هذه هي أيضا دعوة لكل ذي ضمير شريف أن ينبذ الجبن، ويطهر النفس من أوحال الصمت القاتل، ويقف مع كل فصائل المعارضة صفا واحدا لتخليص العراق منك ومن نظامك وإنهاء آخر معاقلك وكتابة شهادة وفاة ودفن لحزب البعث العربي الاشتراكي. وآخر كلماتي أن لعنك الله في دنياك وآخرتك، وعجّل في نهايتك، وحرر شعبنا العراقي من براثنك، والله أكبر.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

أوسلو في أكتوبر 1995

17‏/03‏/2018

خادم الحرمين الشريفين .. معذرة، فلا فائدة في الجامعة!

خادم الحرمين الشريفين .. معذرة، فلا فائدة في الجامعة!
تلك كانت رؤيتي للسعودية منذ تسع سنوات وأعيد نشرها الآن أمام ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لعله يردّ عليها، ويؤكد اهتمامه بفحواها، وماذا تغير في المملكة منذ كتابتي إياها!

أوسلو في 25 سبتمبر 2009

خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز،
كم ودددت أن أبعث لك تهنئة بمناسبة افتتاح هذا الصرح العلمي الكبير، لكنني تراجعت مرات كثيرة، وكلما عرضتُ الأمرَ على قلبي وافق سريعاً على التهنئة، فإذا استأذنت عقلي، انتفض في وجهي صائحاً وغاضباً، واستدعىَ على الفور ضميري ليقفا معاً ضد ارسالي التهنئة رغم أنك تلقيت منها عدة آلاف من الزعماء والعلماء والفقهاء والاعلاميين، كأن المملكة قامت بتجربة صاروخ يحمل رؤوساً نووية، أو كأنها أعلنت أن علماءها تمكنوا من تخصيب اليورانيوم في وقت قياسي، وبدون مساعدة غربية!
كل انجاز حضاري عربي يسعدني، من جسر الملك فهد إلى مكتبة الاسكندرية، ومن نفق دبي إلى جامعة الملك عبد الله بن عبد العزيز للعلوم والتقنية، ومن التطور المدهش المعماري الأفقي في الدوحة إلى مضاعفة الوحدات السكنية في الجماهيرية الليبية، لكن فرحتي الكبرى لن تعرف طريقها قبل مشاهدة الانجاز الحضاري الأكبر في الإنسان العربي!
أبحث عن احتفال المملكة العربية السعودية بتوديع آخر الأميين، وبصدور قرار بالمساواة الكاملة بين كل المواطنين، سنة وشيعة، وبين كل المقيمين على أرضها، مواطنين ووافدين، وبين كل أصحاب الرأي و .. الرأي الآخر، وسد الفجوة بين الأغنياء والفقراء أو تقريبها.
أحلم برفع العَصابة عن أعين السعوديين، وبنزع الكمامة عن أفواههم، وبالغاء الرقابة على عقولهم، وبتركهم يجتهدون، ويفكرون، ويخطئون، ويلتمسون طريق المعرفة دونما حاجة لمرشد ديني قادم من زمن آخر لو رآه أهل الكهف لولوا منه فرارا، ولملئوا منه رعبا، وليس العكس!
أحلم بانجاز حضاري إنساني متسامح وذلك بعقد مؤتمر لمئات العلماء والفقهاء والفلاسفة وعلماء النفس وأساتذة الجامعات والنقاد وأصحاب المذاهب الأخرى والفنانين والأدباء ليناقشوا، ويفندوا، ويغربلوا عشرات الآلاف من الفتاوى التي كبّلت المواطنَ السعودي، وقيّدت فكره، وقلصت مساحة الحرية في عقله، وحذفت صور التسامح في اجتهاداته، وجعلته عبدا مأمورا لا يتنفس قبل أن يستأذن آلهة الفتوى الجدد، ولا يبحث بنفسه في معجزة آيات الله البينات قبل أن يعرض الأمرَ على شيوخ الفتاوى .. أصحاب صكوك الغفران في المملكة.
أحلم بانجاز حضاري عندما يستعرض خادمُ الحرمين الشريفين جيشا سعوديا يهتز له الخليج كله، وتعلن الرياضُ عن صناعة أول دبابة سعودية تخترق المملكة وصحراءها كأنها عفريت من الجن.
جيش سعودي يتسلح من مصانع حربية سعودية، ويحسب له الأصدقاء والأعداء ألف حساب، ثم تعلن المملكة أن صواريخُها تستطيع أن تعبر القارات وتضرب أي هدف يهدد أرض الحرمين!
أحلم بمشروع حضاري ينهي كل صور الاستغلال، ويصبح نظام الكفيل من مخلفات الماضي الذي نخجل منه، ويضرب الوافديون المثل بالعدالة في المملكة، وأن يتأكد كل وافد سرق كفيلُه عرَقَه وجهده وتحويشة العمر أنها راجعة إليه بأسرع من لمح البصر.
أحلم بمشروع يُنهي عالم ( المطاوعة )، وتعلن، خادم الحرمين الشريفين، أن شعبنا السعودي بلغ سن الرشد، وأن العصا للمجرمين وليست لاجبار المسلم على التوجه لأقرب مسجد، فالصلاة لله تحت سوط يلهب الظهرَ لن يكسب المسلمُ منها حسنة واحدة!
أحلم بتفجير قوى الابداع لدى أبناء شعبنا السعودي العظيم، وستكون مفاجأة لك، سيدي خادم الحرمين الشريفين، عندما ترى أبناءك السعوديين يُبدعون في الآداب والفنون والسينما والمسرح والفلسفة ومعامل الاختبار وصناعة السلاح وتفسير القرآن الكريم من منطلق الحب والتسامح وقبول الآخر والتعاون مع كل شعوب الدنيا.
أحلم بمشروع حضاري ينتج مواطناً لا يحركه روبوت كونترول في يد أحد شيوخ المؤسسة الدينية، فقد صنعت المؤسسة لعدة عقود المسلم البورنوجرافي الذي يرى الدنيا من خلال جسد امرأة لم يشاهد وجهها، ويرى الآخرة في أحضان اثنين وسبعين من الحور العين، تعود لكل منها عذريتها بعد الجماع.
مسلم يتصور أن عفريتا من الجن ينزلق في فراشه فيجامع زوجته، ثم يشاهدها الجان وهي تأخذ دشا باردا في الحمّام، وأخيرا يتفحص الزوج جيدا ملامح وجه ابنه ليتأكد أنه ليس ابن أحد العفاريت!
أحلم بمشروع حضاري يجعل السعودية مركز الكتاب الحر، ومنافسة لبيروت الصغيرة في عدد دور النشر، وبأوركسترا سعودية من الرجال والنساء تعزف السيمفونية السادسة لموسيقي سعودي تهتز لروائعه أفئدة عاشقي الفن الأصيل.
أحلم للسعودية بانهاء عصر الفقر، وأن تكون هناك أنظمة للتأمين الصحي على السعودي والوافد بنفس القدر، وأن تكون للمسنين بيوتهم، ومرتباتهم، وأن تتم معالجة الطفل مجانا بغض النظر عن جنسيته، وأن يعلن أهل المملكة الشيعة أنهم يعيشون عصرهم الذهبي في مملكة التسامح، وأن يتساوى في الحقوق والواجبات عشرة آلاف أمير مع أبناء الشعب، وأن يبدأ الجيل الشاب في تسلم مقاليد الحكم بمعزل عن عصا المؤسسة الدينية.
الانجاز الحضاري هو صناعة مجتمع صحي لا يتصور فيه المسلم بأن وجه زميلته في العمل أو مواطنته في الشارع أو ابنة خاله في مجلس عائلي أو مضيفة الطيران أو طبيبته أو معلمته سيجعل الشهوة الجنسية تفجر كيانه، وتسري في جسده رعشة الشبق، فالمسلم ليس حيوانا لا يستطيع أن يكبح شهواته، فتغطية وجه المرأة هو نصف الطريق إلى التغطية على الرذيلة، ونصف الطريق لاخفاء الارهابيين والمجرمين والهاربين من العدالة.
الانجاز الحضاري، سيدي خادم الحرمين الشريفين، يبدأ عندما تفتخر المملكة بأنه ليس في سجونها سجناء سياسيون، فالرأي الآخر ليس جريمة.
الانجاز الحضاري الذي سيجعلني أصفق له طويلا عندما أشاهد مظاهرة سلمية ترفع شعارات مناهضة للحكم، وتتعامل معها الشرطة تعاملا حضاريا وجميلا وأخويا، ثم يعود كل متظاهر إلى أهله، ويمارس حياته العادية، ويتحدث عنها الملك بكل احترام ومودة، فالمعارضة التي تحميها حكومة رشيدة هي خط الحماية الأول للوطن و .. للحكم.
الانجاز الحضاري عندما تعلن المملكة عن مشاركة علمائها وخبرائها في الابحاث المتعلقة بأعماق البحار، ومرض الايدز، واكتشاف علاج للسرطان، واطلاق قمر صناعي يدور حول الأرض، وأن السعودية أكبر دولة ناشرة للكتاب العلمي والطبي.
الانجاز الحضاري ليس في جامعة مغلقة ومعزولة ويمثل السعوديون %15 فقط من طلابها، لكن في تحويل كل جامعات ومعاهد المملكة إلى صروح علمية ليس لرجال الدين سطوة عليها، ولا يدخل حرَمها مطاوعة.
الانجاز الحضاري يتمثل في إعادة صناعة الانسان فلا يُفرّق المرءُ مواطنا سعوديا في جدة أو الاحساء أو الطائف أو مكة المكرمة أو بريدة أو الدمام عن مواطن سعودي في لندن أو بانكوك أو جنيف أو المنامة أو القاهرة أو بيروت أو باريس أو لارناكا أو ماربيا، الضمير لا يتجزأ، والله هنا و .. هناك، والسلوك لا ترسمه عصا المطاوعة فوق الظهر.
الانجاز الحضاري هو صدور فتاوى حديثة تراقب غضب الله، فنسمع أن الكفر هو استغلال الآخرين، وأن الكفيل الذي لا يدفع المستحقات سيَصْلىَ نارا ذات لهب، وأن المساواة بين البشر كنطق الشهادتين تماما، وأن من يعذب إنسانا في السجن أو الحجز هو عدو لله والدولة والشعب السعودي.
أحلم للسعودية بمثقفين ومفكرين وإعلاميين لا ترتعش أيديهم، ولا تصطك أسنانهم، ولا تتخلخل رُكبهم فزعا ورعبا كلما أمسكوا بالقلم، فالسلطة الرابعة لا تتلقى الأوامر إلا من الضمير الحي، وليس من تعليمات وزارة الاعلام و..العين الحمراء للمؤسسة الدينية.
لو حدثتك، سيدي خادم الحرمين الشريفين، عن حقوق الانسان في النرويج لظننت أنني مخبول أمسك القلم، أو مجنون يكتب إليك عن عالم غير موجود أصلا!
أحلم للسعودية بمشروع حضاري يجعل منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش وكل منظمات حقوق الإنسان تخجل من نفسها لو وضعت المملكة في الترتيب الثاني أو الثالث في احترام حقوق الانسان وليس في الترتيب الأول، أما الترتيب الحالي فأخجل من نشره!
أحلم للسعودية بكل صور الخير والجمال والحرية والابداع، وأن يعلن المسيحي واليهودي والبوذي والبهائي والهندوسي والشيعي والجعفري والاباضي والاسماعيلي والدرزي أنها أرض التسامح، وأنه يجهر بمذهبه ودينه بكل فخر، وأنه يستطيع أن يذهب إلى أي مكتبة سعودية كبيرة فيجد ما يبحث عنه من كتب ولو تعارضت مع فكر الأغلبية السعودية من سكان البلد.
أحلم بتوقف الهزل والعبث الذي يحرق الأعصاب من فتاوى ضد الوطن مثل تحريم السلام الملكي، وعدم تقبيل العلم السعودي أو القيام احتراما له، وأراك، خادم الحرمين الشريفين، قد تنازلت حتى عن أبسط حقوقك كقائد وولي أمرهم عندما ألغيت مشروع افتتاح دار عرض سينمائي، فالمطاوعة أكدوا أنه حتى لو تم الفصل داخل السينما بين الجنسين، فمجرد اطفاء الأنوار سيترك الرجال مقاعدهم للتوجه ناحية النساء!
اهانة بالغة لكل سعودي تبصق على عقله المؤسسة الدينية منذ عدة عقود، وتتهم خياله بأنه يقوم بتحويل كل الأشياء إلى جنس، حتى لو كان وجه ابنة عمه أو طبيبته في المستشفى أو الجماد الذي يحمل أسماء مؤنثة!
سيدي خادم الحرمين الشريفين،
هل عرفت الآن لماذا ترددت في ارسال تهنئة إليك كما فعل معظم زملائي في بلاط صاحب الجلالة السلطة الرابعة؟
أنت صدقت المهنئين وأكثرهم يكرهون السعودية وشعبها، أما أنا فلن أبعث إليك تهنئة بافتتاح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية لأنني بكل بساطة أحب شعبنا السعودي، ولن أشارك في جريمة التعتيم كما فعل غيري، ولن أكون شاهد زور ضد السعوديين!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج
Taeralshmal@gmail.com
25 سبتمبر 2009

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...