26‏/10‏/2018

الوفود الشعبية الكويتية .. خط الدفاع المجهول!

من أرشيفي

الوفود الشعبية الكويتية .. خط الدفاع المجهول!


على الرغم من قصر الفترة التي جاست قوات الاحتلال العراقي خلالها أرض الكويت، وعاثوا فيها فسادا، ودمروا الأرض والبيئة، ونهبوا وسرقوا وخطفوا، إلا أن كثيرين من جنود المقاومة الكويتية الذين يعود إليهم الفضل ـ بعد الله تعالى ـ في التحرير لا يزالون جنودا مجهولين حتى هذه اللحظة، على الرغم من كل ما كتب وتم توثيقه ونشره عن الشهور السبعة الجحيمية منذ فجر يوم الغدر الموافق الثاني من أغسطس 1990. 
المقاومة الكويتية تقدمتها الشرعية الممثلة بآل الصباح، والعهد الذي قطعه صاحب السمو أمير البلاد وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء والأسرة الحاكمة، بأن يعيدوا الكويت محررة إلى أهلها وشعبها، وأن ينفقوا من استثمارات الكويت في الخارج، العام منها والخاص، من أجل التحرير حتى لو تم إنفاق كل أموال الكويت.

وتم الوفاء بالعهد، وعادت الشرعية إلى وطن محرر، وشعب وضع ثقته بها، ولم يختلف كويتيان على الولاء للشرعية والشعب حتى في أحلك الظروف. والمقاومة الكويتية كانت في الداخل ممثلة بشعب يرفض كل صور التعاون مع الاحتلال، ويتعاون على البر والتقوى، ويستجيب أفراده للعصيان المدني، ويتعرض الأهل والأطفال والنساء إلى قسوة وحشية من جنود فاشيين علمهم كبيرهم في بغداد الكراهية والبغض، وأن يضربوا بعُرض الحائط كل القيم والمبادئ والمثل والأخلاق. ولو أن الفلسطينيين والأردنيين من ضيوف الكويت بعددهم الذي زاد على نصف المليون، وقوتهم وأموالهم، وتأثيرهم الداخلي والخارجي، قد استجابوا لنداء مضيفيهم الكويتيين بالعصيان المدني ورفض التعاون مع جنود البغي والعدوان، لكانت الخريطة في الخليج برمته وفي فلسطين وغيرها قد تغيرت كلية، ولكن عسى أن يكره الكويتيون شيئا وهو خير لهم، وكان بالفعل خيرا لهم. 

والمقاومة الكويتية كانت ممثلة بالشعب الكويتي في الخارج، الذي كان معظم أفراده يقضون عطلة الصيف، وهو أمر طبيعي في بلد صغير آمن، وليس له عداء مع الآخرين، فيدفع قيظ الصيف وحرارة الشمس الحارقة نصف السكان أو أكثر إلى القاهرة ودمشق وبيروت ولندن وباريس.
وفجأة تحول الشعب الذي ظن الكثيرون أن شبابه ورجاله من المدللين المنعمين إلى مقاومين للاحتلال في كل مكان، ومتظاهرين في شوارع العواصم التي جاءوها للاستجمام، فأصبح موعد عودة كل منهم إلى الوطن الصغير مؤجلا إلى أجل غير مسمى، أو كما قال لي شاب فلسطيني التقيت به في حديقة الهايد بارك اللندنية في نهاية سبتمبر1990، أي بعد الغزو بشهرين: لقد انتهت الكويت إلى الأبد ولن تعود كما كانت، وكان ينبغي أن يعاني الكويتيون التيه والاحتلال والآلام والتشرد كما عانينا نحن أفراد الشعب الفلسطيني! 

والمقاومة الكويتية كانت أيضا ممثلة بأحد الجنود المجهولين المعروفين، وهو الشيخ نواف أحمد الجابر الصباح وزير الدفاع آنئذ، لم يتوقف يوما واحدا عن العمل على تحقيق حلمه في جيش كويتي على نسق ما قامت به سويسرا التي كونت جيشا من أقدر جيوش أوروبا قوة ومنعة وتدريبا على أحدث الأسلحة، رغم صغر مساحة سويسرا الاتحادية وقلة عدد سكانها. 
ولكن غدر الجار الشمالي لم يمهله وقتا كافيا، وكذلك الوضع السياسي والجغرافي، وتغلغلت مخابرات صدام حسين في كل شبر على أرض الكويت، وما كان يتجمع في مكتب حامد الملا بالسفارة العراقية من معلومات تكفي لتعرية هذا البلد الصغير الآمن.
 
والقائد الذكي والمحنك هو الذي لا ينتحر بجنوده، ويعلم أن الحرب إقبال وإدبار، ودفاع وانسحاب وعودة، فأنقذ الشيخ نواف الأحمد الجابر جيشه الصغير من إبادة كاملة، ثم قضى معه شهورا عصيبة وقاسية في صحراء السعودية الشقيقة، ليعود مع قوات الأصدقاء والتحالف والجنود المصريين والسوريين وغيرهم، ويساهم مساهمة فعالة في تحرير بلده، ثم يسلم الأمانة لغيره. 
هكذا فعل في كل تاريخه، خاصة عندما كان حرسا للكويت كلها، ووزيرا للداخلية في أحلك لحظات تهديد الأمن الكويتي، وكانت مهمته تنحصر في جعل الكويتيين والمقيمين على أرضها آمنين مطمئنين حتى لو كانوا على مرمى حجر من فوهات مدافع جيرانهم، أو بين طابور خامس يسعى إلى لبننة الكويت، ونجح الشيخ نواف الأحمد الجابر في كل مهامه، وتجنب في الوقت عينه التحدث أو الإيحاء للصحافة بالإشارة إلى أي إنجاز يقوم به، ربما لأنه يؤمن أن التفاخر يتناقض تماما مع مشاعر السعادة بخدمة الوطن في صمت وهدوء وتواضع. 

والمقاومة الكويتية الباسلة التي لا يعرف كثيرون أنها كانت أحد خطوط دفاع الجيش الأولى، تمثلت في الوفود الشعبية الكويتية التي تمخضت عن مؤتمر جدة المثبـِّـت للشرعية الكويتية، وهو في الواقع أول رسالة عملية إلى العالم كله بتكاتف الشعب الكويتي وإصراره على التحرير. 
انطلقت الوفود الشعبية الكويتية تجوب دول العالم، وتشرح قضايا الوطن الصغير، وتفضح أكاذيب وأباطيل آلة الإعلام العراقية وتبريرات الاحتلال البغيض. 
لقد فاق نجاح الوفود الشعبية الكويتية كل ما قام به أصدقاء الكويت من دعم وتضامن وتأييد ومظاهرات ضد الاحتلال العراقي، وشجب وتنديد في المؤتمرات والندوات وغيرها، فهؤلاء أبناء الكويت يعرفون جيدا ما تجيش به الصدور، ويعبرون عن أوجاع وآلام وأحزان ذويهم وأهلهم وأبناء وطنهم، يما يجعل المصداقية تتقدم على ما عداها من أسباب وشروحات ونقاش وتفنيد، وما إلى ذلك. 

واصطدمت بعضها بعقول تم غسلها في وقت سابق، وبقلوب امتد الصدأ إلى كل أركانها، مثلما حدث مع كثيرين في المملكة الأردنية الهاشمية وعلى رأسهم داعية إسلامي وخطيب مسجد يدعى أسعد بيوض التميمي، كان يرى دماء الكويتيين حلالا دينيا، وطاغية بغداد سادس الخلفاء الراشدين. 
وفي تونس الخضراء كادت الملائكة تهجرها نهائيا عندما أرسل اتحاد الكتاب كلمة تهنئة إلى الرئيس العراقي بوحدة تراب الوطن، وعودة الكويت إلى حزب البعث العربي الاشتراكي ـ فرع بغداد! 
وعانى الدكتور منصف المرزوقي، رئيس لجنة حقوق الإنسان التونسية، معاناة شديدة ورجمته القوى المثقفة التونسية بكلمات من جمر لأنه قام بشجاعة يحسده عليها الجبناء بإدانة واضحة وشديدة للاحتلال العراقي للكويت، وكان ذلك في مؤتمر " الكراهية" الذي انعقد في 25 أغسطس 1990 بالعاصمة النرويجية، وحضره فرانسوا ميتران وجيمي كارتر ونيلسون مانديلا وفاكلاف هافل وعشرات غيرهم. وعندما علم المثقفون التونسيون بأن الدكتور منصف المرزوقي يدعم الكويت في موقفها، وقفوا له بالمرصاد واتهموه كذبا وبهتانا بحضور مؤتمر صهيوني في أوسلو. 

كنت مهام الوفود الشعبية الكويتية تنوء بها العصبة أولو القوة، فقد يكون عمل الجندي في الميدان محددا بعدو يعرفه جيدا، ويصبح الأمر أكثر سهولة ويسرا من عمل فكري أو إعلامي يسعى صاحبه لإقناع أناس ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، لتعمى القلوب التي في الصدور. 
من كان يستطيع أن يقنع المناضل السابق أحمد بن بيلا بأن دعمه لصدام حسين باطل، وأن تهديده بتجنيد مليون مسلم جزائري هو ردّة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ظاهري وباطني؟ من كان يستطيع أن يقنع الوفود الإسلامية التي حضرت مؤتمر بغداد لدعم الاستبداد والاحتلال والسرقة والنهب أن الشعب الكويتي شعب مسلم، وأن مؤتمرهم هو أيضا ردة وكفر وباطل؟

كانت مهام الوفود الشعبية الكويتية تثقل كاهل الجبال فالمنطق والعقل والأدلة والمستندات والإثباتات كلها كان يمكن أن لا تساوي أي قيمة عندما تصطدم بقلوب متحجرة ونفوس عليها غبرة، ترهقها قترة، وعقول متخلفة، وإلا فكيف تخرج مظاهرات من مراكز إسلامية مدعومة بأموال الكويت، ويؤيد المتظاهرون احتلال الكويت وسفك دماء أبنائها وإلغائها من على الخريطة، وبعد المظاهرة يتوجهون إلى المساجد والمراكز الإسلامية ويؤدون صلاة الشكر لله عز وجل؟

قال لي صديقي الذي كان دائم الحديث عن الثقافة والعدل والمحبة والتسامح: ماذا تساوي أرواح نصف مليون كويتي في مقابل دولة عراقية كبرى تقترب من العشرين مليونا وتستعد لتحرير القدس وتلقين إسرائيل درسا لن تنساه؟
كان العمل الذي وعدت الوفود الشعبية الكويتية بتأديته على أكمل وجه إلى أن تتحرر الكويت يحتاج إلى معجزات، تسير جنبا إلى جنب مع هؤلاء الرجال الذين كانوا يحطون الرحال إلى صنعاء والجزائر والرباط وتونس وبيروت ولندن وباريس وداركار وإسلام أباد وطهران ونواكشوط ومقديشيو وبرازيليا وعشرات من عواصم العالم. 

عندما اتصل بي سفير دولة الكويت في لندن، الأستاذ غازي الريس، وأبلغني أن الوفد الشعبي الكويتي سيصل النرويج قادما من السويد بعد عدة أيام، أي في الخامس عشر من ديسمبر 1990، وأن مهمتي هي إعداد برنامج كامل للوفد لعرض قضية تحرير الكويت، كانت سعادتي بالغة للثقة التي أولاني إياها المسؤولون الكويتيون ولكن المشكلة الكبرى كانت في الوقت غير الملائم، أي خلال أعياد الكريسماس. 
كانت النرويج هي المحطة الأخيرة للوفد الذي زار بريطانيا وايرلندا وهولندا وفنلندا والدانمرك والسويد، ويحمل كل فرد من أفراده في العقل والقلب وطنه الصغير المحتل، ينام معه، ويستيقظ على ندائه، وبين النوم واليقظة يحلم بزوال كابوس الاحتلال.
 
لقد كنت شاهدا على حالة من حب أعضاء الوفد الجارف، والولاء الذي لا يعرف حدودا أو نهاية، والثقة التي تقترب من اليقين وتكتسب قوتها من إيمان بأن الكويت ستتحرر بإذن الله، فأعضاء الوفد كانوا كأنهم يلامسون أو يحتضنون أو يقبــّــلون تراب وطنهم الصغير حتى وهم على مبعدة آلاف الأميال. 
كان الوفد الشعبي الكويتي مؤلفا من الشيخ سلمان دعيج الصباح، والأستاذ أنور النوري والدكتور عبد المحسن المدعج، والأستاذ فيصل المطوع، والأستاذ علي البدر الرشيد، وكان التجانس والتناغم والتفاهم بينهم ينعكس إيجابيا على أحاديثهم وخطبهم ومحاضراتهم ولقاءاتهم الصحفية. 

لم يكن من الممكن معرفة رئيس الوفد الشيخ سلمان دعيج الصباح من زملائه، فالهموم واحدة، والتواضع يجعل كلا منهم يقدم الآخر قبل نفسه، والوجه المشرف للوفد، مظهرا ولغة وحوارا وطريقة شرح وإجابات على السائلين والصحفيين، كل هذا يختصر أسباب نجاح الوفد في عرض قضية الاحتلال العراقي الآثم. 
لقد كنت شاهدا على أحد خطوط الدفاع الكويتية الأولى، وأثلج صدري أعضاء الوفد في كل مكان يحملون إليه كويتهم، في وزارة الخارجية النرويجية، وفي وزارة النفط، وفي مبنى البرلمان مع لجنة الشؤون الخارجية، وفي جامعة أوسلو، في أحدى أكبر المدارس الثانوية، وأعضاء الوفد الخمسة يتبادلون المنصة واحدا تلو الآخر، ويشرحون لمئات الطلاب الممسكين بخريطة الكويت( والتي كنتُ قد طبعت منها عدة آلاف من النسخ قبل وصول الوفد) قضايا وهموم هذا البلد الصغير، وقسوة ووحشية وظلم الاحتلال، وأكاذيب إعلامه. 

ووافق التليفزيون النرويجي لأول مرة على استضافة زائر، وهو الشيخ سلمان دعيج الصباح، في الخبر الأول لنشرة الأخبار، وانتقل الوفد إلى الإذاعة، وقبلها أقامت وزارة الخارجية حفل استقبال، حيث قالت وكيلة الوزارة في كلمة ترحيبها بالوفد إن النرويج تقف مع مطالب الكويت العادلة في التحرير الكامل دون أي شرط من طاغية بغداد. 
وغطى أعضاء الوفد في أحاديث صحيفة من أهم الصحف المقروءة في النرويج، وبدت الأيام كأنها جبال شامخة تضغط بكل قواها على هؤلاء الكويتيين الخمسة الذين يعتصرون من الداخل، ويقدمون للنرويجيين ابتسامات مفعمة بالثقة، ومنطقا يدحض كل دعاوى وأباطيل نظام البغي والاستبداد في بغداد، حتى أنني استمعت بنفسي إلى تعليقات عدة تبدي دهشتها من تعرف أصحابها للمرة الأولى على الكويت، وتؤكد أن البلد الذي يدافع عنه مواطنوه بهذا الإيمان لا يمكن أن يستمر احتلاله طويلا.

في خلال الشهور السبعة التي توهم التكريتيون أن الكويت أصبحت محافظتهم التاسعة عشرة، وأن السجون والمعتقلات وأجهزة الأمن القاسية ووسائل التعذيب لم تعد من نصيب الشعب العراقي فقط، ولكن ستمتد جمهورية الرعب إلى الكويت، رأيت بأم عيني التحرير أربع مرات، وكادت أذناي تسمعان زغاريد الفرح وأنغام السعادة وأناشيد الاستقلال والحرية: 
المرة الأولى: عندما اصطحبت ليلا ونهارا ولمدة أربعة أيام الوفد الشعبي الكويتي في أوسلو، وكنت شاهدا علي واحد من أهم خطوط الدفاع الكويتية. 
المرة الثانية :عندما تلقيت رسالة من الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح من مدينة الطائف السعودية، وبدا لي لحظتئذ أن التحرير قاب قوسين أو أدنى. 
والمرة الثالثة: بعد نشوب حرب التحرير بيوم واحد عندما كنت أستمع إلى الدكتور علي الشملان والسيد السفير غازي الريس، اللذين حضرا إلى العاصمة النرويجية لتمثيل الكويت في جنازة الملك الراحل أولاف الخامس، وكدت أقرأ في عيون الوزير والسفير موعد التحرير، وذلك من فرط ثقتهما بأن الأمر لن يزيد على أسابيع معدودة. 
والمرة الرابعة: إثر تسلمي رسالة بالفاكس من الطائف، ومن سمو الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح يقول لي فيها أن موعدنا قريبٌ جدا بإذن الله في الكويت المحررة. 

الوفود الشعبية الكويتية لم تنل حقها بعد من التعريف بدورها الرائع والبطولي في تمهيد الطريق لتحرير الكويت، بل إنني أجزم أن كثيرين من أفراد الشعب الكويتي لا يعرفون تفاصيل الأوقات العصيبة والقاسية والمرهـــَـقة التي مر بها أعضاء الوفود في زياراتهم للأصدقاء والأعداء، وفي حواراتهم مع مؤيدي تحرير الكويت ليستمر تأييدهم حتى التحرير، أو مع المهووسين بطبول الحرب ونداءات الظلم وصيحات الرعب من بغداد والتي وجدت لها عشرات الملايين من الأنصار والمتخلفين والقساة الذين استعدوا لتقسيم أموال الكويت أو توطين مواطنيهم إلى الأبد في الديرة. 

الآن حان لوقت لتوثيق أحد جبهات حرب تحرير لكويت، أي الوفود الشعبية الكويتية، وذلك بأن تقوم جهة كويتية إعلامية أو ثقافية بإصدار موسوعة خاصة تشمل أعضاء الوفود، والدول التي قاموا بزيارتها، والأفراد والمسؤولين والمثقفين والإعلاميين الذين قابلوهم، والأحاديث التي دارت، وكل ما قامت به الوفود الشعبية الكويتية في الدول التي زارتها. إنه توثيق من حق الأجيال القادمة في الكويت أن تطلع عليه، وأن تعرف أن أدوار هؤلاء الرجال لا تقل بأي حال من الأحوال عن كل ما قام به الكويتيون على جبهات أخرى، في الداخل أو في الخارج، وليس لكويتي على كويتي آخر فضل في تحرير الوطن إلا بالولاء

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجييين
أوسلو في سبتمبر 1994


24‏/10‏/2018

دمعة حُزن واحدة تكفي!

دمعة حُزْن واحدة تكفي!
يكره مصر كراهية شديدة، ويبغض شعبها، ويحتقر فقراءَها فيفرّغ جيوبهم، ويتلذذ بتعذيب أبنائهم الشباب في معتقلاته وبدون محاكمة، ويحكمهم بقوانين الطواريء، ويبيع أرضَهم وجُزرَهم، ويفرط في ثرواتهم، ويهمل التعليم، ويجعل العلاج والدواء شبه مستحيل، وينزل بمصر إلى المستنقع، ويُصغّر القيادة في كل المؤتمرات، ويتحالف مع من يدفع أكثر، ويصنع ثقافة التسوّل، ويختار أجهل المصريين في مؤسسات الدولة، ويتبنى أحقر وأقذر وأحط الإعلاميين فهم خط الدفاع عنه، ويرفض مصارحة الشعب بمعارك الإرهاب في سيناء لئلا يعرف الناس خسائر مصر، ولا يكترث للسياحة، ويزدري المثقفين، ويُنزل الرعب في قلوب أصحاب القلم، ويجعل المغيـَّـبين الجهلاء من رجال الدين في الصفوف الأولى، ولا يستطيع تركيب جملة واحدة سليمة، ويُعادي الكتاب، ويعطي الشرطة مساحة من حرية اضطهاد المصريين كما لم يفعل ديكتاتور من قبل، ومريض نفسي في بندول بين السادية والمسكنة، ويرفع من شأن القضاة الفاسدين، ويجعل الدولة في قبضة اللواءات، وينتقم من شباب ثورة يناير لأنهم أطاحوا باللص المجرم حسني مبارك، ويعطي توجيهات باقتطاع أراض لملكية ضباط الجيش والشرطة، وفاشل في محاربة الإرهاب بعدما كذب على الشعب بزعمه أن الأمر لن يستغرق ثلاثة أشهر، ويجعل الجنود بائعين، ويتراجع بالمدارس والجامعات ومراكز البحوث والطلاب لذيل ركب الأمم.
وهو يعرف أنه كلما أذل وأهان أفراد الشعب، التف الناس حوله بحجة أنهم خائفون منه.
طائفي وسلفي ولا يفهم في الدين كلمة واحدة، وأجهل من دابة في شؤون شركاء الوطن الأقباط، وجعل رجال الدين الإسلامي والمسيحي في خدمته بدلا من خدمة الله.
لا يمكن أن تجد مصريا شريفا ومخلصا ووطنيا وذكيا ومثقفا ومتابعا لهموم بلده ومع ذلك فهو يحب أو يؤيد السيسي.
السيسي هدية الشيطان لإسرائيل ولكل جيران مصر الطامعين في حدودها وثرواتها ومياهها وجُزُرها.
لم يكره حاكم مصري شعبه منذ عهد الفراعنة كما يفعل السيسي.
أعترف بأنه نجح بفضل قلوبنا الضعيفة والهشة، وخوفنا على لقمة العيش، وعدم اكتراثنا لمستقبل مظلم مدين بعشرات المليارات نورثها أحفادنا.
أعترف بأن الصمت كُفر بالله وبالوطن وبأهلنا!
الكلمة المكتوبة التي أنزلها الله على ألسنة المؤمنين والمثقفين والعلماء وهي خلاصة آلاف السنين من حضارة المصريين أصبحت نفايات يتلفظها الوصوليون والجبناء.
السيسي يذبح وطنا والشعب يصفق لعملية الذبح!
المثقفون المتنورون والأكاديميون ورجال الدين والفنانون والأدباء والشعراء والسياسيون ورجال الدينين، الإسلامي والمسيحي، تحت حذاء الرئيس يفعصهم كما يشاء، وإذا لم يفعل أمسكوا حذاءه ولطموا به على وجوههم و.. أقفيتهم.
المصريون لم يعودوا قادرين على الدفاع عن فلذات أكبادهم أو آبائهم أو معلميهم أو زملائهم أو جيرانهم فالشيطان في القصر والمحكمة والبرلمان والمسجد والكنيسة والمدرسة والجامعة والشارع!
أخشى أن يأتي اليوم الذي تتبلل فيه سراويل عشرات الملايين من المصريين فور سماعهم خطبة الرئيس السيسي حتى وهو يقسم لهم أنهم نور عينيه.
الآن دعوني أبحث عن الله في مصر لأشكو إليه، جل شأنه، بثي وحزني.
دعوني أبحث عن دمعة حزن واحدة تسقط من عيون مصرية جميلة في وجه طيب لا يستحق الذُل بعد خمسة آلاف عام من تحنيط أجداده صُنّاع التاريخ والمعجزات.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 24 أكتوبر 2018  

21‏/10‏/2018

حوار بين زعيمين عربيين في غرفة مغلقة!


التقى زعيمان عربيان في غرفة مُغلقة بواحد من قصور أحدهما. لم يكن هناك حرس أو خدم أو حشم أو مدير مكتب يطرق الباب ليعكر صفو جلسة تاريخية بعيدة عن البروتوكولات والأقنعة.
لم يصدّق الزعيم الأول أن ضيفه الذي لم يشرب الخمرَ قط وافق على احتساء عدة كؤوس بطلب من مضيفه الكريم.
وبعد الكأس السابع دار بينهما حوار تخيل قلمُنا طرفاً منه، فَخَطَّ التالي ...

الزعيم الأول: كيف حال رعيتك يا طويل العمر؟
الزعيم الثاني: الحمد لله فالسنوات تمر، وأبناء شعبي لا يزالون مطيعين أكثر من طاعة قطيع الخراف لعصا راعيها، ومع مرور الزمن تتعتق العبودية تماما كالخمر الذي في كأسك.
الزعيم الأول: كأنك تصف الوضع لدي أيضا، وإن كنت أغضب بين الحين والآخر عندما يتناهى إلى سمعي صوت نشاز من مشاغب انخرط لتوه في جماعة حقوق الإنسان، وظن أنه يستطيع اقناع بعض أبناء شعبي بهذا الهراء، لكن بعد وقت قصير تتولى أجهزة أمني وكلاب قصري مهمة تعليمه قواعد الذل.
الزعيم الثاني: هذا يعني، يا طويل العمر، أنك تحتاج لبناء سجون ومعتقلات جديدة، أليس كذلك؟
الزعيم الأول: في الواقع فما لدينا يكفي لوضع ثلث السكان خلف قضبانها، وهناك زنزانات تحت الأرض لا يعرف مكانها إنس أو جان، لكنني فعلا أفكر جديا في اعطاء الأوامر ببناء مزيد من المعتقلات فلا أدري ماذا يخبيء لي زمن غدر من قبل بزملاء لنا ظن كل منهم أن رعاياه لا يتنفسون إلا بعد استئذانه، فحدث انقلاب من أقرب المقربين، وخرج الرعاع يلعنون الزعيم السابق ويهتفون باسم سيد القصر الجديد.
الزعيم الثاني: ألم توشي تحركات بعض كبار قادة الجيش بأن تمردا قد يقوده متهور يمكن أن يحقق حلمه في البيان رقم واحد؟
الزعيم الأول: إن لدينا جيشا لا يتدخل في السياسة، وقادة يتبادلون مواقعهم كما يبدل الثري ربطة عنقه، ورتبا كبيرة لا يسمح لها أن تجتمع دون معرفتي، وعيونا ترصد تحركاتهم، وأجهزة تراقب التطور الفكري والسلوكي والثقافي والعسكري لكل منهم، وأرشيفا لعائلاتهم وأقاربهم
 الزعيم الثاني: ربما تكون أفكارنا متطابقة في هذا الشأن، لكنني أصطحب معي وزير الدفاع، وإذا غادرت أرض الوطن جعلته يودعني، ثم ينتظرني في المطار لدى عودتي، وهو يتوجس خيفة طوال الوقت خشية أن أستبدل به نائبه أو رئيس الأركان.
الزعيم الأول: لقد تابعت نشاطات حرمكم المصون، ما شاء الله، كأنها رئيسة الدولة، وهي لا تقل نشاطا وحيوية عن زوجتي .. سيدة القصر الأولى.
الزعيم الثاني: إن أسرتنا تجري في عروقها دماء نقية وشريفة، لهذا ينبغي أن نُشعر في كل وقت رعيتَنا أن هناك فارقا كبيرا بيننا وبينهم، وأننا منطقة محرمة عليها، وأن الأفكار المشاكسة التي يتعلمها البعض  عن المساواة والحقوق والكرامة والديمقراطية  يسحقها أقدم أحذيتي.لقد أبلغني وزير المالية أن ديوان المحاسبة طرح عليه، على استحياء وبصوت خفيض، سؤالا عن الميزانية المفترضة لحرم زعيم الدولة، فلقنت الوزير درسا لن ينساه، فنحن نحاسِب ولا نحاسَب، وإذا أرادت سيدةُ القصر الأولى أن تنفق ميزانية إحدى الوزارات بمفردها فلا راد لكلمتها.
الزعيم الأول: حسنا فعلت يا طويل العمر، وأحسب أن أحدا لا تستطيع شفتاه أن تنطق بهذه الكلمة أمامي، فزوجتي تعقد المؤتمرات، وتُعَيّن الرجال، وتنكسر ظهور الوزراء وهم يسيرون خلفها في افتتاح مشروع أو زيارة جمعية خيرية، ويتوسطونها قبيل أي تغيير وزاري، ويتقزمون في حضورها، ولا يرفع كبير أو وزير أو رئيس جامعة أو محافظ عينيه أمامها وإلا فليتبوأ مقعده من جحيم غضبها.
الزعيم الثاني: لقد قرأتُ لأحد الأوغاد في بلدك حديثا عن ضرورة المشاركة في الحكم ، ولا يزال الرجلُ طليقا حرا ولم تسلط عليه كلاب القصر، هل هناك سبب يمنع تهشيم عظامه؟
الزعيم الأول: بل العكس لأنني أردت أن اتركه وبعضا من أنصاره يتدرب فيهم جبناءُ السلطة الرابعة وَصْلات الردح والشتائم، وهؤلاء الصحفيون والكتاب والمثقفون ينبغي  أن أترك لهم بعض ساحات المعارك ليثبوا ولاءهم لحكمي، وينشروا أكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان وربما ينتهي الأمر بالمعارضين إلى حادث سيارة، أو سقوط من الطابق التاسع أو أزمة قلبية مفاجئة أو فضيحة أخلاقية تنتهي إلى عدة أعوام تأديب وسجن في واحد من معتقلاتي التي يزيد عددها على عدد معاهد البحث العلمي أو المستشفيات أو دور المسنين.
الزعيم الثاني : لا يستوعب عقلي لبرهة خاطفة فكرة أن يتولى الحكمَ شخصٌ آخر ليس من صلبي، ولا هو نتاج حلم واحد من ملايين الحيوانات المنوية التي طالما تخيل كلٌ منها وهي تجري لاهثة ناحية البويضة أنه سيكون في يوم من الأيام سيد القصر والبلد والرعية، يأمر فيُطاع، وينهى فتخضع  له الأعناق !
الزعيم الأول: كيف كان ردُّ فعلك لدى قراءتك تقرير منظمة العفو الدولية؟
الزعيم الثاني: إن أقل من واحد في الألف من رعيتي يطلع على التقرير، وهو ينتهي غالبا إلى أرشيف مكدس بآلاف الملفات، لكن ممثلي البعثات الدبلوماسية في الخارج يصدرون بيانات احتجاج على عدم دقة التقرير، ويتلقون من وزارة الخارجية نصائح وتوجيهات عن الحملة المضادة لتشويه سمعة نظام حكمي، وينتهي الأمر باحتضار التقرير تماما كما يحدث مع اللجان التي تنبثق عن مؤتمرات فاشلة وهي لجان لحفظ ماء الوجه.
الزعيم الأول: لقد استوردنا، يا طويل العمر، كميات هائلة من أدوات التعذيب تبدأ بأجهزة النفخ، والهراوات المطاطية الكهربية، وحبوب الهلوسة، وكبسولات للتخدير، وأشياء كثيرة تصلح لتجديد طرق اجبار المشاغبين على الاعتراف حتى عن تهم ثابتة على غيرهم
الزعيم الثاني: الحقيقة أنني أعطيت توجيهاتي لضباط التحقيق في أن يبدعوا بأنفسهم، وأن يكتفوا بالصناعة المحلية لأدوات التعذيب، ثم إن لدينا الاغتصاب، والتهديد باعتقال الأهل، والتصفية الجسدية، والوقوف ساعات تحت شمس حارقة، والدفن في الرمال، وقلع الأظافر، واستخدام الملح بكميات كبيرة فوق الجروح الناتجة عن التعذيب.
الزعيم الأول: هل تصلك كل التقارير المفصلة عما يجري في السجون والمعتقلات؟
الزعيم الثاني: أقرأها كثيرا، وأنتشي بتفاصيلها، وأترك الضباط الساديين والمخبرين والمرشدين وحراس السجون يتولون مهمة اذلال رعيتي، لكنني أصارحك بأنني، بناء على نصائح بعض المستشارين المحنكين في أمور تلميع الزعماء أقوم أحيانا باستقبال أطفال معاقين أو زيارة مستشفى أو ارسال فنان تعشقه الجماهير إلى الخارج للعلاج، أو أطلب استعجال منحة أو الافراج المبكر عن بعض المعتقلين.
الزعيم الأول: أظن أنني لا أبالغ في هذه الأمور لئلا يعتقد المواطنون أن لهم حقوقا لدينا يدافعون عنها، أما الافراج عن المعتقلين فهو في عيد الجلوس فقط
 الزعيم الثاني: كيف يتعامل طويل العمر مع المعارضة في الخارج؟
الزعيم الأول: يثير حنقي تعاون المعارضة مع منظمات حقوق الانسان، ولجوء بعضها إلى دول كبيرة تملك السلطة فيها تأثيرا واضحا على صناعة القرار السياسي في بلدي، بل إن الرئيس الأمريكي يستطيع أن يرسل موظفا في البيت الأبيض يشد أذني ويصرخ في وجهي، وأنا أنظر إليه كما ينظر الخادم لسيده الغاضب.
الزعيم الثاني: أما أنا فقد أمرت بوضع أسمائهم في قائمة المترقب وصولهم إلى كل منافذ البلاد، وتولى رجالي من كبار الكتاب والمثقفين حملة تشويه منظمة تتهمهم بأنهم عملاء للأجنبي، وأنهم يحصلون على دعم من خصوم الوطن، وأنهم يصدرون نشرات صفراء تصب في صالح العدو الصهيوني.
الزعيم الأول: إنني لا أدخر وسعا في حشر التعاون مع الاسرائيليين لدى الحديث عن المناهضين لنظام حكمي، لكن بعضهم يملك وسائل إعلامية في الخارج ويستطيع أن يثبت أننا نحن الذين نتعاون خفية مع تل أبيب، وأتلقى بين الفينة والأخرى تقارير سرية من الموساد عن طريق وسطاء تحذرني فيها أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية من محاولات انقلاب أو مشاغبة أو اغتيال.
الزعيم الثاني: لكن من يقرأ صحفكم ويستمع إلى خطبكم يذهب به الظن إلى أنكم الأكثر تشددا وعنادا وعداء للعدو الصهيوني، بل إن المناخ العام في بلدكم يبدو كأنه حالة حرب ساكنة أو سلام داخل فوهة مدفع في وضع الاستعداد!
الزعيم الأول: تغييب وتخدير الشعوب فن برع فيه الزعماء العرب، ولا تنس، يا طويل العمر، أن نصف سكان عالمنا العربي أميون، وأن نصف المتعلمين أنصاف أميين، فلا غرابة في سهولة العمل على تخدير الرقيق ولدى كل واحد منا طرقه ووسائله الخاصة لجعل هؤلاء الرعاع يسيرون على ركبهم كأنهم جِمْالٌ مرهقة بركت في وسط الصحراء.
الزعيم الثاني: ما هي آخر أخبار أسرتكم الشريفة فقد بلغني أن واحدا من الأقربين قد حصل على درجة علمية لا يعادله فيها حاصلو جوائز نوبل على الرغم من أنه لا يكتب جملة واحدة سليمة إلا بشق الأنفس؟
الزعيم الأول: إن من يحمل اسمي أو سلطتي أو ينتسب إلى أسرتي تأتيه الشهادات والثروة وهو جالس في مكانه يشاهد فيلما بورنوجرافيا حلال له محرم على الآخرين.
الزعيم الثاني: لقد كان زميلنا الراحل الملك الحسن الثاني بارعا في هذا الأمر فقد كان شقيقه الأمير عبد الله يحصل على نسبة واحد وخمسين في المئة من شراكة أكبر شركات التصدير والاستيراد في بلده لمجرد أنه شقيق لأمير المؤمنين، ولعلك تذكر الشاب ابن زميلنا الزعيم الآخر الذي كان يرفع سماعة الهاتف لصاحب أي مشروع ناجح ويبلغه شرف اشتراكه معه بنسبة خمسين في المئة دون أن يدفع أي مبلغ مقابل الشراكة، وعلى الآخر أن يقبل وإلا وقف المشروع وأصابت صاحبَه جلطةٌ في المخ أو أزمة قلبية.
الزعيم الأول: إنني أعترف لك، يا طويل العمر، بأنك كنت أكثر مني براعة وحسن تصرف لدى تعاملك مع الجماعات الدينية في بلدك، ومع ذلك فجموع الشعب تظن أنك سليل الأشراف، ومن نسب طاهر يمتد مئات الأعوام، وتحافظ على الفروض الدينية وتطيع تعاليم السماء.
الزعيم الثاني: لأن الدين لا يحتاج منا إلا إلى مظاهر خادعة، كالصلاة مع حشود واظهار الخشوع، وافتتاح أماكن للعبادة بين الحين والآخر، والاهتمام ببعض الجمعيات الخيرية، وترك المتشددين والمتصلبين والمتزمتين يشغلون الرعية بصغائر الأمور.
ولكن عندما أشم رائحة خروج الدين عن مساره المخدر والمغيب، وتوجهه ناحية حقوق الانسان والدفاع عن الكرامة والظن بأن عناية السماء تقف مع المظلومين في السجون والمعتقلات، فهنا لا حدود لشراستي، وأنا على استعداد لادخال نصف رعيتي خلف أبواب متسخة في سجون مظلمة كئيبة  تحت الأرض لا يقوم بزيارتها إلا اثنان فقط: السجان وملك الموت.
الزعيم الأول: في الواقع الوضع يختلف قليلا في بلدي لأن رجال الدين يقومون بالمهمة أفضل من أجهزة الاستخبارات، وهم قادرون على اقناع عبيدي بأن طاعة ولي الأمر كطاعة الله، ولذلك فأنا أمنح من سلطتي الكثير لرجال الدين وهم يُكَفّرون أي شخص، ويتفحصون الكتب، ويبحثون في صدور الرعية عن زاوية قصيرة في القلب لم تشلها مغيبات الدين، بل إنهم يكونون أحيانا أكثر شراسة من أجهزة الأمن عندما يتعلق الأمر باخماد فتنة وطنية أو تمرد ضد السلطة فيوزعون على المشاغبين اتهامات يستخرجون مفرداتها من صلب الدين، وهنا يصبح ضرب الأعناق أكثر سهولة من تفريق تظاهرة في شارع مكدس بالغوغاء في قلب العاصمة.
الزعيم الثاني: لقد قرأت ميزانية العام الجديد في بلدك ولم تكن بها أية اشارة إلى مخصصات القصر والأسرة والنفقات الخاصة بالزعيم والأمن، فلماذا لم تفعل مثلي وتتجنب صداع الرأس من المشاغبين، فأنا أضع ميزانية وهمية للقصر وأنفق أضعافها مئات المرات؟
الزعيم الأول: إن جل أبناء رعيتي لا تمر أعينهم على الأرقام، ولا يعرفون حجم البطالة، ويجهلون محرمات عليهم كثيرة وكلها تتعلق بالسلطة وبأسرتي الشريفة، ولا يعرف وزير مالية أو مدير البنك المركزي أو رئيس الجهاز المصرفي للمحاسبات أنه تم وضعها كلها بمعرفة القصر.
الزعيم الثاني: هل تظن ، يا طويل العمر، أن كشفا لحسابك الوطني قد تفتحه جهة تأتي من بعدك، ثم تتدحرج كرة الثلج عن الفساد لتصبح جبلا من الجليد لا يستطيع أحد أن يبرره في العهد القادم؟
الزعيم الأول: لا أظن ذلك لأننا نحن الزعماء اعتدنا، إلا قليلا، على عقد صفقة مع من يخلفنا يلغي بموجبها ذاكرة الأمة في العشرين عاما الأولى من حكمه، إلا إذا جاء على ظهر دبابة أو في انقلاب القصر أو بمساعدة جنود بيض على وجوههم عيون زرق.
الزعيم الثاني: تحيرني، يا طويل العمر، ردود أفعال رعيتنا ففي الوقت الذي تفشل فيه خطط التنمية، ويصل عجز الموازنة العامة إلى كارثة، ويتسول أبناء بلدي في الشوارع، وتضرب البطالة كل بيت، وتلطم ربات البيوت وجوههن الصفراء غير الصحية من غلاء السلع وارتفاع الأسعار، ويصبح حلم أي مواطن مغادرة سجني أعني وطنه، يزداد تمسك المواطنين بي بحجة أن المجهول قد يضع البلاد على شفا جرف هار أو هاوية إلى مكان سحيق.إنهم يتلذذون بالعبودية، وينتشون بالقمع تحت قدمي، ويبتهجون بالذل، ويغتبطون بالقهر، بل يتبرعون أحيانا باستجدائي أن استمر عدة سنوات أخرى في سحقهم تحت حذائي، هل لديك تفسير؟
الزعيم الأول: كأنك تقيم معي في القصر وتصف أحوال رعيتي، ولا تستثني منهم أحدا، إلا من رحم الله، فكبارهم من المثقفين والأكاديميين والوزراء والمحافظين ورجال الأعمال والمفكرين يصبحون في أشد لحظات الرضا لدى انحناء الهامة، وتقوص الظهر، واظهار الطاعة العمياء، وأنا رغم سعادتي ببدء يومي بقراءة مانشيتات النفاق والتزلف والتقرب العفن الرقيقي الذي يُسَبّْح بحمدي، فإنني أصارحك بأن القرف والغثيان والاشمزاز من الكبار يصيبني بحالة هستيرية لا ينفع معها إلا مزيد من اذلالهم، أما الصغار وهم الغالبية العظمى من الرعية فيكفيها لقمة العيش، وبعض مباهج الحياة، وأن يعود كل منهم إلى أهله مساء دون أن يتورم قفاه من كف أحد رجال حمايتي المبعثرين في كل مكان.
الزعيم الثاني: أما أنا فيحيرني أمر  آخر، فرغم كل ما قدمته لسيد البيت الأبيض، سرا وجهرا، فإن الولايات المتحدة لا ترضى عني، وخدماتي لأجهزة استخباراتها لو كان هناك عدل تجعلني في مقدمة جنودها المجهولين.
الزعيم الأول: المهم، يا طويل العمر، أن تظل الشعوب العربية في حالة خوف دائم، وأن نمنع تماما أفكار التمرد فنحن في حقيقة الأمر أوهن من بيت العنكبوت، وأضعف من حشرة، ونظام أي منا يمكن أن تطيح به نسمة رقيقة في مساء أحد أيام الربيع، وشعوبنا لا تعرف طرق الثورة والتمرد والحرية والكرامة، ولو تمكن أحدهم من اقناع أفراد الشعب بالعصيان المدني فسنهرب من فوق سطح القصر كما فعل نيكولاي تشاوشيسكو أو نتقزم ونصغر كما كان الوضع مع محمد رضا بهلوي صاحب عرش الطاووس.وهنا ظهر في الأفق شعاع صباح جديد، وودع المضيفُ ضَيّفَه بحفاوة، وامتصت الجدرانُ حديثهما، ونشرت صحف الصباح في الدولتين مانشيتات عريضة عن المحادثات الهامة بين الزعيمين لخدمة الشعبين الشقيقين.

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

 



16‏/10‏/2018

مستنقع الإعلام المصري في عهد السيسي!

مستنقع الإعلام المصري في عهد السيسي!
أتخيل جبلاية من القِرَدة في غابات الأمازون وقد قررتْ الانتقالَ من الأشجار إلى استديو في مصر به فضائيات وصحف ومجلات؛ فهل ستكون النقلةُ بعيدةً ومستحيلةً و..خيالية؟
لم أشهد منذ اكتمل وعيي علىَ الحياة العامة، والاهتمام السياسي والاجتماعي والوطني والثقافة خمسين عاما خلتْ، واختلافي البيّن مع أنظمة حُكم السادات ومبارك وطنطاوي ومرسي وعدلي منصور أنْ تخيلت لهنيهةٍ واحدة قُدرةَ الحُكْم على تجميع أكبر قدْر ممكن من المتخلفين والسفهاء والجاهلين وأنصاف الأميين والمنافقين والغثيانيين والمطبلين والحشاشين والقاتيين، وإطلاقهم في الفضاء والمطابع ليحمل كل منهم لقب صحفي أو إعلامي أو مذيع أو مُحاور كما حدث في سنوات السيسي الخمس.
نعم، هناك فساد في القضاء والعدالة والتعليم والتجارة والطب وسلوكيات المجتمع، لكن الجزءَ الأعفن كان من نصيب الإعلام الفضائي وصوت الحمقىَ تحت سوط السلطة، كأن عصرَ العبيد عاد بقوة تكاد تُقنع الإعلام الفضائي أن لعق حذاء السلطة أشرف من شرائع الحق كلها، الوضعية والسماوية!
أنت لا تحتاج، إذا كنت طبيعيا، لأكثر من سويعات قليلة لتكتشف جريمة غمس القلم واللسان في غائط القصر، والكُفر بالوطن وأنت تتغزل، ظاهريا، في نهضته المزيفة.
تحدّث مع أي مصري يعمل عقله بعُشــْـر قدرته على التفكير فسيرتفع ضغط دمه ضعفين أو أكثر إذا أتيتَ على ذِكــْــر إعلام بلده.
دروشة وجهل ومزايدة دينية وأكاذيب مضلله ولغة سقيمة وحروف مريضة وتعبيرات غُرْزية  وضعف معلوماتي تجعلك تتصبب عرقا وأنت تتابع أخبار وإعلاميي وبرامج وحوارات بعد خمسة آلاف عام من حوارات ملوك الفراعنة مع عبيدهم أو.. مواطنيهم.
كيف تمكن كل هؤلاء في نِصْف عقد سيساوي من القفز فوق مقاعدهم ومنافسة القرد ميمون في ( سلام للبيه )؟
نقيب الفلاحين يطالب بحل المشكلة الاقتصادية واستقبال العُملة الصعبة في تصدير الكلاب الضالة، خاصة أنها مُحرّمة في الإسلام(!)، ولا ينسىَ أنْ يضاعف المزايدة الدينية في قوله بأنه يجلس في الاستديو رغم أن حديث المسلم مع المرأة حرام، والمذيعة الجاهلة لم تنبس ببنت شفة.
عمرو عبد السميع يطالب بمحاكمة من قاموا بثورة 25 ينايرالتي أطاحت بحُكم مبارك.
كل يوم، وكل ساعة، وكل دقيقة يسحب الإعلام المصري وطنه المسكين إلى الأسفل ولا نعرف عُمقَ القاع بعد.
كل المصريين خائفون من خيال الرئيس السيسي حتى لو مرمط باللغة والمنطق والموضوعية والحق كل هموم الوطن، وكلما سألت مصريا زعم أن يدَ السلطة طويلة، وأن الرئيس يقرأ أحلامه ويدعم كوابيسه، لذا فهو ينتظر الله لينقذ مصر بفضل الدعاء.
شجّ رأسك في جدار منزلك قبل الصباح وفي المساء، وطالب بالافراج عن المظلومين، وابحث عن حقك، واصرخ من غلاء الأسعار، واغضب لسفاهة التبذير السلطوي، ومِتْ جوعا أو فقرًا أو مرضا، فالرئيس يعرف أن ضعفه ونُبله وإيمانه في الإنصات لمطالب الشعب، لذا فيزداد إذلاله إياك؛ ويمُنّ عليك بأنك لست في سوريا وليبيا والعراق واليمن.
أحفادك وأولادهم مدينون بقروض ستعذبهم لقرن أو قرنين قادمين، لكن بلادةً وبرودة ورعبــًـا وذُعرا وخوفا وطاعة ومسكنة رانتْ على الوطن، فالمركب لا تغرق، إنما يتبرع الراكبون بالهروب منها، سواء للخارج أو لأحلام اليقظة أو لــ ( تحيا مصر ) حتى تتركك السلطة تأكل من فتاتها.
ويبقى السؤال مطروحا: كيف تغلـَّـب جهل الإعلاميين وحقارة وسفالة وقذارة أكثرهم على واحد من أكثر شعوب الأرض تأثيرا حضاريا، فإذا به يستورد نفايات اللغة والثقافة والجهل والتصحر الفكري والتعليم القـِـرَدي فتتراجع أم الدنيا في كل المجالات، تقريبا؟
ماذا لو وقف الرئيس السيسي قبل بِدْء خطاب له أمام حشد ضخم من ضباط الجيش والشرطة والقضاة والمحامين والأكاديميين والمثقفين والمسؤولين والمحافظين ؛ وبصق في وجوههم، فهل سيُقابــَـل باحتجاج أو تذمر أو عتاب؟
لقد هجر المصريون الكتاب والكلمة المقروءة ومصادر المعرفة، وكرهوا الحديث عن الثورات والغضب والاحتجاجات والدفاع عن كرامة الشعوب، وأبسط الإيمان التعاطف مع المحرومين من حرياتهم!
مصر تمر الآن بمرحلة لذة العبودية، ومتعة الخضوع، والتخدير الديني، ومشاعر الخيلاء الفارغة التي تحملها قبضة الرئيس في تحيا مصر!
مصر تعيش على أمجاد الماضي بالتسوّل لخنوع أجيال قادمة ستسدد قروضا .. بنىَ بها الرئيس مشروعات مثقوبة جيوبها ليأكل الفاسدون.
مصر أعطت ظهرها للرئيس يكربجه كيفما يشاء، فالمثقفون وهم روح الأمة يبول أكثرهم على ملابسهم الداخلية إذا عرفوا أن ألسنتهم أو أقلامهم ستجلب عليهم نِصْف غضب الرئيس.
أعود إلى سؤالي وهو رأس الموضوع: كيف تمكن عهد الرئيس السيسي من تجميع قطعان الماشية في الإعلام، وهشّ عليها بعصاه فإذا هي تخرّ أو تبرك على الأرض قبل أن يلمسها.
أكتب كلمات الغضب تلك كأنني أتجول بين القبور، فلن يسمعني أحد، ولا يذرف الموتىَ دمعة حزن واحدة، والقراءة أضحت آخر اهتمامات المصريين.
من يظن أنه أكثر مني حزنا على أم الدنيا فليمدد بسبب إلى السماء، ثم ليقطع فالمصريون صامتون، ومن في القبور أكثر منهم ضجيجا واحتجاجا وغضبا!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 16 أكتوبر 2018
    

09‏/10‏/2018

انتصار الحجاب .. عبقرية المسلمين!

انتصار الحجاب .. عبقرية المسلمين!
الحمد لله .. انتصر الحجاب، وهُزم الشيطان، ولم تعد المرأة المسلمة المصرية في دائرة الفسق والفجور، وانحسرت المخدرات، وعمّت الأمانة، وانتشرت الثقافة، وبلغت الإنسانية مبلغها، ورقّت القلوب، وانكبت المرأة على الكتاب تنهل منه المعرفة، واختفت السرقات، وزاد الوعي، وأصبحت تجمعات النساء العاملات المحجبات خلية نحل يعملن دون كلل أو ملل، وشعر شركاء الوطن الأقباط بالأمن والأمان والتسامح، وعفّت الألسنة، وارتفع دور الفن، وأضحت سلوكيات المصريين والمصريات قطعة من السماء، والمرأة المسلمة بيتها ومنزلها وشارعها نظيف كأنه معبد، ورائحة العرق في الازدحام مــِــسْك أو ريحان، وإذا دخلتَ على موظفة مصرية محجبة تُنهي معاملاتك في لمح البصر بابتسامة ملائكية، بل تصافحك في سبيل الله.
الحمد لله فقد رضيت السماء عنهن، فالحجاب أهم من كل ما على الأرض أو في باطنها، والعلوم والآداب والتقدم والرفعة والقوة والوطنية والتسامح بين أفراد المجتمع عرفت طريقها بفضل الحجاب.
الحمد لله فالشيطان يسيل دمه في الشارع من عظمة الحجاب، والرجل خصيت أعضاؤه التناسلية لأنه لم يرَ خصلات شعر امرأة.
الحمد لله انتصرنا على الغرب الكافر والقوىَ العظمى وعشنا في رفاهية وربة البيت المحجبة يأتيها رزقها رغدا حيث تشاء، وتُرَبي أولادها على سلوكيات قويمة رأسها في المحبة و.. إخمصها في التسامح.

الحمد لله فذكورنا غدوا أذكياء بفضل حجاب نسائهن، والمجتمع الطاهر أعلن قضاءه على إباحية الشعر السافر حتى لو تمايلت المؤخرة، واهتز النهدان، ورقص الخصر، وظهرت صور أخرى للابداع الأنثوي بغير اعلان هزيمة الرجل.
الحمد لله فالحجاب رمز انتصار الأمة على أعدائها، أما الجهل والمرض والقذارة والقمامة والكسل والتراخي والتعصب والتطرف والأمية والتأخر والتحايل والرشوة والفشل في تربية الأولاد ومساندة الطغاة والتزوير والتزييف والعلاقات الأسرية والعائلية المنهارة والتمييز بين الناس وفق أديان ورثوها فكل هذه أشياء بسيطة وتافهة لا يكترث لها رب الكون العظيم.
الحمد لله انتصرت العفة في تغطية شعر رأس المرأة المسلمة، ففي خمسين عاما عرف المسلمون دينهم الحق عن طريق ياسر برهامي والحويني ووجدي إبليس غنيم ومحمد حسان ومحمود المصري وأبي إسلام ومئات غيرهم ممن أنجبتهم التيارات الدينية، أكثر وأفضل مما عرفوه في مئات الأعوام .
الحمد لله فقد انتهىَ عصرالنهضة لرفاعة رافع الطهطاوي والشيخ محمد عبده وقاسم أمين وعلي مبارك وحل محلهم شيوخ فضلاء وعلماء لا يقبلون غير قطع الرقبة والرجم والجلد، وعدم تهنئة شركاء الوطن!
الحمد لله فقد أصبحت قضايا الأمة هي تحريم الغناء والموسيقى ومصافحة المرأة وتنسم عطرها ورؤية العين اليمنىَ خلف النقاب وأهمية تحريضها زوجها على الزواج من ثانية وثالثة ورابعة.
الحمد لله فقد اقترب وقت رجم غير المحجبات في الشارع وذبحهن أو أخذهن إماءً ليستمتع الرجل كما تأمره أعضاؤه التناسلية، ليلا أو نهارًا.
انتصر الحجاب العظيم ولم يعُد يسأل أحدٌ أحدًا: هل ترتدي زوجتك أو ابنتك الحجاب، فالمجتمع كله، الجسد والعقل والثقافة والكرامة والحرية والمساواة، أصبح خلف حجاب تطور فأصبح باكستانيا ثم أفغانيا ثم صوماليا ثم إيرانيا ثم بوكوحراميا!

الحمد لله فقد انتصرت معركة المرأة دونما حاجة للعلم والكتاب والثقافة والتمرد ضد الطغاة والدفاع عن ابنها السجين البريء.
سيأتينا ترامب وماكرون وتيرزا ماي وبابا الفاتيكان يتعلمون منّا عبقرية النهضة العفيفة المنتصرة بفضل مئات الملايين من حوارات ومناقشات المسلمين على مدىَ نصف قرن لاثبات حُرمة ظهور خصلات الشعر المثيرة للشبق.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

مواقع التواصل الاجتماعي .. تلك الخلطة العجيبة!

مواقع التواصل الاجتماعي .. تلك الخلطة العجيبة!
كان يمكن أن تصبح بوتقة للثورات والتمرد على الخلل الذي أصاب الناس، يتجمع فيها الغاضبون وعاشقو الأوطان ومناهضو الديكتاتوريات والحالمون بأمل جديد ومستقبل مشرق!
كان يمكن أن تستقطب صفوة القوم، ودعاة الفكر وعقول الحضارة في أسمى معانيها.
لكنها غضبت عدة أيام فزلزلت الأرض زلزالها، وأخرجتْ الميادينُ أثقالها، وقال الطغاة ما لها؟
ثم حزمت حقائبها، وأخذت عصيها وقبل أن ترحل أعطتْ عدوَها كلَّ المفاتيح والأقفال وودعته على أمل أن تعود فتحصد النجاح، وترفع راية النصر.

وكانت المفاجأة في قائمة أسماء ورثة الثورات!
إنهم اللصوص الذين غضبت السماوات والأرض عليهم، وهم الفاسدون الذين انفجرت الميادين في وجوههم، وهم المخربون الذين تدثروا برداء الاستعمار، وتزملوا بمعطف قوىَ البغي والعدوان.
جاءوا وبمعيتهم رؤوس الجهل والنفاق والأمية ونثروهم، ونشروهم، وبعثروهم في مواقع التواصل الاجتماعي لتتحول إلى حانات ومقاهٍ وغُرز الكترونية يختلط فيها كثير من الغث وقليل من السمين.

دخلوا بلغة سقيمة ومريضة ووبائية يخجل منها المعجم ويشعر معها الأمي بألفة شديدة.
مواقع للتواصل الاستخباراتي والإعلامي الرسمي والبورنوجرافي الديني والمذهبي الطائفي، فيتم التراشق صبحا ومساء، وأصبح الكاتب قارئـًـا، والقاريءُ كاتبا، وبينهما برزخ شفاف يُعري فيه جانب نفسه، ويغطي فيه جانب آخر سوءة الآخر.
في أقل من ثلثي العقد كانت روح الثورات النبيلة قد صعدت إلى السماء، وتهشمت الحوارات لغة ولسانا وتعبيرات ومنطقا ومعرفة ومعلومات حتى بدا الأمر كأن حمارًا نسخ نفسه آلاف المرات، وانشطرت كل نسخة إلى واحدة للقصر و.. أخرى للدين.
مواقع التواصل الاجتماعي يُشرق فيها الوعي بين كل مئة موقع، وتبارك الملائكة موقعا من كل سبعين، وتحت عنوان كل موقع يقف الاثنان يحرسانه: سيد القصر و .. إبليس.
من الثورة إلى الثورة المضادة، ومن الوعي الوطني إلى التنويم الديني، ومن جيفارا إلى محمد حسان، ومن مانديلا إلى ياسر برهامي، ومن هوشي منه إلى الحويني!
الآن أصبح من المستحيل الدعوة إلى ثورة عارمة في زنقة مظلمة لا يسكنها غير الأشباح.

فيسبوكيون وتويتريون ومنتدياتيون وغيرها لا تحرك شعرة في رأس أكثر المظلومين لأن مواقع التواصل الاجتماعي تم احتلالها بالكامل، فإذا نجوت من السلطة السياسية عاجلتك السلطة الدينية بزبيبة في رأسك، وإذا فضحت البرهمة رفع في وجهك مئات المتخلفين كتبا صفراء فاقعا لونها تَغُم الناظرين.
إذا نشرت عن مكتبات فاس، أو لخصت التاريخ الذي لخصه جوستاف لوبون، أو كتبت عن مغامرات الإسكندر المقدوني وهو يعبر الأزرق الكبير فأنت محظوظ لو انتبه إليك أربعة وخامسهم كلبهم؛ أما إذا نشرت بوستا عن الفستان الجديد لفيفي عبده، أو التحليل التاريخي بلسان محمد رمضان، أو عن قـُرب استضافة التلفزيون للمتنبيء الذي سيصرح بموعد يوم القيامة؛ فستجد من التفاعلات أكثر من قدرتك على متابعتها.
مواقع التواصل الاجتماعي تسمح لك لو لم تقرأ صفحة من قبل أن تبدي رأيك في كل الأديان والمذاهب والمقدسات، وتُفسر ما يحلو لك، وترفض ما لا يروق لك.
إذا سُدّت كل الأبواب أمام جهلك فعليك أن تلجأ للكلمة السحرية التي يلوذ بها الجهلاء: ديني هو أعظم الأديان، ثم اترك التفاعلات تتفاعل مضاعفة، وقم بإحصاء لايكات وإعجابات تجعل منك داعية الدعاة.

مواقع التواصل الاجتماعي لا تطلب منك شهادة حُسن سير وسلوك، أو تعليم ابتدائي، أو محو الأمية، فجهلك تركب به خيول بني أمية، وتعارض ما شاهده يوري جاجارين في رحلته الفضائية الأولى، وينقلك من معبد إلى كنيسة ثم إلى مسجد ولن يسألك أحد عن آية مقدسة.
مواقع التواصل الاجتماعي تعلمك أن ضياع وقتك مكسب، وأن متابعاتك للصغائر من الأمور ربح، وأن لايكاتك لبوستات لم تقرأها ترفعك إلى مقام تصغر بجانبه أعلى شهادة أكاديمية.

مواقع التواصل الاجتماعي في نسختها المُعدّلة، سياسيا ودينيا، تطبع قفاك بلذة الجُبن، ونشوة الخوف، وصورة الطاغية، ومغناطيس الداعية المفبرك لأحاديث الأقدمين.
مواقع التواصل الاجتماعي تتعلم منها كيف تضجر بعد السطر الثالث، وتنفر من المعرفة، وتصاب بالكآبة من لغة جميلة، سلسة، وعذبة، وسليمة لتهرب إلى لغة الكيف والقات والدخان والثمالة.

مبروك للطغاة والدعاة والإعلاميين الجهلة سقوط صرح أعظم اختراع بشري الكتروني يجمع الناس فيهز الأرض والجبالَ فإذا به يهزم نفسه بنفسه.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو   النرويجيين

07‏/10‏/2018

وخز الذاكرة الكويتية لئلا تنسىَ أجيالٌ قادمة!

وخز الذاكرة الكويتية لئلا تنسىَ أجيالٌ قادمة!
كل القوى التي ھيمنت على منطقة الخليج أرادت أن تضع بصماتھا قبل الانسحاب،
لعلھا تعود مرة أخرى في صورة أو في أخرى، حتى لو ظلت بعيدة عن المستعمرات
السابقة، فربما تُحرك مصالحھا دون أن قترب خطوة واحدة!
وأخطر البصمات التي تلتصق بكيان الإنسان ھي تلك التي تداعب أحلامھم، لذا
تعمدت القوى المناھضة أوالاستعمارية أو الجيران الأقوياء أن تربط إمبراطورية
الوھم، فارسية أو عراقية أو عثمانية أو بريطانية أو ھولندية أو برتغالية، بالامتداد
في عمق الكويت، والتسلل لمواطن الانتماء أو الولاء أو التعاطف، لكنھا فشلت
تماما.ً
إذا تأملنا في الحالة العراقية التي نحن بصددھا سنجد انفصالا شديدا بين الدولتين،
فلا يمكن لدولة خضعت بكاملھا لطاغية أن تبث روحا أخلاقية عن طريق الضم
والاحتلال، فلم يكن ھناك بين أشاوس صدام حسين من كان يحمل رسالة أخلاقية
أو أخوية تجعله يتردد لحظة واحدة في قتل نصفه الآخر، كما يزعمون!
يقول كنعان مكية في كتابه ) القسوة والصمت ( "
لكن لا يمكن ألبتة تبرير القسوة لأنھا تقوم على تقصد إلحاق الأذى الجسدي بأفراد
ھم في موقع الضعف.
ذاك أنه لتكون ھناك قسوة، ينبغي أن يكون ھناك شكل من الخضوع والعجز. إنھا
القاع الصخري القائم تحت كل طبقات الأمور الفظيعة التي يفعلھا البشر بعضھم
ببعض"
إنھا نفس أحلام الجندي الفرنسي الذي كان يبقربطن امرأة جزائرية تحمل جنينا،ً
والجندي يصرخ بأنھا ابنة بلده .. الجزائر الفرنسية!
فالزعم بانتماء المذبوح إلى سكين القاتل نوع من تفاقم السادية العسكرية التي
تختفي قسوتھا وراءالسلاح، لكنھا تنشد أناشيد الوحدة وضم الجزء إلى الكل!
قسوة الجندي العراقي أحدثت شرخا في جيش
الطاغية، فظھر الستار الحديدي لجمھورية الرعب!
فجأة أسقطت غلظة الجندي العراقي حلم المحافظة التاسعة عشرة لامبراطورية
شيطان بغداد، فليست ھناك رابطة تجمع الجحافل الغزاة مع سكان آمنين،
غادرأكثرھم قيظ الصيف إلى أوروبا!
استخدم كنعان مكية في كتابة وصفا دقيقا وخلاقاعًما فعله جنود طاغية العراق في
الكويت. " لقد سُدِّ مَت البلاد برمتھا"! وقد صنع مفردة من صدَّام وسَدوم،
والأخيرة مدينة في فلسطين د مرت من جراء انغماسھا في الفساد.
كان العنف مقززا ومصيبا بالغثيان، وكان نوعا من الانتقام الممنھج، ومليئا بكراھية عنيفة تكاد تصرخ بنفي صاحبھا أي علاقة مواطنية أو عاطفية بالشعب
الكويتي!
ھؤلاء جنود لم يأتوا لضم الجزء إلى الكل، أولاستعادة أشقائھم ومواطنيھم، أو
لإنقاذ الديرة من الاستبداد والفقر والمعاناة، إنما جاءوا بدافع الإذلال والغيرة.
لو كان احتلالاً عاديا بغية سرقة الثروة، أو تمكينا لاستعمار من أرض غيره، أو
اقناع الكويتيين أن العراق جنة الرفاھية والحرية والكرامة، لبحثنا بين ثنايا الكذب
عن كلمة صادقة نستند إليھا في مناقشة القضية.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...