06‏/02‏/2018

لماذا يكره الإعلاميون المصريون الإعلاميين المصريين؟


سؤال ما أنفك شاغلي لأكثر من ثلاثين عاما هي عُمر حضوري ملتقيات وندوات ومؤتمرات إعلامية وصحفية، خاصة في الخليج!
لماذا يكره الإعلاميون المصريون الإعلاميين المصريين؟
عشرات من التجارب والخبرات والمحاورات واللقاءات التي تخصّني أو يشترك فيها غيري تؤكد لي وجَود بقعة سوداءُ مُلوّثة ومُسَمَّمة في صدر الإعلامي المصري نحو زميله في مهنة البحث عن المتاعب.
أستطيع أن أقصّ حكايات كثيرة، مؤلمة، ومؤسفة، وحزينة عن البقعة السوداء المُشار إليها.
قد يعود الأمرُ إلى الغيرة أو التنافس على الجلوس على حِجْر السلطة أو اللهث المالي أو يرجع الأمرُ إلى أن الإعلامي يستطيع أن يكتشف زيف وغشَّ وفبركة التاريخ الصحفي والثقافي والفكري والحزبي والقصري ( نسبة إلى القصر ) لدىَ زميله فيُعرّيه، ويكشف سوءاته، أو يتكاشفا فتسقط مهابة القلم أو اللسان أمام زميل من نفس الكار(!).
وقد يكون السببُ التقربَ من سلطات الأمن والاستخبارات التي يتبرع الإعلامي بفتح خط ساخن بينه وبينها، بثمن أو مجانا، أو بضمان حماية في المطار أو في الصحيفة أو في الاستديو.
قد يكون السببُ أنها المهنة الوحيدة واليتيمة التي اقتحمها أنصافُ أميين، وكارهو الكتاب، ومبغضو المعلومات، وكُسالىَ المعرفة، فإذا تناقشوا أو تحاوروا أو تجادلوا فستسقط قلوبهم في صدورهم، وورقة التوت عن أدمغتهم!

لا أنكر أنني قابلت عددًا قليلا من مشاعل الصحافة المصرية، وموسوعات متحركة، وضمائر لا تتوقف عن متابعة الخبر الصادق ونشره، لكن في الغالب فإن الإعلاميين المصريين فضيحةٌ لأرض الكنانة في الملتقيات.
عاشقون للفنادق الفخمة والطعام الذي تكفي مائدةٌ منه قريةً بأكملها، وينتظرون في الغرف الهدايا الساعاتية فلا يغادرون خشية مغادرة الفرصة إياهم.
كثيرٌ منهم أنانيون يهتمون بأخبار مصر فقط كأنَّ الشمس والقمر لا يكسفان ولا يخسفان فوق أم الدنيا، ويتباطأون إذا تعلق الأمر بأخبار البلد المضيف، ويتركون اجتماعات المضيفين للتسوّق و.. شراء الهدايا.
كثير منهم مغرورون بفتات معلوماتهم ولا يفكّرون في زيارة متحف أو مكتبة عامة أو معهد للبحوث أو مؤرخ أو مركز لتراث البلد المضيف، فإذا استعرضوا  ثقافاتهم فهي لا تخرج عن مؤلفات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي.
أقل من القليل يعودون لمصر متأبطين كتابـًـا عن دولة أخرى يلتهمونه في الطائرة العائدة للقاهرة، فالدنيا هي أم الدنيا ودول الجامعة العربية تدور في فلكها.
لا يفهمون أن التاريخ ليس فرعونيا فقط، إنما عربي وأفريقي وآشوري وفينيقي وأمازيغي وطوارقي وبيزنطي وكنعاني وعبراني وحجازي وفارسي وعُماني وزنجباري و ...
إذا التقوا في عاصمة عربية تقاذفوا الحوارات حول عبد الناصر والسادات، وإذا تجادلوا حول الحروب فهم يغضّون الطرف عن انتصارات وهزائم أشقائهم، فخيرُ أجناد الأرض اختارتهم السماءُ دون غيرهم.
ثقافة الإعلامي المصري تلفزيونية، مكتبة بيته ثلاثة أرباعها هدايا من زملاء أو ناشرين.
حائرون بين النهضة الحديثة واللوثة الدينية المستوردة، ويلعبون الدورين في وقت واحد، الصلاة والمرقص.
قليلون من مسلميهم من يُلقي على مسامع المضيفين دروسا في التسامح والتاريخ القبطي، وكثيرٌ من منهم يخفون فكرًا داعشيا فوقه قشرة متمدّنة يستطيع إزاحتها إذا تحرك القصر نحو المقطم.
يتفاخرون بأنهم كانوا يعلمون بنتائج ثورة 25 يناير كأنهم عرّافون غـَجَر يلعبون بالبيضة والحجر، ويرتعشون من أي حُكم حالي فيهرولون في كل حوار نحو الماضي فهو أكثر أمانا وغير مراقــَـب من أجهزة الأمن.
أكثر الإعلاميين المصريين يحتاجون لعلاجات نفسية وفكرية، ونزع حالة الخوف من السلطة.
كبرياءٌ شديدٌ نحو العرب الآخرين، فيصنفونهم أعرابا وعُربانا ومتخلفين وحفاة ونفطيين ولولا الحضور المصري ما عرفتهم الحضارة الحديثة ولا تقدموا خطوة نحوها.
يكتبون التقارير المسيئة ضد بعضهم، ويتلقفها أمن الدولة/الأمن الوطني باحتقار وازدراء لأصحابها، ويتحدث أكثرهم في الملتقيات بصوت جهوري ولغة سقيمة وتعبيرات مهترئة، ويخرج أكثرهم عن آداب الضيافة.
متسولون لحكومتهم في الملتقيات حتى يصل صوتهم لسيد القصر في قاهرة المعز؛ فيمنحهم رضاه.
يغتابون زملاءَهم، ويتكاسلون في الحصول علىَ المعلومة، ويجلسون في المركز الإعلامي الذي تقيمه الدولة المضيفة فينقلون مقتطفات من أخبار وزارة الإعلام المضيفة دون حذف أو إضافة، ويرسلونها إلى صحفهم كأنها جهد خارق.
جاءت إحداهن متأخرة عن الغداء في فندق عاصمة خليجية، وصرخت، وصاحت، وأهانت مضيفيها المهذبين قائلة: أنا مصرية؛ جئت لأكتب عنكم ويعرفكم العالم، وبدوننا ما كان لكم صوت!
رئيس تحرير صحيفة مصرية كان معنا على الغداء في دائرة مستديرة سادس الجالسين كان وزير الإعلام، فانطلق لسان صاحبنا يلقي النكات الجنسية القبيحة، والوزير يضحك بخجل مجاملا لنا .. نحن الإعلاميين المصريين.
كانوا يتهافتون على كروت التليفونات المجانية للاتصال بعائلاتهم، ويستخدمون سيارات الضيافة في التسوق فقط رغم أنها لمشاهدة معالم البلد وزيارة متاحفها ومؤسساتها ومكتباتها.
وفي النهاية يتسابقون في مصر أو لدىَ العودة لكتابة تقارير ضد بعضهم البعض، وكلما كشف الإعلامي المصري عورة زميله، عرف أن السلطة والأمن يقفان معه.
ربما في ثنايا هذا المقال غضب جمْري مشتعل من جراء حكايات وأحداث ومشاهد مخجلة عشتها ورأيتها بأم عيني، والآن عندما أشاهد برامج التوك شوك المصرية ومانشيتات صحف الإفك ومقالات التزييف، أستعيد ذكريات بنصف عُمري فلم أخجل من بلدي.. مصر، لكنني خجلت كثيرًا من إعلامييها.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 6 فبراير 2018

01‏/02‏/2018

حوار بين علماني و .. سلفي!



في القطار السريع الذي غادر قـُبـَيل الظهر بقليل تجاورا علىَ مقعد في الدرجة الثانية. الأول حليق الذقن يرتدي نظارة طبية غير سميكة، والثاني بلحية كثيفة هذّبها قبل خروجه من البيت. قميص وبنطلون في لونين متعارضين بجوار جلباب فضفاض يُخفي الكثير من نتوءات الصدر والبطن وصاحبه جالس، ويـُظهر أكثر إذا وقف وأشعة الشمس خلفه.
الأول يتصفح رواية مترجمة اشتراها لتوه في محطة القطارات، والــثاني يمسك بيديه مجلة الوعي الإسلامي باحثا عن مقال يختصر به الطريق الطويل إذا لم تغفو عيناه ساعة أو بعض الساعة!

ودار بينهما الحوار التالي:
العلماني: هذه المجلة التي بين يديك كنت أقرأها منذ سنوات طويلة عندما كانت جل اهتماماتي تنحصر في هذا المنحى، أما الآن فأقرأ في كل شيء، ولا أرى للثقافة حدوداً أو مساحات مخصصة لا يغادرها طالب المعرفة.

السلفي: أنا والحمد لله أغناني الله عن تشتت الفكر بين علوم وضعية غثة لن تفيدني في آخرتي، ولن تضيف شيئا لي في دنياي. إنني مُحـَصَّن تماما ضد الغزو الفكري الغربي الذي يحمل معه الفوضى، والانحلال، والتعامل مع الكون على أنه حالة عبثية، فلا أقرأ لهم ولا لتلاميذهم من أمثال طه حسين والعقاد والمازني وعلي عبد الرازق وسيد القمني وأحمد البغدادي ونصر حامد أبي زيد وأحمد صبحي منصور وقاسم أمين وهدى شعراوي ونوال السعداوي وفرج فوده، والأخير دخل قاتلـُه الجنةَ وكافأه الله بأكثر من سبعين حورية تعود لكل واحدة منهن عذريتها فور أنْ يفض بكارتها، ولكَ أنْ تتخيل، كما قال السلف الصالح، مسلماً في جنة الخلد وهو في حالة انتصاب دائم يفض بكارة الحوريات جزاءً وِفاقا لما عمله في الدنيا من حسنات.

العلماني: لكنك تركب قطاراً صنعه العقل الغربي، وتقرأ في مجلة مطبوعة في مطابع مستوردة من الكفار، وكل ما حولك يدين بالفضل لمن تعاديهم، ولك أنت أن تتخيل قدرتك على الاستغناء عن كل ما هو غربي وملحد وكافر فتهجر العلوم والطب والمراجع وغرف العمليات والطائرات والرادار والستالايت والتليفون والموبايل وسفن الصيد والأسلحة والمفاعلات وأدوات الحفر للبحث عن كنوز في باطن أرض وطنك..

وأيضا مقاطعتك للراديو والتلفزيون والسينما، وتـُلقي بكاميرتك الجديدة في البحر، وترفض استيراد نقليات جمع وضغط القمامة ومواسير الصرف الصحي، وتمنع السياحة، ولا تقبل شراء مواد لحفظ التراث والأثريات، وتقوم بتكسير كل الآلات الموسيقية المصنوعة في الغرب الكافر، وتقاطع الكتاب والمعارض !


السلفي: كما أن الله سخـَّر لنا ما في الأرض، فقد سخـَّرَ لنا الكـُفـّار في العلوم والفضائيات والاكتشافات، ونحن علينا أداء الشعائر ومدّ العالم الغربي والملحد بنفحات الروحانية، ونشرح لهم ما خفىَ عليهم من أسرار الكون، وننصحهم بالابتعاد عن الشرك بالله، ونعرض عليهم الإسلام لعلنا نستطيع أن نهديهم إلى سواء السبيل.
إن مصيبتنا فيكم أنتم عبدة الغرب، فأي علماني يكره ديننا الحنيف، ويسعى لهدم أركانه أو التقليل من شأن خاتمة الرسالات السماوية فسنقف له بالمرصاد حتى يتوب أو يعود إلى صوابه.

العلماني: لكنني مسلم مثلك، وقد عدت منذ أسبوعين من زيارة روحية أديت خلالها مناسك العُمرة، وطفت حول الكعبة المشرفة، وصليت لله في الحرم الشريف ، فما الذي يميزك عني ويجعل لك مكانا في جنة الخلد، ويحرمني من نور الله ورحمته ومغفرته؟
لو أنك حلقت لحيتك، وارتديت مثلي ملابس عادية، ورآنا أناس في حفل موسيقي أو على باب سينما أو في ندوة أدبية أو شعرية أو في مظاهرة لا ترفع شعاراً غير اسم الوطن وعلمه وهويته فلن يستطيع التمييز بيننا، أما ما في الصدر فلا يطلع عليه إلا علام الغيوب العزيز الرحيم.

السلفي: المقارنة غير عادلة، ثم إنك تطوف ببيت الله الحرام وقلبك مـُعـَلـّق مع قوىَ الصليبية الحاقدة، وأنت تخالف الله تعالى في كل شيء، قبل وبعد أداء عُمرتك العلمانية العجيبة، فتسمع الموسيقى .. مزامير الشيطان وتستحسنها، وتشاهد أفلاما فيها نساء كاسيات عاريات، وتقرأ كتباً في الفلسفة وفي حياة المفكرين الغربيين، ويضيع وقتـُك في تحليل رأس المال لكارل ماركس، وتعرف عن اللا منتمي لكولن ولسون أكثر مما تعرف عن ابن تيمية.
وأنت تصافح النساء، وتترك ابنتك مع خطيبها دون رقابة إلا من ثالثهما .. الشيطان، وتنتقد علماء الأمة من السلف الصالح، وتستخدم عقلك فيما لا طائل من وراءه، وتـُعـَرّض تراثـَنا العظيم لمشرحة التحليل والتشكيك والنقد رغم أن أفضل القرون هي الثلاثة الأولى التي منحت الأمةَ قوّتها وفتوحاتها.

وأنت تستورد قـِيـَما غريبة مثل الديمقراطية بدلا من الشورى، وتحديد فترات محددة لولي أمر الأمة رغم أن الله هو الذي اختاره ولم يأت عن طريق الشعب الذي لا يعرف مصلحته أكثر من خالقه، وأنت تخرج في مظاهرة واعتصام وانتفاضة ضد خليفة المسلمين وأميرهم مخالفاً أوامر العلي القدير الذي يطلب منك أن تطيع أميرك ولو كان عبداً حبشياً كأن رأسَه زبيبة.
أنتم تعكـّرون صفو الأمة وسلامـَها بانتقاد الحاكم، والمطلوب منكم الطاعة فهو ممثل السماء على الأرض ولو كان ظالما وديكتاتوراً وطاغية ومستبداً وابن ستين كلب!

العلماني: أنتم وصوليون حتى النخاع، وتقفزون على الثورات إثر نجاحها بعدما كنتم خصومها، وتعطون ظهوركم لسوط الحاكم .. ولي الأمر ليـُلْهـِبـَها ، فإذا ضـَحَّى الآخرون بأرواحِهم لرفع الظلم عن الأمة فأنتم خصوم الطاغية وهو في القفص.
والواحد منكم بألف وجه ووجه، فيزعم تمـَسّكه بالأخلاق لكنه يشترك مع لصوص المصارف وشركات توظيف الأموال، ويطالب بالعفاف لزوجته ثم يتزوج عليها واحدة في عمر ابنته وهي صفقة جسد مقابل مال مهما كانت التفسيرات الأخرى المضللة.
وأنتم تـُخالفون القرآن الكريم من ألفـِه إلىَ يائـِه الذي يطالبنا بأنْ لا نتبع ما ألفينا علينا آباءنا، فإذا بكم تتحدوّن ربَّ العزة وتخالفون أوامرَه جهراً بالسوء فتـُطلقون على أنفسكم اسم سلفيين كأن العقل الذي منحكم إياه رب الكون العظيم تنبذونه، وترفضون الخلافة في الأرض القائمة على الفكر والتدبر والنقد والتطور، وليس على تقليد أعمى لمن جاء قبلكم.

وأنتم ظاهريون، أي أن القشور هي التي تميـّزكم، واللحية أهم من البحث العلمي، وقراءة كتب تكالبت عليها حشرات المكتبات أهم من مطالعة نتاج العقل البشري، وهو أهم نعمة من نـِعـَم العزيز التوّاب، وتغطيةُ وجه المرأة أفضل عندكم من حل مشكلة العنوسة، وهي جريمة الجرائم بكل المعايير الإنسانية، وإذا وجدتم حلا فهو ضم ثانية وثالثة ورابعة من فتيات لم تنهض نهودهن بـَعـْدُ بمـُهمـّة الأنوثة.
أنتم فرسان في الدفاع عن هراءات وخرافات وغباءيات وعباطيات وهباليات كل الأحاديث المدسوسة أو ما نطلق عليها إسرائيليات، من رضاع الكبير وبول الرسول وأهمية السواك وضرورة اغلاق فتحة العين اليسرى من نقاب المرأة وعدم وجود الفتاة مع أبيها في خلوة إذا كانت الابنة جميلة ومثيرة .. الخ
لكنكم فئران في مواجهة الطغاة، وأرانب في الدفاع عن اخوانكم وزملائكم من المعتقلين ولو قضوا في السجون سنوات عجاف لا يتحملها الصخر و.. الحديد!
أنتم منشغلون بالجنس، وأربعة أخماس تراثكم، وهو بعيد كل البعد عن الإسلام الحنيف العظيم، يدور حول المرأة والخلوة واللمس والمشاهدة وزنا العينين وزنا الخيال والعفريت الذي يضاجع امرأة وزوجها نائم يـُصدر شخيره، والجن الأزرق الذي ينتظرها في الحمام حتى تخلع ملابسها، ورجم القرد إذا زنى، وأتذكر أنني قرأت لأحدكم ما تعجز عنه كل الخيالات المريضة فقال بأنه عندما يرى امرأة جميلة فإنه يتصورها من الحور العين فيـُمتع خيالـَه ( من امرأة محرّمة عليه )، ويكسب ثواب الإيمان بأنها ستكون من نصيبه في الآخرة!

السلفي: ويحك أيها الملحد حتى لو أقسمت لي بأن الله قريب منك يجيب دعوتك، ويرضى عنك، ويرسل لك مئة اشارة في اليوم والليلة أنه يحبك، فأنتم في الحقيقة ملوك المجون، وأساتذة الفجور، ومستبدو الظلم والجور.
أنتم تعاقرون الخمر، وتسكرون حتى الثمالة، وتصاحبون النصارى واليهود والأعداء، وتستعينون بالغرب الكافر ليخلـّصكم من حاكمكم، وترفعون الشرعة العالمية لحقوق الإنسان فوق حقوق الفرد في الإسلام التي فرضها رب العرش العظيم من فوق سبع سماوات.
نحن نـُعلـّق على جـُدران بيوتنا آيات قرآنية تأتي لنا بالملائكة، وأنتم تعلقون صور جيفارا وماو ولينين وسارتر وباتريس لومومبا ومانديلا وغاندي وكل الذين حاربوا الرأسمالية، أي الاقتصاد الحر الذي جاء به ديننا الحنيف.
لا أحد منكم يختلف عن الآخر في قليل أو كثير، فالاشتراكي علماني، والشيوعي ملحد، والثوري فوضوي، والناقد مُشكـّك في الثوابت، والليبرالي داعية فـِسق وانحلال وبوهيمية.
أنتم تستحقون أن نقتلكم، أو نصلبكم من خلاف، أو نقطع رؤوسَكم حتى نـُخـَلـّص البشرية من شـِرككم العظيم.

العلماني: أنا أتحداك أن تقاطع غير المسلمين في المأكل والمشرب والسفر والعلم والكمبيوتر والدواء والشاشة الصغيرة، وأن تعتمد فقط على العلاج الإسلامي، والحقنة الإسلامية، وجهاز التنقيب عن البترول الإسلامي، والعملة الإسلامية الأفضل من اليورو والين والباوند والدولار، ومُحـّرك الطائرات الإسلامي، وجهاز تنقية المياه الاسلامي.

أنتم أسوأ دعاة لأعدل دين، وأقبح وجه لأجمل عقيدة، وأغبى مفسرين لأعظم كلمات نزل بها الروح الأمين على خاتم الرسل والأنبياء.
أنتم قساة، غلاظ القلب، وصخريو العواطف، يتديـّن الواحد منكم فيتحكم في أفكاره مسرور السياف. يعتلي المنبر فيقذف لسانـُه جمرات من السباب، ولعن المختلفين معه، والدعاء إلى الله أن يـُجَمّد الدماء في عروقهم، وأن يشلّ أوصالهم، وأن يجعل نساءهم غنيمة للمسلمين، ثم ينتهي من حديث الجمرات واللعنات بالطلب من الله أن يرحم المسلمين فقط، لا أن يرحم من يشاء من الناس الطيبين.
لقد أكلتم على موائد كل الطغاة في عالمنا العربي والاسلامي، وهللتم لضياء الحق وسوهارتو وسوكارنو ورقصتم فرحا بجعفر النميري، وانتشيتم عندما زعم الديكتاتور عيدي أمين دادا أنه يقوم بحماية مسلمي أوغندا، وضحك عليكم بن لادن، ومزق بشيرُكم سودانـَنا الأسمر الجميل، وبرّرتم لكل السفـّاحين ذبحَ معارضيهم لأن الخروج على الحاكمِ كـُفر بالله ما دام الحاكمُ يقيم فيكم صلاة الجمعة والعيدين.

أنتم تمزقون الوطن برفضكم احترام العـَلـَم، والقيام للنشيد الوطني، واحترام الدستور، وقبول النقد، وانزال قدسية السلف، والتعامل مع الحاكم على أنه خادم للشعب وليس فائزاً بانتخابات في السماء تشترك فيها الملائكة فقط.
أنتم منحازون للظلم طالما رفع الظالم راية دينية، فلم تكونوا عادلين في نيجيريا وكشمير وتفكيك الهند عقب خروج الاستعمار والظلم الذي وقع على اخوانكم في الانسانية .. سكان جنوب السودان!

السلفي: قل ماشئت من أكاذيب فنحن قادمون رغم أنفك، وانظر إلى أي شارع عربي ستجدنا نقف على أهبة الاستعداد لتولي زمام الحُكم عندما تقتنع الجماهير كلها برايتنا، ولو كان الواحد منا أشرس من ذئب، وأغدر من ضبع، وأكذب من رئيس اليمن، وأجهل من العقيد الليبي، فإن الملايين سيهيلون التراب على ماضينا حالما نرفع شعار الإسلام هو الحل.
اكتب ما شئت عنـّا، وانشر وثائق تصغر بجانبها الويكيليسيات، وقدّم شهادات بجرائم ارتكبها أتباعـُنا، لكننا منتصرون في النهاية وستسقط الدول العربية في أيدينا كثمرات ناضجة زاجتها رياح خريفية، وسيعرف عندئذ أعداء الدين أننا لن نتسامح معهم.

العلماني: معركتكم ظالمة بكل المقاييس، ويكفي أن يزعم أحدكم أن الله تعالى منحاز إليه، وأنه لا يبتغي غير إقامة خلافة في الأمة، وأنه يريد حُكم الله أن يمكث، في الأرض، وحينئذ ستتولى الجماهير المغيـَّبة والمخدَّرة والنائمة حمايتكم.
جماهيركم لا تقرأ، وأتباعكم يخشون هراوة التخويف من غضب الله، والمؤمنون بنهجكم يطمعون في جنة بدون ثمن باهظ، وحور عين بعد صبر المضطر على الظلم، وصمت على القهر، أو موت في سبيل قضية لم يعرضها أميرُكم على العقل والضمير والإنسانية.

حياتكم تبدو كسرادق عزاء مستمر، والفارق بيني وبينك أنني أري كل الأشياء حلالاً ما لم ينهاني اللهُ عنها، وأنتم تبحثون عن الحرام في ثنايا الحلال، وتكرهون هدية أعطاكم الله إياها .. الحياة الدنيا.
أنت في حالة حرب يقرعك ضميرُك لو صافحك مخالفك أو ابتسم في وجهك أو بحث عن مساحة من المحبة تربطكما، وأنا في حالة وئام وانسجام وتسامح مع غيري حتى لو كان يعبد حجراً أو نهراً أو نجماً أو يدين بالولاء للكواكب والنار.

أنت تبحث عن ثغراتٍ في حياة غيرك لتستخرج منها تبريرات لمقصلة تتمنى أن تقطع بها رقبته، وأنا أبحث عن تبريرات لخلافي مع الغير فربما نلتقي في منتصف الطريق أو في نهايته أو حتى عندما يعرض علينا الغفور الرحيم كتاباً نلقاه منشوراً.
أنت تقرأ هذا الحوارَ فتلعن صاحبه، وتحشد من أنصارك ثـُلـَّةً من المتخلفين لرجمه بألسنة حـِدْاد كأنها سيوفٌ في ساحة الوغىَ، وأنا أبتسم فما يهمني هو الثراء الفكري بعد الحوار والاختلاف والرأي الآخر.

السلفي: أنت تـُصوّر نفسك كأنك ملاك لا يؤذي ذبابة، وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وتخجل من سنوات القهر والقمع والأكاذيب التي صبغت حُكم كل زعيم علماني حارب الدين، فطغاة ليبيا وتونس ( سابقا) وسوريا واليمن والأردن وعسكر الجزائر وغيرهم كانوا علمانيين مثلك، فإذا تسيـّدوا القصر جعلوا المسلمين الأتقياء صيدَهم الثمين، وفتحوا بطون المعتقلات لتلتهم أصحاب الأخدود الأحياء.
نحن أيضا دفعنا ثمن حريتك، وكنا كبش الفداء كلما أراد الحاكم التلويحَ لكم بالعصا!

عندما تسقط سقطة أخلاقية لا تراها العين المجردة فسيمر علىَ رقبتك سبعون نصلا من سكاكين أتباعـِكم ومـُريدينا، أما لو مسّتني عاصفة في شرفي وتم تصويري وأنا أمتدح حاكما جزّاراً أو يضع فاسد في جيبي ثمن سكوتي فسيدافع عني كل ملتح، وستهتف باسمي كل منقبة فنحن يد واحدة، وأنتم متفرقون.
عندما لا يسعفني المنطق أستخدم الكلمة السحرية التي تأكل كل ما تأفكون وهي اتهام من يخالفني أنه عدو للدين، وكاره للاسلام، وخصم لعباد الرحمن، وعلماني كافر لا يريد لأمة محمد أن ترتفع راية الجهاد فيها.

إذا سلط المسجد القريب من بيتك ثلاثة مكبرات للصوت تخترق طبلة أذنك، وتنتفض لها أمك المريضة، وينزعج منها أطفالك الصغار فلن تستطيع أن تحرك سبـَابتك أو خنصرك احتجاجاً أو اعتراضا، وهذا ينسحب على كل مناحي الحياة، وسنرفع في الانتخابات التشريعية والرئاسية شعارات تصيب معارضينا في مقتل، وتجعل مؤيدينا يروَّن الجنة كأنها حاضرة من أجلهم.
انظر إلى مصر مثلا فنحن كنا صامتين على ظلم مبارك ثلاثين عاماً، وكنا كنسمة هواء رقيقة لا تخدش وجه أصغر عضو في لجنة السياسات، وأقصى أمانينا وانتصاراتنا كانت دعوى قضائية ضد أفيش أحد الأفلام المنحلة أو الدعوة لتعميم النقاب في احدى المدارس أو فتح تبرع لدفع غرامة أي منقبة تخالف قانون بلدها فرنسا الذي يطالب بكشف وجه المرأة المسلمة حتى يطمع فيها الكافر، وخاصمنا ثورة الشباب، ووقفنا مع السلطة وولي أمرنا الرئيس مبارك، فلما انتصرت ثورة 25 يناير قفزنا فوق الرؤوس، فشعبنا مسلم بالفطرة، ويكره أن يحكمه علماني فاسق مثلك.

كما سخـَّر الله علوم الكفار من أجل المسلمين، فإنه، تعالى، سخـَّر ثورة الشباب لنقطف نحن النصر سهلا وسريعا ومريحاً. شباب مصر تظاهروا، واعتصموا، وعصوا ولي أمرنا لثمانية عشر يوماً، وناموا تحت الدبابات، وودعوا مئات من زملائهم إلى الرفيق الأعلى، ولو انهزمت الثورة فإننا كنا سنعلن براءتنا من العصيان المـُحـَرّم أصلا في الاسلام، وكنا سنوافق على جمال مبارك حاكماً على مصر الاسلامية شريطة عدم تعطيله صلاة الجمعة والعيدين كما تعلـّمنا من سلفـِنا الصالح.

العلماني: ومع ذلك فأنا أكتب التاريخ وأنت تُسـَطـّر الهزائم. أنا أصنع المستقبل والكـِتاب والتسامح وأجعل المجتمع في حالة أمن وسلام، وأنت غارق في تراث أصفر، ورأسك مـُعَلّبة بكميةٍ لا نهائية من الكراهية.
أنت طائفي، وتفرّق بين مواطني بلدك على أساس الدين، ثم تـُميـّز أصحابَ مذهبك عن أتباع المذاهب الأخرى، ثم تضم إليك أعضاء فرقتك وتنبذ المخالفين، وينتهي بك الأمر كجمرة نار تحرق الغير و.. نفسها!
مفاجأة تنتظرنا، حين تقوم الساعة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللهَ بقلب سليم، فربما يلطم أحدنا وجهه عندما يكتشف أن ميزان العدل هناك غير ميزانه هنا الذي نطفف فيه جميعا بنسب متفاوتة، وأن معاركنا وأحكامنا وجدالنا وقتالنا كانت كلها على الأرض عبث أطفال، وجهل حمقى، وأن خانة الدين في البطاقة القومية ، وزيارة المسجد أو الكنيسة، وكل مظاهر التديّن والتمييز ليست هي المؤدية لأوسع أبواب الجنة، إنما القلوب التي في الصدور هي المقياس الرباني للصراط المستقيم.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج

من أرشيفي

31‏/01‏/2018

هل يمكن أن يقوم انقلاب في سلطنة عُمان؟

من أرشيف طائر الشمال




هبطت الطائرة التي تقل زعيما عربيا مطار عاصمة عربية كبرى، وعقدت المفاجأة ألسنة المضيفين الذين اصطفوا لاستقبال الضيف الكبير فوجدوا معه ثلاثمئة من حراسه الشخصيين، ورفضتْ طبعا سلطاتُ البلد المضيف تلك الاهانةَ، فالزعيمُ في ضيافتهم وأمنهم.

ابن زعيم عربي يعمل في البزنس، ولديه مكتب لا يبعد ثلاثمئة متر عن مقر إقامته في سكنه الفاخر، فإذا حان موعد قطع تلك الأمتار فإن عشرات من رجال الأمن يكونوا قد قطعوا الطريق على أي محاولة لمواطن يريد أن يمر في الشارع أو يقترب منه، وأكثر ضباط الأمن يحملون فوق أكتافهم مجموعة من النياشين والأشياء الغريبة كأنهم كانوا مع مونتجمري في العلمين، أو تولوا التخطيط لنورماندي!
زعيم عربي، توفاه الله، كان يحتقر شعبه لدرجة مثيرة للغثيان فهو يرفض زيارة المناطق الفقيرة والريفية خشية أن تقع عيناه الشريفتان على الوضع المأساوي الكارثي والمهين لأبناء شعبه.
شاب عُماني يسير في الطريق العام فتتوقف سيارة، وينفتح بابها ثم يطل وجه أسمر مألوف طالبا منه أن يقوم بتوصيله والحديث معه!
سائق السيارة الذي لا تحميه كتيبة أمنية ولا تحرسه إلا عناية الله هو السلطان قابوس بن سعيد!


شاب عماني أعرفه جيدا أقسم لي بأنه مر أمام القصر الذي لم يكن يحرسه في ذلك الوقت غير حارس واحد، ووجد السلطان قابوس جالسا في الشرفة يقرأ الصحف اليومية في أمان عجيب ولا يبعد الشارع الرئيسي عنه غير أمتار معدودات.
الجولات السلطانية ظاهرة فريدة من نوعها، ومجلس شورى متنقل، واحتكاك مباشر بأفراد الشعب، وعطلة اجبارية للمستشارين فالعاهل يتوقف بسيارته، ويجلس على الأرض، ويقترب منه الصغير والكبير، ويستمع لكل الاقتراحات والشكاوى والخلجات والهموم والاعتراضات دون أن تتحرك يد واحدة لمعاون أو مساعد أو حارس أو مستشار
وكان النصر هذه المرة ضد النفس الأمارة بالسوء والتي تنادي بالعنف والانتقام.


في الدولة العربية الأكثر تسامحا تجاه المذاهب والعقائد المخالفة للنهج العام، حيث لا يعرف ضيوف الدولة أي فروقات مذهبية، وحيث يصل التحضر العقيدي في الدولة بين العمانيين إلى هذه الدرجة من التسامح فلا تقرأ شيئا عن الاختلافات، ولا تصدر كتب توغر الصدور، ولا يعرف العربُ المذهبَ الذي ينتمي إليه العاهل العماني أو التقسيمات الوهمية في الحكومة كما تفعل معظم حكومات أقطارنا العربية، فهذا المنصب محجوز لشيعي وذاك لسني وثالث لكردي ورابع لماروني وخامس لشركسي وسادس لتركماني، ولا مانع من تقسيمات داخل التقسيمات وكأن الوطن هو الذي يتجزأ ويتم توزيعه على مائدة السلطة.


كيف تنام فكرة عدة عقود، ثم تستيقظ لتلقى بالمواطن بعيدا كما يحدث في معظم حالات الالتقاء المصادفة الذي يظن فيه المواطن في عالمنا العربي أن زعيمه من نفس الجنس واللون والعقيدة وربما السلالة البشرية.
الانقلاب العسكري أو محاولة التمرد أو الثورة الغاضبة أو المظاهرات التي تعم البلاد لا تأتي من فراغ، وليست نتيجة لتليباثي جماعي، لكنها تراكمات من الحزن والغضب وعدم الرضا والكراهية والاحباط نتيجة أوضاع عكسية تناهض أماني وأحلام الشعب.
في أثيوبيا إبان حكم الامبراطور هيلاسلاسي كانت الدولة كلها بين اصبعين من أصابعه، وعندما يستيقظ في الصباح تأتيه تقارير شفوية عما دار في الليل، ولو كان يملك فرصة وضع شعبه برمته في قفص يغلقه حتى الصباح لفعل، لهذا هلل كل أفراد الشعب للانقلاب ضده، وأعادوا نفس التهليل والتأييد للانقلاب المضاد الذي قاده منجستو هيلا مريم.
سلطنة عُمان حالة خاصة من العلاقة الصحية والسليمة والعاطفية الحميمة بين القيادة والشعب لا تعادلها في عالمنا العربي إلا دولة الكويت.
فآل الصباح الكرام يمثلون في الواقع أهم شرعية دستورية وشعبية في التاريخ العربي الحديث، فقد تم مسح الدولة من الخريطة تماما، وأصبحت المحافظة التاسعة عشرة في جمهورية الرعب العراقية، وكانت الديرة تموج قبيل الغزو الآثم بكل التيارات حتى أصبح أمرا عاديا أن يستخدم الاعلاميون تعبير المعارضة الكويتية.


قد أتفهم تماما لو أن مبررات الانقلاب والتذمر والتمرد موجودة بنسبة ضئيلة ولكن سلطنة عُمان حالة نادرة تشهد بذلك معظم المنظمات الدولية المحايدة من المحافظة على البيئة إلى حقوق الإنسان، ومن الرقابة على أموال الشعب إلى العدالة في التعامل بين الحاكم والمحكوم.
ولا يمر عام إلا وتحصل سلطنة عُمان فيه على جائزة دولية في الصحة أو البيئة أو الحفاظ على البحر أو المحافظة على الطيور النادرة أو المشاركة في نظافة الشواطيء أو في التعامل مع السائحين أو في التوعية أو في الاهتمام بنسب متساوية بكل قرى ومدن الدولة كوحدة واحدة.
وسلطنة عمان لا تعرف الفساد الذي نخر سوسُهُ في عظام أنظمة عربية كثيرة في الشرق الأوسط والعالم العربي والعالم الثالث، حتى أن ديوان المحاسبة يمر على البعثات الدبلوماسية وعلى الديوان السلطاني ولا يعرف كبيرا في الدولة.
نحن هنا لا نتحدث عن دولة ملائكة، معاذ الله أن أكون من الظالمين،
فالانسان هو الانسان منذ بدء الخليقة، وفي أخصب فترات نزول الوحي على الأنبياء والرسل كانت هناك نوازع شر، وتكالب الناس على الصراع، ومشاعر الحسد والغيرة، وانتصار الشيطان في معارك كثيرة ، لذا وحتى لا يُساء الفهم وتفقد الكلمة معناها، ويظن سيئو النية أنها كلمات مجاملة نؤكد أن النسبة الصغيرة والضئيلة جدا من السلبيات تكاد تختفي خجلا خلف ظاهرة الانسان العماني.
إذا كان الشعب محظوظا بحاكمه فللحق وللتاريخ نقول بأن السلطان قابوس بن سعيد هو أيضا محظوظ بالشعب العماني، وبأنه يحكم بلدا بكرا، وشعبا كأنه خارج لتوه من خدر عذراء فلا يدري المرء إن كانت تلك طبيعة مكتسبة أم مكاسب أخلاقية وتربوية توارثتها أجيال عن أجيال.


من الذي اخترق واحة السلام العمانية التي تعمر بها قلوب أبناء شعب وبدأ يستدعي أحلاما في هدم ما تم بناؤه في عشرات الأعوام؟
لو أن سلطنة عمان تتراجع في أي مجال لفهمت حقا أسباب ودواعي التآمر أو التمرد أو التسلح استعدادا لقلب نظام الحكم، والقضاء على الفساد، وتغيير أنظمة التعليم، وتطوير البلاد إلى الأفضل!
لكن الغريب هو ارتباط فكر التغيير بالهدم وليس بالبناء، بالطائفية وليس بالتسامح، بالغاء مكتسبات الشعب وليس باضافة منجزات جديدة.
وحتى مع افتراض أن هناك حلما باقامة دولة إمامة دينية يهيمن فيها مذهب على بقية المذاهب الأخرى، فكيف استطاع هؤلاء الأفراد تخيل المشهد العماني الجديد وقد ارتفعت فيه أصوات غابت تماما في دولة التسامح، فيتم تقسيم الوطن، وتقام خلافة أو إمامة كما يحلم عشاق الوهم في عالمنا الاسلامي الذين يريدون اقامة دولة مكونة من كل التناقضات وهم لا يستطيعون أصلا حل مشكلة الحدود أو اقامة منطقة حرة بين دولتين أو معرفة التركيبة الداخلية لأي دولة اسلامية أخرى يريدون ضمها عنوة لدولة الخلافة كأنهم ينتقمون من مصطفى كمال أتاتورك ونحن نسير بعكازين وتضربنا على أقفيتنا كل القوى الكبرى وحتى الصغرى، وترتعش أوصالنا إن أحمرت عينا الدكتورة كونداليزا رايس أو أصفر وجه آريل شارون أو صدر بيان لجماعة مجهولة تهدد بقلب الطاولة على الجميع؟
أتفهم تماما شدة الألم الذي يشعر به السلطان قابوس بن سعيد بعد كل ما قدمه لشعبه وبلده في خمسة وثلاثين عاما، وبعدما أجمع الأصدقاء والخصوم والمحايدون على عبقرية الحكم التي أخرجت بلدا عربيا من هامش التاريخ وظلمات الجهل والأمية إلى المشاركة في ركب الحضارة.
لم يفتح السلطان قابوس بن سعيد سجونا ومعتقلات لشعبه، ولم يتهاون في سد كل منافذ الفساد، وتضاعفت ثروة البلاد مرات كثيرة على الرغم من أنها ليست في صدارة الدول المصدرة للبترول، ومن ثلاث مدارس عام سبعين إلى آلاف في طول البلاد وعرضها، ومن خرافات وتراجع وقبول بدور سلبي لدولة نائمة إلى ايقاظ العملاق العماني لبناء دولة عصرية تلعب دورها المسالم والوطني والقومي والدولي بمهارة بعيدا عن أي شبهات تجعلها هدفا لقوى التطرف.
في منطقة لو أطلقت طائرة عسكرية أو سفينة حربية صاروخا عشوائيا فسيصيب السلطنة، ولو غضب الايرانيون على الخليج فسيصل الصدى لسلطنة عمان، ولو تحركت قوى الارهاب في أي اتجاه في الخليج، من باكستان أو الهند أو أفغانستان، في البر أو في البحر، في جبال اليمن أو على حدود السعودية فإن اصابات طائشة ستخترق السلام العماني ، تظل سلطنة عمان جنة الخليج وواحة الأمن، وشاهدا على عبقرية الحكم للسلطان قابوس بن سعيد.
لم يدر بذهني للحظة واحدة أن أسأل في سلطنة عمان عن مذهب أي شخص أو مسؤول، وأرى العمانيين وحدة متجانسة، ولا أكترث أن يكون مضيفي من أي مذهب أو فكرة أو رؤية قديمة أو متجددة، وليكن إباضيا أو غير إباض فتلك قضايا ينبغي أن تظل في طي المشهد العماني المتسامح.


هذه الكلمات لم تكن لتعرف طريقها إذا خاب ظني وأصدر السلطان قابوس حكما بتثبيت الأحكام الصادرة ضد المتهمين، ليس لأنه سيكون ظلما فأحكام القضاء نافذة وحاسمة ويفترض أنها عادلة، ولكن لأن ثقتي في السلطان قابوس بن سعيد كبيرة، بل هي يقين يستند إلى ثقة السلطان بنفسه وبنزاهة حكمه وبشرف الوعد الذي قطعه على نفسه من أجل شعبه ومستقبل العمانيين.


لا أحب الحدس واستشراف الغيب وتحويل الاعلامي أو الكاتب أو الصحفي إلى عراف يتنبأ بملامح المستقبل، لكن في الحالة العمانية يكاد المشهد المستقبلي يضحى جزءا من الحاضر المنظور، ويختلط الماضي السائر بقدم ثابتة بذات الحاضر متجها بنفس الثبات لمستقبل لا تخطئه العين المدربة.
من حسن حظ المتهمين أنهم في سلطنة عمان، وربما مرت على خطط التآمر فكرة التسامح لدى السلطان فهي ليست المرة الأولى أو الثانية، لكن هذا لا يعني أن الحليم لا يغضب. أغلب الظن أن المتهمين يجهلون تماما ما يحدث في عالمنا، ولا يعرفون أنظمة الحكم الأخرى، ولا يتصورون شكل بلادهم عندما تولى السلطان قابوس بن سعيد الحكم.
لقد كبر السلطان قابوس في أعيننا عندما رفض ازهاق الأرواح التي هو مؤتمن عليها.

هنيئا للعمانيين بنهضتهم وتطور بلادهم وأمن وطنهم.
وهنيئا لهم بقائدهم، لكننا نكمل النصف الثاني من الحقيقة بتهنئة السلطان قابوس بهذا الشعب الأكثر طيبة وكرما وتسامحا بين كل شعوب عالمنا العربي.


محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو  النرويج
Taeralshmal@gmail.com

29‏/01‏/2018

السيسي سيحكم لمئة عام قادمة!



يختبر الديكتاتور الحدَّ الأقصىَ لكرامة مواطنيه ليعرف بعدها موقعَهم في فترة حُكْمِه: أمامه أَمْ..  تحت حذائه!
يضحك الديكتاتور بدون أيّ سبب في اجتماع كبير، ثم يقهقه كالبلهاء؛ فإذا ضحك المحيطون به من وزراء ومحافظين ومستشارين وكبار الضباط، فقد ضمن لنفسه خطَّ الدفاع الأول، وإذا ضحكتْ الجماهيرُ، وصفـّـقتْ، وهلـَّـلَتْ؛ فهذا يعني أنَّ العبودية تمتد في طول البلاد وعَرضها.
الديكتاتور يعاني من شيزوفرانيا عاطفية تمدّ نِصْفَ الوجدان برقّة لا متناهية، كما كان يفعل أدولف هتلر وهو يحتضن كلبـَـه ويُقبّله أكثر مما يفعل مع إيفا براون، وتمنح النصفَ الآخر قسوة حادّة كأنها نزيفُ دم لا ينقطع من مريض السكري ، ويتبادل النصفان الأدوارَ وفقــًــا للظروف والاحتياجات!
كل المستبدين في تاريخ مصر الحديث كانوا، بغير إرادتهم، يتركون البابَ رُبْعَ مفتوحٍ ربما ثقة منهم أنَّ المصريين يثورون مرة في كل مئة عام، وأغلب ثوراتهم ضد الاستعمار الخارجي؛ أما سيد القصر فيتولى رجال الدين والأحزاب والإعلام مدّه بالقدرة على المراوغة والتغييب وهي مهمة أسهل من تدمير بيتٍ للعنكبوت.
بعد الثورة الينايرية العظيمة التي قام بها شبابُ مصر ضد الطاغيةِ اللعين حسني مبارك، سلــَّـم شبابُنا الغاضبُ ميدانَ التحرير لدُعاةِ التجييشِ والتديـُّـن ريثما يستريح الفرسانُ من الثمانية عشرة يومـًـا التي هزتْ الدنيا، فلما عادوا كانت الأوراقُ تناثرتْ، واختلطتْ، ووقف الذئبُ الطنطاوي الذي كان الساعدَ الأيمنَ لمبارك وزيرًا للدفاع في ثلثي فترة حُكْمِه ليوزع مهام ما بعد الفضِّ الذاتي للثورة.
حدث ما لم يخطر علىَ قلبِ مصري منذ عهدِ بـُـناة الأهرام، وتسلل اليأسُ مصحوبـًـا بالخوفِ إلىَ قلوبِ الفرسان السابقين، وتولـّىَ أوغادُ الإعلامِ وقرَدَتـُـه رسمَ المشهدِ من جديدٍ بمساعدة أجهزة القضاء، وبدأ اللعبُ علىَ المكشوفِ، وخلع القضاةُ والمستشارون رداءَ القداسة واستبدلوا به قرون الشياطين، فكانت أحكامُ التأجيل والبراءة انتقامــًـا من الشعب المصري وأبنائِه الذين غضبوا مرة في ثلاثة عقود؛ فعاقبهم ممثلو العدالةِ السماوية وأعادوا المجرمين واللصوص والنهّابين والبلطجيةَ والقتـَـلةَ والمهربين والكوهينيين علىَ نارٍ هادئةٍ ليقبل الشعبُ وجوهَهم القبيحةَ، ويعتذر عن ثورة الأنبياء، ويكفر بأيّ أمل في التغيير.
وفاجأ المصريون الدنيا بعد فترة القبضة الحديدية للمشير طنطاوي، فبهتتْ الفروسية، وتراجعتْ الشجاعة إلا من حفنةٍ قليلةٍ من أنبياءِ الغضب، وقام القضاءُ بصناعة المواطن اليائس من أيّ تغيير، ولجأ عشرات الملايين إلى حــَـمــَــلة المصاحف الذين كانوا يدغدغون مشاعرهم برضا السماء حتى لو تساقطتْ قطرات من الدماء فوق رؤوسهم، فالدينُ الجديد طاعة ومَذَلة وخنوع ورغبة جماهيرية جامحة في الخلافة القطبية، وتحجبتْ الدولة، وتنقبتْ العقول، وطفتْ علىَ السطح سلوكيات قشريةٌ استمدتْ من الماضي السحيق تعاليم نامتْ بين صفحات كتب مُغْبَرة زمنـًـا، أزال رجالُ الدين الجُدد غبارَها، فإذا هي مقابر تُميت الأحياءَ، وتَعدهم بجنة الخلد عن طريق العنف والقتل والصراخ والتفسيرات الهلامية للمحرّمات الجديدة.
عامٌ ونيّف نزع الاخوانُ والسلفيون والعائدون من الخيام مفاهيم الوعي والحرية والثقافة والجمال، وزرعوا علىَ وجه السرعة عالـَـما مخيفا، ومفزعا من الجهالة والأمية والمزايدة.
كان العام الاخوانجي قادرًا على نزع قشرة النهضة من عقول المصريين، فلما عاد العسكر، وجدّدوا المباركية؛ جاءوا برجل اختاره المجلس العسكري برئاسة المشير طنطاوي من قاع اللا معرفة والجهل والبلادة فلم يصطدم، ويا للغرابة، مع أحفاد عصر النهضة والتسامح وكراهية الاستعمار، فالسلفيون كانوا قد دخلوا البرلمان ولوّثوا مواد الدستور وجعلوا الشعب شعبين: مسلمين وشركاءهم، والمسلمين شعبين: غائبين عن الوعي و .. دواعش بروح مصرية فيها من الصحراء قسوتها وعواصفها ومن الهجرة المعاكسة الالتفاف حول تيميات وهريريات كان الفراعنة ومواليد الكهف أسطعَ منهم عقلا واستنارة!
جاء رجلٌ بينه وبين الثقافة والفكر والعقل بعُدُ المغربين، ورفعته رتبة عسكرية ليتساوىَ ظاهريــًـا مع الأمير، طنطاوي، أما التدبير، والتخطيط، والتجهيل فآلة الإعلام قادرة في كل زمن على توليد الطاعة المعجونة بالحذاء الميري والسُخْرَة السلفية.
جاء عبد الفتاح السيسي لتكون مهمته الأولىَ أرنبة المصريين، وقتـْـلَ روح ِ المقاومة، ومسحَ أيّ ثقة بالعدالة، فلم يخرج مبارك وكلابه من الباب الخلفي لسجون الرفاهية؛ إنما أمام شعبِ أطهر ثورات العصر، ورفع كل واحد منهم إصبعه الأوسط في وجوه أنبياء زمن ميدان التحرير وآبائهم الذين كانوا قد صمتوا ثلاثين عاما قبل الثورة السماويةِ الطاهرة.
كلُّ المستبدين أظهروا مع القسوةِ لحظاتٍ من اللـُطف إلا السيسي فقد تمكن من جعل الخطاب الناعمِ مقدمةً لساديةٍ غيرِ مفهومة، وكلما مرَّ بمرحلةِ الغطرسةِ والخُيلاء قفز علىَ أخرىَ، فعندما كان طبيب الفلاسفة، ولا أحد يسمع لغيره، وانتم مين؟ ويرفض كلمة العسكر فهي مهينة له؛ تطورت الطاووسية فأصبحتْ بألف جناح فهو يبيع ويشتري، يشق البحار والأنهار، يوافق على تجفيف ماء الحياة للمصريين، ويصبح النيلُ في مهب جهله بقيمته حتى لو بنتْ كل الدول الواقعة على مجرىَ النهر الخالد سدودًا قد تنتهي معها آخر قطرة يرتشفها مواطن مع نهاية ولايته الثانية أو الرابعة أو السادسة.
كلما ازداد السيسي وتوغل في عمق جهله ( الشعب شبع من الجوع، وارتوىَ من العطش)، توالدت الأرانب الشعبية حوله، فشعبنا مولـَـع بالجهلاء، والإعلام الذبابي يعرف من أين يمتص القاذورات و.. ينفث التخلف في وجوه المصريين.
عرف السيسي أنَّ التخلي عن الأرض المصرية لا يحتاج لموافقة الشعب، وأن الجزر الاستراتيجية قابلة للبيع، وأن النيل .. هبة السماء لواديــه الجميل لا نقاش في أهميته للمصريين حتى لو أقيم ســَـدُّ النهضة كصَدِّ النهضة، فإثيوبيا تعرف أن القائد المصري الذي عرض بيع نفسه يمكن أن يبيع وطنه وسط تصفيق حاد من الشعب.
وعرف الرجلُ أن تآكل حدود مصر من جهاتها الأربع لن يستثير نخوة الوطنية، إلا من ثلة قليلة ما تزال عاشقة لأرض الكنانة.
وعرف السيسي أن لجنة تقصي الحقائق التي وضعت أمامه وأمام العالم عشرات الصفحات المفصلة عن جرائم الجيش والشرطة والتيارات الدينية وحثالة مبارك لن تحرك مصريا من بيته إلى ميدان التحرير، ولن تأمر النيابة بإعادة محاكمة المجرمين والسفــّـاحين وقناصي العيون( اللجنة تقول بأن شهداء ثورة يناير أكثر من 800 والمصابيين بالآلاف)، وأكثرها قام نظام مبارك بتصفيتهم، فحصل بعد مئة وتسعين ألف صفحة اتهامات ببرائة كافرة لو كان إبليس مكان القضاة لخجل منها.
وخرج المجرمون واحدًا تلو الآخر مع ضمانة سيساوية أن لا يتدخل في إعادة العدالة إلى نصابها، فحتى الحديث عن قضايا الفساد وتعريته تنتهي بالإطاحة بالمستشار الذي كشفها، ثم محاولة قتله عندما أصبح ساعد الفريق سامي عنان في الانتخابات الرئاسية الصورية.
عرف السيسي أن فأرنة الشعب في نهاية اكتمالها، وأنه ليس مثل الطغاة الآخرين الذين يضعون خيالات المآتة في منافسات انتخابية، لكنه يؤمن بــأنه: هل عرفتم من إلـَـهٍ غيري.
عندما تنازل عن تيران وصنافير لم يأبه لأحكام قضائية وخرائط وتاريخ ومؤرخين ومحامين وأدلة ووثائق وشهود وقرائن، فأنا ربكم الأعلىَ!
السيسي يعرف الآن أنه لو وقف يخطب خطبته الجهلاء وبدأها بقولــه: أيها المصريون، يا ولاد الكلب؛ فسيضحك ثلثهم، ويصفق الثلث الثاني، ويصمت من الدهشة أو الرعبِ الثلثُ الثالث.
من حُسْنِ حظ السيسي أنَّ الاخوان المسلمين يدعمونه بمعارضتهم إياه، ويرفعون من شأنه بكراهيتهم له، ويزيدون أتباعه بقنواتهم الفضائية الغثة والفجــّـة والمتطرفة، فيتضاعف خوف المصريين ويلتصقون بحذائه فهو أكثر أمانــًـا من زبيبتهم!
قُدرات السيسي العقلية كارثة بكل المعايير، وكان اختياره موفــَـقــًـا لعلي عبد العال وأحمد أبو الغيط ونجوم الردح في الشاشة الصغيرة حتى يظن الشعب أن من يحكمه عبقري مقارنة بمن اختارهم.
إن التحليل النفسي والعقلي والثقافي والعاطفي والوطني للسيسي قد يؤدي إلى انتحار المحللين والأطباء وعلماء النفس والسياسيين المخضرمين، فالرجل الصفرُ اكتشف أنَّ جعل المصريين أصفارًا هو الجسر الذي يحقق له ضِعْفَ سنوات العُمر فوق رؤوسنا.
أتذكر أنني اتصلت، خلال الثورة، من أوسلو بالثوري الشاب أحمد دومة وكان في ميدان التحرير وحوله ضوضاء وصيحات أجمل وأرقّ من أصوات الملائكة. كنت أريد تشجيعه فردّ عليَّ قائلا: إننا نتدارس كتاباتك فهي تمدّنا بالروح للإطاحة بمبارك.
كان هذا منذ سبع سنوات عندما كان المصريون يقرؤون، ويتأثرون، ويغضبون؛ أما الآن فقد أصبح كل المصريين، إلا من رحم ربي، كُتّابا وصحفيين وإعلاميين وفيسبوكيين لا يقرؤون؛ إنما يكتبون، ويُحصون اللايكات كما يحصي البخيلُ أموالــَـه مساء كل يوم.
عندما انتقل المصريون من القراءة إلى الكتابة حتى لو لطمت روحُ أبي تمام وجهها من هول ذبح المُعجم، ماتت الفروسية وأضحت الفاتحة: السيسي رئيسي، وتخفىَ كارهو جمال حمدان وراء: تحيا مصر، وهم لا يفهمون لها معنىً.
السيسي في أكثر المناطق والمساحات أمنــًــا، فالأحزابُ المهترئة تعشق جهلـَـه، والسلفيون الدواعش يعبدون فكرَه، ومصر العظيمة تم شحنها ضد أبنائها الأوفياء الغاضبين والعاشقين لميدانها وترابها.
وعاد إلىَ الإعلامِ أعفن وأنتن وأقذر وأحطّ إعلاميين مشبوهين وحشـّـاشين ومنافقين وأفــّـاقين وأفـّـاكين ليرسوا الصورة الجديدة التي تليق بعهد الرئيس الواحد الأوحد؛ الذي يرفض حتى سيناريو الانتخابات الشبحية، فالرجل تكّبر، وانتفخ، وتفلسف، ووجد أن كل مفرداته البليدة تستحق التصفيق الحاد.
ومن حُسن حظه أن المصري المثقف الذي تحوّل من الكتاب إلى الكمبيوتر، ومنه إلى الآيفون الصغير لا يستطيع أن يقرأ أكثر من ثلاثة أسطر ويشاهد بعض الصور ويفغر فاه لفيديو كليب، فضمن السيسي مئة عام قادمة، أي خُمْس ما وعد به مرسي مريديه فسقط من المقطم.
المصريون لا يصدّقون أننا جميعا مجرمون، وقتلة، ومفرّطون، وكاذبون في حق وطن، أما الدين فحدّث ولا حرج، فقد أعيد إلى المشهد ليشهد على العبودية المختارة، ويجعل القفا رديفــًـا للمسجد والكنيسة، ويُقزّم الإمام الأكبر و.. بابا الكنيسة أمام أجهل دابة.
المصريون سعداء بعدة كباري وجسور، وعشرات من الطرق الجميلة والمدفوع ثمنها من أموال أحفادنا القادمين لعالم البؤس، ولا أحد يحاسب السيسي على نفقاته في المشروعات والتفريعات والعمولات التي تخيّط شفاه لواءات هم خط الدفاع الثالث عنه.
المصريون يعيشون سنوات الجُبن الجمعي، ويرفضون الحديثَ المكشوف، ويؤيدون رئيسهم قبل أن يرشح نفسه، ويضمنون الأمن والأمان وأموالهم ومساكنهم ووظائفهم، بل إن كثيرين ينسحبون من الصداقات التواصلية، ومن وضع لايك مجهرية لا يراها رجل أمن، فالمستقبل للخائفين، ومن يلعن ثورة حررته تحتضنه وسائل الإعلام التي استعبدته!
السيسي يعرف أن المصريين لن يجازفوا بمطالبات وصيحات في أذنيه أن يفرج عن أبنائهم أو زملاءِ أبنائهم فالقضاء والإعلام ورجال الدين في صفه أو تحت قدميه، وفي السجون مئات أو آلاف أو عشرات الآلاف، فالرجل توحّش، وأصبح غولا يراه الحمقىَ ملاكا أرسله الله لدعمه.
قال لي صديق نرويجي: هل لديكم أموال للعاصمة الجديدة؟ قلت له إنها قروض لتكبيل أحفاد المصريين لمئات الأعوام القادمة، لكنها مهمة لصناعة الصنم القائد البطل حتى لو تسوّلت مصر من السودان وإثيوبيا وإسرائيل.
أنا أعرف تماما أن كتاباتي هذه لم تعد كما كانت في عهد اللعين حسني مبارك، فشجاعة المصريين كانت مختبئة ولا تجد مخرجـًـا، أما الآن فالمصري يكتب لنفسه، ويقرأ خربشاته، ويحمد اللهَ على نعمة الجهل، وينام في أحضان مكبرات الصوت، ويستبدل بدساتير حقوق الإنسان أدعية ضد الثعبان الأقرع، ويأخذ ثقافته الشوارعية من برامج التوك شو المصنوعة في الأمن الوطني.
في كل فترات الاستبداد والانحطاط كان للرئيس المصري هيبة فرعونية، بهتت لعام مرسي الذي جعلها دينية كاذبة، أما في عهد السيسي فتراه مع زعماء الدنيا كأنه الأقل شأنا وقيمة وتقديرًا، حتى لو أخذ معه منافقي الإعلام ليصفقوا له أمام مقر الضيافة أو في المؤتمرات الصحفية كما فعلوا أمام أنجيلا ميركل.
الرئيس الوحيد الذي اشتد في عهده جسد الطائفية، وتعملق، وتعفن، وانقسم الوطن بفضل حزب النور السلفي الحقير إلى أسياد من المسلمين وعبيد من الأقباط، لا يُصافــَـحون ولا يحتلون مواقع المواطنة العادلة والمتساوية.
السيسي هو الرئيس الوحيد الذي لا يملك مشروعا قوميا ووطنيا في العلوم والآداب والثقافة والطب والعلاج والمستشفيات وأوجاع المسنين والنهوض بالتعليم والقضاء على الأمية، لكنه يصنع نفسه في شوارع وطرق ومشروعات بقروض ستكسر ظهر المصري.
عندما أراه في مؤتمراته وندواته الشبابية لا ينقصها إلا أن يخلع حذاءه ويصفع به وجوه المصريين.
خط الدفاع الجاهل والآسن والآثم والمتخلف والطائفي في إعلامه مزّق التاريخ الحديث والقديم، وركــَّـب في الشاشة الصغيرة مفبركي الأخبار، ومزيفي القضايا، فلا تستغرب ولا تتعجب ولا تندهش إذا قال لك إنسان عاقل بأنه يتقيأ عندما يشاهد إعلاميــيــنا.
حتى هذه اللحظة فالسيسي هو المنتصر لنشوتنا في هزيمة أنفسنا، وهو الرئيس اليوم وفي المستقبل فالخوف تمكــَّـن من كل شعيرات جسد المصري.
لم يدر بذهنه قط أنْ يبدأ في عاصمته الجديدة بالمستشفى والجامعة والبحث العلمي، لكنه يعرف أن الدين تخدير مصري بامتياز، والقروش القليلة في جيب الفقير تتجمع من أجل هذا المُخدّر المخيف، فالمصري الأحمق يُفضل مسجدا وكنيسة عن مدرسة ومعهدًا لعلاج السرطان، فنحن في عهد إقامة صلاة الجماعة في المترو، وقريبا فوق أسطح الحافلات والتكاتك!
تمكّن السيسي من نفخ مشاعر الفوقية المواطنية الجوفاء، فبها يصنع البرلمان المهموم بتقنين الغباء، ويترأسه رجل يسعد به الرئيس لأنه أقل منه معرفة، وجعل من قبضته في كل المحافل بـــ ( تحيا مصر ) كأنه نشيد في مدرسة ابتدائية.
السيسي هو النتيجة الطبيعية للتآمر على ثورة يناير، فالمصريون يلعنون أبناءَهم الشجعان، وينسونهم في المعتقلات.
السيسي حالة لم تشهد مصر لها مثيلا، لكن المصريين في عهده هم أيضا حالة لم تعرفها أمُّ الدنيا.
لم يصدق خبل الرجل أن مصريا، حتى لو كان زميله في المجلس العسكري، يمكن أن يقف ندًا له في الانتخابات ويحصل على صوت أو أكثر، ولو كان يضمن صمت العالم لأطلق رصاصة في رأس في كل مرشح آخر في الانتخابات الهزلية الرئاسية.
لو طلب السيسي من الإعلاميين أن يخلعوا سراويلهم ويطرطروا على بعضهم في شاشة التلفزيون، فأنا أكاد أقسم أنَّ واحدًا بالمئة منهم سيرفضون هذه المهانة.
السيسي ضد السيسي في مسرحية عبثية سيُقاد لها الشعب برغبته.
أعرفُ أن واحدًا في الألف سيقرأ مقالي لسطره الأخير، وأقل من الواحد في الألف سيكتشف أنني اتحدث من حنجرته، وأن مقالي أعمق رسالة حب لمصر.
كيف أقنع أبناء شعبي أنني أتحدث بلسانهم؟

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 29 يناير 2018
Taeralshmal@gmail.com



27‏/01‏/2018

البيان والتبيين في أوجاع مصر وأحزان المصريين!



من أرشيفي في 04.03.2007


هل قُدّر لك أن تقع في حب مصرَ سواء كنت مواطناً مصرياً أو زائرا سنويا أو مقيما فوق أرضها الطاهرة وبين شعبها الطيب؟

إن كان جوابك بنعم فقد أحكمت لك العقدة التي لا حل لها، فإذا كنت مصريا فسيطاردك حبك إياها ويستجديك أن تنقذها، أو تحاول تخليصها وهي فريسة تتلوى في مشهد مؤثر وحزين استغرق أكثر من عقدين من الزمان بين ناهب وسارق ومفترس وسادي وقاسٍ وغليظ وقد أجمعوا أمرَهم على اغتيالها، ولو أطــّـلعت على قلوبهم لوليّت منهم فرارا و.. لملئت منهم رعبا.



سترى في المشهد الحزين القاتم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، لكنك لن تستطيع أن تخفي دهشتك عندما تقع عيناك على زاوية صغيرة في مكان قصيّ يتقوقع فيها المثقفون والاعلاميون وضمير الأمة وصحوتها ويقظة الوعي فيها، وهم يرتعشون خوفا وفزعا خشية أن تمتد يدُ القصر الجمهوري بعابدين وتقصف القلم والعمر وأكل العيش.



فيكتبون، وينشرون، ويحللون انتقادا، ويرفضون، ويقدّمون احتجاجاتٍ,،ويرسمون فلاح كفر الهنادوة، ويسخرون من رئيس الوزراء، ويطالبون بمحاكمة الفساد والمفسدين، وبامكانهم الاعتراض على قانون الطاوريء.
في المقابل هناك منطقة محظور الدخول إليها، ومحرّمة الكتابةُ عنها، وممنوعة أحاديث الخوض في مسؤولياتها، وفيها يجلس السيد الرئيس منذ اثنين وعشرين عاما يحميه قانون طواريء، في الحرب وفي السلم، ويسمح له إنْ أراد أن يأمر بالقاء نصف أفراد الشعب وراء جدران معتقلات وادي النطرون والوادي الجديد وطره وأبو زعبل والقلعة وغيرها في طول وعرض وادي النيل الخالد.



لك مطلق الحرية أن تصيح، وترغي، وتزبد، وتبكي دموعا أو دماء، وتشج رأسك في الحائط أو تلقي بنفسك وأسرتك من أحد الجسور أو من فوق برج الجزيرة احتجاجا وغضبا ورفضا، لكن لن يصل صوتك وأصوات سبعين مليونا من المصريين إلى سور حديقة القصر الجمهوري ولو كان يحمل كل آهات وأوجاع وعذابات وأشجان وهموم المصريين كلهم من الاسكندرية إلى حلايب.
لعلك تعثر على مصباح قديم متهالك فتفركه بإبهامك ليخرج منه مارد من الجن يسألك: شبيك لبيك .. عبدك بين ايديك! فتأتيك فكرة طلب يخر له المارد مغشيا عليه لأنه مستحيل أو معجز في عالمي الانس والجن.
ستقول له: دعني أعثر أو يعثر واحد من السبعين مليونا من شعب مصر الطيب على السيد الرئيس حسني مبارك في مكان يحتاج إليه المصريون أكثر من أي موقع آخر.
وتبدأ رحلة شاقة ومثقلة بآلام تنوء عن حملها جبال، وتقلب في ذهنك كل الاحتمالات الواردة التي تجعلك ترى أو تشم ولو رائحة الرئيس أو بصماته أو آثار قدميه بعد زيارة خاطفة لموقع أو حالة أو مكان أو تجمع يتوق أهله لاهتمام السيد الرئيس.



وتبدأ بزيارة مقابر يشارك فيها مليونان أو ثلاثة من الأحياء أمواتهم الطعام والشراب والنوم، فلا تعثر على زيارة أو اهتمام أو اكتراث الرئيس لرعاياه، وفي المقابل يربح ثاني اثنين من أثرياء مصر الجدد في عمليتين منفصلتين من تجارة الفهلوة والاحتكار أربعة مليارات من الجنيهات تكفي لبناء مساكن لرعايا الرئيس من ساكني المقابر في بلد تمتد مساحته فوق مليون كيلومتر مربع.
سكان المقابر ليسوا للأسف الشديد على قائمة اهتمامات فخامته، فهؤلاء لهم رب يحميهم، أما الأثرياء والمليارديرات فتظللهم حماية القصر والأمن والخدم والحشم ويخرج أي منهم من مطار القاهرة الدولي مرفوع الرأس ولو سرق ونهب واختلس وهبر البنك الوطني كله.



وبعد أن تستمع لحكايات ثلاثة ملايين مواطن يقول رؤساء تحرير الصحف القومية أنهم ينعمون في عهد الرئيس مبارك بالحرية والديمقراطية والانجازات العملاقة، يصيبك هبوط حاد فتخرج من المقابر على عجل وتتجه إلى أقسام الشرطة في طول أم الدنيا وعرضها لتكتشف عالما من الجحيم الأرضي مختوم بخاتم رئاسة الدولة وموافقة تامة ورضاء مبهج من الزعيم .
سلطة أمنية سادية تستمد قوتها وسطوتها من موافقة ضمنية أو صريحة من الرئيس لأكثر من عقدين من الزمان، وتؤمن بأن كرامة المواطن المصري ينبغي أن تتساوى مع الجرذان والحشرات وغيرها؛ فيمكن لمأمور قسم الشرطة أن يعلقك في سقف مكتبه، وأن يسلط عليك كلابا من المخبرين تجعلك تلعن يوم مولدك وتتعجل عرس موتك وتفكر مليا فيما ستقوله لرب العزة يوم الحشر، وتصرخ من سوط لاذع فوق ظهرك، وتبكي مع كل كفٍّ غليظ يقع فوق قفاك، ويهددك ضابط الشرطة بالاغتصاب أو الحرق أو بأنه سيضع العصا في فتحة شرجك ويجعلك تنسى اسم أبيك وأمك.



آلاف وآلاف من الحكايات الموثقة بدموع المواطنين وأوراق وملفات كل منظمات حقوق الانسان المصرية والعربية والدولية والتي تصب كلها على مكتب السيد الرئيس، فيزيحها جانبا، وربما يبتسم، ثم يجيء من يهمس في أذنه الكريمة بأن المصريين تعلــّــموا الدرسَ جيدا، وأن الكــُـتّاب والمثقفين والمحامين والاعلاميين والأكاديميين ورجال الدين والدنيا الآن يعرفون أن السلطة لا تمزح، وأن الخوف هو الطريق الآمن للسلامة، وأن الحديث عن مسؤولية السيد الرئيس عن أي خطأ أو فساد أو جريمة أو انتهاكات أو تزييف في الانتخابات من المحرمات المطلقة.
قد تأتيك توجيهات من قسم الشرطة بضرورة الحضور لتسلم جثة أخيك أو والدك أو أحد أعمامك لأن الله توفاه بعد هبوط حاد في قسم الشرطة الذي عامله معاملة كريمة ومهذبة وهو يجلس على مقعد وثير في مكتب سيادة المأمور وأمامه فنجان من القهوة.



تخرج مهرولا من كل أقسام الشرطة ولديك بصيص من أمل أن تجد آثار عدل الرئيس ورحمته في معتقلات الوطن السجن، فيصدمك هذا الكم الهائل من المتهمين والمعتقلين والمسجونين على ذمة تحقيق لم ولن يتم إجراؤه مادام سيادته في سدة الحكم.
ستة عشر ألف سجين رأي وفقا لاحصائيات منظمات حقوق الانسان، وضِعْفهم كما يدّعي خصوم النظام، وهؤلاء يعيشون أمواتا في عالم النسيان، ويحلمون بيوم لا يستطيع قلم أن يصفه لأن هذا يعتبر في عُرف النظام محاولة للاستيلاء على السلطة أو تحريض ضد أمن الدولة أو ..  تعاون مع الأعداء.



ويستمر المثقفون المصريون وضمير الأمة في الابتسام، ويضحكون من الأعماق، ويكتبون عن كل شيء خارج المنطقة المحرمة، ويحصلون على جوائز الابداع، وينتظرون يوم زيارة الرئيس لمعرض الكتاب الدولي عسى أن تدرك أحدَهم بركاتٌ من السماء أو من الأرض تجعله في الصفوف الأولى التي ترضى عنها السلطة، وربما تتفتح أبواب الخير وجنات صاحبة الجلالة السلطة الرابعة فيستقل مع الرئيس طائرة متجهة لزيارة رسمية.
تقفز إلى ذهنك فكرة زيارة خاطفة لبنوك ومصارف أرض الكنانة لعلك تجد فيها مئات المليارات من الأموال التي تأتي لخزانة الدولة من قناة السويس والبترول والسياحة وتحويلات المصريين والمعونات العربية الخليجية والدعم الأمريكي والمساهمات الأوروبية والضرائب، فيصيبك دوار كأنك في مركب يدور في مثلث برمودا، أو أنك في قصر أحد الأثرياء عقب زيارة قام بها آلاف المشرَدين والجوعى والصعاليك وقد جعلوا عاليه سافله.



صف طويل بطول اثنين وعشرين عاما من النهــّـابين والنصابين والمحتالين وأباطرة الكيف والمخدرات وعباقرة الهبـْـر والسرقة ومحترفي الاجرام المالي والمصرفي ينتظر كل منهم دوره ليستولي على أموال الشعب في صورة مشروع استثماري أو قرض لتعمير أرض أو بناء قرية سياحية أو الحصول على توكيل سيارات أو هاتف محمول.
أما الضمانات فهي لا تخرج عن مثلث كلمة الشرف وأوراق مزيفة وأصول مشروع وهمي مع تحبيشة من ديكور ما قبل النهب مثل اتصال هاتفي من مسؤول كبير، أو سيارة مرسيدس في الانتظار خارج المصرف أو دعوة لسهرة حمراء تكمل برستيج خبطة العمر، وبعد ذلك ينفتح باب كبار الزوار في مطار القاهرة الدولي، ويخرج السيد اللص مصحوبا بدعوات السلامة.



يصيبك غمٌّ وغثيان وقرف شديد فتخرج مُسرعا من بيوت أموال المصريين المُسمّاة مصارف وبنوك وطنية قد يتبجح مدير أكثرها نهبا بتعليق صورة طلعت حرب فوق مكتبه، ويقابلك في الطريق شخص أمي في مقتبل العمر فتظن أنه حالة نادرة لأن الأمية وصمةُ عار في جبين أي سلطة، وتبحث في كل أرجاء وأركان وأوجاع الوطن فلا تعثر إلا على توجيهات حديثة وغير حماسية من الرئيس عن ضرورة محو الأمية وذلك بعد أكثر من عشرين عاما من السُبات والاهمال المتعمد لأكبر وأخطر مشكلة قومية كانت و لاتزال تأكل الحرث والنسل والخير، وتضع أم الحضارات في ذيل قائمة الدول المهتمة بتعليم نصف سكانها القراءة والكتابة.
منذ عدة سنوات أوحى الرئيس لصحافة السلطة بأنه يعتزم الاعتكاف لمدة شهر كامل في برج العرب للتأمل قبل تشكيل حكومة وطنية كأنها كتيبة من المقاتلين الأشداء.
وبعد ثلاثين يوما من الانتظار ودغدغة مشاعر الجماهير وتنجيم الصحفيين واشتغال أكثرهم بالعمل كعرَّافين لدىَ ساحر يُعلــّـمهم السحر, ويُمنــّـيهم، ويُخَدّر الجماهير؛ خرج التشكيل الوزاري كأنه دينامو عاطل يكبحه تسعة عشر وزيرا من الفاشلين أعاد الرئيسُ اختيارهم بعد شهر من التأمل!



في مصر الحبيبة يمنع الرئيس الابداع والعبقرية من تسلم مواقعها لخدمة الوطن الجريح, فإذا أحسنت الدكتورة منى مكرم عبيد والدكتور أحمد الجويلي والدكتور اسماعيل سلام واللواء أحمد رشدي والمشير أبو غزالة والدكتور ماهر مهران( رحمه الله ) وغيرهم وقدّموا عبقريتهم وجهدهم وعرقهم واخلاصهم؛ فإن الوطن سيركلهم، وسيجلسون في بيوتهم بصحبة دموع دافئة على بلد تتم في كل يوم محاولات اغتياله.
أما إذا فشل الاعلام المصري وتحولت عزبة ماسبيرو إلى أكثر مواقع الفساد العفن والرشوة والمحسوبية فالرئيس لا يتأخر في مد خدمة وزير الاعلام ومنحه مزيدا من الصلاحيات وأمانة الحزب الوطني ويقف على يمينه في كل المناسبات الرسمية والشعبية.



وإذا تحولت السياحة لأجمل بقاع الأرض وأكثرها كثافة بكنوز التاريخ والبحر والسحر والجمال والشمس والشعب الطيب إلى ثقافة التسوّل السياحي وتشويه صورة مصر والاحتيال علىَ الزائرين والسياح ورفع الأسعار في كل المدن والقرى السياحية أضعافا مضاعفة والتمييز بين المواطن والسائح وترك اللصوص من الجَمّالين إلى البائعين لرسم مشهد غير صحيح عن شعبنا الكريم، فإن وزير السياحة سيظل في موقعه لا يبرحه مادام الرئيس في ولايته.
كل الأشياء تخضع لقوانين السبب والمسبب باستثناء منهج اختيار رجال الرئيس حسني مبارك.



قد تعرض قبض روحك مقابل معرفة أوجه العبقرية في فكر الرئيس لدىَ اختياره رجاله أو الاحتفاظ بقديمهم أو الثناء على أكثرهم فشلا فلا تعثر بالسر ولكن بروح وطن يتفكك، ويتألم، ويتعذب وسط قهقهة عالية تُبكي السماوات السبع والأرض وما بينهما يطلقها آلاف المثقفين والكــُـتــَّـاب والأكاديميين والعلماء والاعلاميين وهم يتركونك بمفردك، أو يطلبون منك الصمت، أو ينصحونك بالسكوت، أو يُلقون على مسامعك تجاربهم الخائبة في الرفض والتي انتهت إلى قبول الأمر الواقع حتى يأتي أمر الله أو ينزل على مصرنا ملائكة مُسوّمين يحققون أحلام رعايا يمشون بجانب الحائط خشية أن تسمع السلطة وقع أقدامهم.



عندما حققت شركة مصر للطيران أعلى معدلات الفشل والخدمات السيئة وتراكمت على مكتب الرئيس آلاف الشكاوى، كان يجدد في كل عام لرئيس مجلس ادارتها المهندس فهيم الريان( رئيس مجلس الادارة السابق ) ، فالفشل ليس مقياسا لترك الموقع في فكر فخامته.
طوال ثلاثة عشر عاما كاد طوب الأرض يشكو الرئيس من محافظ الاسكندرية السابق المستشار اسماعيل الجوسقي، وذرف محمود السعدني والدكتور عبد العظيم رمضان والمرحوم سعد الدين وهبة وعشرات غيرهم الدموع في مقالات موثقة عن انهيار عروس البحر المتوسط، وكان الرئيس يزيحها جانبا، أو يبتسم ابتسامة ذات معنى لا يفهمها إلا من أوتي الحكمة أو تملــّـكه حب مصر.
لو تم جمع التحقيقات والوثائق والشكاوى والحقائق التي تم نشرها عن الدكتور يوسف والي لفاقت جبل موسى علوا ، أو غطت على كل شبر من الوطن المعذب، لكن الرجل يتمتع بحماية كاملة من الرئيس حتى لو سقط نائبه يوسف عبد الرحمن في حملات التصفية الداخلية لمراكز قوى الحزب الوطني.
يمكنك أن تفهم النظرية النسبية لاينشتاين، لكنك تعجز عن فهم سبب واحد لاحتفاظ الرئيس سنوات طويلة بكمال الشاذلي!



الشباب والعباقرة والمبدعون الذين تستطيع مصر العظيمة أن تمدّ الرئيس بآلاف منهم قبل طلوع شمس كل يوم وقبل غروبها ومن بعد صلاة العشاء ليس لهم مكان في أي ولاية من ولايات فخامته الأربع أو الخمس، فهم ممنوعون من الاعلام والحقائب الوزارية والادارات الكبرى ومؤسسات الدولة والمصارف الوطنية ومراكز القيادة ووصف الدواء لأمراض الوطن.
عندما خرج اللصوص بمئتي مليار جنيه من أموال الشعب المطحون لم يعاقب منهم إلا قلة نادرة لذر الرماد في العيون، وتم عرض توفيق الأوضاع على الهاربين مقابل استعادة الجزء الأكبر من الأموال المنهوبة شريطة عدم محاكمة المجرمين.
في المنطقة المُحَرَّمة لا تستطيع أن تعرف حجم ديون مصر، ولا تفهم سببا لارتفاع أعداد مدمني المخدرات لثلاثة ملايين روح مدمرة، وتعجز عن تخيل عالم الأثرياء الجدد الذين يحسدهم بيل جيتس كما يحسدهم أقل من سبعين مليونا من ساكني الأرض الطيبة والصابرة، ولا تسأل عن سبب عدم طرح الرئيس على أصدقائه في ألمانيا وايطاليا وبريطانيا مشروع نزع ألغام العلمين، ولماذا يرفض الرئيس فكرة عدم بيع البترول للاسرائيليين الذين يستخدمونه في تسيير آلة الحرب القذرة ضد الشعب الفلسطيني، ومن الذي وضع ثلاثة وثلاثين من كبار ضباط وخبراء الدولة في طائرة تسقط بهم من سماء الولايات المتحدة دون حساب أو عقاب؟ ومتى ينتهي العمل بقانون الطوارىء، وما هي مسؤوليات الرئيس عن تدهور أحوال الوطن، واقتصاده، والزمن الأغبر الحزين الذي تمَّتْ صناعته في عهده، واسوأ إدارة صنعها حُكْم منذ قرن من الزمان، وأسباب رضا الرئيس عن انتهاكات حقوق الانسان.



وفي المنطقة المُحرّمة ستجد مئة ألف أو يزيد أو ينقص من حكايات وكوارث وتحقيقات موثقة عن فساد وعذابات لا حصر لها ونهب أراض وعقارات وانحدار سلوكي واخلاقي وصناعة إعلام راقص متخلف يقوده أبناء عواجيز ماسبيرو وتحذيرات لانهيار دولة وتطرف ديني وتمييز دولة بين شركاء الوطن من المسلمين والمسيحيين ودموع مليون قبطي مصري في المهجر غادروا مصر وفي قلوبهم حسرات وشكاوى مُرّة من ظلم الدولة والسلطة وجماعات الغلو الديني والاعلام المنحاز.
في المنطقة المحرمة يجلس السيد الرئيس ويرفض رفضا قاطعا عرض ملفات رجاله وحاشيته وأقاربه ومعارفه ووزرائه على أجهزة المخابرات ومباحث أمن الدولة، كما تفعل كل الدول المتقدمة، بل تتم تشويه صورة جهازنا الوطني الأمني فيبدو كأنه عدو للشعب، وممارس للتعذيب، ومطارد للوطنيين، وكاتم أنفاس الأحرار.



وهذا غير صحيح بالمرة، وصورة كاذبة لجهاز وطني يرغب في التلاحم مع الشعب، ومحاربه أعدائه، والتفرغ لحمايته، ومراقبة خصومه، لكن الرئيس يُفضّل تحجيم وتقزيم وتصغير دور أرقى وأعلى وأشرف الأجهزة الأمنية، فيجعل من رئيس المخابرات وسيطا بين العدو الصهيوني وسلطة وطنية مشبوهة، ويرسل لواءات الأمن في أهم فترات عطائهم للوطن إلى التقاعد، ويجعل وزير الدفاع يسير خلفه في المناسبات غير الهامة والحفلات، ويرفض، كما أسلفنا، إعطاء مباحث أمن الدولة دورها الوطني المفترض أن تقوم به وفي المقدمة فتح ملفات كل رجال الدولة الكبار والوزراء والمحافظين ووكلاء الوزارات وأقارب الرئيس حتى لو كانت أسرته الكريمة.
كل ذلك قطرة في محيط من الانتكاسات والهزائم والدموع والصمت الذي يلوذ به المصريون انتظارا للملائكة التي ستهبط وتنقذ شعبنا الأسير.



قد يقرأ مقالي هذا آلاف من المصريين الموجوعين مثلي، والعاشقين أكثر مني لهذا الوطن الطيب، لكن الرسائل التي ستصلني لن تزيد عن سبع، منها ثلاث تشدّ على يدي، ومثلها تتهمني بأنني أعَرّي الوطن وأشوّه صورته، والسابعة ينصحني صاحبها بالصمت لأن اليأس هو الخلاص الوحيد في مصر.
ولن تصلني رسالة واحدة من مصر خشية أن يكون البريد الالكتروني مراقَبــًــا، أو إيمانا من الزملاء المثقفين والاعلاميين بأن الكتابة عملية عبثية لن تُغيّر من الحُكم شيئا.
إننا نُحَمّل السيد الرئيس حسني مبارك وحده المسؤولية كاملة عما حدث لمصر منذ توليــّــه الحُكم، أما الآخرون فجموعة من الأصفار التي لا تهز شعرة في كيان الوطن، ولا تحرّك ورقة من مكانها دون إذْنٍ الرئيس، ولا يُسجَن مواطن أو يُعذَب أو يُقتل بغير رضا فخامته.


والرئيس يعرف أنه يحكم أكبر بلد عربي قادر على امداد الحُكم بعباقرة في كل المجالات، وشرفاء مخلصين لحماية مكتسبات ومنجزات أي سلطة، لكنه يرفض عرض الوطن ويفضل رجاله فهم يحمونه وتظللهم حمايته.

لأول مرة في التاريخ يرفض شعب بكامله حقوقه، ويتنازل عنها طواعية، ويصنع الخوف من اشباح، ويمارس قتل أي معارض بالصمت والسكوت.
في داخلي كمية من الغضب والحزن والوجع تكفي لمجرى طوفان لا يُـبـقي ولا يذر، وفي المقابل يمارس المفترَض فيهم أنهم ضمير الوطن دور الصامت المتأمل والذي ينتظر معجزة من السماء قد لا تأتي قبل أن يتم تفريغُ مصر العظيمة من كل كنوزها المادية والروحية والفكرية والثقافية وقبل كل شيء قيمة التسامح الكبرى.
أيها المصريون: ألم يأن الوقت لتقبيل جبين الوطن والدفاع عن ترابه الطاهر؟
وسلام الله على أم الدنيا.

محمد عبد المجيد
 طائر الشمال
أوسلو النرويج

04.03.2007
Taeralshmal@gmail.com



لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...