حديث عن الذئاب المتدينة!
مجلة عربية حرة ومستقلة. صدر عددها الأول الورقي بالعاصمة النرويجية أوسلو في يونيو 1984 الناشر رئيس التحرير المسؤول: محمد عبد المجيد. عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين صدر للكاتب عشرون كتابـًـا جميع المراسلات توجه إلى Taeralshmal@gmail.com
05/12/2020
حديث عن الذئاب المتدينة!
24/10/2020
مقطع من يوميات منتقبة!
23/10/2020
لكنني لا أعرف هذا الإلــــَـه!
لكنني لا أعرف هذا الإلــــَـه!
حاولت ما وسعني الجهد أن أعثر على قواسم مشتركة بين الله، العزيز الوهاب، الذي أعبده، وأحبه، وأثق في رحمته، ويغمرني نوره، ويصفح عن أخطائي، ويغفر لي ذنوبي، ويــُــعـِـد لي مكانا في ملكوته، وبين إلــَــهٍ آخر يعبدونه، ويقولون بأنه يُعِدّ لكل منهم اثنتين وسبعين حورية في الجنة إذا فجّر سيارة في مدرسة للتلاميذ، أو ذبح أطفالا في صالة الألعاب الرياضية، أو قتل رجال أمن في الرياض أو بغداد أو جدة أو وهران أو الدار البيضاء؛ أو قام بتكفير مسلم لأنه يختلف معه فكريا وثقافيا، أو يطالب بتفريق مسلم عن زوجته، أو لا يَرُدّ السلام على جاره غير المسلم، أو يدعو الله بأن يهلك وينزل غضبه وسخطه وعذابه على الآخرين.
إلـَهي يقول لي على لسان نبيه الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، والله لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون الله فيغفر لهم، وهو، جل شأنه، يجد لي سبعين عذرا لذنب واحد، أما إلههم فيجد لهم سبعين ذنبا لهفوة صغيرة سقطت سهوا، ويعد عذاب القبر قبل عذاب يوم القيامة، فهو لا ينتظر يوم الحشر، ويرسل ثعبانا أقرع يدس نابه السام في المُذنب، ويظل ابن آدم يتلقى كل صنوف العذاب قبل أن يُعرَض على نار تلــَـظىَ، لكن إلهي، الغفور الرحيم المتسامح الجميل فيؤكد لي في كتابه العزيز بأن ( كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا).
إلهي يُعلـّمني بأن المدخل إلى عبادته يبدأ بفهم عميق، واستيعاب للقيمة التي تحملها كلمة (الله أكبر)، فهو، الغفور الرحيم، أكبر من كل الصغائر، وما خلق السماوات والأرض وما بينهما عبثا، وأن حساب يوم القيامة يتناسب ويتوازن ويتناغم ويتلائم مع القيمة العظيمة للإيمان بأنه، تعالى عما يصفون، أكبر من كل التصورات البشرية التي تحول عن جهل وحماقة وغباء وتخلف التعامل مع خالق الكون من منظور لا يقدر ولا يحترم مفهوم العبودية لإلـــَــه أكبر من كل شيء.
أما إلههم فغريب عني تماما، ينتظر بصبر نافد كل صغيرة وهفوة وخطأ غير منظور ليكبّره، ويضخّمه، وينفخ فيه فيتحول إلى كارثة، ويصبح ذنبا لا قــِبــَل لبشر على محوه، وهو إلــَـه يكره الحرية، ويحدد للبشر كل خطوة، وكلمة، وعبادة، وهو يبغض المرأة ويؤكد لهم أن أكثر أهل النار من النساء، ويطلب منهم تغطية وجهها، وقبرها في البيت، ورفض كل حقوقها الانسانية أو أكثرها فهي لا تشهد، ولا تحكم، ولا يستشيرها رجال الأمة، وهي عورة كلها لا يراها الرجل أو يسمعها أو يشم رائحتها إلا تُحسب له عند هذا الإلــَـه ذنوبًـا تتكاثر كتكاثر الجراد في أفريقيا.
إلــَـهي يحب أن يراني سعيدا، مبتهجا، مغتبطا، متأملا في قطعة موسيقية رقيقة تدلف إلى مشاعر راقية فهو، جل شأنه، خالق تلك المشاعر، وصانع الأحاسيس، ويحب أن يراني متمتعا بها، مقدّرا عظمة خــَـلقه.
أما إلـَـههم فلا يبتسم، ويغضب ليلا ونهارا، ويحاسبهم على أُذُنٍ التقطت نغمة موسيقية، وأرسلت للقلب اشارات مبهجة، وانتعش الفؤاد لها، واستقبل العقل كل تلك الأشياء الرائعة ليتأمل بعد ذلك في خلق الله، ويفهم قوله، عز وجل، هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه.
وهو، أي إلــَــهُهم، يتوعد رجالـَهم بنار تقول هل من مزيد إذا رأى الرجل وجه امرأة قد تكون ابنة عمه، أو جارته، أو زميلته، أو رفيقه نضاله في الدفاع عن حقوق البشر، وهو لا يكتفي باخفاء معجزة المعجزات، أي الوجه الذي وضع الله فيه العينين والأذن والفم، وجعله مرآة عاكسة لمشاعر تَبين الحزنَ والفرح والغضب والكراهية والمحبة والطيبة والشر والرفض والتمرد والقبول والايمان والكذب والصدق وآلافا أخرى مما لا يستطيع قلم وصفه، أو ريشة رسمَه، أما إلـَهي فأكبر من هذا، وربما يغضب علي إذا ربطت ايماني بيقيني أن خالق الكون العظيم ليس أكبر، لكنه أصغر فأتخيله وأتصوره في ملكوته الأعلى يضع في ميزان سيئاتي رؤية وجه امرأة.
إلهي خلق الناس شعوبا وقبائل لنتعارف، وأرسل أنبياء ورسلا، وقال لي ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ). إنه إلــَــه لا يقبل عبادة تحت السيف، ولا صلاة من الخائفين من حبل المشنقة، ولا دعاء من غير الأحرار القادرين على الذهاب بمفردهم، والتوجه لوجه الله العلي القدير، يعبدونه أحرارا، ويشهدونه أنهم لم يذهبوا إلى المسجد خوفا من عصا المطاوعة، أو تكفير زملاء العمل لهم، أو احتقار المعارف والجيران، أو الضغوطات الشديدة من المجتمع.
قيمة العبادة تكمن في الحرية ( فألهمها فجورَها وتقواها )، وأنا أعبد الله لأنني حُرّ، أما إلههم فلا مفر من السوط فوق الظهر، والخوف من الناس، والطمع في النجاة من جحيم ســعــَـر، لوّاحة للبشر، وهو يرهقهم في مئات الصور من العبادة اليومية والأدعية الاكليشية المُعَدَّة سلفا، وهم يتقربون إليه بترك العمل والأسرة والأطفال لأداء الصلاة والسُنّة والنوافل والتراويح والقيام والأحاديث والخطب والانتظار في المسجد حتى يؤذَن لصلاة أخرى، أما إلهي فيطلب مني الصلاة خمس مرات في سبع عشرة ركعة، وما زاد على ذلك فهو مني شريطة أن لا أسرق من وقت زوجتي وأولادي دقيقة واحدة، وهو لا يقبل صلاتي إنْ كنت في العمل وتركت عجوزا أو أرملة أو صاحب حاجة ملحة ينتظر مرهقا ومتعبا حتى أعود إليه من صلاتي.
إلههم لا يرحم، وهم لا يثقون به، وقد قرأت لفتاة مسلمة سؤالا تطلب فيه فتوى عن بعض الصلوات التي فاتتها وهي صغيرة في العمر، ومَرَّتْ سنوات وهي ملتزمة، لكنها تريد أن تعرف كيفية حسابِها عدّاً .. وحسابها عند الله.
إنها نموذج لنفس الفكر الذي فرَّخ أناساً لا يثقون برحمة ربهم، ويتصورونه منتظراً إياهم ليحاسب حساب السيّافين، وقاطعي الرؤوس، وإلا فكيف لمسلمةٍ تعبد اللهَ سنواتٍ طويلةً ثم تداخلها شكوك بأنَّ هذا المعبودَ ينتظر حقه في عدة ركعات فاتتها وهي صغيرة.
أما إلــَهي فبسيط غاية البساطة، ولو أخطأت، وأذنبت مئة مرة في اليوم ومثلهم في الليل، واستغفرته فأجده غفوراً رحيماً قبل أنْ أنتهي من دعائي، وهو، عز وجل، يمنحني ايمانا به، وبعزته، وجلاله، ورحمته التي وسعت كل شيء.
إلهُهم يُميــّـز بين البشر، ويطلب منهم، أو هم يتخيلون أنه يطلب منهم، مقاتلة غير المسلمين، واحتقارَهم، وعدمَ الردِّ على تحيتهم بالسلام، وجعلهم أقل قيمة ومنصبا، ومركزاً، ووظيفة من المسلم، بل أكثرهم يعتبرون غيرَ المسلمين نجساً قد يلوث طهارتَهم، وأرسل أحدهم يستفتي في صديق مسيحي زاره في منزلــِه عندما كان مريضاً، وجلس على طرف الفراش يشدّ من أزر المسلم، فما كان من المريض إلا أنْ أرسل يستفتي في نجاسة الفراش!
أما إلهي فيجعلني على قَدَمِ المساواة مع خَلــْـقِه كلهم، وهو يقول لي (ولقد كرمنا بين آدم)، ولا يجعلني رقيباً أو حسيباً، أو سيّافاً يقطع رؤوسَ المخالفين.
إلههم منشغل بقضايا المسلمين، وسيحاسبهم على اللحية، وطول الجلباب، وأدعية الشيطان، أي الموسيقى، وسيُدخل قاعَ الجحيم من لا يمسح على عقبيه جيداً بالماء عندما يتوضأ، وسيحسب عليهم سيئة بعشر أمثالها لمن لا يدخل بيته بقدمه اليمنى، ويأكل بها، ويغمز الذبابة في طعامه.
أما إلهي فهو رب كل الكون، وهو يحب الطيبين والمسالمين الذين يساعدون الآخرين، ويتأملون في الكون، ويتألمون لعذابات غيرهم، ويبحثون عن الحقيقة، وهو مع المسلمين والمسيحيين والبوذيين والكونفشيوس ومن لا دين لهم، ومن يسيرون في الأرض في رحلة البحث عن الله حتى لو استغرقتْ العمرَ كلــَّــه فلم يجدوه؛ فربما يشرق عليهم نورُ الله يوم القيامة.
إلهُهم يَعِدْهُم ببيت لكل منهم، وحريم، وحور عين، وفحولة جنسية، وكَسَل في الجنة، وأكل، وشرابٍ، ونومٍ في مقابل كراهية، وبغضاء، وقــَـتــْل، وتدمير، وتكفير، ورفع دعاوى ضد الآخرين، وتحريم الموسيقى، والجمال، والفنون، والعقل، والاجتهاد، والغناء، والفلسفة، وقص اللحية، وإطالة الثوب، والفصل التام بين أبناء وبنات آدم وحواء.
أما إلــَـهي فيطلب مني الثقة بأنَّ (الله أكبر)، ويُحرّم الكراهية، والبغضاءَ، وقتلَ الأبرياء، واختطافَ الضعفاء، واعتبار المسلمين أرفع خلق الله، لكنه، تعالى عما يصفون، يقول لي بأن (أكرمكم عند الله أتقاكم) و التقوى كما شرحها نبيه الكريم مشيرا إلى قلبه.. التقوى ها هنا.
أكثر الناس يظنون أنها قضية فهم أعوج للاسلام، وأن المطلوب إعادة شرح مفاهيم الدين بأسلوب حديث ومنطق سليم، لكن الحقيقة غير ذلك تماما؛ فقد فهم المسلمون في كل العصور الاسلامَ وطبّقوا تعاليمه وحفظوا كتاب الله العزيز، ومع ذلك تم رفع المصاحف فوق السيوف، وجاء طواغيتٌ، ومستبدون، وقــَـتــَـلــَة يحكمون باسم الدين؛ وكل منهم يَدّعي فهمه للاسلام وسيظل هذا التجاوز قائماً ما لم نتوجه جميعاً إلى إلــَــه واحد، مشتركين في تصور جماعي بعيداً عن أي تفسيرات أخرى يتم ليُّ عُنــُقِها من النصّ المقدس، وبسطها في خدمة التخلف الذهني، والقسوة البالغة، والكراهية البغيضة، والغاء الآخر.
عندما تكتظ السجون في عالمنا العربي بآلاف من البشر المسحوقين ويخضعون لصنوف من التعذيب لا يتحملها إنس ولا جان، فإن الدين هنا لن يخفف من قسوة السجّان، ولن يقنع الطاغية بأنه ارهابي، ولكن شيئا واحدا يمنح الناس السكينة والسلام، ولا يقبل تأويلاً أو سيفا داخل نصٍّ مقدس، أو دماء بين شفتي فتوى عالم، إنه التصور المشترك لإلــَــه واحد متسامح، جميل، مشرق، لا يقبل قُربانا من البشر، ولا يُدْخِل في رحمته قتلة وسفّاكي دماء و.. خاطفى أطفال.
سيقول قائل بأننا وإياهم نعبد نفس الإلــَه لكن من زوايا مختلفة، وأن الحق متعدد الجوانب، وأن الفكر الاسلامي مليء بالتيارات المتصارعة، والمتصالحة، ولا ينبغي تضخيم قضية الألوهية على حساب القاسم المشترك .. أي الدين الإسلامي.
وهنا أجدني على الطرف النقيض الآخر لهذا الفهم الذي يحاول المصالحة بين القاتل والقتيل مساوياً بينهما في لغة عبثية غير قادرة على مواجهة الواقع الأليم.
الله .. جل شأنه، تحدد صورَته في الذهن أفكارٌ وثقافة وإيمان وممارسات حياتية وقناعة شخصية واستجابة لما يظن المؤمن أنها أوامر وتوجيهات ومُسَلــَّـمات لا تخرج كلها عن نطاق التصور الانساني لذلك الإلــَه.
قالت لي إحداهن بأنها تقاطع غيرَ المسلمين، ولو احتاجتْ لدواء عاجل لابنها وكان الصيدلي مسيحياً فهي لن تتنازل عن طاعة الله من أجل شفاء ابنــِـها( أي فليمُت ابنــُـها في سبيل طاعة هذا الإلــَـه).
هل هذا فهم سقيم للاسلام؟
إنني أعترض على مصالحة الوردة والسيف، أو عبق الزهور مع رائحة الموت، أو ابتسامة طفل مع أشلاء مبعثرة لجسد تلميذ، فهذا ليس اجتهاداً، أو فهماً مخالفا، أو رؤية من زاوية مضادة، لكنه تصور حقيقي وواقعي وملموس وممارس لإلــَــهٍ آخر لا أعرفه، ولا أتوجه إليه في صلاتي، ونُسُكي، ومحياي، ومماتي؛ إنهم أوفياء مطيعون لإلههم، ومؤمنون بأن القتل وسفك الدماء وقطع فروة الرأس وتكفير المخالفين وتكبيل الحريات وايقاف الاجتهاد ومعاداة العقل ومخاصمة الجمال واستعداء الآخرين على الموسيقى والغناء والفكر والمنطق وحقوق الانسان وقبول الآخر كلها تَسُرّ، وتُسْعِد، وتغبط هذا الإلــَـه الذي سيمنح أدناهم مرتبة عشرات من الحور العين تعود لكل منهن عذريتها فور الانتهاء من ممارسة الجِماع.
إنه الوفاء للتصور الكامل لهذا الإلــَه الذي لا أعرفه، لذا لم يكن غريبا أن يتوجه الانتقام للضعاف والنساء والأطفال، أما إلــَهي فهو إلــَه الأحرار البررة الذي يقبل مني العبادة في عشرات الصور والمشاهد اليومية ولو كانت خروجاً في مظاهرة للدفاع عن حقوق الآخرين، أو رفض الطغيان والاستبداد، واعتبار قيم التسامح والقبول والمحبة والرحمة والمودة بغير تمييز هي التي تحدد مسبقا المنتهى الأخروي للمؤمن.
إلههم يُكَمّم الأفواه، ويسجن المشاعر الجميلة، ويكبت الأحاسيس، ويكره الحب، ولا يرى الكونَ كله إلا من خلال تعليمات صارمة تصب كلها أو أكثرها لصالح الذكور في مواجهة ضعف الإناث، وهو يتدخل في أدق خصوصيات البشر الذين خلقهم، ولا يستطيع أي منهم أن يفلت بحريته في مأكل أو ملبس أو جِماع أو قضاء حاجة أو ابتسامة أو عبادة أو لهو بريء أو تعَلــُّــم وتعليم أو حُكْم وشهادة، وهو يصنع الإنسانَ الدُمية، المتبلد المشاعر، والكاره للآخرين والباحث عن المتعة والشهوة واللذة والكسل وبيت طوله ألف عام في جنة لا يدخلها إلا ملتحٍ، أو منـقبة، أو من يبغض، ويمقت الحياة الدنيا وزينتها.
وإلههم يغلق العقل بالأصفاد والأقفال والطقوس ومن يرى أن له حقا في الاجتهاد والحرية فروحُه أقل قيمة من روح حشرة، وسيخرج مجاهدٌ يطلق عليه رصاصة أو يفجّر سيارة أمام بيته أو يذبحه كما يذبح الجزار الشاة الضعيفة وهي تتلوىَ فلا يدري المرء إن كانت بين أنياب ذئب أو مخالب أسد جائع.
أما إلهي فيمنحني أقصى درجات الحرية ليصبح ركوعي وسجودي اختيارا صادقا وعميقا ويقينيا متحديا كل وساوس الشيطان، فإبليس يخشى الأحرار، ويخاف انفتاح العقل، وينهزم أمام عشاق التسامح والمحبة.
وإلهي يؤكد لي بأن من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناسَ جميعا، وهو إلــَـهٌ لا يحب المعتدين، ويرى أن نوره العلوي القدسي سيشرق في عيون المتسامحين فقط.
أما الإرهاب والتطرف والتزمت والتشدد وعالم الخوف الذي صنعه الطغاة الصغار القادمون من نتن رائحة القبور وعفن النفوس فهو لم يكن ولن يكون نتيجة توصل إليها مثقفون وقراء وعلماء ومجتهدون يقارنون بين نصوص مقدسة وأحاديث نبوية وتراث ديني وفتاوى علماء، لكنه نتيجة طبيعية للتوجه لإلــَــهٍ آخر صنعوه، فعبدوه، وهو في مخيلتهم وتصورهم ويقينهم يكافيء على الضغينة، ويُسكن جنته الكذابين والمنافقين والأشرار، ويكدّسها باللذة والمتعة والشهوات.
إلههم مزيف، غير طبيعي، يماثلهم في كراهية العقل، وعشق القبح، والنفور من الجمال، والتلذذ بالقيود الصارمة، وهو يصنع الصراعات والحروب وأدوات الفتك والقتل، ولم يكن يوما واحدا في أدبياتهم مهموما بالسجون والمعتقلات وعذابات الأبرياء واغتصاب السلطة وتزوير الانتخابات وتزييف إرادة الأمة واستعباد أفراد الشعب، أما إلهي فهو معي، يشدّ من أزري، ويمنحني القوة والإيمان والثقة به، ويغفر لي أخطاء وذنوبا لو حملها جبل لرأيته متصدعا ومتشققا.
إننا وَهُمّ في خطــّين متوازيين لا يلتقيان ما لم نعبد إلــَهاً واحداً، أكبر من كل الصغائر، وأعظم من التصورات الساذجة، والحمقاء، والعمياء التي صنعت كل صنوفَ الشَرِّ، ورفضتْ قبول اجتهاد العقل، وحصَرَت جنة الخلد في الملذات لقاتلي الأبرياء، وجعلت العزيز الوهاب لا يغادر عالم المسلمين إلى كل خلقه من البشر.
التفسيرات الدينية والخُطب والكُتُب ومحاولات التقريب بين الأفكار في مصالحة وقتية لن تضع حلاً لعالم يتخبط في حيرته، ويسقط صرعى التعصب الديني عشرات الآلاف من أكرم خلق الله.. الإنسان.
عندما يكتشف المهووسون بالجنس والعنف والقتل والحَجْر على العقل وعشــّاق النصوص الصفراء وعبدة الموتى من علماء القرون الأولى أنهم يعبدون إلــَهاً آخر صنعته تصوراتهم المريضة فإن اشراقة نور سلام قادم تكون قد ظهرت في الأفق.
ولن يكتشف المسلم طريقه إلى الإلــَه الحق إلا أن يستخدم رخصة منحها له الواحد الأحد مع الروح التي أودعها جسدَه، أعني العقل والاجتهاد والحرية المطلقة التي تبحث عن الحقيقة في رحلة الحياة.
لست على استعداد للمقايضة أو المصالحة أو الالتقاء في وسط الطريق لعلي أوفق بين الهي وإلههم، فهم سيّافون، مصاصو دماء، قتلة ولو لم يزهق أحدهم روح آخر، أما إلهي .. ذلك الرب العظيم فهو كان وسيظل دائما الأكبر.
إنه يمنحني السكينة، ويغفر لي، ويقبل اجتهادي في فهم الاسلام الحنيف، ويرضىَ عن عبادتي إياه كما توصل إليها عقلي واطمأن فؤادي.
ومن خلال الصورة الرائعة الجميلة المتسامحة انشرح صدري لكلمات القرآن المجيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
أحببت الاسلام الحنيف وتعاليمَه السمحاء وكلماته المقدسة في كتاب الله العزيز، وميّزت في سُنّة نبيه، صلوات الله وسلامه عليه، بين ما وافق الوحي وما يشك عقلي أنه صادر عن خاتم المرسلين والأنبياء.
والله لن ينحاز يوم القيامة للمسلمين فقط، لكنه سينظر في القلوب التي هي في الصدور، وسيُدخل ملكوته أكثر خلقه الذين أكرمهم ونعــَّـمهم وفضّلهم على كثير ممن خلق تفضيلا؛ فهوية الفرقة الناجية قلب سليم.
الله أكبر ليست صيحة تكبير أمام بريء تم اختطافه عنوة وهو في طريق العودة لأولاده، وهي ليست تبريرا للاعتداء على حريات الآخرين، وليست مفتاحا لجنة الخلد يمنحه أمراء الدم لشاربيه أو سافكيه، لكنها أعظم وأشرف وأطهر وأجمل كلمة ارتبط بها تاريخ الايمان.
مرة أخيرة .. فأنا لا أعرف هذا الإلـــَــهَ الذي يتحدثون عنه، وينتظر على ناصية شارع يشاهد عبادَه يقتلون الأبرياء، ويحرّض على الكراهية، والبغضاء، ويصادر الدينَ لحساب جهلة، وأميين، ومستبدين، وحمقى،ومنافقين.. لكنني أعبد الغفور الرحيم السلام العزيز الوهاب.
إنني لا أعرف إلههم!
طائر الشمال
محمد عبد المجيد
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج
مفاهيم ليست من إسلامي!
مفاهيم ليست من إسلامي!
1- إذا قدّمتُ واجبَ العزاءِ فإنني لا أقول: البقاء لله؛ فالبقاءُ للهِ تُقال يوم القيامة عندما تنتهي حياةُ كل الكائنات الحيّة، ويسأل ربُّ العزةِ: لِمَنْ المُلـْك اليوم؟ فتأتي الإجابةُ السامية الإلــَهية: للهِ الواحدِ القهـّار!
أما استبدالها بالعزاء الإنساني، والتعاطف، والتمنيات بالبركة، والخير، وما ترك الراحلُ من علاقاتٍ جميلة تُعبّر عنه بصدْق(البقية في حياتك) فقد كان خطأ جماعاتٍ، وتياراتٍ إسلامية مُحدثة تحاول أنْ تنزع مِنّا كلَّ ما هو جميل.
كلمة البقاء لله هي تحصيل حاصل كقول الشاعر: "كأننا والماء من حولنا قومٌ جلوس حولهم ماء"!
فأنت لا تضع الخالقَ العظيمَ مقارنةً بالمخلوقِ الضعيفِ لأنَّ(البقاء لله) أمرٌ طبيعي، وحتميٌ؛ حتى لو اعترض الكونُ كلــُه.
عودوا إلى العزاءِ في أجمل تعبير إنساني( البقية في حياتك) يُسْعِد المُتلقي، ويبهجه، ويتمنى أنْ يُكْمل اللهُ فيه طريقَ، ومحاسنَ، وبركاتِ، وخيرَ الراحل المتوفى!
2- لا أحب دعاءَ الشيخ الشعراوي" اللهم ربَّ هذه الدعوةِ التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلة، وابعَثْه مقامًا محمودًا الذي وعَدْتَه " فهذا الدعاء كمثل الذي يدعو اللهَ أن يكون في البحر ماء، وفي السماء نجوم، وفي الصحراء رمال!
تحصيل حاصل، فالنبي الكريم هو حبيبُ الله، ومغفورٌ له ما تقدم من ذنبه و.. ما تأخر، وموعودٌ بجنة الخُلــْد، وأعطاه اللهُ رخصةَ تبشير بعض الصحابة بالجنّة؛ فَهُم المبشَرون منه، عليه الصلاة والسلام.
لماذا يُحْرمون المسلمَ من أن يدعو اللهَ لأمِّه، وأبيه، وأهلــِه، وأحبابــِه، وشريكة حياتِه، وأبنائِه، فيجعلون دُعاءَ ما بعد الصلاة لوفاء رب العزة بالمقام المحمود لرسوله، ونبيه الأمين؟
اجعلوا دعاءَكم في موضعِه الصحيح، وهذا لا يقلل من شأن النبي، صلوات الله وسلامه عليه، لكنه يسعدكم، ويبهجكم، ويريحكم أنْ تتوجهوا بالدعاء لمن لستم متيقنين أنهم في الجنة، بدلاً من دعاءٍ لمن في الجنة أن يدخل الجنة!
3- لا أحب اتهام من انتحر بأنه يائس من رحمة الله، ولن يغفر اللهُ له!
انتحر لأنه حُمِّل ما لا طاقة له به في حياة لم يُستَشَر فيها، فغادرها، فكيف يعاقبه الله؟
إنَّ الضغوطاتِ النفسيةَ، والعصبيةَ، والعاطفيةَ، والعقلية، والجسدية، ومنها المرض العضال، قد تؤدي في النهاية إلى انتحار شخص لم يتحملها؛ فكيف ينزل به عقابُ خالـِقه لأنه خُلــِـقَ ضعيفاً؟
4- لا أحب الدعاء العنصري، والطائفي، والمتخلف، والمُسيء لدينِنا الحنيف: اللهم ارحم موتى المسلمين!
كيف اقتنع إنسانٌ أنْ يقترح، أو يطلب من الله الرحمةَ لمن احتلتْ أسماؤهم خانة الديانة(مسلم) في البطاقة الشخصية؟
وماذا عن القروي الطيب في شمال منغوليا، والمرأة التي تمر على المرضى لتشدّ من عضدهم في آيسلندا، وهي لم تسمع عن الإسلام؟ والشاب البوذي المتدَيّن والكريم الذي قضى طفولته في معبد صيني ولا يقرأ غير لغة الماندرين؟ والعالــِم، والمُربي، والأب المثالي في جبال أوروجواي الذي لم يقرر بعد أيَّ دين يعتنق؟
دعاء أبغضه بشدّة، لأنه اعتداءٌ على شيء ليس لأحد غير الله أن يَفْصِل فيه.
5- لا أحب القول بأن محمداً بنَ عبد الله، صلى الله عليه وسلم، سيشفع للمسلمين عند الله يوم القيامة.
لا شفاعة إلا لله الواحد القهّار، ولا يوجد في يوم الحشر(علشان خاطري!) أدخل المسلمين كلهم الجنة فقد آمنوا بي دون أن أكون بينهم.
المُلك، والكلمة الفصل، والرحمة لله، عز وجل، ولا تسمع إلا همساً، والعقل يرفض الاعتقادَ بأن نبي الإسلام الكريم سيطلب من الله أن يرحم مؤمنين جاءوا بعده بمئات أو آلاف السنين، ولا يعرفهم، ولا يعرف أسباب اعتناقهم الإسلام، ومع ذلك فلا يشفع للبشر الطيبين والمسالمين والمتناثرين على وجه الكرة الأرضية ولم يعرفوا، أو لم يقتنعوا، أو عاشوا حيواتهم في حيرة، لكن قلوبَهم صافية كنفوسِهم الطيبة.
6- لا أحب تهنئة من يقوم بأداء مناسك الحج(خارج المملكة) للمرة الثالثة والرابعة والعاشرة بفضل أمواله، ويترك زوجتَه، وأبناءَه، ويُهْمِل التربية والحقوق لأنه أرادَ العيشَ في أجواءٍ روحيةٍ، ويعود كما ولدته أمُّه.
هذا الحاج ارتكب سرقتين: الأولى هي سرقة مكان مسلم آخر تمنّى أداءَ الفريضة؛ ولكن النسبة المئوية لا تسمح للاثنين بالحج في نفس الوقت.
السرقة الثانية، وقت الزوجة والأبناء، فأنا أتفهم الحج مرة أو ربما ثانية؛ وأكثر من ذلك هي رفاهية لا أظن(والله أعلم) أن ثوابَها مضمون.
7- لا أحب القول بأن الأمراض والجائحات والأوبئة، والفيروسات، والزلازل، والبراكين عقابٌ من الله، فهي نتائج طبيعية للزمان، والمكان، والهجوم الميكروبي، وعشرات الأسباب، التي جلبها الإنسانٌ لنفسه،أو.. أوقعه سوءُ حظــِّه في مكان موبوء.
إن اللهَ لم ينتقم من ملايين من البشر فأصابهم بكوفيد 19، أو تسونامي في 2004 أو غيرها.
إندونيسيا أكبر بلد إسلامي تقوم على أكثر من سبعين بركانا ينشط بعضها بين الحين والآخر،وفي عام 1755 دمَّرَ تسونامي العاصمة البرتغالية لشبونة وقتل سُدسَ عدد السكان.
المسلم التقي الذي يعيش في جزيرة جاوة الإندونيسية من المحتمل أنْ تقتله الطبيعة، والمجرم العاصي الذي يعيش في السويد يعرف أن موتَه نتيجة بركان شبه مستحيل.
8- أدعية كل السجناء المظلومين ليخلصّهم الله من سجّانيهم لن تؤثر قيدَ شَعْرَه؛ ولكن تمَرُّد، واحتجاج، وغضب رهط من السجناء ضد إدارة السجن ربما تُخلـّـصهم منه.. أو ترفع القيدَ عنهم، وهذا أيضا بفضل الله، ولكن بعد غضب المظلومين.
9- لا أحب أن يُنسَب إلى الإسلام والقرآن المجيد كراهية اليهود، فقد خسرنا في هذا التفسير الأعور، والأعوج قضية العصر، وتبرأ الذين اضطهدوا اليهودَ ،هولوكستياً، في الغرب، وتحمّلنا نحن نتائجَ اضطهادِهم، فظهرتْ دولة صهيونية استعمارية استيطانية زعمتْ أننا نحن الذين نكره أبناءَ عمومتِنا، رغم أننا كنا الملاذَ الآمنَ لهم منذ عصر الأندلس لستمئة عام خلتْ.. إلى ما بعد قيام الكيان الصهيوني.
10- لا أحب الزعم الكاذب بأن الاستغماية(!) في تغطية وجه المرأة تُرضي الله، رغم أنها تقتل الذكريات الجميلة، وتحجب تعبيرات الوجه، وتناهض ما جاء بقرآننا الحميد أن الله خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف، وتفتح، وفتحتْ المجال لآلاف من جرائم القتل، والإرهاب، والتهريب، والتحرش، والخيانة الزوجية، والخداع، والغش، وإتاحة الفرصة لأيّ رجل أنْ يرتكب المُحَرّمات دون أنْ يعرف أحدٌ تلك التي يزورها .. أو تمشي معه.
هذه بعض المفاهيم التي أوصلتني إليها قناعاتي الإنسانية قبل الإسلامية، ولم تنتقص قيد شعرة من إسلامي وإيماني.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 23 أكتوبر 2020
21/10/2020
حُرْمة تحريم الموسيقى والغناء!
حُرْمة تحريم الموسيقى والغناء!
لو كنتُ واحداً من الذين وضعوا كتاباً رائعاً قرأه معظمُنا في شبابه وكان تحت عنوان ( اللهُ يتجلّى في عصر العلم )؛ لوضعت المشاعرَ، والأحاسيسَ، وتشابكاتها المُعَقدة مع الذاكرة والعقل، والجَمال، والطباع كواحدة من معجزات خالق الكون، جلّ شأنه.
جهازُ استقبالٍ تم صُنعُه بعنايةٍ ربّانية، ويعمل بكفاءة عشرين ضعفاً من مليارات الخلايا التي يتركب منها ذلك الجسد المعجزة، والذي نفخ اللهُ تعالى فيه من روحه، وطلب من الملائكة أنْ يسجدوا له، ولكن تقديرٌ لهذا العمل البديع رغم اصرار كثيرين من نسل آدم أنْ يكونوا في أسفل السافلين.
يجتهد كثيرٌ من المسلمين في تفريغ كل مَوَاطن الجَمال داخل النفس؛ بل وارجاع أسباب هذا الهدْم إلى أوامر الله، عزّ وجل، وتأتي الموسيقى والغناء في مقدمة الأعداء لأعداء الجَمال!
تراثٌ للانسانية على مدى مئات السنين، يشترك فيه البشرُ، ولو تخاصموا، وتقاتلوا، وتذابحوا بينهم؛ فإنَّ الموسيقى والغناء والنغم قادرة على التسلل، جهراً أو خفية، وهي لا تحمل شِعاراً دينياً، أو طائفياً، أو مُعادياً، وترحل بدون حدود، وتبقى آمنةً وادعةً في أَرَقّ مَوَاطن عُمْق النفس البشرية فتحاول أن تستميل الطباعَ إلى السلام، فتفشل أحيانا و.. تنجح في أحايين كثيرة.
تستدر دمعتين تنزلقان على الوجه فلا تعرف لهما سبباً، ولا تَدُلّ على ضعف لكن نقاء جهاز عصبي يستطيع أن يتعرف على أعمال جدية ومبدعة تضيف إلى تراث الانسانية ما يزيده ثراءً.
المرّة الأولى التي استمعتُ فيها إلى المطربة اليونانية فيكي لياندروس كانت في نهاية الستينيات عندما غنتْ ضد الحُكْم العسكري الديكتاتوري( دَعْ شعبي يَمْر) فأحسست أنها صرخةٌ في وجه كل طــُغاة الأرض، وأحذية العَسْكَر؛ وعندما زرتُ أثينا بعدها بأكثر من عشرين عاما بحثت عن تلك الأغنية فلم أجدها، وقال لي رجل يوناني مُتقدّم في العُمْر بأنَّ تلك الأغنيةَ كانت أحدَ أسبابِ الثورة والتمرد ضد الفاشية العسكرية!
تراثٌ يحتضنك أينما كنتَ، ويعرف طريقَه إلى جهاز استقبالـِك العاطفي، وقد يستأذنك أو يدخل عُنْوَةً حتى لو كان بينك وبين مَوْطنِه الأصلي بُعْدُ المشرقين.
مازلتُ أحتفظ بمجموعة من أغنيات (تيريزا تنج) الصينية، ولا أفهم كلمة واحدة منها؛ لكنني تأثرتُ وقتها بصوتها الرخيم الرائع؛ وأعطاني صديقٌ ألماني مجموعةً من أغاني مطربة فنلندية تغني باللغة السويدية فتقرع جنبات النفس كأنها تغني لمستمعها بصفة شخصية في مكان منعزل لا يعرفه غيرهما.
مَنْ يستطيع أن يقول بأنَّ هناك جنسيةً، وجواز سفرٍ، وتأشيرةَ دخول أيّ مكان في العالم لكونسرتو بيانو الخامس لبيتهوفن، أو الفصول الأربعة لفيفالدي، أو العالم الجديد لدفورجاك، أو بير جينت للنرويجي ادفارد جريج؟
عندما أصغي لأغنية (الاسكندرية) لجورج موستاكي وهو يحكي عن طفولتِه في تلك المدينة الكوزموبوليتانية التي كان ثـُلثُ سكانِها في أوائل القرن الماضي من اليونان وايطاليا وفرنسا؛ أشعر بحنينٍ جارفٍ لمسقط رأسي، وأراها لا تختلف عن الاسكندرية بصوت الشيخ إمام، أو كلود فرانسوا، أو وصفها بقلم إدوارد الخراط، أو كاميرا يوسف شاهين.
المرة الأولى التي استمعتُ فيها إلى (حديث الروح) للشاعر الباكستاني المُجَدّد محمد إقبال كنت في العشرين من عمري، وغنَّتها أم كلثوم، وحَلّقَ لحنُ السنباطي في السماء قبل أنْ يهبط علينا بتلك الكلمات الرائعة (أمسيتُ في الماضي أعيش كأنما .. قطع الزمانُ طريقَ أَمْسي عن غَدي ..)!
وتستطيع هذه الأغنية أنْ تفعل مثل الروائح التي تظل حاضرة في الذاكرة، وكلما اقتربتْ من الأنف رائحةٌ مثلها استدعتْ كل المكان، والزمان، والأشخاص، والألوان، والأحباب وكل ما أحاط بنا في تلك اللحظة التي فتح الوجدان خلالها أوسع أبوابه لذلك النغم.
وتحملني الأغنية معها في (المعَدّية) من بورسعيد إلى بورفؤاد حينما استمعت إليها أول مرة منذ أكثر من نصف قرن !
والنغم ليس مرتبطا بالضرورة كما يروّج خصومُه بفسق، وفجور، ولهوٍ، لكنه لغةُ العواطف؛ كما تدخل الثقافة إلى العقل فإن الموسيقى والغناء والأنغام تلمس الروحَ دون أن يعرف صاحبها عن كنهها شيئا.
تنقلني (أهل الهوى) و( سهران لوحدي ) دون غيرهما لأدق تفاصيل فترة طويلة من طفولتي ومقتبل شبابي، وعندما كنتُ أطل من نافذة منزلنا فتناديني جارتي في البيت المجاور قُبيل الفجر قائلةً: إنَّ أبي يدعوكَ لتصطحبه إلى صلاة الفجر.
كان والدها الشيخ علي حلمي إمام مسجد البوصيري المقابل لمجلس أبي العباس المرسي(والد الفنان محمد وفيق، رحمهما الله)، وكان كفيفاً، فأسير معه، وأستمع إليه، ويُصَحّح لغتي، وأقرأ له بين ألفينة والأخرى.
ينتهي من صلاة الفجر، ونعود أدراجنا على مَهَلٍ وهو يتأبط ذراعي، وتهب نسمةٌ رقيقة تحمل معها ملوحة الميناء الشرقي في الأنفوشي فتُنْعش الوجهَ، وتقاومها رغبةٌ في النوم ساعتين قبل الذهاب إلى المدرسة.
كنوز البشرية التي أبدعتها معجزة ذلك السر الرهيب الذي أودعه الخالق الرحمن الرحيم فسمّيناها مشاعر، وعواطف، ووجدانـاً، وفؤادًا، وقلبـاً، لكنها تتجمع كلها عند مصب الحب في أنظف، وأطهر، وأرق مكان داخل النفس الانسانية.
من الذي يحاول تفريغَ النفس، وإفقارَها، وإلقاءَ كنوزٍ احتفظتْ بها في عالم النسيان بحجة أنها أوامر إلــَهية، وأنَّ الموسيقى حرامٌ، وأن الصوت عورة، وأن الدين مناهضٌ للابداع الجَمالي الذي يمثله النغم؟
هل يقف المسلم يوم لا ينفع مال ولا بنون أمام رب العزة فيسأله العزيز الوهاب عن ذنوبه عندما استمع إلى (وطني حبيبي.. الوطن الأكبر ) و( النهر الخالد) و(زهرة المدائن ) و(وهمسة حائرة) و( كونسرتو بيانو رقم واحد لتشايكوفسكي ) و( السيمفونية الأربعين لموتسارت) وعزف منفرد على العود لأيوب طارش، وأمستردام للبلجيكي جاك بريل، وليه يا بنفسج لصالح عبد الحيّ؟
ما هو وجه التعارض، والتناقض، والتضاد في أنْ تقرأ آياتٍ من كتاب الله ثم تستمع بعدها إلى عبد الحليم حافظ، أو لطفي بوشناق، أو ميري ماتيو، أو إديت بياف، أو عبد الله الرويشيد، أو صباح فخري ؟
هل ستُحْسَب عليك في ميزان سيئاتك تلك اللحظات الروحية المؤثّرة التي تحمل معها (حَبْلَ السُرّة) بعدما ظننت أنه فَصَلَك عن والدتِك، فتستمع إلى( ست الحبايب) تغنيها فايزة أحمد، وتبتسم لك أمُك ولو كانت على مَبعدة ألف ميل، أو حتى في قبرها الطاهر( أنام وتسهري، وتباتي تفكّري، وتصحي من الأذان وتقومي تشقري)، ثم تكتشف فجأة أن صوت المرأة عورة، وأنَّ الموسيقى حرام، وأن الغناء هو معزوفات الشيطان؟
أي خَبَل هذا، وهُراء، وجفاء، ووحشية تلك التي تحاول أنْ تقنعنا بأنَّ دينَ الجَمال حَرَّمَ الجَمال، وأنّ دينَ الابداعِ ناهض الابداعَ، وأنَّ دينَ الرحمة يحاربها في كل مكان؟
اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا!
فتقرأ كتابَك، ولكن مسلمي العصر الحديث من عُشّاق الفتاوى المهلهلة، والفجّة، والسادية، والقاسية، والجافة يؤكدون لك أن من ضِمْن ذنوبك أنَّ أذنيك بعثتا برسالة رقيقة إلى قلبك يحملها عزف بيانو، أو كَمَان، أو عود، أو ناي، أو حتى ماندولين يوناني أو تركي، ويؤكدون لك أنَّ مشاعرَك إنْ أرادت نغماً مختوماً عليه (حلال) فيجب أن يكون الدفّ، ويشترطون عدمَ تزيينه بما يضيف إليه نغمات جديدة!
وتقرأ كتابك يوم الحشر...
فيُقْسِمون لك أن نشيد ( الله أكبر فوق كيد المعتدي ) المصاحب بموسيقى هو صرخات الشيطان، وأنَّ حنينك لأغنية تُذَكِّرك بوالدك، أو شقيقتك، أو حتى زميلتِك في الجامعة سيُحْسَب عليك يوم القيامة، وأن عُلماءَ القرون الأولى أفتوا لمسلمي القرون الأخيرة، وحددوا مقياسَ الحلال والحرام فيما تستقبل آذانهم بعد ألف عام أو أكثر.
يرفعون المصاحف فوق السيوف، ويستخرجون عنوة من الأحاديث ما يؤكدون فيه أن نبي الرحمة أرسله ربُّ العزة ليُحَرّم علينا النغم والموسيقى، ويضع للأمة طوال تاريخها المستقبلي ولمليارات من المسلمين ما ينبغي أن يستحسنوه، أيا كانت لغاتهم، وجنسياتهم، وألوانهم، وثقافاتهم، فهو دفٌ شرعي تسمعه أذُن المسلم الاندونيسي، والصيني، والسويدي، والاثيوبي، والبوتسواني، والبرازيلي، والعربي، والتركي، والكردي، والروسي، والمكسيكي فتطرب له، ولتذهب ثقافات الشعوب، وتراثها، وموسيقاها، ونغماتها، ومارشاتها، وأوبراتها، وفولكلورها الشعبي إلى الجحيم، فهناك عالِمٌ منذ مئات الأعوام قرر في خيمته البعيدة عن الدنيا زمنا ومكانا أن الموسيقى صوت الشيطان!
آه أيها الشيطان الرجيم كم كنتَ مخطئاً عندما ذهب بك التكَبّر، والغطرسة، والغرور، وظننتَ أنك بمفردك ستوسوس للانسان، وستكذب عليه، فتفَوَّق عليكَ بأكاذيبه، ونافَسَك في القسوة، وأقام حروباً، ومذابحَ، وسَفَكَ الدماءَ وأغرق الأرضَ بجرائمِه.
هل صحيح أن (نهج البردة)و( يا ليلة العيد آنستينا) لأم كلثوم، و(لحن الوفاء) لعبد الحليم، و (عايز جواباتك) لنجاح سلام، و(باحبك يا لبنان) لفيروز، و(إلــَه الكون سامحني ) لرياض السنباطي، و(الربيع) لفريد الأطرش هي نغمات الشيطان وسيحاسبنا عليها في ميزان سيئاتنا ربُّ العرش العظيم؟
لماذا وصل مسلمون إلى تلك النتيجة المأساوية، والكارثية باعتدائهم على أخصّ خصوصيات المنطقة المحرمة عليهم في النفس الانسانية، أي المشاعر، والعواطف، والوجدانات، والأحاسيس، فتلك بين إصبعين من أصابع الرحمن؟
أظن أن السببَ الوحيدَ، وِفقاً لقناعاتي، أن مسلمين كثيرين لم يفهموا، ولم يستوعبوا بَعْد المعنى المتضمن لأصل الايمان المتمثل في (الله أكبر)!
لو أن المسلم تعمّقَ في فهم المعاني اللانهائية لــ ( الله أكبر ) لقام هذا الفهم ُبتحصينه ضد صغائر الأمور، وحَماه من مصادرة الدين لحساب أباطرة الفتوى الذين يعتمدون في عرض بضاعتهم على إيمان غير مقصود من جماهير المسلمين أن الله أصغر(معاذ الله)، وأنه، جل شأنه، ينتظر عشرات المليارات من المسلمين يوم الحساب ليقرأوا أمامه ذنوبهم، وسيكون منها الاستماع للموسيقى، وكشف المرأة المنتقبة وجهها أمام ابن عمها، وحديث المرأة بصوت كله عورة حتى لو رَدّتْ السلام على زميلها، أو طالبَتْ بحقوقها، أو مارست حقَ المواطنة.
كارثتنا، ومصيبتنا، وضَعفُنا، وهَوَانُنَا أمام تُجّار صكوك الغفران بدأتْ من هنا .. من تَصَوّر غير صحي للذات الإلهية، ومِنْ خيال لم يستوعب أنَّ اللهَ أكبر، ومن عقل آمن، وترسّخَ هذا يقيناً في وجدانه أن ربَّ الكون العظيم أصغر من كل الكائنات، وأنه سيُحاسِب المسلمَ الذي انتشى بنغم، وتفاعل مع كلمات راقية، وشِعْر بديع زَيّنته موسيقى ساحرة، وعَبّرَ عنه صوتٌ ملائكي في حنجرة مطرب أو مطربة.
ويتلذذ المسلمُ في نُعاس العقل لتصغير الذات الإلهية التي خَلقت الأرض، والسماوات، والكون كله، فينشغل بجعل العليّ القدير مناسبا لأصغر العقول شأناً، ويتصوره نازلاً من سمائه العُلا للسماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل ( مع فارق التوقيت أو باستثناء شمس منتصف الليل في النرويج ) باحثاً عن الذين يريدون التوبة، أو أنه سيبعث ثعباناً اسمه الثعبان الأقرع يدسّ نابَه السامَ في جسد الميت(حتى لو كان في بطن سمك القرش)، ويعذبه إلى يوم القيامة رغم أن القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يؤكد أن كل إنسان ألزمناه طائرَه في عنقه ونخرج له يوم القيامه كتاباً يلقاه منشورا .. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا؛ وليس قبل ذلك أو في القبر أو حتى بصحبة كل ثعابين الهند والسند.
أعود للموسيقى والغناء ومعي خط الدفاع الأول عن قناعاتي، أي(الله أكبر)، مؤكداً لنفسي قبل الآخرين أنَّ المشاعر والأحاسيس والوجدان والفؤاد والقلب والذاكرة تحتاج كلها إلى عملية تنظيف وتطهير بانسياب روائع النغم، موسيقى وأغنيات، لتجري حول الروح كما تجري الدماء في الشرايين.
تحريم الموسيقى والغناء حرام، واعتداء على خصوصية الانسان، وتفريغ مركز الذاكرة في العقل من تلك الوشائج الجميلة التي تربط الماضي بالحاضر، وتُمَهّد لمستقبل تلعب فيه استدعاءات تلك الأشياء دوراً مهماً في استقرار العواطف، وشحن الذاكرة بالوجوه، والأماكن، والأحباب، والحوادث، ومئات الآلاف من الأشياء الصغيرة التي تقابلنا فتحتفظ بها الأنغام والموسيقى ليسهل استرجاعها في أي وقت.
أيها المسلمون: لا تصدّقوا من يقول لكم بأن خاتم الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليه، كان خصماً للموسيقى، والأنغام، والصوت الجميل، ولا تُصَدّقوا من يقول لكم بأنَّ ربَّ الكون العظيم، اللهَ الأكبرَ، سيحاسبكم على رقة عواطفكم، وعلى رهافة أحاسيسكم، فحرام أن تُحَرّموا على أنفسكم الطيبات من رزق الروح، فالله أكبر
وجاء الردُّ من آلة موسيقية، فقالتْ:
بل ستسمع الموسيقى والغناء رغم أنفك!
أراك غاضباً، مُلَوّحاً في الهواء بقبضة يدك، تاركاً لسانك الذي من المفترض أنْ يلهج بذكر الله، ينهل من قاموس الشتائم، والسِباب، ما تعجز عنه ألسنٌ حِداد ليجعلني في مرماها.
لعلك أجهدتَ نفسَك كثيرا في نقل الأدلة والقرائن على تحريم النغم والموسيقى واعتبارها أصوات الشياطين، وأنها تلهي عن ذكر الله، وأن عالِماً منذ ألف عام قال بأنها تؤدي إلى النفاق.
ربما أغضبك المقالُ أكثر مما أثارتك كل مقالاتي السابقة عن السلطة الطاغية والسجون والمعتقلات والفساد والتزوير والتزييف وامتهان كرامة المواطن والبطالة والعنوسة والمرض والفقر والجهل ونهب خيرات الوطن والتعصب والتزمت والفتنة بين أبناء الوطن الواحد.
لقد دخلت برغبتي حقل الألغام فاكتشفت أنها (فياسكو)، وأن الانسان الطبيعي لن تستطيع كل قوى المُحَرّمات أن تدلف إلى مشاعره فتعبث بها، وأن تتحكم بسبابتيها في أذنيه فتُسْمعه الدفَّ الحلال، وتُحرّم عليه ( ولد الهدى فالكائنات ضياء .. )
وهل كان الأمر يحتاج إلى كل تلك المجهِدات التي مرّ على أكثرها مئات الأعوام لتثبت لي أن فلانا فسّرَ اللهو في القرآن الكريم بأنه الغناء، وأن علانا أكد على أنه يملك صلاحية تحديد ما تنتشي به أذن المسلم حتى يرث الله الأرض ومن عليها؟
تعمدت أنْ لا أستشهد بأقوال الفقهاء والعلماء في هذا الموضوع بالذات، فهم رجال ونحن رجال، وبين أيدينا من كنوز المعرفة والثقافة ما يسيل له لعاب أي باحث عن الحقيقة.
ما أسهل أن ينزل التحريم الرباني للموسيقى والغناء واضحا وصريحا ولا لبس فيه، ولا يحتاج إلى تفسير التفسير أو خلافات حتى يوم القيامة.
كانت المُحَرّمات في القرآن الكريم كالخمر والزنا وأكل لحم الخنزير والميسر وغيرها أوضح من الشمس في صيف القاهرة، وما كان الله نَسيّاً.
جليل احترامي وتقديري لعلماء الأمة وفقهائها، لكنني، كمسلم، لست ملتزماً بأي فتوى ولو صدرتْ باجماع علماء الأزهر الشريف ورابطة العالم الاسلامي وكل الجمعيات الاسلامية من مقديشيو إلى أستوكهولم ومن طنب الكبرى إلى سيدني.
أقرأ وأتابع وأحترم العمل الثقافي والفكري والدعوي، لكن اعتبار شخص متخصص في أصول الدين فقط هو مرجعي للتعرف على الحلال والحرام خارج تماما عن ملامح شخصيتي، وحرية اختياراتي لا حدود لها، وهي لا تمس الثوابت، لكنني لست على استعداد ولن أكون ما حييت لأنْ أقدّم فكري وقناعاتي وإيماني وعقلي ومنطقي للتسليم بما يقوله علماء الأمة ولو اجتمعوا، فأنا مسؤول أمام ربي، ولن أستعين بأحدهم يوم الحشر العظيم.
قد يروق لي رأي في مجلة أو صحيفة أو كتاب مترجم عن التركية أو لمثقف لا يكتب إلا بالروسية، أو لمفكر مسلم في السنغال تتناغم أفكارنا وتنسجم فآخذ منها ما يحتاج إليه عقلي ويأمن له فؤادي وتستريح له نفسي.
أراك تتمنى أن تشحن تراث الانسانية كلها وكنوزها من الموسيقى والأنغام والأوبرا والكلاسيك والمارشات العسكرية والفلكلوريات وابداعات الشعراء التي تلقفها موسيقيون وانطلقت من حناجر ترقص فيها الحبال الصوتية تماما كما يتمايل(بلبل حيران) أمام نافذة بيتك فيغرد، لكنك تتردد في أن تلقمه حجرا لعله يتوقف عن التغريد.
ربما يغضبك خرير الماء لكنك لن تهرب منه كما لن تستطيع أن تسد أذنيك وأنت تستمع للنشيد الوطني لبلدك إن فاز فريقه القومي في مباراة دولية.
وماذا عنك؟ ستسمع الموسيقى والغناء رغم أنفك، وستتسلل نغمة متخفية وأنت في الحافلة أو القطار، وستروق لك مقدّمة نشرة الأخبار، وربما تدندن في الحمَّام من دون أن تدري وماء الدش يمنح دندنتك نوعا غريبا من المتعة فتأتيك ذكرياتٌ كانت عصيّة على مركز الذاكرة وأنت تحاول أن تستدعيها فتشق عليك.
لن تستطيع أن تخفي السر بأن والدتك كانت تحب صوتا معينا، وتغني لك وأنت صغير وهي تصطحبك إلى فراشك الدافيء، وتغفل عيناك الصغيرتان على نغم يصحبك بعدها لتأكل أرزاً مع الملائكة.
لن تتمكن ولو جندت ملايين من أتباعك في أن تجمعوا تلك الكنوز الرائعة وتحرقونها على مرأى من العالم كله، فهي موجودة من النفخة الأولى، وتنطلق مع صرختك الأولى والطبيبة المولّدة تمسك قدميك بعد لحظات من سقوطك من بطن (ست الحبايب)؛ وستعرف لاحقا أن كل الأجهزة السمعية والبصرية والعاطفية التي وضعها فيك خالقُك تعمل على استدعاء النغم، وتنتشي به، وتختار الجيد منه وفقا لتطورك الفكري والثقافي والحضاري والعاطفي رُقيّاً تماما كما كان الشيخ عبد الباسط عبد الصمد يقرأ القرآن الكريم ثم يستمع إلى أم كلثوم بعد التلاوة، أو كما كان مصطفى صادق الرافعي ينصت إلى موسيقى هادئة وهو يكتب تفسيرَه في عجاز القرآن الكريم.
سيلاحقك النغم أينما كنت، وستمر على الآذان يدعوك للصلاة وهو نغم، وربما تقرع أجراس الكنيسة المجاورة للمسجد لدعوة مؤمنين آخرين لأداء صلواتهم، وستعرف أن التلاوة نغم، وأن التجويد نغم، وأن الله تبارك وتعالى لم يجعل الأذنين كالعينين والفم تغلقهما كما شئت، فهما تلتقطان الموسيقى والنغم وتبقى(فلترة) الجيد من القبيح، والسمين من الغث، والابداع من الاسفاف متوقفا عليك أنت فقط.
قضية صنعتها قوى التزمت والتشدّد، وجعلتها دينية، ثم نفختْ فيها فكانت قضية إيمان أو كفر، ثم أسرعت إلى كتب مرَّت عليها قرون طوال، وما أسهل أن تتبنى أيّ قضية ثم تجد الطريق ممهداً لاستدعاء شهود من التاريخ، فالطغاة لهم قرائنهم، والمستبدون يستشهدون بآيات كريمة عن وجوب طاعة ولاة الأمر، ورابع الخلفاء الراشدين قتله التحكيم، ويستطيع أي سجّان سادي وغليظ القلب أن يأتي لك بمئة دليل من التاريخ والأشخاص والناس والكتب المقدسة وأقوال العلماء وفتاوى الفقهاء فيقطع رقبتك كما يفعل الجزار مع خروف العيد.
مقالي عن (حرمة تحريم الموسيقى والغناء ) ليس فتوى، فالاسلام ليس فيه فتاوى؛ إنما هي آراء واجتهادات تأخذ منها ما تراه مقنعا لك وتستريح إليها نفسك وعقلك.
تأسفت كثيرا لكل الذين خالفوني في الرأي فبدت البغضاء من أفواهم، ووزعوا لعنات وشتائم وقذفا وتكفيرا، وربما لو كانوا يسمعون الموسيقى وتتحرك مشاعرهم وترقى بالنغم البديع لما عثرت ألسنتهم بسهولة على قاموس الشتائم.
هل يمكن أن يغني إبليس (القلب يعشق كل جميل ) و يساند عمار الشريعي وهو يشرح عبقرية النغم والكلمة في (الموجة بتجري ورا الموجة عايزه تطولها)، ويعزف مع عمر خيرت روائعه، ويصدح مع الشيخ إمام (صباح الخير على الورد اللي فتّح في جناين مصر)، ويغني لأطفالنا ( الليلة الكبيرة ياعمي والعالم كتيرة)، ويبكي مع عبد الحليم حافظ ( عدّى النهار وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها .. جانا نهار ما قدرش يدفع مهرها) ؟
الموسيقى والغناء لا تحتاج لفتوى أو جدال أو نقاش أو تحريم أو تحليل، إنما هي لغة يفهمها الخَلْق كلهم، وتسمعها كل الآذان، وليس من حق أي شخص في العالم ولو كان فقيها معمما موسوعيا أن يحدد لك الحلال والحرام فيها,
لا أفهم حتى الآن ما هي علاقة العلماء والفقهاء والفتاوى بالمشاعر الانسانية وتحديد المناسب لها، ومن الذي يملك الحق في تحريم إيصال الكلمات الجميلة والبديعة مصحوبة بنغم إلى العالم الداخلي للنفس الانسانية؟
حتى لو صعدتَ إلى بُرج مشيّد أو جبل يعصمك من النغم فسيوقظك صياح ديك أو تغريد عصفور أو قطرات من ماء المطر تسقط متناغمة فتقتحم أبواباً في أكثر المَوَاطن قدسية وحساسية ورهافة داخل النفس البشرية ظننت أنك أغلقتها إلى الأبد.
قدسية أحاديث العلماء والفقهاء تقف حاجزا أمام لغة التسامح بين البشر، وآن الوقت الذي نمنح فيه العلماء والفقهاء الاحترام والتوقير، وننزع القداسة عن أي كلمة ليست وحياً لا ينطق عن الهوى.
"ستختلفون من بعدي، فما جاءكم فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فهو مني". تلك هي الوصية النبوية الشريفة التي وضع بها خاتم النبيين النقاط فوق الحروف، ثم قال، صلوات الله وسلامه عليه: واستفت قلبك وإن أفتوك .. وأفتوك .. وأفتوك.
أيها المسلمون: الموسيقى والغناء والأنغام ليست من الأشياء التي نزلت فيها آيات قطعية وحاسمة، فلا تُحَمّلوا القرآنَ الكريم ما لا يحتمل، ولا تنسبوا لله توجيهات لم يأمر بها.
إننا نتجه حثيثا منذ خمسة عقود إلى عالَمٍ ضيق من الفكر، وكاره للجمال، ومغالٍ في الدين، وعاشق للقيود، وباحث عن الأحزان،وعابد لنصوص مرَّت عليها عشرات الأجيال، ومتواكل على من يفكرون له.
كل الذين قطعوا الرؤوس، وفجّروا المقاهي وفنادق السياحة، وقتلوا ضيوف البلد الاسلامي، وألقوا الفزع في شوارع عالمنا، وفتحوا أبواب الرعب لدخول المارد المهووس بالدماء بُعَيد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، وقاموا بتكفير الآخرين، وطاردوا الكتاب والأغنية والفيلم والمثقف والمفكر كانوا من الذين وضعوا أصابعهم في آذانهم لئلا تسمع الموسيقى والغناء أو تتسلل نغمة رقيقة إلى أفئدتهم.
أنا لا أفهم كيف تجعلك (مصر التي في خاطري وفي فمي .. أحبها من كل روح ودم ) و ( الصبر والإيمان دُول جنة المحروم ) و ( مصر يا أمه يا بهية . يا أم طرحة وجلابية) و ( يا غالي علي يا حبيبي يا أخويا ) و ( وياوابور قوللي رايح على فين ) و( اليوم يوم الشجعان) و (دعاء الشرق ) و كل الأغاني والألحان التي تبهج الطفل والرضيع والعجوز والمريض آثما ومنافقا ومكابرا ومتعديا على ثوابت الدين وأوامر العلي القدير؟
لن يستطيع أحد أن ينزع الطبول من الأفارقة، والماندولين من اليونانيين، والعود من الأتراك، والبيانو من كل الفرق الموسيقية العالمية.
أيها المسلمون: لو توجهتم بما تملكون من غيرة على الدين الحنيف وقوة في مصارعة الباطل ضد الطغاة والمستبدين وآكلي أموالكم سُحتا، وطالبتم بحقوقكم المواطنية، وجاهدتم ضد المرض والفقر والعوز والحاجة والجهل والأمية والمخدرات والتعصب الأعمى، ورفضتم مساندة سلطة جائرة، ونزعتم القوة عن سالخي جلودكم الذين تقولون بأن طاعة ولي الأمر واجبة حتى لو كان مجرما وظالما وديكتاتورا وابن ستين كلب أيضا، لأسقاكم الله ماءً غدقا.
أيها المسلمون: لقد أزف الوقت لكي تتحرروا من عبودية (ما ألفينا عليه آباءَنا )؛ فالقرآن الكريم نزل به الروح الأمين ليجعل حياتنا جميلة ومتسامحة وطيبة، ويهدينا للحق، ويصالحنا مع الزمن ومع الآخرين المختلفين عنّا دينا وعقيدة وإيمانا ومعابد.. ومع أنفسنا.
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
محمد عبد المجيد
أوسلو النرويج
لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!
لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...
-
كل دولة صغيرة تحتاج لبودي جارد بقباب الكرملين أو بحماية كاوبوي عصري، إلا دولة قطر فقد اختارت الاخوان المسلمين لحمايتها، وإضفاء الشرعي...
-
قراءة في وعي فنان.. خالد أبو النجا! صناعة الوعي تبدأ من الشاشة الفضية؛ أما موتُ الوعي فيأتي عن طريقين: القصر والمنبر؛ رغم أن المفترض أ...
-
طائر الشمال في فبراير 2004 التقت قملتان في شعر رأس الرئيس العراقي السابق صدام حسين وجرى بينهما حوار طويل عن الأوضاع السياسية والاجتماع...