06‏/11‏/2018

الخطأ الذي وقعت فيه فاطمة ناعوت!

الخطأ الذي وقعت فيه فاطمة ناعوت!
شاعرةٌ تمشي حافيةً علىَ رمالٍ ناعمة، وتنسىَ أنَّ بعضَ الأوغادِ يتلذذون بنثر قطعٍ من الزجاج فتجرح قدميها.
تدافع عن الرحمة بالخروفِ؛ فهو أضحيةٌ وليس ضحيةً، وإذا تألـّـم أكثر من ثوانٍ معدودةٍ فكلنا سلخانيون؛ فيأتي أباطرةُ الشتائم الذين يجرّون الخروف في الشوارع لتعذيبِه قبل ذبحِه، ويكيلون السِبابَ لشاعرةٍ ..  شيمتها الصبر!
ترفض تمزيقَ الأُمّةِ إلىَ عنصريّن، وفصل شركاء الوطن، فتأتيها كثيرٌ من الشتائم من مسلمين وقليل من الشكر، وتهاجمها قليل من السباب من أقباط وكثير من الشكر، لكنها ماضية في طريقها.
الثقافة المصرية ترفض تفوّقَ الأنثىَ، والإسلاميون إسلافيون .. يضعون بهاراتٍ قبيحةً علىَ آياتٍ سامية وأحاديثَ شريفة حتى تصحّ صلواتهم.
تخشى علىَ لسانِها الذي نبتت فيه الضادُ فأزهرته..  وأظهرته أنْ يتلوث بردودٍ مماثلة، لكن أكثرَ الشتّامين من أعضاءِ التيارات الزبيبية لا يفهمون الأدبَ والتهذيب والتحضر والتمدُّن.
تدعو فاطمة ناعوت لثقافة التسامح؛ فتكتشف أنَّ جل أفراد المجتمع في حاجة إلىَ محو أمية التسامح.
تحاول شاعرتـــُــنا إقناعَهم أنَّ الدينَ لله، ويسعون لإقناعِها أنَّ الدين لمن يصعد المنبرَ قبل الله.
عتابي على فاطمة ناعوت، الأديبة والشاعرة والمترجمة والمهندسة واللغوية أنها قليلا ما تلجأ إلى الحل السحري وهو الحظر .. الحظر .. الحظر.
إنها عبقرية مواقع التواصل الاجتماعي، وأنا حظرت بنفسي مئات .. إن لم يكن آلافاً في العقدين المنصرمين، وفي كل مرة أشعر بلذة شديدة نحو الشتــّامين والسبّاببين والقبحاء، لفظا ولغة ولسانا وقلما، كأنني سحبت منهم مفتاحَ بيتي، وطردتهم قائلا لهم كما قال المسيح، عليه السلام: يا أولاد الأفاعي!
علىَ شاعرة الربيع أنْ تظل في فصل الجمال كنحلة تنتج العسلَ و.. لا تلدغ.
إن عرضَ تعليقات وبوستات حشّاشي الكلمة، وأعداء المرأة، وكارهي شركاء الوطن، يؤذي حروفَ عربيتِنا الساحرة، ويلوّث سطورًا استعدتْ لتلقي أبياتِ شعرٍ كأنها بيان من التنزيل، فتعيد فاطمة ناعوت نشرَ عفن تويتريين وفيسبوكييين لم يكتبوها في مكتبة أو صالون ثقافي، إنما تحت الكوبري أو .. في غرزة للكيفيين المغيـَّـبين!
إنهم كتائبُ من العاطلين و.. من الهاربين من فوق أسوار المدارس؛ فلا ينبغي أنْ تتوقف هنيهة واحدة أمام بذاءاتهم فهي بذاتهم ! 
إذا عرفتْ فاطمة ناعوت متعة ولذة وبهجة وغبطة الحظر، ولو بالعشرات كل يوم، فستعرف سلامـًـا تشكرها عليه حروفُ الضادِ كلها.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 6 نوفمبر 2018 

05‏/11‏/2018

لا يصدّق المصريون أن اللهَ نفخ فيهم من روحه!

لا يصدّق المصريون أن اللهَ نفخ فيهم من روحه!

أنا على استعداد أن أخسر كل أصدقائي وأحبابي ولا أتخلىَ عن قناعاتي اليقينية بأن الرئيس السيسي شخصية غير سوية، وأنه تافه الثقافة، وسلفي النزعة، وصفري الفكر، وديكتاتور داخل ابتسامة، وقبضة حديدية حول رقاب مؤيديه، وكاذب في كل خطبه وأحاديثه، ومُفْقِر مصر، وعدو للبسطاء، ومستبد ظالم، ومتكبر على رعيته، ومدعوم من اسرائيل ضد شعبه، وبائع الأرض والجُزر، ومتسول بين الأثرياء، وغليظ القلب عندما يتعلق الأمر بالسجناء الأبرياء، ومُهدر أموال الدولة في مشروعات لترفع اسمه، وأفضل من يختار الفاشلين والسفهاء في أرفع مناصب الدولة، وخط الدفاع الأول عن الإعلاميين المنحطـّين، ومقترض عشرات المليارات إمعانا ونشوة في تعذيب أجيال قادمة ستسدد من فقرها ديونا لم تكن لها أهمية، والمسيطر على القضاء الفاسد، وكاره المصريين، وعدو ثورة الأنبياء الصغار في 25 يناير التي أطاحت بسيده مبارك، وغير مؤمن بالمساواة بين مسلمي وأقباط مصر.
أنا مؤمن بأن الرئيس السيسي الحالم بوضع حذائه فوق رؤوس أبناء شعبه لسبع أو ثمان ولايات جديدة غير قادر إلا على الفشل، وأن برلمانه حثالة من الغوغاء الجهلة، وأن غطرسته جعلته صاحب القرار الأوحد في الأرض والسلاح والحرب والبترول والغاز والحدود والنيل، وكلما ركع شعبه له زاد في غيّه وطغيانه.
أنا مؤمن أن المصريين الشرفاء والعقلاء كلهم، بدون استثناء، يعرفون كل أوردته أعلاه، لكن الروح المصرية الجديدة لم تعد قادرة على التحليق أو الايمان بالوطن أو الاعتراض حتى على استحياء.
السيسي يسعى أن يصل بالمصرين إلى مرحلة اليأس التام، والخوف الفئراني، والرعب الأرنبي، وحُلم مغادرة الوطن إلى غير عودة.
السيسي أسوأ وأجهل وأغدر حاكم لمصر في تاريخيها القديم والحديث.
أكتب هذه الكلمات ولا أبحث أو أنتظر لايك صغيرة أو تعليقا أصغر؛ فقد أفكر في كتابة أوجاعي وأقوم بتسليمها إلى حفــّـار القبور ليعرضها على الموتىَ المدفونين أو المحنطين تحت الأرض لعلهم يكونون أشجع منا، وتنتفض أرواحهم دفاعا عن خمسة آلاف عام.
هذه الكلمات سترفضها كل المواقع والمنتديات والجروبات الفيسبوكية والتويترية لأنها تقوم بتذكير المصريين أن الله نفخ فيهم من روحه، ولكن أكثرهم لا يعلمون.
من فضلكم، لا تضعوا لايك أو تعليقا، ولكن ابتسموا، واضحكوا، واستمعوا للمزاح والنكات؛ فهي لن تضر، بل تمدّ في روح طاغية.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 5 نوفمبر 2018 

01‏/11‏/2018

عقلنة التــَــدَيُّن!

عقلنة التــَــدَيُّن!
إذا انحرف التديـُّـن . تدرْوَش، وتملــّـكته سطوة هائلة من الحماقة، فأصبح قادرًا على وقف التطور، بل قد يمكنه الرجوع إلى الوراء أزمنة موغلة في الماضي.
في هذه الحالة يقتبس معلوماتٍ وأخبارًا وروايات وأحاديثَ غيرَ موَثــَـقة، ويضفي عليها قداسة مصطنعة في مجتمع تغلب عليه الجهالة، ويحكمه استبداد سياسي أو..  ديني بدعم ممن يُتَوَهم أنهم علماء الأمة.
كل الأديان والعقائد يصعب عقلنتها في وجود دراويشها، وللأسف فبمجرد مسّ روح الكون من أسياد المقدس، يتوجه التفكير هائما نحو الدعم التبادلي بينه وبين السلطة السياسية والمالية فتتضاعف قوته، ويهيمن على الإنسان البسيط والمتعلم بنفس القدْر، بل قد تقرأ  أو تستمع لأكاديمي يُحَدّثك عن أنواع العفاريت ورغباتهم الجنسية ومجامعتهم للنساء في وجود الزوج!
عقلنة التديُّن تحتاج لجراحة مؤلمة وشديدة قد تقترب من الكُفْر الشعبي رغم أنه تجديد للإيمان الطاهر في الكون الواسع، وفي الصدر الشجاع القادر على مواجهة ومجابهة دراويش التفسيرات المغطاة بقشور دينية زائفة.
دراويش داخل رداء العلماء ينفون دوران الأرض، ويّكذبون وكالة ناسا في كروية الأرض، ويسخرون من التطور الفيزيولوجي للإنسان.
وهؤلاء لا يحاورون؛ إنما يُـنـصَت إليهم بحُكم هالة القداسة والصمت والمنبر والخوف من التكفير  الذي يصارع التفكير، فيصرعه إذا ساندته السلطة، وينهزم أمامه إذا مــَــلــَــك زمامَه شبابٌ متمرد.
عقلنة التديــُّـن اصعب مرحلة في أي نهضة؛ بل هي حرب شرسة تهزمها الشعوب المطيعة في العالم المتلذذ بالعبودية، وتنجح العقلنة بفضل رهط من من العلماء يأخذون على عاتقهم حَمْل النهضة والتفسير والتمرد على التراث بعد نزع قداسته مع الابتعاد عن الكتب المقدسة لأن الجماهير هنا تتوحش وتفترس من يطرح تساؤلات عقلانية تبدو كأنها ثورة على السماء.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في الأول من نوفمبر 2018  

29‏/10‏/2018

الموت يحكم الحياة في الجزائر!

الموت يحكم الحياة في الجزائر!

في الولاية الخامسة للرئيس الميـّـت الحيّ، عبد العزيز بوتفليقة، أقترحُ أنْ يحضر حفلَ أداءِ القَسَمِ حفّارُ القبور تحسُبــًــا لأيّ حَدَثٍ متوقــَــع!
أحبُ الجزائرَ وثقافتـَها وشعبــَـها وتاريخـَـها النضاليَ العريقَ وكُتــَّـابها وعِزةَ نفسِ أبنائــِـها وغضبَ الجزائريين إذا تعلق الأمرُ بالكرامة، فالجزائري صعيدي بدون نبـّـوت!
ومع ذلك فبلدُ المليون ونصف المليون شهيد يرضىَ بهذه المهانة، فزعيمُها لا يستطيع أنْ يتكلم، وهو يسمع بصعوبة، ولا يتحرك من مقعده، ولا تسعفه ذاكرتــُـه بشيٍء، ولا يستطيع متابعةَ أخبارِ بلدِه التي يحكمها، ظاهرًا، وتحكمه باطنــًـا!
تلميذُ الراحل العظيم هواري بومدين ضرب الصورةَ المُشرقة للجزائر في مقتل، فالصراعُ الإسلامي/العسكري على السلطةِ يدفع بالشعب إلى حنين الاستعمار؛ لذا فعندما يقوم رئيس فرنسي من أبناء ودعاة الجزائر فرنسية(!) بزيارة الجزائر يلهب أحلامَ الشباب في الهجرة حتى لو كانت مساحة سمراء في  أرصفة كاليه، أو سوقا للخضار في مارسليا!
يهين الزعيمُ شعبــَه بالاستبداد، وأحيانا يهين الشعبُ زعيمــَـه بالتحنيط في حياتــِـه قبل دفنِه!
جزائر مالك بن نبي وعبد الحميد بن باديس وعبد القادر الجزائري وجميلة بوحيرد وعشرات .. وآلاف من المجاهدين انتهتْ صورتُهم المشرقة في الكرسي المتحرك الذي يثير حفيظة عشاق الجزائر والمغرمين بتاريخ أبنائها.
في نفسي غُصّة، وفي قلبي حزنٌ شديد، وفي جهازي العصبي غضبٌ عارم على انتقام العسكر والإسلاميين من شعب تعلــَّـمنا علىَ يديه عبقرية النضال وشراسة التحرير.
"تموت الجزائر ولا يموت الرئيس"! هذا شعار الحمقىَ الذين يُخفون في صدورهم كراهية للوطن، وأسفل سيقانهم أقدامٌ سوداء حركية تريد التأكيد أنَّ معركة الجزائر لم تنته لصالح شعبـِــنا العظيم، فالعسكر قادرون على الانتقام من الأنبياء الغاضبين سواء كانوا في وهران أو قسنطينة أو حتى ميدان التحرير بعاصمة المعزّ!
هل سيقسم الرئيس بوتفليقة على المصحف أم على النعش؟
لو غضب الجزائريون على العسكر والإسلاميين مرة واحدة، فسيعود السلامُ للوطن المحرَر أكثر منذ نصف قرن، وتتفتح أبواب الخير، ويلتحم الشقيقان: المغرب والجزائر ولعل تونس تنضم إليهما.
في الجزائر خير من أرض وصحراء وشواطيء وغاز وبترول وكفاءات شبابية تصنع المعجزات، فكيف اختاروا لها الموتَ حاكما لينفخ فيها الحياة المزيفة؟
أيها الجزائريون أبناء وأحفاد الأبطال والشهداء،
سارعوا بإنقاذ بلدكم قبل الندم على التحرير!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 29 أكتوبر 2018

الجنسية الخليجية .. الشرف المستحيل!


الجنسية الخليجية .. الشرف المستحيل!

قد أتفهم مخاوفَ السلطات في أيّ دولة خليجية تمنح جنسيتها وفقا لطول فترة الاقامة بغض النظر عن الملابسات الأخرى كالثقافة واللغة والعوامل المشتركة.
هناك وافدون آسيويون قضوا في مدن خليجيةٍ عقدين أو ثلاثةً، وكثيرون منهم لا يستطيعون تركيبَ جملة عربية واحدة سليمة، فضلا عن القراءة. 

ستصيبني صدمةُ الدهشةِ إن رأيتُ، مصادفةً، في إحدى زياراتي الخليجية بنجلاديشيا أو سريلانكي أو هنديا أو فيليبينيا يجلس في مقهي ويقرأ مقالا بالعربية في ( البيان ) الدبيانية أو ( الشرق ) القطرية أو ( الوطن ) المسقطية أو ( الخليج ) الشارقية أو ( الطليعة ) الكويتية . 
ولكن سيغشى علي وترتطم رأسي بالأرض إن شاهدتُ واحدا منهم يجلس وفي يده كتابٌ لتركي الحمد أو يقرأ شعرا للدكتور خليفة الوقيان أو للدكتور غازي القصيبي أو يبحث في مكتبة خليجية عن كتاب بلغة الضاد للدكتور عبد الله الغنيم! 
في الجانب الانساني هي عمالة ينبغي أن يكون لها كل الحقوق والكرامة والأجر الكافي والمعاملة الحسنة والتأمين والسكن اللائق، أما الجانب الذي نتحدث عنه وهو الحصول على جنسية دولة خليجية أقام فيها المغتربُ الوافدُ معظمَ سنوات عمره فهو أمر يحتاج منا إلى التريث والمطالبة باحترام الجنسية، ومنحها لمن تتوفر فيهم كل الشروط المناسبة وفي مقدمتها اللغة العربية قراءة وكتابة. 




ولكننا هنا نتحدث عن الظلم الشديد الذي يتعرض له مقيمون وافدون ومغتربون قدّموا أعمارَهم في خدمة الدولة المضيفة، ولا يعرف أولادُهم بلدا آخر غير البلد الخليجي المضيف، ومع ذلك فلا يحصلون على الجنسية ولا يتمتعون بالاقامة الدائمة ولا يشاركون في ثمرات عملهم وجهدهم وعرقهم. 
كيف لمدرس أو أكاديمي وأستاذ جامعي أو طبيب يمارس الحياة الطبيعية بما فيها اهتمامه بقضايا وطنه الخليجي الثاني ، ويفهم اللهجة بل ويتحدثها، ويُربي أجيالا يعلمها الولاءَ للوطن، ويلقّنها دروسَ العقل والأخلاق والعلم والأدب، ثم يقف بعد عشرين عاما في صف طويل ينتظر أن يوافق شابٌ في الداخلية في عمر أولاده على تمديد اقامته عاما آخر بعد دفع رسوم الاقامة؟ 
في بعض الدول الخليجية يتم الحصول على الجنسية بالواسطة والمحسوبية، بل قد تحصل عليها مطربةٌ ناشئة تثير رقتها واتساع فتحة الصدر في بلوزتها الشفافة عاطفةَ الشفقة والشهامة(!) لدى مسؤول كبير فيأمر بتشريف الوطن بجسدها العبقري البض العجرمي وتنضم صاحبتنا لحاملي جنسيته، في الوقت الذي يكون هناك مواطن عربي موسوعي يعمل في مركز بحوث ودراسات أو علوم أو آداب بدأب وأمانة وحب جارف حقيقي لوطنه الثاني ويحمل همومه في صدره أكثر مما يفكر في هموم وطنه الأم، ومع ذلك يمكن تفنيشه بين لحظة وأخرى، وبامكان رائد صغير وضعُ علامة حمراء على ملفه أو عرقلة تمديد الاقامة. 



لقد آن الوقت لحسم هذه القضية، ومنح جنسية أي دولة خليجية لكل مغترب قضى على الأقل 12 عاما متواصلة ( العطلات حق طبيعي )، ويجيد اللغةَ العربيةَ قراءةً وكتابة، ولم يتم اتهامه في قضية أخلاقية، ولتكن البدايةُ مع الباحثين والعلماء والأكاديميين والأطباء والمهندسين والاعلاميين والأدباء ثم يتوسع القبول وفقا لما تراه مصلحة البلاد على أن يحصل على الاقامة الدائمة ( وليس الجنسية ) كل من أقام لعشر سنوات متصلة في البلد الخليجي. 
عندما يتوقف الظلم تنتعش وترقىَ المشاعر الانسانية، وتقل نسبة الجريمة، ويتناغم أفراد المجتمع، ويتم اطفاء حرائق وصدامات نائمة في أحضان ظلم لا يتحدث عنه الكثيرون. 
والظلم قد يملك أقوى حقنة تخدير للضمير، فيخرج فجأة شيطان الإرهاب ويضرب بقسوة وعنف وغلظة، أو تصطاد جماعات القتل العشوائي مفخخيها من بين من وقع عليهم أو على آبائهم وأمهاتهم ظلم بين وقهر شديد. 
من هنا نبدأ ... 
من تجفيف كل مصادر الظلم والغبن وهضم الحقوق والتهميش والصراع الطبقي والتخدير باسم الدين والتمييز الطائفي. 




محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو   النرويج



28‏/10‏/2018

رسالةٌ لي من مؤيد لتغطية وجه المرأة!


رسالة لي من مؤيد لتغطية وجه المرأة!

مضتْ سنوات وأنت تكتب، وتحرّض المرأة على إظهار وجهها ومخالفة آراء وتوجيهات شيوخنا وعلمائنا وفقهائنا، ولم يقتنع بهراءاتك إلا حفنة من أعداء الإسلام الذين يرغبون في جعل نسائنا كاسيات عاريات، يمشين الهوينا بالبكيني دون حياء أو .. خوف من عذاب مقيم.
وأنا ومعي كل دعاة تغطية وجه المرأة سنظل  نقاوم دعوتــَـك، ونشكك فيها، ونستخرج من كتبٍ صفراء فاقع لونها كل ما يساند، ويعاضد جبهتنا العريضة والواسعة الانتشار والممتدة من كل لحية وزبيبة إلى كل داعشي وسلفي واخوانجي.

رزقنا الحرام في نقاب المرأة وإلا كيف يتسلل الواحد منّا إلى بيت جارته فيظنه الساذجون امرأة، فيخون ويرتكب كل الموبقات في حرمات منزل، وربُّ البيت لا يجرؤ على الاقتراب مني أو نزع النقاب أو حتى سماع صوتي المُحرّم!
أعرف إرهابيا يرتدي النقاب الذي يُسهّل له تهريب متفجرات، وقتل الأبرياء، والتجول بحُرّية من مكان إلى آخر بعد كل عملية، فالمجتمع الأحمق ورجاله الممغنطة عقولهم اللزجة يرجعون إلى أقوال مرّت عليها مئات الأعوام، فيطبقونها حسبما تقتضي الرؤية المفزعة لتدمير مدرسة أو مستشفى أو ذبح أطفال صغار.
أعرف شابا مهووسا بالجنس يدافع عن النقاب كأنه قطعة من قلبه، فيرتديه بطريقة مُحَنــّـكة وفنية يبدو فيه كأنه امرأة تداعب الخيال البورنوجرافي؛ فيسقط ذكور الأمة عن اليمين وعن الشمال.
هذا الشاب ارتكب كل المُحَرّمات في البيوت وفي الأزقة المظلمة، وخان أقرب جيرانه، وتواعد مع نساء وفتيات في غرف نومهن، وربُ البيت نائم يصدر شخيرًا يزيد به الخيانة عفنا.
أعرف مُهربا للمخدرات يرتدي النقاب، ويُكحّل عينيه أو يغطي وجهه كله، ويضرب الأرض بكعب حذائه العالي، وتتفتح له كل الأبواب حتى أنه أدخل كمية من الكوكايين في المنزل المجاور لبيت مدير الأمن.
كيف تدعو لسفور المرأة وظهور وجهها فتُحْرمني من اغتصاب الأطفال وهي متعتي الكبرى، فالطفل لا يستطيع أن يتعرف عليّ، وربما يخاف من قصّ حكايتي معه، فالأم الحمقاء والأب الساذج لا يُشكّان في كل زياراتي للحواري الضيقة المحيطة بمنزلهم.
النقاب وتغطية وجه المرأة أعظم وأجمل هدية من إبليس للمرأة اللعوب والرجل الخائن، أمام مجتمع أهبل وعبيط ومتديّن، ومدافع مستميت عنــّـا، نحن الرجال الذين يحاربون بشراسة من أجل أن يقتنع كل صاحب مخٍّ مخاطي أن الإسلام يدعو إلى تسهيل الإرهاب والتهريب والاغتصاب والخيانة الزوجية ودخول العشيق إلى أي بيت محرّم على الغريب، وحلال على من يرتدي غطاء وجه امرأة فتتفتح أمامه كل الأبواب.

إن رجال الأمة تقلصّت الشهامة في نفوسهم، ولا أحتاج للدفاع عن النقاب، فأنت تطالب بمجتمع حرّ كما هي توجيهات العلي القدير، نعرف ونتعارف بوجوهنا وعيوننا وأصواتنا وأجمل قرائن المعرفة، بصمات الأنامل وهوية الوجه، فيأتيك الهجوم الأحمق من كل مكان، وأصدقائي من دعاة تغطية وجه المرأة يجادلونك، ويحاربونك، ويحاورونك في البكيني والسفور والخلاعة والعري كأن دعوتك للفضيلة الظاهرة تخفي وراءها رغبة في اشتهاء المرأة.
أنا أدعو وأتمسك بعباطة تغطية وجه المرأة، فكلنا، دعاة النقاب، متحرشون وخائنون لزوجات جيراننا وإرهابيون ومهربون ومخرّبون ومغتصبون، وأنت تدعو لمجتمع نظيف مفتوح وفضيل وطاهر.
أنا أكتب هذه الكلمات وأصارحك علىَ الملأ أن تأييدي لتغطية وجه المرأة لفتح كل أبواب الموبقات الخفية أمام مجتمع أحمق يمسك رقبتــَـه دعاةُ دين يعرفون ويفهمون أن تغطية وجه المرأة أكبر عمل خبيث قام به الشيطان، ووجد من المسلمين مؤيدين ومتعاطفين أكثر مما كان يحلمبه مَلـِـكُ العُصاة.
كل من يردّ على هذه الرسالة ويدافع عن تغطية وجه المرأة هو صديق لي، نتماسك، ونرهب، ونغتصب، ونخون، ونُهرّب أمام أعينكم وأعين السلطة والأمن والجيش والأزهر والدعاة والمثقفين.
هل تصدّق يا من تُحذر الناس من النقاب أنَّ معظم شباب الجامعات المصرية الذين سيتولون شؤون أم الدنيا بعد سنوات هم دعاة نقاب، فنحن الدعاة الحقيقيون ختمنا على أقفيتهم، ثم بصقنا عليها، ثم تبَوّلنا على شهاداتهم الجامعية، ثم علـّـمناهم أنَّ الجهل علم، وأن الكتاب عدو الدين.
هذه رسالتي لك بعدما تابعتك لأكثر من ثلاثين عاما وأنت تدعو لفضيلة تعارف أبناء الوطن، رجالا ونساءً، وماذا كانت النتيجة؟  لقد زادت أعدادنا، وتبخرت علومنا، وصدأت عقولنا، وانتعشت تجارتنا في الجنس والإرهاب والتهريب والتحرش واغتصاب الأطفال.
رسالتي لك، يا من تُحرّض على نزع غطاء الوجه عن المرأة فتحرمنا من رزقنا في المُحرّمات، لن تؤثر قيد شعرة في قارئيك إلا حفنة قليلة أنعم الله عليها بالعقل .. فحفظته، وبالطُهر ..فحافظتْ عليه.
أصارحك الحق: أنا الأقوى في مجتمع مُخدَّر بالسلطة ورجال الدين وحماقة الإعلاميين وجُبن المثقفين خشية اتهامهم بمعاداة الدين.
بعد دقائق أتوجه إلى حارة مجاورة متحيّنا فرصة طفل بريء يمر بجانبي، وتنتهي حياته الطبيعية هذا اليوم، ويظل المسكين يبكي مولدَه في مجتمع جبان ومريض، فأنا ساغتصبه ورجل الأمن الذي مرّ لتوي أطرق في الأرض خجلا، ظنا منه أنني امرأة منقبة ولست رجلا عدوا لأبنائكم، أستمتع بأجسادهم الغضّة الضعيفة.
أو ربما بعد دقائق أقوم بتسليم شحنة مخدرات، أو متفجرات لإرهابيين أعدوا عملية ضد أبنائكم شباب الجيش أو الشرطة.
أو ربما أدلف إلى البيت المجاور، وأدخل رافعا رأسي ومغطيا وجهي، فيصفق لي إبليس، ويصفع صاحب البيت الساذج والمنشغل بقراءة القرآن الكريم وهو سعيد بحجب حريمه!
لم يحدث في تاريخ الفضيلة والطُهْر والعفاف والسلام والأمن أنْ كان عملنا، نحن أعداء الله والبشرية والأديان والأخلاق، سهلا وميسّرا وفي حماية المجتمع والمنبر والمثقف والسلطة كما هو الآن.
أتركك الآن فتغطية وجهي هي سلاحي المرّخص به منكم، وما عليكم إلا أن تبحثوا عن أشلاء قتلاكم وعن فلذات أكبادكم المتحرش بهم و.. بهن، وعن شهدائكم الذين سقطوا في كمين نصبه لهم منقبونا أمام أعين ضباطهم.
قوموا إلى صلاتكم، وحافظوا على نقاب حريمكم، ولا تنصتوا لدعاة إظهار وجه المرأة، وحاربوهم حتى تستمر في الأرض الفتنة والفساد والخيانة والإرهاب والتهريب.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 28 أكتوبر 2018



27‏/10‏/2018

المجانين فقط يحبون أوطانهم! من يبلغ بهية؟



من أرشيفي!

المجانين فقط يحبون أوطانهم! من يبلغ بهية؟

القاضي الذي يجعلك تصرخ حتى تسمع صراخــَــك وحوشُ الغابة والأسماك في قاع المحيطات والطيور في السماء والأجنة في بطون أمهاتهم، ثم يدّعي أن صوتك

لم يصله أو يتهمك بالصمت خوفا وخشية وجبنا وفزعا، هو أكثر قسوة ووحشية من المستبد الذي يمزق حبال صوتك أو يقطع لسانك أو يسلط عليك رجالَ أمنه الذين يحرسونه منك ومن أمثالك.
وأرض الكنانة واحدة من الذين إن قيل لها قتيلك قالت أيهم فهم كُثر؟ فعشاق بهية أكثر عددا من أبنائها، يشربون من ماء النيل كأنه شراب طهور حتى لو ألقت فيه كل شركات الاستثمار الفندقية ومقالب القمامة ما يجعله يتمنى أن يغير مجراه، أو يعود من حيث أتى، أو يلعن يوم مولده في فيكتوريا وبدء رحلة المتاعب والمشاق التي لم ينتبه إليها شاعرنا محمود حسن إسماعيل وهو يتغزل به ويقول: سمعت في شطك الجميل ما قالت الريح للنخيل، يسبح الطير أم يغني ويشرح الحب للخميل وأغصن تلك أم صبايا شربن من خمرة الأصيل؟

أما إن كان غرامك بمصر يعبر عنه قلم بين أصابعك، فقد أحكمت لك العقدة التي لا حل لها، فإذا أضفت إليها هوية تحملها في جيبك وفؤادك وبين جوانحك، وماضيا جميلا تتحسر عليه، وأهلا وأحبابا وأصدقاء تخاف عليهم مصيرا مجهولا، فقد أصبح ملك الموت أقرب إليك من حبل الوريد حتى لو تركك ردحا طويلا من الزمن، فأنت في سياق مهمته ميت نصفه حياة وروح لم تخرج من الجسد بعد، لكن لم يعد لها فيه موضع أو راحة. 

في كل بلاد الدنيا، سواء منها الديموقراطية أو المستبدة، تؤتي الكلمة أكُلــَــها بعد حين، ويستجيب لها المستبد والديموقراطي على حد سواء، ويعود صاحبها إلى أهله سالما أو يذهب وراء الشمس شهيدا للقلم والحرية والسلطة الرابعة. 
لو تنفست في العراق وكانت أنفاسك على غير ما يهوى أحد رجال السلطة أو كلاب القصر أو عيون الأمن، فلن تعود إلى أهلك إلا بروح جديدة وجسد دمرته أعقاب السجائر والعصي الكهربائية والأسياخ المدببة التي يعرفها كل عراقي في عهد الرئيس صدام حسين، أو عبد الله المؤمن كما كانت تصفه صحافة الأردن وفلسطين. 

لو كنت في ليبيا وتبادر لذهنك انتقاد اللجان الثورية، أو طرحت سؤالا بريئا عن أموال البترول منذ أن تولى الشاب الصغير الساذج معمر القذافي مقاليد الحكم، وأوامر الحياة والموت وحراسة ليبيا من شعبها، أو شككت في عبقرية واضع الكتاب الأخضر، أو قلت إن قائد الثورة ليس أفضل روائي في تاريخ الأدب الحديث، أو وضعت علامات استفهام عن الهزيمة في تشاد وتسليم أسرار الجيش الجمهوري الأيرلندي لمخابرات بريطانيا العظمى، أو الفقر في جماهيرية العقيد التي ملكت من الأرض والزرع والأموال والبترول وكل مسببات الثراء التي أهدرها العقيد على مزاجياته وتهوره واحتقاره للشعب؛ لو فعلت هذا وأنت في عزبة قائد الثورة، أعني ليبيا التي يمتلكها كلها أرضا وشعبا وخيرات، فإن مصيرك سيكون مثل مصير الإمام موسى الصدر أو منصور الكيخيا أو غيرهما ممن غضب عليهم رسول الصحراء. 

ولو كنت فدائيا من أب فدائي وجد حارب مع مفتي القدس أو قادة ثورة 1936 ضد الوجود الصهيوني، ثم انتقدت زعامة أبي عمار، أو أشرت إلى أخطاء للقيادة الفلسطينية، أو اختلفت مع حواريي الرئيس الفلسطيني الذين عادوا من الغربة وتسلموا بعض مفاتيح أجزاء صغيرة من بلدهم مقابل إنهاء الحلم الفلسطيني في عودة خمسة ملايين إلى أرضهم، فإن التعذيب الذي ستلاقيه في سجون السلطة الوطنية أكثر مرارة وقسوة ووحشية من نظيره الإسرائيلي، وعندئذ ستصب جَمَّ غضبك على الذين علــّـموك وأنت صغير حب بلدك وضرورة تحريرها من الاحتلال الصهيوني، ونسوا تعليمك أن التحرير يبدأ من الوصوليين والمنافقين والمتعاونين والذين يتسلمون جوائز الشهداء ويقطفون ثمار جهد وعرض وانتفاضة شعب، طوال نصف قرن من النضال ومقاومة الاستيطان الصهيوني الشرس.

ومصيرك إن كنت تحب بلدك تحت أنظمة استبدادية لا يختلف كثيرا من بلد إلى آخر. أما إن كان هذا الحب في بلد متقدم أو أوروبي أو ديمقراطي، فربما تصل كلماتك المسموعة أو المرئية أو المكتوبة إلى المسؤول قبل أن يحملها الأثير أو تدفع بها إلى تروس المطبعة. 
فالإقرار الضريبي لمساعد رئيس الوزراء في النرويج قذف به إلى الهواء مرتين لمجرد أنه أخفى بعض المعلومات عن مصلحة الضرائب، على الرغم من الدور الأول الذي قام به كعراب لاتفاق أوسلو، لكنه لم يشفع له لدى صديق عمره رئيس الوزراء الذي سبق أن استدعاه على عجل من الشرق الأوسط ليكون ساعدا أيمن له. 
والصحافة في أوروبا تنشر الخبر فلا يذهب المسؤول الذي يعيــّـنه إلى موقع عمله قبل أن يصحب معه كل الأوراق والمستندات والوثائق التي ربما تخفف عنه أو تبرئ ذمته عندما يتصل به رئيس الدولة أو رئيس الحكومة بعد وصوله إلى مكتبه ببضع دقائق. 

 القضية في مصر أصبحت أكثر تشابكا وتعقيدا من الوضع تحت ظل الأنظمة الديموقراطية أو المستبدة. فلأول مرة يتم خلق نظام غريب من الديموقراطية التي تسمح لكل فئات الشعب بالخوض في المسائل الوطنية والقومية والاجتماعية والدينية والسياسية والفنية وترك الصحافة تكتب ما تشاء، وتتهم وتنشر ما يشيب له شعر الولدان، وتنصح وتعلن أسماء مافيا الفساد، وتقدم للحكومة على طبق من فضة كل ما من شأنه اختصار عذابات هذا الشعب الصابر العظيم. 
ولكن الصحافة والإعلام والكتب والنشرات ورسائل الاستغاثة بصاحب القرار الأوحد، والبلاغات والصور والشواهد والقرائن والأدلة تنتهي عند آذان لا تنصت إليها، أو مسؤولين يحتقرون السلطة الرابعة، ومحافظين يسخرون من أصحاب القلم، وسلطة تنفيذية ترى الكتابة عبثا وهراء وتهويلا من شان صغائر الأمور، في بلد ليس فيها أبدع من توجيهات عليا. 

إذا كنت تحب مصر وترغب في الكتابة وهي مهنتك وشرفك وعِرضك ولقمة عيش أولادك وميزان حسابك يوم القيامة عندما تقف أمام رب العزة، ويخرج لك كتابك تلقاه منشورا، فلتستعد من الآن لذبحة صدرية أو سكتة قلبية أو جلطة في الدماغ أو غم وكمد يجعلك طريح الفراش، ولو كنت تمشي كالعفريت الأزرق. 
لن يستمع إليك احد، وستصرخ كما يفعل حمودة وهيكل وعبد العظيم رمضان وإبراهيم عيسى ومجدي حسين وفريدة النقاش وغالي شكري وعبد الرزاق حسين ومحمد عباس ومحمود السعدني وأحمد فؤاد نجم وأحمد رجب، ومئات غيرهم وآلاف كتبوا ورحلوا، أو كتبوا وصمتوا، أو كتبوا ولم يصدق أحد أنهم يحبون بهية ويعشقون طلعتها ويخافون عليها من جراد يأكل الأخضر واليابس ويقول هل من مزيد؟ 

يمكنك أن تبدأ صباحك بقراءة الصحف المصرية بأقلام كتاب وصحفيين وهبوا أرواحهم لتخليص أرض الكنانة من كل من يمسها بسوء، وكانت لدى كل منهم ألام وآمال بأن يقرأ الرئيس حسني مبارك ويتابع بنفسه ويلغي كل مواعيده ويتفرغ لحل قضايا ومشاكل وهموم وزلازل وكوارث لو نزلت على بلد لجعلته قاعا صفصفا، ولكن الله سلــّـم وترك لمصر ولزعمائها وقتا يتداركون فيه الأمر، وربما لأن هذا البلد الأمين لا يرضي له رب العزة إلا كل الخير ولو جاء متأخرا. 

تقرأ في الصباح الباكر عن تهريب كمية من آثار مصر طوال عشر سنوات دون أن ينتبه إليها أحد، واعتداءات جنسية مستمرة من الداخل والخارج على مرضى مستشفى الأمراض العقلية في القاهرة، وسماسرة ومكاتب يروجون للعمل داخل إسرائيل وآلاف الأفدنة تغرق ولا يعرف من المسؤول، وانتشار العفن بالبطاطس الذي أتلف آلاف الأفدنة، وسرقة حقائب العائدين على شركة مصر للطيران والعصابة لا تزال تعمل داخل مطار القاهرة الدولي، ومحطة صرف صحي فوق أرض زراعية ترفضها المحكمة والمحافظ يرفض قرار القضاء، و400 مليون دولار حجم الاستثمارات الأجنبية في مصر والحكومة تتعهد برفعها إلى أكثر من مليار في عام واحد.

وخمسة أشخاص يستولون على مليار دولار من البنوك ويغادرون مصر تحت سمع وبصر الجميع، وعدد من الوزراء يساعدون بعض اللصوص في الحصول على قرض مقداره 720 مليون جنيه على حين أن السعر الأصلي لها مليار جنيه، وصناعة النسيج في مصر مهددة بالاحتضار. 
هذا غيض صغير من فيض لو نشرناه لاحتاج إلى مجلدات لو عرضت على السماوات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها لثقلها على الضمير والروح فحملها الإنسان الذي كرّمه ونعمه خالقه جل شأنه. 
يمكنك أن تكتب وتصرخ وتبكي وتذهب إلى روز اليوسف والأحرار والشعب والدستور والعربي والأهالي والأهرام واليسار وأكتوبر وصباح الخير والحقيقة والمصور، وغيرها من مطبوعات تحمل وهي خارجة من المطابع كل الأحلام الجميلة والمزهرة والوردية لأصحاب قلم متفائلين أن تقع عين السلطة على خبر فيها، أو يصر رئيس الجمهورية على متابعة كل ما يجري في البلد ويضع سلطته فوق كل اعتبار من أجل مصلحة الوطن. 
ويأتي اليوم التالي والثالث والرابع والعاشر، وتمر الشهور والسنوات ويزداد الصراخ ويتبعه ألم ويعقبه أنين وتحيط به أوجاع من كل مكان، ولا أحد يتحرك. 
فمحافظ الإسكندرية باق في موقعه حتى لو أغرق الثغر أو جعل مياه البحر في العاصمة الثانية المصب الوحيد للصرف الصحي. ورئيس شركة مصر للطيران يتحدى مصر كلها أن ينقله أحد من موقعه ولو خسرت الشركة الوطنية مليارات. وعشرات الآلاف من ضحايا شركات التوظيف قرروا توجيه رسالة عاجلة إلى الله عز وجل يشكون فيها من ظلم ذوي القربى ومن إهمال متعمد من السلطة التنفيذية لمطالبهم العادلة. 
يمكنك أن تزيد صراخك أضعافا مضاعفة، ولكنه لن يصل إلى صاحب القرار حتى تجد نفسك أمام خيارين لا ثالث لهما: أن تذهب إلى غرفتك وتغلق بابك وتضرب رأسك في الحائط، أو تغادر البلد كما فعل الدكتور نصر حامد أبو زيد الذي وجه نداء إلى رئيس الجمهورية أن ينصفه ويمنحه حقوق المواطنة والحرية والاستقلال والفكر، وهو الأكاديمي الذي تربت على يديه أجيال جامعية، ولم يستجب الرئيس، فسافر المفكر المصري وترك الأرض الطيبة للشيخ يوسف البدري والدكتور عبد الصبور شاهين وبقية القضاة..  الذين يشقون الصدور التي في القلوب للتعرف على ما فيها ومحاكمة صاحبها واستتابته عن أشياء لن يحاسبه الله عليها ولكنهم يفعلون. ولا تزال مصر الحب الأول والأخير للأشراف وعشاق الوطن والمهمومين به والمغرمين بكل ذرة تراب في أرض الكنانة. 

ويعلو الصراخ، وتزداد المطبوعات، وتتضاعف النداءات والمقالات والتحقيقات الموثقة ومعها أحلام شهداء لم يموتوا بعد، وصناع تاريخ من السلطة الرابعة، وجنود مجهولون في بلاط صاحبة الجلالة مهنة البحث عن المتاعب، ولكن الرئيس لم يصل إلى مكتبه بعد، وقد تأخر قليلا لكنهم متفائلون بوصوله إلى مكتبه يوما ما، وسيطــّــلع على عشرات الآلاف من القضايا العاجلة جدا والمهمة والخطيرة التي نشرتها الصحافة المصرية والصديقة طوال سنوات، وعندئذ يكتشف الرئيس حسني مبارك أن مصر على مبعدة أمتار معدودة من القصر الجمهوري، وأنها تنتظره بصبر لا ينفد، فلا تزال الأرض الطيبة تمنح حكامها أكثر مما يعطونها وتعفو وتصفح وتحب وتعشق. 
أكاد أسمع وقع خطوات الرئيس، ولعله تنبه إلى أن أحدا بانتظاره. المهم أن يتعرف على بهية بعد هذا الغياب الطويل.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في نوفمبر 1993


لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...