20‏/05‏/2016

رسالة مفتوحة إلى حرامي مقالات!

أعيد نشر المقال التالي الذي كتبته منذ عشر سنوات، بعدما اكتشفت اليوم قرصانا مجرما اسمه ( محمد فايد) نشر في مجلة ( الساخر ) مقالي المعنون بــ( سامحينا، فنحن الغزاة الجدد)، وحذف اسمي وألقاه في عالم النسيان، ووضع اسمه عليه، وذهب لينام في أحضان ضميره يرتكبان الحرام.
أنا غاضب .. غاضب .. غاضب
أوسلو في 25 أكتوبر 2006
هل رأيتَ شخّصاً يكتب رسالةً إلى لص أو تاجر مخدرات أو محتال أو نصاب أو مهرب؟
إن تكن رأيته فقد تفهم رسالتي رغم انشغالك الآن في البحث على النت عن ممتلكات فكرية أخرى لأناس عصروا أدمغتهم لمد أقلامهم بمِداد لا أحسبك قادرا على الاتيان بنقطة منه ولو كان أمامك بحرٌ تمده سبعةُ أبْحُر.
عندما أكتب فإن بعض الكلمات تستدعيها ذاكرتي، والبعض الآخر تتسلل دون أن أنتبه إليها، ثم تقفز حاشرة نفسها في أول الجملة أو وسطها أو نهايتها ولا تأبه لبحثي عن كلمات أخرى.
أحيانا تأتيني مصاحبةً لجُملة، أو ملتصقة بفقرة أو مرافقة معها مرادفات أخريات لكي تتيح لي فرصة انتقاء ما أراه ضروريا في مقالي.
والكتابة عملية ولادة قد تأتي طبيعية، أو قيصرية، أو تنتظر ( طَلْقا ) منتظما يأتيك ليلا أو نهارا فيسقط جنين فيه روح لا تستطيع أن تستبدل بها روحك ولو نقلت المقال كاملا وعرضته على كل المواقع والمنتديات.
ربما لم يعلمك أحدٌ في الداخل، أعني الضمير والدين والقيم والأخلاق ومشاعر الخير ومنطق رفض الاستيلاء على ممتلكات الغير، أو أحدٌ في الخارج، مثل الأسرة والبيئة والأصدقاء والمدرسة وخطيب المسجد وكاهن الكنيسة أن لكل انسان حرمات، وحرمةُ الكاتب قلمُه، ومن يسرق جهدَه كمن ينتهك عِرضه أو يلوّث شرفه أو يخون غيبته.
فَتَحَ لك الانترنيت مغارة علي بابا ولم يكن بصحبتك أربعون حرامياً فقط، لكنهم بالآلاف تكاثروا على هذا الاختراع العجيب الذي لم يحلم بمثله إنسٌ ولا جانٌ منذ بدء الخليقة.
سرق أربعة منهم مقالا لي تحت عنوان ( وقائع محاكمة الرئيس حسني مبارك ) ، ونشره كل منهم في أحد المنتديات لعله يتلقى استحسانا من آخرين، ومديحا وثناء ممن يظنون أنه كاتب المقال، وبذلتُ جهدا كبيرا لاقناع المشرفين على تلك المنتديات بأنني لا أتساهل في هذا العمل الدنيء ، والاحتيال العفن.
آخر اكتشاف لي كان مقال ( خمس وعشرون ليلة قَدْر من عمر الرئيس مبارك )، ونشره أحدهم، فكتبت رسالة مطولة على هيئة مقال عن تلك السرقة، وناشدت ضمائر القُرّاء والأعضاء والمشرفين باسم الأخلاق النبيلة وشرف الكلمة أن يُدينوا السرقة ويعتبرونها عملا لا أخلاقياً، وأن يطلبوا من لص المقال الاعتذار.
فماذا كانت النتيجة؟
كارثة بكل المقاييس، فقد انحاز الجميع للص، وكتب أحدهم بأن من حقه أن يضع اسمه مادام المقال على النت وأن يحذف اسمي لأنه أصبح ملكا للجميع.
وانحازت إدارة المنتدى للص بصمت مطبق، ولم يعتذر فكل الأعضاء تقريبا، باستثناء اثنين بعد نشري الرسالة للمرة الثانية، يرون أن الاحتيال والسرقة في الممتلكات الفكرية لا تستحق تلك الضجة، وليس مطلوبا من ( ناقل ) المقال أن يعتذر.
إنهم صعاليك الانترنيت الجدد الذين يزحفون كجراد جائع يدمرون الأخضر واليابس، ويضربون بعُرض الحائط كل القيم الجميلة والنبيلة.
إنهم أعداء الكِتَاب، وخصومُ الثقافة، وأميّو الكلمة، وعديمو الضمير الذين ابتُلينا بهم، فانتقموا منّا بسرقة جهود بذلها أصحابها من الوقت والعرق والارهاق لكي يضع الكاتب بصمته، ومشاعره، وثقافته، وفكره، وحتى قسمات وجهه على أحرف أقسم بها رب العزة ( نون. والقلم وما يسطرون)، فيأتي هؤلاء الصعاليك كدود الأرض تهاجم أعراضنا وشرفنا فتنسب لنفسها ولأسمائها القبيحة ممتلكات الغير.
لو أن الأمر حدث مرة أو اثنتين أو سبعًا أو تسعـًـا لوجدت لهؤلاء الغوغاء سبعين عذرا، لكن الجريمة أصبحت عملا اعتياديا، ومشرفو مواقع ومنتديات عدة يرحبون بالسرقة كما يتلقى التاجر الغشاش من لص المنازل ما سرقه منها يعيد بيعها للآخرين.
قدمت احتجاجي مرة لأحد الجروبات الاسلامية لأنهم يقومون بتوزيع مقالاتي ونشرها على أوسع نطاق دون الاشارة لاسمي، فما كان من صاحبنا إلا أن كتب لي بأنه لا يريد أن يضع اسمي على مقالاتي لئلا يستفز فئة كبيرة من أعضاء مجموعته تختلف معي في النهج الفكري، ولأنني انتقدت الاخوان المسلمين في مقال لي، فكأن حذف اسمي أضحى حلالا يُثاب المرء عليه!
صباح اليوم اكتشفت مقالي ( الله يخرب بيتك يا ريس ) في أحد المنتديات، ووضع صاحبنا اسمه الكريم، وتلقى الردود دون يرف له جفن، وربما رأى كغيره أنه سيكسب ثوابا وحسنات تصل إلى السبعين، فالسبعمئة.
أما مقالي ( مقطع من يوميات كلب ) فتمت سرقته مرتين، وتفضلت إدارة المنتدى المنشورة به واحدة من السرقتين بتوجيه اللوم الشديد للص الناقل.
زمن أسّوّد وأغبر لا يكفي فيه أن رقابنا تحت أحذية طغاتنا، وأن شعوبنا تئن من سوط جلادينا، وأن اخوتنا يملئون سجون الوطن السجن كأنه مستقرهم ومستودعهم، ولكن يخرج علينا هذا الجراد الأشِرّ بروح أكثر شَرّاً ليعتدي على حرماتنا الفكرية والثقافية، ويستبدل بروح النُبل فيها أرواح شياطين تقفز فوق الكي بورد كأنها تغتصب عِرض صاحب الكلمة الأصلي قبل أن ينشرها اللص الجديد في أحد المنتديات والمواقع.
في أقل من عامين اكتشفت أكثر من ثلاثين مرة سرقات دنيئة لمقالاتي، وقد لا يكترث كثيرا بعضُ الكُتّاب ولا يرونها مَسّاً بالعِرض وشرف الكلمة وقدسية القلم، لكنني أراها طوفانا خارجا من أعمق نقطة في روح دنيئة ولو جاءني كل الانترنتيين بتبريرات متساهلة، فلازلت أراها عملا منحطا وسافلا.
لا أستطيع أن أتخيل ما يدور بذهن لص سرق مقالا ونشره في منتدى أو موقع ووضع اسمه، ثم تلقى ردودا وتعقيبات واشترك في الحوار دون أن يقرعه ضميره للحظة واحدة!
أيها الكتاب والاعلاميون والمثقفون والشرفاء واصحاب الضمائر الحية،
إذا كانت أجهزة استخبارات الطغاة والزعماء العرب منعتكم من الدفاع عن شرف الوطن، فهل لكم أن تدافعوا عن شرف الكلمة والفكرة وأن تطاردوا سارقيكم ومنتهكي حرمة القلم؟
هذه المرة لا أطالب المثقفين والشرفاء والاعلاميين بالثورة والعصيان المدني والانتفاضة الشعبية والدفاع عن المعتقلين وعن كرامة المواطن وعن حق الوطن في محاكمة طاغيته، لكنني أطالبهم بأضعف الإيمان .. إن كان للكلمة عِرض يدافعون عنه.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج
أوسلو في 25 أكتوبر 2006

16‏/05‏/2016

صناعة الصنم

أرشيف
أوسلو في 16 مايو 2012
 
 
التعصب ليس بالضرورة دينيا أو قوميا أو وطنياً أو مذهبياً أو طائفيا أو قبــَــلياً أو طبقياً، لكن هناك نوعٌ غريبٌ منه وهو التعصب الشخصاني!
أنت تؤيد فلاناً ابنَ فلانةٍ، لكنك تغضب من أجله، وتستيقظ الليل مُدافعاً عنه، وتحارب طواحين الهواء ذوداً عن مزاياه وعبقريته.
تشحذ أسلحتــَــك، وتخاصم الدنيا كلها لمجرد أنك اقتنعت بمزايا وحسنات شخص مثلك، يتعب، ويــُــرْهـَـق، وتستعصي عليه مسألة حسابية ....
..بسيطة، ولم تتركه بعضُ الأمراض النفسية في حاله.
من حقك أن تدافع عنه، وتشرح للعالمين جوانبَ الاشراق في شخصيته، وتسُدّ الثغرات التي تــُـظهر عيوبَه، وتحتضن كلامَه في أحلامِك لعله يتحقق فور استيقاظــِـك، ولكن هل هو واجب عليك تقديسُ سِرِّه المنيع؟

 إنه، أيّ مرشــَـح، شخص عادي، يأكل، وينام فيطارده الأرق، ويذهب إلى الحمام، ويصيبه مغص، ويؤرقه الاسهال قبل التوجّه إلى مبنى التلفزيون.
إنه، أي المرشح، من لحم ودم وشحم وفضلات ومخاط وعرق وذاكرة ضعيفة .. وبين الحين والآخر تزكم الأنوفَ رائحةٌ كريهة تنبعث منه رغم أنفه، وهو مليء بأخطاء وذنوب لو أحصيتها لما أعطيته صوتك.
إنه يستحق صوتك إن كنت مقتنعا به، لكن أن تبرز عروقك، وتحمرّ وجنتاك، وتسبّ وتلعن فيمن لا يريدك أن تعطيه صوتك، وتقضي نصف يومك باحثا عن مؤيدين له ليطمئن قلبك على حُسن اختيارك، فقد أحكمت الأزمة النفسية التي لا مخرج لك منها.

التنزيه نوع من القداسة، والقداسة صنف من العبادة، والعبادة للاشخاص استحمار، والتأييد الأعمى المتعصب استجحاش، وهستيريا الدفاع المستميت عن شخص هي حالة من العبودية المختارة، أو من الدونية المستعذبة والتي لا تليق بمن نفخ الله فيهم من الروح.
كل المرشحين للرئاسة أناس مثلي ومثلك، ولو رأيت معبودك الإنساني وهو في حالة ضعفه بين جدران أربعة لخجلت من كلمات المديح والثناء التي أشبعته منها فانتفخ احساسه بنفسه فبدى كأنه ورم وليس اعتزازاً بالنفس.

لا تصنع آلهة إغريقية ممن تحب، وأعطه صوتك على علاته وعيوبه وضعفه، وامتدح ما تشاء، ولكن لا تصنع صنماً من قش أو طين أو خيوط العنكبوت.
إنه، مرشحك المفضل، ليس أفضل منك كثيراً، وهو يمتاز عنك في جوانب، وتتفوق عليه في جوانب أخرى، وتربطكما إنسانية ضعيفة هشّة لا تستحق كل هذا التهويل والتمجيد والتأليه.
لو رأيت الكبار في مواضع لا يعرفون أنك تراقبهم لحزنت على صنمك ما بقي لك من عمر.
امنحه صوتك، لو أردت، لكن لا ترفعه فوق رأسك، فالأحرارلا يلصقون أحذية الكبار فوق رؤوسهم، إنما يثنون على القليل من ايجابياتهم، ويحتفظون بالكثير من سلبياتهم خشية الصدمة الكبرى.
في هذه اللحظة بالذات لو كنت ترى الغيب، واطلعت على صنمك لوليّت منه فِراراً، ولبكيت على وقت طويل ضاع في البحث عن صفات الملائكة لصلصال من طين.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 16 مايو 2012

حوار بين الرئيس السيسي و .. بيني!

في واحدٍ من حواراتي المتخَيــَـلَةِ والتي تضاهي في الخيالَ أكثر صور الواقعيةِ وضوحـًـا، كادتْ أناملي تشتعل فوق الكي بورد عندما سرىَ جهازي العصبي في كل مسامات جسدي، فخرج الحوارُ كالآتــي، بعدما كاد الرئيسُ يُعيد المسافةَ الضوئية بينه وبيني ليقول وهل أذنت أنا لك بالحديث؟ لكنه استمر في الاقتراب مني، وعــَـدَل نظارتَه السوداءَ القاتمة فلم أتبيـّـن عينيه، فالعينان نصفُ الحديث، وثلثُ الحسم، ورُبعُ الخجل، وثُمـْـنُ الوعيد، وسُدسُ الترهيب:

الرئيس: أراك واجمًا كأنَّ عِفريتـًـا ربط لسانـــَـك بشجرة جـِـمّيز، ألمْ تتوقع تحليلاتـُـك في أربعين عامـًـا تلك العلاقةَ الطبيعيةَ بين الآلهةِ والشعب، بين السُلطةِ والرعـيــّـةِ، بين القصرِ والكوخِ، بين الكبير والصغار؟
ألم تقمْ بتأييدي، والتعاطفِ معي رغم أنفِ كل أصدقائك الذين ناهضوا حُكـْـمي، بل إنَّ كتابـَـك السادسَ عشر والمعنونَ بـ ( لماذا يكرهون مصر؟) كان إهداءً لي، أرسلتـَـه مع خمسة كتب أخرى من مؤلفاتـِـك فبدا الأمرُ بصمةَ تأييدٍ علىَ ورقةٍ بيضاءَ ساطع سطحُها تُسرّ الطامعين؟
أنا: هذه مغالطة، سيدي الرئيس، فلم أكتب مقالاً منذ أنْ توليـّـتَ أنتَ الحُكْمَ دون وضع شروط شرَفية للتأييد والتعاطف بين ثناياه، وأنا لم يكن أمامي طريقٌ آخر، فقد انتقدت السادات، وناهضت مبارك، واعترضت علىَ المشير، وعارضت محمد مرسي ومُريديه قبل وصولـِـهم إلىَ الإتحادية وخلال عام البؤس الأِخواني وبعد إطاحتك بهم، ثم جئت أنت في أيام إزاحة الجماعة، فإذا كنتُ قد عارضتُ،يوليوئذٍ، فلم يكن ليُصــَـدّقني أحدٌ، وسيظنونني رضعت المعارضةَ بُعيـّـد مولدي.
كنتُ أكثرَ الناس فرحـًـا بانفصال المُقطــَّـم عن الاتحادية، ولم أرَ في محمد مرسي شرعيةً فصندوقُ الانتخابات في العالم الثالث أكذب من إبليس، والترشح والترشيح باسم السماءِ لا يختلف عن أوراق "بنما"، ودخولُ الجماعات الدينية قصر الرئاسة كالسماح لأحفاد إيلي كوهين بكتابة الدستور المصري.
أعارضك الآن، لكنني أعرف أنه لم يكن إنقلابـًـا، فملايين المصريين خرجوا يستجدون، ويتوسلون، ويرجون القوات المسلحة أن تقوم بتخليصهم من مرسي ومرشده وجماعته ومُقطـَّـمـِـه.
لم أندم لحظة واحدة علىَ تعاطفي معك، لكنني لن أندم علىَ قطع رحم هذا التعاطف، فأنت الذي قطعته، واخترتَ طريقاً معاكساً تماما لجُل أحلامي وآمالي وتمنياتي.


الرئيس: وهل ذهب بك الظن أنني أكترث بك أو بغيرك؟ هل سمعت أنني غضبت لظلم أو أمرت بإخراج تلاميذ من السجون والمعتقلات؟ هل تخيلتني وقد دافعت عن إسلام بحيري أو فاطمة ناعوت؟ لقد قام الشعب بثورة رفعت مصر مئة ميل إلى السماء، وخسفت بمبارك ورجاله مئة مثلها تحت الأرض، ومع ذلك فقد تمـَّـت تبرئته أمام عيني التي كنتم أنتم، وفقا لأدبياتي، نورَها!
هل تناهىَ إلىَ سمعك صهيل غضبي وطفل مصري مازال رحم أمه دافئـا بعد سقوطه إلى عالم الظلم، فوقف أمام قضاة ومستشارين ليحكموا عليه بالسجن، واليـُـتم المجتمعي؟
أنا الذي اخترت أصحاب القلم والحنجرة لتأييدي، ويتساوى هذا مع اختيارهم لي، فلم أوافق ولم أعترض، فمن يدخل القصر لا يسمع ما يحدث خارجه.

أنا: حزين أنا من أجلك فقد أتيحت لك الفرصة أن تقفز للصفحات الأولى في كتب التاريخ، لكنك لم تزل في دهشة السلطة، فلم تعُدْ تسمع إلا صوت نفسك، ولم تأذن لأحدٍ أنْ يرفع رأسَه في حضرتك، بل إنك أتيت بـِـثــُـلةٍ من المثقفين والإعلاميين والنواب والمسؤولين لتشرح لهم حديث الجزيرتين، المصرسعوديتين، فلما همّوا بالاستفسار أسكتـَّـهم، فأنت الأول والآخر، و ( لا تسمعوا لأحدٍ غيري)!
هل هذا يعني أنني أتعاطف مع الرابعيين والصفراويين وأيمن نور والبرادعي وحمدين صباحي وأبي الفتوح وأبي اسماعيل وأبي إسلام وردحيات ( وطن ) و( الشرق ) و( مكملين) وغيرهم؟
معاذ الله أنْ أكون من الجاهلين، واعتصام رابعة كان استفزازًا، وتهديداً، ووعيداً، وبلطجة، واحتلالا لمنطقة سكنية، ومحاولة خبيثة للتضحية بالنساء والأطفال أمام العالم كله، والمنصّة كان فوقها قرود تتراقص، وإرهابيون يتبادلون الميكروفونات استعدادا لمعركة مع الجيش، ورفضا لكل صور فضّ الاعتصام، ومحاولة صريحة لجمع إرهابيي الجماعات الدينية لإنهاء سطوة وسلطة القوات المسلحة، والقتلة كانوا هم المنصّيين الذين خططوا لرواندا مصرية تقوم فوق ركامها دولة الخلافة.
وأنا عدتُ للمربع الطاهر، رغم أنَّ روحي لم تغادره قط، إنه ميدانُ التحرير الذي كان قــِـبْلــَةَ المصريين في ثمانية عشر يومـًـا، وأطهرَ بقاع وادي النيل.
في أشدّ عهود الاستبدادِ طــُـغيانـًـا سُمـِـحَ للغاضبين بالتنفيس في مظاهرات يهدأ بعدها الشارعُ، وفي عهدك يُحـْـكـَـم بالسجن عدة سنوات على المتظاهر الذي لم يتمكن عقله من استيعاب عبقريتك في قضية الجزيرتين، فقد خالفـَـك في " لا تسمعوا لأحدٍ غيري"، وعرف كيم يونج أون أنَّ زعيمـًـا مصريا تفوَّق عليه!

الرئيس: في تراثـِـنا" إنما يبكي علىَ الحبِ النساءُ" وقد فوضتموني لما بقيَ من عُمري، وهو عقدٌ لا رجعة فيه.
لن يعود لكم قرشٌ واحدٌ من مليارات هرَّبـَـها مبارك وأعوانُه وحيتانـُـه، ولن أردّ علىَ طلبٍ من سويسرا أو أمريكا أو بريطانيا في توسلاتهم من أجل إعادة منهوبات شعبنا.
لن يرتفع إصبعٌ لي بالاحتجاج إذا أصدر القضاءُ أحكامـًـا بالإعدام علىَ مئات أو آلاف أو ملايين أو الشعب كله في دقائق معدودة.
تنتظر مني مشروعا قوميـّـا في التعليم والاقتصاد والطب والعلاج المجاني وتنظيف الوطن من النفايات والنيل العظيم من المخلفات..
تنتظر مني مشروعـًـا قوميـّـاً في القراءة والأدب والتطور والتحضر والنهضة والغلاء لتصبح الأسعار في متناول الطبقة تحت المتوسطة..
تنتظر مني أمرًا بجمع علماء ومثقفين وخبراء وقانونيين وحقوقيين في مؤتمر لإعادة سنّ قوانين لا يمر منها ريح فساد أو أنفاس غش أو زفير تحايل ..
تنتظر مني محاكمةَ قنـَّـاصة العيون والقـَـتـَـلة وساديي التعذيب وتجار المخدرات والأراضي والعقارات ..
تنتظر مني ذوقا رفيعا في شتـــّـىَ مناحي الحياة وكل ما تقع عليه عيون المصريين ..
تنتظر مني جعلَ الشرطة في خدمة الشعب، وإعادة صناعة الكرامة، ليرفع المصري رأسَه حتى وهو يواجه أشدَّ التـُـهَم عقوبة..
تنتظر مني أن أستمع إلى الشعب، وأختص لنفسي بأرفع الكفاءات، وأجعل منصب وزير ومحافظ مقتصرًا علىَ الرسل والأنبياء والمصلحين، أعني من يتمثلون بهم ويماثلونهم ..
تنتظر مني مشروعا قوميا يسرق سيـَـاح مئة وثلاثين مدينة في حوض البحر المتوسط، وأجعل مصر وِجهـَـتـَـهم الوحيدة ..
تنتظر مني دعما معنويا وحقيقيا وملموسا لقوى الاستنارة الدينية بدلا من حرية برهامي مقابل زنزانة لفاطمة ناعوت..
تنتظر مني حديثا أدبيا، وشعريـًـا، وثقافيا، وعلميا، وإجتماعيا، وتربويا، فإذا بي أحدثك عن قبضة الجيش وقدرة العسكر، وأنني الوحيد المسموح لكم بالإنصات إليه، والتعلـّـم منه.


أنا: لماذا حشرت الملائكةَ الينايريين في أقبية السجون، وأعدت للصِّ القرن وولديه المالَ والكرامة والحرية؟
لماذا تركت الإعلامَ ينهش أبناءَك شبابَ مصر الذي ثار علىَ صمت الآباء، ولولا هؤلاء الأنبياء الصغار ما كان للكبار أن يهنئوا بيوم واحد، وجاءوا بك إلى القصر، ورفعوك فوق أعناقهم، فزعمت أنك لا تراهم.
لماذا خسرتَ الرهان على الشعب وبين يديك كل الأوراق السليمة والصحيحة، فلعبتَ بأوراق مهلهلة نفرَ منها إبليس طوال ثلاثين عاماً.

الرئيس: حتى لو لم يكن لديَّ ما أقدمه، فشعبنا سيصفق لي لأن البديلَ قبيح ومُزايد دينيــًـا وسليطُ القلب واللسان، ووضيعُ الخُلــُـق والروح، وكوهينيُّ الفكر والنفس.
نعم، أنا قلت حُلْوَ الكلام عن تجديد الخطاب الديني، وابتسمت لدعاة الخطاب الطائفي.
هل تتوقع مني حُســْـنَ اختيار مسؤول أو محافظ أو وزير؟
انظر إلى كل الذين خرجوا بفضيحة فسادٍ، فأعادهم عهدي. وكل الذي فضحوا الفسادَ، فاستبدلت بهم الذين هُمْ أدنىَ.
غريبٌ أنك لم تلاحظ سوطي اللاسعَ خلف صوتي الناعمِ، ولم تستوعب إنشاء مصنع جديد في الرئاسة للعبودية، فكل عهد له مصانعه، منها ما يقطع، ومنها ما يُعـَـلـّـب، ومنها ما يحشر العبيدَ سردينيًا حتى لو انتهت مُدة صلاحيتهم.
عندما أستعيد تفاصيل مشهد وجودي في كل يوم منذ المجلس العسكري إلى " هل أنا أذنت لكَ بالحديث" أضرب كفاً بكتفٍ فتطير صقورٌ ونسورٌ ونجومٌ مُحـَـلـّـقـَـةً فوق الشعب مثلما يصل صوتُ قائد معسكر التدريب إلىَ جنود ريفيين بسطاء في يومهم الأول وهم يرتعشون.
هل رأيت رئيسَ مجلس النواب وهو يقرأ، بلغة مريضة، كلمة تتقافز، وتتقاذف، وتتناثر حروفها رعبـًا رغم أنه كان يرحب بي؟
هل رأيت شبابا صغارَ وأطفالا يُساقون إلىَ أقبية السجون بعد الحُكم عليهم وهم لم يخرجوا بعد من جلباب الأب و..أحضان الأم؟
سويسرا وبنما وقبرص وبريطانيا وغيرها تكاد تركع لي كما فعلتْ مع المشير طنطاوي ومع المعزول مرسي لنطالب باسترداد أموال الشعب المصري المنهوبة، لكنه اتفاق الجنتلمان الذي احترَمَه كلُّ مَنْ جاء بعد الطاغية المخلوع، لا حقَّ للشعبِ في الأموال المهربة!

أنا: وهل أنت رأيت انحسار مؤيديك وأحبابك وعاشقيك، فتقزّموا، وصغروا، وانكمشوا، وانفرطوا، وكلٌّ منهم يريد أنْ يُصلي بعد العشاءِ الأخير في ميدان التحرير، ويأخذ معه هلالـَـه أو صليـَـبه، قرآنـَـه أو إنجيلــَـه؟
في عهدك القصير انفجرت، وتوسَّعتْ، وتحيّـتـَـنَتْ، الدولة المِزاجية في كل مناحي الحياة، كلُ مصري يفعل ما يشاء له هواه، فيرصّ ويركن سيارتـَـه فوق الرصيف، ويدهن بيتـَـه أو نصفه كعروس المولد، ويرفع دعوىَ قضائية ضد شخص ليس له به معرفة في موضوع لا يروق له ولو كان جُملة في حوار تلفزيوني، أو بيت شعر، أو تفسيرا ينزل غضبا على دواعش مصر، وهكذا دواليك، فالدولة غائبة لكنها تأتي علىَ عجل إذا اقترب أحدٌ من السلطة.
في عهدك القصير أعطيتَ الضوءَ الأخضرَ، ولو بالصمتِ، لتحتل الشاشةَ الصغيرةَ وجوهٌ وألـْـسـِـنـَـةٌ شعيراتها أعجمية وقد شرَّعَتْ لغةَ الشوارع، وحَشَتْ، وحشـَّـشـَـتْ، وخربشت لغتــَـنا الجميلة بمفرداتٍ يلطم منها المعجم، فهي مصنوعةٌ في المقاهي والسراديب والخرابات وسباب الشبحطجية.
في عهدك القصير ارتفعت ألسنةُ اللهب في سماء محافظات مصر، وكلما شبَّ حريقٌ، التهمت النيرانُ غيرَه، وبحثتُ عنك طويلا في كل شبر من محرقة الوطن فلم أعثر لك علىَ أثر!
في عهدك القصير بحثتُ عن أحبابـِـنا .. شركاء الوطن، فوجدت خطوطــًـا حمراءَ مرسومة أمامهم في المناصب الكبيرة والحسـَّـاسة والسيادية، فالسياسةُ الجديدة امتدادٌ للإهمال القديم، والقبطي مواطنٌ من الدرجة العاشرة، وهي تعليمات السلفيين والدواعش، حتى لو عانقك كل الأقباط في الكاتدرائية، فتسعة من كل عشرة أقباط وقفوا معك وخلفك وناصروك، فأصرَّ حزبُ النور أنَّ تهنئتك لهم مخالفةٌ لأصول الدين، فاحتل السلفيون قلبـَـك، واكتفىَ الأقباطُ بصمتـِـك!

هل رأيتَ رجلا يتغزل في فتاة ملائكية، يرسم الحادي عشر من فبراير تقاطيعَ وجهها الجميلِ، فلما ابتسمتْ له جرىَ خلف عجوز شوهاء تسير بصحبة شيطان عن اليمين و.. عزرائيل عن الشمال؟
والذي نفسي بيده لو إنَّ هناك معارضةً لك تستحق إرثَ يناير لما تأخرتُ عن الانضمام لها، وتقبيل رأس كل واحدٍ فيها، ولكن أكثرَ المعارضين مُرْسـِـيـّـو الروح ولو كانوا في أقصىَ اليسار أو من نسل لينين وبول بوت و..أنور خوجة!
لذا فلا مفرَّ من إنشاء جبهة خاصة بي لا تقبل عضوية أحد غيري حتى لو لم تُحرّك ورقة خريفٍ سقطتْ لتوّها!
ما فائدة رفع قبضتــِـك هاتفــًــا: تحيا مصر، في الوقت الذي تُعيد للمخلوع مكانــَـه، وللفكر المتطرفِ هرّاوتــَـه من فوق منصـّـة القضاء؟
أحيانا أشك في قدراتي العقلية وأنا أتابع شفتيك وهما تتحركان فلا أفهم شيئـًـا، وربما كان السببُ هو تصوري المُسْبــَــق عن الزعيم الحُلم.
كلنا خائفون وعبيدٌ وطوع بنانك، لذا لم يقل أيٌّ منــّـا لكَ إنَّ مصر كبيرةٌ عليك، بل لو نزل عليها من السماءِ نبيٌّ أو رسولٌ فربما تكون أيضـًـا كبيرةَ عليه، و.. اللهُ أعلم!
آليةُ صناعة القرار في القصر تحتاج إلىَ عقول الدنيا كلها تجتمع، وتحلل، وتشرح، وتُفســِّـر، ثم تنتهي إلى الموت ضحكـًـا أو.. الموت حــُـزنـًا!
المعارضة الحمقاء بجناحيها، التركي والقــَــطَري، والمفتوحة لها فضائيات يتسـَـمَّر أمامها البلهاءُ هي التي منحـَـتك قوةَ الاستمرار، وشعاراتها ضغيبٌ وفحيحٌ وخوار، وكلما استضاف طاووسٌ أرنبـًــا، وشتمـَك، وسبَّــك، وطال لسانُه حتى كاد يخترق الشاشة الصغيرة، زاد الخائفون علىَ مصر من البديل، وآمنوا أنَّ يونيفورمـًا واحداً قاسيـًـا أشدّ بأســًـا وصِدْقــًـا ومنعةً وقوة من سبعين مُعتزيـّــًـا مَطَريـًـا يجعل "الشرق" غربـًـا وغريبـًـا وغروبـًـا وغُـرْبَــة!

الرئيس: لقد انتهىَ الدرسُ أيها الغبي، وكتاباتك ومتابعاتك ومطالعاتك وخبراتك لأكثر من أربعة عقود لم تنفعك في شيء، والفلولُ أمامـَـك، والاخوانُ خلفك، والرقيق عن يمينك والقضاةُ عن يسارك، وآلاف المقالات التي نشرتـَـها أنت عادتْ شمسها الذهبُ إلىَ ينايرك بعد سنواتٍ ظننتَ أنَّ الشرفَ فارسٌ، والنُبلَ مُصلحٌ، وحُبَ الوطنِ من الإيمان.
هل صدَّقت تجديد الخطاب الديني وياسر برهامي في لجنة الدستور؟
هل صدَّقت مشروعات القرن وأنت تسير علىَ جبال من القمامة؟
هل رأيتَ الإسكندرَ الأكبرَ يبكي علىَ مدينتـِـه قبل غرقِها من قطرات مطر بألفي عام؟
هل صدَّقت أن الملائكة تدخل قاعة محكمة فيها من الظلم واللغة السقيمة والهرولة والفوضى ما يجعل السماوات والأرض تهتز؟
هل صدقت أنني أبحث عن شريف يتطهر به الجهاز المركزي للمحاسبات فيكشف، ويفضح، ويعريّ الفساد؟
هل صدَّقت أنني لا أستطيع الإفراجَ عن الأبرياء والأطفال والطلاب قبل فجر الغد أو بعد عشاء اليوم؟
هل صدَّقت أن مصرَ لا تستطيع أن تلعب دوراً في الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة؟
هل صدَّقت أنَّ السلطة التنفيذية لا ترفع عينيها أمام السلطة القضائية؟
تـَـمـُـنّ عليَّ أنك أهديتني مقدمة كتاب أملا في أن أكون أنا الزعيم الحُلم، فخُـذ، من فضلك، كتابـَـك، وأحلامَك، وآمالك، وثقتــَـك بي، فلا حاجة بي إليك، فمن يتسابقون من أجل أنْ أرضىَ عنهم أكثر عددًا من عاشقي مصر و.. محبيها.


أنا: من الآن يمكنك تُصنــيـفني مُعارِضـِا غير منحاز لأي جهة، وغير متعاطف مع أيّ أيديولوجية، وأجلس وفوق رأسي آية شبابية من الكتاب المقدس لميدان التحرير.
المعارضةُ العمياءُ هي التي تضع عَصابةً علىَ عينيها وتتحول إلى زاوية لا ترى منها مشروعـًـا إيجابيــًـا أو طريقاً جديدًا أو تـَـحـَـسُنـًـا في مرفق، ولن يكون هذا من شيمتي، لكن أولويتي تبدأ بالإنسان، بالكرامة، باخلاء السجون والمعتقلات من الأبرياء، بإنهاء عصر رجل الأمن السادي، بدخول التلفزيون المصري القرن الواحد والعشرين أو حتى التاسع عشر، وهذا هو خلافي الأكبر معك.
معركتك ضد الإرهاب ينبغي أن تمر عبر تغيير أفكار التطرف، والذي حدث أنك أعطيت الضوءَ الأخضر لمحاكمة الفكرة والاستنارة والعقل والتجديد، وأضحى برهامي أقربَ إليك من إسلام بحيري.
حلمتُ طويلا .. طويلا بالزعيم الذي رسمته في ذهني ثم اكتشفت أنَّ بطنَ مصر الولادة، الحبــَّـالة، ست الكل الطاهرة أسقطت جنينــَـها في القصر عدة مراتٍ، وكتب لها الأطباءُ شهادةَ زورٍ أنَّ فلذات كبدها كانوا أحياءً يُرزَقون، ويَحكمون، فسيّدُ القصر لا يموت حتى لو مات!
تُرىَ، سيدي الرئيس، مَنْ منــّـا يقوم بتقديم العزاءِ إلىَ الآخر؟
الآن أنا لستُ معك، ولستُ معهم، فشرفُ قلمي لا يسمح لي بتأييدك أو بتأييد مُعارضيك، ومصرُ العظيمة لم تعـُـدْ مع أيّ طرف أو جماعة أو حزب أو دين أو إعلام أو قضاءٍ ظالم أو مَذهب أو مسجد أو كنيسة أو.. سُلطة
مصر هربتْ وهي تختبيء بالقربِ من ميدان التحرير، ولن تعود قبل عودة الملائكة و.. فرار الشياطين!
سيدي الرئيس،
كلنا خائنون، وقتــَــلة، وكاذبون، وغشـَّـاشون، ومخادعون، وجبناء لأننا لم نـَـقـُـل لكَ عندما توليّت الحُكمَ أنَّ مصرَ كبيرةٌ .. كبيرةٌ .. كبيرةٌ!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
Taeralshmal@gmail.com
أوسلو في 16 مايو 2016

15‏/05‏/2016

مواطنون في الغربة و .. مغتربون في الوطن!

أرشيف
أوسلو في 04 سبتمبر 2010

في الوطن يظل حُلمُ الهجرةِ مُطاردًا إياك كما تطارد خيالَ شابٍ مراهقٍ صورةُ أول فتاة تمكنت من شغافِ قلبه فلا تدري إنْ كانت مزقته أو.. التصقت به.وفي الهجرة يظل حلمُ العودة مُطاردًا إياك حتى لو خرج من صُلبك جيلٌ جديد يحمل بين جنبيه الاثنين معًا: وطنًا ورثه عن أبيه، ووطنًا سقط من بطن أمه فيه!

المصريون خارج نطاق الإحصاءِ، ولا يعرف عددَهم مكتبٌ أو هيئةٌ أو وزارةٌ فَهُم أضعافُ ما تحويه سجلات أيّ سفارةٍ مصرية، وينتشرون في أركان الأرض الأربعة، وإذا أردت أن تحـُصيهم فعليك بأسلاكِ الهاتفِ في المناسبات الدينية والأعياد الكبرى، ثم عليك بعدد الحقائب التي تهبط من أحشاءِ الطائرات في كل عام أو عامين، وستكبر علامةُ الاستفهام حتى تظن أنَّ النيلَ أيضا سيهاجر، وأنَّ الأهرامات ستدلف من مطار القاهرة الدولي إلى حيث ينتشر أحفادُ الذين بنوّها طوعًا أو .. كرها!

تـُفَرّقنا السياسةُ في الوطنِ، فإذا هاجرنا طاردتنا همومُها حتى الفراش الذي تـُبَلله دموعُنا فلا نعرف إنْ كانت على وطنٍ هجَرْناه، أمْ علىَ أهلٍ سقطنا من ذاكرتِهم!
المصريون في الخارج لم يهبطوا من الفضاءِ، ولم تنفصل بهم مَرْكَبَةٌ قادمةٌ من المريخ، لكنهم شرائحٌ مختلفةٌ ومتقطعةٌ غادَرَتْ مصرَ ويُخفي كلُّ مصري بين أضلعه الأسبابَ الحقيقيةَ لغربتِه.
قد تكون ماديةً ثم لا يعود لأسبابٍ سياسية، وقد تكون بحثًا عن استقرارٍ ماليٍّ وأُسَرّي وعاطفي لكنه لا يعود بعدما انقطع خَطُّ العودة.
لا يقضي كلُّ مصري مغترب حياتَه في بهجةٍ، ولا يحتفل مساء كلِّ يومٍ بمناسبةٍ سعيدة، ولا يخرج مع كلبِه حينما تنام زوجتـُه الشقراء مُتـَقَلّبة بدلالٍ على فراشٍ وثير، ثم يعود ليجلس أمام المدفئةِ، ويداعب الريموت كونترول ليبحث بِكَسَلٍ عن قنواتٍ لا يشاهد دقيقتين من كل منها، لكن ملايينَ من أبناءِ وادي النيل يعانون في غربتِهم أمراضًا نفسيةً وعصبية، ويَشـُدّ الكثيرُ منهم الأحزمةَ علىَ البطون، خاصة بعد رحلة الأسابيع الأربعة في مصر التي يتصرفون خلالها كأنهم ورثةُ بيل جيتس، فإذا عادوا كادت تقتلهم فواتيرٌ مُكـَدّسة، وإنذارات بمضاعفة قيمتِها، وشركات تأمين وهواتف وكهرباء تأكل ثـُلُثي دَخْلِ نِصْفِ العام التالي قبل أنْ يلتهم ميكانيكي السيارات الثلثَ الأخير.

والمصري الذي يحسده على غربتِه أبناءُ وطنه يرهقه البحثُ علىَ النتّ عن أرخص تذكرة طائرة، ويقضي أسابيعَ طويلةً مُتنقلا بين الأوكازيونات ليشتري أرخص ما فيها، ثم ينزع السعرَ المُخَفّضَ، ويقوم بحشو حقائبِه للأهل والأصدقاءِ والأحبابِ، ويبدو وهو يخْرُج من المطار كأنَّ العُمْلةَ الخضراءَ آخرُ اهتماماتِه، وأنَّ جيبَه لا يَفْرُغ حتى يتضخم من جديد!
المغتربُ ليس هاربًا من الوطنِ، لكنه امتدادٌ في الخارج لأهلِه في الداخل، والذي حَمَلَ بلَده معه فَتـُرْديه قتيلا في كل مرة يلمسها ليس كالذي يعيش فيها ولا يعرف لها ملمَسًا!

يقف أمامك مهاجرٌ مصريّ زحف الشيبُ علىَ مَفرقِه، وآخر لم يغادر قريتـَه إلا إلىَ عاصمةِ الدنيا لتخليص أوراقٍ في ( المُجَمّع)، ومع ذلك فالغائبُ الحاضرُ يَصِفْ لك دقائقَ المشهدِ كأنَّ روحـَه تستنسخه مباشرة، والمقيمُ داخل المشهدِ لا يستطيع أنْ يصف أيًا من جوانبِه، فلا تعرف حينئذ مَنْ الذي يذوب حُبًا في الوطن: المهاجر الموجوع أم المقيم الذي خدّرته العادةُ فإذا فَتَحَتْ له كارثةٌ أو مصيبةٌ أو فاجعةٌ عينيه، أغلقها سريعًا قبل أنْ يكتشف أنهما تبصران لو أراد أنْ يَعْرض أمامه جحيمَ وطنٍ، وجهنمَ مصر في عهدِ مبارك.

يجانب الصوابَ مَنْ يظن أننا في غربتِنا ننام علىَ ريشِ نَعام، ونُحصي أموالنـَا بشِقّ الأنفس من كثرتِها، ونستبدل في أول كل شهر سيارةً جديدةً بسيارةٍ قديمةٍ، وأنَّ كلَّ أيامِنا أعياد، فحياةُ المغتربين لا يعرف مواجعَها إلا من انتظر بصبرٍ نافدٍ العائدَ من زيارةٍ يصف فيها الوطنَ بعدما مرمطه أولادُ الحرام، ومرّغ أنفـَه في الترابِ كلابٌ أطعمها زعيمٌ مغتصِب للسلطةِ، فإذا بدموع المهاجر تختلط بجهازِه العصبي قبل أنْ تبلل وجهَه، فالوطنُ الذي يحترق.. يختنق بدخانِه المغتربون قبل المقيمين!

مصرُ في عهد الطاغية مبارك هي الدولةُ التي لا ينزل خَطُّ بيانِها الانحداري، لكنه يسقط في كل مرة تفتح عينيك لترى وطنَ أجدادِك يشتعل، فإذا أغلقتها لساعةٍ أو بعض الساعةِ وأعَدْتَ النظرَ مرة أخرى فلن تصدق المشهدَ الجديدَ، حتى الغلاء تحسّ به ربةُ الأسرة مع دوران عقرب الدقائق، فإذا عادت إلى نفسِ المحل في اليوم التالي اكتشفت أنَّ عليها عملَ ميزانيةٍ جديدةٍ تقف بين الخط الفاصل للجوع و .. ونِصْفِ الشَبَعِ أو .. الشـَبَح!

يرقص أعداءُ مصر في قصر العروبةِ طـَرَبًا، ويشربون في قصر عابدين نَخَبَ سياسةِ ( فَرَّق .. تَـسُدْ)، ويضحك كبيرُهم حتى الثمالة في منتجعِه العسكري بشرم الشيخ عندما يشاهد بلذةٍ عجيبةٍ صراعَ المصري مع ابنِ بلـدِه: مسلم ومسيحي، مغترب ومقيم، إسلامي وعلماني، معارض شجاع ومنافق جبان، مسالم وبلطجي، مواطن و .. ضابط شرطة.
في الغربة حتى لو اكتفيت بمراقبةِ الانحدار المصري وأنت أمام شاشة التلفزيون فلا تستطيع أن تهرب من الهَمّ، والكَمَدِ، والغَمّ، و .. الحزن، وتضرب كفًا بكفٍ وأنت لا تصدق أنَّ هذه هي مصر التي تركتـَها أمانةً في أيدي أبنائها في الداخل.
حتى خط الدفاع الثاني عن الضحكة المصرية التي تنافس آثارَ مصر في قِدَمِها، وأصالتها، وقوتها، وعمقِها يدهشك أنه ينهار أمامك كما ينهار بِنْاءٌ رمليّ هشّ علىَ شاطيء البحر إذا لمسته موجةٌ هادئةٌ لا تخيف رضيعًا في مهدِه!
فإذا راقبتَ في رمضان أكثرَ صور انتزاعِ الضحكةِ سخافةً، وحماقةً، وغباءً، وبلاهةً، وعتهًا، وقرفاً وأنت تجلس لدقائق معدودة أمام برنامج ( 100 مسا لميس حمدان) فقد تسلمتَ سبعين إشارة على أنَّ مُخططي تدمير مصر الذين نجحوا في تغيير السلوكيات العريقة إلى فهلويات في كل المعاملات، وصلوا إلى خط الدفاع الذي لم يكن لطاغيةٍ في تاريخ مصر أنْ يقترب منه، أي الضحكة المصرية والنكتة والابتسامة وعبقرية السخرية، وقدّموا لنا هذا البرنامجَ الممهورَ بتوقيع وزير الإعلام وكل القيادات الإعلامية في ماسبيرو والرقابة على المصنفات الفنية ليقولوا لنا بأن الفكرَ الجديدَ للرئيس الشاب القادم سيُنهي إلى غير رجعة عبقريةَ الضحكةِ المصرية، فالغـَمُّ هو الأصل، والنكد ينبغي أن يكون مثل التلوّث في الهواء فيدلف الأول إلى النفسِ الحزينةِ والمقهورةِ والمقموعةِ والمـُهانة، ويتسلل الثاني إلى الرئتين!

في غربتِنا تطرق رؤوسـَنا مئات التساؤلات عما حدث بالوطن، ونريد أنْ نُشارك ولو علىَ مَبعدة آلافِ الأميال، ونمدّ خَطّاً روحيا بيننا وبين أبناءِ بلدنا، ونتعجب من الصمتِ القُبوري المخيف الذي ران على سُكـّان وادي النيل فحطم جهاز الكرامة الذي وضعه العلي القدير في كل نفس بشرية، وجعل أعرقَ أمم الأرض تلوذ بالسكوت، والخوف، والصمت، فإذا حاولنا أن نشترك مع أبناء بلدِنا في محاولات الاطاحة بالطاغية، غرز مثقفوهم، ومعارضوهم، وقيادات الدكاكين الحزبية أظافرَهم في أعناقِنا، وطالـَبونا أن ندير ظهورَنا، ونكتفي بالرفاهيةِ في عالـَم الغُربة لأنهم أقدرّ على تغيير النظام الشرس من الذين لم يعودوا يشربون من مياه النهر الخالد.

نحن سبعة ملايين أو أقل أو أكثر، ويمكننا أن نـُربك الطاغية، وأن نستضيف اجتماعات المعارضة، وأن نفضحه علىَ مرأىَ من منظمات حقوق الإنسان في العالم برُمَّتِه، ولكن مشاعر الفوقية لدىَ عددٍ كبيرٍ من مثقفي الداخل كحاجزٍ سَميك بيننا وبين قومنا، وإذا استمعت إليهم ظننت للوهلة الأولى أنهم علىَ مرمىَ حَجَرٍ من الامساك برقبة الطاغية مبارك، وأنهم أعدّوا القاعةَ الكبرىَ في محكمةِ الشعبِ التي سيمْثـُل أمامها مبارك وأولادُه وزبانيته وحيتانُ الفسادِ وتماسيحُ النهب التي عاشت سنوات طويلةً في مياه عكرة.
نحن في الخارج لسنا مطالـَبين بشهادة حُسن سير وسلوك لتوقيعها في مقر أحد أحزاب مُعارضة الداخل، وقد آن الوقتُ الذي نلتحم فيه جميعًا، ويَعْلَم الطاغيةُ أنْ لا فَرْق بين معارض مصري في أسوان وآخر في أستوكهولم، وبين متظاهر أمام سفارة مصر في باريس ومُحْتَجٍّ أمام نادي القضاة في القاهرة، وبين غاضبٍ أمام الشاشة الصغيرة في غرفتِه بسيدني أو بودابست أو فاليتا أو ميلانو وآخر أمام قسم شرطة سيدي جابر أو مديرية الأمن أو لاظوغلي أو سلخانة التخشيبة في قسم شرطة المنصورة.

عندما تختفي كلُّ مشاعر الاستعلاء التي يحملها المصري ويوجع بها أخاه في الداخل أو في الخارج فقد وضعنا أقدامَنا على الطريق الصحيح لازالة عَفَن هذه الأسرة الجائرة التي تحتقر المصريين، وتزدري مطالبَهم.
أتفق تماما مع اختصار المناضل الدكتور يحيي القزاز المشهدَ في كلمة ( اغتصاب )، ومن هنا تصبح التوقيعات، والترشيحات، وصناديقُ الانتخاب المزوّرة سَلـَفًا، وحملات القرف اليومي لتلميعِ وتجميلِ الوجهِ القبيحِ لربعِ قرنٍ قادم من الديكتاتورية المفزعة أشياءَ عبثية، بل هي تثبيتٌ لشرعيةِ السوّطِ فوق الظهر، والسلسلة حول الرقبة، والبصقة في الوجه.
أعيد مرة أخرى التذكيرَ بمخاوفي من أنْ تكون اللعبةُ أكبرَ مِنّا جميعًا، فالحيرةُ تتفتت ثم تتناثر في كل الاتجاهات، والمواطنُ المصري المسكين يقف مشدوهًا، ومندهشًا أمام لاعبي الثلاث ورقات، فأمامه جمال مبارك وأيمن نور والبرادعي، فيراهن على ورقةٍ فإذا بها عُمر سليمان، ويعيدها الساحر إلىَ جِرابِه ثم يُخرجها فتبدو صورة عمرو موسى، ولو غنَّىَ شعبولا:( با أحب زكريا عزمي وبأكره إسرائيل ) فستختفي ورقة وتظهر أخرى في لمح البصر وعليها صورة السيد البدوي، وكذلك ورقة نظيفة من نفايات الحديد بمليار جنيه كعربون محبة لدعم جمال مبارك في حملته من أخيه العزيز والشريك أحمد عز!

اغتصابُ السلطةِ قائمٌ علىَ قدمٍ وساق، والساحرُ في شرم الشيخ يقول بأنَّ في قبّعَتِه حمامة سلام، فإذا هي حَيـّةٌ تسعىَ، ويقول بأنَّ عصاه يتوكأ عليها، لكنه يضرب بها أعناقـَنا، والرئيسُ الشاب يحكُم، فِعْليّاً، منذ عدة سنوات، لكن ثمانين مليونا من الذين شاهدوا بصماته على خَرَاب الدولةِ يؤكدون أنَّ من حقّه الترشحَ أمام خيال المآتة، واللواء حبيب العادلي يستعجل فتح صناديق بها أصوات وهمية، وأخرى لمَوّتىَ تحلّلت رُفاتهم، ولكن النسبة المئوية يُحددّها هاتفٌ مُختصر من الرئيس فإذا بها تسْعٌ وتسعون نعجة، فالساحرُ قادرٌ علىَ تحويل يوم الانتخابِ إلى البيضة والحجر!

أن ترى بلدَك من الخارج لا يعني أنَّ الرؤيةَ مُشوّشة، فالغربةُ ليست عمليةَ تلويث للسمع والبصر والفؤاد، لكنها في كثيرٍ من الأحيان نقلةٌ نوعية إلى قلبِ الوطن ولو كنتَ في الجانب الآخر من الكرة الأرضية.
إذا أتفقنا بأنَّ المهاجر ليس هاربًا من جحيم الوطن، وأن المقيمَ ليس رافضًا للهجرة لالتصاقه بالأرض الطاهرة والمقدسة فسنصبح بالتالي على مسافةٍ واحدةٍ من قلب الوطن.
أما إذا اتفقنا جميعًا بأن الطاغيةَ مبارك هو عدو مصر والمصريين فإنَّ أجراسَ النصر ستقرع قبل أن يُلقي وريثُ عرشِ الاغتصابِ خِطابـَه الأول.

تمنيّت في مقالاتٍ سابقة أن يلتف المصريون حول الدكتور محمد البرادعي، أما الآن فإنني أتمنى أن يلتف الزعيمُ، الحقيقي أو الوهمي، حول الشعب، فعشرةُ ملايين من التوقيعات ستحتاج لنصف ساعة فقط ليدسها الرئيسُ في سلة المهمـَلات أو ربع ساعة لاحراقها، أو نصف دقيقة ليلقيها في وجه من يقوم بتسليمه إياها.
من يظن أن اللعبة ستنتهي في عام 2011 لصالح الهدّاف الأول في المرمى فهو في سنة أولىَ سياسة، فمبارك وأسرته وكلابه وأصدقاؤه وحيتان عهده وناهبو أموال الشعب ورؤوس الفساد هم الحَكـَم واللاعبون و .. المتفرجون!
في بلدٍ عربيّ كانت هناك منذ بدايات الستينيات مقاعد محجوزة في الصفوف الأولى في جميع مؤتمرات القمم العربية لكبار الضباط في الموساد الإسرائيلي، وأخشى أن نكتشف متأخرين أن أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية لها مكاتب ثابتة في كل قصور واستراحات الرئيس حسني مبارك، حينئذ لن يحتاج الساحرُ إلى قـًبّعَتِه فحمامُ السلام سيغرق في دمائِه ويحل محله بومٌ ينعق على خراب أمة.

المصريون في الخارج غير قادرين بمفردهم على الاطاحةِ بالطاغية، والمصريون في الداخل محاصَرون بين لقمة العيش ومليون من رجال الأمن ينفق عليهم الديكتاتور ثلث ميزانية الدولة، لكن التعاون بين كارهي النظام في الداخل والخارج سيُعَجّل في يوم سقوط المباركين اللعينين.. الأب و الابن!
المصريون في الخارج سَنـَدٌ، ودعمٌ، وخطُّ دفاعٍ أول عن المصريين في الداخل الذين يجابهون جيشًا عرمرمًا من الصامتين، والمنافقين، والبلطجية، وحيتان الفساد، وهراوات رجال الأمن، والقُضاة الخائفين، والمحامين المنشغلين برفع قضايا دينية بعيدة عن هموم الوطن، فضلا عن عدة آلافٍ من أصحاب القلم الجالسين في مكاتب صحفهم، وعيونُهم على مديرية الأمن!
لا ينبغي للمصريين في الداخل نزعُ الوطن من قلوب أبناءِ بلدِهم في المهجَر، فالطاغيةُ نزع حقـَّنا في الانتخابِ، ولم يبق إلا أنْ يمنع عنّا زيارةَ الأهل والأحباب والتطهر ّبتراب الوطن.
المعارضةُ المصرية في الداخل تفتح عيونها لترى مشهدَ المؤامرةِ بوضوح، لكنها بدعم المعارضين في الخارج تستطيع أنْ توسّع فتحة العين لعلها تكتشف عُمقَ، ونذالةَ، وحقارةَ، ونـَتنَ كبارِ اللاعبين على طاولةِ مستقبل مصر، فالرؤيةُ في الداخل تضيق بفعل تخدير العادة، ومن الخارج يمكننا التنبيه على أخطار لا يراها أبناءُ بلدِنا الذين يتكالب عليهم الصغير والكبير.

أيها المصريون في الداخل،
ألم يأن الوقت الذي نكتشف فيه أنكم بنا أقوى في مناهضة الطاغية، وأننا أقرب إلى الوطن في أحضانكم الدافئة؟
اللعبة القذرة لتوريث مصرنا من ديكتاتور دموي إلى ابنه لينهي العصر المصري قد تكون أكبر منكم، لكنها ستنهزم حتمًا عندما نؤمن أن لا أحد يملك من مياه النيل أكثر من الآخر، وأن المصريين في الداخل والخارج جسدٌ واحدٌ إذا اشتكى منه عضوٌ تطبّب بما بقي من أعضاءٍ سليمة.
والخطوة الأولى التي نداوي بها الأعيُنَ الرُمدَ تبدأ برفض شرعية الديكتاتور وابنه وكل المجرمين الذين أذاقوا شعبـَنا الويلات في ثلاثة عقود مظلمة.
حينئذ فقط نستعد لنقول لأبنائنا و أحفادنا لا تلعنوننا فقد غادرنا الدنيا وتركنا لكم وطنًا بدون طاغية، وأرضًا لا يَحْكمها الفسادُ، ونهرًا لا يتحكم فيه من يمر عليهم، وبلدًا نزعناه من أنياب أشرس طـُغاة العصر!
وسلام الله على مصر

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 3 سبتمبر 2010

Taeralshmal@gmail.com
            

بعض العزاء قتل جديد .. كنيسة القديسيـّــن!

أرشيف قبل الثورة بأسبوعين!
أوسلو في 9 يناير 2011

دموعُ التماسيحِ لا تتحوّل إلىَ أنْهارٍ، لكنها تـَظـَهَر واضحةً وجَليّةً في ثلاثة أشياء: خطاب الطاغية مبارك، وبيانات حبيب العادلي، وضيوف أنس الفقي علىَ الشاشة الصغيرة!
القرد ميمون يرقص، ويضرب سلام للبيه، ويستجدي نجومَ إعلام الريادة أن يستضيفوه ليبكي علىَ أحوال مصر، ويشكر ساكنَ القصرِ الذي يهتم بأحوالِ رعيتـِه لبضعة أيامٍ بعد كل حادثٍ، ثم يأمر باغتصابِهم!
سيدي الرئيس، وابنه الرئيس القادم، هل شاهدتماني وأنا أبكي علىَ الكنيسة، وألطم وجهي علىَ الضحايا، وأتحدث عن الوحدة الوطنية، وأقوم بابعادِ أيِّ شـُبهةٍ تحوم حولكما؟
هذا ما كان يُحَدِّث كلُّ ضيّفٍ نفسَه به، ويتوقع من الرئيس أنْ يبتسم، ومن ابنـِه أنْ يرقص طـَرَباً!

وزارةُ الداخلية تقول بأنها سيارةٌ مُفـَخخة، ثم تكتشف أنَّ السيارةَ هي حزامٌ ناسفٌ، وأخيراً يصبح الحزامُ عبوةً ناسفةً، لكنها للأمانةِ لم تـُشر إلىَ عِفريتٍ من الجن أو طبق طائر!
كالعادةِ يأتي المثقفون، والفنانون، والأدباء، والسياسيون، وكواكبُ المجتمع، ويرسم الجميعُ الحزنَ علىَ الوجوه، ولو طلب منهم مضيفوهم الحديثَ عن الكُرَةِ الجزائريةِ وكنيسة القديسيّن، فلا مانع من دمعةٍ علىَ الاسكندرية، وأخرى علىَ كرامة المصري في أم دُرمان، وربما يقول أكثرهم نِفاقاً بأنَّ إنفصالَ جنوب السودان كان بسبب اهانةِ المصريين علىَ ملاعب خضراء في بلدٍ سمراء بقارةٍ سوداء تسيل فيها دماءٌ حمراء!

مبروك لأعضاءِ مجلسِ الشعبِ الـمُزَوَّر فأحزانُ الأقباطِ خطفتْ المشهدَ، وصفوة المجتمع المصري مطلوبٌ منها أنْ تتحدث في كل شيءٍ، لكنها لا تقترب من فضيحة الانتخابات البرلمانية، ولا تشير إلىَ فضيحة الانتخابات الرئاسية القادمة، ففيها ينافس مباركٌ مباركاً، والنتيجة محسومةٌ سـَلَفًا لصالح الاسمِ وليس الشخص، والكرباج الذي سيسلخ به ظهورَنا يمسكه الاسمُ أيضا وليس الشخص.
ضيوف أنس الفقي لم تسقط علىَ وجوهِهم الناعمة دمعةٌ واحدةٌ علىَ سيد بلال الذي قتله ضباط الأمن تعذيبا، وتيتَّم ابنُه الوحيد الذي بلغ الثالثةَ من عمره، فوالدُه كبشُ الفداء الأول في صفٍ طويل لا يعرف أحدٌ نهايتـَه، وقد تكون نهاية آخر مصري في أرض الكنانة!
كل الذين تحدثوا، وكتبوا، وغضبوا، وبكوا، وحزنوا من أجل الوحدة الوطنية، ورسموا الهلالَ والصليبَ، لم يقتربوا من المجرم الحقيقي، ولم تفضحهم وجوهُهم رغم أن مساماتها كانت ترتعش خشية أن يقرأ الطاغيةُ فيها عكس ما تصف ألسنتُهم.

سيداتي سادتي،
هل سمعتهم عن الاستبداد والطغيان والديكتاتورية والسطوة والاستعباد والاستحمار؟
إنها جذورُ الطائفية، والتمييز، والعنصرية، والتعالي، والفوقية، والكراهية، والبغضاء، و ... الفتنة الطائفية.
من ظن أنها مفاجأةٌ فليتبوأ مقعدَه في عالم الساذجين، والبلهاء، والحمقى!
كل الدلائل كانت تضع أصابعَها في عيونِنا، وتـُخرج لنا ألسنتـَها، وتكاد تقرأ بصوتٍ جهوري يـُفزع الوحوشَ مُنَبـِهَةً إلىَ وطنٍ يحترق بعضُ أبنائـِه فيصمت، ويستعد طاغيتُه لحرقِه كلـِّه، فسيدي بو زيد ليس مصرياً، والمطلوب فوراً استيراد تونسي يعرف مقدارَ كرامتـِه، فيشعل النارَ في نفسه بمسرح الجريمة في الثغر، ويدخل السيدان، سيدي بوزيد وسيدي بشر، التاريخَ من باب أعتى طاغيتين: مبارك و .. بن علي.
لماذا لا يصف الأطباءُ لمرضى الغثيان العلاجَ الأنجعَ والأسرعَ وهو مقاطعة المنافقين في الصحف والفضائيات و .. (مصر النهاردة)؟
أفضل الصور وضوحاً بلانهائيات ميجابيكسل هي تلك التي يحفظها الماسحُ الضوئي في أدمغة المنافقين، وهي الصور التي يُحرّكها رئيس تحرير صحيفة قومية كبرى، فيجعل الرئيسَ قبل كل زعماء الدنيا، ولولا الخشية من التهكم الجماهيري لكتب صاحبُنا عن أهمية منافسة مُباركـِنا لأوبامِهم في الانتخابات الأمريكية القادمة، فحبيب العادلي سيشحن صناديق النتائج في طائرة عسكرية لا تسقط فوق نيويورك، فليس فيها 33 خبيرا عسكريا سقطوا من ذاكرة المصريين.

الجزائريون يغضبون من أجل لقمة العيش، والتونسيون يحرقون أنفسَهم احتجاجاً علىَ الغلاء وأمن الدولة و .. الوطن السجن، والليبيون يتحركون ببطء، فملكُ ملوك أفريقيا قادرٌ علىَ دفنِهم في صحراء غدامس أو علىَ حدود تشاد، ثم دفع تعويضات للخزانة الأمريكية فتقتنع الإيطاليات الجميلات بسماحةِ الإسلام!
تفجيرات القديسيّن كانت فرصةً لا يجود الزمانُ بمثلها ليلتحم المسلمون والأقباط في مواجهة عدو المصريين الأول، فإذا بهم يظنون أن الوحدة الوطنية قبلات، وعناق، ووشاح أسود، وتختفي كل ملفات الوطن المسكوت عنها و .. عنه، فالهلال والصليب لا يتعانقان حقيقة قبل تهدئة النفوس من الغل، والكراهية، والتعالي، والتحدث باسم السماء.

الشبكة العنكبوتية مليئة بسيارات مفخخة تم ملءُ خزاناتها بأكاذيب يزعم أصحابُها أنهم عثروا عليها في كُتبٍ مُقدسة، فتفتح موقعا إسلاميا يحدثك عن أهل الذمة من أقباط مصر، ويحاول اقناعك بمنطق متخلف، أعوج أن رسم الصليب داخل الهلال حرام شرعاً، وتفتح موقعاً آخر فتجد أعضاءه الأقباط منشغلين في الحطِّ من شأن الإسلام، لكنهم لا يقتربون من الرجل الذي حَرَمَهم حقوقَهم لثلاثة عقود.
الأقباط أفشل محامين عن قضايا عادلة، فهم أصحاب حق في المساواة الكاملة، وفي تولي كل المناصب، وفي أن يتعلم اخوانهم المسلمون تاريخ النضال القبطي، والفترات المشرقة في مراحل مقاومتهم لقوى الاستعمار، وتحالفهم مع المسلمين لصد الغزوات الهمجية، ورفض الكنيسة زيارة مهد المسيح، عليه السلام، إلا مع اخوانهم المسلمين.

والأقباط قدَّموا للوطن شهداء أكثر مما قدموا للكنيسة، وعبَروا خط بارليف على صيحة الله أكبر، ولم يميّز سفاحو الجيش الصهيوني بينهم وبين المسلمين في صحراء سيناء بعد هزيمة يونيو 67، فتخضبت رمال الصحراء بدماء لا تستطيع معامل التحليل أن تميّز الدمَ المسلم عن الدمِ القبطي.
لكن الأقباط الفاشلين في عرض حقوقهم المشروعة تركوا الأكبرَ لعرضِ الأصغر، وجعلوا همومَهم في أهمية بناء كنيسة هنا أو هناك، وفي الدفاع عن فتاة أو كاهن أو نسبة مئوية تحت قبة برلمان فاسد يتولى تلميعَ نظام نـَتِنٍ يقوم علىَ رأسِه عدوُّ الإنسانية!
والأقباط الفاشلون يتحدثون عن حقوق الأقلية، وعن بعض المناصب الأكاديمية، وفي اتحادات الطلاب، فخسروا قضايا العدل والحق، واكتفوا بمُسَكِّناتٍ لا تسمن ولا تغني من جوع.
وتساوىَ التخديرُ الديني، الإسلامي والمسيحي، أمام السلطة الباغية، ولو كان المسيحُ، عليه السلام، بيننا لقال بأنَّ من ضربك على خَدِّك الأيمن من الحزب الوطني الحاكم وكلاب الطاغية فاضرب عُنـُقَه، ومن أخذ رداءَك ونَهَبَ أموالـَك وسرق قوتَ أولادِك فعصيانُك إياه محبةٌ لأبيك الذي في السماوات.
أقباطُنا .. أحبابُنا، شركاءُ الوطنِ ليسوا العنصرَ الآخرَ، وإنما هم مع مسلميهم عنصرٌ واحدٌ، والقبطي الذي لا يحزن علىَ اعتقال أو موت مسلم سلفي كالمسلم الذي يرى ذرة من الاختلاف بين حقوق المسلمين وحقوق الأقباط.

تفجيرات القديسيّن كان يمكن أن تصبح بدايةَ عصيان مدني ضد الطاغية، وحجباً ذاتيا تقوم به ضمائر المهووسين بفرز الداخلين إلى الجنة عن المرسلين إلى الجحيم!
لم يفهم أقباطـُنا بَعْدُ أنَّ حقوقَهم الضائعةَ في ظل حُكم سلطوي ديكتاتوري لن تكون من نصيبهم ولو شجّوا رؤوسَهم صراخاً، وغضباً، وحزنا، فالطاغية مبارك الذي أوصل مصرَ إلى هذا الوضع المؤسف، والمزري، والمخزي، والكارثي، سيظل خصمَهم الأوّلَ لأنه بكل بساطة عدو المصريين رغم أنف ألسنة عَفِنَة تـُقَبّل حذاءَه نهاراً، وتـُسَبّح بحمده ليلا!
الطيبون الذين طالبوا بعد مذبحة القديسيّن باقالة الحكومة، وخاصة وزير الداخلية، أرادوا، عن غير قصدٍ، تصويرَ مشهد مزيف لحكومة من الشياطين ورئيس من الملائكة، فالحقيقة أن مبارك هو الشيطان الذي يتلبسنا، ولن يخرج بالطبل البلدي من أرواحنا الضعيفة، لكنه سيهرب فور اكتشاف المصريين أن كرامتَهم في حقوقِهم الموحَّدة، وأن لقمة العيش الكريمة، والمواطـَنة السويّة، والمشاركة في بناء دولتنا من جديد على أسس المساواة والديمقراطية والحُكم المدني وتبادل السلطة ليس لها مكان في ظل حُكم آل مبارك.
السوط الذي ألهب ظهورَنا طوال ثلاثين عاما لن يتحول إلىَ عصا سحرية تلتئم بها جروحُنا.

الخطوة الأولى أنْ يعيد المسلمون والأقباط إلىَ الله، عز وجل، ميزانَ العدالة السامية، فقد طفَّفوا فيه، وصادروه لحساب مشاعر سطحية من التمييز، والفوقية، والتعالي، فانفجرت في النفوس مشاعرُ الشك والريبة.
الخطوة الأولى مكرر هي رفض التأييد الصريح والضمني، سِرَّاً أو جـَهْراً، تعاطـُفاً أو صـَمْتاً، مع المتسبب الأول لآلامِنا، وأوجاعِنا، وفقرنا، وأمراضِنا، وعذاباتِنا، وقَحطِنا، وجفاف نفوسنا من المحبة والرحمة وقبول الآخر.
حينئذ تتنزل الملائكةُ علىَ المساجد والكنائس لتبارك المؤمنين بالله والوطن، أما القبلات والأحضان والدموع فلا يقوم عليها دليل واحد يؤكد أنها تضرب في جذور الإيمان.

أما الخطوة الأولى أيضا مكرر فهي ضرورة اختيار المصري بين الله و .. الشيطان، ومن لا يكره مبارك ويعاديه، ويخاصمه، ويناهضه فلا حاجة لله في صلاته، وصومه، و .. دعائه!
أيها الأقباط .. شركاء الوطن،
لن ينفعكم عزاؤنا في مصابِكم الجـَلَل مادام سيظل مُلطخًا بصمتنا على عدوكم و .. عدونا، فالتفجيرات الآثمةُ صنعها القصرُ في نفوسنا الضعيفة، ومن تـَقَبَّل منكم تعازي الطاغية وكلابه ولصوصه وضباط أمنه فقد ضيّع مِفتاحَ ملكوت السماء، فكل رجال مبارك يهوذا، وسيصلبونكم بعد العزاء الأول و .. العشاء الأخير!
 
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 9 يناير 2011

14‏/05‏/2016

مقطع من يوميات مواطن قبطــي!

أرشيف
10 أكتوبر 2010

سهرتُ حتّىَ ساعةٍ مُتأخرةٍ مِنْ مساءِ أمس أمام الإنترنت أتابعُ بِشـَغَفٍ شـَديدٍ عشراتِ المُواقع الدينيةِ والمنتديات، الإسلاميةِ والمَسيحيّةِ، وعندما وضعتُ رأسي عَلَىَ الوِسادَةِ ذَهَبَ الظـَنُّ بي أنَّ الحربَ الطائِفيّةَ ستندلع قبل انبلاجِ فجرٍ جَديد!

بعدما قرأتُ كِتاباتٍ مُقزّزةً في منتدياتٍ ومواقعَ قبطيةٍ، خاصة في دول المهْجَر، بدا لي أنه لن يمُرّ أسبوعٌ أو اثنان حتى يتم اعلانُ دولة قبطية في أسيوط تكون واشنطون وتل أبيب وبعض الدول الأفريقية أول من سيعترف بها!

وعندما انتقلتُ إلىَ مَواقِع إسلاميّة مُشابِهَةٍ لتلك في غَبَائِها وكَمِّ الكراهيةِ الذي يَفيضُ عَلَىَ الشاشةِ الصغيرةِ ظـَهَرَ واضِحًا وجَلـِيّاً أنني سُألّغي مَوّعدَ تَبَرُّعي بالدَمِ، فَدَمُ الكافرِ، الذي هو أنا، نـَجَسٌ، وأنه ينبغي لي أنْ أسْتَعِد لِلَعِب دَوّرِ المواطنِ مِنْ الدرجةِ العاشِرةِ الذي يُجْبِره المُسْلمُ عَلَىَ الاحتكاكِ بالحائطِ وهما يَسيران علىَ الرَصيفِ في اتجاهيّن مُتضاديّن!

قالَ لي والدي وَهو يَتَنَهَدُ كأنّه يَشْهَق الشَهْقَةَ الأخيرةَ بَعْدَما قَصَصت عليه من نبأ متابعات الليل البهيم: ألم أقل لك بأنها لم تعد مِصْرَنا جميعا، فالهلالُ والصَليبُ لا يتعانقان إلاّ في وسائل إعلامٍ يشاهدها المُعاقون ذِهْنيّا، ويديرُها المُتـَخَلّفون عَقْليّاً، أمّا الواقعُ الحَيُّ فَيَحْكيه لكَ بتفاصيِله الدقيقةِ آلافُ الشُهودِ مِنْ نجع حَمّادي والكُشْح والإسكندرية!

والدي لا يَمْتَصّ غَضَبي، ولا يُطْفِيّء نارَ حيرَتي، ولولا التَقَدُّم في العُمْر مع وظيفةٍ مُربحَةٍ حَافَظَ عليها سنواتٍ طويلةً لَكـُنّا الآن نسكُن ضواحي مانهاتن، ونلتقي في كل يومِ أَحَدٍّ في الكنيسة القِبطيّة، ثم نخرج في مظاهرة مُتكاسلة للمطالبة بحقوقِ أقباط وادي النيل!

توجهتُ فوراً لبيتِ عمي، وهو الشقيقُ الأكبر للوالد، ويقطن في منطقةٍ يختلط فيها المسلمُ والقبطي اخْتِلاطاً عجيباً يظن من يحاول التدقيقَ في المشهدِ بِرُمَّتِه أنَّ طرفيّ الهلال امتدّا طولاً وعَرْضاً، وتضاعفا ليصبح التمييزُ بينه وبين الصليبِ أمراً عسيراَ علىَ زرقاءِ اليمامة!

في بيّت عَمّي أعثرُ بسهولة ويُسْرٍ علىَ أُمِّ الدُنيا، فهو رجلٌ مُتسامِح، ووقور، ويختلط بياضُ لـِحْيَتِه بِبَياضِ بَشْرَتهِ فلا تُمَيّز بينهما من مسافة بعيدة.

لا يغضب إلاّ لِمامًا، يراه الأقباطُ منافِحًا عنيداً عن همومهِم، ويعتبره المسلمون واحداً منهم.

يحبُ الاستماعَ لتلاوات القرآن بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، ويُنْصِتّ كأنَّ علىَ رأسِه الطيّر إذا كان تجويداً بصوت الشيخ عبد العظيم زاهر، لكنه يُمَيّز أصوات المُقرئين أفضل مما يفعل أيُّ مسلم.

سمعته مَرّةً يُجادل مُسلمًا متعصباً فيقول له عمي بأن القرآنَ ليس كتاب المسلمين فقط، إنما هو جزءٌ من ثقافتي وتاريخ أهل بلدي والمُصَحح المثالي لاعوجاج لُغتي ، ولا تستطيع أيُّ قوة أنْ تنتزعه مني!

عندما رآني هذه المرة كادت الدموعُ تخذله، فبرقت عيناه قبل أنْ تسقط دمعة علىَ وجهه المتسامحِ الجميل، وفهمتُ بأنَّ لواعجَ نفسي قد وصلته قبل أن أنبس ببنت شفة!

هَدَّأَ مِنْ روعي، وطلب منّي أنْ أنتظر قليلا قبل أنْ يُزَيِّف الغضبُ حكاياتي، ثم قال لي بأنه يتفهم تماما كل صنوف الظلم ونحن وَهُمّْ، يقصد المسلمين، نَشرب من نفس المياه، وتظللنا سماءٌ زرقاءٌ، وتدوس علىَ رقابِنا سُلّطَةٌ باغيةٌ، ويصفع أقفيتـَنا ضابطٌ نـَذْلٌ، وتَفْرَغ جيوبُنا في السابع من كل شهر، ورَوَتْ دِماءُ شهداءِ المسلمين والأقباط مياهَ النهرِ الخالد في السويس، ودَمَّرَت قوى الاحتلال علىَ مَدىَ ألفِ عامٍ بيوتـَنا دون أنْ تبحث علىَ سطوحِها عن هلالٍ أو صليب.

ثم أردف قائلا: أعرفُ جيّداً مشاعرَ الغُربةِ في الوطن، وأكاد أسْمَع خلجات نفسِك وأنت تسير علىَ غَيّر هَدْيّ في شوارع بلدِك طارحاً سؤال الهويّة علىَ أحزانِك فيجيبُك رَجْعُ الصَدَىَ بأضعافِه علاماتِ استفهام لا نهائية.

وأكمل: أعداءُ مِصْرَ هُمْ الذين يُصَرّون أنَّ اللهَ مُنْحَازٌ إليهم فقط، وأنَّ الملائكةَ لا تتنزَّل علىَ المسجد والكنيسةِ في الوقت عيّنِه، وأنَّ أصحابَ الديانةِ الأخرى لن يشمّوا ريحَ الجنة أو تشملهم رحمةُ الله.

وختم حديثـَه قائلاً: لا يذهبن بك الظنُّ إلىَ أنَّ لك معركةً مختلفةً عن معارك أشقائِك المسلمين، فنحن نشاركهم التاريخَ والجغرافيا والآلامَ والتخلفَ والتراجعَ، ويسيطر علينا إعلامٌ فاشلٌ، وتهيّمن علىَ الجميعِ قُوَىَ فاشيةٌ تبدأ من القَصْر وتَمُرُّ عَبْرَ التطرفِ والتشدّد والتزمت ولا تنتهي بعالم البلطجية والفسَاد والرِشوة.

وهمس في أذني بصوتٍ خفيض: عندما تنتصر مصرُ في معركة حقوق الانسان والكـِتاب والثقافة والحرية والتسامح، وتلفظ اللصوصَ والمستبدينَ والأوغادَ الذين تقاسموا خيراتِها ..

وعندما يُطِل علينا من شرفةِ القَصْر زعيمٌ عادلٌ، يتَّقي اللهَ في الوطن، ويستشير ضميرَه قبل أنْ يأمر بتغيير كل القوانين الظالمة على جميع المواطنين.

حينئذ ستتهاوى منظومة الشر والتمييز والطائفية، وسيتبرع المسلمون لبناء كنيسةٍ ملاصقةٍ لمسجد حَيِّهم العتيق، وستترشح لرئاسة الجمهورية شخصيةٌ قبطيةٌ يهتف باسمِها المسلمون قبل المسيحيين، وستنزوي في رُكْنٍ قَصِيٍّ الجماعات الدينيةُ، الإسلاميةُ والقبطيةُ، التي تتبارى أونلاين علىَ مكاسب عَفِنَةٍ في معركةٍ اثباتِ شيطانية الآخر.

زال غضبي، واختفت سيماتُ الحزنِ من علىَ مُحَيّا أرهقَهُ أرقُ الليل الطويل في متابعاتٍ بلهاء علىَ النِتّ، وخرجتُ من بيت عمّي استنشق الهواءَ الملوثَ كأنه نسماتٌ نقيةٌ مخلوطةٌ برحيقِ أزهار ربيعٍ يزورنا في كل عام فيجدنا أسّوأَ من المراتِ السابقات.

في الطريق رأيتُ صديقاً أعرفه من مقاعد الدراسة في المدرسة الإعدادية، وكنّا نتبادل الزيارات، ونام في غرفتي عِدة مراتٍ قُبيل الامتحانات، وأتذكر أنني اشتريتُ له في عيد ميلادِه مُصحَفاً أنيقاً فَفَرِحً به كثيرا.

لم أتعرّف عليه للوهلةِ الأولى، لكنَّ لـِحْيَتَه الداكنةَ والتي تغطي نِصْفَ وجهِه الأسفل، وجلبابَه الأبيضَ، وزبيبةَ الصلاة لم تمنعني من استدعاءِ صورته الطفولية.

التقت عينانا، وهممتُ بالتقدم نحوه لمصافحتِه، لكنه لمْ يَمُدّ يدَه، وبدا أننا من عالميّن مُختلفيّن تماماً. بهتتْ ابتسامتُه، وسألتُه مازحاً عن التغييراتِ التي حدثتْ له، فأجاب بأنَّ اللهَ هداه إلى الصراط المستقيم، وأنه لم يَعُدْ يصاحب غيرَ المسلمين الملتزمين، ثم انصرف كأنَّ ميكروبات ستنتقل إليّه مِنّي، وتعلل بحجةِ قُرْبِ مَوّعد صلاة الجماعة في المسجد القريب.

أكملتُ سيّري مُتَرنحًا من هول التفكير في بلدي، وأنا ما بين مُصَدِّقٍ لزمنٍ مَضَىَ، ومُكَذِّبٍ لزمنٍ حاضرٍ لا أفهم منه مَشهداً واحداً.

قرأتُ في العامين المنصرمين عشراتِ الفتاوىَ التي تُحَدّد للمسلم طرقَ التعامُل مع غير المسلمين، ولو جمعتها ووضعت لها عُنواناً لـَما وجدت أكثر دقة من اشهار حرب طائفية استخرج المتخلفون أسبابَها، ودوافعَها، ومبرراتِها من بُطونِ كُتُبٍ تَوَارَتْ خَلْف أهل الكهفِ ولو اطَّلَع عاقلُ علىَ فحواها لوَلّىَ منها فِراراً، ولَمُلِيَء منها رُعْبا!

ترتعش خلايا جسدي كلُّها، وأشعر بحنينٍ جارفٍ لزمنٍ يصنعه خيالي، ولا أدري إنْ كانتْ أحلامُ اليقظة تلك أضغاثاً أو هي هلوساتِ عاشق لمصر!

زمن أتساوىَ فيه مع جميع أبناء بلدي، وأحلُم بكل المناصب دون حَجْرٍ عليها، أو مانعٍ صَنَعَهُ أصحابُ المزايدة الدينية المقيتة، فلا خانة الديانة في البطاقة الشخصية تقف عثرةً، ولا الصليب الموّشوم علىَ رَسْغي يجعل من بيده الأمر يفقد ميزانَ العدالة.

اتصلتُ بصديقٍ مُسلم لعلي أبثه أحزانَ نفسي فيواسيني في وطنٍ نسيناه، وتسامُحٍ فقدناه، وتَعَصُّبٍ كاد يدخل رئتيّ المصري مع أنفاسِه، ويخرج منها زَفيراً كأنه نَفْيرُ حربٍ أو تَقَاتُل من أكبر ديانتين سَماويتين.

جاءني علىَ عَجَلٍ فقدْ فَهَمَ من نبرة صوتي حاجتي المُلِحّةَ إليه في وقت تَوَارَىَ أكثر المسلمين خَلْفَ مزادٍ علني يربح الجنةَ فيه الأعلَىَ صوّتاً، والأكثف لِحْيّة، والأكثر اِظهاراً لمظاهر سطحيةٍ حتى لو انفصلتْ عن السُلوك القويم لتوجيهات الله من ملكوته الأعلى.

وضع يدَه فوق كتفي، وظل يتحدث عن سماحةِ الإسلام، وعن الوطن الواحد الذي مزّقه المتعصبون كما يمزق المـُخْبِرون فراشَ مُواطن عندما يبحثون عن ممنوعات، واستشهدَ مرّاتٍ كثيرةً بنبيّ الإسلام صاحبِ الكلمةِ الأكثر تسامُحاً في تاريخ هذا الدين: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

وأَكَّدَ لي أنَّ كراهيةَ المتشدّدين له لا تقل عن بغضِهم لي، وأنه لا يملك مسلمُ أو قبطيٌّ في مصر شبراً واحداً أكثر من الآخر، ولا تتجذّر أصولُ أيّ مِنّا في تُربة الوطنِ أعمق مما يدّعي صاحبُ الدين الثاني.

مَرَرْنَا أمام مَسجدٍ وقد حانَ وقتُ الصلاةِ، فطلبَ مِنّي أنْ أنتظره في الداخل حتّى ينتهي، فخلعتُ حذائي، وجلستُ في رُكْنٍ بعيدٍ أراقبُ المُصَلّين من أهل بلدي.

بعد خروجِنا قال لي: إنَّ لك حقاً في المسجدِ مثلما لي نفس الحق في الكنيسة، وقد تستريح هنا، وقد أستريح هناك، فلا ينتقص هذا من إسلامي أو من مسيحيتك!

حدثتُه عن الفتاوىَ الفجّة والنتِنة والمتخلّفة والتدميرية التي تدّعي نجاسةَ القبطي، وتحرّم تهنئتَنا في أعيادِنا الدينيةِ، وترىَ أنَّ المسلمَ فقط هو الشهيد، وأنَّ اللهَ مُنحازٌ إلى المسلمِ حتّىَ في مبارياتِ كُرةِ القَدَمِ فَيُنِزْل الرُعْبَ في قلوب فريقِ غيّر الساجدين!

أقْسَمَ لي بأنَّ هذه الفتاوىَ ليست موجهة إلينا، نحن الأقباط، بِقَدْرِ ما هي موجهة للمسلم المستنير المؤمن، وأنَّ المتمسكين بها شبابٌ مُفَخَّخٌ يُدَمّر نفسَه ووطنَه وينتهي أمام اللهِ إلىَ حِسابٍ عسير.

قال لي بأنَّ القرآنَ الكريمَ اشترط لدخولِ الجنةِ أنْ يكون القلبُ سَليماً، أمّا المظاهرُ فهي كما قال هاملت لأمِّهِ في مسرحية شكسبير بأنها الأسهل في الادِّعاء والتمثيل.

قبل أنْ نفترق قال لي بأنه بَكَىَ طوال ليل مذبحةِ نجع حمّادي وهو يتلو ما تيسر من القرآن الكريم، وقرأ الفاتحةَ علىَ أرواح الشُهَداء الأقباط.

استراحتْ نَفْسي تماما، وتأملتُ من جديدٍ معركتَنا مع الظلمِ، واسْتَعَدْتُ في ذاكرةٍ مُنْتَعِشَةٍ تفاصيلَ حَياتي مع المسلمين ومع الاسلام، واستعنتُ بحكايات عَمّي الذي إذا تخاصَمَ جاران مُسلمان الْتَجَئا إليه، فيحدثهما عن محمد والمسيح بدون تفرقة، ويأتي بأدلةٍ من الكِتاب المقدس، ثم يعيدُ تأكيدَها من القرآن، فلا يتبرّم أحدٌ، ولا يعترض أيٌّ من الشهود.

ابتسمتُ ابتسامةً ساخرة تهَكُمَاً علىَ حمقىَ يتصارعون عَلَىَ مَكانٍ في جَنّةٍ لا يملك أيُّ منهم مَفَاتيحَها، ويتقاتلون، ويَسْفِكون الدِماءَ الحقيقيةَ التي أُضيفتْ إليها في الأعوام الماضية دِماءٌ إلكترونية، وكلٌّ مِّنا يزعم أنه الأقربُ إلى الله كما ظن اِخوةُ يوسف أنَّ وَجْهَ أبيهم يخلو لهم إنْ قتلوا أخاهم!

في المساءِ عُدْتُ إلىَ البيّت كالحاج الذي يعود مُتطهراً كَيَوّم ولَدَتُهُ أُمُّهُ، وتجنبتُ كُليّةً السياحةَ البلهاءَ علىّ الشبكة العنكبوتية التي ينتقل فيها المرءُ من مُنتدىَ إلىَ مَوّقعٍ، ويقرأ مبارزاتِ طواحين الهواء التي يحاول خلالها المسلمون والمسيحيون تحطيمَ معتقداتِ بعضِهم البعض، فكلُّ الأديان والعقائد قابلةٌ للكَسْرِ في عُرْفِ ناقدِ الإيمانِ بتعاليمِها، وبتصديقِ مُسَلَّمَاتِها وثوابتِها.

لن أتابع بعد اليوم معاركَ دون كيخوت الدينية، فقضيّتي هي اتساعُ نِطاق الفساد والظلم والنهب والاستبداد في بلدي، ولا يهمني أنْ تعتنق كاميليا شحاتة ديناً جديداً مع صباح كل يوم، فهمومي ينبغي أنْ تكبُر، وأنْ أدافع عن آلاف المنسيّين في السجون والمعتقلات، وأنْ أنضم كقبطي إلى مُعارضة الديكتاتور، فمن يظلم أبناءَ دينِه لا يتوانىَ عن انزال الظلم بأصحاب العقائد الأخرى.

حزينٌ أنا لمعْرَكةٍ غيرِ مُتكافِئَةٍ، فأخي المسلمُ لا يستطيع أنْ يطعن في المسيح، ولا يمسّ لسانُه مَريمَ العذراءَ بسوءٍ فالقرآنُ أكَّدَ علىَ أنَّ اللهَ اصطفاها على نساءِ العالمين، أما اخواني في العقيدة، خاصة في منتديات المهجر القبطية، فيطعنون في نبيّ الاسلام وزوجاته وشَرَفِهِ، وينقلون عن المسلمين الجُدُدِ المتعصبين والمتخلفين حكاياتٍ من كُتبٍ مُتْرَبةٍ صفراء فاقع لونها.

أشعر بِسَعادةٍ بالغةٍ فالإسلامُ جُزْءٌ من ثقافتي وهويّتي وتاريخي وحياتي وطفولتي، رغم أنني قِبْطيٌ حتّىَ النُخاع، ومعركةُ المسلمين المستنيرين والعقلانيين ضد قوىَ التشدّد والإرهاب والتكفير هي أيضا معركتي، وإذا انتصر العقلُ، وارتفعت رايةُ الديمقراطية، وانهزم الطاغيةُ وأعوانُه، وتغيّرت قوانينُ التميّز الطائفي، فأغلب الظنِّ أنَّ حُقوقي كقبطي ستتساوىَ مع حقوقِ أبناءِ بلدي المسلمين.

أشعرُ بالقَرَفِ والغَثـَيان من هؤلاءِ الذين يُلصِقون أعينَهم علىَ الشاشة الصغيرة، ويُهينون عقائدَ الآخرين بِحُجّة مُقارنةِ الأديان، فالمقارنةُ لها رجالها، وأكاديميوها، وعُلماؤها، وكُتُبها المتخصصة،

أتمنّىَ أنْ يصبح كلُّ قبطي في مصر مُعَارِضاً، ومهموماً بالسياسة، ومُدافِعاً عن أبناءِ بلده، وأنْ يعتبر اعتقالَ الأمن لعُضوٍ في جماعة الإخوان المسلمين أو سلفي أو مستقلٍ ومُلتزم دينياً لا يختلف عن اعتقال قبطي يجهر برأيه.

أتمنّى أنْ يَسْحَبَ قَدَاسَةُ البابا شنودة تأييدَه، الضِمنيَّ أو الصريحَ، لجمال مبارك، فالأقباطُ سيعيشون في عَصره جَحْيماً أشدّ سَعيراً من زمن والده.

وأخيراً أحلُمُ باليوّمِ الذي لا يَسّأَلُني أَحَدٌ عَنْ اسْمِي الثـُلاثي ليعرف إنْ كنت مُسلماً أو مسيحياً، فأنا مصريٌ، وهذه بلَدي، وإذا غَرَقَتْ مصرُ في مستنقعات الطائفية فلن تنفعنا حواراتٌ وجدالات وانتقالُ الواحِدِ مِنْ دينه إلىَ دين الآخرين، وسيحتفل الشيطانُ حينئذ بانتصارِ ذَكَائِهِ عَلَىَ غَبَائِنا.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 10 أكتوبر 2010

حوار ين عزرائيل و .. الرئيس حسني مبارك!

أرشيف
أوسلو في 4 يناير  2010 أي قبل الثورة بعام واحد!
 
 
كان الرئيسُ مبارك جالساً علىَ أريكةٍ مُريحةٍ، وقد بدا مُرْهَقاً يَغلبه النُعاسُ لثوانٍ، ثم يستيقظ فجأة كأنه يخشىَ أنْ تكون تلك الشهقة الأخيرة.
وبعد الغفلة الخامسة ظهَرَ أمام ناظريه مَلَكُ المَوّتِ علىَ مسافةٍ تبدو كأنها بَرْزَخٌ يفصل الحياتيّن في عدة أمتار بطولِ الغرفةِ الأنيقة التي يتوسطها تلفزيون حديثٌ تطلُ مِن شاشته مُذيعَةٌ بلهاءُ جاءَ أمْرُ تعيينها مِن خالها القريبِ مِن صانع القرار!
انتفض الرئيسُ وكاد يسقط صريعاً من الخوف، فابتسم عزرائيل وقال له: جئتك، سيدي الرئيس، لأتحاور معك، لا لأقبض روحك، فالحيّ القيوم لم يأذن لي بعْدُ بقبضها.
مبارك: خِلتُكَ وجدتَ عملا مع المعارضة المصرية، أو مررت على الدكتور محمد البرادعي فأسَرَّ إليك ببعض أمنياته، أو أنك تنهي ولايتي الخامسة قبل موعدها المُحَدّدّْ بأقل من عامين!
عزرائيل: أردت فقط أن أتأكد منك شخصياً إنْ كان الموت يخيفك، ومشهدُ يومِ الحساب يدلف بين ألفينة والأخرى إلى مخيلتك فيستيقظ ضميرك للحظات قصيرة، ولو كانت طرفة عين!
مبارك: تقصد توبتي قبل زيارتك الحقيقية لقبض روحي، أليس كذلك؟
يا سيدي عزرائيل، لو وقف كل حفاري القبور أمام القصر ومعهم نعوش وأكفان، وحَلّقَ البوم فوق رؤوسهم، واستيقظت ضمائر طغاة الأرض فإن مشاعري المتجمدة، وقلبي الأكثر قسوة من صخور الدنيا كلها، وضميري الذي مات مع صعودي عرش مصر، ستظل كلها معادية للمصريين، وكارهة لأبناء أرض الكنانة، ولو كنت أنت على مبعدة دقائق معدودة من إرسالي إلى القبر الموحش والمظلم فإنني أتلذذ، وأستمتع، وأسعد بشقاء المصريين، وأقرأ تقارير عن عذاباتهم يشيب لها شعر الجنين، وأعرف عن حالات من الانتهاك والاغتصاب والحرق والسلخ والقمع، ومع ذلك فإنهم لثلاثة عقود لم يثوروا، ولم يغضبوا، ولم بعترضوا، وهم يخشونني أكثر من خشيتهم الله، عز وجل.

عزرائيل: لقد رأيت طغاة كُثراً، وعرفت قوتهم وضعفهم، واستمعت لنبضات قلوبهم وهي تخفت، وتضعف قبل أن أنهي مهمتي التي أولاني إياها ربُ العزة، لكنني لم أرَ طاغية على شاكلتك!
معظم الطغاة لهم مع القبضة الحديدية إيجابيات يظنون أنها تشفع لهم، فستالين الذي قتل ستة ملايين من أبناء شعبه هو باعث النهضة السوفييتية، وهو الأب الروحي لصمود الشعب السوفييتي والجيش الأحمر أمام جحافل الرايخ الثالث. وماوتسي تونج صانع الصين الحديثة رغم فظائع نظام حكمه، وزين العابدين بن علي تحولت تونس في عهده إلى وطن في سجن، لكن النهضة الاقتصادية والسياحية حققت تقدما ملموساً رغم أن كرامة المواطن التونسي تراجعت إلى عصر العبودية. ومحمد رضا بهلوي قام بصناعة السافاك، وجعل اقتصاد بلده النفطي في أيدي صانع القرار الأمريكي، لكنه بنىَ قوة ضاربة في الخليج، وحققت إيران في أيامه ما لم تحققه دول المنطقة مجتمعة، والقائمة تطول .....
أما أنت فليست لك إيجابية واحدة منذ أنْ توَليّت الحُكم لأكثر من ثمانية وعشرين عاماً!
تراجعت مصر بفضل كراهيتك لشعبها في كل المجالات، وبدا أنَّ هناك عهدا بينك وبين خصومها على أن تجعلها، قبل أن أقبض روحك، الأخيرة في كل شيء.
مبارك: كل الدلائل تشير إلىَ عبثية حكمي، وأنا لا أخشى اللهَ أو الموتَ أو يومَ الحساب أو حتى ضميرا يقظاً يأتيني ليلاً أو نهاراَ!
المصريون قادرون على تبرير كل جرائمي، وكل مصري من النوبة إلى الثغر يمكنه أن يقصّ عليك ما يجعل الحجرَ يذوب حُزنا وهَمّاَ وكَمداً، وأي إنسان وضع الله في جمجمته ذرة عقل لا تراها العين المجردة كان ينبغي أن يصبح في مقدمة المناهضين لحُكمي.
أنا أتحالف مع الإسرائيليين ضد الفلسطينيين، وضد جيش العبور، وأهين جيشنا الذي شاهد جنرالاته طائرات الدولة العبرية تخترق سماء مصر، وتدك مواقع الفلسطينيين.
وأنا أعطي أوامرَ بالقبضِ علىَ فلسطيني يهرب من القصف الإسرائيلي ويظن أنه يلجأ إلى رحمة أشقائه المصريين.
وأنا أبني جداراً فولاذياً أشدّ قوة ومَنَعة من الجدار الإسرائيلي الذي يفصل أهل فلسطين عن وطنهم.
وأنا صانع الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط، وأحتقر المصريين كما لم يحتقرهم أيّ فرعون منذ بناة الأهرام، ولا أستجيب لصراخِهم، وعويلهم، واستجدائهم حتى أنني أتلذذ بوجود آلاف من الأبرياء خلف القضبان في سجون مظلمة، وأشعر بغبطة عندما أتخيل أولادهم وزوجاتهم وأحبابهم وقد أبيضت أعينهم من الحزن والبكاء عليهم.
قرأت آلافَ التقارير في الصحف المصرية والعربية والغربية ومنظمات حقوق الإنسان وزاد شبقي ونهَمي لأجعل من مصر سَلخانة، ولولا خشيتي من الرأي العام الدولي لأمرت زبانيتي بإبادة المصريين لأستريح منهم، ولعلك تعلم، سيدي عزرائيل، أن ثلث ميزانية الدولة تذهب لأكثر من مليون رجل أمن يقومون بحمايتي من هؤلاء الأوغاد الذين أستخف بهم فيطيعونني.
وأنا نجحت في جعل مصر تقوم بتسليم الريادة إلى دول لم تكن تساوي قرية أو نجعاً أو أحدَ أحياءِ القاهرة القديمة.
وأنا صنعت المصريَّ المتخاذلَ، والخائف، والمرتشي، والجاهلَ، والفهلوي، والبلطجي، وعدوَ الثقافة، والمتحالف مع الأمن ضد أمه وأبيه وأصدقاء عمره.
وأنا قضيت علىَ كل محاولات الانقلاب ضدي، وأقوم دائما بتغيير مواقع الجنرلات، وأراقب تحركاتهم وأحاديثهم وزياراتهم العائلية، وأسعى لأنْ أقرأ طموحاتهم وأحلامَهم.
وأنا أكره أجهزة الاستخبارات الوطنية التي لا يزال المصريون يحبونها، ويقدّسون أفرادَها، وتدمع أعينهم من بطولاتها، لذا فقد جعلتُ رئيسَها وسيطا بين القاتل والقتيل في فلسطين، وجعلتها مكشوفة أمام الموساد، فأنا في حماية تل أبيب وواشنطون.
وأنا أكافيء كل من يَسرق أو ينهب أو يفشل أو يعذب مصريا، حتى أنني منحت أوسمة لثلاثة ضباط شرطة متهمين بتعذيب المصريين، وعندما خرج وزيرُ الإسكان السابق من الوزارة بعشرات التهم الموثقة، أعطيته منصبا لائقا به، وراتبا مغريا.
أعمالي كلها تشهد بأنني عدو المصريين الأول، لكنهم لسذاجتهم، وعبطهم، وجبنهم، وخشيتهم على لقمة عيش من فتات أصدقاء ابني يبررون كوارث ومصائب وفواجع وطن يكاد يغرق في السموم والأوبئة والأمراض والجوع والتسول والعشوائيات وسكن المقابر.

عزرائيل: لستَ في حاجة لأنْ تسرد على مسامعي جرائمك، فسيذكرك تاريخ مصر لقرون طويلة قادمة.
لقد تعَرّتْ مصرُ عندما أعطيت التوجيهات لإعلام أنس الفقي أنْ يستعرض عضلاته، وألسنة مُذيعيه، وغباء الرياضيين، وحماقة الفنانين، فرَدّ عليك الآخرون، ونشروا غسيل بلدك على العالم، فصغرت مصر في أيام معدودات لتصبح مثلَ كرة قدم شراب بين أقدام صِبْيَة لا تعرف إنْ كانوا يمررونها أو .. يدوسون عليها!
لم أرَ في كل الطغاة الذي قبضت أرواحَهم زعيماً أكثر وقاحة منك وهو يفتخر بنظام تعليم يدفع من بطون الجامعة إلى الوطن جهلة وأنصاف أميين، ويفتخر بوسائل إعلام يخجل منها المصريون في داخل وخارج مصر، ويعتز بالفاشلين من الوزراء، ويحمي اللصوص وناهبي الثروات، ويفسح المجالَ لثقافة الفهلوة.
مبارك: قل كلَّ ما تعرف، لكنني باقٍ فوق رؤوس المصريين، وسعادتي في تعاستهم، وثمانون مليونا منهم لو أوجعهم الحزنُ على بلدهم وزفروا زفرة واحدة لهربت أنا وأسرتي وكلاب قصري على أول طائرة تتوجه بنا إلى تل أبيب أو واشنطون أو في خيمة يبنيها لنا رسول الصحراء على مشارف بنغازي.
لقد صنعتُ المصري المُحَصَّن للاستجابة لدعوات الثورة ضد الظلم.
أقسم لك بأنني أستطيع الآن أنْ أجعل مصرَ كلها تخرج، وتضع رقابها تحت قدمي ابني جمال لو أنني سلطت عليهم حمقى الشاشة الصغيرة أو أمرت رؤوس الأزهر الشريف والكنيسة القبطية بالكذب على الله تعالى، والادعاء أن السماء تبارك الدماء، وأن محمداً والمسيح، عليهما السلام، لو كانا في مصر لأعطيا صوتيهما لابني جمال!
لست أنا فقط الذي يلهب ظهور المصريين، لكنهم هم الذين يُعَرَّون ظهورَهم وأقفيتهم لكرباجي!
هل عرفت شعبا واحدا في العالم تكون قوانين الطواريء هي القاعدة التي تحكمه، ولم يعش يوما واحدا في ظل الحرية والأمن والدستور الطبيعي والقوانين غير الاستثنائية؟
إذا هاجمني واحدٌ من الأحرار تصدى له سبعون من العبيد!
 
لا تقل لي، سيدي عزرائيل، بأنهم لا يعرفون، وأنهم لم يشاهدونني أدَمّر بلدَهم، فكلهم، من قضاة ومحامين وإعلاميين ورجال دين إسلامي ومسيحي، وأكاديميين، ومثقفين، وجنرالات في الجيش، وضباط أشراف في الشرطة والمخابرات، ومفكرين، وأدباء، وشعراء، وقيادات طلابية، وعاطلين عن العمل، ومرضى، وأهالي المعتقلين الأبرياء، وستة ملايين مصري في الخارج، كانوا شهود زور، ووقفوا في صف الشيطان، ويقدمون مئة تبرير لخوفهم، وصمتهم، ورعشة رُكبِهم، واصطكاك أسنانهم.
إنهم واقفون وقد فغروا أفواههم في مزاد بيع وطنهم، وكل منهم على استعداد لتبرير موقفه المتخاذل، وأيضا على استعداد لأن يشهد اللهَ على ما في قلبه وهو ألدّ الخِصام.

عزرائيل: لو نزل غضبُ الله على شعب فإنَّ أبناءَ مصر سيكون لهم النصيب الأكبر من هذا الغضب!
لقد كرّمهم اللهُ فرفضوا الكرامة، وأغناهم فأفقرتهم أنت، فأطاعوك!
السماءُ غاضبة على جيش العبور وعلى جنرالاته وعلى الأحرار والشرفاء وكل من يستطيع في موقعه أن يناهض حُكمك الفاشي والإرهابي ولم يفعل.
مبارك: هل صحيح أن صلوات المصريين في مساجدهم وكنائسهم لا يقبلها الله؟

عزرائيل: إنها مشروطة بالدفاع عن الحق والعدل والخير والوطن، ومشروط بمقاومة الفساد والظلم والذل، ومشروطة بكراهية العنصرية والطائفية، ومشروطة بحب الجار وابن الوطن المختلف دينيا ومذهبيا وعقيديا وطائفيا.
صلوات المصريين الذين يعرفون جرائمك، ثم يصمتون أو يبررونها، أو يجدون لها أعذاراً، هي صلوات باطلة لأنها جمعت الدين مع الظلم، والعبادة مع الفساد، والدعاءَ مع الغش، وتكدست المساجد والكنائس رياءً ونفاقا وخوفا، فتمكنت أنت وكلاب قصرك من تدمير وطن، وتخريب أمة.
مبارك: لو بعث الله كل أنبيائه مرة أخرى ونصحوني لما استمعت إليهم!
إنني أهش على غنمي، أعني شعبي فيطيعونني قبل أن يرتد إلىَّ طرفي.
الموت، سيدي عزرائيل، لا يخيفيني، ولعله تناهى إلى سمعك تصريح صفوت الشريف وهو يؤكد للمصريين أنني، في الثالثة والثمانين من عمري عام 2011، مُرَشَّح الرئاسة، ولو ترشح أحدهم أمامي فسألقنه درساً تلقى مثله أيمن نور.

عزرائيل: لكنني عائدٌ إليك في الشهقة الأخيرة، وحينئذ لن ينفعك ندم أو بكاء!
مبارك ضاحكاً: وحتى تأتيني في زيارتك الأخيرة فإنني ساجعل مصر مُكبلة بمعاهدات ظالمة، ومحاطة بجدار فولاذي، ومثقلة بديون إلى يوم الدين، ومرهقة، وتعبة، ومُسَمَّمة من مياه النيل، وعطشى وهو يجري فيها، ولن أتركها قبل أن يصبح كل مصري مريضا أو سجينا أو معاقا أو متسولا أو نائما على الرصيف حيث لا مكان له في العشوائيات أو المقابر.
دعني أهمس في أذنك بكلمة سر، سيدي عزرائيل، وأقول لك بأنني في حماية أمريكا وإسرائيل، والجيش الذي تتحدث عنه لا يتحرك جندي من ثكنته إلا ويبلغني بذلك أصدقائي في تل أبيب، ويحميني الذين يطلق المصريون عليهم أشراف الوطن في أمن الدولة والجيش والمخابرات، ويحميني القلم الذي يأكل منه الصحفيون حراما، وتحميني قلوب ترتجف خوفا ورعبا.

عزرائيل: كل ديكتاتور قال من قبل هذا الكلام، ثم تبين للناس أنه نمر من ورق، ولو عرف الذين يتحاورون الآن في الاطاحة بك أن عرشك أوهن من بيت العنكبوت لعجلوا في البيان رقم واحد.
وإن غدا لناظره لقريب.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 4 يناير 2010

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...