30‏/04‏/2016

حوار بين الرئيس جمال مبارك و .. الرئيس بشار الأسد!

أرشيف

أوسلو في 15 يوليو 2008 في مهمة سرية وعاجلة أرسل الرئيس المصري ابنَه جمال مبارك للقاء الرئيس السوري في عاصمة الأمويين.
وفي جلسة خاصة بمنزل طبيب العيون الشاب كان لهما حوار لم تستطع آذان الجدران أن تلتقط شطرا منه، لكننا تخيلناه كالتالي:             

 بشار الأسد: أرى بينك وبين بلوغ نصف قرن من عمرك أقل من نصف عقد، ومع ذلك فلا تزال في مكانك لا تبرحه إلى القصر الجمهوري لتصبح السيد الأوحد والمطاع وفرعون مصر!
أما أنا فقد قام مجلس الشعب في ربع الساعة بتغيير الدستور لأجد نفسي الرئيس الابن بعد أن كنت ابنَ الرئيس، وصفــَّـق ممثلو الشعب حتى تورمت أيديهم.
في دقائق معدودة تحول استحمار العبقرية إلى عبقرية الاستحمار.
جمال مبارك: ومن قال لك بأنني لست سيد القصر؟
الفارق بيننا أنك تحكم وروح والدك الراحل تحلق قريبا من السوريين، فإذا رفعوا رؤوسهم لمشاهدتها رأوها في صورة (حماة ) أو سجن ( تدمر)، وإذا خفضوا رؤوسهم صفعتهم أسواط أجهزة قمع تجعل الإسرائيليين يقولون بأن هذه شعوب لا خطر منها علينا.
أنت توليت الحكم كأن ستالين كان حاضرا الجلسة، أما أنا فلي أجندة أمريكية لتزيين نقل السلطة، وتخدير الشعب بفرح الديمقراطية الظاهرة.
أنت تنصب المشنقة لمن يعترض على توليك السلطة، أما أنا فصناعة الرِقّ لديَّ أهم وأبقىَ، ووضعُ صورتي في إطار مستقبل مصر كخيار وحيد هو نتاج توجيهات البيت الأبيض.
الواقفون في طوابير الخبز ليس لديهم وقت لرفاهية البحث عن غيري، أما في سورية فقد كانت معروفة بأن من يستيقظ باكرا يتولى الحكم، والآن لم يعد أحد يستيقظ مطلقا إلا أن يهرب إلى عاصمة النور.. الأم الحنون لجارتكم الباحثة عن رئيس .. ثم الحائرة في تشكيل حكومة محاصصة يظن كل وزير فيها أنه الرئيس!
أنت استبدلك والدك الراحل بشقيقك الراحل، فهو يعرف أن ختم الموافقة تم لصقه في ألسـِـنة وأكفّ أعضاء مجلس الشعب، ولو رحل وأنت في العشرين من عمرك لتولى أحد أعمامك وصاية العرش حتى تبلغ أشدك.
أما أنا فوالدي صانع للكذب، وماهر في مسح ذاكرة المصريين.
يقول لهم بأنه لم يجد الرجل الثاني بينهم، فهو يقوم باعدادي على نار هادئة، ويحتقر صانعي أولى حضارات الأرض، ويقْسِم لهم بأنه لن يجدد لولاية ثالثة، فلما جدد لنفسه الخامسة كانت ذاكرة صانعي الفهلوة وداهني الهواء دوكو قد انشغلت بعدد المسامير في رغيف الخبز لو توفر بعض منه.
لقد قمنا بتخدير المصريين عندما أقنعنا صانعي الكلمة فيهم بأن جمال مبارك لن يصل إلى الحُكم، رغم أنني فعلا وقولا الزعيم الشاب الذي يجلس على يمين الزعيم المريض.

بشار الأسد: في كل الأحوال فنحن في الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة نتفوق عليكم في صناعة الرعب، ونجعل السوري يخشى الحديث عنا في فراش الزوجية، وقوتنا في أجهزة الأمن التي يستطيع الضابط فيها أن يحصي عدد الأسنان المُسوَّسة لأي مواطن دون أن يرفع الأول حذاءه من فوق مكتبه، وقبل أن يَمْثُل الثاني بشحمه ولحمه ورعشة ركبتيه معتذرا في مكتب ضابط الأمن عن أشياء لم يرتكبها قبل أن يصبح في عداد المفقودين.
نحن نستطيع أن ندفن عدة مئات من السوريين في حفرة واحدة نصف قطرها يعادل أحزان قلب العروبة كلها، ولن ينبس سوري ببنت شفة.
في سجوننا ومعتقلاتنا آلاف لا يعرف الجن الأزرق مكانهم، ولو حفيت أقدام أمهاتهم وآبائهم في جميع أقسام الشرطة بحثا عن رائحة فلذات أكبادهم لَما كلف أحدٌ نفسَه الرد عليهم إلا أن يسيل لعابه لما تم دفعه من إتاوة بلطجة، تماما كما كان النصابون والوسطاء يفعلون إبان احتجاز الرهائن الكويتيين، فيدّعي كل محتال أن له قريبا شاهد كويتياً في زنزانة بقبو في عاصمة الرشيد، فيبتز أمّاً جفت عيناها وأبيضت من الحزن والكمد!
نحن نُطعم شعبنا مفردات وطنية تكفي لتحرير العالم كله من ربقة الاحتلال والاستعمار، لكننا نحجر على عقولهم أنْ تفكر في ضرب إسرائيل للبنة المشروع النووي السلمي أو التحليق فوق القصر الجمهوري بدمشق.
جمال مبارك: أنتم تلاميذ في القمع مقارنة بوالدي وأستاذي ومعلمي في ربع قرن قادم بعدما يقع المصريون بين براثني.
نحن نحكم بالحديد والنار ومساحة ظاهرة من الديمقراطية المزيفة والمصنوعة في المكتب البيضاوي بتوجيهات سيد الكون، لكن ضباط الأمن وزبانية التعذيب لديهم أوامر صارمة وحازمة من والدي بأن يفعلوا بالمصريين ما لم تتجرأ أن تفكر فيه كل قوى الاستعمار القاسية في تاريخ مصر مع المحتل الأجنبي.
هل سمعت عن مواطن يتم تهديده إذا حاول كلب أن يفترسه في الزنزانة، وأصاب الكلبَ مكروه؟
طبعا لم تصل إليكم، صديقي الرئيس الشاب، هذه الحكاية، فالمواطن المصري لم يصدق أن عالم الذئاب يمكن أن يصل انحطاطه إلى هذه الدرجة، ودخل الكلبُ عليه، وحاول المسكين أن يخفي وجهه لئلا ينهش أنفه أو عينيه، وكان خوفه الأكبر أن يصيب الكلبَ مكروه، فتتم مضاعفة العقوبة.
هل سمعت عن تهديد مواطن لأنه يضم فخذيه ورجال أمننا يغتصبونه، ويعتبرون عمله هذا مقاومة غير مشروعة لجهاز أمن الدولة؟
نحن نحكم ثمانين مليونا، وزعيمنا مريض، وكل مصري يحمل في جوفه كراهية لنا ولحُكمنا ولأسرتنا لو تفجرت في مظاهرة أو عصيان مدني أو انتفاضة لسحلونا مثلما كان العراقيون يفعلون في كل زعيم يزيحه انقلاب عسكري، وكل عراقي يغضب عليه سيد القصر.
أجهزة أمنكم في سورية تلامذة ضعاف وساذجون لو قارنتهم بأحفاد الفراعنة.
لو استمعت لنبضات قلب مصري عائد لمطار القاهرة، وسوري يسلم جواز سفره في مطار دمشق لفاق رعبُ مواطننا على خوف مواطنكم أضعافا كثيرة.

بشار الأسد: يبدو أنك، أخي الرئيس وابن أخي الرئيس، لا تعرف عن صور القمع في سورية إلا النزر اليسير، أو ما طاف منها على السطح!
هل سمعت عن مواطن يتم تحديد دقيقيتن ونصف الدقيقة لكي يقضي حاجته، ويقوم السجّان بالطَرق المستمر على باب المرحاض حتى يشتت فكره، فإذا عاد إلى الزنزانة ولم تطعه معدته، فعلى زملائه أن يساعدوه في التبرز في كيس بلاستيك أو زجاجة فارغة!
هل سمعت عن زوجة تتلقى في الغربة رسالة من أجهزة أمننا تعطيها الأمن والأمان إنْ عادت إلى الوطن، فالمطلوب زوجها فقط، فإذا عادت فقد وقعت في براثننا رهينة حتى يقوم زوجها الهارب بتسليم نفسه، تماما كما تفعل سلطات علي عبد الله صالح عندما تحتجز أطفالا لم يبلغوا الثانية عشرة من العمر، ويقضي الأبرياء شهورا أو سنوات مع المجرمين والشاذين فيضطر الأب لتسليم نفسه.
إننا لسنا تلامذتك، أيها الفرعون الصغير، فيمكننا ضرب مدينة بسلاح الطيران، ومحو آثارها من الوجود، ودفن أهلها تحت الأرض، فيكتب صانعو الكلمة وأطراف أصابعهم ترتعش بأن أسدهم يزأر في وجوه الإرهابيين، حتى لو كان هؤلاء الإرهابيون أطفالا لم يتخلصوا بعد من حفاظاتهم؟
يختفي عشرات أو مئات في مصركم فتصم آذانَكم لجانُ حقوق الإنسان، أما نحن في سورية الأسد فيختفي عدة آلاف ولا تستطيع جهة واحدة أن ترفع سبابتها أو إبهامها احتجاجا أو تذمرا أو عتابا خفيفا.
صحيح أنه بفضل قسوة والدك وتحَجًر قلبه ودموية فكره ترسل الولايات المتحدة الأمريكية متهمين لأرض الكنانة لكي ينتزع رجال أمنكم منهم الاعترافات التي يعجز عن فعل مثلها متمرسو التعذيب في جوانتانامو أو أبي غريب.
لكننا لو أردنا حفر مقبرة جماعية تتسع لكل أبناء سورية فسيعترف مرشدو الأمن ومخبروه وزبانية القهر في مصر بأنهم تلاميذ يتعلمون من نظرائهم السوريين.
سترتد الروح إلى صدام حسين ، ويظهر في دمشق معتذرا بأنه وافق على تتويجه رائد المقابر الجماعية بعدما دفن ربع مليون عراقي تحت أرض الرافدين.
جمال مبارك: أنت تعترف بنفسك بأن الأمريكيين يرسلون متهمين لنزع اعترافاتهم في أقبية تحت الأرض، وكان هذا في عهد والدي الرئيس حسني مبارك بطل الضربة الجوية الأولى، أما في عهدي فسيأتينا رجال أمنك ركّعاً سُجَّداً يبتغون دروسا في فنون التعذيب وصنوف القمع لم تعرفها سورية في تاريخها الحديث.
هل سمعت عن ضابط أمن يجبر مواطنا مصريا في قسم الشرطة أن يلعق عضوه التناسلي؟
هل تناهى إلى سمعك أو بصرك مشهد مواطن مصري يقوم مأمور القسم بصب الكيروسين على جسده وهو نائم في التخشيبة ليشعل فيه النار؟
ربما تكون حكاية المصري الذي أجبرناه على ارتداء ملابس نسائية، وأخرجناه في الحارة ليعرف قيمة نفسه وقيمة كل مواطن في عهد أسرة مبارك، فأصاب شلل والدته بعدما شاهدت ما تمنت أن تموت قبل أن تقع عيناها عليه.
إنني ووالدي نتحدى كل الطغاة أن يمارسوا ربع أو خُمس أو عُشر ما نقوم به ضد أبناء الشعب المصري، ومع ذلك فكل ضابط أمن ( تقريبا ) في مصر على استعداد لأن يقف أمام جمعية حقوق الإنسان أو وفد من منظمة العفو الدولية أو حتى في فضائية عربية ليتحدث عن المن والسلوى والشهد في السجون والمعتقلات المصرية، وربما يقول أيضا بأن الطعام يأتيهم ساخنا كل يوم من مطعم مكسيم الباريسي.
إننا، أخي الرئيس بشار الأسد، نهدد، ونتوعد دولا خليجية لها أفضال علينا إذا سمحت لمعارضي نظامنا أن يطلوا من الشاشة الصغيرة في فضائية مدعومة خليجيا.
ونحن نشتمهم، ونسبّهم، ونسلط عليهم قبضايات الصحافة وبلطجية القلم ، فإذا انتقد صحفي خليجي أو عربي في صحيفة نفطية الشقيقة الكبرى مصر، فإن القصر الجمهوري يهتز كأنه جان، ويتحول بعض إعلاميي السلطة إلى قردة ترقص لصاحبها، ويتحول الإعلام إلى ردح، بل يقف الدكتور زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية في مجلس الشعب مطالبا دولة خليجية بالاعتذار عن مسابقة بريئة ظنها إساءة لنا.
إن والدي أكثر القادة قدرة على ابتزاز دول الخليج العربية، وهو صاحب عبارة الفتنة الكبرى عندما وصف شيعة الخليج بأن هواهم مع طهران، وحتى عندما علم بالحشود العراقية قبيل الثاني من أغسطس، وهو قائد طيران محنك، رفض أن يصرح للكويتيين بمخاوفه، فالكعكة كبيرة وتتسع لكل الوسطاء والمتباكين على احتلال الكويت.

بشار الأسد: حديثك عن ابتزازكم لدول الخليج رغم مليارات الدولارات التي تنهال عليكم فتدعم اقتصادا فاسدا ولصوصيا يجعلني أضحك على أشياء غير حقيقية بالمرة.
فنحن الذين صنعنا الخوف الخليجي منا، وجواسيسنا في كل فندق خليجي، وحتى سائقو سيارات الضيوف يعملون متبرعين لدى السفارات السورية، ونعرف كل ضيف عربي أو أجنبي، ورقم غرفته، وأسماء مضيفيه، وموعد الوصول والمغادرة.
ونحن نلعب مع وضد في الوقت عينه، وكل طرف يظن أننا ندعم طائفته، ونحميها في سورية أو لبنان، ولنا دلال على الجمهورية الإسلامية قبل أن تقلب الطاولة على جميع اللاعبين، ولو تجرأ معد برنامج في فضائية خليجية وأساء لسورية فقد ثكلته أمه قبل أن تدخل معدته كبسة عشائه الأخير!
إن طابورنا الخامس في دول مجلس التعاون الخليجي أكثر قوة وعددا من كل أجهزة أمن الخليج الدافيء!
جمال مبارك: ونحن نهدد بالفنون والآداب والإعلام ، وعندما ظن إعلامي سوري في الخليج أنه أكبر من أي مخبر لدينا منعنا شقيقه من الغناء في أم الدنيا!
نحن نمسك ألسنتهم في النايل سات، ويتصل سفيرنا بأكبر مسؤول خليجي يعاتبه، بل ويهدد بالويل والثبور، وبأن العلاقات الأخوية بين البلدين أضحت على شفا حفرة ، وعلى مرمى حجر من الانفصال.
أما سعادَتُك في تفوق صناعة العبودية فهي سعادة غير مكتملة لأننا متخصصون في فن انتهاك الكرامة، وعندما هاجم رجالنا عزبة محرم، قمنا باختيار بعض القرويين المساكين ليكونوا كبش فداء أمام الآخرين، وأمرنا بادخال العصا في مؤخراتهم.
السلطة القضائية في كل بلاد الدنيا لها كل الاحترام والتقدير إلا ما ندر، أما في عهد والدي فقد محونا المهابة منها، وأوحينا إلى أجهزة الأمن أن تبصق على أحكام ممثلي السماء على الأرض، وأن تختطف من يقوم القاضي بتبرئته فور صدور الحكم العادل، لتعيده إلى السجن مرة أخرى.
كان استحسان والدي رسالة واضحة إلى السلطة القضائية وأكثر من عشرين ألف قاض ومستشار بعدما ضرب ضابط الأمن أحدهم بالحذاء.
كان الضابط الصغير الذي قال لسكان العمارة : يا ولاد الكلب أستطيع أن أضعكم جميعا في السجن، وذلك في معرض عتاب زوجته على إحدى جاراتها رسالة واضحة من السلطة الأمنية بأن المصريين كلهم ولاد كلب.
نحن في مصر مبارك نستطيع أن نُعِدّ زيارة لأجهزة القمع السورية، وحينئذ ستعرفون أن أحفاد الفراعنة مازالوا بارعين في تحنيط المواطن وهو حي يُرزق أو لا يُرزق.

بشار الأسد: كل الدلائل تقطع بأنك، يا صديقي العزيز رئيس مصر القادم، لا تعرف عن خوف السوريين شيئا، ولو قرأت افتتاحيات الصحف اليومية لهالـَـكَ الفزع يتراقص من المانيشتات العريضة، أما المَذَلّة اليومية فهي في الصورة الإجبارية لطلعتي البهية.
لو أنني وقفت في شرفة القصر الجمهوري بدمشق وبصقت في الهواء على الحشود الملايينية فإن رؤساء تحرير صحفنا القومية سيهللون لعبقرية الخطبة، ولآليء الكلام، وبليغ الفصاحة!
لو أن هذا الحوار بيننا تم نشره في المنتديات والمواقع الإنترنتية فإن عيون مرشدينا ومعها عيون الجبناء قادرة على اتهام ناشره بأنه يريد تشويه صورة الحكم الوطني في دمشق، وبأنه يعمل لصالح القوى المعادية والصهيونية.
نحن نراقب كل شاب يجلس في مقهي للإنترنيت، ويتبرع في أحيان أخرى صاحب المقهى بمعلومات عن زبائنه لعل ضابطا في الأمن يشكره ويبتسم في وجهه.
والآن قل لي بربك ماذا تفعلون مع إسرائيل؟ نحن لدينا جبهة هادئة مر على احتلالها أربعة عقود، وطيران العدو يحلق فوق رأسي دون أن أرفع حاجبي دهشة واستنكارا، ويضرب العمق في المشروع النووي السلمي، وتخرج من تروس المطابع صحفنا تشيد بالموقف البطولي لي رغم أنني كنت أرتعش وأنا اسمع أزيز الطائرات الإسرائيلية يخترق جداريّ الصمت والصوت معا.
جمال مبارك: في هذه النقطة بالذات لا تستطيع أي قوة صديقة لإسرائيل الادعاء بأنها خدمت الكيان أكثر من أسرة مبارك! نحن نُصَدّر الغاز للعدو ليستخدمه في كسر عظام إخواننا الفلسطينيين، ونبيع البترول للدولة العبرية بثمن بخس ثم نرفع سعر الوقود في مصر، ونرسل إليهم رئيس جهاز المخابرات بنفسه وسيطا بين القاتل والقتيل في خطة عبقرية وضعها والدي لكي يهين منصب رئاسة المخابرات، ويمسح من ذاكرة الشعب حكايات وبطولات هذا الجهاز الوطني الكبير.
وعندما أضرَب عمال الشحن والتفريغ في ميناء إيلات، ساعدنا حكومة تل أبيب بأن فتحنا ميناء بورسعيد الصامدة.
ونحن نتعاون أمنيا مع العدو، ولو أن جنرالات وقادة من جيش العبور اجتمعوا لانقاذ شعبهم من براثن أسرتنا فإن الموساد قادرة على إبلاغنا فورا.
بعد عودة ضيوف الرحمن الفرحين بثواب الحج وهدايا حملوها لأهلهم وأحبابهم، منعهم والدي من العبور إلى غزة إلا أن يمروا على معبر بين أيدي أجهزة الأمن الصهيونية لتختار من بينهم من ترغب بالقائه في غيابات السجن.
وظل المساكين يفترشون الأرض، ولا يعرفون أن التعاون بيننا وبين المخابرات الإسرائيلية كأنه حالة غرام أو توأمة تجتمع على إذلال أصحاب الأرض المنهوبة والمحتلة.
نحن نستأذن إسرائيل قبل السماح لفلسطينية حامل أن تضع مولودها في الجانب المصري.
إننا، أخي الرئيس بشار الأسد، أكثر قربا لتل أبيب من إيللي كوهين لو عاد حيا.
إن إسرائيل تحمي أسرتنا، ونحن نحمي حدودها.
الفارق بيننا أنكم أكثر قدرة على استخدام مصطلحات ومفردات وطنية كأنكم في ساحة الوغى، أو كأن جنودكم ترابط على أبواب القدس وتزيل آثار القدم الهمجية.

بشار الأسد: ومع كل ما ذكرت فقد يصاب جندي مصري بجنون الوطنية ويطلق النار على الجانب الإسرائيلي، أما هنا فإن الهضبة السورية المحتلة أكثر هدوءا من حدائق العشاق، ولا يستطيع جندي حدود سوري أن يصاب بجنون الوطنية ولو في أحلامه.
قد لا تشعر إسرائيل بالأمن في أي مكان حتى لو كان حافلة قديمة تسير في شوارع القدس العتيقة، لكن الكيان العبري يعرف أن جبهة الجولان كأمواج البحر الميت، وأن أبطالنا على الحدود لا يعرفون إن كانوا يقومون بحماية دمشق أم تل أبيب!
جمال مبارك: فتح السجون والمعتقلات لتلتهم أبناء البلد لا يختلف كثيرا عن التعاون مع العدو، ونحن الفراعنة نستطيع من مكتب في القصر الجمهوري بعاصمة وادي النيل أن نقوم بصناعة المومياوات التي أجادها أجدادنا بناة الأهرام.
لدينا مومياوات في المكاتب الفاخرة لكبار محرري الصحف القومية، ومثلهم في الفضائية المصرية، وأكثر منهم على مقاعد مجلسي الشعب والشورى.
أبو الهول لم يصمت لأنه من أحجار، ولكن لأنه يرهف السمع في انتظار قرب هدير المصريين وهم غاضبون، فظل آلاف الأعوام لا يسمع إلا همساً.
هل تريد مني أن أعدد لك بعض وسائل التعذيب التي نلجأ إليها بفضل عبقرية والدي؟
لدينا شتم الأم والأب، ومنع الدواء، والحرمان من الطعام، والسماح بزيارة الأهل للسجين بعد عدة ساعات من الوقوف في الشمس الحارقة، ثم إنهاء الزيارة بعد ثلاث دقائق إمعانا في التنكيل بالسجين وتعذيب أهله، ولدينا أيضا التعليق من اليدين أو من القدمين، والحرمان من مقابلة المحامين، وعدم السماح بالتبول، والعزل في زنزانة مع الكلاب، وتوصيل اسلاك كهربية بالأعضاء التناسلية، وقضاء الحاجة أمام السجناء الآخرين لمزيد من المهانة، والتهديد بأن نغتصب له أمه وأخته وزوجته أو ابنته، وكنا قد أبدعنا منذ عشر سنوات عندما جمعنا رهطا من الفلاحين وزوجاتهم، وقمنا بخلع ملابس كل زوجة أمام زوجها وباقي سكان القرية، وأدخل بواسلنا الأبطال زجاجات في مواضع العفة منهن، حتى يتساوى الشعور بالمهانة والعار لدى كل السكان!
إننا على أتم الاستعداد لتلقين إبليس نفسه دروسا لم يتعلمها منذ أن رفض طاعة الله.
وأستطيع أن أقص عليك ساعات طويلة ما نفعله مع المصريين، ومع ذلك فكثيرون يرفعون لنا آيات الشكر وموفور الثناء، بل ربما تجد بعد نشر حوارنا من سيدافع عني وعن والدي ، وربما يطلب من الله أن يكون شاهدا على حسن تديّنهم بطاعة ولي الأمر.

بشار الأسد ضاحكا: هذه الوسائل التي تحكي عنها لتعليم المصريين الخنوع والعبودية وأداب السخرة يقوم بها أصغر تلاميذ الأمن من اللاذقية إلى حلب، ومن تدمر إلى صيدنايا، ومن حمص إلى دمشق!
لدينا مبدعون في كل فنون التعذيب ولو لم تكن علاقتنا سيئة بالولايات المتحدة الأمريكية لأرسل الأمريكيون المتهمين لنزع الاعترافات منهم في واحد من سجوننا ومعتقلاتنا.
في أقبيتنا وزنزاناتنا وسائل تعذيب تجعل الشيطان نفسه يخجل من وسوسته، ويرفع قبعته معترفا بتفوق أجهزة أمننا على كل الأشرار.
هناك الحرمان من الهواء إلا عبر فتحة صغيرة لا تكفي لتنفس فأر، والضغط على الخصيتين، والالزام بشتم الرموز الدينية والوطنية، والوقوف فوق المصحف سائلين السجناء أن يأتوا لنا بربهم إن استطاعوا، وخلع الذراع من مفصل الكتف، والحرمان من النوم، والوقوف لساعات طويلة عراة تحت شمس حارقة، ووضع الوجه في بول السجناء الآخرين!
جمال مبارك: لو تنافسنا في وصف وسائل تعذيب شعبينا فإننا لن ننتهي قبل انبلاج فجر جديد، وأنا أعدك أن أقص عليك ما لم يدر بذهن كل طغاة العالم في التاريخ الحديث، من السافاك الإيرانية إلى ستاسي الألمانية الشرقية، ومن فرع بعثكم في بغداد في عهد صدام حسين إلى الفرع الأمريكي في بغداد أيضا في عهد حكومة فيشي العراقية، ومن سجون تونس إلى معتقلات ليبيا، ومن جحيم الحسن الثاني إلى مخيمات البوليزاريو، ومن ذئاب بيوت الأشباح السودانية إلى سجون الأسرة الهاشمية في الأردن.
عليك فقط أن تنتظرني بعضا من الوقت وسيقوم والدي بتخطيط ماهر وعبقري لوصولي رسميا إلى سدة الرئاسة ولو شج ثمانون مليونا من المصريين رؤوسهم في الحائط. ربما يأمر بعدة عمليات إرهابية حتى يفزع الناس ويلتصقون بكرباجي فهو أرحم بهم من المجهول، وربما تكون لدى المخابرات الأمريكية والإسرائيلية خطط جديدة لجعل شعبنا ينفجر سعادة بقبولي سجّاناً جديدا وحيئنذ لن يتمكن مصري واحد أن يتنفس إلا بإذني، ولو همس لنفسه في صحراء قاحلة فستصل همساته إلى رجال أمني.
سيسلمني والدي طوابير الخبز، ومرشدي الأمن من صانعي الكلمة، وكلاب السلطة، ومعتقلات تكفي لتبتلع في جوفها كل المصريين المشاغبين، وستنهال المساعدات المالية علينا من أوروبا وأمريكا ودول الخليج، وسيدبج الأفاقون والمنافقون والغوغاء مقالات وافتتاحيات عن عبقريتي، وستسمع فنانين وأدباء وشعراء يمتدحون في قدراتي، وسيجمع الناس في النهاية على اعطاء الرئيس الشاب فرصة لمعرفة نهجه، وكأن لهم الكلمة الفصل بعد الاختبار.

بشار الأسد: ألا تخشى انفجارا أو عصيانا مدنيا أو انتفاضة تطيح بك فور انزلاق نعش والدك تحت التراب؟
جمال مبارك: الانتفاضة العمالية سقطت بعد رشوة الثلاثين بالمئة، التي أعيدت لنا برفع أسعار المحروقات، وأنا ورجالي وربع مليون من شبيبة الحزب الوطني والفنانون وكبار الصحفيين والأدباء والسياسيون والفضائيات العربية مستعدون تماما ليوم رحيل والدي، وسنجعل المصريين يلطمون وجوههم لربع قرن قادم.

بشار الأسد: كنت أريد أن أقص عليك ما حدث في سجن صيدنايا، وعن أشياء لو سمعتها أنت ووالدك لخجلتما من منافستنا!
جمال مبارك: عائد إليك رئيسا، وساقص عليك حينئذ ما سيجعل إبليس يرجوني أن أعطيه دروسا خصوصية بأي ثمن!

محمد عبد المجيد
عضو إتحاد الصحفيين النروجيين
طائر الشمال
أوسلو

حوار بين خروف و .. فاطمة ناعوت!

كانت الأديبة الشاعرة فاطمة ناعوت تجلس في كافتيريا بإحدىَ ضواحي عاصمة المعز، وعلى مقربة من سلخانة يقف أمامها جزار يرتدي ملابس بيضاء تغطيها دماء حمراء قانية، ويبدو أنه كان يبحث عن حيوان هرب منه.اقترب الخروف من فاطمة ونظر إليها نظرة استعطاف ففهمت أنه سمع عنها، وعرف حكايتها، وأشفق عليها بعدما كانت هي التي تشفق عليه.ودار بينهما الحوار التالي:
الخروف: أراكِ هادئة، وادعة، فهل تكتبين قصيدة غزل في أحد النباتيين؟
فاطمة: ما لي أراك ترتعش من الخوف، كأن سكيناً حاداً على وشك ذبحك قبل موعدك خشية أن تبرد الفتــَّــة، ألستَ هارباً من هذا الرجل الضخم الذي يسدّ باب الجزارة بكرشٍ يسبقه؟
بلىَ، أكتب قصيدة شعر في رغاء أبناء جنسك وحرمانهم من حضور جلسة محاكمتي وهو حق لكل منهم، فربما يملك أحدهم أدلة ثبوتية أنني لم أنتهك قوانين الرحمة، ولم ينطق لساني بأكثر من عصارة أحزاني.

الخروف: جريمتك رقة قلبك، وإثمُك صراحتــُـك، وحُوبــُــك صـِـدْقـُـك، لكنك في بلد تعشعش في جمجمة كل مسلم مؤسسة دينية بكل فروعها، فإذا أفلتت رقبتــُـك من الفقه، فسيأتيك إزدراءُ الأديان، أو تُلقىَ علىَ مكتب النيابة رزمة أوراق تتهمك بالأنثوية، وقد يرفع أحدهم دعوى ضدك يقول فيها بأنه تم ضبطك وأنتِ تفكرين!
فاطمة: أنا لم أخطيء، لكنني سمعت عن تجديد الفكر الديني فذهب بي الظن أن مدرسة التشدد ستنتحي جانبًا، وأن فصول التطرف سيتم إغلاقها، وأن العقل سيُفسَح له الطريق ليمـُـر، فإذا بهم يغلقون عليه كل الأبواب، بل يحاولون إغلاق باب السماء أيضا.

الخروف: لقد نزل كلامك على أهل قومي بردا وسلاماً، فقد عرفنا جزارين يذبحون فينتقمون، ويقطعون فيمزقون، ويعلــّـفون فيخنقون، ثم يُعلقون الذبيحة في قيظ الصيف على باب السلخانة لانزال الرعب في قلوب الأطفال.
خصومك جبناء رفضوا الحوار والنقاش والمنطق وحتى العاطفة، ولجأوا إلى لغة شوارعية سقيمة يخجل منها المعجم، ويستحي منها البيان.
يزعمون دفاعهم عن شريعة سماوية، وأنتِ لم تعترضي عليها، إنما كانت حيرتــُـك في التناقض بين الجزار والشاعر، بين السكين والقصيدة، بين الدم والوردة.
فاطمة: آه لو أن قومي يستوعبون منطقك لأكلنا من فوقنا، وأسقانا الله ماءًا غدقـًـا!
إن الله، عز وجل، سمح لإبراهيم، أبي الأنبياء، عليهم السلام، أن يسأل، ويناقش، ويشكك، ويرتاب، وينتقل من رب صغير إلى رب كبير، فلما رأى الشمس قال هذا ربي .. هذا أكبر.
لقد حسُن ظني بسيد القصر عندما وعد بترك المثقفين يجددون فهم ديننا، فلما استجبنا، جاءت مطرقة القاضي فزلزلت العدالة زلزالها، وتعجـّـلوا قضيتي، وغضوا الطرف عن مئات الآلاف من القضايا والهموم والكوارث ، من حقوق الأرامل إلى أصحاب المعاشات، ومن جرائم اغتصاب الأطفال إلى نهب الدولة، ومن أموال هبرها مبارك إلى فساد لم يترك شبرا إلا وأتىَ عليه.
الخروف: لماذا لم يدافع السيد الرئيس عنك، فأنت مواطنة تقود حركة تنوير ووعي وثقافة، فضلا عن حفاظك على لغةٍ استعجمها المصريون فقست ألسنتهم، وغابت عن ساحات أرض الكنانة أسواقُ عكاظ المصرية، فمرض الكتاب، وسقطت دموع المتنبي بعد وفاته بأكثر من ألف عام!
أنا أعرف أناساً يتألمون لصيد فراشة، ويتوجعون لذبح أرنب قبل أن يسقط بجانب طبق ملوخية استعدادًا للدخول في بطن شرهة كلما كبرت ازداد صاحبها شراهة.
أحبابك أكثر من أضعاف مؤيدي الرئيس والقضاء وكل رؤساء الأحزاب، ولم يشفع لكِ دورك الوطني حتى في حملاتك الناجحة لجذب السياحة.
كلهم يتابعونك بقلوب ملؤها الغيرة وأنتِ تحصدين الجائزة تلو الأخرى، وترفعين اسم مصر في بلاد نعجز عن اقناعها بعدالتنا.
فاطمة: أيها الخروف النبيل، أشعر بأنه إذا تأسست منظمة ضد مذابح بني البشر فسيكون مؤسسها خروفاً رقيقاً مثلك، ولو تناهت إلى سمعي قصيدة غزل من سلخانة فلن يكون الجزار قائلها، إنما أنت أو أحد أبناء جنسك.
الخروف: بما أن كل من هب ودب في مصر يستطيع أن يرفع دعوى ضد شخص لا يعرفه، ولم يؤذه، وليس له أي مصلحة في الحُكم عليه، فهي فرصة للعاطلين والأميين وعشاق الشهرة والمرضى النفسيين لتحقيق مكاسب ظلم في قصر العدل، وأرباح سخية في حرم المحاكم.
أنتِ امرأة لا تميز بين البشر، ولا تنحاز لمذهب، وتساوي بين المسلم والقبطي، وبين المسجد والكنيسة، وبين الشيخ والراهب!
أنتِ امرأة لا تحتاج لرفع قبضتها بتحيا مصر، والتلويح بأصابع أربعة أو اثنين، لكن مسيرة الوعي التي تنتهجينها هي هويتك و..هوانا.
من نصر حيوانا يتألم فقد نصر قلوب كل الناس الطيبة، ومن رأى في الدم غبطة فلن تتحرك في نفسه مشاعر الإيمان.
فاطمة: لو سمع حديثــَــك هذا القضاةُ والجزارون والدعاةُ لتحوّلوا إلى نباتيين، وشاركوا في مسيرة تجديد الفكر الديني.
لقد سافرتُ إلى الخارج، واستقبلتني الدنيا باسم مصريتي ولم تتحرك الرئاسة في مصر أو وزارة العدل أو رئاسة مجلس الوزراء، فالكلمة الفصل للمزايدين في الدين، والجماهير تلهث خلفهم، وعشماوي بألف مقال عن التسامح، وتفسير متصلب لداعية لم يفتح كتاب الله ولم يفهم الآيات الساميات يستطيع أن يرفع دعوى بمحاكمة كل المصريين، والغريب أن النيابة ستنظر في الإتهام، وسنحتاج لسجون أكثر عددا من الحقول والحدائق.
وفجأة ظهر الجزار، وأطلق الخروفُ سيقانه الأربعة للريح، وصفــَّـقت فاطمة لصديقها الهارب.

محمد عبد المجيد
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
طائر الشمال
Taeralshmal@gmail.com                                    

29‏/04‏/2016

حوار بين زعيمين عربيين في غرفة مغلقة!


التقى زعيمان عربيان في غرفة مُغلقة بواحد من قصور أحدهما. لم يكن هناك حرس أو خدم أو حشم أو مدير مكتب يطرق الباب ليعكر صفو جلسة تاريخية بعيدة عن البروتوكولات والأقنعة.
لم يصدق الزعيم الأول أن ضيفه الذي لم يشرب الخمرَ قط وافق على احتساء عدة كؤوس بطلب من مضيفه الكريم.
وبعد الكأس السابع دار بينهما حوار تخيل قلمُنا طرفاً منه، فَخَطَّ التالي ...


الزعيم الأول: كيف حال رعيتك يا طويل العمر؟
الزعيم الثاني: الحمد لله فالسنوات تمر، وأبناء شعبي لا يزالون مطيعين أكثر من طاعة قطيع الخراف لعصا راعيها، ومع مرور الزمن تتعتق العبودية تماما كالخمر الذي في كأسك.

الزعيم الأول: كأنك تصف الوضع لدي أيضا، وإن كنت أغضب بين الحين والآخر عندما يتناهى إلى سمعي صوت نشاز من مشاغب انخرط لتوه في جماعة حقوق الإنسان، وظن أنه يستطيع اقناع بعض أبناء شعبي بهذا الهراء، لكن بعد وقت قصير تتولى أجهزة أمني وكلاب قصري مهمة تعليمه قواعد الذل.
الزعيم الثاني: هذا يعني، يا طويل العمر، أنك تحتاج لبناء سجون ومعتقلات جديدة، أليس كذلك؟

الزعيم الأول: في الواقع فما لدينا يكفي لوضع ثلث السكان خلف قضبانها، وهناك زنزانات تحت الأرض لا يعرف مكانها إنس أو جان، لكنني فعلا أفكر جديا في اعطاء الأوامر ببناء مزيد من المعتقلات فلا أدري ماذا يخبيء لي زمن غدر من قبل بزملاء لنا ظن كل منهم أن رعاياه لا يتنفسون إلا بعد استئذانه، فحدث انقلاب من أقرب المقربين، وخرج الرعاع يلعنون الزعيم السابق ويهتفون باسم سيد القصر الجديد.
الزعيم الثاني: ألم توشي تحركات بعض كبار قادة الجيش بأن تمردا قد يقوده متهور يمكن أن يحقق حلمه في البيان رقم واحد؟

الزعيم الأول: إن لدينا جيشا لا يتدخل في السياسة، وقادة يتبادلون مواقعهم كما يبدل الثري ربطة عنقه، ورتبا كبيرة لا يسمح لها أن تجتمع دون معرفتي، وعيونا ترصد تحركاتهم، وأجهزة تراقب التطور الفكري والسلوكي والثقافي والعسكري لكل منهم، وأرشيفا لعائلاتهم وأقاربهم
الزعيم الثاني: ربما تكون أفكارنا متطابقة في هذا الشأن، لكنني أصطحب معي وزير الدفاع، وإذا غادرت أرض الوطن جعلته يودعني، ثم ينتظرني في المطار لدى عودتي، وهو يتوجس خيفة طوال الوقت خشية أن أستبدل به نائبه أو رئيس الأركان.

الزعيم الأول: لقد تابعت نشاطات حرمكم المصون، ما شاء الله، كأنها رئيسة الدولة، وهي لا تقل نشاطا وحيوية عن زوجتي .. سيدة القصر الأولى.

الزعيم الثاني: إن أسرتنا تجري في عروقها دماء نقية وشريفة، لهذا ينبغي أن نُشعر في كل وقت رعيتَنا أن هناك فارقا كبيرا بيننا وبينهم، وأننا منطقة محرمة عليها، وأن الأفكار المشاكسة التي يتعلمها البعض عن المساواة والحقوق والكرامة والديمقراطية يسحقها أقدم أحذيتي. لقد أبلغني وزير المالية أن ديوان المحاسبة طرح عليه، على استحياء وبصوت خفيض، سؤالا عن الميزانية المفترضة لحرم زعيم الدولة، فلقنت الوزير درسا لن ينساه، فنحن نحاسِب ولا نحاسَب، وإذا أرادت سيدةُ القصر الأولى أن تنفق ميزانية إحدى الوزارات بمفردها فلا راد لكلمتها.

الزعيم الأول: حسنا فعلت يا طويل العمر، وأحسب أن أحدا لا تستطيع شفتاه أن تنطق بهذه الكلمة أمامي، فزوجتي تعقد المؤتمرات، وتُعَيّن الرجال، وتنكسر ظهور الوزراء وهم يسيرون خلفها في افتتاح مشروع أو زيارة جمعية خيرية، ويتوسطونها قبيل أي تغيير وزاري، ويتقزمون في حضرتها، ولا يرفع كبير أو وزير أو رئيس جامعة أو محافظ عينيه أمامها وإلا فليتبوأ مقعده من جحيم غضبها.
الزعيم الثاني: لقد قرأتُ لأحد الأوغاد في بلدك حديثا عن ضرورة المشاركة في الحكم ، ولا يزال الرجلُ طليقا حرا ولم تسلط عليه كلاب القصر، هل هناك سبب يمنع تهشيم عظامه؟

الزعيم الأول: بل العكس لأنني أردت أن اتركه وبعضا من أنصاره يتدرب فيهم جبناءُ السلطة الرابعة وَصْلات الردح والشتائم، وهؤلاء الصحفيون والكـــُـتــَّــاب والمثقفون ينبغي أن أترك لهم بعض ساحات المعارك ليثبوا ولاءهم لحُكمي، وينشروا أكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان وربما ينتهي الأمر بالمعارضين إلى حادث سيارة، أو سقوط من الطابق التاسع أو أزمة قلبية مفاجئة أو فضيحة أخلاقية تنتهي إلى عدة أعوام تأديب وسجن في واحد من معتقلاتي التي يزيد عددها على عدد معاهد البحث العلمي أو المستشفيات أو دور المسنين.
الزعيم الثاني : لا يستوعب عقلي لبرهة خاطفة فكرة أن يتولى الحكمَ شخصٌ آخر ليس من صُلبي، ولا هو نتاج حلم واحد من ملايين الحيوانات المنوية التي طالما تخيل كلٌ منها وهي تجري لاهثة ناحية البويضة أنه سيكون في يوم من الأيام سيد القصر والبلد والرعية، يأمر فيُطاع، وينهى فتخضع له الأعناق !

الزعيم الأول: كيف كان ردُّ فعلك لدى قراءتك تقرير منظمة العفو الدولية؟
الزعيم الثاني: إن أقل من واحد في الألف من رعيتي يَطــَّــلع على التقرير، وهو ينتهي غالبا إلى أرشيف مكدس بآلاف الملفات، لكن ممثلي البعثات الدبلوماسية في الخارج يصدرون بيانات احتجاج على عدم دقة التقرير، ويتلقون من وزارة الخارجية نصائح وتوجيهات عن الحملة المضادة لتشويه سمعة نظام حكمي، وينتهي الأمر باحتضار التقرير تماما كما يحدث مع اللجان التي تنبثق عن مؤتمرات فاشلة وهي لجان لحفظ ماء الوجه.

الزعيم الأول: لقد استوردنا، يا طويل العمر، كميات هائلة من أدوات التعذيب تبدأ بأجهزة النفخ، والهراوات المطاطية الكهربية، وحبوب الهلوسة، وكبسولات للتخدير، وأشياء كثيرة تصلح لتجديد طرق اجبار المشاغبين على الاعتراف حتى عن تهم ثابتة على غيرهم 
الزعيم الثاني: الحقيقة أنني أعطيت توجيهاتي لضباط التحقيق في أن يبدعوا بأنفسهم، وأن يكتفوا بالصناعة المحلية لأدوات التعذيب، ثم إن لدينا الاغتصاب، والتهديد باعتقال الأهل، والتصفية الجسدية، والوقوف ساعات تحت شمس حارقة، والدفن في الرمال، وقلع الأظافر، واستخدام الملح بكميات كبيرة فوق الجروح الناتجة عن التعذيب.

الزعيم الأول: هل تصلك كل التقارير المفصلة عما يجري في السجون والمعتقلات؟
الزعيم الثاني: أقرأها كثيرا، وأنتشي بتفاصيلها، وأترك الضباط الساديين والمخبرين والمرشدين وحراس السجون يتولون مهمة اذلال رعيتي، لكنني أصارحك بأنني، بناء على نصائح بعض المستشارين المحنكين في أمور تلميع الزعماء أقوم أحيانا باستقبال أطفال معاقين أو زيارة مستشفى أو ارسال فنان تعشقه الجماهير إلى الخارج للعلاج، أو أطلب استعجال منحة أو الافراج المبكر عن بعض المعتقلين.

الزعيم الأول: أظن أنني لا أبالغ في هذه الأمور لئلا يعتقد المواطنون أن لهم حقوقا لدينا يدافعون عنها، أما الافراج عن المعتقلين فهو في عيد الجلوس فقط 
الزعيم الثاني: كيف يتعامل طويل العمر مع المعارضة في الخارج؟

الزعيم الأول: يثير حنقي تعاون المعارضة مع منظمات حقوق الانسان، ولجوء بعضها إلى دول كبيرة تملك السلطة فيها تأثيرا واضحا على صناعة القرار السياسي في بلدي، بل إن الرئيس الأمريكي يستطيع أن يرسل موظفا في البيت الأبيض يشد أذني ويصرخ في وجهي، وأنا أنظر إليه كما ينظر الخادم لسيده الغاضب.
الزعيم الثاني: أما أنا فقد أمرت بوضع أسمائهم في قائمة المترقب وصولهم إلى كل منافذ البلاد، وتولى رجالي من كبار الكتاب والمثقفين حملة تشويه منظمة تتهمهم بأنهم عملاء للأجنبي، وأنهم يحصلون على دعم من خصوم الوطن، وأنهم يصدرون نشرات صفراء تصب في صالح العدو الصهيوني.

الزعيم الأول: إنني لا أدخر وسعا في حشر التعاون مع الاسرائيليين لدى الحديث عن المناهضين لنظام حكمي، لكن بعضهم يملك وسائل إعلامية في الخارج ويستطيع أن يثبت أننا نحن الذين نتعاون خفية مع تل أبيب، وأتلقى بين الفينة والأخرى تقارير سرية من الموساد عن طريق وسطاء تحذرني فيها أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية من محاولات انقلاب أو مشاغبة أو اغتيال.
الزعيم الثاني: لكن من يقرأ صحفكم ويستمع إلى خطبكم يذهب به الظن إلى أنكم الأكثر تشددا وعنادا وعداء للعدو الصهيوني، بل إن المناخ العام في بلدكم يبدو كأنه حالة حرب ساكنة أو سلام داخل فوهة مدفع في وضع الاستعداد!

الزعيم الأول: تغييب وتخدير الشعوب فن برع فيه الزعماء العرب، ولا تنس، يا طويل العمر، أن نصف سكان عالمنا العربي أميون، وأن نصف المتعلمين أنصاف أميين، فلا غرابة في سهولة العمل على تخدير الرقيق ولدى كل واحد منا طرقه ووسائله الخاصة لجعل هؤلاء الرعاع يسيرون على ركبهم كأنهم جِمْالٌ مرهقة بركت في وسط الصحراء.

الزعيم الثاني: ما هي آخر أخبار أسرتكم الشريفة فقد بلغني أن واحدا من الأقربين قد حصل على درجة علمية لا يعادله فيها حاصلو جوائز نوبل على الرغم من أنه لا يكتب جملة واحدة سليمة إلا بشق الأنفس؟

الزعيم الأول: إن من يحمل اسمي أو سلطتي أو ينتسب إلى أسرتي تأتيه الشهادات والثروة وهو جالس في مكانه يشاهد فيلما بورنوجرافيا حلال له محرم على الآخرين.
الزعيم الثاني: لقد كان زميلنا الراحل الملك الحسن الثاني بارعا في هذا الأمر فقد كان شقيقه الأمير عبد الله يحصل على نسبة واحد وخمسين في المئة من شراكة أكبر شركات التصدير والاستيراد في بلده لمجرد أنه شقيق لأمير المؤمنين، ولعلك تذكر الشاب ابن زميلنا الزعيم الآخر الذي كان يرفع سماعة الهاتف لصاحب أي مشروع ناجح ويبلغه شرف اشتراكه معه بنسبة خمسين في المئة دون أن يدفع أي مبلغ مقابل الشراكة، وعلى الآخر أن يقبل وإلا وقف المشروع وأصابت صاحبَه جلطةٌ في المخ أو أزمة قلبية.

الزعيم الأول: إنني أعترف لك، يا طويل العمر، بأنك كنت أكثر مني براعة وحُسن تصرف لدى تعاملك مع الجماعات الدينية في بلدك، ومع ذلك فجموع الشعب تظن أنك سليل الأشراف، ومن نَسَبٍ طاهر يمتد مئات الأعوام، وتحافظ على الفروض الدينية وتطيع تعاليم السماء.
الزعيم الثاني: لأن الدين لا يحتاج منا إلا إلى مظاهر خادعة، كالصلاة مع حشود واظهار الخشوع، وافتتاح أماكن للعبادة بين الحين والآخر، والاهتمام ببعض الجمعيات الخيرية، وترك المتشددين والمتصلبين والمتزمتين يشغلون الرعية بصغائر الأمور.
ولكن عندما أشم رائحة خروج الدين عن مساره المُخدر والمغيب، وتوجهه ناحية حقوق الانسان والدفاع عن الكرامة والظن بأن عناية السماء تقف مع المظلومين في السجون والمعتقلات، فهنا لا حدود لشراستي، وأنا على استعداد لادخال نصف رعيتي خلف أبواب متسخة في سجون مظلمة كئيبة تحت الأرض لا يقوم بزيارتها إلا اثنان فقط: السجان وملك الموت.

الزعيم الأول: في الواقع الوضع يختلف قليلا في بلدي لأن رجال الدين يقومون بالمهمة أفضل من أجهزة الاستخبارات، وهم قادرون على اقناع عبيدي بأن طاعة ولي الأمر كطاعة الله، ولذلك فأنا أمنح من سلطتي الكثير لرجال الدين وهم يُكَفّرون أيَّ شخص، ويتفحصون الكتب، ويبحثون في صدور الرعية عن زاوية قصيرة في القلب لم تشلها مغيبات الدين، بل إنهم يكونون أحيانا أكثر شراسة من أجهزة الأمن عندما يتعلق الأمر باخماد فتنة وطنية أو تمرد ضد السلطة فيوزعون على المشاغبين اتهامات يستخرجون مفرداتها من صُلب الدين، وهنا يصبح ضرب الأعناق أكثر سهولة من تفريق تظاهرة في شارع مكدس بالغوغاء في قلب العاصمة.
الزعيم الثاني: لقد قرأت ميزانية العام الجديد في بلدك ولم تكن بها أية اشارة إلى مخصصات القصر والأسرة والنفقات الخاصة بالزعيم والأمن، فلماذا لم تفعل مثلي وتتجنب صداع الرأس من المشاغبين، فأنا أضع ميزانية وهمية للقصر وأنفق أضعافها مئات المرات؟

الزعيم الأول: إن جل أبناء رعيتي لا تمر أعينهم على الأرقام، ولا يعرفون حجم البطالة، ويجهلون محرمات عليهم كثيرة وكلها تتعلق بالسلطة وبأسرتي الشريفة، ولا يعرف وزير مالية أو مدير البنك المركزي أو رئيس الجهاز المصرفي للمحاسبات أنه تم وضعها كلها بمعرفة القصر.
الزعيم الثاني: هل تظن ، يا طويل العمر، أن كشفا لحسابك الوطني قد تفتحه جهة تأتي من بعدك، ثم تتدحرج كرة الثلج عن الفساد لتصبح جبلا من الجليد لا يستطيع أحد أن يبرره في العهد القادم؟

الزعيم الأول: لا أظن ذلك لأننا نحن الزعماء اعتدنا، إلا قليلا، على عقد صفقة مع من يخلفنا يلغي بموجبها ذاكرة الأمة في العشرين عاما الأولى من حُكمه، إلا إذا جاء على ظهر دبابة أو في انقلاب القصر أو بمساعدة جنود بيض على وجوههم عيون زرق.

الزعيم الثاني: تحيرني، يا طويل العمر، ردود أفعال رعيتنا ففي الوقت الذي تفشل فيه خطط التنمية، ويصل عجز الموازنة العامة إلى كارثة، ويتسول أبناء بلدي في الشوارع، وتضرب البطالة كل بيت، وتلطم ربات البيوت وجوههن الصفراء غير الصحية من غلاء السلع وارتفاع الأسعار، ويصبح حلم أي مواطن مغادرة سجني أعني وطنه، يزداد تمسك المواطنين بي بحجة أن المجهول قد يضع البلاد على شفا جرف هار أو هاوية إلى مكان سحيق. إنهم يتلذذون بالعبودية، وينتشون بالقمع تحت قدمي، ويبتهجون بالذل، ويغتبطون بالقهر، بل يتبرعون أحيانا باستجدائي أن استمر عدة سنوات أخرى في سحقهم تحت حذائي، هل لديك تفسير؟

الزعيم الأول: كأنك تقيم معي في القصر وتصف أحوال رعيتي، ولا تستثني منهم أحدا، إلا من رحم الله، فكبارهم من المثقفين والأكاديميين والوزراء والمحافظين ورجال الأعمال والمفكرين يصبحون في أشد لحظات الرضا لدى انحناء الهامة، وتقوص الظهر، واظهار الطاعة العمياء، وأنا رغم سعادتي ببدء يومي بقراءة مانشيتات النفاق والتزلف والتقرب العفن الرقيقي الذي يُسَبّْح بحمدي، فإنني أصارحك بأن القرف والغثيان والاشمئزاز من الكبار يصيبني بحالة هستيرية لا ينفع معها إلا مزيد من اذلالهم، أما الصغار وهم الغالبية العظمى من الرعية فيكفيها لقمة العيش، وبعض مباهج الحياة، وأن يعود كل منهم إلى أهله مساء دون أن يتورم قفاه من كف أحد رجال حمايتي المبعثرين في كل مكان.
الزعيم الثاني: أما أنا فيحيرني أمر آخر، فرغم كل ما قدمته لسيد البيت الأبيض، سرا وجهرا، فإن الولايات المتحدة لا ترضى عني، وخدماتي لأجهزة استخباراتها لو كان هناك عدل تجعلني في مقدمة جنودها المجهولين.

الزعيم الأول: المهم، يا طويل العمر، أن تظل الشعوب العربية في حالة خوف دائم، وأن نمنع تماما أفكار التمرد فنحن في حقيقة الأمر أوهن من بيت العنكبوت، وأضعف من حشرة، ونظام أي منا يمكن أن تطيح به نسمة رقيقة في مساء أحد أيام الربيع، وشعوبنا لا تعرف طرق الثورة والتمرد والحرية والكرامة، ولو تمكن أحدهم من اقناع أفراد الشعب بالعصيان المدني فسنهرب من فوق سطح القصر كما فعل نيكولاي تشاوشيسكو أو نتقزم ونصغر كما كان الوضع مع محمد رضا بهلوي صاحب عرش الطاووس. وهنا ظهر في الأفق شعاع صباح جديد، وودع المضيفُ ضَيّفَه بحفاوة، وامتصت الجدرانُ حديثهما، ونشرت صحف الصباح في الدولتين مانشيتات عريضة عن المحادثات الهامة بين الزعيمين لخدمة الشعبين الشقيقين.
محمد عبد المجيد
عضو إتحاد الصحفيين النرويجيين
طائر الشمال
Taeralshmal@gmail.com

28‏/04‏/2016

حوار بين سمكتين في قاع البحر!

هذا هو الحوار رقم 30 في سلسلة حواراتي المنشورة!


التقتْ سمكتان في قاع البحر، الأولى صغيرة مُلونة كألوان الطيف، والأخرى كبيرة وذات لونين فقط، ودار بينهما حوار التقطناه بصعوبة بالغة، لكنه كان واضحاً للغاية.
قالت السمكة الكبيرة : أراكِ ترتعشين كأنكِ هاربةٌ من شبكة صياد ضــَيــَّــقَ فتحاتـِـها فــَـبــَـدَتْ ملائمة لأسماك خرجت لتوها من بيض مفقوس!
قالت السمكة الصغرى وهي تتقدم وتتراجع: هل أنا آمنةٌ لديك أمْ أنَّ مُستقري في جوفك قبل أنْ نــُـكـْمــِـل حوارَنا؟
السمكة الكبيرة: لا تخافي، وصارحيني بما يعتمل في نفسك، فأنتِ وأنا، في مياه واحدة، وشبكة الصياد لا تــُـفَرِّق بيننا، وصنارتــُـه تجرح كلينا بنفس القــَـدْر.
السمكة الصغيرة: لقد قابلتُ بالأمس صديقة لي وكانت تسبح علىَ غير هــَــدْي، ففهمتُ أنها في أزمة، واستسبـَـحــْـتُها لبعض الوقت، فحــَــكتْ لي عن الخطر الذي حاق بها عندما حاولت العيش في البحر الأحمر بالقرب من سفاجا، ووجدتْ هناك أسماك قرش ترتع، وتلعب وتنتظر منذ وقت طويل (عــَــبـَّـارَةً) لعلها تغرق في العهد الثالث بعد مبارك الذي أهداها رجاله أكثر من ألف غريق مصري فكانت مأدبة العُمر.
قالت السمكة الكبيرة وهي تحاول تعليمها أصول الشك في نوايا الإنسان: ومع ذلك فأسماك القرش أرحم علينا من جنون البشر، وهو غير جنون البقر. لقد سمعت هنا في مياه الخليج الدافئة عن أم الكوارث التي أنجبتها أم المعارك عندما أحرق صدام حسين أكثر من سبعمئة بثر نفط في الكويت، وبدا تلوث المياه وقتها مفزعا من البر، فما بالك بالأسماك والطيور التي عاشت آمنة، تأكل، وتسبح دون وجود مراكب الصيد الكبرى المجهزة بماكينات لا فرق لديها بين الصغير والكبير، فقانون الصيد الدولي يُحرم صيد، وتعليب الأسماك الصغيرة جداً.
ابتسمت السمكة الصغيرة وقالت لها: أنا أعرف مقصدك، فأنت تشيرين إلى المراكب الروسية الكبرى التي تصطاد أسماكاً صغيرة في المياه الاقليمية المغربية بالمحيط الأطلسي الذي كان العرب يطلقون عليه في غابر الأزمان بحر الظلمات، وتقوم بتعليبها فنختنق قبل وبعد موتنا.
لكنني لا أخاف شيئا خوفي من تسرب مخلفات المصانع الكيميائية فتتلوث المياه بالأملاح السامة كالزرنيخ والزئبق، وأملاح المعادن الثقيلة مثل الرصاص والكادميوم!
لقد بحثت رغم صغر سني عن مكان آمن لي من شر الإنسان وهو أحيانا أغلظ وأشرس من شر الوسواس الخناس، فلم أجد، وقد قيل لي بأن الهجرة إلى مياه المحيط الهادي ستجعلني مثل ساكن عشش الصفيح الذي انتقل فجأة إلى قصر منيف يطل على بحر الشمال في بقعة لم يمسسها من قبل إنس ولا جان.

دارت السمكة الكبيرة حولها دورتين ثم اقتربت أكثر وقالت لها: خبرتي الطويلة في قاع البحارعلمتني أن الإنسان طاغية فوق سطح البحر وفي أعماقه، وهو يلوث البيئة بيديه ثم يقيم معاهد بحث علمي للوصول إلى الحل الأنجع لتنقية ما لوثته يداه!
أما الهجرة إلى مياه المحيط الهادي فهي أضغاث أحلام من وضع ثقته فيمن هبط من الجنة إلى الأرض بعد المعصية، فأحسب أن أجدادك كانوا صغاراً عندما تسرب النفط من بئر في عام 1969 خارج المياه الاقليمية لولاية كاليفورنيا الأمريكية، وطاردَ في أيام قلائل ثمانون ألف برميل شقيقاتنا من أسماك آمنة وبعيدة عن الشاطيء والصيادين، فقتلت ملايين من الأسماك الصغيرة والكبيرة في مساحة تسعين كيلومتراً، وضاع لحم طري كان يكفي أهل قرية تأكل من خيرات البحر سنوات فجاءت حماقة الإنسان لتضع القبح الأسود في المياه الصافية.
قالت السمكة الصغيرة: هذا يعني أن لا مكان لنا غير المياه العربية الدافئة والواقعة بين جزيرة ليلى المغربية وجزيرة حنيش اليمنية، وبين اللاذقية السورية ومنطقة القراصنة الصوماليين في البحر الأحمر، وهي شواطيء يتحدث صيادوها وسبــَّـاحوها وشراعوها وقباطنتها في أربعة وعشرين ألف كيلومتراً اللغة العربية.

بدا أن مهمة السمكة الكبيرةِ.. كبيرةٌ، فهي في كل اجابة مــَــدْرسة للتعليم، فقالت لها بصوت خفيض مسموع بشق الأنفس: بحارنا وأنهارنا العربية ليست فقط مصائد، لكنها مصائب، ولا فرق لديها بين مالحٍ عاتية أمواجه، وعذبٍ نائحة أفواجه. مياهٌ إنْ لم يلوّثها أصحابها سرقها جيرانها، وإنْ أحتاج عربــُــها لمزيد منها نهضتْ سدودُ جيرانهم لتحجبها عنهم.
الأملح الميّــت فيها تتحدث مياهه العبرية رغم أن منبعه نهر الأردن ولا تعيش فيه كائنات حية فيطوف على سطحه سياح كأنهم موتى، وفــُــراته الحزين ينبع نصفه في أرمينيا، والنصف الآخر في تركيا، ويمر على قلب العروبة الذي كان نابضاً فأهلكه أسدان، أب وشبل، فلما ثار الشعب العظيم اختلط بهم غزاة ومقاومون، شرفاء ولصوص، عشاق وكوهينيون، فعرفتْ سوريا لأول مرة أن أهلها سنيون وشيعة وعلويون ومسيحيون وأرمن وأكراد وكتائب وعروبيون وجواسيس، واحتفلت الجماعات الدينية بالسقوط الثالث قبل اقامة خلافتهم على أنقاض خلافاتهم.
ثم أردفت قائلة: مياه دجلة لونتها بالأحمر القاني جثث عراقية وإيرانية لثمان سنوات، ثم زاد احمرارها في انتقام مهيبها من معارضيه، وبعثها من مُخالفيه، وجاء شباب يانكيٌ يلوكون العلكة من أقصى الأرض و يلعبون بأزرار في طائراتهم الشبحية غير المرئية فتحولت مياه دجلة إلى بديل للمقابر الجماعية الأرضية، وأخيرا جاء غزاة في ملابس وطنية وسكنوا منطقة خضراء الاسم، صفراء الوجه، سوداء القلب، حمراء اليدين، تحدَّت صدام والخوميني وبوش أنها ستجعل من العراق مقراً دائما لإبليس إلى يوم القيامة.
كأن الخوف جعل ألوان السمكة الصغيرة تبهت فجأة من هول ما سمعت، فقالت وفي صوتها حشرجة رعب: سأنتقل من المالح إلى العذب رغم استحالته، وسأجد في مياه النيل أمنا وسلاما وأُصاحــِـبُ أسماكا من كل الأنواع تــَــمـُـرُّعلى أحد عشر بلداً، فهو نهر يُغنـّـي له شاربوه، ويسكر من مياهه الحلوة عاشقوه، وينعكس الضوء الفضي في منتصف الشهور القمرية على سطحه فتخفق القلوب التي في الصدور ولو كانت من حجر.

ضحكت السمكة الكبيرة على سذاجتها وأكملت دروسَها لها قائلة: آه، كَمْ الحياة خبرة ومصاعب ومعاناة وهروب دائم من الإنسان وغضب الطبيعة وتلوث البيئة و .. أسماك القرش.
أخشى أن تكون نهايتك في جوف تمساح يتهادى في بحيرة فيكتوريا، أو من جراء قنابل يتبادلها الجنوبيون السودانيون مع الشماليين فتنفجر في النهر وتقتل منا ما يسدّ رمق جائعين على شواطئه وفي قراه القريبة.
لا يغرنك غزل النيليين في نهرهم الخالد، فهم يلقون فيه أوساخهم ومخلفاتهم وفضلاتهم وكيماوياتهم، ويختلس صاحب المصنع في قاهرتهم نظرة ذات اليمين وذات الشمال ثم يأمر عماله بتسميم النيل بكل الدهون والأحماض والقلويات والأصباغ والنفط والزيت والمنظفات الصناعية حاملة البكتريا الضارة.
إلى أين ستهربين في نهر كان هبة الله لمن يمر عليهم، فأصبح لعنة الصراعات والسدود والكراهية وبــُــغـْـض الإنسان للطبيعة والبيئة والجمال والسحر.
إذا كان الله قد جعل من الماء كل شيء حيّ، فالانسان جعل الموت والتسمم والقذارة رديفا للماء الحيّ.
أخاف عليكِ أن تنحشري خلف سدّ يــُــكــَــلــِّـف الفقراء الإثيوبيين مليارات تساهم فيها خزينة الدولة العبرية، فإذا كان جعفر النميري عرَّابا للفلاشا السمر فقام بنقلهم إلى إسرائيل، فالهارب من العدالة الدولية، البشير، سيقف مع أحفاد النجاشي للتحكم في عدد نقاط الماء التي يشربها أو يغتسل بها أو تروي حقول من يصُبُّ النهر مياهه، أو بعض مياهه لديهم.
هنا قررتْ السمكة الصغيرة مُصارحة معلمتها حيث لا يسمع هذا السر غير دلافين تسبح بالقرب منهما: لقد فكرت في بحر الشمال، لكنني تذكرت ناقلة النفط التي غرقت أمام سواحل اسكوتلاندا وقضت على حياة ملايين الأسماك، ثم فكرت في التجول على شواطيء الأزرق الكبير الذي حلم نيكولاي ساركوزي أن يكون قبطانه وأمينه فيمنع المهاجرين الفقراء السمر من الابحار نحو جنوب أوروبا الذي يعاني من مشاكل متفاقمة، لكنني لا أتحمل مشهد شباب غرقوا وهم يهربون من مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب لعلهم ينعمون باللجوء لمالطا أو اليونان أو ايطاليا أو إسبانيا، فكانوا طعاماً دسما لأسماك القرش رغم ندرتها في البحر المتوسط. ليس هذا فقط فهناك مئة وعشرون مدينة ساحلية في حوض البحر المتوسط تصب مخلفاتها ومجاريها بدون معالجة مما يجعل مياه البحر ومياه الصرف الصحي متساويتين في الاضرار بنا.
أمامي عشرات الفرص في بحار ومحيطات وبحيرات وخلجان وإذا ضاقت بي المياه بما رحبت فأمامي فرصة الهجرة إلى خليج المكسيك أو بحر سيبريا رغم فزعي من التجمد أو البحر الأسود أو بحر إيجة أو البحر الأصفر.

لم تــُـرِدْ السمكة الكبيرة أن تصارحها بالحقيقة المُرّة وهي أن الهروب من الإنسان شبه مستحيل، فحتى التجارب النووية إذا لم يجد فرصة حرب لتجربتها ألقاها علينا في عمق المياه، وإذا اصطادنا بغير الشبكة خدعنا بالصنارة ليرفعنا إلى الأعلى وهو يهلل بهجة وسعادة ونحن نصرخ ألما ووجعاً، لو تعرض الإنسان لذرّة منه لسقط مغشياً عليه.
ودَّعــَــتها، وألقتْ قبل ذلك عليها بعض النصائح في تجنب الشواطيء، وشبكات الصيد، وأسماك القرش التي لا تختلف كثيرا في طريقة افتراسها عن افتراس الإنسان لأخيه وحليفه السابق وخصمه اللاحق.
تركتها تتعلم فالهروب من الأسماك الكبيرة أسهل كثيرا من الفرار من حيلة البشر وهم يتفنون في القتل برا وبحرا وجواً.
كانت تختزن مئات الحكايات عن الخطر في حياة قصيرة قد تنتهي في جوف سمكة أكبر أو على طبق شهي يلتهمه جائع، أو يتلذذ الإنسان بها قبل أن يستوي شواؤها فوق نار هادئة.
ألقت عليها نظرة حزينة وهي تسبح مبتعدة وألوانها الجميلة والغنية والطيفية تتلالأ في العيون، خاصة عيون البشر التي تنبهر بجمالها ثم تنتهي المسكينة الصغيرة في معدة إنسان لا يكون بالضرورة جائعا، فالرغبة في أكل الأسماك لدى البشر لا ترتبط بالحاجة أكثر من ارتباطها بلذة الافتراس، أليس هذا ما يقوم الإنسان نحو أخيه الإنسان؟
محمد عبد المجيد
عضو إتحاد الصحفيين النرويجيين
طائر الشمال
أوسلو  النرويج

حُرمة تحريم الموسيقى والغناء!

أرشيف

لو كنتُ واحداً من الذين وضعوا كتاباً رائعاً قرأه معظمُنا في شبابه وكان تحت عنوان ( اللهُ يتجلّى في عصر العلم )، لوضعت ُالمشاعر والأحاسيسَ وتشابكاتها المعقدة مع الذاكرة والعقل والجَمال والطباع كواحدة من معجزات خالق الكون جلّ شأنه.
جهاز استقبال تم صُنعه بعناية ربّانية ويعمل بكفاءة عشرين ضعفا من مليارات الخلايا التي يتركب منها ذلك الجسد المعجزة والذي نفخ الله تعالى فيه من روحه وطلب من الملائكة أن يسجدوا له، ليس شِرْكاً بالله، كما تَصَوّر إبليس لدى رفضه فأبى أن يسجد ( لمن خلقت طينا)، ولكن تقديرا لهذا العمل البديع رغم اصرار كثيرين من نسل آدم أن يكونوا في أسفل السافلين.
يجتهد كثير من المسلمين في تفريغ كل مَوَاطن الجَمال داخل النفس، بل وارجاع أسباب هذا الهدم إلى أوامر الله، عز وجل، وتأتي الموسيقى والغناء في مقدمة الأعداء لأعداء الجَمال!
تراثٌ للانسانية على مدى مئات السنين، يشترك فيه البشر ولو تخاصموا وتقاتلوا وتذابحوا بينهم فإن الموسيقى والغناء قادرة على التسلل جهرا أو خفية، وهي لا تحمل شِعارا دينيا أو طائفيا أو معاديا، وترحل بدون حدود، وتبقى آمنة وادعةً في أرَقّ مَوَاطن عمق النفس البشرية تحاول أن تستميل الطباع إلى السلام، فتفشل أحيانا وتنجح في أحايين كثيرة.
تستدر دمعتين تنزلقان على الوجه فلا تعرف لهما سبباً، ولا تَدُلّ على ضعف لكن نقاء جهاز عصبي يستطيع أن يتعرف على أعمال جدية ومبدعة تضيف إلى تراث الانسانية ما يزيده ثراءً.
المرة الأولى التي استمعتُ فيها إلى المطربة اليونانية فيكي لياندروس كانت في أوائل السبعينيات عندما غنت ضد الحكم العسكري الديكتاتوري ( دَعّ شعبي يمر ) فأحسست أنها صرخة في وجه كل طغاة الأرض وأحذية العسكر، وعندما زرتُ أثينا بعدها بأكثر من عشرين عاما بحثت عن تلك الأغنية فلم أجدها، وقال لي رجل يوناني متقدم في العمر بأنَّ تلك الأغنية كانت أحد أسباب الثورة والتمرد ضد الحكم الديكتاتوري.
تراثٌ يحتضنك أينما كنتَ، ويعرف طريقه إلى جهاز استقبالك العاطفي، وقد يستأذنك أو يدخل عُنوة حتى لو كان بينك وبين موطنه الأصلي بُعْدُ المشرقين.
لازلت أحتفظ بمجموعة من أغنيات تيريزا تنج الصينية ولا أفهم كلمة واحدة منها لكنني تأثرت وقتها بصوتها الرخيم الرائع، وأول أمس أعطاني صديق ألماني مجموعةً من أغاني مطربة فنلندية تغني باللغة السويدية فتقرع جنبات النفس كأنها تغني لمستمعها بصفة شخصية في مكان منعزل لا يعرفه غيرهما.
مَنْ يستطيع أن يقول بأن هناك جنسية وجواز سفر وتأشيرة دخول أي مكان في العالم لكونسرتو بيانو الخامس لبيتهوفن أو الفصول الأربعة لفيفالدي أو العالم الجديد لدفورجاك أو بير جينت للنرويجي ادفارد جريج؟
عندما أصغي السمعَ لأغنية ( الاسكندرية ) لجورج موستاكي وهو يحكي عن طفولته في تلك المدينة الكوزموبوليتانية التي كان ثلثُ سكانها في أوائل القرن الماضي من اليونان وايطاليا وفرنسا أشعر بحنين جارف لمسقط رأسي وأراها لا تختلف عن الاسكندرية بصوت الشيخ إمام أو كلود فرانسوا أو وصفها بقلم إدوارد الخراط أو كاميرا يوسف شاهين.
المرة الأولى التي استمعتُ فيها إلى ( حديث الروح ) للشاعر الباكستاني المجدد محمد إقبال كنت في العشرين من عمري ، وغنتها أم كلثوم وحَلّقَ لحنُ السنباطي في السماء قبل أن يهبط علينا بتلك الكلمات الرائعة ( أمسيتُ في الماضي أعيش كأنما .. قطع الزمان طريق أمسي عن غد .. ) .
وتستطيع هذه الأغنية أن تفعل مثل الروائح التي تظل حاضرة في الذاكرة، وكلما اقتربت من الأنف رائحةٌ مثلها استدعت كل المكان والزمان والأشخاص والألوان والأحباب وكل ما أحاط بنا في تلك اللحظة التي فتح الوجدان خلالها أوسع أبوابه لذلك النغم.
فتحملني الأغنية معها في ( المعَدّية ) من بورسعيد إلى بورفؤاد حينما استمعت إليها أول مرة منذ أربعين عاما أو أكثر.
والنغم ليس مرتبطا بالضرورة كما يروّج خصومه بفسق وفجور ولهو، لكنه لغة العواطف كما تدخل الثقافة إلى العقل فإن الموسيقى والغناء تلمس الروح دون أن يعرف صاحبها عن كنهها شيئا.
تنقلني ( أهل الهوى ) و ( سهران لوحدي ) دون غيرهما لأدق تفاصيل فترة طويلة من طفولتي ومقتبل شبابي، وعندما كنت أطل من منزلنا فتناديني جارتي في البيت المجاور قُبيل الفجر قائلة إن أباها يريدني أن اصطحبه إلى صلاة الفجر.
كان والدها الشيخ علي حلمي إمام مسجد البوصيري، وكان رحمه الله، كفيفاً، فأسير معه، وأستمع إليه، ويُصَحّح لغتي، وأقرأ له بين ألفينة والأخرى. ينتهي من صلاة الفجر، ونعود أدراجنا على مَهَلٍ وهو يتأبط ذراعي، وتهب نسمةٌ رقيقة تحمل معها ملوحة الميناء الشرقي في الأنفوشي فتُنعش الوجهَ وتقاومها رغبةٌ في النوم ساعتين قبل الذهاب إلى المدرسة.
كنوز البشرية التي أبدعتها معجزة ذلك السر الرهيب الذي أودعه الخالق الرحمن الرحيم فسميناها مشاعر وعواطف ووجدانًا وفؤادًا وقلبًا، لكنها تتجمع كلها عند مصب الحب في أنظف وأطهر وأرق مكان داخل النفس الانسانية.
من الذي يحاول تفريغ النفس وإفقارها والقاءَ كنوز احتفظتْ بها في عالم النسيان بحجة أنها أوامر إلهية وأن الموسيقى حرام، وأن الصوت عورة، وأن الدين مناهض للابداع الجمالي الذي يمثله النغم؟
هل يقف المسلم يوم لا ينفع مال ولا بنون أمام رب العزة فيسأله العزيز الوهاب عن ذنوبه عندما استمع إلى ( وطني حبيبي الوطن الأكبر ) و( النهر الخالد) و ( زهرة المدائن ) و ( وهمسة حائرة ) و ( كونسرتو بيانو رقم واحد لتشايكوفسكي ) و ( السيمفونية الأربعين لموتسارت) و عزف منفرد على العود لأيوب طارش وأمستردام للبلجيكي جاك بريل وليه يا بنفسج لصالح عبد الحيّ؟
ما هو وجه التعارض والتناقض والتضاد في أن تقرأ آيات من كتاب الله ثم تستمع بعدها إلى عبد الحليم حافظ أو لطفي بوشناق أو ميري ماتيو أو إديت بياف أو عبد الله الرويشد أو صباح فخري ؟
هل ستُحْسَب عليك في ميزان سيئاتك تلك اللحظات الروحية المؤثرة التي تحمل معها ( حَبْلَ السُرّة ) بعدما ظننت أنه فَصَلَك عن والدتك، فتستمع إلى ( ست الحبايب ) تغنيها فايزة أحمد، وتبتسم لك أمُك ولو كانت على مبعدة ألف ميل أو حتى في قبرها الطاهر( أنام وتسهري، وتباتي تفكري، وتصحي من الآذان وتقومي تشقري)، ثم تكتشف فجأة أن صوت المرأة عورة، وأن الموسيقى حرام، وأن الغناء هو صوت الشيطان!
أي خَبَل هذا وهُراء وجفاء ووحشية تلك التي تحاول أن تقنعنا بأنَّ دين الجمال حَرّمَ الجمال، وأنّ دينَ الإبداعِ ناهض الإبداعَ، وأن دينَ الرحمة يحاربها في كل مكان؟
اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا.
فتقرأ كتابك، ولكن مسلمي العصر الحديث من عشاق الفتاوى المهلهلة والفجة والسادية والقاسية والجافة يؤكدون لك أن من ضمن ذنوبك أن أذنيك بعثتا برسالة رقيقة إلى قلبك يحملها عزف بيانو أو كَمَان أو عود أو ناي أو حتى ماندولين يوناني أو تركي، ويؤكدون لك أن مشاعرك إن أرادت نغما مختوما عليه ( حلال ) فيجب أن يكون الدفّ ويشترطون عدم تزيينه بما يضيف إليه نغمات جديدة !
وتقرأ كتابك يوم الحشر ....
فيقسمون لك أن نشيد ( الله أكبر فوق كيد المعتدي ) المصاحب بموسيقى هو صرخات الشيطان، وأن حنينك لأغنية تُذَكِرك بوالدك أو شقيقتك أو حتى زميلتك في الجامعة سيُحْسَب عليك يوم القيامة، وأن عُلماء القرون الأولى أفتوا لمسلمي القرون الأخيرة وحددوا مقياس الحلال والحرام فيما تستقبل آذانهم بعد ألف عام أو أكثر.
يرفعون المصاحف فوق السيوف، ويستخرجون عنوة من الأحاديث ما يؤكدون فيه أن نبي الرحمة أرسله رب العزة ليُحَرّم علينا النغم والموسيقى، ويضع للأمة طوال تاريخها المستقبلي ولمليارات من المسلمين ما ينبغي أن يستحسنوه، أيا كانت لغاتهم وجنسياتهم وألوانهم وثقافاتهم، فهو دفٌ شرعي تسمعه أذُن المسلم الاندونيسي والصيني والسويدي والاثيوبي والبوتسواني والبرازيلي والعربي والتركي والمجري والروسي والمكسيكي فتطرب له، ولتذهب ثقافات الشعوب وتراثها وموسيقاها ونغماتها ومارشاتها وأوبراتها وفولكلورها الشعبي إلى الجحيم، فهناك عالِمٌ منذ مئات الأعوام قرر في مجلسه البعيد عن الدنيا زمنا ومكانا أن الموسيقى صوت الشيطان!
آه أيها الشيطان الرجيم كم كنتَ مخطئاً عندما ذهب بك التكَبّر والغطرسة والغرور وظـننتَ أنك بمفردك ستوسوس للانسان، وستكذب عليه، فتفَوّق عليك بأكاذيبه، ونافَسَك في القسوة، وأقام حروبا ومذابح وسَفَكَ الدماء وأغرق الأرض بجرائمه.
هل صحيح أن ( نهج البردة) و( يا ليلة العيد آنستينا) لأم كلثوم و( لحن الوفاء ) لعبد الحليم و ( عايز جواباتك ) لنجاح سلام و ( باحبك يا لبنان ) لفيروز و و( إله الكون سامحني ) لرياض السنباطي و ( الربيع ) لفريد الأطرش هي نغمات الشيطان وسيحاسبنا عليها في ميزان سيئاتنا رب العرش العظيم؟
لماذا وصل مسلمون إلى تلك النتيجة المأساوية والكارثية باعتدائهم على أخص خصوصيات المنطقة المحرمة عليهم في النفس الانسانية، أي المشاعر والعواطف والوجدانات والأحاسيس، فتلك بين اصبعين من أصابع الرحمن؟
أظن أن السببَ الوحيدَ، وِفقا لقناعاتي، أن مسلمين كثيرين لم يفهموا، ولم يستوعبوا بَعْد المعنى المتضمن لأصل الايمان المتمثل في ( الله أكبر ).
لو أن المسلم تعمّقَ في فهم المعاني اللانهائية لــ ( الله أكبر ) لقام هذا الفهم بتحصينه ضد صغائر الأمور، وحَماه من مصادرة الدين لحساب أباطرة الفتوى الذين يعتمدون في عرض بضاعتهم على إيمان غير مقصود من جماهير المسلمين أن الله أصغر ( معاذ الله )، وأنه، جل شأنه، ينتظر عشرات المليارات من المسلمين يوم الحساب ليقرأوا أمامه ذنوبهم، وسيكون منها الاستماع للموسيقى، وكشف المرأة المنقبة وجهها أمام ابن عمها، وحديث المرأة بصوت كله عورة حتى لو رَدّتْ السلام على زميلها أو طالبَت بحقوقها أو مارست حقَ المواطنة.
كارثتنا ومصيبتنا وضَعفُنا وهَوَانُنَا أمام تُجّار صكوك الغفران بدأت من هنا .. من تَصَوّر غير صحي للذات الإلهية، ومِنْ خيال لم يستوعب أنَّ اللهَ أكبر، ومن عقل آمن وترسّخَ هذا يقيناً في وجدانه أن ربَّ الكون العظيم أصغر من كل الكائنات، وأنه سيُحاسب المسلمَ الذي انتشى بنغم، وتفاعل مع كلمات راقية وشِعْر بديع زَيّنته موسيقى ساحرة وعَبّرَ عنه صوتٌ ملائكي في حنجرة مطرب أو مطربة.
حلٌّ سحري ناجع وعبقري وسهل ويجعلك أكبرَ من كل أباطرة الفتوى وتُجّار الاجابات الفجّة على الأسئلة الحمقاء وهو التأمل في معجزة المعجزات وهي ( الله أكبر ) لتعرف كَمْ ابتعد المسلمون عنها، وكيف تم تزييفُ الدين وتزوير تعاليمه لخدمة الغباء والتخلف الذهني وتصغير نور السماوات والأرض لتَقْبَل العقولُ طاعةَ عصا كل من قام بتفسير الدين ليصب في خدمة أباطرة الفتوى.
أعود للموسيقى والغناء ومعي خط الدفاع الأول عن قناعاتي ، أي ( الله أكبر )، مؤكدا لنفسي قبل الآخرين أنَّ المشاعر والأحاسيس والوجدان والفؤاد والقلب والذاكرة تحتاج كلها إلى عملية تنظيف وتطهير بانسياب روائع النغم، موسيقى وأغنيات، لتجري حول الروح كما تجري الدماء في الشرايين.
تحريم الموسيقى والغناء حرام، واعتداء على خصوصية الانسان، وتفريغ مركز الذاكرة في العقل من تلك الوشائج الجميلة التي تربط الماضي بالحاضر وتُمَهّد لمستقبل تلعب فيه استدعاءات تلك الأشياء دورا هاما في استقرار العواطف وشحن الذاكرة بالوجوه والأماكن والأحباب والحوادث ومئات الآلاف من الأشياء الصغيرة التي تقابلنا فتحتفظ بها الأنغام والموسيقى ليسهل استرجاعها في أي وقت.
أيها المسلمون: لا تصدقوا من يقول لكم بأن خاتم الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليه، كان خصماً للموسيقى والأنغام والصوت الجميل، ولا تُصَدّقوا من يقول لكم بأنَّ ربَّ الكون العظيم، اللهَ الأكبرَ، سيحاسبكم على رقة عواطفكم، وعلى رهافة أحاسيسكم، وحرام أن تُحَرّموا على أنفسكم الطيبات من رزق الروح، فالله أكبر
محمد عبد المجيد
عضو اتحاد الصحفيين النرويج
طائر الشمال
Oslo Norway
 

27‏/04‏/2016

مقطع من يوميات شاب إنترنتــي!

أرشيف
 
استيقظتُ صباح اليوم وكأنَّ جبلا ثقيلا نام فوق صدري لأنني ذهبتُ إلى الفِراش بعد ثلاث عشرة ساعة متقطعة أمام الكمبيوتر تخللتها خمسُ مكالمات هاتفية على المحمول الجديد، لكنني اعتذرت عن ممارسة أيّ نشاطات مع أصدقائي، فأنا والشاشة الصغيرة أصبحنا توأمين، أفتقدها إنْ سرق منها وقتُ قضاءِ الحاجة عدة دقائق.    
 
الإنترنت قـَلـَبَ حياتي سافلـَها عاليها، وأصبحتُ أكثر شهرة من كِبار الكـُتّاب، واستغنيتُ تمامًا عن عالـَم الكـُتُب رغم أنني لم أقرأ كُتيـّباً بحجم الكفّ منذ سبع سنوات، ويعرفني الآن القاصي والداني في أركان الأرض الأربعة، والاسم الغريب الذي اخترته لنفسي اخترق المنتديات والمواقعَ، وينتظرني الكثيرُ من الأعضاء لمعرفة وجهة نظري في عشرات الموضوعات.
قطعًا لا أقرأها، خاصة إنْ كانت ممن يقال عنهم أنهم مثقفون، لكنني أتسلل بخفـّة، وأقرأ العنوانَ، ثم أكتب:( جزاك الله خيرًا، فموضوعك رائع!)، ويردّ كاتبه أو ناقله: شكرًا لمرورك!
مرّات كثيرة تلك التي نقلتُ فيها مقالا كاملا، ووضعت اسمي بعد حذف اسم صاحبه، فالإنترنت جعل المـِلكيّات الفكرية كالماء والكلأ والنار، نشترك جميعا في مِلكيتها ولو شجّ صاحبُها رأسَه في الحائط سبعين مرة.
الشبكة العنكبوتية جعلتني مساوياً لكِبار الكـُتـّاب، ولم أعد بحاجة للثقافة والعلوم والآداب، فكل أنواع المعرفة أعثر عليها في حواراتي التشاتية مع أصدقائي الأونلاينيين، فنحن نتبادل النِكات والألغاز وأغاني الفيديو كليب، ولدىَ أكثرنا مهام عظمى في تغيير العالـَم برُمَّته، بل إنني أستطيع أنْ أطرد أي صحفي كبير أو كاتب شهير أو روائي عظيم بمجرد نشره أي مقال لا أفهمه!
الإنترنيت جعلني أحتقر الفلاسفة والمؤرخين والمفكرين وعمالقة العلماء الماديين، ويمكنني أنْ أصارع أكبرَهم عِلمًا وأرّديه قتيلا أونلاين، فأنا أشكك في أي فكرة، ويكفي أن أكتب بأن هذا الكلام هراء ويتعارض مع تعاليم ديننا الحنيف، وهنا يسابق الأعضاء الريح ليضعوا جواهرهم الفكرية المأخوذة من فقهائنا الذين عاشوا في القرون الأولى، فكارل ماركس، الذي لا أعرف من هو، تسقط أفكاره من منتدانا كما تسقط أوراق الخريف، ويستطيع أي أميّ وجاهل في موقعنا أن يُدحض كتابات أرنولد تويني وزكي نجيب محمود وسارتر وهنريك إيبسين وجمال حمدان وسيجري إينست ووليم شكسبير وقاسم أمين و جان جاك روسّو!
لم أعد بحاجة إلى قواعد اللغة العربية، وقد غضبت من أحد المتثاقفين، وهو رجل أخرجت له تروس المطابع كُتبا كثيرة أشاد بها أمثاله من الأدباء والمفكرين، عندما حاول تصحيحَ تعليقاتي، وكتب كلاما سخيفا عن أهمية اللغة السليمة، وصحّح لي كلمات مثل منذو ( منذ)، ولا كن ( لكن )، و مصطنقع ( مستنقع)، ونحنو (نحن)  وأستاز ( أستاذ)، تلميز ( تلميذ) و سقافة ( ثقافة)، وسمانية ( ثمانية) و.. عشرات غيرها، وهنا انفجرت غضبًا، وشتمت له أبا الأسود الدؤلي والخليل بن أحمد الفراهيدي ومصطفى صادق الرافعي وعائشة عبد الرحمن وميّ زيادة، فأنا لست بحاجة إلى هؤلاء المتخلفين لأنني شاب إنترنتي أنقل أي مقال، وأذيّله باسمي، وسيتبارى العشرات للذود عني لأنهم أيضا أعداءُ ما تـُسَمّىَ الثقافة، وخصومٌ مثلي للكتاب المطبوع.
الإنترنيت جعلني، باسمي المستعار، على قدم المساواة مع الذين دفنوا حيواتهم في البحث والدراسة والقواميس والموسوعات، ويكفي أن أقرأ السطور الثلاثة الأولى، والسطرين الأخيرين، وأيضا أكتب أنني لم أقرأ الموضوع لتفاهته، وسيبرز فرسان ومغاوير يدافعون عني، ويطلقون الرصاصَ على كل من يقترب مني.
مساء أول أمس طرق والدي باب غرفتي، ودخل بهدوء ثم سألني عن سبب قضاء ساعات طويلة دون طعام أمام الإنترنيت، فقلت له بأنني رئيس لجروب كبير يـُغرق البريد الإلكتروني لآلاف من الناس بأحاديث نبوية شريفة، ومقالات منقولة تدحض أكاذيب الأديان الأخرى، وأكدت لأبي تفاؤلي بقرب تحقيق الخلافة الإسلامية التي ستمتد من كيب تاون، مرورا بنجامينا، ثم القدس المحتلة، ومنها إلى استانبول لتستقر في شمال النرويج وتأتينا الدنيا كلها صاغرة!
ابتسم والدي الطيب، ودعا لي بالفلاح والنجاح في مهمتي الشاقة، وشعرت بأن نجاحاتي على النت مرجعها إلى أنني هجرت الكتاب والثقافة والفكر، وتفرغت لقضايا سامية، وبدأت أستعد للخطوة القادمة وهي إنشاء منتدى أتحكم في أعضائه كما يتحكم المستبد في رعاياه، وأطرد منهم من يُهـَيـّج علينا أجهزة الأمن بآراء سخيفة ومناهضة للزعيم،
مهمتي العظيمة بالغة الصعوبة فهناك مئات المواقع الإسلامية والمسيحية التي يحاول أصحابها وأعضاؤها إثبات زيف الدين الآخر، فالمسيحي يظن نفسه مبعوث العناية الإلهية، وأنه سيجعل المسلمين متحضرين، وسينزع القسوة من قلوبهم، وسيثبت أن القرآن الكريم مليء بالمغالطات، والمسلم، الذي لم يقرأ حرفا واحدا في العهدين القديم والجديد، يستعد لجمع الجزية بعدما يسيطر الإسلام على كل شبر في الدنيا، وسيرغم الكفار على أن يأتوا إليه صاغرين!
معارك دون كيشوتية، يستخدم فيها أتباع الدينين الكبيرين كل الأسلحة والضرب تحت الحزام والاستعانة بأساطير تاريخية ليستلقي بعدها كل مسلم أو مسيحي على فراشه، ويتخيل العالم كله قد اعتنق دينه وذلك بفضل مكوثه أمام الكمبيوتر معظم ساعات الليل والنهار!
قال لي صديق مسلم بأنه لم يلمس الأناجيل أو حتى يراها، ولكنه يوصل الليل بالنهار ليدحضها، ويثبت خرافة المسيحية!
وأعرف مسيحيا انضم إلى جمعية دينية في الخارج، وأصبحت مهمته البحث في عجائب الكتب الصفراء عما يسيء للإسلام، ويعيد نشرها مهللا لعبقرية اكتشافاته، ويقسم باسم العذراء أن المليار ونصف المليار مسلم أصبحوا على مرمى حجر من اعتناق المسيحية.

نحن فرسان المبارزات الدينية على الشبكة العنكبوتية لا نحتاج لأدنى قدر من المعرفة والقراءة والبحوث والاعتكاف لدراسة تاريخ الأديان، فالساحة أمامنا تدعونا، مسلمين ومسيحيين، للقتال، فالله لا يريد أديانا مختلفة، وإنما يريد منا أن نتذابح حتى تقضي فئة على أخرى وتتفتح لها أبواب الجنة!
كم هو رائع ذلك الإحساس بتورم المعرفة في الدماغ بعيدًا عن كآبة الكتب، وسخافة المثقفين، وملل الأدباء، وثقل دم الموسوعات!
في كل يوم أحصي مشاركاتي فأجدها بالعشرات على الرغم من أنني لم أنشر مقالا واحدا من إعمال فكري، وأكثر مشاركاتي لا تتعدي ثلاث جُمَل في سطرين يتيمين، فنحن مولعون بكاونتر المشاركات، بل إن بعضنا إذا نقل برنامجا أو مقالا أو موضوعا من مكان آخر، ثم وضعه في منتدانا، يشترط تعقيب المشاهد قبل القراءة، وأن يُقدم الشكر الجزيل حتى يتمكن من المشاهدة.
أعرف كثيرا من الأصدقاء يعملون مع جهات أمنية، ويدخلون المواقع لتخريب الموضوعات أو إثارة البلبلة حول بعضها أو تحويل الأنظار إلى ناحية أخرى أو التشكيك في توجّهات الكاتب، وفي هذه الحالة نحن نأمن على أنفسنا حتى لو اعتقلت أجهزة الأمن كل أعضاء المنتدى.
منذ عدة أيام قابلت زميلا في الدراسة لم أكن رأيته لخمس سنوات، وتجاذبنا أطراف الحديث، ولكنني شعرت بالملل القاتل من تفاهة حديثه، فهو يقول بأن نقل الموضوعات من النت دون إستئذان صاحبها سرقة، وأن الكتاب لا يزال سيد المعرفة، وأن التشات والألعاب والفوازير والساعات الطويلة أمام الماسينجر ومقارنة الأديان والبحث عن أخطاء الآخرين كلها اهدار للوقت وضياع للعُمر، ثم قال لي بأنه يرى الآخر مثله تماما حتى لو كان مخالفا في العقيدة والمذهب والطائفة والدين، وختم حديثه المتخلف بالقول بأنه يتساوى لديه المسجد والكنيسة، وأن الله قريب من المؤمنين هنا و .. هناك!
تركته دون تحية، فهؤلاء المتسامحون ضعاف بعلومهم، ونحن أقوياء بجهلنا! لقد صنعوا الإنترنت، ونحن قمنا بـاحتلاله.
إن أكثرهم عِلمًا يتذلل لأكثرنا جهلا، وإذا تم طرده من منتدى للأغبياء، عاد باسم مستعار جديد، ووضع مشاركاته، لينتظر موافقة المشرف العام!
أحد أصدقائي أنشأ واحدًا من أهم المنتديات على النت، واستقطب عددًا هائلا من الأعضاء والزوار، ولديه سمك لبن تمر هندي من كل شيء، أغاني، فيديو، تحميل برامج مجانية، تأسيس مواقع، حوارات ساخنة .. الخ
هذا الصديق، الذي أعرفه جيدًا، يقرأ بصعوبة بالغة، ويكتب جملة واحدة بَشقّ الأنفس، ولم يقترب من كتاب قـَطّْ، فبينه وبين الكتب خصومة شديدة، ومع ذلك فيتحكم بأميّته في موضوعات نشرَتها لديه نخبة من المثقفين والمفكرين.
يقول المثقفون بأننا سوس الشبكة العنكبوتية، لكن الحقيقة أننا ملوك الساحة لأنهم تركوها لنا، وولوّا الأدبار، فتـَحَكمْنا في القاصي والداني، حتى اللغة العربية جعلناهًا مِسْخًا، وشوّهنا حروفـَها، وتساقطت قواعدُها بين أناملنا كما يتساقط بناءٌ رمليّ أقامه طفلٌ على شاطيء البحر.
نعم، نحن نسرق الموضوعات، لكن الكـُتّاب العرب لا يدافعون عن شرف القلم، ولا يطاردون لصوص الملكية الفكرية، ويتساهلون مع أعراضهم الثقافية كما يتساهل الزعماء العرب في مؤتمرات القمة مع كل الاعتداءات الإسرائيلية، ويطاردون لسانَ المواطن العربي حتى لو حـَرَّكـَه داخل حلقه!
أحيانا يتملكني شعور بالدونية، وأغلق باب غرفتي، وأبكي ساعات طويلة فقد تركوني وحيدًا، وأمتدحوا جهلي، وأثنوا على أميّتي، ولم يصححوا لي أخطائي، وغضّوا الطرْفَ عن سرقاتي لأفكارهم، ورغم آلاف المشاركات الهزيلة التي تنفخ في عقلي فتورّمه، إلا أنني يتيمٌ أمام هذا الجهاز العجيب.
لقد ظننتُ أنني أصبحت واحدًا من الصفوة، فإذا بي أصنع مجتمعًا وهميًا من أصدقاء غير حقيقيين يدخلون بأسماء مستعارة، ويتبادلون كلمات تافهة، ويقضون ساعات الليل والنهار متنقلين بين الفيس بوك والمنتديات والمواقع وتحميل برامج لا تسمن ولا تغني من جوع!
لقد سجنت نفسي داخل الشاشة الصغيرة، وهجرت العالمَ الحقيقي، ولم تـَعُدْ لي أي فائدة في تطور المجتمع، ولو دخلت امتحانات من جديد فربما لا أستطيع أن أخُطّ حرفا واحدا مما أفرغته على ورق الإجابة منذ عدة سنوات!
إنني أشير بسبّابة الإتهام إلى كل المثقفين والمفكرين والإعلاميين والكـُتّاب والعلماء الذين تركوني وحيدا أتجرع بجهلي نتائج غطرسة كانت قد جعلتني على يقين من أن البقاء للعقل الأجوف، وأن قياس المعرفة مرهون بعدد المشاركات.
إنني وملايين غيري من الشباب العرب محبوسون داخل قمقم ونظن أننا نجوب العالم كله في طرفة عين، وقد آن الوقت لأن يحررنا من صنعوا لنا الإنترنت، وتركونا يتامىَ!
لقد صنعنا عالـَمَ الكراهية، وضربنا القيم الروحية والفكرية في مقتل، ونسجنا حروبا عنكبوتية هشـّة، وتصارع أتباعُ الإسلام والمسيحية على أرضنا الخاوية على عروشها فكان الجهلُ سيّد الفرسان، ونقلنا معاركنا إلى البيوت والمدارس والشوارع والعلاقات الإنسانية والاجتماعية لتخريب وطن تركت نخبتـُه الأميّين يتحكمون في المسار الفكري والثقافي على النت.
قام المتشددون المتمسحون بأهداب الدين باستغلالنا، وفتحوا لنا صنابير الفتاوىَ الفجّة لتنفجر ملوّثة الجميع كما تلوّث بريتش بتروليوم خليج المكسيك، وأصبحنا طرفا في معارك بدأت منذ ألف وأربعمئة عام، ودافعنا عن أنظمة فاسدة، وتجوفت أدمغتُنا ليضع كل مِنـّا مكان التجويف اسمَ فرقته الناجية من النار.
أشعر في أحايين كثيرة بقرف شديد عندما أجوس خلال النت، وألمس عن قرب عالم البغضاء الذي تم تجنيد ملايين من شباب الغد ليعيدوا صياغة المستقبل على أسس طائفية ودينية ومذهبية، رغم أن الملايين من الشباب الإنترنتيين لا يستطيعون تحريك شعرة في رأس أي طاغية يحكم بلدًا عربيًا، وأكثرنا خُشـُبٌ مُسـَنَّدة تجمعهم شاشة صغيرة ويفرّقهم مُخبر جـِلْفٌ، يتظاهرون بالشجاعة في غرفهم، ويتظاهرون بالعشرات فقط في الشوارع والميادين.
إذا كتب مسيحي متطرف وأحمق مقالا يطعن في الإسلام تداعت له جماهير النتّ كأنهم على وشك التخلص نهائيا من خاتمة الرسالات السماوية، وإذا نشر مسلم غبي ومتعصب مقالا يـُهين المسيحية وكتبـَها المقدسة وتعاليمها وأتباعها التفتّ حوله جماهير الأونلاين تظن أنها ستـُنهي إلى غير رجعة أكبر أديان الأرض، وتظل المعركة بين المسجد والكنيسة مبارزة حمقاء إنْ سقط فيها بيتٌ للهِ انهار البيتُ الآخر على رؤوس المؤمنين.
في غمرة مشاركاتي نسيت أنني أمام أهم اختراع حققه العقل البشري منذ بدء الخليقة، وبضربة خفيفة من أطراف أصابعي يأتيني من جـِنّ النبي سليمان، عليه السلام، آلافٌ ينطقون بشبيك لبيك، عبدك بين يديك، وسأجد قواميس، وموسوعات، وأدوية، وعلاجات ناجعة، وترجمات لكنوز الدنيا، وفنونا، وآدابا، وكتباً صوتية، وقصائد مسموعة للمتنبي وأبي تمام وإمريء القيس، وبحوثًا عن أعماق البحار، وصوراً لبركان آيسلندا وهو ينفجر غيظًا، واستمع إلى السيمفونية الثامنة لبيتهوفن، وأقرأ في قواعد اللغة، وأعيد تنشيط اللغات الأخرى التي أعرفها، وأحجز تذكرة سفر لجزيرة يونانية، وأتابع تقارير لجان حقوق الإنسان، وأشاهد العقيد جالسًا في خيمته، واستمع إلى جمال مبارك في الفيوم وهو يـَعِد الشعب المسحوق بالمن والسلوى على يد أحمد عز، وأشاهد الزعماء العرب يتعانقون وأعضاء الحكومة الإسرائيلية يضحكون حتى الثمالة مع بدء وانتهاء أي مؤتمر عربي.
أستطيع أن أدخل على مكتبة الكونجرس الأمريكية، وأبحث في وثائق مغمورة وهامة، ويمكنني قراءة أهم ما جاء في الصحف العربية قبل أن يتم فرشها على الطريق أمام الأكشاك، بل بامكاني مخاطبة الدنيا كلها، صورة وصوتًا، وأعُبّ من المعرفة والثقافة والعلوم ما لم يكن متاحاً لعلماء الأرض قاطبة قبل عشرين عامًا مضت.
لكنني اخترتُ طريقَ الغرور، وجعلتني المنتديات والمواقعُ الساذجة والمشاركات المتخلفة وأصدقاءُ الجهل الإنترنتّي أنتفخ حتى ظننت الورمَ معرفة، وقد آن الوقت الذي ينتشلني فيه المعرفيون والمثقفون والعلماء والخبراء وعلماء النفس بدلا من أن يهبطوا إلىَّ، ويسقطوا معي!
إن شباب الإنترنت لن يقودوا حركة تصحيحية، أو حِراكًا فكريًا، أو تغييرًا اجتماعيًا، أو مواجهات مع المستبدين والطغاة بغير قيادة واعية، وعندما يتنازل الكبار لنا عن هذا الدور فـَقُلّ على الوطن السلام، فنحن لازلنا على مقاعد الدراسة والتربية حتى بعد تخرجنا بسنوات، وعلى عقلاء الأمة أن يمدوا إلينا ايديهم ليرفعونا، وإلا مدَدنا نحن أيدينا لاسقاطهم!محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 3 يوليو 2010

Taeralshmal@gmail.com

        

حوار بين السيدة سوزان والشيخة موزة!

هذا الحوار نشرته قبل ثورة 25 يناير بشهر واحد!
 
 
في لقاءٍ جَمَعَ مُصادَفةً السيدة سوزان مبارك والشيخة موزة بنت ناصر المسند جَرَىَ حِوارٌ لَمْ يلتقط فحواه إنسٌ، ولا معناه جِنٌّ!
استعنتُ بقلمي العاشقِ سباحة في خيالات تـُحاكي الواقعَ، ووقائعَ متخيَّلَةً، فجاء الحوارُ كالآتي:
السيدة سوزان مبارك: أراكِ مُبْتَسِمَةً، وتتطاير السعادةُ من مُحَيّاكِ كأنَّ قَطـَرَ حَصلتْ علىَ كأسِ العالـَمِ في كُرَةِ القَدَمِ قبل الموعدِ بأحد عشر عاما!
لو أراد زوجي أنْ يحصل المصريون علىَ هذا الشرفِ لتراجع المُتنافسون واحداً إثـْرَ الآخر، ولـَما احتاج الأمرُ من رئيسِ الفيفا أنْ يفتح المظروفَ ليظهر اسمُ أم الدنيا، ويتوارى الآخرون خَجَلا من المنافسةِ مع مصر مبارك!
الشيخة موزة: يبدو أنكِ، يا سيدتي، مُصابةٌ بارهاقِ الانتخاباتِ البرلمانيةِ فاختفىَ نِصْفُ المخِ المتعلقِ بالذاكرة.
هل تتذكرين يوم أنْ حصلتْ مصرُ علىَ الصِفْرِ الكبير ِعندما تنافس معها الصغارُ، وتشرَّفتْ جنوبُ أفريقيا باستضافةِ كأسِ العالم رغم تأكيد رجالِ زوجِكِ أنَّ العالَمَ كُلَّه سيقف خاشِعاً أمام اسمِ مصر الـْمُبارَك بمبارك؟
نحن نافسنا اليابانَ وأستراليا والولاياتِ المتحدةَ بكل مالديهم من امكانياتٍ هائلة تجعل الفيفائيين يحتارون في الاختيار بينهم، ولا يرى أيٌّ منهم قَطـَرَ الأصغر َمن ملعب كرة قدم في كانبيرا أو لويزيانا أو .. ناجازاكي!
السيدة سوزان: تحدثينني كأنَّ قَطَرَ دولةٌ عُظْمَىَ تناطح الصينَ الشعبيةَ، ولو جاء القطريون كلـُّهم في رحلةٍ سياحيةٍ لازدحم بهم شارعان أو ثلاثةٌ في عاصمة المعز!
أنت شيخةٌ بزوجِك، وقبيلتِك، وعائلتِك، والذهبِ الأسود الذي يجري تحت دويلتِكم، وأنا أكبر من شيخةٍ بزواجي من قائد الضربة الجوية الأولى، وأصولي الإفرنجية، وانتمائي لفرعون الذي قال السحرةُ لموسى عنه بعزّة فرعون إنا لنحن الغالبون!
أنا وزوجي وولدانا نحكُم أكثر من ثمانين مليونا من البشر، ونستطيع إنْ أردنا أنْ نجعلهم وجبة لا تحلم بمثلها أسماكُ القرش في البحر الأحمر من سفاجا إلى .. شرم الشيخ.
لو أقفلنا أقمارَنا الصناعية فلن تجد قنواتكم الفضائية مشاهدين إلا في الربع الخالي وجزيرة حنيش والخور والرويس ورأس لفان!
الشيخة موزة: وأنتم أيضا لديكم النفط، لكنكم تبيعونه للدولة العبرية بثمن التكلفة دون أرباح فيزداد الشعبُ فقراً، ونحن نبيعه بسعر السوق العالمي، فأمَرَ زوجي بمضاعفة دَخْلِ المواطن القَطـَري!
ثلثُ مواطني بلدكم تحت خط الفقر المدقع رغم أن ثروة ابنيكما، علاء وجمال، يمكن أن تجعل هذا الثلثَ خُمساً أو ثـُمْناً أو عُشْرًا، أما ثروة أولادي فلم تنتقص من خيرات قَطَر قَطْرَةً واحدة.
لو كان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يحكم مصرَ لجعل شعبَها يأكل من تحته ومن فوقه، ولجعل نفطَه وغازَه ونيلـَه في خدمة المصريين قبل غيرِهم.
السيدة سوزان: هذا هراءٌ، وأضغاثُ أحلام صحراوية في حُكم بلدٍ متقدم بعقلية بدوية، فنحن نحكُم شعباً لا يطيع إلا فراعنـَته، فثقافةُ الصحراء لو انتقلت لقصر العروبة لتأخرتْ مصر عدة قرون، وأصبحت المراكزُ العلمية المتناثرة في أرجاء أرض الكنانة ساحاتٍ لسباق الهجن أو حظائر تبرك فيها الإبل بعد طول عناء و .. عطش.
إننا نـُعَلـِّم ولا نتعلم، نعبر الحواجزَ المائية والسواتر الترابية ولا يعبر أحدٌ فوق ظهورنا، ونحن أكرم من غيرنا، وتـَحَضُّرُنا هو في جيناتٍ تولَد معنا، ووافدُنا لديكم أغزر عِلْما من كفيلِه في الدوحة!
الشيخة موزة: هذا غرور ٌقاروني يظن أنَّ مفاتح خزائنه تنوء بالعُصْبَةِ أولي القوة، وأنتم تملكون إعلاماً عبقرياً في تحويل الهزائم لنصر مُبين، حتى المباراة الأخيرة بين مصر وقطر التي سخَرْتُم من فريقنا مُسبقا، فاستعنتم بثلاثة لاعبين جُدُدٍ لثقتكم في أن الكرة تسجد تحت أقدام لاعبيكم، انهزمتم فيها، ولم تتراجع غطرستكم خطوة واحدة.
إن ثقافتنا البدوية تلك جعلتنا نبني رأسياً دولة تناطح السحابَ وجيرانَها، وأنتم بثقافتكِم التي تمتد لخمسة آلاف عام نهبتم أفُقياً أكبر بلد عربي فتراجع كل شيء حتى كاد النيلُ يغير مجراه الذي حفرا، ويغرّب الهرم المصري و .. يبتعدَ!
في عصر زوجك تستعد عشر دول أفريقية فقيرة لتروي عطش المصريين بالقَطَّارة، وستجف مياهُ النيل إنْ عاجلا أو عاجلا ما دمتم في الحُكم، ولن يمضي وقت طويل حتى يعلن أحد أصدقاء ابنك أمين لجنة السياسات عن فراغ كل مصارف مصر من آخر جنيه كان قبل وصولكم إثْرَ حادث المنصة يرفع رأسَ المصري، فإذا بكم، أنتم الأربعة، تغطـّسونه في مياهٍ آسنةٍ كما يفعل ضابطُ الأمن في مُواطن مصري يقع حظُه العاثر في المبيت بتخشيبته.
نحن نُهدر أموالا لشعب لديه ما يكفيه وأكثر، وأنتم تبددون أموالا لشعب يعيش على المِنح والمساعدات.
لو كانت قناة السويس بين أيدينا، والآثار الفرعونية تحت أقدامنا، وشواطيء الأحمر والأبيض تحيطنا، وتحويلات ملايين المهاجرين تضاعف دَخْلـَنا لأصبح كل مواطنٍ كفيلا لعشرين وافدا يعمل لديهم عشرون خادما وسائقا!
لو كان هناك عدل لأصدر أصغر قاض في مصر حُكْماً بالحَجْر عليكِ وعلىَ زوجِك وولديكما بتهمة الاسراف، والتبذير الشيطاني، واهدار أموال أمة من أعرق أمم الأرض.
السيدة سوزان: تعايرينني بذهبِك الأسود والأصفر، ولو ساهمتم في تنمية دولة دخلت حروبا لستين عاماً من أجلكم ومن أجل كل الوطن العربي لما كان حالُنا هكذا.
تكدّسون أموالَكم في مصارف الغرب، وتبخلون على أشقاء العروبة والدين والأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة.
تهددون مصريينا لديكم بالتفنيش على أول طائرة رغم أنهم يبنون معكم دويلتَكم لتصبح في حجم مصر، كما تتخيلون وتتوهمون!،
الشيخة موزة: هذا كذِبٌ يشابه أكاذيبَ حزبكم في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فنحن لم نبخل على مصر بريال واحد، حتى أننا إثر زلزال أكتوبر عام 1992 نظَّمـنا علىَ مَدَىَ ثلاثة أيام حفلاتٍ لجمع التبرعات للمتضررين في مصر كانت تحت شعار ( في حب مصر )، وأرسلنا الملايين فلم تذهب لجيوب المحتاجين تماما كالخمسين مليونا من الدولارات التي حولها الملك فهد بن عبد العزيز، رحمه الله، فَضَلَّتْ طريقـَها ، ودلفت إلى جيوب وحسابات البزنسيين الجُدد في مغارة علي بابا المصرية.
أنتم بالوعة للمال الحلال والحرام على حَدٍّ سواء، وفي ثلاثة عقود أعدتم مصر إلى أكثر عهودها وحشية، وظلاما، وتخلفا، وظلما.
لو ركبتُ أنا سيارة مكشوفة تخترق شوارع القاهرة لخرج المصريون عن بِكْرَةِ أبيهم لتحيتي، ولو حدث الأمر نفسُه معكِ، ومنحْنا المصريين في قطر أجر يَوّْمٍ .. يَومَ خروج موكبك في شوارع الدوحة لما كلَّف مصريٌ واحد نفسَه عناء الوقوف لتحيتكِ، ربما باستثناء السفير المصري وأعضاء سفارته.
آلاف المصريين يقيمون معنا منذ سنوات طويلة ولو خـُيّر أي منهم بين نار الكفيل في قطر أو العودة إلى أهله وأحبابه في ظل حُكْمِك وزوجك والرئيس الشاب القادم لما تردد هُنيهة في اختيار قطر وطنا ثانيا، يعيش ويموت فيه.
في خلال ثلاثة عقود جعلتم مصر أكثر غلاء من أمريكا والدول الاسكندنافية، ولو تسلل زوجك إلى أي بيت مصري، وأنصت إلى دعاء صاحبه في صلاة الفجر فسيسمع لعنات مع بكاء ونحيب تلف اسم مبارك لتخترق حجب السماء فيسمعها الحي القيوم الذي لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم.
السيدة سوزان: على مقربة من مكتبك الأنيق في قطر توجد قاعدة عسكرية أمريكية ترصد كل نملة تقول لصويحباتها ادخلوا مساكنكم، والقاعدة لا تتنصت على القاعدة فقط، لكنها تمدّ أذنيها إلى الجيران وجيرانِهم، واستقلاليةُ القرار القطري مشكوك فيها!
هل تستطيعون محاكمة جندي أمريكي واحد قفز فوق كل الممنوعات والمحرمات في قطر؟
الشيخة موزة: للغيرة أيضا خزعبلات وأوهام، فمن يزيّف إرادةَ أُمَّةٍ في صناديق الاقتراع، لا يتوانىَ عن تسريب معلومات مغلوطة لو قرأها جوليان أسانج لأغلق موقعَه، واكتفى بعناوين صحف الصباح.
نعم، لدينا قاعدة عسكرية أمريكية لحمايتنا من جيران قد يكبرون وتكبر معهم الظنون بأنهم قوىَ عظمى، فصدام حسين كان الجارَ الشماليَّ للكويتيين، وعندما استصغر الكويتَ واخترق فجرَها الآمنَ، إستصغره العالـَمُ كلـُّه، ووضعت أمريكا قدميها في الخليج برمته.
ومع ذلك فزوجي إذا قام بزيارة الولايات المتحدة فسيستقبله الرئيس الأمريكي فور وصوله، أما رئيس أكبر دولة عربية فينتظر ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ حتى يتفضل سيدُ البيت الأبيض بعشرين دقيقة لسيدِ قصر عابدين.
زوجي جلس مع ديك تشيني دقيقة واحدة، ولما لم يرق له الموضوعُ قبل طرحِه، انسحب فورا، فكرامةُ الشيخ حمد من كرامة قطر، وزوجُك لا يستطيع أن يعاتب السفير الأمريكي في القاهرة، فهو ليس جمال عبد الناصر الذي طلب من مدير مكتبه أن يترك السفير البريطاني، ملطوعًا، ساعة كاملة ثم يطرده لأنه جاء إلى القصر لمقابلة أبي خالد دون موعد مسبق.
نحن نحب مصرَ وأهلها أكثر من أي فرد في أسرة مبارك، رغم الشكوك اليقينية بأن فيكم من يحب هذا البلد الطيب.
تصلني آلاف الرسائل من مصريين يحبونني كأنني سيدتهم الأولى، وأحسب أنك لا تتلقين رسائل الحب إلا من المنافقين والوصوليين وأصحاب المصالح الخاصة والمتعلقين بوجودكم الأبدي فوق رؤوس المصريين.
السيدة سوزان: زوجي وصل إلى الحكم لأنه قائد عسكري فذ، وكان نائبا للرئيس الراحل أنور السادات، وأصبح الرجل الأول والوحيد منذ ثلاثين عاما، وكل الاستفتاءات ثم الانتخابات الرئاسية انتهت إلى نتيجة واحدة أن ليس بمصر من يرفع عينيه فوق رأس الرئيس، وأن لا بديل لمبارك الكبير غير مبارك الصغير!
أما زوجك فقد استولى على الحُكم في غياب والده، وتركه عدة سنوات يهيم في الغربة، وخرج القطريون لتأييده، فثقافة الاستيلاء على الحُكم عنوة من أحد أفراد الأسرة لا تعرفها إلا بلادُكم، أليس كذلك؟
الشيخة موزة: هذه زهايمر السياسة المصرية التي ترى من خلالها أسرة مبارك الصِفْرَ انتصاراً، والنواقصَ زياداتٍ، وجحيمَ المصريين جنةِ الخـُلدِ.
زوجي أنقذ قطر من الشللية التي أحاطت بوالده كما تحيط بكم شللية لا تشبع حتى تجوع، وعامَلـَه أفضل معاملة، ومنذ عام 1995 قفزت قطر الصغيرة فبدت كأنها اللاعب الرئيس في معظم الوساطات شرق الأوسطية التي فشلت فيها مصر مبارك.
كان الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني رجلا عظيما، وطيبا، لكنه لا يصنع حداثة، ولا يجعل قطر أكبر من حجمها على الخريطة.
لقد أحاطه ابنُه بالرعاية والعناية، وابعد عنه شرور المنتفعين بثروته، واسترد منهم ما سرقوه من أموال شعبنا، وكرَّمه أفضل تكريم، وعاش في كنف أحفاده بعيدا عن لصوص الوطن الذين استغلوا طيبته وثقته الزائدة.
أما القاعدة العسكرية الأمريكية فهي في الواقع على أرض مصر التي حكمتموها، فصغرّتموها، فقزمّتموها، فحجمّتوها، وعندما اخترقت الطائرات الإسرائيلية المجال الجوي المصري عدة مرات وهي تضرب الفلسطينيين أشقاءَكم، صَكَّ أبناءُ أبطال العبور وجوهَهم، وسدّوا آذانَهم، فالقرارُ العسكري المصري في عهد زوجِك لا يساوي جَناحَ بعوضة.
حُكْمُ أُسْرة مبارك يعني انتهاءَ العصر المصري، ولم يبق لكم غير الوساطة بين الفلسطينيين وعَدوِّهِم برعاية رئيس جهاز المخابرات التي كان اسمُها يُنزل الرعبَ في قلوب خصوم مصر، فجعلها زوجُك مُشَرّعة الأبواب أمام كل من هَبَّ ودَبَّ.
السيدة سوزان: لكننا لانزال قادرين على تصدير ما تحتاجونه من أدمغة تـُثري الحياة في قطر بعلماء، وخبراء، وإعلاميين، وأكاديميين، وأطباء، ومهندسين، وأنتم ماذا لديكم غير المال لتمنحوننا إياه؟
الشيخة موزة: الغرور قاتل، والفوقية مرض، والاستعلاء نقص، والتفاخر مسَبّة!
لولا أننا نعرف آلاف المصريين الطيبين، المسالمين، العاشقين لقطر، لجعلني كلامُك أكره أبناءَ مصر .. ضيوفـَنا الأعِزّاء.
أنتم الذين تدفعون المصريين للهجرة بحرا، وجوا، وبرا، وتـُلقون بهم في زوارق متهالكة تمخر عُباب موج هائج، وينتهي بهم السندبادُ المزيّف إلى قاع البحر فهو أكثر أمنا من الحياة في ظل زوجك و .. ابنه.
إنَّ حُزننا علىَ مصر لا تعرفينه، ولا تفهمين كُنهه لأنني أشك أنك تحبين بلدَك وشعبَها الكريم.
لقد أعماكم الغرور، وصحافة النفاق، وأقلام السلطة الرابعة، فظننتم أنَّ إعلامَ أنس الفقي هو إعلام الرِيادة، فإذا بالخلاف الكروي مع الجزائر يكشف عورته، ويشاهد الملايين قِرَدة تقفز، وتتحرك، ويستدعيها القرداتي ليطلب منها أنْ تشتم الجزائريين، وشهداءَهم، ويلعن تاريخ نضالِهم، ويـَمُنُّ بالفن السابع ومسلسلات رمضان ومسرحيات الزعيم!
عندما ينتهي الصراع الفلسطيني مع الإسرائيليين فلن يصبح لمصر دور في عهد زوجك إلا الوساطة بين بعض القبائل الأفريقية أو الجهاد مع الجماهيرية العظمى ضد سويسرا!
أتفهم تماما غيرتَكِ القاتلةَ من دوري، وأعرف كيف ينظر زوجُك إلى بلدنا كعُلبة كبريت إذا اشتعلت مرة واحدة فقد ضاع شرفنا.
وسيظل للمصريين في قلوب القطريين أعزُّ مكان، وأنا أقرب إليهم منكِ، وعندما ينتهي نظام حُكم عائلة مبارك فسنكشف أوراقاً لم تَدُر بذهن أحد قط، وسننشر أسماء كل الذين نهبوا أموال الدعم القطري لمصر، أما الآن فلا نستطيع خشية انفراط العقد العربي الأوهن من بيت العنكبوت.
السيدة سوزان: سنرى بعد سنوات من الأبقىَ لشعبه، فزوجي لديه وريث، وأحفاد مبارك سيتشبثون بالحُكم لعقود طويلة قادمة، وربما يحكم مصرَ مباركٌ حفيدُ الابنِ بعدما يكون مَلـَك الموت قد حصد في ثمانين عاما قادمة كل الأحياء فوق أرض مصر وقطر.
لو أراد زوجي أن يثير المتاعب لدويلتكم الصغيرة فسيقف في شرفة قصر العروبة، وينفخ نفخة واحدة، فإذا بآل ثاني قد طاروا من الدوحة إلى المنامة.
الشيخة موزة: قصر ُالعروبة لم يعد فيه عبد الناصر الذي كان كبيرا وهو مهزوم، وظن الصغار أنهم سيشمتون فيه بعد نكسة يونيو فإذا هو في قمة الخرطوم أكبر منهم جميعا.
قصر العروبة لو أطلق جندي عليه رصاصة من مطاط لهرب ساكنوه من الباب الخلفي، وحُكمُ زوجُكِ تسقطه قناة فضائية مصرية معارضة لو بثت من عاصمة غربية فستصبحون لاجئين في أمريكا أو ألمانيا أو عندنا في علبة الكبريت.
قوة استمرارية عائلة مبارك ليست في القبضة الحديدية التي تمسكون بها رقاب شعبنا المصري الصبور، ولكن بفضل الدعم الخليجي لبالوعة النهب الذي لا يشبع.
اذهبي لزوجِكِ وقُصّي عليه مِنْ نبأ حديثِنا، ودَعيه يحاول مُصارعة علبة الكبريت، وحينئذ سيشاهد العالـَمُ ذكاء جيري أمام حماقة توم بضخامة جسده.
أنصحُك بقليلٍ من التواضع، فالأصفارُ القادمة في الولاية السادسة لزوجك لا يحصيها كشّاف، أو عَدَّادٌ، أو آلةٌ حاسبة.
وهنا انصرفت السيدتان بعد عناقٍ خفيف، وطبعتْ كل واحدة قـُبلة على وجنة الأخرى دون أن تقترب من مساحيق بسيطة ، ويبقى الحُكم على الوجه للمرآة، والحُكم على العمل لشعبيهما، والحُكم الفصلُ علىَ القلب في السماء.



محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 19 ديسمبر 2010
Taeralshmal@gmail.com

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...