مجلة عربية حرة ومستقلة. صدر عددها الأول الورقي بالعاصمة النرويجية أوسلو في يونيو 1984 الناشر رئيس التحرير المسؤول: محمد عبد المجيد. عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين صدر للكاتب عشرون كتابـًـا جميع المراسلات توجه إلى Taeralshmal@gmail.com
21/01/2014
ولكن عزرائيل لا يزور ميونيخ
سيدي الرئيس حسني مبارك ...
كان ملك الموت يقترب منك حتى يلامسك، ثم يبتعد خطوتين وبعدها يعود ليطرق بابك.
وكانت قلوب الملايين من أبناء شعبك معه، تشجعه، وتشد من أزره، وتدعوه لحسم الأمر فهم ينتظرون على جمرات كأنهن قطع من الجحيم.
كانت مصر كلها، تقريبا، تنتظر بيانا صادرا من السماء إلى الأرض ينهي عذاب ثلاثة وعشرين عاما من عمر وطن انصهرت فيه أوطان، وذابت في جوانبه حضارات، وتتلمذ على يديه تاريخ العالم، وصنعته عبقرية الجغرافيا، واحتضنه النيل الأسمر وهو يروي عطش الأرض الطيبة، ثم وافيا بوعده الذي قطعه منذ اللازمن، بأنه واهب الحياة للمصريين حتى لو حاول الطغاة نزعها منهم.
سيدي الرئيس ..
هل صدقت ما نقلوه لك بأن الملايين من أبناء شعبك يبتهلون للعلي القدير أن يعيدك إلى قصرك، ويكمل بك معجزة الانجازات في ولاية خامسة تمتد حتى يبلغ عمرك المديد ثلاثة وثمانين عاما؟
هل صدقت أن مصر لا تنام، وأن أهلنا سيصبحون يتامى بدونك، وأن أرض الكنانة بعدك صكت وجهها وقالت عجوز عقيم، والحقيقة أننا لا ندري أشر أريد بمن في مصر أم أراد بهم رهم خيرا؟
هل صدقت عندما قصوا على مسامعك من أنباء أنهار من الدموع أغرورقت بها عيون مواطنيك الذين قضيت سنوات حكمك كلها تحافظ على كرامتهم وخيراتهم وأموالهم ورزقهم وعملهم وحريتهم واستقلالهم حتى باتوا لا يستطيعون تصور مشهد مصر بعد رحيلك؟
هل صدقت اللافتات التي ملأت كل شوارع مصر تحمد الله على عودتك سالما، وتستعد لتكملة الحلم المصري الجميل الذي صنعته في ثلاثة وعشرين عاما فجعلت أبناء وطنك يتصالحون مع الزمن، وتغدق عليهم خيرات وطنهم من سمنها وعسلها ولبنها بفضل عبقرية حكمك التي جعلت كل أيام رعاياك أعيادا؟
سيدي الرئيس.. إن كنت قد صدقت كلمة واحدة مما سمعته أذناك فقد أحكم لك المنافقون والأفاقون العقدة التي لا حل لها، فمصر كلها، شعبا وأرضا وبحرا ونهرا وسماء، كانت تبتهل للواحد القهار أن يستدعيك على عجل، وأن ينتهي زمن حزين يائس مكفهر مغبر كأنه سقط سهوا من جهنم بقيظها وجمرها وصراخ من فيها وأنين من يقترب منها.
كم وددت، سيدي الرئيس، أن استمع إليك وأنت على فراش أبيض في المدينة الألمانية الجميلة تتضرع إلى خالقك، وتدعوه أن يمن عليك بالشفاء لعلك تستطيع فيما بقي لك من عمر أن تعتذر لشعبك، وتطلب الصفح من رعاياك، وتصارحهم بأنك آذيتهم كثيرا، وتركت أمانة الوطن في أيدي لصوص وحيتان وذئاب مفترسة، واخترت من مواطنيك الأكثر فشلا وسوءا لتقبض بأصابعهم على رقاب أبنائك المصريين.
هل يمكن أن تكون هناك لحظة صدق في حياتك تصفو بها نفسك، وتسمو بها روحك، ويستيقظ معها ضميرك، لتكتشف أنك كنت تعرف تفاصيل مئات الحالات من التعذيب والاهانة والاذلال والقهر واغتصاب الرجال وتعليقهم من أرجلهم في سلخانات الشرطة، بل وصل الأمر بأحد ضباط الشرطة أن يسكب الكيروسين على جسد مواطن مسكين، ثم يشعل فيه النار وهو نائم في التخشيبة ليؤكد له أن المواطن حشرة في عهد السيد الرئيس حسني مبارك، وأن الرئيس يعلم بأكثر تفاصيل الجحيم الذي يتعرض له مواطنوه، بل كنت، سيدي الرئيس، تطغى، وتحتقر شعبك، وتتحدى مشاعره عندما أمرت بترقية ثلاثة ضباط شرطة متهمين بتعذيب وقتل بعض مواطنيك.
هل تظن أن أهل وذوي وأقارب وأحباب المعذبين في الأرض، والمهانين بين أيدي رجال أمنك، والمغتصبين الذين كان ضباط شرطة يهددون بعضهم بوضع العصا في فتحة الشرج أمام الأم أو الأب أو الابن امعانا في الاذلال، وهم يعلمون جيدا أن ضوءا أخضر من القصر الجمهوري بعابدين أو قصرك المعمور بالخيرات في شرم الشيخ يمنحهم هذا الحق، كانوا يدعون العزيز الوهاب بعودتك سالما من رحلة الموت والحياة؟
كان الوطن الطيب هو الذي انزلق غضروفه، والتوى ظهره، وانحنت قامته، وأغبر وجهه، وتلوث هواءه، ونهبت مصارفه، وأكل الأمراض جسده، وعبث لصوص عهدك في كل شبر منه.
على الرغم من أنني في كل ليلة طوال خمس عشرة سنة أحلم بلحظة شجاعة نادرة يلهمك إياها القدر، فتقدم استقالتك لأن المهمة أكبر منك، وأن مصر العظيمة الولادة تستطيع أن تخرج من بطنها بدون آلام الطلق عباقرة في كل المجالات يستطيع أي منهم أن يحل محلك، ويأخذ بيد مصر الطاهرة، ويخفف عنها، ويزيل ما علق بها من فساد وبيروقراطية واستبداد وطغيان، وأكتشف أن أحلام اليقظة يمكن أن تتسلل خفية إلى رؤى الليل، ولكن مرة واحدة تعلقت عيناي بالشاشة الصغيرة، وأرهفت السمع لساعات طويلة منتظرا بيانك الشجاع وذلك عندما صدر أكبر قرار إدانة لعهدك الأكثر فسادا منذ قرنين، وجاء القرار من مكان قريب من صناعة القرار المالي في أوروبا .. من زيورخ حيث حصلت مصر على الصفر المونديالي.
خدعوك، سيدي الرئيس، وأنفقوا من أموال أهلنا مئات الملايين، وقالوا لك بأن مصر في عهدك تستطيع أن تفرك مصباح علاء الدين فيخرج مارد يعرفك، ويقنع العالم كله بأن مصر مبارك قادرة على استضافة المونديال قبل عام واحد من انتهاء فترة ولايتك الخامسة مع افتراض أن مبارك الصغير يستطيع أن يصبر على مُلك أعده له والده وزينته له والدته، وجند الحزب الوطني مئة ألف من الشباب الغض والساذج والأحمق استعدادا ليوم يجوبون أرض الكنانة هاتفين بحياة زعيمهم الشاب .. أمل مصر كما سيكتب رؤساء تحرير الصحف القومية في مانشيتاتهم.
حدثني، سيدي الرئيس، عن مشاعرك وأحاسيسك يوم قال الطفل في زيوريخ: الإمبراطور عريان!
لن أحدثك عن جنوب أفريقيا وعبقرية نيلسون مانديلا( رغم أن بلده لا يتمتع بأي أمن، ولن يوفر الأمان لضيوف المونديال)، ولن أسمعك حديثا مطولا عن المغرب الذي نهبه الحسن الثاني، وأفقر ثلثي شعبه، وجعل حلم شبابه الهروب بزوارق الموت لعل شرطة اسبانيا أو قاع البحر تكون أكثر رحمة من نظام سياسي متغطرس وفاشل صنعه أمير المؤمنين طوال أربعين عاما..
لكنني أحدثك عن رجالك المنافقين والكذابين والجبناء الذين صنعتهم لحمايتك، وعبدوك لحماية أنفسهم.
صوت واحد يتيم لم يذهب إلى مصر رغم أن الدكتور علي الدين هلال قام بتذكير أعضاء اللجنة باهتمام الرئيس مبارك، وأوحى إليك رجالك بأن الدنيا كلها ستصوت لمصر من أجلك، ولو كان من حق الجن والملائكة وسكان الكواكب الأخرى أن يصوتوا لما تأخر أحدهم عن منحك صوته.
أراك ربما قد تصببت عرقا، وطلبت فورا مستشاريك لكي يهمسوا في أذنك بكلمات ثناء ومديح، ويقنعونك بأنها مؤامرة ضد دور مصر، وأن صفر المونديال كان يمكن أن يتحول إلى أربعة وعشرين لو تعرف الأعضاء على عبقريتك!
وطال انتظاري لقرارك الشجاع، واعترافك الأشجع بأنك مُنيت بهزيمة نكراء، وأن مصر العظيمة التي كان اسمها يتردد في جنبات كل المؤتمرات الدولية فتكون اشارة البدء على نجاح المؤتمر.
في أشد أوقات المحن العصيبة عندما أصيب الوطن في ستة أيام وست ليال سوداء بدأت صباح الخامس من يونيو عام 1967 بهزيمة ونكسة شَمّتَتْ بنا الغرب والشرق وبعض الأصدقاء، انعقد مؤتمر القمة العربي في الخرطوم، وكانت المفاجأة أن مصر المهزومة حتى النخاع أكبر بكثير مما يتصور خصومها وأعداؤها.
في عهدك الذي لم يشهد حربا أو نفقات اضافية أو ازالة آثار العدوان أو مقاطعة مشروع مثلما فعلت أمريكا في السد العالي كان الخير يتدفق على الشعب الصابر، ويقوم ملايين المصريين في الخارج بتحويل المليارات من العملات الصعبة إلى مصارف مصر، وتنازلت دول الخليج في حرب تحرير الكويت عن ستة وعشرين مليارا من الدولارات، ومنحتنا الادارة الأمريكية دعما سخيا في كل عام في مقابل صمت أو وساطة بين القاتل والقتيل في فلسطين، أو انقاذ اقتصاد الكيان الصهيوني العنصري بمده بالبترول أو بتفريغ بضائعه في حالة الاضراب.. ولم ننس دخل قناة السويس والتصدير والمليارات التي جاءتنا من أوروبا واليابان ودول الخليج وهيئات الدعم الدولية ودخلت مغارة علي بابا، ولم يكن الأربعون حرامي في حاجة لمعرفة كلمة السر: افتح يا سمسم.
لأن سمسم كان مختبئا في نظام أعوج متغطرس يزدري المصريين، ويهدر أموالهم، ويصنع من الجمال قبحا، ومن العلم جهلا، ومن الاعلام اعاقة ذهنية، ومن السياحة تسولا، ومن المخدرات ربع مليون مدمن، ومن البنوك والمصارف مرشدا لكيفية تحويل الفهلوة إلى عمل محترم، والاقتراض بدون ضمانات إلى الخروج من باب كبار الزوار في مطار القاهرة الدولي، فالسمسونايت عليها ضوء أخضر من أعلى .. أعلى مكان فوق المصريين.
وأعود إلى الصفر المونديالي تاركا مغارة علي بابا والأربعين حرامي رغم أن الاثنين توأمان، واستحلفك بأغلى ما عندك، الأسرة أو الصحة أو المال أو السطوة أو السلطة، ألم تخجل من الظهور علانية أمام شعبك بعدما انكشف الغطاء عن سقوط مريع في أسفل درجات سلم الهزائم؟
ماذا، سيدي الرئيس، لو أن نتائج التصويت كانت تحت الصفر، هل كانت مصر مبارك تحصل عليها بجدارة؟
أحسب أنه قد آن الوقت لأن يصارحك أحد قبل مؤتمر الحزب الحاكم وتهيئة فخامة الرئيس جمال مبارك لحكم مصر ربع قرن بعدما تكمل أنت ولايتك الخامسة مع افتراض أنك لن تحتاج للدكتور ماير في مهمة عاجلة بأن الصفر في الواقع كان هناك.. أمام عينيك.. وفوق مكتبك وفي كل يوم وساعة ولحظة من فترة حكمك.
هل تريد أن أُذَكّرك به، أعني الصفر؟
كان بامكانك أن تراه في عيون ملايين المصريين الذين أذلهم الغلاء، وأقض مضاجعهم الفقر، وأرهقهم الدعاء سنوات طويلة أن يخلصهم الله، عز شأنه، من سارقي أموالهم، وناهبي خيراتهم والذين تكاثروا كالبعوض في عهدك وكأن عقدا ملزما قد وقعته ضمائرهم الميتة مع إدارة حكمك، وصمتك، ورضائك بأن من يتردد في الدخول إلى المغارة الآن فقد لا تتاح له فرصة أخرى إن حكم مصر وطني عاشق لها، خائف عليها، مغرم بكل شبر فيها، يحافظ على أموالها كما يحافظ على شــرفه وحرمـاته ورزق أولاده.
وكان الصفر هناك في إدارة فاشلة متعاقدة مع شبكة اخطبوطية تمد أذرعها في كل مكان، فلا يستطيع مصري واحد أن يستخرج ورقة أو شهادة أو استمارة أو يوقع عقدا أو ينهي اجراءات قانونية أو يتسلم حقه دون أن تضربه على قفاه سبعون اهانة في سبعين توقيعا لسبعين موظفا إلا أن يقدم رشوة قد تحسب عليه في الآخرة وله في عهدك.
وفشلت في استحداث الادارة السليمة في أهم مرافق الدولة، خاصة الشهر العقاري ومجمع التحرير والجمارك والضرائب والبريد والتصدير والاستيراد وحماية المستهلك، فكان شلل الوطن جزءا من اغتياله الكلي الذي بدأ في عهدك ولم ينته بعد.
وكان الصفر في الفن السابع عندما أخذ رجالك معول الهدم لروائع السينما والاخراج، وصنعوا بديلا عنه عالم اللمبي، وسقوط واحدة من أهم سبل تبصير المجتمع بقضاياه، واعادة الوعي لفاقديه، وتوسعة رقعة الجمال والخير والحب، وتراجع دور الشاشة الكبيرة ليقدم في كل عام أقل من عشرين فيلما بعد كانت مصر تسابق الزمن في ادراك أهمية هذا الفن.
وكان الصفر في ستة ملايين عاطل عن العمل، تخلت الدولة عنهم أو عجزت عن الاستفادة منهم لكي يمنحوا الوطن جهدا وعرقا وخبرة، وما أشد الألم وأوجعه عندما يشعر المواطن أنه عالة على أسرته وأصدقائه ومجتمعه، وأن ما قام بتحصيله من العلوم والثقافة لا يمنحه شرف العمل حارسا لأمن شركة استثمارية، وتسلل من بين أيدي اليائسين غول قبيح من التطرف الديني أو الهوس الجنسي أو الجريمة المنظمة أو البلطجة الغليظة أو أعمال التسول الخدمية أو بيع ممتلكات الأسرة الفقيرة في مغامرة غير محسوبة على زورق متهالك يقاوم الريح والأمواج من الشواطيء الليبية إلى مالطا أو جنوب ايطاليا أو اليونان وربما يعود بهم إلى مصر ويلقي المساكين أجسادهم المنهكة على شاطيء العجمي ظنا منهم أنهم في فاليتا أو كريت أو رودس أو حتى أيا نابا القبرصية!
وكان الصفر في سجون ومعتقلات مصر التي مر عليها في عهدك أكثر من ربع مليون مواطن، بقي منهم عشرون ألفا أو أقل أو أكثر، لم يُعرَضوا على المحاكم، ولم يرتكبوا جرما لكنهم يحملون أفكارا لا تروق لك، من يساريين وبقايا شيوعيين وعجائز الاخوان المسلمين، ولا مانع من خلطهم بذوي اتجاهات أخرى لعل سبتمبر الساداتي يتكرر مرة أخرى.
والصفر كان هناك .. يلتحف بقانون الطوريء ، ويصنع نظاما سياسيا سلطويا خائفا من شعبه، مسلطا السيف على رقاب الرعية، متعللا بالارهاب تارة وبأنه لم يستخدمه إلا لماما تارة أخرى.
قانون الطواريء إن كان قد تم تفصيله ليُعلّم المصريين آداب السير بجوار الحائط، فهو إدانة لك، سيدي الرئيس، ودليل لا يرقى إليه شك في أنك أكثر خوفا ورعبا من سبعين مليونا، وأن الشرعية الشعبية في (عدلت فأمنت فنمت) حَرَّمَها عليك قانون الطواريء.
والصفر كان هناك .. عندما رفضت تعيين نائب لك، ربما خوفا من أن ينقلب عليك وأنت في عطلة خارج البلاد، أو يسرق منك أضواء تراها من حقك أنت فقط، أو يشاركك سلطة تؤمن أنت أنها لمبارك الأول والثاني والثالث والأسرة الشريفة وهي محرمة على أي مصري آخر.
أو ربما، وهو الأرجح، اعداد مبارك الثاني منذ عقدين من الزمان ولم يكن هذا يستقيم مع وجود نائب يحمل رسميا صفة الرجل الثاني على الرغم من أن كل من حولك أصفار متراصة مهمتها خدمتك، وحمايتك، وتنفيذ تعاليمك، وتصنيع العبودية في القصر.
أو ربما لأنك تحتقر المصريين، وتزدريهم، وتكاد تبصق على أوجاعهم، وتنتشي بعذاباتهم، وترى علاقتك بهم لا تخرج عن سيد وعبيد، فكيف تصل الوقاحة بمواطن مصري ولو كان عقله أكاديمية متحركة أن يقف بجانبك، وتطلق عليه الصحافة الرجل الثاني، ويتولى شؤون الدولة في غيابك؟
والصفر كان هناك .. في مجلس الشعب الذي وصل معظم أعضائه إلى تمثيل مواطنيك بعد انتخابات هزلية كانت الدولة تعد صناديق الاقتراع، وتذل من تشاء، وتعز من تشاء، وتتولى بمعرفتك التزوير والتزييف وايصال رجال الحزب الوطني إلى السلطة التشريعية.
واكتظت مقاعد الحرم الديمقراطي بنواب الكيف، ونواب التأشيرات، ونواب العملة، ونواب الخدمات، لكنهم كانوا يستطيعون في نومهم ويقظتهم أن يصفقوا حتى تتورم أكفهم، وكان كبيرهم معصوما من الخطأ، فيجددون له أربع عشرة دورة فلا يدري المرء إن كانوا يريدونه لحمايتهم، أم هو مفروض عليهم لحمايتك!
والصفر كان هناك .. عندما خانتك شجاعتك ولم تستطع الوقوف متحديا أي مصري يريد أن يرشح نفسه بديلا عنك، ومنافسا لك، ومقدما برنامجا اصلاحيا، فاعتبرت الترشيح والانتخابات والمنافسة هزيمة لك لو منح الاعلام والأمن والسلطة والقضاء لمواطن آخر الفرصة نفسها وأغلب الظن، الذي بعضه إثم، أن منافسة حرة ونزيهة يتساوى فيها المرشحون كانت ستحملك في نهايتها بعيدا .. بعيدا عن قصر عابدين وقصر العروبة ومنتجع شرم الشيخ واستراحة برج العرب!
أم تظنك، سيدي الرئيس، كنت قادرا، مثلا، على منافسة الدكتور سعيد النجار، رحمه الله، لو اختار ترشيح نفسه؟
أكاد أراك ترهف السمع لأنك لم تنتبه جيدا للاسم!
الدكتور سعيد النجار هو صاحب كتاب ( تجديد الفكر السياسي والاقتصادي في مصر )، وهو الرجل الذي قال لابنك الرئيس القادم جمال مبارك: إذا كان والدك جادا حقا في الاصلاح فليسمح بوجود أكثر من مرشح أمامه، وهو الرجل الموسوعة الذي أرسل إليك خطابا مفتوحا عام 1995 يبسط لك فيه رؤيته الحرة والمتقدمة والعبقرية لكل قضايا مصر من حقوق الأفراد وواجباتهم إلى النظام الضريبي، ومن الضمان الاجتماعي إلى مبدأ تغيير الدستور.
قضيتنا معك، سيدي الرئيس، أنك، كما قال المرحوم الدكتور سعيد النجار، لم تعرف قيمة مصر.
كانت أكبر منك بكثير عندما توليت الحكم بعد رحيل الرئيس المؤمن، ولم تستوعب الصدمة الهائلة فهي ليست قرية نائية في الصعيد، أو قبيلة في العريش، أو حارة في الشرابية، أو أو حتى بلدا مجهريا في القرن الأفريقي، لكنها أم الدنيا التي لو سقط اسمها سهوا أو عمدا من كتاب تاريخ في أي بقعة في العالم لفقد الكتاب قيمته.
كنت تستطيع أن تصنع قوة ضاربة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعلميا، لو استعنت بما تضخه هذه الأرض الطيبة من علماء وأدباء وفلاسفة وسياسيين محترفين وإداريين وعباقرة مخلصين وشرفاء وعاشقين لوطنهم، لكنك من هول الصدمة اخترت الطريق الأسهل وهو اقامة سياج حولك من المنافقين والأفاقين والجهلة واللصوص، فقمت بتوزيعهم بالمساواة على معظم أجهزة الدولة ووزاراتها.
والصفر كان هناك .. عندما ظللنا أكثر من عقدين من الزمان ننتظر حديثا عفويا مرتجلا على لسان رئيسنا وقائدنا وزعيمنا نتأكد من خلاله أن مصر العظيمة بين يدي رجل مثقف يحيط بالفلسفة، ويتبحر في الآداب، ويقرأ الشعر، ويحفظ المعلقات، ويعرف تاريخ آداب العرب، ويستمتع بأدب الرحلات، ويقرأ لأدباء مصر والعرب والعالم، ويتأثر بالموسيقى الكلاسيك، ويعرف بصمات المخرجين الكبار على الشاشة الكبيرة، ولا يخطيء في اختيار المبدعين في كل المجالات، ويفهم في مباديء الفلك واعجاز القرآن الكريم، ويفتخر بتاريخ أقباطنا.. شركاء الوطن ...
لو كنت هذا الرجل الذي ننتظره لنفرت من الفساد، وكرهت المحسوبية والوساطة، وبكيت على عذابات شعبك، واحترمت وعدك بأن تكون خادما مخلصا له، وربما صنعت في أعوام حكمك معجزة حتى لو لم تكن لك صلة قربى بمهاتير محمد أو نيلسون مانديلا.
أدلف متسللا إلى غرفتي أحيانا، وأشعر بحنين جارف إلى نحيب وبكاء ودموع تطهر نفسي من رجس الاساءة ظنا ورجما بالغيب في عبقريتك وانجازاتك واخلاصك ونزاهتك، وأتمنى أن أكون مخطئا، ولكن شريطا واضحة فيه كل مشاهد الوطن الحزين في عهدك يمر مسرعا أمام عيني، ويوقظني عنوة من حماقة حسن الظن ليؤكد لي بأنك قمت، عن سبق اصرار وتعمد، بمحاولات اغتيال وطن بعدما أسات استخدام سلطتك كخادم أمين للشعب، وموظف كبير يحصل على أجره من أموال أهلنا، فقلبت عاليه سافله، وتأخرت مصر في عهدك، وتراجعت عدة عقود، واستطعت برجالك الدخول إلى المنطقة المحرمة على أي سلطة، داخلية أو خارجية، عندما عبثت بنفوس المصريين فصعدت إلى السطح سلوكيات لا أخلاقية لم تعرفها مصر في أي عهد أو زمن أو هزيمة.
وكان الصفر هناك .. حيث التمايز الطبقي، وصناعة ثقافة الفهلوة، وترتيب أولويات جديدة في سلم المجتمع، فتراجعت الطبقة الوسطى مفسحة المجال لحلم راود لصوص الميناء ( لعلك تتذكره في فيلم الصعاليك لداود عبد السيد عام 1984 )، وانحسر دور المثقفين والأكاديميين والعلماء وأساتذة الجامعات والمفكرين ليحل محلهم حيتان مارينيون يعرفون من أن تؤكل الكتف، ويقيمون امبراطوريتهم الممتدة من القرى السياحية حيث يتم الاعفاء الضريبي في مشروعات خدمية تتسرب منها أموال الوطن إلى الخارج، مرورا بأباطرة الأغذية الفاسدة الذين يصغر أمامهم الآن توفيق عبد الحي صاحب صفقة الدجاج الفاسد ( آخر ضرباتهم الموجعة للمواطن كانت أسماكا فاسدة تكفي لأكثر من مليوني شخص، وتم حفظها دون إعدامها توطئة لدخولها إلى الوطن الحزين ومن ثم إلى أمعاء المصريين)، وكبر حيتانك، وتضخم جشعهم، وبرزت أسنانهم القرْشية فأصبح الواحد منهم يخجل من سرقة عشرة ملايين أو نهب ثلاثين مليونا أو الهروب من مصر بخمسين مليونا فقط، فمغارة علي بابا لا تزال تتلقى مليارات من الخارج ، والضوء الأخضر يشاهده الأعمى، ومن لم يهبر هبرته الكبرى الآن فربما لن يتمكن منها في المستقبل!
والصفر كان هناك .. في أكبر عملية تدمير لوجه مصر الجميل في المعمار والفنون والأبنية والمنازل، فشهد عهدك فوضى عجيبة، وذوقا منحطا يفضل أصحابه القبح على الجمال، وطاردت أعين المصريين مبان وعمارات وأبراج وجراجات تختلط فيها بهرجة الألوان، وتختفي خلفها مواد بناء فاسدة، وغابت الدولة عن بسط سيطرتها بقوانين ملزمة يضعها مختصون ومعماريون وفنانون وأكاديميون تستعين هم السلطة حتى لا يتحول المشهد البنائي لأرض الكنانة إلى سمك لبن تمر هندي.
والصفر كان هناك .. عندما أصبح انتظار حكم العدالة كابوسا مفزعا، وتكدست في محاكم الدولة ثلاثة ملايين قضية، وعجزت عبقريتك عن ايجاد بديل في نظام قضائي سهل وعادل وسريع تخطط له إدارة ناجحة، ويدخل فيه عصر التكنولوجيا، ويستعين القاضي والمستشارون بالكمبيوتر والانترنيت وتخزين معلومات وقضايا مشابهة ، والاستعانة ببرامج البحث في ملايين القضايا المصرية والعربية والعالمية ، وربط أجهزة البحث بالشرطة وأمن الدولة والتعاون مع آلاف من رجال القانون عن طريق الانترنيت والربط المباشر، والاستعانة بأجهزة البحث الأخرى عن الجريمة والاحصاء والعناوين والتسجيلات والجوازات والمطار والسجون والسجلات المدنية وأسماء أصحاب العقارات في مصر كلها والرقم القومي وغيرها ..
كنت تستطيع أن تحقق العدل أو جزءا كبيرا منه لو استوعبت، سيدي الرئيس، أهمية الادارة الحديثة القائمة على أصول علمية متقدمة، وربما جنبت رعاياك أقصى درجات الامتهان والظلم والغبن وهضم الحقوق وضياع الممتلكات والتيه في ردهات المحاكم.
لو همس أحد مستشاريك المخلصين في أذنك مرة واحدة وشرح لك أهمية تحقيق العدل في نظام المحاكم فربما كان وجه مصر كله قد تغير، ولكن من قال بأنك تريد فعلا رفع الظلم عن المواطن؟
ألست أنت وحدك المسؤول الأول والأخير عما لحق بالوطن في ولاياتك الأربع؟
مئات الالاف من المصريين ينتظرون كلمة العدالة في قضايا مؤجلة أو تنتظر دورها أو غير مكتملة الأركان، والقضاة والمستشارون يعملون في ظروف بعيدة تماما عن أهمية المعلومات والشفافية والتعاون بين أجهزة الدولة وتضيع الحقوق، ويقع ظلم جديد على مواطنيك فضلا عن ظلمك أنت لهم.
والصفر كان هناك .. عندما لم تعرف، سيدي الرئيس، أن بناء الدولة الحديثة المكتملة الأركان، والباحثة عن مكان بين الأمم المتمدنة يبدأ من تصفية واعدام والغاء وحذف كل القوانين والمواد المتخلفة والحمقاء التي وَرَّثّهَا جيلٌُ لجيلٍ واستبقها الزمنُ فتخلّفت عنه عقودا طويلة ، ولم تناسب إلا الموظف الموميائي القاسي والذي ينتشي بالغلظة، ويتلذذ بتعذيب المواطنين، ويطالب الأرملة أن تعود بعد أسبوع، ويطلب من الأمي أن يوَقّع، ويمرر الطلب على كل موظفي الادارة فيجمع توقيعات كأنها انتخابات المجلس المحلي، ويفتح نافذة للرشوة حتى يجنب المواطن عذاب الانتظار.
ستظل مصر تتراجع ما لم يجلس في قصرها زعيم يعرف قيمتها وقدرها، ويبدأ من القاء كل القوانين والمواد التي تكرس الظلم والتأخر والتراجع في مزبلة التاريخ، ويستبدل بها أكثر القوانين تقدمية وتمدنا وعدالة مستعينا لها من الشرق والغرب ومنظمات حقوق الانسان وروح الاسلام وخبرات رجال القانون المصريين والعرب، وفتح باب الاجتهاد الفكري النابع من التربة المصرية ومشاكلها وقضاياها وهمومها لوضع قوانين جديدة وملزمة.
والصفر كان هناك .. عندما اخترق الكبرياء أسرتك، وتعامل كل منها مع مصر العظيمة على أنها ملكية خاصة أورثتهم إياها بأرضها وسمائها وترابها وعبيدها، فأن يصبح علاء مبارك مليارديرا وسط ملايين من المصريين الذين لا يجدون طعام العشاء، وأن يَضْحَى جمال مبارك رئيسا فعليا يستمد سلطته من الأب ويصغر بجانبه المصريون، فيأمر وينهى ويعين من يشاء ويضع سياسة الدولة ويخطط لمستقبلها، وأن تَمْسَى سيدةُ مصر الأولي رأسا ثانيا للدولة فتحكم دون وظيفة، وتنفق من ميزانية غير محددة، وتتحكم في اختيارات هي من حق رئيس الدولة، ولا ينتقص التوزع هذا من سلطتك المطلقة، فنحن هنا أمام حالة استرقاق لشعب لا يقرها دين او عرف أو كرامة أو عدالة.
والصفر كان هناك .. عندما أصبحت علاقتك بالأجهزة الأمنية غير صحية بالمرة، فأنت، سيدي الرئيس، لم تفهم أن المخابرات العامة ومباحث أمن الدولة والمخابرات العسكرية كلها تعمل في خدمة شعب مصر وحمايته والحفاظ على مكتسباته، وأن رجالها عاهدوا الله وأنفسهم على أن يكون مواطنين وطنيين قبل أن تلتقطهم أنت ليصبحوا حراسا لنظامك، ويغمضوا أعينهم على تجاوزات أسرتك ورجالك، ويشاهدوا بأم أعينهم تزوير الانتخابات وتزييف النتائج، في المحليات والبلديات ومجلس الشعب وغيره.
كان بامكانك، لو كنت تملك ذرة اخلاص لمصر ورعاياك، أن تبعد أجهزتنا الوطنية الأمنية التي نفتخر بها، ونحتمي برجالها، ونأمن على مستقبلنا في وجودها، ومنها نبصر بصيص أمل قد يشرق يوما على أولادنا وأحفادنا، لكنك رفضت أن تشاركك السلطة، وأن تكشف عورات رجالك، وأن تفضح تجاوزات المحيطين بك.
لذا قمت بتصغيرها، أعني حاولت تقزيمها، وتعمدت اهانتها وكان آخرها عندما رفض قاتل المصريين والفلسطينيين الارهابي آرييل شارون استقبال رئيس الاستخبارات المصرية عمر سليمان، ولو أمرت بانشاء وزارة أو إدارة خاصة بشؤون السلام، مثلا، وجعلت موظفا كبيرا بها مسؤولا عن الوساطة التي تقوم بها بين الفلسطينيين والاسرائيليين لما أحزنتنا في الاهانات الموجهة لرئيس المخابرات المصرية، فهو في أعيننا يمثل النقاء والطهارة والوطنية ( لا أعني شخصا معينا ولكن أي رئيس استخبارات مصرية ).
نفس الأمر ينسحب على مباحث أمن الدولة بتاريخها المشرف ( رغم بعض التجاوزات المتفرقة )، ورفضت بإباء وكبرياء واستعلاء وفوقية أن تجعل رجالها في خدمة الوطن فقط، وتستعين بهم لاعداد ملفات كل رجالك، وتجعلهم فوق أسرتك وحرمك وابنيك، فيضعون أمامك ملفات الفساد والرشوة والمحسوبية ونهب أموال المصريين والتهرب من الضرائب والاتصالات المشبوهة مع قوى خارجية والاستيراد اللامشروع والأرباح المخيفة لحيتان عهدك.
لو تخليت عن كبريائك ساعة أو بعض الساعة واجتمعت بهؤلاء الرجال الوطنيين ، وطلبت من لواءات مباحث أمن الدولة والمخابرات ملفات كاملة لكل من يحيط بك، ويستخدم سلطتك، لما نهب وزير المالية قبل الأسبق أموال شعبك، ولما توسع الفساد في وزارة الزراعة والري، ولما استطاع كبار اللصوص تهريب عشرات المليارات من أموال وخيرات شعبنا.
لو استعنت بهم لعرفت ثروة ابنك علاء، وسلطة جمال، وسطوة والدتهما، وعن ماسبيرو، والفساد في الجهاز المصرفي، وأسماء نواب الكيف، والصناديق التي تم استبدالها في الانتخابات، والاتصالات المشبوهة لرجالك، ورأي الشعب فيك وغضب المصريين عليك، ولعرفت أن شعبيتك أدنى من صفر المونديال، وأن احتفاظك سنوات طويلة بصفوت الشريف ويوسف والي وكمال الشاذلي وفتحي سرور وممدوح البلتاجي ومحمد فهيم الريان ومحيي الدين غريب والجوسقي وغيرهم ممن انتهت سطوته أو لا يزال يلعب في الوقت الضائع كان إثما وحوبا كبيرا.
نحن نشعر بغيرة شديدة على أجهزتنا الأمنية الوطنية، ونعتبرها ملكا لنا وليست في خدمتك، وأنت زائل وهم باقون بإذن الله، وإذا كنت تشعر بنشوة عندما تركل اللواءات الأكثر اخلاصا بينهم والأعمق خبرة بعدما عصروا أعمارهم في خدمة مصرنا، ثم تلقي بهم في أفواه رجال الأعمال والاستثمارات كمستشارين قانونيين في مقابل صمتهم وابتعادهم عن هموم الوطن فلن يغفر لك التاريخ هذا التجاوز.
نريد أن نرى وزير الدفاع خارجا من ثكنة عسكرية أو متفحصا سلاحا صنعه مصريون أو متناولا الطعام في كانتين أحد المعسكرات، ولا يهمنا أن يحضر حفلا غنائيا، ويجلس ساعات طويلة يستمع لأغنيات مديح زائف عن القائد الأعلى للقوات المسلحة.
والصفر كان هناك .. عندما فقدت مصر دورها الريادي، وأصبحت اهانة رئيس الجمهورية أمرا طبيعيا، حتى الملك عبد الله بن الحسين المحسوب على القوى الغربية قطع زيارته لأمريكا حفاظا على كرامته، أما أنت فبقيت هناك أصغر من مصر العظيمة بكثير، واستمعت إلى شارون وهو يهدد ويتوعد، وتعمد سيد البيت الأبيض أن يسقط حق العودة عن الفلسطينيين وأنت هناك، تماما كما عرض السادات زيارة القدس أمام أبي عمار.
والصفر كان هناك .. عندما أصبح المصريون ملطشة لتجار الموت غرقا وهم يهربون من جنتك الموعودة إلى أي مكان ولو كان سجنا على الشاطيء في مالطا أو في جوف كفيل جشع في الخليج، أو في الجماهيرية العظيمة البائسة، أو في نعوش عائدة بهم بعد قتلهم، أو في قاع البحر لتلتهمهم الأسماك، فأي جحيم هو أفضل من جنتك.
والصفر كان هناك .. عندما فقد أحبابنا .. شركاء الوطن من الأقباط الثقة بعدالة الوطن، وأفسحت الدولة المجال للمعاقين ذهنيا بتعليم المسلمين تعاليم دينهم تميزا واستعلاء على الآخرين، واستمر دور الأقباط هامشيا، ومنعهم ظلمك من حقوقهم الكاملة كمواطنين لهم في الوطن مثلما للمسلمين لا ينقص منه شيء، فهم ليسوا في مناصب عليا أو وزارات سيادية أو قيادات اعلامية أو محافظين أو قادة ميدانيين في الجيش أو لواءات في الأجهزة الأمنية أو طلاب في جامعة الأزهر، فأنت تصنع الفتنة الطائفية ثم يبكي اعلامك عليها.
والصفر كان هناك .. في أكثر الأماكن فسادا ( بعد جمرك الاسكندرية ) أعني ماسبيرو حيث تم تجييش حمقى ومتخلفين وبلهاء وتمت صناعة الاستحمار الاعلامي خشية الوعي المتجدد لدى الشعب، وقامت القيادات الاعلامية الفاسدة باستبعاد الأحرار والمستقلين وأصحاب الكفاءات والشرفاء ( وآخرهم حمدي قنديل الذي لا تسمح سفارة واشنطون به في اعلامك )، وبعدما تم تدمير الصرح الاعلامي وتدجين قيادييه، واغتيال اللغة العربية، وقتل الابداع، وقام صفوت الشريف بالمهمة كما يريدها زعيمه وسيده، جاء ممدوح البلتاجي من عالم السياحة وثقافة التسول والفشل الذي حققه في مقابل نجاح جزر صغيرة غير مرئية وبلاد فقيرة في جذب ملايين السائحين، وسيكمل المهمة في الاعلام المصري، وسيخرج كمال الشاذلي لسانه لخصومه، وسيتحكم صفوت الشريف في طلبات انشاء أحزاب جديدة.
والصفر كان هناك .. مع توريث العرش رغم أنوفنا، واستمرار عهد زادت فيه الأمية، وأكلت الأمراض أجساد المصريين، وعاثت البلهارسيا في أكباد عدة ملايين من مواطنيك، وأصبح سعر الدواء قاصما لظهر أي أسرة متوسطة الحال، وتحول الأزهر الشريف إلى محاكم تفتيش في بطون الكتب القديمة والجديدة، ورفضت تغيير الدستور بما يتناسب مع العصر، ولم تتخل عن ذرة واحدة من سلطاتك حتى تشكيل الحكومة تعمدت اهانة رئيس الوزراء الجديد حين أوحيت للاعلام بنشر احتفاظك بحق تعيين وزراء الدفاع والخارجية والداخلية حتى أن الدكتور ممدوح البلتاجي قال بأن رئيس الجمهورية كلف رئيس الوزراء باختياره وزيرا للاعلام.. إنهم يعرفون أدوارهم، فكلهم خدم تحت قدميك، ويطيعون أسرتك، ويهيئون أنفسهم للرئيس الشاب القادم.الآن هل تعرف، سيدي الرئيس، لماذا سمعت ضجة خلف باب غرفتك في المستشفى في ميونيخ؟ كان هناك سبعون مليونا هم كل رعاياك( إلا قليلا) يقفون خلف عزرائيل، ويطلبون منه الدخول عليك، فقد انتظروا كثيرا، لذا لا تصدقنا عندما نقول لك كذبا وخوفا ورعبا:حمدا لله على سلامتك فنحن جبناء، وهنيئا لمبارك الثاني في استعبادنا أو استحمارنا ربع قرن جديد!
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
كان ملك الموت يقترب منك حتى يلامسك، ثم يبتعد خطوتين وبعدها يعود ليطرق بابك.
وكانت قلوب الملايين من أبناء شعبك معه، تشجعه، وتشد من أزره، وتدعوه لحسم الأمر فهم ينتظرون على جمرات كأنهن قطع من الجحيم.
كانت مصر كلها، تقريبا، تنتظر بيانا صادرا من السماء إلى الأرض ينهي عذاب ثلاثة وعشرين عاما من عمر وطن انصهرت فيه أوطان، وذابت في جوانبه حضارات، وتتلمذ على يديه تاريخ العالم، وصنعته عبقرية الجغرافيا، واحتضنه النيل الأسمر وهو يروي عطش الأرض الطيبة، ثم وافيا بوعده الذي قطعه منذ اللازمن، بأنه واهب الحياة للمصريين حتى لو حاول الطغاة نزعها منهم.
سيدي الرئيس ..
هل صدقت ما نقلوه لك بأن الملايين من أبناء شعبك يبتهلون للعلي القدير أن يعيدك إلى قصرك، ويكمل بك معجزة الانجازات في ولاية خامسة تمتد حتى يبلغ عمرك المديد ثلاثة وثمانين عاما؟
هل صدقت أن مصر لا تنام، وأن أهلنا سيصبحون يتامى بدونك، وأن أرض الكنانة بعدك صكت وجهها وقالت عجوز عقيم، والحقيقة أننا لا ندري أشر أريد بمن في مصر أم أراد بهم رهم خيرا؟
هل صدقت عندما قصوا على مسامعك من أنباء أنهار من الدموع أغرورقت بها عيون مواطنيك الذين قضيت سنوات حكمك كلها تحافظ على كرامتهم وخيراتهم وأموالهم ورزقهم وعملهم وحريتهم واستقلالهم حتى باتوا لا يستطيعون تصور مشهد مصر بعد رحيلك؟
هل صدقت اللافتات التي ملأت كل شوارع مصر تحمد الله على عودتك سالما، وتستعد لتكملة الحلم المصري الجميل الذي صنعته في ثلاثة وعشرين عاما فجعلت أبناء وطنك يتصالحون مع الزمن، وتغدق عليهم خيرات وطنهم من سمنها وعسلها ولبنها بفضل عبقرية حكمك التي جعلت كل أيام رعاياك أعيادا؟
سيدي الرئيس.. إن كنت قد صدقت كلمة واحدة مما سمعته أذناك فقد أحكم لك المنافقون والأفاقون العقدة التي لا حل لها، فمصر كلها، شعبا وأرضا وبحرا ونهرا وسماء، كانت تبتهل للواحد القهار أن يستدعيك على عجل، وأن ينتهي زمن حزين يائس مكفهر مغبر كأنه سقط سهوا من جهنم بقيظها وجمرها وصراخ من فيها وأنين من يقترب منها.
كم وددت، سيدي الرئيس، أن استمع إليك وأنت على فراش أبيض في المدينة الألمانية الجميلة تتضرع إلى خالقك، وتدعوه أن يمن عليك بالشفاء لعلك تستطيع فيما بقي لك من عمر أن تعتذر لشعبك، وتطلب الصفح من رعاياك، وتصارحهم بأنك آذيتهم كثيرا، وتركت أمانة الوطن في أيدي لصوص وحيتان وذئاب مفترسة، واخترت من مواطنيك الأكثر فشلا وسوءا لتقبض بأصابعهم على رقاب أبنائك المصريين.
هل يمكن أن تكون هناك لحظة صدق في حياتك تصفو بها نفسك، وتسمو بها روحك، ويستيقظ معها ضميرك، لتكتشف أنك كنت تعرف تفاصيل مئات الحالات من التعذيب والاهانة والاذلال والقهر واغتصاب الرجال وتعليقهم من أرجلهم في سلخانات الشرطة، بل وصل الأمر بأحد ضباط الشرطة أن يسكب الكيروسين على جسد مواطن مسكين، ثم يشعل فيه النار وهو نائم في التخشيبة ليؤكد له أن المواطن حشرة في عهد السيد الرئيس حسني مبارك، وأن الرئيس يعلم بأكثر تفاصيل الجحيم الذي يتعرض له مواطنوه، بل كنت، سيدي الرئيس، تطغى، وتحتقر شعبك، وتتحدى مشاعره عندما أمرت بترقية ثلاثة ضباط شرطة متهمين بتعذيب وقتل بعض مواطنيك.
هل تظن أن أهل وذوي وأقارب وأحباب المعذبين في الأرض، والمهانين بين أيدي رجال أمنك، والمغتصبين الذين كان ضباط شرطة يهددون بعضهم بوضع العصا في فتحة الشرج أمام الأم أو الأب أو الابن امعانا في الاذلال، وهم يعلمون جيدا أن ضوءا أخضر من القصر الجمهوري بعابدين أو قصرك المعمور بالخيرات في شرم الشيخ يمنحهم هذا الحق، كانوا يدعون العزيز الوهاب بعودتك سالما من رحلة الموت والحياة؟
كان الوطن الطيب هو الذي انزلق غضروفه، والتوى ظهره، وانحنت قامته، وأغبر وجهه، وتلوث هواءه، ونهبت مصارفه، وأكل الأمراض جسده، وعبث لصوص عهدك في كل شبر منه.
على الرغم من أنني في كل ليلة طوال خمس عشرة سنة أحلم بلحظة شجاعة نادرة يلهمك إياها القدر، فتقدم استقالتك لأن المهمة أكبر منك، وأن مصر العظيمة الولادة تستطيع أن تخرج من بطنها بدون آلام الطلق عباقرة في كل المجالات يستطيع أي منهم أن يحل محلك، ويأخذ بيد مصر الطاهرة، ويخفف عنها، ويزيل ما علق بها من فساد وبيروقراطية واستبداد وطغيان، وأكتشف أن أحلام اليقظة يمكن أن تتسلل خفية إلى رؤى الليل، ولكن مرة واحدة تعلقت عيناي بالشاشة الصغيرة، وأرهفت السمع لساعات طويلة منتظرا بيانك الشجاع وذلك عندما صدر أكبر قرار إدانة لعهدك الأكثر فسادا منذ قرنين، وجاء القرار من مكان قريب من صناعة القرار المالي في أوروبا .. من زيورخ حيث حصلت مصر على الصفر المونديالي.
خدعوك، سيدي الرئيس، وأنفقوا من أموال أهلنا مئات الملايين، وقالوا لك بأن مصر في عهدك تستطيع أن تفرك مصباح علاء الدين فيخرج مارد يعرفك، ويقنع العالم كله بأن مصر مبارك قادرة على استضافة المونديال قبل عام واحد من انتهاء فترة ولايتك الخامسة مع افتراض أن مبارك الصغير يستطيع أن يصبر على مُلك أعده له والده وزينته له والدته، وجند الحزب الوطني مئة ألف من الشباب الغض والساذج والأحمق استعدادا ليوم يجوبون أرض الكنانة هاتفين بحياة زعيمهم الشاب .. أمل مصر كما سيكتب رؤساء تحرير الصحف القومية في مانشيتاتهم.
حدثني، سيدي الرئيس، عن مشاعرك وأحاسيسك يوم قال الطفل في زيوريخ: الإمبراطور عريان!
لن أحدثك عن جنوب أفريقيا وعبقرية نيلسون مانديلا( رغم أن بلده لا يتمتع بأي أمن، ولن يوفر الأمان لضيوف المونديال)، ولن أسمعك حديثا مطولا عن المغرب الذي نهبه الحسن الثاني، وأفقر ثلثي شعبه، وجعل حلم شبابه الهروب بزوارق الموت لعل شرطة اسبانيا أو قاع البحر تكون أكثر رحمة من نظام سياسي متغطرس وفاشل صنعه أمير المؤمنين طوال أربعين عاما..
لكنني أحدثك عن رجالك المنافقين والكذابين والجبناء الذين صنعتهم لحمايتك، وعبدوك لحماية أنفسهم.
صوت واحد يتيم لم يذهب إلى مصر رغم أن الدكتور علي الدين هلال قام بتذكير أعضاء اللجنة باهتمام الرئيس مبارك، وأوحى إليك رجالك بأن الدنيا كلها ستصوت لمصر من أجلك، ولو كان من حق الجن والملائكة وسكان الكواكب الأخرى أن يصوتوا لما تأخر أحدهم عن منحك صوته.
أراك ربما قد تصببت عرقا، وطلبت فورا مستشاريك لكي يهمسوا في أذنك بكلمات ثناء ومديح، ويقنعونك بأنها مؤامرة ضد دور مصر، وأن صفر المونديال كان يمكن أن يتحول إلى أربعة وعشرين لو تعرف الأعضاء على عبقريتك!
وطال انتظاري لقرارك الشجاع، واعترافك الأشجع بأنك مُنيت بهزيمة نكراء، وأن مصر العظيمة التي كان اسمها يتردد في جنبات كل المؤتمرات الدولية فتكون اشارة البدء على نجاح المؤتمر.
في أشد أوقات المحن العصيبة عندما أصيب الوطن في ستة أيام وست ليال سوداء بدأت صباح الخامس من يونيو عام 1967 بهزيمة ونكسة شَمّتَتْ بنا الغرب والشرق وبعض الأصدقاء، انعقد مؤتمر القمة العربي في الخرطوم، وكانت المفاجأة أن مصر المهزومة حتى النخاع أكبر بكثير مما يتصور خصومها وأعداؤها.
في عهدك الذي لم يشهد حربا أو نفقات اضافية أو ازالة آثار العدوان أو مقاطعة مشروع مثلما فعلت أمريكا في السد العالي كان الخير يتدفق على الشعب الصابر، ويقوم ملايين المصريين في الخارج بتحويل المليارات من العملات الصعبة إلى مصارف مصر، وتنازلت دول الخليج في حرب تحرير الكويت عن ستة وعشرين مليارا من الدولارات، ومنحتنا الادارة الأمريكية دعما سخيا في كل عام في مقابل صمت أو وساطة بين القاتل والقتيل في فلسطين، أو انقاذ اقتصاد الكيان الصهيوني العنصري بمده بالبترول أو بتفريغ بضائعه في حالة الاضراب.. ولم ننس دخل قناة السويس والتصدير والمليارات التي جاءتنا من أوروبا واليابان ودول الخليج وهيئات الدعم الدولية ودخلت مغارة علي بابا، ولم يكن الأربعون حرامي في حاجة لمعرفة كلمة السر: افتح يا سمسم.
لأن سمسم كان مختبئا في نظام أعوج متغطرس يزدري المصريين، ويهدر أموالهم، ويصنع من الجمال قبحا، ومن العلم جهلا، ومن الاعلام اعاقة ذهنية، ومن السياحة تسولا، ومن المخدرات ربع مليون مدمن، ومن البنوك والمصارف مرشدا لكيفية تحويل الفهلوة إلى عمل محترم، والاقتراض بدون ضمانات إلى الخروج من باب كبار الزوار في مطار القاهرة الدولي، فالسمسونايت عليها ضوء أخضر من أعلى .. أعلى مكان فوق المصريين.
وأعود إلى الصفر المونديالي تاركا مغارة علي بابا والأربعين حرامي رغم أن الاثنين توأمان، واستحلفك بأغلى ما عندك، الأسرة أو الصحة أو المال أو السطوة أو السلطة، ألم تخجل من الظهور علانية أمام شعبك بعدما انكشف الغطاء عن سقوط مريع في أسفل درجات سلم الهزائم؟
ماذا، سيدي الرئيس، لو أن نتائج التصويت كانت تحت الصفر، هل كانت مصر مبارك تحصل عليها بجدارة؟
أحسب أنه قد آن الوقت لأن يصارحك أحد قبل مؤتمر الحزب الحاكم وتهيئة فخامة الرئيس جمال مبارك لحكم مصر ربع قرن بعدما تكمل أنت ولايتك الخامسة مع افتراض أنك لن تحتاج للدكتور ماير في مهمة عاجلة بأن الصفر في الواقع كان هناك.. أمام عينيك.. وفوق مكتبك وفي كل يوم وساعة ولحظة من فترة حكمك.
هل تريد أن أُذَكّرك به، أعني الصفر؟
كان بامكانك أن تراه في عيون ملايين المصريين الذين أذلهم الغلاء، وأقض مضاجعهم الفقر، وأرهقهم الدعاء سنوات طويلة أن يخلصهم الله، عز شأنه، من سارقي أموالهم، وناهبي خيراتهم والذين تكاثروا كالبعوض في عهدك وكأن عقدا ملزما قد وقعته ضمائرهم الميتة مع إدارة حكمك، وصمتك، ورضائك بأن من يتردد في الدخول إلى المغارة الآن فقد لا تتاح له فرصة أخرى إن حكم مصر وطني عاشق لها، خائف عليها، مغرم بكل شبر فيها، يحافظ على أموالها كما يحافظ على شــرفه وحرمـاته ورزق أولاده.
وكان الصفر هناك في إدارة فاشلة متعاقدة مع شبكة اخطبوطية تمد أذرعها في كل مكان، فلا يستطيع مصري واحد أن يستخرج ورقة أو شهادة أو استمارة أو يوقع عقدا أو ينهي اجراءات قانونية أو يتسلم حقه دون أن تضربه على قفاه سبعون اهانة في سبعين توقيعا لسبعين موظفا إلا أن يقدم رشوة قد تحسب عليه في الآخرة وله في عهدك.
وفشلت في استحداث الادارة السليمة في أهم مرافق الدولة، خاصة الشهر العقاري ومجمع التحرير والجمارك والضرائب والبريد والتصدير والاستيراد وحماية المستهلك، فكان شلل الوطن جزءا من اغتياله الكلي الذي بدأ في عهدك ولم ينته بعد.
وكان الصفر في الفن السابع عندما أخذ رجالك معول الهدم لروائع السينما والاخراج، وصنعوا بديلا عنه عالم اللمبي، وسقوط واحدة من أهم سبل تبصير المجتمع بقضاياه، واعادة الوعي لفاقديه، وتوسعة رقعة الجمال والخير والحب، وتراجع دور الشاشة الكبيرة ليقدم في كل عام أقل من عشرين فيلما بعد كانت مصر تسابق الزمن في ادراك أهمية هذا الفن.
وكان الصفر في ستة ملايين عاطل عن العمل، تخلت الدولة عنهم أو عجزت عن الاستفادة منهم لكي يمنحوا الوطن جهدا وعرقا وخبرة، وما أشد الألم وأوجعه عندما يشعر المواطن أنه عالة على أسرته وأصدقائه ومجتمعه، وأن ما قام بتحصيله من العلوم والثقافة لا يمنحه شرف العمل حارسا لأمن شركة استثمارية، وتسلل من بين أيدي اليائسين غول قبيح من التطرف الديني أو الهوس الجنسي أو الجريمة المنظمة أو البلطجة الغليظة أو أعمال التسول الخدمية أو بيع ممتلكات الأسرة الفقيرة في مغامرة غير محسوبة على زورق متهالك يقاوم الريح والأمواج من الشواطيء الليبية إلى مالطا أو جنوب ايطاليا أو اليونان وربما يعود بهم إلى مصر ويلقي المساكين أجسادهم المنهكة على شاطيء العجمي ظنا منهم أنهم في فاليتا أو كريت أو رودس أو حتى أيا نابا القبرصية!
وكان الصفر في سجون ومعتقلات مصر التي مر عليها في عهدك أكثر من ربع مليون مواطن، بقي منهم عشرون ألفا أو أقل أو أكثر، لم يُعرَضوا على المحاكم، ولم يرتكبوا جرما لكنهم يحملون أفكارا لا تروق لك، من يساريين وبقايا شيوعيين وعجائز الاخوان المسلمين، ولا مانع من خلطهم بذوي اتجاهات أخرى لعل سبتمبر الساداتي يتكرر مرة أخرى.
والصفر كان هناك .. يلتحف بقانون الطوريء ، ويصنع نظاما سياسيا سلطويا خائفا من شعبه، مسلطا السيف على رقاب الرعية، متعللا بالارهاب تارة وبأنه لم يستخدمه إلا لماما تارة أخرى.
قانون الطواريء إن كان قد تم تفصيله ليُعلّم المصريين آداب السير بجوار الحائط، فهو إدانة لك، سيدي الرئيس، ودليل لا يرقى إليه شك في أنك أكثر خوفا ورعبا من سبعين مليونا، وأن الشرعية الشعبية في (عدلت فأمنت فنمت) حَرَّمَها عليك قانون الطواريء.
والصفر كان هناك .. عندما رفضت تعيين نائب لك، ربما خوفا من أن ينقلب عليك وأنت في عطلة خارج البلاد، أو يسرق منك أضواء تراها من حقك أنت فقط، أو يشاركك سلطة تؤمن أنت أنها لمبارك الأول والثاني والثالث والأسرة الشريفة وهي محرمة على أي مصري آخر.
أو ربما، وهو الأرجح، اعداد مبارك الثاني منذ عقدين من الزمان ولم يكن هذا يستقيم مع وجود نائب يحمل رسميا صفة الرجل الثاني على الرغم من أن كل من حولك أصفار متراصة مهمتها خدمتك، وحمايتك، وتنفيذ تعاليمك، وتصنيع العبودية في القصر.
أو ربما لأنك تحتقر المصريين، وتزدريهم، وتكاد تبصق على أوجاعهم، وتنتشي بعذاباتهم، وترى علاقتك بهم لا تخرج عن سيد وعبيد، فكيف تصل الوقاحة بمواطن مصري ولو كان عقله أكاديمية متحركة أن يقف بجانبك، وتطلق عليه الصحافة الرجل الثاني، ويتولى شؤون الدولة في غيابك؟
والصفر كان هناك .. في مجلس الشعب الذي وصل معظم أعضائه إلى تمثيل مواطنيك بعد انتخابات هزلية كانت الدولة تعد صناديق الاقتراع، وتذل من تشاء، وتعز من تشاء، وتتولى بمعرفتك التزوير والتزييف وايصال رجال الحزب الوطني إلى السلطة التشريعية.
واكتظت مقاعد الحرم الديمقراطي بنواب الكيف، ونواب التأشيرات، ونواب العملة، ونواب الخدمات، لكنهم كانوا يستطيعون في نومهم ويقظتهم أن يصفقوا حتى تتورم أكفهم، وكان كبيرهم معصوما من الخطأ، فيجددون له أربع عشرة دورة فلا يدري المرء إن كانوا يريدونه لحمايتهم، أم هو مفروض عليهم لحمايتك!
والصفر كان هناك .. عندما خانتك شجاعتك ولم تستطع الوقوف متحديا أي مصري يريد أن يرشح نفسه بديلا عنك، ومنافسا لك، ومقدما برنامجا اصلاحيا، فاعتبرت الترشيح والانتخابات والمنافسة هزيمة لك لو منح الاعلام والأمن والسلطة والقضاء لمواطن آخر الفرصة نفسها وأغلب الظن، الذي بعضه إثم، أن منافسة حرة ونزيهة يتساوى فيها المرشحون كانت ستحملك في نهايتها بعيدا .. بعيدا عن قصر عابدين وقصر العروبة ومنتجع شرم الشيخ واستراحة برج العرب!
أم تظنك، سيدي الرئيس، كنت قادرا، مثلا، على منافسة الدكتور سعيد النجار، رحمه الله، لو اختار ترشيح نفسه؟
أكاد أراك ترهف السمع لأنك لم تنتبه جيدا للاسم!
الدكتور سعيد النجار هو صاحب كتاب ( تجديد الفكر السياسي والاقتصادي في مصر )، وهو الرجل الذي قال لابنك الرئيس القادم جمال مبارك: إذا كان والدك جادا حقا في الاصلاح فليسمح بوجود أكثر من مرشح أمامه، وهو الرجل الموسوعة الذي أرسل إليك خطابا مفتوحا عام 1995 يبسط لك فيه رؤيته الحرة والمتقدمة والعبقرية لكل قضايا مصر من حقوق الأفراد وواجباتهم إلى النظام الضريبي، ومن الضمان الاجتماعي إلى مبدأ تغيير الدستور.
قضيتنا معك، سيدي الرئيس، أنك، كما قال المرحوم الدكتور سعيد النجار، لم تعرف قيمة مصر.
كانت أكبر منك بكثير عندما توليت الحكم بعد رحيل الرئيس المؤمن، ولم تستوعب الصدمة الهائلة فهي ليست قرية نائية في الصعيد، أو قبيلة في العريش، أو حارة في الشرابية، أو أو حتى بلدا مجهريا في القرن الأفريقي، لكنها أم الدنيا التي لو سقط اسمها سهوا أو عمدا من كتاب تاريخ في أي بقعة في العالم لفقد الكتاب قيمته.
كنت تستطيع أن تصنع قوة ضاربة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعلميا، لو استعنت بما تضخه هذه الأرض الطيبة من علماء وأدباء وفلاسفة وسياسيين محترفين وإداريين وعباقرة مخلصين وشرفاء وعاشقين لوطنهم، لكنك من هول الصدمة اخترت الطريق الأسهل وهو اقامة سياج حولك من المنافقين والأفاقين والجهلة واللصوص، فقمت بتوزيعهم بالمساواة على معظم أجهزة الدولة ووزاراتها.
والصفر كان هناك .. عندما ظللنا أكثر من عقدين من الزمان ننتظر حديثا عفويا مرتجلا على لسان رئيسنا وقائدنا وزعيمنا نتأكد من خلاله أن مصر العظيمة بين يدي رجل مثقف يحيط بالفلسفة، ويتبحر في الآداب، ويقرأ الشعر، ويحفظ المعلقات، ويعرف تاريخ آداب العرب، ويستمتع بأدب الرحلات، ويقرأ لأدباء مصر والعرب والعالم، ويتأثر بالموسيقى الكلاسيك، ويعرف بصمات المخرجين الكبار على الشاشة الكبيرة، ولا يخطيء في اختيار المبدعين في كل المجالات، ويفهم في مباديء الفلك واعجاز القرآن الكريم، ويفتخر بتاريخ أقباطنا.. شركاء الوطن ...
لو كنت هذا الرجل الذي ننتظره لنفرت من الفساد، وكرهت المحسوبية والوساطة، وبكيت على عذابات شعبك، واحترمت وعدك بأن تكون خادما مخلصا له، وربما صنعت في أعوام حكمك معجزة حتى لو لم تكن لك صلة قربى بمهاتير محمد أو نيلسون مانديلا.
أدلف متسللا إلى غرفتي أحيانا، وأشعر بحنين جارف إلى نحيب وبكاء ودموع تطهر نفسي من رجس الاساءة ظنا ورجما بالغيب في عبقريتك وانجازاتك واخلاصك ونزاهتك، وأتمنى أن أكون مخطئا، ولكن شريطا واضحة فيه كل مشاهد الوطن الحزين في عهدك يمر مسرعا أمام عيني، ويوقظني عنوة من حماقة حسن الظن ليؤكد لي بأنك قمت، عن سبق اصرار وتعمد، بمحاولات اغتيال وطن بعدما أسات استخدام سلطتك كخادم أمين للشعب، وموظف كبير يحصل على أجره من أموال أهلنا، فقلبت عاليه سافله، وتأخرت مصر في عهدك، وتراجعت عدة عقود، واستطعت برجالك الدخول إلى المنطقة المحرمة على أي سلطة، داخلية أو خارجية، عندما عبثت بنفوس المصريين فصعدت إلى السطح سلوكيات لا أخلاقية لم تعرفها مصر في أي عهد أو زمن أو هزيمة.
وكان الصفر هناك .. حيث التمايز الطبقي، وصناعة ثقافة الفهلوة، وترتيب أولويات جديدة في سلم المجتمع، فتراجعت الطبقة الوسطى مفسحة المجال لحلم راود لصوص الميناء ( لعلك تتذكره في فيلم الصعاليك لداود عبد السيد عام 1984 )، وانحسر دور المثقفين والأكاديميين والعلماء وأساتذة الجامعات والمفكرين ليحل محلهم حيتان مارينيون يعرفون من أن تؤكل الكتف، ويقيمون امبراطوريتهم الممتدة من القرى السياحية حيث يتم الاعفاء الضريبي في مشروعات خدمية تتسرب منها أموال الوطن إلى الخارج، مرورا بأباطرة الأغذية الفاسدة الذين يصغر أمامهم الآن توفيق عبد الحي صاحب صفقة الدجاج الفاسد ( آخر ضرباتهم الموجعة للمواطن كانت أسماكا فاسدة تكفي لأكثر من مليوني شخص، وتم حفظها دون إعدامها توطئة لدخولها إلى الوطن الحزين ومن ثم إلى أمعاء المصريين)، وكبر حيتانك، وتضخم جشعهم، وبرزت أسنانهم القرْشية فأصبح الواحد منهم يخجل من سرقة عشرة ملايين أو نهب ثلاثين مليونا أو الهروب من مصر بخمسين مليونا فقط، فمغارة علي بابا لا تزال تتلقى مليارات من الخارج ، والضوء الأخضر يشاهده الأعمى، ومن لم يهبر هبرته الكبرى الآن فربما لن يتمكن منها في المستقبل!
والصفر كان هناك .. في أكبر عملية تدمير لوجه مصر الجميل في المعمار والفنون والأبنية والمنازل، فشهد عهدك فوضى عجيبة، وذوقا منحطا يفضل أصحابه القبح على الجمال، وطاردت أعين المصريين مبان وعمارات وأبراج وجراجات تختلط فيها بهرجة الألوان، وتختفي خلفها مواد بناء فاسدة، وغابت الدولة عن بسط سيطرتها بقوانين ملزمة يضعها مختصون ومعماريون وفنانون وأكاديميون تستعين هم السلطة حتى لا يتحول المشهد البنائي لأرض الكنانة إلى سمك لبن تمر هندي.
والصفر كان هناك .. عندما أصبح انتظار حكم العدالة كابوسا مفزعا، وتكدست في محاكم الدولة ثلاثة ملايين قضية، وعجزت عبقريتك عن ايجاد بديل في نظام قضائي سهل وعادل وسريع تخطط له إدارة ناجحة، ويدخل فيه عصر التكنولوجيا، ويستعين القاضي والمستشارون بالكمبيوتر والانترنيت وتخزين معلومات وقضايا مشابهة ، والاستعانة ببرامج البحث في ملايين القضايا المصرية والعربية والعالمية ، وربط أجهزة البحث بالشرطة وأمن الدولة والتعاون مع آلاف من رجال القانون عن طريق الانترنيت والربط المباشر، والاستعانة بأجهزة البحث الأخرى عن الجريمة والاحصاء والعناوين والتسجيلات والجوازات والمطار والسجون والسجلات المدنية وأسماء أصحاب العقارات في مصر كلها والرقم القومي وغيرها ..
كنت تستطيع أن تحقق العدل أو جزءا كبيرا منه لو استوعبت، سيدي الرئيس، أهمية الادارة الحديثة القائمة على أصول علمية متقدمة، وربما جنبت رعاياك أقصى درجات الامتهان والظلم والغبن وهضم الحقوق وضياع الممتلكات والتيه في ردهات المحاكم.
لو همس أحد مستشاريك المخلصين في أذنك مرة واحدة وشرح لك أهمية تحقيق العدل في نظام المحاكم فربما كان وجه مصر كله قد تغير، ولكن من قال بأنك تريد فعلا رفع الظلم عن المواطن؟
ألست أنت وحدك المسؤول الأول والأخير عما لحق بالوطن في ولاياتك الأربع؟
مئات الالاف من المصريين ينتظرون كلمة العدالة في قضايا مؤجلة أو تنتظر دورها أو غير مكتملة الأركان، والقضاة والمستشارون يعملون في ظروف بعيدة تماما عن أهمية المعلومات والشفافية والتعاون بين أجهزة الدولة وتضيع الحقوق، ويقع ظلم جديد على مواطنيك فضلا عن ظلمك أنت لهم.
والصفر كان هناك .. عندما لم تعرف، سيدي الرئيس، أن بناء الدولة الحديثة المكتملة الأركان، والباحثة عن مكان بين الأمم المتمدنة يبدأ من تصفية واعدام والغاء وحذف كل القوانين والمواد المتخلفة والحمقاء التي وَرَّثّهَا جيلٌُ لجيلٍ واستبقها الزمنُ فتخلّفت عنه عقودا طويلة ، ولم تناسب إلا الموظف الموميائي القاسي والذي ينتشي بالغلظة، ويتلذذ بتعذيب المواطنين، ويطالب الأرملة أن تعود بعد أسبوع، ويطلب من الأمي أن يوَقّع، ويمرر الطلب على كل موظفي الادارة فيجمع توقيعات كأنها انتخابات المجلس المحلي، ويفتح نافذة للرشوة حتى يجنب المواطن عذاب الانتظار.
ستظل مصر تتراجع ما لم يجلس في قصرها زعيم يعرف قيمتها وقدرها، ويبدأ من القاء كل القوانين والمواد التي تكرس الظلم والتأخر والتراجع في مزبلة التاريخ، ويستبدل بها أكثر القوانين تقدمية وتمدنا وعدالة مستعينا لها من الشرق والغرب ومنظمات حقوق الانسان وروح الاسلام وخبرات رجال القانون المصريين والعرب، وفتح باب الاجتهاد الفكري النابع من التربة المصرية ومشاكلها وقضاياها وهمومها لوضع قوانين جديدة وملزمة.
والصفر كان هناك .. عندما اخترق الكبرياء أسرتك، وتعامل كل منها مع مصر العظيمة على أنها ملكية خاصة أورثتهم إياها بأرضها وسمائها وترابها وعبيدها، فأن يصبح علاء مبارك مليارديرا وسط ملايين من المصريين الذين لا يجدون طعام العشاء، وأن يَضْحَى جمال مبارك رئيسا فعليا يستمد سلطته من الأب ويصغر بجانبه المصريون، فيأمر وينهى ويعين من يشاء ويضع سياسة الدولة ويخطط لمستقبلها، وأن تَمْسَى سيدةُ مصر الأولي رأسا ثانيا للدولة فتحكم دون وظيفة، وتنفق من ميزانية غير محددة، وتتحكم في اختيارات هي من حق رئيس الدولة، ولا ينتقص التوزع هذا من سلطتك المطلقة، فنحن هنا أمام حالة استرقاق لشعب لا يقرها دين او عرف أو كرامة أو عدالة.
والصفر كان هناك .. عندما أصبحت علاقتك بالأجهزة الأمنية غير صحية بالمرة، فأنت، سيدي الرئيس، لم تفهم أن المخابرات العامة ومباحث أمن الدولة والمخابرات العسكرية كلها تعمل في خدمة شعب مصر وحمايته والحفاظ على مكتسباته، وأن رجالها عاهدوا الله وأنفسهم على أن يكون مواطنين وطنيين قبل أن تلتقطهم أنت ليصبحوا حراسا لنظامك، ويغمضوا أعينهم على تجاوزات أسرتك ورجالك، ويشاهدوا بأم أعينهم تزوير الانتخابات وتزييف النتائج، في المحليات والبلديات ومجلس الشعب وغيره.
كان بامكانك، لو كنت تملك ذرة اخلاص لمصر ورعاياك، أن تبعد أجهزتنا الوطنية الأمنية التي نفتخر بها، ونحتمي برجالها، ونأمن على مستقبلنا في وجودها، ومنها نبصر بصيص أمل قد يشرق يوما على أولادنا وأحفادنا، لكنك رفضت أن تشاركك السلطة، وأن تكشف عورات رجالك، وأن تفضح تجاوزات المحيطين بك.
لذا قمت بتصغيرها، أعني حاولت تقزيمها، وتعمدت اهانتها وكان آخرها عندما رفض قاتل المصريين والفلسطينيين الارهابي آرييل شارون استقبال رئيس الاستخبارات المصرية عمر سليمان، ولو أمرت بانشاء وزارة أو إدارة خاصة بشؤون السلام، مثلا، وجعلت موظفا كبيرا بها مسؤولا عن الوساطة التي تقوم بها بين الفلسطينيين والاسرائيليين لما أحزنتنا في الاهانات الموجهة لرئيس المخابرات المصرية، فهو في أعيننا يمثل النقاء والطهارة والوطنية ( لا أعني شخصا معينا ولكن أي رئيس استخبارات مصرية ).
نفس الأمر ينسحب على مباحث أمن الدولة بتاريخها المشرف ( رغم بعض التجاوزات المتفرقة )، ورفضت بإباء وكبرياء واستعلاء وفوقية أن تجعل رجالها في خدمة الوطن فقط، وتستعين بهم لاعداد ملفات كل رجالك، وتجعلهم فوق أسرتك وحرمك وابنيك، فيضعون أمامك ملفات الفساد والرشوة والمحسوبية ونهب أموال المصريين والتهرب من الضرائب والاتصالات المشبوهة مع قوى خارجية والاستيراد اللامشروع والأرباح المخيفة لحيتان عهدك.
لو تخليت عن كبريائك ساعة أو بعض الساعة واجتمعت بهؤلاء الرجال الوطنيين ، وطلبت من لواءات مباحث أمن الدولة والمخابرات ملفات كاملة لكل من يحيط بك، ويستخدم سلطتك، لما نهب وزير المالية قبل الأسبق أموال شعبك، ولما توسع الفساد في وزارة الزراعة والري، ولما استطاع كبار اللصوص تهريب عشرات المليارات من أموال وخيرات شعبنا.
لو استعنت بهم لعرفت ثروة ابنك علاء، وسلطة جمال، وسطوة والدتهما، وعن ماسبيرو، والفساد في الجهاز المصرفي، وأسماء نواب الكيف، والصناديق التي تم استبدالها في الانتخابات، والاتصالات المشبوهة لرجالك، ورأي الشعب فيك وغضب المصريين عليك، ولعرفت أن شعبيتك أدنى من صفر المونديال، وأن احتفاظك سنوات طويلة بصفوت الشريف ويوسف والي وكمال الشاذلي وفتحي سرور وممدوح البلتاجي ومحمد فهيم الريان ومحيي الدين غريب والجوسقي وغيرهم ممن انتهت سطوته أو لا يزال يلعب في الوقت الضائع كان إثما وحوبا كبيرا.
نحن نشعر بغيرة شديدة على أجهزتنا الأمنية الوطنية، ونعتبرها ملكا لنا وليست في خدمتك، وأنت زائل وهم باقون بإذن الله، وإذا كنت تشعر بنشوة عندما تركل اللواءات الأكثر اخلاصا بينهم والأعمق خبرة بعدما عصروا أعمارهم في خدمة مصرنا، ثم تلقي بهم في أفواه رجال الأعمال والاستثمارات كمستشارين قانونيين في مقابل صمتهم وابتعادهم عن هموم الوطن فلن يغفر لك التاريخ هذا التجاوز.
نريد أن نرى وزير الدفاع خارجا من ثكنة عسكرية أو متفحصا سلاحا صنعه مصريون أو متناولا الطعام في كانتين أحد المعسكرات، ولا يهمنا أن يحضر حفلا غنائيا، ويجلس ساعات طويلة يستمع لأغنيات مديح زائف عن القائد الأعلى للقوات المسلحة.
والصفر كان هناك .. عندما فقدت مصر دورها الريادي، وأصبحت اهانة رئيس الجمهورية أمرا طبيعيا، حتى الملك عبد الله بن الحسين المحسوب على القوى الغربية قطع زيارته لأمريكا حفاظا على كرامته، أما أنت فبقيت هناك أصغر من مصر العظيمة بكثير، واستمعت إلى شارون وهو يهدد ويتوعد، وتعمد سيد البيت الأبيض أن يسقط حق العودة عن الفلسطينيين وأنت هناك، تماما كما عرض السادات زيارة القدس أمام أبي عمار.
والصفر كان هناك .. عندما أصبح المصريون ملطشة لتجار الموت غرقا وهم يهربون من جنتك الموعودة إلى أي مكان ولو كان سجنا على الشاطيء في مالطا أو في جوف كفيل جشع في الخليج، أو في الجماهيرية العظيمة البائسة، أو في نعوش عائدة بهم بعد قتلهم، أو في قاع البحر لتلتهمهم الأسماك، فأي جحيم هو أفضل من جنتك.
والصفر كان هناك .. عندما فقد أحبابنا .. شركاء الوطن من الأقباط الثقة بعدالة الوطن، وأفسحت الدولة المجال للمعاقين ذهنيا بتعليم المسلمين تعاليم دينهم تميزا واستعلاء على الآخرين، واستمر دور الأقباط هامشيا، ومنعهم ظلمك من حقوقهم الكاملة كمواطنين لهم في الوطن مثلما للمسلمين لا ينقص منه شيء، فهم ليسوا في مناصب عليا أو وزارات سيادية أو قيادات اعلامية أو محافظين أو قادة ميدانيين في الجيش أو لواءات في الأجهزة الأمنية أو طلاب في جامعة الأزهر، فأنت تصنع الفتنة الطائفية ثم يبكي اعلامك عليها.
والصفر كان هناك .. في أكثر الأماكن فسادا ( بعد جمرك الاسكندرية ) أعني ماسبيرو حيث تم تجييش حمقى ومتخلفين وبلهاء وتمت صناعة الاستحمار الاعلامي خشية الوعي المتجدد لدى الشعب، وقامت القيادات الاعلامية الفاسدة باستبعاد الأحرار والمستقلين وأصحاب الكفاءات والشرفاء ( وآخرهم حمدي قنديل الذي لا تسمح سفارة واشنطون به في اعلامك )، وبعدما تم تدمير الصرح الاعلامي وتدجين قيادييه، واغتيال اللغة العربية، وقتل الابداع، وقام صفوت الشريف بالمهمة كما يريدها زعيمه وسيده، جاء ممدوح البلتاجي من عالم السياحة وثقافة التسول والفشل الذي حققه في مقابل نجاح جزر صغيرة غير مرئية وبلاد فقيرة في جذب ملايين السائحين، وسيكمل المهمة في الاعلام المصري، وسيخرج كمال الشاذلي لسانه لخصومه، وسيتحكم صفوت الشريف في طلبات انشاء أحزاب جديدة.
والصفر كان هناك .. مع توريث العرش رغم أنوفنا، واستمرار عهد زادت فيه الأمية، وأكلت الأمراض أجساد المصريين، وعاثت البلهارسيا في أكباد عدة ملايين من مواطنيك، وأصبح سعر الدواء قاصما لظهر أي أسرة متوسطة الحال، وتحول الأزهر الشريف إلى محاكم تفتيش في بطون الكتب القديمة والجديدة، ورفضت تغيير الدستور بما يتناسب مع العصر، ولم تتخل عن ذرة واحدة من سلطاتك حتى تشكيل الحكومة تعمدت اهانة رئيس الوزراء الجديد حين أوحيت للاعلام بنشر احتفاظك بحق تعيين وزراء الدفاع والخارجية والداخلية حتى أن الدكتور ممدوح البلتاجي قال بأن رئيس الجمهورية كلف رئيس الوزراء باختياره وزيرا للاعلام.. إنهم يعرفون أدوارهم، فكلهم خدم تحت قدميك، ويطيعون أسرتك، ويهيئون أنفسهم للرئيس الشاب القادم.الآن هل تعرف، سيدي الرئيس، لماذا سمعت ضجة خلف باب غرفتك في المستشفى في ميونيخ؟ كان هناك سبعون مليونا هم كل رعاياك( إلا قليلا) يقفون خلف عزرائيل، ويطلبون منه الدخول عليك، فقد انتظروا كثيرا، لذا لا تصدقنا عندما نقول لك كذبا وخوفا ورعبا:حمدا لله على سلامتك فنحن جبناء، وهنيئا لمبارك الثاني في استعبادنا أو استحمارنا ربع قرن جديد!
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
الأسد وذئابه يفترسون السوريين
انتقالُ وباءِ الشراسةِ مِنْ القصر إلىَ كلابِ الطاغيةِ أسرع من حَصْدِ الكوليرا لأطفال يتضورْون جوعا في بيئة أنظف ما فيها ماء أخضر آسن! ثلاثةٌ تجذبهم رائحةُ الدمِ فيغرزون أنيابـَهم في عُنق الضحية فلا تدري إنْ كان القتلُ افتراساً، أم جوعاً، أو لذةً خفية! دراكيولا وسمك القرش و .. الزعيم السوري! الأول يختفي في الظلام، والثاني يختبيء تحت الماء، والثالث لأنيابه أكتاف تتراقص فوقها نسورٌ وصقورٌ ونجومٌ ، من بينها نجمة داوود، وتؤكد بثينة شعبان أنَّ الضحايا أزعجوا بأحلامهم فخامة الرئيس فتحولتْ إلىَ كوابيس تؤرقه وهو يُخطط لتحرير الجولان بعد نصف قرن من الآن! ضباط أجهزة الأمن السورية متورطون في المجازر لأربعة عقود، وسجونهم تـَبَرَّأ منها إبليس لأنه أرحم منهم جميعا، ولو تولـَّىَ بنفسه إدارة أحد المعتقلات بدلا من كلاب القصر، لشكر السجناءُ ربَهم على رحمته، فالشيطان ملاكُ رحمةٍ مقارنة بجبابرة التعذيب في السجون السورية. يقفز السجينُ البريءُ كالقرد فهو يريد تفريغَ ما في بطنه، فيسمح له الحارسُ الساديُّ بدقيقتين ونصف في المرحاض، ويطرق البابَ خلالها بعنف، ثم يأخذه عنوةً إلى الزنزانةِ قبل أنْ يـُكمل قضاءَ حاجته، فلذةُ اهانة السجناء كالشبق لهؤلاء الذئاب. طرقُ التعذيب السورية لا مثيل لها في العالم، فالدولاب والشبح والعبد الأزرق وبساط الريح والكرسي الألماني ثم الاضافات الجديدة له حتى يصبح كرسياً سورياً يليق بمقام الأسد .. مَلـِكِ الغابة أشياء تجبر الطغاةَ العرب الآخرين على الاعتراف بأن الاسم الحقيقي للجحيم هو أيُّ سجن سوري يتنافس فيه ضباطُ الاستخبارات والأمن علىَ جسد المواطن فيجعلونه يرى الموتَ رفاهية، وتهشيمَ عِظامه مكرمة يتفضل بها عليه ذئابُ الرئيس. بعدما ينتهي ضابطُ الأمن من يوم ثقيل جعل سجينه السوري يلعن يوم ولدته أمه، يستلقي على مقعده، ويحلم باتصال يأتيه من الموساد لتقديم الشكر، وعرض التعاون حتى لو لم يقابل اسرائيلياً واحداً، فأجهزة حماية بشار الأسد هي خط الدفاع الصهيوني عن أرض اسرائيل الكبرى حتى لو أنكرت تشرين والبعث والثورة في مانشيتات صفحاتها اليومية أي صلة تربط تلامذة عفلق بروح إيلي كوهين. شكراً لكلاب الرئيس السوري لأنها علـَّمَت أولادَنا أسماءَ مدنٍ أهملتها خرائطُ المدارس العربية، والآن حفظوا عن ظهر قلب درعا، وإدلب وبانياس و ...، وستكون مزارات سياحية مثل سيدي بوزيد التونسية وميدان التحرير القاهري وساحة التغيير اليمنية! بقدر عمق الخوف الذي تجذَّر في صدور السوريين، خرجت الشجاعة في حمص واللاذقية ودمشق، لكنها كانت أقل في (حماة) خشية أن تُذيع وسائل إعلام الأسد أن المنفيين في (آخن) الألمانية عادوا لينتقموا من ذيول سرايا الدفاع التي أبادت المدينة .. حصن الإخوان المسلمين في أوائل الثمانينيات! أتخيل الأسدَ الشبل يجلس باكياً في القصر، وتستدعي ذاكرتُه روحَ الوالد لتشُدَّ من أزرِه، وتُعَلِّمه أنَّ الرصاصَ الحيَّ الذي يخترق أجسادَ المنتفضين الأبطال سيحمى البعثَ إلىَ يومِ البعثِ، وأن بَشّاراً وبُشرىَ وأسماءَ وماهرَ ,و.. سيحكُمون سوريةَ ولو علىَ قُبور كل أفراد الشعب. القائمةُ السوداءُ لضباط الأمن والتعذيب والقهر والقمع ستكون أطولَ قائمةٍ لكلابِ القصر في أيِّ بلدٍ عربي حـَكَمَه طاغيةٌ، فهناك سوريون منسيّون في أقبية تحت الأرض، وهناك آلافٌ قضَوا ولم يكلف معذِّبوهم أنفسَهم إبلاغَ عائلاتِهم وذويهم، فدَفَنوهم في عجالة كأنهم خائفون أنْ تعود الروحُ مرة أخرى. البيانات التي تًصْدرها النقابات والهيئات الرسمية والاتحادات وغيرها فيها كَمٌّ هائل من المذلة والخنوع، أما مقدمو البرامج، وقارئو نشرات الأخبار فأسلوب في المهانة على حِدَةِ. الشفاة ترتعش، الوجه يفقد رونـَقَه، الدماءُ تهرب من العروق، اللون الأصفر يغطي البَشْرَةَ والشاشةَ الصغيرة، الغباءُ سيّدُ المنطق، الكذبُ يُخرج لسانـَه للمستمعين والمشاهدين، التقاريرُ حِزْمَةٌ من التلفيقات. كانت الفرصة أمام بشار الأسد في العامين الأوليّن لحُكمه كزهرة تستجدي قطفَها، وأعطاه السوريون ما بخلوا به على والده، وسامحوه فترة طويلة حتى يستطيع أنْ يرفع عينيه أمام أعمامِه .. أيّ رجال أبيه الذين كانوا بمثابه أعمامه عندما كان طفلا مُدللا يزور القصرَ، ويضع الحلويات في جيبِه، لكنه اختار الطريقَ الآخرَ الملوَّث بدماءِ أبرياء شعبه، وانحاز لأجهزة القمع والاختطاف والتغييب وراء الشمس. الآن ينظر من شُرفة قصره الذي تخترق حاجز صوته الطائرات الإسرائيلية متى أرادت، وكيفما شاءت، وينصت لهدير الجماهير الغاضبة وهي تقترب منه، فالخوف السوري انتهى إلى غير رجعة، والشعب يريد اسقاط النظام، ويمكن لشاب كان يفزعه المرور أمام قسم الشرطة أن يتسلق جدارية للرئيس الراحل، وينزع الأنف والأذنين، أو يلطخها دون أن تزداد نبضات قلبه نبضة واحدة. الآن ينتفض الحِمْصيون واللاذقيون والبانياسيون إنْ خرجت جنازةٌ في درعا تـُنَدد بالقَتَلة، فالسوريون شعبٌ واحد، ومن أراد من السلطةِ القمعية أن يلعب لعبةَ الطائفية، فشعبُ سورية العظيم قادرٌ علىَ أن يُسقطها في شارعٍ واحد .. وتكاتف التصاقي كأن السوريين انصهروا في جسد واحد. السوريون في أمان مادامت الطائفيةُ لم تُطِلّ برأسِها الثعباني لتلدغ الوطنَ في مَقْتَل، ورياحُ المذهبية إنْ هَبَّت من العراق ولبنان، ثم اكتشف أهل سورية أنهم علويون، وسُنَّة، وشيعة، ومسيحيون، وأرمن، وأكراد، فإن قادة إسرائيل سيشربون نخب الانتصار، وتفتيت قلب العروبة النابض قبل أن تُطْلَق رصاصة واحدة من جيش الاحتلال الصهيوني. بشار الأسد في رقصةِ الموت وهي الرقصة الوحيدة التي لا يعرف أيُّ طاغيةٍ متى يسقط بعدها من الاعياء، فهي (تانجو) في أولها، و(روك) في منتصفها، ثم (زار) في نهايتها، ويبدأ المضيفون في المنفىَ في التفاوض علىَ ثمنِ استضافة الطاغية، منجستو هيلا مريم في زيمبابوي، عيدي أمين دادا وزين العابدين بن علي في جدة، جان كلود ديفالييه في باريس، وهكذا تكون النهايات إلا إذا اختار الشعبُ السَحْلَ مثلما حدث مع عبد الكريم قاسم ونيكولاي تشاوشيسكو وموسوليني، أو اختارت محكمةُ العدل الدولية الطاغيةَ في سجن هولندي بالقرب من حدائق ذات بهجة. بشار الأسد أقْنَعَه أعمامُه أنهم لم يفطِموه بعد، وأنهم أوصياءٌ عليه، فلما اشتد عودُه، لم يرمهم بالسهم، لكنه أكمل مسيرةَ القمع فهي اللغةُ التي يفهمها السوريون، كما أوحوا إليه، وليس كلُّ وَحْيٍّ نُبُوّة، وليست كلُّ نصيحةٍ هي لوجه الله، فالشيطانُ أيضا ينصح، ويعظ، ويعتلي المنبرَ أو الشـُرْفة، ويستشهد بآياتٍ من كل الكتب المقدسة، ويحفظ الكتابَ الأخضرَ عن ظهر قلب، ويجلس في الصف الأول في مؤتمرات القمة العربية! إذا أراد السوريون التعجيلَ في وداع الأسد وكلابِه وذئابِه وحيتان الفساد فينبغي أنْ لا تتقدم أو تتأخر أيُّ كلمة أو وصف أو نعت أو جار أو مجرور أو مضاف إليه إلىَ كلمة سوري. عندما يسقط النظامُ الفاشيُّ، فإنَّ مَحْكَمَةَ الشعبِ ستتكدس بمتهمين أذاقوا شعبنـَا السوريَّ ما لم تفعله قوى الاحتلال في التاريخ الحديث، وسيخرج الآلاف الذين أهالوا عليهم أتربةَ النسيان في السجون والمعتقلات، فلا هُمْ موتىَ نترحم عليهم، ولا هُمْ أحياء نتمنى حريتَهم أو موتَهم. سباقٌ مع الزمن، ولعنةٌ تنتظر الساقطَ الأولَ لتصبّ في أذنيه ما لم يصله من الشعب طوال فترة حُكمه: قد يكون العقيد أو الشاويش أو طبيب العيون. أيها السوريون الأبطال، استمروا، وناضلوا، وتمسكوا بحقوقِكم، وطهِّروا سوريتـَكم وسوريتـَنا، ولا تصدّقوا كلمات بثينة شعبان في أيّ مؤتمرٍ صحفي، وأغمضوا عيونـَكم عن الفضائية السورية، وامسحوا بالصحفِ القوميةِ أوساخَ الشارع، واستعدوا لنصر عظيم. وسلام الله على سورية. محمد عبد المجيد رئيس تحرير مجلة طائر الشمال أوسلو النرويج Taeralshmal@gmail.com
أيها الجزائريون: انتفضوا .. يرحمكم الله!
الغضبُ هو حالةُ الحُبِ الأكثر رقياً، ومصداقيةً، وعمقاً، وتأثيراً ، ومن لا يغضب من أجل وطنِه فلا حاجة لمشاعر الحب الخاصة والعائلية والمكانية والزمانية! الصمتُ تجاه سيـّد القصر وهو يـُلوّح بسوطِه لرعيته هو أحط أنواع الاستضعاف، والمذلة، والمـَسـْكنة، فيصنع الصمتُ النائمين، والضعفاءَ، والكـُسالى، والمازوخيين، والسلبيين، والعاجزين، والغافلين فيتقوص الظهرُ، ويتضخم القفا، وتنحني القامة، وتدخل الكرامةُ في سـُبات عميق. أما أدنى أنواع الصمت فهو الذي يفغر فيه المواطن فاه أمام حيتان الفساد وهي تنهب جيبـَه، وتنزع اللقمةَ من أفواه فلذاتِ كبدِه، وتـُقـَنـِّن الرشوة، وتجعل الوساطة والمحسوبية أموراً عادية كالأكل والشرب و .. قضاء الحاجة. الجزائريون هم أنبياءُ التحرر العربي، وكل مستعمر للجزائر لديه حكايات لأولاده وأحفاده عن أسودٍ تنهش لحومَ من يقترب من أشبالها، وتـُضحـّي بخـُمس سكان الوطن من أجل أن يعيش الأربعة أخماس متدثرين برداء الحرية والاستقلال ، ومطهـّرين ظهر الأرض بشهداء باطنها! تنفجر الثورةُ في تونس الخضراء فيهرب أخطر لصوصها بصحبة الساحرة الشريرة، فــ"بن علي" ظن أنه وحده من يملك حق اشعال النار في أجساد التونسيين، فلما اكتشف أن بوعزيزي لديه ناراً تشتعل في الجسد الطاهر الغاضب، عرف أنها ستمتد من ولاية سيدي بوزيد إلى قصر قرطاج، لكن غضب التونسيين لم يخترق الحدودَ مع الجزائر. تشتعل ثورة الشباب في مصر، وتـُلهم كلَّ الشعوب التي يدوس فوق رؤوسِها مستبدون متخلفون، وينبهر العالمُ كله بأجمل ثورات العصر، ويرسل ميدان التحرير إشارات تتراقص في الأثير فيطرب لها الجزائريون الذين لم يصدّقوا في يوم من الأيام العجاف أن إعلام مصر مبارك كان يلعن بوقاحة أرواح شهداء التحرير الجزائريين بسبب كرة قدم وثلاث خشبات، لكن الجهاز العصبي للشعب الجزائري وضعه بوتفليقة في ثلاجة، فالتزم أحفاد بن باديس السكوتَ، وبعضُ الخرس إثم! وانتظر العربُ أن تنفجر الأرض انتفاضات متفرقة في وهران وعنابة وقسنطينة ومسعد والطارق والذرعان والأخضرية وبومرداس وتيمقاد و ... لكن كل شيء هاديء على سطح الجزائر، وسجون بوتفليقة والعسكر لا تزال تنافس بيوت الأشباح السودانية ومعتقلات العراق الطائفية، والصمت الجزائري خيانة لآلاف المفقودين الذين لا يعرف أحدٌّ إنْ كان العسكرُ، حُماةُ بوتفليقة، قد قاموا بتصفيتهم أم أنهم أحياءٌ في أقبية لا يعرفها إنس أو جان. يـُقدم السوريون تفسيراً جديدا لروح التمرد لدى الفرسان، فيـُغـَرّد الأحرار في حب الوطن جماعات تضيء ليل درعا واللاذقية وحمص وحماة وإدلب والقامشلي، لكن مصاص الدماء يسلط عليهم خفافيشه وهي ترتدي الزي العسكري لجيش عربي فيسقط الأطفال والشباب والعجائز والنساء، فبشار الأسد أقنع جيش قلب العروبة النابض بأن الإسرائيليين الذين تهينه طائراتهم المقاتلة من فوق القصر الجمهوري ليسوا أعداء سوريا، إنما أعداء الوطن هم المطالـِبون بمساحة صغيرة منه يتنفسون فيها، تـُرىَ هل هناك صلة قرابة من بعيد بين بشار الأسد و .. إيللي كوهين؟ السوريون يـُقـَدّمون في كل يوم عشرين أو ثلاثين شهيداً، ويختفي منهم ضعفان أو ثلاثة أضعاف مع كل غروب لشمس الشام، ومع ذلك فالرسالة لم تصل إلى الجزائر بـًعـْدُ رغم أن المفقودين الجزائريين أكثر عدداً من المفقودين السوريين! اليمنيون لا يملكون غير الأدب والشعر والصدور العارية التي تتحدى الطاغية وجبروته، داخل اليمن وفي غربته بالمشفى السعودي. وتخرج نساء اليمن بعشرات الآلاف ليؤكدن أن رضاعة الأطفال الشـَجاعة في البيت، وحثهم على التضحية من أجل الوطن وهم شباب لا يعني أن الأم، وهي مَدْرَسةُ المدارس، سيشغلها المطبخُ في الداخل عن حماية الوطن في الخارج. وسلـَّط المستبدُ المتخلفُ كلابـَه المسعورةَ، ولكل طاغية كتائب من الكلاب المفترسة المحسوبة ظلماً على الجنس البشري، فلم يكتفوا باطلاق الغازات السامة على الأطفال والشباب المطالبين برحيل الديكتاتور الأكثر كذباً وتدليساً وغدراً، لكنه أصر أن يحكمهم بالحديد والنار مُقْسِماً بالله، تعالى، أنه زاهد في السلطة، ولا يرغب في البقاء ساعة واحدة بغير رغبة شعبية عارمة، ثم يرفع اشارة النصر أمام ملايين من مناهضيه وكارهيه ومُعارضيه! لكن الجزائريين يكتفون بمشاهدة الشاشة الصغيرة، وكأن تنويماً مغناطيسياً قد أصاب عيون أنبياء التحررالعربي. لم يصدق كائن حيّ أن روح عمر المختار لم تغادر أرض ليبيا، وانتظر الليبيون أكثر من أربعين عاماً على مهرج الخيمة، واكتسب الطاغية البلياتشو طوال أربعة عقود خبرة في القسوة والغلظة والبدائية والتخلف ، وكانت يومياته مزيجاً من المأساة الكوميدية، والملهاة الكارثية، ولوأنَّ العقلَ جهلٌ لا نهائيٌّ لكانه. واشترى الديكتاتور المهرجُ المفكرين والمثقفين والسياسيين والخبراءَ والبرلمانيين ورجال الدين ورئيس وزراء دولة عظمى، وركع أمام سفاراته في الخارج أصحاب القلم المهتريء، وأمراء النفاق في بلاط صاحبة الجلالة السلطة الرابعة. وحضر مؤتمرات القمة، وتآمر على كل الزعماء العرب، تقريباً، لكنهم كانوا يستقبلونه بالعناق الحار رغم تلوث يديه بدماء شعبه. كلنا كنا نعرف أن كونسلتو من مئات من علماء النفس كانوا غير قادرين على الدخول إلى متاهات تلك الشخصية البهلوانية الدموية، ومع ذلك فقد كان أكثرنا خائنين لشعبنا الليبي الصابر، فجعلنا صمتـَنا علىَ ظلمـِه إياهم مـِزاحاً، وحكايات للضحك والتهكم، فتأخر النضالُ سنوات طويلة، وخسر الليبيون من ثرواتهم، وحيواتهم، وتقدُّم بلدِهم عدة عقود حتى استلقينا على ظهورنا من الضحك على ملك ملوك أفريقيا وإمام المسلمين وعميد الحُكام العرب ورسول الصحراء وصاحب النظرية العالمية الثالثة وواضع أخضر الكتب المقدسة .. الصحراوية. وانتفض الليبيون بقوة دفع لم يكونوا على علم أنهم اختزنوها مجمدة في صدورهم إلا بعدما تسلموا اشارات من تونس ومصر واليمن والأردن بأن الليبيين أيضا يملكون حق الغضب، وأن الصمت على الظلم أشد الكبائر التي تنفر الملائكة من أصحابها. ونافست طلائعُ الثوار الجـِمالَ، سفن الصحراء، في قوة تحملها، وغرسوا أقدامهم في رمال يعلمون أنها قد تكون متحركة في نهاية المطاف ولمسافة تمتد لنصف شمال أفريقيا حتى الوصول لباب العزيزية حيث يتحصن القائد البلياتشو بين أيدي عذراوات وهبن شبابهن من أجل حمايته. نصف عام اختصر اثنين وأربعين عاماً، ولكن رياح الصحراء التي تهب من الجنوب في غدامس بالقرب من الحدود الجزائرية لم تلفح وجوه أحفاد شهداء حرب الاستقلال، وكتم الجزائريون غيرتهم في سباق الثورات، فالغضب إن كان له مسقط رأس فهو الجزائر، فكيف لا يغلي الدم في عروق الجزائريين؟ كل يوم يمر ينخر سوس الفساد في عظام الجزائر الطاهرة، ويبهت كل أمل في العثور على المفقودين، ويكبر في العمر مجرمو الحرب الأهلية الذين عفا بوتفليقة عنهم قبل أن تقول السماءُ كلمتـَها. الجزائر بلد يملك كل مقومات الدولة الكبرى، والأغنى في المنطقة من بترول، وغاز، وشواطيء، وصناعة، وعنصر بشري يستطيع أي حُكم رشيد أن يجعله ثروةً أثرىَ من كل كنوز باطن الأرض وظاهره، ومع ذلك فالحلم الشبابي هو عدة سنتيمترات في قارب متهالك لن يصل في الأغلب إلى شاطيء المستعمـِر السابق قبل أن تنال أسماك القرش نصيبها من ركابه. هل ينتظر الجزائريون سقوط أربعة أو خمسة طغاة عرب حتى يكتشف أحفاد شهداء أعظم حروب الاستقلال أنهم في نهاية صف طويل من الشعوب الصامتة التي لم تغضب حتى هذه اللحظة على مصاصي دمائها؟ أيها الجزائريون، لقد تأخرتم كثيراً وكان من المفترض أن يبدأ ربيع العرب من حيث علــَّمـَنا مالك بن نبي كيف نقرأ الصراع الفكري في البلاد المستعمـَرة، حتى لو كان الاستعمار وطنياً، فاغضبوا يرحمكم الله، واضربوا المثل الذي ينتظره كل أحرار عالمنا العربي، وقاتلوا بصدور عارية، وانزعوا من أنياب ذئاب الحُكم شهادة حياة حرة وكريمة لمستقبل أولادكم، ولا تجعلوا جماعة أو فرقة أو توجهاً أيديولوجياً، علمانيا أو إسلامياً أو عسكرياً، يحدد لكم المشهد الجديد في جزائر المستقبل .. جزائر الثورة. ابحثوا عن حُكم وطني لا يرفع شعاراً يوشي بخلافات تـُميت ولا تـُحيي، ولا تنصتوا لبائعي الكلمة ولو ألقوها على مسامعكم من فوق المنابر أو من ثكنات عسكرية، ولا تصدّقوا كل من يقول بأن فيه روح الاستقلال لأنه ينتمي لرجل أو قائد أو أمير أو شيخ أو عسكري، فالثورة الجديدة لها لون واحد هو الجزائر .. وهوية واحدة هي الجزائر .. وكلمة سِرٍّ واحدة تتفتح لها كل الأبواب هي الجزائر. أحرّضكم على الثورة، وأخاف عليكم من لصوصها. أحلم معكم بانتهاء حُكم بوتفليقة والعسكر وأجهزة الاستخبارات وملوك الفساد، لكن خوفي من وصول المنتقمين لسدة الحُكم يصيبني بالفزع. لا تصدقوا من يقول لكم بأن لديه تفويضاً من رب السماوات والأرض بوضع الدستور، وتفسيره، والحُكم بهواه زاعماً أنه حُكم الله. حُكم الله في جزائر المستقبل هو العدل، والمساواة، والحرية، والخبز لكل جائع، والسكن اللائق، والقضاء على الأمية، والعلاج المجاني، ومنع انتهاك كرامة المواطن، وتعويض السجناء الأبرياء، والقضاء على الغلاء، والعثور على المفقودين جميعا أو معرفة مصيرهم، وحماية الطفل من الشارع والتسول والتعليم المتخلف. حُكم الله في جزائر المستقبل هو علاقات سوية بين السلطة والشعب، ورئيس دولة خادم لدى أبناء وطنه، والحفاظ على أموال الجزائريين، وبناء النهضة من جديد، واستدراك ما فات الجزائريين من تقدم ورقي وتمدن، وفرصة عمل لكل مواطن مهما بلغت درجته العلمية، أدناها وأقصاها. حُكم الله في جزائر المستقبل لا يزايد فيه أدعياء التديّن، ولا يزعم فيه أحد خلاصة الحق والحقيقة، وليس هناك من هو فوق النقد من السلف والخلف، ولا يحتكر فيه أحدٌّ تفسيرَ كـِتاب الله العزيز. حُكم الله في جزائر المستقبل هو تقدم في كل المجالات، العلمية والأدبية والثقافية والفكرية والإدارية والفنية، وأن تكون الجزائر دولة مُسالمة مع جيرانها، وأن تـُنهي كل الخلافات مع المغرب، بل وتطلب الوحدة الاندماجية لتصبحا دولة واحدة قوية عزيزة وغنية. حُكم الله في جزائر المستقبل هو دولة التسامح، والأمن، والأمان، والقضاء العادل، والقضاء على الطبقية. أيها الجزائريون، لا أصدق أنني احتفلت بانتصار ثورات ثلاث، ونصف انتصار لاثنتين، ولم ينتفض الجزائريون بَعـْدٌ كأنكم في كوكب آخر. هل أستعد لارسال تهنئة أم أن الغضب الجزائري سقط، سهواً أو عمدا، من ربيع العرب؟ وسلام الله على الجزائر محمد عبد المجيد رئيس تحرير مجلة طائر الشمال أوسلو في 23 أغسطس 2011 Taeralshmal@gmail.com
نمنحك مُهلة ليُحصي كلابُك قتلاك!
تلتقي جزاراً فيـُقسم لك انه ليس مسؤولا عن الذبائح في دكانه! وإذا كان وقحاً كبشار الأسد حدَّق في عينيك أو في كاميرا للتلفزيون الفرنسي زاعماً أن الذبيحة أتته طواعية، ورَقَّ قلبـُه لها وهي تتأوى من الآلام، فطبيب العيون لا يتحمل مشهدَ الدماء!
جامعة الدول العربية ليس لديها في مقرها القاهري آلة حاسبة صغيرة تحتوي على جدول الضرب، لذا لم يعرف وزراء الخارجية العرب ومعهم نبيل العربي كيفية حساب عدد الشهداء في أسبوعين وهي المهلة المحددة قبل تجديدها مرة ثانية استعداداً لمنح الارهابي في دمشق مهلة ثالثة.
أتفهم تماما صعوبة حساب عدد الشهداء في كل يوم، فالسادة في جامعة الدول العربية ينتظرون حتى تعلن وكالات الأنباء العدد الاجمالي مرة في كل شهرأو اثنين!
أتفهم تماما صعوبة حساب عدد الشهداء في كل يوم، فالسادة في جامعة الدول العربية ينتظرون حتى تعلن وكالات الأنباء العدد الاجمالي مرة في كل شهرأو اثنين!
الغريب أن المتفرجين العرب والغربيين وروسيا والصين منشغلون ببيان يتم تجهيزه خلال الغارات الجوية القادمة على سوريا التي يعرف الجميع أن سماء دمشق تتفتح لها بمقاطــعة شركات الطيران العربية، فالستار سيـُرفع قريبا، وبيانات الشجب ستحتوي على فقرات متشابهة مع كل بيانات الادانة الجوفاء: إننا نحذر من المساس بالمدنيين!
لماذا لا نتكاتف في عملية كبرى لازاحة النظــام السوري شريطــة أن لا تتدخل دولة مجاورة أو حلف الناتو أو مغامرون من دول أخرى سيخلطون الأوراق لتتحول المقاومة ضد الأسد إلى صراعات طــائفية؟
تحرير سوريا من الداخل، أي بواسطــة ابناء الشعب في خطــة مُحــْكــَمة، وموعد محدد، ونزع مشاعر الخوف من صدور الجنود وأبناء الشعب، خاصة في دمشق، الذين يخشون فشل المظاهرات في مواجهة أجهزة القمع، يمكن أن يكون مقدمة لسقوط النظام برمته، واكتشاف الخائفين والمترددين أنه ككل أنظمة القمع والبغي مصنوع من خيوط العنكبوت أو أوهن منه؟
ليس لديَّ أي ثقة أو أمل في جامعة الدول العربية، ولو قام نبيل العربي بتحويلها إلى سوبرماركت أو محل لبيه الهوت دوج فربما تكون أكثر فائدة، أو على الأقل لن تضر مصر أو العالم العربي.
لماذا لا نتكاتف في عملية كبرى لازاحة النظــام السوري شريطــة أن لا تتدخل دولة مجاورة أو حلف الناتو أو مغامرون من دول أخرى سيخلطون الأوراق لتتحول المقاومة ضد الأسد إلى صراعات طــائفية؟
تحرير سوريا من الداخل، أي بواسطــة ابناء الشعب في خطــة مُحــْكــَمة، وموعد محدد، ونزع مشاعر الخوف من صدور الجنود وأبناء الشعب، خاصة في دمشق، الذين يخشون فشل المظاهرات في مواجهة أجهزة القمع، يمكن أن يكون مقدمة لسقوط النظام برمته، واكتشاف الخائفين والمترددين أنه ككل أنظمة القمع والبغي مصنوع من خيوط العنكبوت أو أوهن منه؟
ليس لديَّ أي ثقة أو أمل في جامعة الدول العربية، ولو قام نبيل العربي بتحويلها إلى سوبرماركت أو محل لبيه الهوت دوج فربما تكون أكثر فائدة، أو على الأقل لن تضر مصر أو العالم العربي.
الحل في قناعاتي الشخصية ليس وضع شعار لكل مليونية تتفرق بعد صلاة الجمعة، ثم يعيد الأمن قتل بعض مشيعي الشهداء، ليستعد الشعب السوري بعدها لتقديم ثلاثين شهيدا يوميا حتى الجمعة التالية.
لابد من خروج كل السوريين، وأنا على يقين من أن مئات الآلاف الذين يخرجون إلى الساحات لتأييد بشار الأسد ليسوا أكثر من أناس تم جلبهم بالتهديد، والوعيد، والخروج الالزامي من المدارس والجامعات وأماكن العمل فضلا عن قوات الجيش والأمن بملابس مدنية، فالخوف يصنع ثورات مضادة توحي للساذجين أن الطاغية تحشد له القلوب مناصرين، وهل هناك جزار مستبد في التاريخ لم يخرج لتأييده نصف أفراد الشعب؟
ألم تكن الجماهير المهووسة بالهتاف لنيكولاي تشاوشيسكو هي نفس الجماهير التي لعنته في ذات اليوم .. والساعة، وربما دقائق بعد مظاهرات الحب في بوخارست؟
لابد من خروج كل السوريين، وأنا على يقين من أن مئات الآلاف الذين يخرجون إلى الساحات لتأييد بشار الأسد ليسوا أكثر من أناس تم جلبهم بالتهديد، والوعيد، والخروج الالزامي من المدارس والجامعات وأماكن العمل فضلا عن قوات الجيش والأمن بملابس مدنية، فالخوف يصنع ثورات مضادة توحي للساذجين أن الطاغية تحشد له القلوب مناصرين، وهل هناك جزار مستبد في التاريخ لم يخرج لتأييده نصف أفراد الشعب؟
ألم تكن الجماهير المهووسة بالهتاف لنيكولاي تشاوشيسكو هي نفس الجماهير التي لعنته في ذات اليوم .. والساعة، وربما دقائق بعد مظاهرات الحب في بوخارست؟
بشار الأسد وكلابه أضعف من فئران مريضة، وقوتهم في ساديتهم العنيفة، وخوف الناس ناتج عن المشهد المترسب في الخيال عن قسوة أجهزة العنف والدم، فكل رجل أمن وعسكري وضابط في سوريا، إلا القلة، هو دراكيولا مستقل بذاته.
تأجيل، وارجاء، وتردد الجماهير السورية في الانتفاضة والعصيان وخروج الشعب كله يرجع أيضا إلى الخوف من الطــائفية، فسورية قوية بطوائفها المتسامحة، فإذا انصهر السني والعلوي والشيعي والدرزي والكردي والأرثوذكسي والماروني والانجيلي والجعفري واللاديني في بوتقة واحدة فالوطن بخير، أما سورية الضعيفة، التي تستبدل طاغية بمستبد، وسفاحاً بجزار، وشبيحة ببلطجية، ومتشددا بمتعصب فهي التي تـعلن طوائفها في الأزمات عن أيديولوجياتها بعد التحرير من الأسد وكلابه.
هل ستستقطب إيران وحزب اللــه والسعودية والأردن وإسرائيل وتركيا والعراق و مسيحيو لبنان وأمريكا والغرب ومصر والإخوان المسلمون جماعات في سورية ما بعد الأسد لترى بعيونها المشهد السوري، وتــُحـَرِّك بعض قطـع الشطرنج كيفما شاءت لها مصالحها؟
هذا يتوقف على مدى تماسك السوريين في قالب واحد لا يستطيع أحد أن ينزع عنه فرقة أو جماعة مهما صغرت، ومهما كانت قوة الجماعة الأم في الخارج.
سوريا تحتاج إلى يوم واحد فقط تتحدث عنه كل وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الغربية والعربية والاسلامية قبل موعده بوقت كاف.
يوم واحد فقط يدعو السوريون أبناء الجيش وأجهزة الأمن للوقوف معهم، والانفصال عن النظام الدموي العفن، والوعد باذهبوا فأنتم الطلقاء شريطــة المشاركة في اليوم المذكور.
يوم واحد فقط يراه كل سوري بمنظوره الخاص فلا يتصادم مع غيره، فهو مظاهرة، وانتفاضة، وعصيان، وثورة سلمية، ومحاصرة أقسام الشرطــة، والتوجه الملاييني لقصر الرئاسة.
يوم واحد فقط يــُربك أجهزة الأمن، ويخيف الواثقين من سقوط الأسد أن حساب الشعب لهم عسير إذا لم يقفوا معه في هذا اليوم، وأن التسامح مع القتلة والمجرمين ومناصري الارهابي بشار الأسد محصور فقط في اليوم المذكور، وهي فرصة لا تتكرر تحت أي ظرف، فبشار الأسد سيسقط في مهلة لا تزيد عن ثلاثمئة شهيد آخرين، والشعب المسالم الأعزل الآن لن يعطــي للوطن شهداء بدون ثمن، وسيدفع الذين ظلموا الثمن غاليا عندما يبدأ السوريون في مرحلة الدفاع عن النفس خلال ثورتهم المباركة.
ساديو النظام المتلذذون برؤية مشاهد الأطفال الممزقة أجسادهم وعيونهم، والذين يجوسون على الإنترنت مدافعين عن القاتل، وموجهين الاتهامات للضحية، هم في نفس الخندق مع أعداء سوريا، وربما كانوا مدفوعين من أجهزة الأمن الإسرائيلية.
سوريا ستتهاوى إذا تهاون العرب والأحرار في التخلص من نظام الأسد، والمهلة المتجددة من جامعة الدول العربية ليست أكثر من التعاون مع حفاري القبور لايجاد مكان تحت الأرض لشهداء سوريا الأبرار.
لعنة اللــه على كل من لا تتمزق شغاف قلبه حزنا وكمدا وأسفا على سوريين كل ذنبهم أنهم خرجوا بصدورهم يهتفون ضد مصاص الدماء البعثي .. جلاد الأبرياء.
لم يعد هناك وقت للنقاش، والجدال، وضياع الوقت في اقناع شبيحة الانترنت أن الشعب هو الذي يثور، وليس جماعات ارهابية تقوم بتصفية السوريين قبل أن تأتي قوات بشار الأسد وتـُطـَّــهـِر المدن من الخارجين على القانون.
الجيش السوري سيحمل عاره وسيورثه أبناءه لعشرات السنوات، وأجهزة الأمن سيعرف ضباطــها نهايات لم يتعلم منها الطــغاة وكلابهم.
فكرتي تنحصر في تحديد يوم واحد، ومن الأفضل أن يكون يوم جمعة، ويتم التركيز على دمشق، فالنظام سيسقط في العاصمة وليس من أي مكان آخر، والقذافي لم يسقط في بنغازي أو طبرق، والجنرال التونسي لم تسقطــه الحمامات وسوسة وبنزرت، ومبارك خلعه قلب القاهرة .. ميدان التحرير.
شعار اليوم المحدد لن يخرج عن ( اليوم الأخير لسفاح سوريا)، ولا يعود إلى بيته أي سوري قبل أن يهرب الديكتاتور، أو يقبض عليه أحرار، أو يخرج من جيش العار شرفاء ينقذون سوريا من أي تدخل خارجي أو مساعدات أجنبية أو متطوعين للدفاع عن طوائف معينة، أو فتح الحدود للمغامرين من دول الجوار.
لقد تأخر كثيرا البيان رقم واحد، والثقة في جامعة الدول العربية كارثة أخلاقية، وسذاجة كأن أصحابها لا يفقهون ألف باء السياسة وتاريخ الجامعة من عصمت عبد المجيد إلى عمرو موسى ثم نبيل العربي.
أيها السوريون الأبطال،
ارحموا قلوبنا فهي تضعف، وتتفتت، وتمرض مع كل يوم نــُحصي فيه شهداءكم، ونلعن زمن الأسدين، الأب والشبل، فلا تجعلوا قاتل أولادكم يخرج آمنا، أو يجدد عهد الدماء بمراقبين من جامعة الدول العربية.
الشيء الذي ربما لا تعرفونه هو أن بشار الأسد تطارده الكوابيس، ويرتعش في فراشه، ويتبلل سرواله، ويلعن يوم أورثه والده ومجلس الشعب حــُكم سوريا، فلا تخشوه، وتوكلوا على اللــه، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون!
تأجيل، وارجاء، وتردد الجماهير السورية في الانتفاضة والعصيان وخروج الشعب كله يرجع أيضا إلى الخوف من الطــائفية، فسورية قوية بطوائفها المتسامحة، فإذا انصهر السني والعلوي والشيعي والدرزي والكردي والأرثوذكسي والماروني والانجيلي والجعفري واللاديني في بوتقة واحدة فالوطن بخير، أما سورية الضعيفة، التي تستبدل طاغية بمستبد، وسفاحاً بجزار، وشبيحة ببلطجية، ومتشددا بمتعصب فهي التي تـعلن طوائفها في الأزمات عن أيديولوجياتها بعد التحرير من الأسد وكلابه.
هل ستستقطب إيران وحزب اللــه والسعودية والأردن وإسرائيل وتركيا والعراق و مسيحيو لبنان وأمريكا والغرب ومصر والإخوان المسلمون جماعات في سورية ما بعد الأسد لترى بعيونها المشهد السوري، وتــُحـَرِّك بعض قطـع الشطرنج كيفما شاءت لها مصالحها؟
هذا يتوقف على مدى تماسك السوريين في قالب واحد لا يستطيع أحد أن ينزع عنه فرقة أو جماعة مهما صغرت، ومهما كانت قوة الجماعة الأم في الخارج.
سوريا تحتاج إلى يوم واحد فقط تتحدث عنه كل وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الغربية والعربية والاسلامية قبل موعده بوقت كاف.
يوم واحد فقط يدعو السوريون أبناء الجيش وأجهزة الأمن للوقوف معهم، والانفصال عن النظام الدموي العفن، والوعد باذهبوا فأنتم الطلقاء شريطــة المشاركة في اليوم المذكور.
يوم واحد فقط يراه كل سوري بمنظوره الخاص فلا يتصادم مع غيره، فهو مظاهرة، وانتفاضة، وعصيان، وثورة سلمية، ومحاصرة أقسام الشرطــة، والتوجه الملاييني لقصر الرئاسة.
يوم واحد فقط يــُربك أجهزة الأمن، ويخيف الواثقين من سقوط الأسد أن حساب الشعب لهم عسير إذا لم يقفوا معه في هذا اليوم، وأن التسامح مع القتلة والمجرمين ومناصري الارهابي بشار الأسد محصور فقط في اليوم المذكور، وهي فرصة لا تتكرر تحت أي ظرف، فبشار الأسد سيسقط في مهلة لا تزيد عن ثلاثمئة شهيد آخرين، والشعب المسالم الأعزل الآن لن يعطــي للوطن شهداء بدون ثمن، وسيدفع الذين ظلموا الثمن غاليا عندما يبدأ السوريون في مرحلة الدفاع عن النفس خلال ثورتهم المباركة.
ساديو النظام المتلذذون برؤية مشاهد الأطفال الممزقة أجسادهم وعيونهم، والذين يجوسون على الإنترنت مدافعين عن القاتل، وموجهين الاتهامات للضحية، هم في نفس الخندق مع أعداء سوريا، وربما كانوا مدفوعين من أجهزة الأمن الإسرائيلية.
سوريا ستتهاوى إذا تهاون العرب والأحرار في التخلص من نظام الأسد، والمهلة المتجددة من جامعة الدول العربية ليست أكثر من التعاون مع حفاري القبور لايجاد مكان تحت الأرض لشهداء سوريا الأبرار.
لعنة اللــه على كل من لا تتمزق شغاف قلبه حزنا وكمدا وأسفا على سوريين كل ذنبهم أنهم خرجوا بصدورهم يهتفون ضد مصاص الدماء البعثي .. جلاد الأبرياء.
لم يعد هناك وقت للنقاش، والجدال، وضياع الوقت في اقناع شبيحة الانترنت أن الشعب هو الذي يثور، وليس جماعات ارهابية تقوم بتصفية السوريين قبل أن تأتي قوات بشار الأسد وتـُطـَّــهـِر المدن من الخارجين على القانون.
الجيش السوري سيحمل عاره وسيورثه أبناءه لعشرات السنوات، وأجهزة الأمن سيعرف ضباطــها نهايات لم يتعلم منها الطــغاة وكلابهم.
فكرتي تنحصر في تحديد يوم واحد، ومن الأفضل أن يكون يوم جمعة، ويتم التركيز على دمشق، فالنظام سيسقط في العاصمة وليس من أي مكان آخر، والقذافي لم يسقط في بنغازي أو طبرق، والجنرال التونسي لم تسقطــه الحمامات وسوسة وبنزرت، ومبارك خلعه قلب القاهرة .. ميدان التحرير.
شعار اليوم المحدد لن يخرج عن ( اليوم الأخير لسفاح سوريا)، ولا يعود إلى بيته أي سوري قبل أن يهرب الديكتاتور، أو يقبض عليه أحرار، أو يخرج من جيش العار شرفاء ينقذون سوريا من أي تدخل خارجي أو مساعدات أجنبية أو متطوعين للدفاع عن طوائف معينة، أو فتح الحدود للمغامرين من دول الجوار.
لقد تأخر كثيرا البيان رقم واحد، والثقة في جامعة الدول العربية كارثة أخلاقية، وسذاجة كأن أصحابها لا يفقهون ألف باء السياسة وتاريخ الجامعة من عصمت عبد المجيد إلى عمرو موسى ثم نبيل العربي.
أيها السوريون الأبطال،
ارحموا قلوبنا فهي تضعف، وتتفتت، وتمرض مع كل يوم نــُحصي فيه شهداءكم، ونلعن زمن الأسدين، الأب والشبل، فلا تجعلوا قاتل أولادكم يخرج آمنا، أو يجدد عهد الدماء بمراقبين من جامعة الدول العربية.
الشيء الذي ربما لا تعرفونه هو أن بشار الأسد تطارده الكوابيس، ويرتعش في فراشه، ويتبلل سرواله، ويلعن يوم أورثه والده ومجلس الشعب حــُكم سوريا، فلا تخشوه، وتوكلوا على اللــه، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 10 ديسمبر 2011
Taeralshmal@gmail.com
طائر الشمال
أوسلو في 10 ديسمبر 2011
Taeralshmal@gmail.com
حفــَّــارو القبور ينتظرون السوريين!
هذا المقال مضت عليه ثلاث سنوات، فماذا تغير في المشهد؟
يمكنك أن تُشــَـمـِّـر عن ساعديك بعد أنْ تطيل أظافرَك، فمهمتــُــك قبل أنْ تساهم في حفر القبر هي أن تــُـصفق ملء كفيك!
كل حفــّـاري القبور للشعوب يتقابلون عند نقطتي الصمت والصفر، وهما النقطتان اللتان تصنعان الطاغية، فالمواطن الصامت كالصفر الساكن.
يمكنك أن تُشــَـمـِّـر عن ساعديك بعد أنْ تطيل أظافرَك، فمهمتــُــك قبل أنْ تساهم في حفر القبر هي أن تــُـصفق ملء كفيك!
كل حفــّـاري القبور للشعوب يتقابلون عند نقطتي الصمت والصفر، وهما النقطتان اللتان تصنعان الطاغية، فالمواطن الصامت كالصفر الساكن.
الطاغية هو الذي يستعدي القتلة من الخارج بعدما صنع القتلة في الداخل، وفي هذه الحالة يتساوى معتقل جوانتانامو الأمريكي ذو النكهة الكوبية، وسجن أبو غريب في مراحله الثلاث، صدام واليانكي وحكومة المنطقة الخضراء، وسجن القامشلي السوري حيث يؤمن المعتقلون بأن جحيم الآخرة نعيم مقارنة بجحيم سجون ومعتقلات الأسدين، الأب والابن.
في معظم الأحوال فأنت لا تحتاج إلى التواجد مع حفاري القبور ويكفي الصمت والابتسامة والتبرير فهو مثلث عقلاني المظهر وبرمودي الهدف، رغم أن الذين يبررون للمبررين سوطهم الخفي يشيرون إلى سوط السلطة وأنياب القائد و.. وراء الشمس الاستخباراتية.
المهيب قد يخفي خلف فكيه رعشة رعب لا يعرف مثلها فأر، لكن المازوخيين يتلذذون بأوامره وتوجيهاته وقوته الخيالمآتية كأنه يراقب أحلامهم حتى قبل أن يغلبهم النعاس.
في معظم الأحوال فأنت لا تحتاج إلى التواجد مع حفاري القبور ويكفي الصمت والابتسامة والتبرير فهو مثلث عقلاني المظهر وبرمودي الهدف، رغم أن الذين يبررون للمبررين سوطهم الخفي يشيرون إلى سوط السلطة وأنياب القائد و.. وراء الشمس الاستخباراتية.
المهيب قد يخفي خلف فكيه رعشة رعب لا يعرف مثلها فأر، لكن المازوخيين يتلذذون بأوامره وتوجيهاته وقوته الخيالمآتية كأنه يراقب أحلامهم حتى قبل أن يغلبهم النعاس.
في أقل من عامين يكون الطاغية قد جعل كل اثنين من مواطنيه رقيبين على الثالث الذي يقنعهما لاحقاً أنه .. ثالثهما!
المشهد برمته في الوطن يجعل قوىَ الاستعمار أو الاحتلال أو الغزو تفرك عينيها وتســِــنّ مخالبها، فالطاغية نجح في تلميع المنقذ، وربما تشاهده بعد ذلك في زيارة يخرج الجزائريون فيها عن بكرة أبيهم لاستقبال جاك شيراك، ويدفيء أحمد الجلبي مؤخرته وهو جالس فوق دبابة أمريكية بالقرب من نهر دجلة وبعيداً عن بنك بترا الأردني، ويرحل الأسد الأب فتتبلل سراويل أعضاء مجلس الشعب السوري وهم يختارون شبله في ربع الساعة ليضحى الابنَ الرئيسَ بعدما كان ابنَ الرئيسِ!
هنا يتساوى كل الطغاة خلف هوس السلطة، منجستو هيلاميريم، عيدي أمين دادا، جان بيدل بوكاسا، زين العابدين بن علي، حافظ الأسد، بشار الاسد، أنور خوجة، بول بوت، نيكولاي تشاوشيسكو، فرانكو، بينوشيه، سالازار، سوموزا، العقيد معمر القذافي، حسني مبارك، المشير طنطاوي، الحسن الثاني .. وهي قائمة تمتد من قابيل ولا تنتهي قبل أن تغرب شمس أرضنا إلى الأبد.
المشهد برمته في الوطن يجعل قوىَ الاستعمار أو الاحتلال أو الغزو تفرك عينيها وتســِــنّ مخالبها، فالطاغية نجح في تلميع المنقذ، وربما تشاهده بعد ذلك في زيارة يخرج الجزائريون فيها عن بكرة أبيهم لاستقبال جاك شيراك، ويدفيء أحمد الجلبي مؤخرته وهو جالس فوق دبابة أمريكية بالقرب من نهر دجلة وبعيداً عن بنك بترا الأردني، ويرحل الأسد الأب فتتبلل سراويل أعضاء مجلس الشعب السوري وهم يختارون شبله في ربع الساعة ليضحى الابنَ الرئيسَ بعدما كان ابنَ الرئيسِ!
هنا يتساوى كل الطغاة خلف هوس السلطة، منجستو هيلاميريم، عيدي أمين دادا، جان بيدل بوكاسا، زين العابدين بن علي، حافظ الأسد، بشار الاسد، أنور خوجة، بول بوت، نيكولاي تشاوشيسكو، فرانكو، بينوشيه، سالازار، سوموزا، العقيد معمر القذافي، حسني مبارك، المشير طنطاوي، الحسن الثاني .. وهي قائمة تمتد من قابيل ولا تنتهي قبل أن تغرب شمس أرضنا إلى الأبد.
مصانع الأسلحة تعمل بالاثنين معا: الوقود والدم، وأصحابها يحصون العملة الخضراء والجثث بنفس الدقة، فعيدي أمين دادا يطرد ثمانين ألف من أصل آسيوي، وجان بيدل بوكاسا يأكل لحوم تلاميذ الثانوي، وحسني مبارك يجعل السحابة السوداء في سماء القاهرة تلعن عقوده الثلاثة في الحُكم، وصدام حسين أقنعه الخائفون والمنافقون في المربد وخارجه أن جيشه لو تحرك من موقعه شبراً لخرت أمريكا وأوروبا وإسرائيل ركوعا له ولأشاوسته. والأسدان، الأب والشبل، يذيقان الواحد تلو الآخر شعبنا السوري عذابا لا يتحمله جماد.
إذا لاحت بوادر انتصار الشعوب على طغاتها فإن الطابور الخامس من الجواسيس النائمين ينزوي في ركن قصي ليظهر الطابور السادس ، وهم لصوص الثورات الذين يــُــعــَــبـِّـدون الطــُــرق لتدخل خارجي، مثل الهجوم الارهابي على البرجين التوأمين في 11 سبتمبر ليمنح الجيش الأمريكي تأشيرة دخول مجانا لأفغانستان، ومثل لصوص ثورة 25 يناير المصرية الذي رفعوا المصحف وزعموا أنهم أحرقوا العلم الأمريكي فإذا بالعلم في قلوبهم أقدس من المصحف الشريف، وهكذا فعل الوطنيون المزيفون في العراق فتقاسموا الوطن مع الاحتلال، وقسَّموه طائفيا، وأيضا أجهزة الاستخبارات السورية التي جعلت إبليس يغادر دمشق فالمعتقلات السورية يقوم عليها ضباط يتتلمذ الشيطان على أيديهم.
إذا لاحت بوادر انتصار الشعوب على طغاتها فإن الطابور الخامس من الجواسيس النائمين ينزوي في ركن قصي ليظهر الطابور السادس ، وهم لصوص الثورات الذين يــُــعــَــبـِّـدون الطــُــرق لتدخل خارجي، مثل الهجوم الارهابي على البرجين التوأمين في 11 سبتمبر ليمنح الجيش الأمريكي تأشيرة دخول مجانا لأفغانستان، ومثل لصوص ثورة 25 يناير المصرية الذي رفعوا المصحف وزعموا أنهم أحرقوا العلم الأمريكي فإذا بالعلم في قلوبهم أقدس من المصحف الشريف، وهكذا فعل الوطنيون المزيفون في العراق فتقاسموا الوطن مع الاحتلال، وقسَّموه طائفيا، وأيضا أجهزة الاستخبارات السورية التي جعلت إبليس يغادر دمشق فالمعتقلات السورية يقوم عليها ضباط يتتلمذ الشيطان على أيديهم.
وبدت الثورة السورية الشعبية على وشك النجاح فهذا شعب إذا استيقظ باكرا تولى الحُكم، فماذا لو نام أربعين عاماً مقسَّمة بين الأب والابن؟
وظهر لصوص الثورات وأهالوا التراب على رغبة الشعب في الاطاحة بطبيب العيون السفاح، وبدلا من أن تكون ثورة شعبية اصبحت جيشاً حراً يحلم أفراده، أو أكثرهم، بالسلطة والخلافة والحور العين وجماع الجهاد، فالنصر على الخصم يبدأ من النصف الأسفل للمرأة.
وتلقف سيد البيت الأبيض الحاصل على جائزة نوبل للسلام الرسالة الجهادية وعليها قــُــبـلة عبرية، فالمصيدة فيها الأسد وآيات الله وحزب الله وحزب البعث والدب الروسي و.. الربيع العربي.
إنها حرب محدودة ومرسومة نتائجها قبل الكيماوي بوقت طويل، والقوى العملاقة، أمريكا وفرنسا والجزيرة(!)، تستعد للايقاع بالدولة القادمة بعد سوريا.
كلنا قتلة وحفارو قبور ومشاهدون بلهاء في مسرح سخيف، ونزعم أننا مع الأسد الوطني أو الجيش الحر أو الحلم الأمريكي أو الخليفة في الآستانة، لكن الحقيقة أن صمتنا الطويل على الطغاة يتحمل التبعة الكبرى، فالمفردات الوطنية تثقل كاهلنا ثم تقتلنا، ودفاعاتنا الحمقاء عن أباطرة الفتاوى وتطبيق الشريعة الوهمي سرقة للثورة لتسليمها للأموات، ومعاركنا الدونكيخوتية والطائفية ليست أكثر من دعوة صريحة للأقوى لاضعاف الأضعف.
ليس السؤال الأهم عن ضرب سوريا، ولكن عن الدولة العربية التي سيقدمها جبننا وغباؤنا لآلة التدمير الأمريكية بعد الانتهاء من شرب أعضاء الكنيست نخب هضبة المبكى السورية!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في الأول من سبتمبر 2013
وظهر لصوص الثورات وأهالوا التراب على رغبة الشعب في الاطاحة بطبيب العيون السفاح، وبدلا من أن تكون ثورة شعبية اصبحت جيشاً حراً يحلم أفراده، أو أكثرهم، بالسلطة والخلافة والحور العين وجماع الجهاد، فالنصر على الخصم يبدأ من النصف الأسفل للمرأة.
وتلقف سيد البيت الأبيض الحاصل على جائزة نوبل للسلام الرسالة الجهادية وعليها قــُــبـلة عبرية، فالمصيدة فيها الأسد وآيات الله وحزب الله وحزب البعث والدب الروسي و.. الربيع العربي.
إنها حرب محدودة ومرسومة نتائجها قبل الكيماوي بوقت طويل، والقوى العملاقة، أمريكا وفرنسا والجزيرة(!)، تستعد للايقاع بالدولة القادمة بعد سوريا.
كلنا قتلة وحفارو قبور ومشاهدون بلهاء في مسرح سخيف، ونزعم أننا مع الأسد الوطني أو الجيش الحر أو الحلم الأمريكي أو الخليفة في الآستانة، لكن الحقيقة أن صمتنا الطويل على الطغاة يتحمل التبعة الكبرى، فالمفردات الوطنية تثقل كاهلنا ثم تقتلنا، ودفاعاتنا الحمقاء عن أباطرة الفتاوى وتطبيق الشريعة الوهمي سرقة للثورة لتسليمها للأموات، ومعاركنا الدونكيخوتية والطائفية ليست أكثر من دعوة صريحة للأقوى لاضعاف الأضعف.
ليس السؤال الأهم عن ضرب سوريا، ولكن عن الدولة العربية التي سيقدمها جبننا وغباؤنا لآلة التدمير الأمريكية بعد الانتهاء من شرب أعضاء الكنيست نخب هضبة المبكى السورية!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في الأول من سبتمبر 2013
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!
لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...
-
لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...
-
النضوج عشر سنوات في كل عام! سألني صديق: هل يمكنك تلخيص تجارب حياتك في فكرة واحدة وقد بلغتَ من العُمر ثلاثة أرباع القرن؟ قلت له: فكرة تموت فو...
-
شغلني كثيرا هذا الموضوع، فرغم أنها حالة مرضية تخفي تفسيرات عديدة، لكن تضخمها وتوسعتها والحفاظ على سريتها وخصوصيتها يزيد من استفحال المرض...
