21‏/01‏/2014

وقائع محاكمة العقيد معمر القذافي

رأيت فيما يرى النائم بذهن أكثر حضورا من وعي اليقظ طرفا من وقائع محاكمة بدا لي فيها خلف قفص الاتهام العقيد الليبي معمر القذافي.
أما رئيس المحكمة والمستشارون فكانوا كلهم من الليبيين ولم أذكر أنني رأيت جنودا أمريكيين أو بريطانيين أو حتى مراقبين زرق العيون عليها أوجه بيض!
ظهر المتهم ذليلا كسيرا وقد أحاط به اثنان من حراس المحكمة وهو الذي اعتاد أن تحيط به حارسات من فدائيات القائد كما كان الحال مع المحيطين بشيطان بغداد من فدائيي صدام.
كان الجو حارا، وقاعة المحكمة تكتظ عن آخرها بأقرباء المتهم وعائلته وقبيلته وبعض من بقايا قيادات اللجان الثورية ورهط من الفضوليين والصحفيين وثلاثة أو أربعة من أعضاء جبهة الانقاذ الوطني.
تسللت نسمة هواء على استحياء لتبلغنا أن مبنى المحكمة ليس بعيدا عن شاطيء البحر، ربما في طرابلس الغرب أو بنغازي أو طبرق أو مصراته.
المتهم يكاد يختنق من اقتراب جدران المبنى الخرساني المسلح ولكن مهانة الوقوف خلف القفص منعته من التعبير عن تمنياته بأن ينتقل الجميع إلى خيمة ملونة أشرف عليها بنفسه قبيل ساعات قليلة من القاء القبض عليه.
بعد عشر دقائق من الاجراءات الروتينية لانعقاد الجلسة الأولى ونداء الحاجب وانحسار الهمهمات والهمسات وتحريك بعض المقاعد من الخلف إلى المقدمة، بدأ التاريخ الليبي الجديد بسؤال القاضي للمتهم الماثل أمام عدالة المحكمة: اسمك ووظيفتك؟
المتهم: معمر القذافي، قائد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيم!
القاضي: لا تبدأ اجابتك على أسئلة المحكمة بهذا الهزل، وأنت تعلم ما أعني.
المتهم: رئيس ليبيا سابقا!
القاضي: كيف تسلمت الحكم؟
المتهم: في الأول من سبتمبر عام 1969 قمت مع مجموعة من الشباب الليبي المتحمس والمتأثر بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر بثورة ضد الملك إدريس السنوسي لاقامة نظام حكم وطني.
القاضي: هل كانت لديك أفكار مسبقة عن نظام الحكم الوطني والرؤى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية، وكيفية تحقيق مجتمع الأمن والرفاهية والسلام؟
المتهم: لم تكن لدي أدنى فكرة عن الدولة الحديثة والادارة ومصالح الوطن، لكن المفاجأة التي عقدت لساني لبعض الوقت هي التفاف الجماهير حولي وهي ظاهرة غريبة في عالمنا الثالث، ولو قام مهرج أمي بانقلاب عسكري أو مدني مسالم، وأصدر البيان رقم واحد، ووعد الجماهير المطحونة والمقهورة بالمن والسلوى فستخرج كلها خلفه تبايعه، ويلتف حوله المنافقون والأفاقون وسماسرة القصر.
ثم أكمل المتهم العقيد معمر القذافي شرح رؤيته التي نزلت كالصاعقة على رؤوس الحاضرين قائلا: صدقني، سيدي القاضي، لو قام حمار حقيقي بدمه ولحمه وشحمه وأذنيه بانقلاب على القصر، واستولى على الاذاعة والتلفزيون وأصدر البيان رقم واحد فاحتمالات الالتفاف حوله لا تزال كبيرة، بل ربما زاد الملتفون خلفه عن الملتفين حول زعيم وطني ومثقف وذكي ومؤمن باشراقة النور في مستقبل بلده.
القاضي: كنت مستبدا طوال فترة حكمك، وقتلت بدم بارد عشرات الالاف من أبناء شعبك في جرائم يخجل منها الطغاة الآخرون، لماذا ارتكبت كل تلك الجرائم والحماقات؟
المتهم: نحن الطغاة نتلقى دروسا من بعضنا، ويعلمنا التاريخ أن ذاكرة الشعوب ضعيفة، وأنا لم اختلف عن غيري من الطغاة في عالمنا الثالث، والفارق الوحيد هو أنني تركتهم يسخرون مني ويتناقلون روايات عني وكأنها حكايات للاضحاك ولم يتنبه إلا القلة عن حجم البكاء والحزن فيها.
القاضي: أين ذهب أعضاء الثورة من زملائك الذين قاموا معك بانقلاب الفاتح؟
المتهم: تخلصت من بعضهم، وأنفض الآخرون عن القيادة وغابوا، أعني قمت بتغييبهم عن أعين الشعب، فتولى الصمت مهمة دفنهم أحياء.
القاضي: منذ عام 1969 وأنت تهدر أموال الشعب، ألم يدر بخلدك أن تلك الأموال ليست ملكا خالصا لك، وأنك أمين عليها؟
المتهم: يا سيدي، أنا لست مجرما كما يصورني بيان الاتهام من النيابة، لكنني شخص متمرد، وثوري، ولم أكن عندما قمت بالثورة أفقه في الاقتصاد والسياسة والفلسفة والأخلاقيات والدين، فلما تجمعت السلطة في يدي فاجئني العبيد برقابهم، وابتهجوا بالذل، واغتبطوا بالمهانة، حتى أنني وصفت شعبي في حفل عام بأنهم كالماعز فصفقوا لي.
القاضي: ولكنك قمت بتصفية الالاف من أبناء شعبك، وصنعت جماهيرية الرعب، وجعلت من ليبيا سجنا أكثر توحشا من سجون ومعتقلات زملائك من الزعماء الرعب، ألم يكن أمرا طبيعيا أن يخشاك مواطنوك؟
المتهم: حتى قبل التوسع في بناء المعتقلات والسجون كانت الجماهير مهيئة لكل أشكال القمع والقهر.
وضعت لهم ( الكتاب الأخضر) وهو مجموعة من التعاليم الساذجة والتي يخجل طفل في المرحلة الابتدائية من كتابتها، فجعلوه كتابا مقدسا، وتم تأسيس مركز الكتاب الأخضر، وأنفقت من أموال الشعب مئات الملايين التي تم نهب أكثرها بحجة تعريف العالم بفكر رسول الصحراء.
قمت بتبديل التاريخ الهجري ليستخدم الشعب تاريخ وفاة النبي، فتهافت مثقفو ليبيا ومعهم عدد هائل من المنافقين والمتزلفين على تبرير قراري.
ضربت الدبلوماسية في مقتل، وصنعت مكاتب شعبية في الخارج كانت مسرحا للتهريج والسيرك الدبلوماسي، فعثرت على الملايين يؤيدونني ويطيعونني.
أقمت مؤتمرات بعدد حبات رمال الصحراء للبحث في فكري، واستخراج العبقرية من قراراتي المفاجئة وغير المتوازنة، فكانت المكاتب الشعبية الليبية في الخارج تستقبل آلافا من مفكري الأمة وعلمائها وفقهائها ومثقفيها وضمير شعوبها يطلبون السفر إلى الجماهيرية، ويشتركون في حوار أحمق عن سذاجة فكرية، فتخرج قرارات وتوصيات ومديح لم يحصل على مثلها نبي من أنبياء الله منذ آدم عليه السلام.
حتى هزيمة جيشي في تشاد وعودة جنودي في نعوش عبر الصحراء الليبية بعد انتصار القبائل التشادية المسلحة ببنادق من بقايا الاستعمار تحولت إلى مظاهرات فرح.
القاضي: ما هي حكاية التعويضات في قضية لوكربي؟
المتهم: لقا تم اسقاط الطائرة في الفترة الخصبة التي طاردت فيها بأموال شعبي الكلاب الضالة، وقتلت الأبرياء، وحولت أجهزة الأمن إلى مطاردة كل من يخالفني الرأي، فكانت خطتي بقتل ركاب الطائرة التي انفجرت فوق المدينة الاسكوتلندية الهادئة، ثم كان الحصار الذي استمر سنوات طويلة فجعلت الشعب يؤمن أننا في الجماهيرية نقف في خندق الصمود ضد قوى البغي, وفي النهاية اضطررت لتسديد أقل من ثلاثة مليارات دولار لأهالي الضحايا شريطة أن لا تتم محاكمتي كمجرم حرب.
القاضي: ولكنك فعلا مجرم حرب ومجرم سلام، فكيف نجوت من محاكمة دولية؟
المتهم: لأنني أعرف أن مصالح الدول الكبرى ، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تحدد قيم العدالة في الغرب، لذا دفعت صاغرا التعويضات، وقمت بتسليم الادارة الأمريكية آلاف الوثائق والمستندات الخاصة بالمنظمات العربية والاسلامية والدولية، وكشفت كل أسرار من ظن أنها في صدري ولن أبيعها لخصومهم، وأهديت للحكومة البريطانية أسرار الجيش الجمهوري الايرلندي!

القاضي: .. وبعت أيضا الفلسطينيين، أليس كذلك؟
المتهم: عشرات المرات وبعضهم لا يزال يعلق آمالا كبيرة على وعودي!
في حصار بيروت حجبتُ عنهم السلاح، وطلبت منهم الانتحار..
وكان كثيرون منهم يعملون في الجماهيرية، فلما شعروا بالأمن، طلبت من أجهزة أمني أن يلقوهم في صحراء السلوم، ويسرقوا ممتلكاتهم ومتاعهم وأموالهم..
وقمت ببيع وثائقهم واسرارهم ومستنداتهم لرجال الرئيس في أمريكا في مقابل أن يرضى عني البيت الأبيض.
القاضي: هل ظننت أن خزينة الدولة السجن كانت ستكتفي بدفع تعويضات لكل من أضرتهم أعمالك الارهابية؟
المتهم: حتى لو تسول الليبيون من بعدي في شوارع تشاد وأوغندا والسودان وسوازيلاند، فلم يكن هذا يمنعني من دفع مليارت الدولارات لكل من يرفع قضايا تعويض ضدي، فالألمان لهم نصيبهم من أموال شعبي بسبب حادث البار في برلين، والفرنسيون غرفوا من أموال البترول تعويضا عن اسقاط الطائرة فوق النيجر، حتى أبناء الاستعمار الايطالي كانوا يستعدون للحصول على تعويضات مني.
القاضي: ما هي حكاية الخيمة التي تنتقل بها في كل مكان، وتسبب حرجا لمضيفيك، وتنصبها في حديقة قصر المضيف، وتكلف الدولة المفلسة ملايين في كل مرة، وتصطحب معك ناقتين وعشرات من الأشخاص الذين تنحصر مهامهم في نقل الخيمة ونصبها واعداد الأثاث لها، ودورة المياه والحمام والفضلات.. أخشى أن أتهمك بالجنون لئلا تنجو من المحاكمة ويتسلمك من العدالة أطباء في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية؟
المتهم: إن عقدتي، سيدي القاضي، تكمن في كراهيتي للاهمال، فإذا شعرت أن هناك من خطف الأضواء مني، فإن لساني على استعداد أن يقدم أي اقتراح بعيدا عن العقل والمنطق والسوية، حتى لو قلت بأن وليم شكسبير كان عربيا ويدعى الشيخ زبير، أو أن الهنود الحمر عرب، أو أنه لا يوجد في العالم العربي مسيحيون ( وكان المرحوم الدكتور غالي شكري قد صحح هذا الخطأ لي، فعرفت أن لدينا مسيحيين عربا )، أو أن المسجد الأقصى عبارة عن قطع من الأحجار ولا يمثل لي أي قداسة، أو أن حل الصراع العربي الاسرائيلي يكمن في دولة ( اسراطين)، أو عشرات غيرها من الأشياء التي تخطف عيون وآذان المواطنين، فالمهم أن أبقى أنا في الضوء طوال الوقت.
القاضي: مثلما قلت بأن الأوروبيين يطمعون في احتلال ليبيا للاستيلاء على بطيخها، فضحك العرب، وتندروا على فكاهاتك، وبقيت أنت في الحكم السيرك، ألست أنا محقا؟
المتهم: نعم، سيدي القاضي، إنه فن الطغيان الذي لم يكتشفه قبلي في عالمنا قلة قليلة.
عندما قال كل عربي وليبي لأخيه: دعه إنه مخبول وكوميدي، فقد كان هذا يعني اطالة أمد حكمي وسطوتي وسيطرتي على مقدرات الليبيين.
القاضي: ماذا حدث في سجن ( أبي سليم ) عام 1996؟
المتهم: لم يحدث أي شيء غير طبيعي، فقد بدأ أن هناك تمردا على أوضاع السجن فأعطيت التوجيهات اللازمة لزبانيتي وكلاب خيمتي من رجال الأمن القساة فتولوا، مشكورين، مهمة التخلص من 1200 سجين، وتم ارسالهم إلى العالم الآخر، فأنا لدي من الليبيين، أعني الذين وصفتهم بالماعز، أكثر من الهم على القلب.
ثم إنني، سيدي القاضي، أقوم بما يفعله أشقائي في العروبة من زعماء الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالد!
ألم يتخلص صدام حسين من أكثر من ربع مليون عراقي في طول أرض الرافدين وعرضها، فضلا عمن سقطوا في الحرب المجنونة مع ايران، ومن دمرتهم آلة الحرب اليانكية وهم ينسحبون بذلة واستكانة من الكويت متجهين إلى القائد المهيب لعله يرسلهم إلى جحيم عدوان جديد؟
ألم تدفن سرايا الدفاع بقيادة العقيد رفعت الأسد، صاحب شبكة الأخبار العربية المدافعة عن حقوق الإنسان، بجوار سجن تدمر أكثر من 1000 شخص في مقبرة جماعية؟
ألم يأمر أمير المؤمنين الحسن الثاني، رحمه الله، وزير داخليته الجنرال محمد أوفقير بالتخلص من أي شخص يحلم أو يفكر في معارضة الملك، فلما قام طلاب الدار البيضاء بمظاهرات سلمية لم تمر عدة ساعات حتى كانت سيارات الجيش تقوم بجمع جثث دافئة لشباب وأطفال في المدينة الآمنة بعدما استجاب الجنرال لمليكه المهووس بالقتل، واختفى المغاربة في قبور جماعية أسوة بمواطني معظم الدول العربية؟
ألم يقم الحسين بن طلال, رحمه الله، بمجزرة سبتمبر الأسود ضد الفلسطينيين وراح ضحيتها أكثر من ثلاثين ألف فلسطيني، وتوقف بعدها القلب الكبير لجمال عبد الناصر؟
لماذا تتهمني، سيدي القاضي، بارتكاب المجازر الجماعية وأنا أقوم بتأدية واجبي في التخلص من عدة آلاف من المواطنين وفقا للعادات والتقاليد العربية، ولو لم أفعل لما احترمني زملائي الزعماء العرب؟
القاضي: هل كانت لك أي علاقات بالكيان الصهيوني؟
المتهم: أرسلتُ في احدى المرات بعض الحجاج للمدينة المقدسة، وختمت أجهزة الأمن الاسرائيلية على جوازات سفرهم بنجمة داود، وكنت أريد أن اختبر ردود فعلي شعبي المسكين، فتلقيت التهاني من كل قطاعات الشعب الليبي العظيم .. أحفاد عمر المختار.
وقد فعل مثلي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة فأرسل بعض الصحفيين الجزائريين، لكن الشعب الجزائري لم يستوعب هذه الكارثة، فصمت الرئيس وأدعى أنه لم يكن على علم بالزيارة.
أما العلاقات السرية بين ليبيا واسرائيل فلم يحن بعد وقت الاعلان عنها، وهل تظن، سيدي القاضي، أن الإدارة الأمريكية ترضى عني إن لم أقدم الضمانات والأمن لاسرائيل ذليلا ومقهورا ومهزوما؟
لقاضي: هل قمت فعلا بتصفية الامام موسى الصدر وهو ضيفك، والتقاليد العربية منذ عهد الجاهلية تراعي دائما أمن وسلامة الضيف حتى لو كان عدوا لك؟
المتهم: نعم، سيدي القاضي، قمت بقتله مع مرافقيه، وقامت أجهزة الاستخبارات الليبية بعمل مسرحية عن سفر الضيوف إلى العاصمة الايطالية، لكن حبكة اللعبة لم تكن على مستوى درجة ذكاء أي أجهزة أمن، فمخابراتي تحتل المركز الأول في الغباء والبلاهة والحماقة، حتى عندما قامت باختطاف منصور الكيخيا، عرف العالم كله بالعملية قبل أن تقوم أجهزة أمني بتسليم المعارض لي.
القاضي: أنت تتصرف أحيانا كمعتوه ينبغي عرضه على طبيب نفسي وأحيانا أخرى كقائد متهور، ولكن في كل الأحوال أنت واحد من أقسى طغاة العصر الحديث، فهل كان لك هدف محدد أو مشروع قومي؟
المتهم: حاولت، كما ذكرت من قبل، جذب الأنظار، وكنت في الحقيقة اشعر بدونية شديدة، فقدراتي العقلية لا تسعفني في كثير من الأحوال، لكن يشفع لي دائما أن السوط في يدي، وأضرب به ظهور الليبيين متي شئت وكيفما أردت، وأرسل أي عدد منهم إلى ملك الموت، ولو أعطيت توجيهات بسحب كل أرصدة البنوك ودفعها تعويضات عن جرائمي لصفق الشعب وخرج في مظاهرات تطوف شوارع البؤس الليبي، وتعتبر قراري حالة نادرة من العبقرية الصحراوية للقائد الملهم!
لو نزل الوحي مرة أخرى على نبي من الأنبياء لما تمكن من صناعة سلطة مقدسة كالتي صنعها لي شعبي.
القاضي: وماذا عن محاولات الانقلاب والاغتيال التي تعرضت لها خلال فترة حكمك الأسود لشعبك المسكين؟
المتهم: كانت كثيرة وخرجت من قلب الصحراء ومن طرابلس ومن الجبل الأخضر، ولكن لدي أجهزة أمن تستطيع أن تعد على الليبي أنفاسه، وتعرف عدد أسنانه، وتتسلل إلى أحلامه، ولديها أوامر وتوجيهات مني بأن لا تتهاون أو تأخذها رحمة أو شفقة أو تتردد هنيهة واحدة في قطع رقاب الكلاب الضالة ولو بلغ عددهم نصف سكان جماهيرتي.
في المقابل فإن صمتا مريبا ران على العالم كله، والتزم به العرب من بحرهم إلى مائهم بأن لا يدخلوا عش الدبابير، ولا يثيروا غضبي وحنقي، وأخص بالذكر مصر والسودان وإلا فإن أموالي لن تعرف طريقها إلى حكام الدولتين.
ولعلك، سيدي القاضي، تعرف أن المكاتب الشعبية الليبية في الخارج تضج من كثيرة المترددين عليها من المثقفين والأكاديميين والمفكرين والاعلاميين الذين يطلبون تأشيرة أو دعما أو مساهمة أو زيارة يتبعها مديح زائف ونفاق أعمى وتبريرات لكل جرائمي ضد شعبي الليبي.
لذا فإنني لم أطلب اجراء احصاء بعدد الذين قمت باعدامهم نتيجة شبهات انقلاب ضدي أو مؤامرات لم تتم أو معارضة مقصوصة الأجنحة أو تجمعات بريئة تتحدث عن هموم ليبيا!
القاضي: كيف كنت تتعامل مع القانون والدستور؟
المتهم: إن الدستور الذي أعرفه هو الكتاب الأخضر الذي أوهمت شعبي أنه يحتوي على عصارة فكر القائد، وحلا لمشكلات الدنيا كلها، وضربا موجعا للفكر الماركسي والرأسمالي والاشتراكي والاسلامي، وأنفقت من أموال النفط مئات الملايين على جعل الكتاب الأخضر أكثر قراءة من الكتب المقدسة أو تعاليم ماو أو رأس المال لكارل ماركس، وكان الأخ أحمد شحاتي يتولى رئاسة مركز الكتاب الأخضر وينفق بدون حساب.
الدستور كلمة تعني تقييدي بقوانين دولة، وعقدا اجتماعيا مع شعب له حقوق، وتنظيما لادارة شؤون الحكم والعلاقة بين الحاكم والرعية، وكل هذه الأمور خرافات وهراء لم أعترف بها يوما واحدا.
كنت، سيدي القاضي، الحكم والخصم والجلاد والسجان والقائد والأب الروحي ورسول الصحراء ومعبود هذا الشعب.
اللجان الشعبية تتابع أعمالي وزياراتي وأقوالي وأفعالي وكل ما تتفوه به شفتاي فتتحول إلى دستور غير مكتوب، وتتولى أجهزة اعلام استخراج العبقرية من الهزل، واعداد مائدة شهية من القيء، وتأهيل الاستبداد في تجميع هرمي لكل قوى الدولة الروحية والمالية والشعبية والأمنية وتصب كلها في يدي.
القانون كان صناعة في خيمتي الملونة، وما لم يصدر عني فلا تعتد به أي محاكم أو قضاة أو أجهزة الدولة متفرقة أو مجتمعة.
القاضي: وكيف كانت علاقتك بمصر وبحكامها؟
المتهم: كنت أشعر بدونية شديدة أمامهم، لذا أقوم باصدار الأوامر بين الحين والآخر بطرد العاملين المصريين الغلابة، والقائهم في الصحراء، وسرقة ونهب أموالهم البسيطة التي ادخروها بعد سنوات من العمل الشاق ثم تتوسط الحكومة المصرية، ويبعث الرئيس وسيطا غالبا ما يكون صفوت الشريف الذي حمل ملف ليبيا في العلاقات مع مصر، وتأتي مكرمتي باعادة بعض العمال المساكين إلى جنة الجماهيرية.
عندما قام رئيس تحرير مجلة طائر الشمال بزيارة إدارة الرقابة على المطبوعات في لاظوغلي عام 1990، وقابل وكيل الوزارة عبد القادر لطفي ومدير الرقابة السابق فتحي أبا زيد وسأل عن سبب منع المطبوعة من دخول مصر، قيل له بأن الخط الأحمر كان ليبيا ، وأن أي نقد للأخ العقيد معمر القذافي لا تتسامح فيه إدارة الرقابة على المطبوعات، فالعقيد يمنحنا الدعم المالي، وتوجيهات الرئاسة حاسمة في شأن عدم المس بكرامة قائد ثورة الفاتح من سبتمبر.
القاضي: هل صحيح أنك تآمرت على قتل ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز؟
المتهم: التآمر على القتل كان حرفتي، وقد سددت من ميزانية الجماهيرية مبالغ طائلة للمرتزقة والمأجورين، وأنا فعلا أحمل كراهية شديدة لآل سعود، وزادت بعدما كشف ولي العهد السعودي أمام كاميرات التلفزيون علاقاتي بأجهزة الأمن الغربية، وكاد يفضحني على الملأ وأمام شعبي.
لكن حكاية الاغتيال في لندن باطلاق صاروخ على موكبه لا تناسب اطلاقا احترافي القتل، فأنا أصدرت الأوامر باسقاط الطائرة فوق لوكربي، والفرنسية فوق النيجر، وخطفت الإمام موسى الصدر والمعارض منصور الكيخيا، وفجرت قنابل في مصر وقتلت الأبرياء وتعاملت مع الارهابيين في كل مكان، ولم أكن في حاجة لوضع خطة بلهاء مثل ضرب الموكب بصاروخ في قلب العاصمة البريطانية, فالذين حبكوا القصة حمقى ويبدو أنهم تلاميذ في مدرسة الاعلام الأمني.
القاضي: أعلن الاتحاد الليبي للمدافعين عن حقوق الإنسان وعلى مسؤوليته الأدبية والمهنية أنه يملك قائمة بأسماء 800 اسم لسجناء سياسيين قمت أنت بتوجيه الأوامر بتصفيتهم .. هل هذا صحيح؟
المتهم: نعم فقد أبلغنا أسرهم وذويهم بوفاتهم في المعتقلات والسجون، فهؤلاء كانوا خونة يعترضون على طريقة حكمي.
القاضي: لماذا قمت بالقاء تهمة التخلص من الإمام موسى الصدر على أبي نضال على الرغم من أن أبا نضال نفسه كان رجل ليبيا؟ ثم لماذا انتظرت طوال هذه السنوات لتتهم أحد رجالك؟
المتهم: لأن اللبنانيين والايرانيين صدعوا رأسي بإمامهم، وكنت أعلم أن تصفية أبي نضال حتمية سواء مني أو من صدام حسين، فقررت قذف الكرة في ملعب آخر بعيدا عن جماهيريتي.
القاضي: لماذا أردت عن طريق ابنك سيف الاسلام تقسيم ليبيا إلى ولايات صغيرة متباعدة ومتفرقة؟
المتهم: لأن الأمن كان قد أصبح معقدا ومتشابكا، وليبيا تحتل في نصفها الشمالي نصف طول شمال أفريقيا، وكان لابد من اقامة محافظات صغيرة وولايات وكانتونات تحت إمرة اللجان الشعبية وعمداء وشيوخ وزعماء قبائل حتى أضمن لنفسي ولأولادي أمنا وسلاما وطاعة لعشرات من الأعوام.
القاضي: الحصار الدولي على ليبيا كلف الخزانة أكثر من خمسين مليارا من الدولارات، وكان بسبب أعمالك الارهابية وفي مقدمتها حادثة لوكربي.
لماذا لم تعترف في بداية الحصار؟
المتهم: الحصار كان مهما بالنسبة لي، فقد لعبت دور البطل الذي ناهض ويعارض وينتقد أمريكا.
ووضعت يدي على كل دينار في خزينة الدولة بحجة الانفاق على الجماهيرية المحاصرة، وفرض العالم عزلة كبيرة مما مكنني من احكام قبضتي على كل ليبي، فالاعلام كان بعيدا، ووكالات الأنباء قاطعت ليبيا، فتمكنت من التخلص من الآلاف من الكلاب الضالة التي تتمرد على نظام حكمي.
القاضي: لكنك خضعت في النهاية لسيد البيت الأبيض، ودفعت من جهد وعرق وخيرات شعبك المليارات تعويضا عن جرائمك، وطعنت الأصدقاء في ظهورهم بتسليمك الوثائق التي كانت في حوزتك إلى أجهزة الأمن الأمريكية، وكدت ترهن نفط بلادك لشركات الاحتكار التي حاربتها أنت طويلا.. ماذا تبقى من القذافي؟
المتهم: عندما رأيت صورة صدام حسين يخرج من جرذ الفئران، ويتعرض لامتهان لم يحدث مثله منذ سقوط غرناطة، ويكشف عريف طبيب أمريكي على سقف حلقه، ويتأكد من عدم وجود قمل أو براغيث أو حشرات في شعره الأشعث الأغبر، تخيلت للحظة واحدة مصيري، وكدت أسقط مغشيا علي من هول الخوف والرعب والفزع، ولم أتصور نفسي ملقيا على الأرض تحت حذاء جندي أمريكي، فقررت بيع ما تبقى من ليبيا، ولعنة الله على الوطن والأهل والشعب، فإذا مت ظمآن فلا نزل القطر.
القاضي: كنت تقحم نفسك في كل شيء وتخصص، فأنت روائي وقصاص وأديب وسياسي وقائد وصانع عصر الانعتاق الكبير ورسول الصحراء وقائد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيم والمحارب، وتفسر القرآن الكريم وتصدر فتاوى نسائية وتبحث في الأصول اللغوية للكلمات بجهل وحماقة وتنهزم في كل المعارك، ومع ذلك ظل جهلك مصدر قوة لك، ومضحكاتك تأكيدا لتثبيت حكمك، فكيف بالله عليك حكمت أحفاد عمر المختار كل تلك السنوات؟
المتهم: حتى لو مسخني الله حمارا فأغلب الظن أن الشعب كله كان سيهتف باسمي، ويطيع أوامري، ويستخرج من أحط التصرفات عبقرية يهتف لصاحبها.
لقد كنت أملك السلطة والسوط ورجال الأمن وكلاب القصر أعني الخيمة، وكل هؤلاء يمثلون ضمانا لركوع الشعب أو حتى سجوده أمام طاغيته.
بعد فترة قصيرة من تولي السلطة تبدأ عملية انتفاخها ووصولها كالسرطان إلى كل مكان فلا يعرف المرء أين موضع المرض لأن الجسد كله يصبح مريضا بنفس القدر في كل موضع منه.
هل تتذكر، سيدي القاضي، عام 1999 عندما قمت بزيارة جامعة القاهرة وشرحت لرجال المستقبل في أكبر بلد عربي مفاهيم هلامية من استفراغ فكري مريض وقلت لهم بأن كلمة مافيا ترجع إلى كلمة ( معفية ) العربية لأن عصابات المافيا معفية من السلطة والمحاكمة؟الذي حدث أن طلاب الجامعة العريقة هتفوا في صوت واحد قائلين: علمنا يا عقيد علمنا!
القاضي: أنت كنت تدغدغ مشاعر الجماهير بأموال شعبك، وكنت تقذف الدولارات من نافذة سيارتك فيجري خلفها الأفارقة المساكين، فظن كل من يراك أنك ستضع يدك في جيبك أو جيوب شعبك لتدفع له إكرامية.
هل تتذكر فريق كرة القدم الألماني الذي كان يعاني من نقص في الأموال فقرر رئيسه أن يرتدي اللاعبون فانيلات عليها شعار الكتاب الأخضر، فلما نفحتهم بمليون دولار، استبدلوا بشعارك فانيلاتهم الأصلية؟
المتهم: ولكن وسائل الاعلام والمستشارين لم يكونوا أمناء معي، وأنا ظننت أن ألمانيا كلها ستقرأ الكتاب الأخضر الذي تخطيت فيه مرحلتي الاشتراكية والشيوعية إلى عصر الجماهير.
القاضي: هل أنت عبيط أم أهبل؟ كيف ستتأثر ألمانيا بشعار على صدور لاعبي أحد أنديتها 
ثم يخرج الشعب الألماني يهتف لك بالروح والدم؟ 
المتهم: لماذا لا يخرج العالم كله يهتف باسمي؟ لقد قمت بتاسيس نظرية تحرير البشرية
القاضي: وتاريخك الملوث بعمليات الاغتيال والغدر والقتل وسفك الدماء، هل هو أيضا تحرير للبشرية؟
سأذكرك بأقل القليل من جرائمك اللعينة في عمليات الاغتيال وأهمها:
*محاولة اغتيال الرائد منعم الهوني، عضو مجلس قيادة الثورة السابق.
* اغتيال محمد سالم الرتيمي في روما.
* اغتيال محمد مصطفى رمضان في لندن.
* اغتيال عبد اللطيف المنتصر في بيروت.
* اغتيال محمود عبد السلام نافع في لندن.
* اغتيال عبد الله محمد الخازمي في روما.
* اغتيال عمران المهدوي في بون.
* اغتيال محمد فؤاد أبو حجر في روما.
* اغتيال ابو بكر عبد الرحمن في أثينا.
* اغتيال عبد الحميد الريشي في روما.
* اغتيال عز الدين الحضيري في ميلانو.
كل تلك الجرائم البشعة حدثت في عام واحد فقط، ولعل ما تعرفه عدالة المحكمة أكبر بكثير.
وهنا تقدم أحد المستشارين للقاضي بورقة، فنظر إليها وعلامات الدهشة تغطي وجهه، ثم قال:وفي 11 نوفمبر 1980 قامت عناصر لجانك الثورية بتسميم طفلين في مدينة بروتسموت ببريطانيا.
وفي أواخر عام 1981 قام رجالك بتسميم السيد علي الأطيوش في اليونان.
وقام رجالك أيضا باختطاف جبريل الدينالي في المكتب الصحي الليبي في بون.
وفي يناير عام 1983 اكتشفت أجهزة الأمن المصرية خلايا ليبية لاغتيال عدد من المعارضين الليبيين لحكمك في مصر.
وفي 12 يونيو 1984 قام أحد رجال مخابراتك ويدعى لطفي العسكر باغتيال صالح أبو زيد في أثينا، وتم تهريب القاتل إلى ليبيا.
وفي ديسمبر عام 1984 فشلت محاولتك باغتيال محمد يوسف المقريف زعيم المعارضة في الخارج، وكنت وعدت بنفسك المكلف بالعملية بمبلغ مليون دولار.( المصدر في أسماء وتواريخ الاغتيالات من Libyans 4 Justice .
وطوال سنوات طويلة هي عمر حكمك المشؤوم والارهابي كنت الرجل الأول في التوجيهات بالاغتيالات، وكل الأسماء تم عرضها عليك، ولا تزال هناك مئات من أسماء الشهداء لدى المحكمة، وهؤلاء قمت بخسة ونذالة واجرام بقتلهم أو أعطيت الأوامر بتصفيتهم.
هل أحدثك عن المزيد من عمليات الاغتيال؟
المتهم: إنني، سيدي القاضي، لم اخترع ثقافة الاغتيالات، ولو لم أقم بها فلن يحترمني أكثر الزعماء العرب!
ثم إنها عادة عربية تتعامل بها السلطة مع أبناء الشعب كأنهم يحملون أرواح كلاب.
ألم يقم صدام حسين بعمليات اغتيال وتسميم لمعارضيه أكثر مما فعلت أنا؟ وكان يقطع الألسن والآذان، ويضع العراقيين في حامض الأسيد، ويتلذذ بمنظر القبور الجماعية، ويقوم بتصفيات كأنها إبادة( مثل حلبجة وانتفاضة مارس 1991)؟
ألم تقم المخابرات السورية بتصفية الخصوم، حتى ميشيل نمري رئيس تحرير مجلة ( النشرة ) قامت أجهزة الأمن السورية بقتله في أثينا.
ألم يقم جعفر النميري بأشد الجرائم بشاعة ضد شعبه، ثم أصدر كتابا عن النهج الاسلامي، وقام بتأدية مناسك الحج، وظهرت في جبهته زبيبة صلاة، وكان يقرأ القرآن الكريم بعد أن يستمع لأخبار عمليات التعذيب في معتقل كوبر؟
ألم يفعل عمر حسن البشير نفس الشيء، وأحال حياة السودانيين إلى جحيم؟
أليست سلطات الأمن التونسية مشغولة بكل تونسي يعارض الرئيس مدى الحياة زين العابدين بن علي، وتترقب وصول أي معارض، وتفتح أبواب سجونها للآلاف بتوجيهات مباشرة من القائد؟
ألم يستعبد الملك الحسن الثاني المغاربة أربعين عاما أذاقهم فيها الويلات، واحتقرهم، وتولى الاشراف بنفسه على عمليات الاغتيال ومنها المهدي بن بركة الذي أذابه في أحماض كيماوية؟
ألا تعرف المخابرات الأردنية أحلام الأردنيين وكوابيسهم، وتنتظرهم أجهزة تعذيب مستوردة من العالم المتحضر خصيصا لكي يتعلم الأردنيون آداب العبودية؟
ألم يبتهج ويسعد الرئيس حسني مبارك طوال فترة حكمه عندما كانت تأتيه أخبار التعذيب في أقسام الشرطة والمعتقلات، وكان الانتهاك والجلد والصعقات الكهربية واغتصاب الرجال ونفخهم أو اشعال النار في أجسادهم، فيزداد الرئيس طغيانا واستبدادا وتمسكا بالعرش؟
وأنا أيضا، سيدي القاضي، أحمل قائمة طويلة بطول الجبل الأخضر بأسماء المواطنين العرب الذين قضوا في سجون ومعتقلات الوطن العربي الكبير.
القاضي: وهل هذا يعفيك من المسؤولية، أو يخفف عنك العقوبة، أو يهون من شأن جرائمك؟
المتهم: لكنني كنت قائد ثورة، وفي جماهيرتي مؤتمرات شبه يومية يؤمها في العام الواحد آلاف من صناع الكلمة وحملة الضمير من مثقفين وعلماء ورجال دين وسلطة وأكاديميين ومسؤولين، وكلهم يعتبرونني حالة من الحلم العربي للاستقلال والحرية ومناهضة الامبريالية.
القاضي: أنت كنت تشتري بأموال شعبك الشعوب الأخرى، ولك أن تنظر ماذا فعلت يداك الملوثتان دما في أفريقيا؟
قمت بدعم الاستبداد، وأطلت في أعمار الأنظمة الارهابية، وانتهجت سياسة فرق تسد، وأهدرت أموال شعبك المسكين، ولم تكن تعرف إن كنت عربيا أم أفريقيا أم من الهنود الحمر أم تريد الانضمام لحلف وارسو.
المتهم: كان الليبيون يخرجون في مظاهرات تجوب الجماهيرية طولا وعرضا، ويؤيدون أي قرار حتى لو سببتهم أو لعنتهم أو وصفتهم بأنهم كالماعز. كنت وأولادي نستعبدهم وهم في لذة وهاجة، ومتعة شديدة في أن يمنحوني رقابهم.
القاضي: لأنهم كانوا يخشون أجهزة أمنك التي لا ترحم أو ترأف أو تعفو عن أي معارض. هل نسيت المذابح الجماعية التي قمت بها ضد أبناء ليبيا، وفي مقدمتها مذبحة سجن أبي سليم؟
.. ومع ذلك كنت تظن حقا أنك نبي هذا العصر، أليس كذلك؟
المتهم: صدقني، سيدي القاضي، إن قلت لعدالة المحكمة بأنني لم أصنع نفسي لكن الجماهير هي التي صنعتني هكذا ..
قدمت كتابي الأخضر وقلت بأنه يشبه البشارة، وأن العالم في حاجة إلى نبي جديد، فجاءت اللجان الثورية لتصبغ علي هذا الوصف، ثم تم تخفيفه إلى رسول الصحراء.
قلت لهم بأن مئة وسبعين طائرة معادية حلقت في سماء طرابلس، وضربت ليبيا وشعبي وخيمتي في سبيل احراق مسودة كتابي، فصدقني الليبيون!
صنعت لهم عالما من الفوضى، فاعتبروها عبقرية في الحكم.
ألغيت مهنة المحاماة إثر خطاب زوارة الشهير، فصمت كل محاميي العالم، والتزم السكوت رجال القانون العرب.
ألقيت بالتونسين والمصريين والفلسطينيين والسودانيين في قلب الصحراء الحارقة، فلم يعترض زعيم عربي واحد على امتهاني لكرامة رعاياه، وهم يستقبلونني استقبال الأبطال!
خضت حربا فاشلة في تشاد ضد قوى بدائية مسلحة بالعصي وفروع الشجر وبنادق أنتيكية، فشكرني شعبي على الانتصار الساحق.
أحلت حياة المصريين إلى جحيم، وفجرت قنابل، وزرعت الرعب في أرض الكنانة، وأمرت بسرقة ونهب واذلال المواطنين المصريين العاملين في جماهيرتي، وكانت النتيجة أن الرئيس حسني مبارك يتودد إلى، ويأتي فورا عندما أغضب، ويطلب من سكان مرسى مطروح استقبالي كبطل محرر.
أثرت متاعب في الصحراء، وقمت بدعم الصحراويين في جمهوريتهم بدلا من عودتهم إلى الوطن الأم .. المغرب، وأنفقت من أموال شعبي على إثارة القلاقل والمتاعب للمغرب، فساد صمت مريب في العالم العربي، ولم يعاتبني زعيم واحد.
أشعلت النار في لبنان، وسعيت لفتنة طائفية، وقمت بدعم كل الأطراف، وخطفت زعيما شيعيا كبيرا ومفكرا رائعا، وقمت بتصفيته، فلم يقبل معظم الزعماء العرب أن تتهمني الصحافة أو تشير صراحة إلى جريمتي!
قتلت ألفا ومئتي مواطن ليبي في سجن واحد فقط، فصدرت التوجيهات من القيادات العربية بعدم الاشارة إلى جريمتي.
أوهمت شعبي بأن هناك مشروعا ضخما يعادل سور الصين العظيم وهو النهر الصناعي العظيم المنبثق عن فكر قائد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيم في الجماهيرية العظيمة، وأهدرت مليارات من قوت شعبي، ولم يحاسبني أحد.
قمت بمحاولة احتلال مدينة( قفصة) التونسية، ودبرت محاولات اغتيال عشرات من السياسيين التونسيين، لكن تونس الخضراء تفتح ذراعيها ي، ويعانقني بحرارة استقبال علانية الرئيس التونسي، ويعمل لدي آلاف من التونسيين رقم الفقر الذي يعيش فيه ثلثا الليبيين.
القاضي: وماذا عن علاقتك باسرائيل؟
المتهم: ظاهريا كنت المناضل الذي يحارب الكيان الصهيوني، ويفتح أرضه وسماءه للفلسطينيين، ويدرب رجال المقاومة.
أما الحقيقة فقد أبديت اعجابي بالدولة العبرية، بل إنني طلبت من أحد أصدقائي اليهود ترتيب زيارة حجاج ليبيين لبيت المقدس، وكان أكثرهم من رجال الأمن والاستخبارات، وطلبت من المقاومة الفلسطينية في لبنان الانتحار والصمود حتى تتولى اسرائيل تصفيتهم، وقذفت بآلاف الفلسطينيين إلى الصحراء في العراء، ثم قلت بأنني أفعل هذا من أجلهم، وعلى استعداد لنصب خيمتي الملونة بجوار خيامهم، فاعتبرني شعبي بطلا نبيا يسحر الجميع بعبقرية أفكاره.
القاضي: أكنت حقا تظن نفسك نبيا كما وصفتك الصحفية الايطالية ميريلا بيانكو في كتابها ( القذافي رسول الصحراء)؟
المتهم: الأنبياء لهم رسائل تنزل عليهم من السماء، أما أنا فقد صنعت رسالتي بنفسي، ومن يتابع المشهد القذافي في شطر منه لا يخالجه أدنى شك في أنني أعتبر نفسي أعلى قدرا ومقاما ورسالة سامية من الأنبياء أنفسهم.
لهذا عندما فسرت كلمة كن فيكون وكان ذلك في بنغازي خلال انعقاد مجلس اتحاد الجامعات العربية في فبراير عام 1990، كانت رسالتي واضحة للجميع بأنني أكثر قداسة والهاما وعبقرية وأهمية من كل الأنبياء والرسل الذين جاءوا قبلي.
القاضي: ما هي عدد محاولات الانقلاب التي قمت بها ضد الدول الأخرى والأنظمة العربية والأفريقية وباءت بالفشل؟
المتهم: لا أتذكر لكنها قد تكون مئة أو أكثر أو اقل.
القاضي: كيف كان رد فعلك عندما غزا العراقيون دولة الكويت المستقلة والعضو في جامعة الدول العربية؟
المتهم: كنت سعيدا للغاية رغم كراهيتي لصدام حسين، وزايدت على أبي عمار الذي طالب بانتخابات جديدة في الكويت أملا في أن لا يعود آل الصباح لتولي مقاليد الحكم، فقلت قولتي المشهورة بأن الكويت دولة كرتونية، وطالبت بتقسيمها بين العراق والسعودية.
القاضي: ومع ذلك التف كل الكويتيين في مؤتمر جدة الشهير في أكتوبر عام 1990 حول آل الصباح كشرعية دستورية وشعبية حاكمة، ونفذ الأمير وولي العهد تعهدهما للشعب بالتحرير بأي ثمن، ولو كنت أنت مكانهما لما أعادك الليبيون إلى بلدك إلا مكبلا بالأصفاد، أليس كذلك؟
المتهم: إنني أكره الخليجيين كراهية شديدة فهم يبحثون عن السلام والأمن وتطوير مجتمعاتهم، ولا يثيرون متاعب مع الجيران ولا يبعثون فرق تصفية لخصومهم، وهذا يعريني أمام شعبي وأمام العالم كله بأنني مشاغب ومشاكس دون أي نتائج أو انتصارات أو تطور ملموس يشعر به الليبيون.
كيف بدأت عمليات اغتيال معارضيك في الخارج؟
المتهم: لقد طلبت منهم في يونيو عام 1981 أن يعودوا إلى ليبيا في مقابل العفو عنهم، ثم بعد ذلك أصبحت في حل من وعدي وطلبت من اثنين من رجالي، هما سليم حجازي والسنوسي، أن يقوما بعمل فرق اغتيال لتصفية هؤلاء الكلاب، وفعلا نجحنا في قتل العشرات في معظم العواصم الأوروبية، وهذا جزاء من يعارض حكم معمر القذافي.
القاضي: في نفس العام قام أحد الفرنسيين يعاونه بلجيكي يدعى دونيه بمحاولة بيع نفايات نووية إلى ليبيا بمبلغ 400 مليون دولار، فهل تمت العملية؟
المتهم: لم تتم، وصحيح أن آلافا من المستغلين والمنتفعين والمرتزقة جنوا ثروات طائلة من نظام حكمي، لكن كل هذا تم بمعرفتي ورضاي، أما النفايات النووية فلم نقدم على شرائها، والفرنسي الآخر الذي باعنا أنابيب مجوفة على أنها شحنة من السلاح قمنا بتصفيته وشريكه الليبي، فالقتل بالنسبة لي كنسمة هواء صيف تهب على وجهي من خليج سرت وأنا أجلس في خيمتي وأشرب حليب الناقة.
القاضي: عميل المخابرات الأمريكية اودين ويلسون قال بأن الأمريكيين كانوا يحقنون الملك إدريس السنوسي وهو مريض بمضادات حيوية، وأقنعوه بالسفر إلى تركيا ليتصلوا بدورهم بالشرطة العسكرية في محاولة انقلاب فاشلة، في نفس الوقت الذي قمت أنت بانقلابك فظن رجال الجيش والأمن أنهم مشتركون في هذا الانقلاب عام 1969، هل هذا صحيح؟
المتهم: فيه كثير من الصحة، فالملك الراحل الحسين بن طلال كان قد مر بنفس الظروف العصيبة التي يمكن للمريض وهو يحتضر أن يتم حقنه بمضادات حيوية بالغة التعقيد. فكان أن عاد إلى العاصمة الأردنية وركل أخاه الأمير الحسن بن طلال، وقام بتعيين عبد الله بن الحسين، ثم عاد إلى فراش الموت في أمريكا.
التعاون بيننا وبين المخابرات الأمريكية كان قائما على قدم وساق، وكان الملك السنوسي بالفعل قد دعم مصر خلال حرب يونيو عام 1967، لكن أجهزة إعلامي حجبت الحقائق عن الشعب الليبي وأوحت إلى الذاكرة الليبية والعربية بأن العدوان على مصر قام من قاعدة ويلز بدعم ملكي.
والمخابرات الأمريكية بدأت في التآمر على نظامنا عندما اقتربنا أكثر من الاتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية في ذلك الوقت.
القاضي: كيف كانت المخابرات الليبية تنفق كل هذه الأموال دون رقيب أو حساب؟
المتهم: أنا قائد الثورة والوحيد المؤهل لحكم ليبيا، وأوامري لا يعصيها إلا من يتهاون في شأن زيارة ملك الموت له.
وأموال ليبيا كلها تحت إمرتي، ولكن هذا لم يمنع وجود غطاءات سرية لتسهيل بعض الأمور، ومنها مثلا أن تسديد مبالغ كبيرة في عمليات سرية كانت تتم من ( مكتب التجارة الأفريقي ) وهو مكتب وهمي تديره أجهزة استخباراتي.
القاضي: كيف سحب عمر المحيشي أموال المخابرات الليبية من حسابات سرية في جنيف؟
لمتهم: كانت لديه الصلاحيات والثقة رغم أنني نادرا ما أثق في أحد، وأقوم بتبديل مواقع رجالي صعودا وهبوطا حتى تصبح أرواحهم في قبضتي، وأظن أن معظم زملائي في مهنة الطغيان في العالم العربي يفعلون نفس الشيء.
القاضي: كانت لديكم قدرة على استضافة مئات الوفود من حركات التقدم والثورة والتمرد في العالم كله، منهم الصادقون وأكثرهم من المرتزقة الوصوليين. كيف كنتم تفرقون بينهم وتمنحونهم الدعم المالي، وعلى أي أساس؟
المتهم: كانت تحت يدي أموال النفط بالمليارات، ونحن بلد صغير وطموحاتي أكبر من طموحات قادة الدول العظمى، لذا لم يكن أمامي غير انفاق المليارات لكي تظل زعامتي قائمة، وصورتي في وسائل الاعلام الغربية والأمريكية لا تفارق عيون المشاهدين والقراء والمتابعين لأخبار ونشاطات زعماء العالم.
القاضي: يقال بأن الإمام موسى الصدر ناقشك في أمور خاصة بالسنة والشيعة، وطلب منك رفع يديك عن لبنان، فقررت تصفيته، هل هذا صحيح؟
المتهم: سيدي القاضي، ليس المهم سبب القتل، ولكن الأهم أن ازهاق روح مواطن أو رجل دين أو ضيف أو معارض أو صديق أو رفيق في الثورة جعل فترة حكمي تطول، فالناس بطبيعتها تركن إلى الخوف، وكان لابد أن يتناقل الليبيون حكايات التصفية والتعذيب والقتل والمطاردة ليصمت كل من تسول له نفسه حلم المعارضة ولو كان يعمل في مكان مجهول في قرية صغيرة في أقاصي الأرض.
وكما كان من حق الكويتيين أن يقدموا أدلة ومستندات ووثائق تدين صدام حسين في محاكمته فإن اللبنانيين، كما أنا توقعت، قدموا لعدالة المحكمة مئات الوثائق عما فعلته أنا بهم في وطنهم الذي مزقته الحرب الأهلية ولم تكن أموالي بعيدة عن اشعالها.
القاضي: كيف كانت علاقتك بالاسلام؟
المتهم: كنت أشعر بغيرة شديدة من نبي الاسلام نفسه، لذا طالبت بأن يكون القرآن الكريم المصدر الوحيد الذي يأخذ منه المسلم دينه..
ثم أمرت بالغاء التاريخ الهجري فهو يمثل انتصار الرسالة المحمدية على قوى البغي وجعلت تاريخ الوفاة بديلا له فهو يمثل لي انتهاء عصر آخر الأنبياء.
إنني كما أكدت اللجان الشعبية نبي العصر، ومفجر النهضة، وواضع الكتاب الأخضر المقدس، وصانع الانعتاق النهائي، وأنا كما وصفني المثقفون والمفكرون في العالمين العربي والاسلامي سياسي وعسكري وقائد ومخطط حروب وقصاص وروائي( وصف الدكتور سمير سرحان رواياتي بأنها تعبر عن عبقرية فلسفية) ورسول الصحراء والزعيم الملهم والفيلسوف والمفكر حتى الأغاني قررت في فترة تجليات صافية كتابتها لكنني عدلت في اللحظة الأخيرة.
لذا أتعجب أنني الآن في قفص الاتهام، أما الذين صنعوني فلم توجه لهم النيابة أصابع الاتهام.
إنهم هناك، سيدي القاضي، يستعدون لصناعة نفس البطل، ويلهمون الأحمق أفكار الهلوسة، وينفخون في صورته، ويركعون لسخافاته، ويسجدون لملكوته وقوته.
كم وددت أن تأمروا باحضار عشرات الالاف من الذين كانوا سياجا يتولى حمايتي،وسوطا يلهب ظهر الشعب الليبي، ولسانا يردد الأكاذيب والأباطيل، وسجّانا يقف على بوابة الوطن السجن لحراسة أبناء شعبي خشية هروبهم من الجماهيرية الجحيم.
القاضي: الطغاة في أي مكان في العالم ليسوا في حاجة للبحث عن مؤيدين وجبناء وسجانين وهذا لا علاقة له بطبيعة الشعب، فهتلر صنع من الشعب الأكثر تحضرا نازية عنصرية قاسية، وستالين لم يرف له جفن وهو يقتل ستة ملايين روسي ويستعين بأبناء شعبه لزيادة عدد ضحاياه من أهلهم وذويهم، وبول بوت كان يشير باصبعه فيطيعه ذئاب مفترسة من الكمبوديين حتى كاد أن يقضي على نصف السكان بواسطة النصف الآخر، وسوموزا في نيكاراجوا حكم وأسرته البلاد المنكوبة لأكثر من أربعين عاما، وسالازار في البرتغال اكتظت سجونه بخيرة أبناء شعبه، وشاه إيران صنع من عرش الطاووس سافاكا يسمع نبضات قلوب الايرانيين حتى قيل بأن ربع الشعب الايراني كان منخرطا في أجهزة الأمن الأكثر غلظة فلما خرج الايرانيون كلهم لاستقبال الخوميني العائد المنتصر باسم الاسلام والطهارة والعفة والوحدانية لم تكلف الثورة رجالا لحراستها فتطوع مئات الالاف وحدثت عشرات الالاف من التجاوزات والمحاكم السريعة التي كانت تستغرق أحيانا دقيقتين فيصدر الخلخالي حكما باعدام المتهمين.
ألم تكن في كل بيت عراقي عيون لشيطان بغداد من أهل البيت أنفسهم؟
من الذي خمد ثورة مارس عام 1991 في العراق؟ ألم يكونوا جنودا قساة بلغ عددهم عشرات الالاف فذبحوا وعذبوا وقتلوا ودمروا وتباروا في قطع رؤوس الأطفال؟
الطاغية في أي مكان وزمان لا يحتاج للبحث عن جبناء وأنذال ووحوش مفترسة تنهش لحوم أبناء شعبه لأنهم يتطوعون من تلقاء أنفسهم للدفاع عن المستبد.
المتهم: لكنني، سيدي القاضي، لم أعثر على معارضين بحجم سطوتي وكثرة جرائمي ضد أبناء الشعب.
القاضي: أنت كاذب وجاهل، فالليبيون رغم أن ثلثيهم لم يعرفوا غير نظام حكمك الجائر استطاعوا صناعة معارضة شريفة، وقدموا للوطن آلاف الشهداء، وتفرقوا في الأرض والغربة ليعيدوا تجميع أنفسهم أفرادا أو جماعات لمعارضة طغيانك واستبدادك، وحرضوا عليك، وقدموا لمنظمات حقوق الانسان وثائق تدينك، وقاموا بفضح أكاذيبك، وفندوا أباطيل إعلامك.
الآن حدثني عن عمليات الاختفاء القسري التي مارسها نظامك العفن وتفوق فيها على كل جمهوريات الموز المعروفة بظاهرة الاختفاء.
المتهم: لقد جرى العرف في عالمنا العربي أن يأتي زائر الفجر ويطرق الباب فتنهض الأسرة من نومها مذعورة، لكن ضابطا يصطنع الأدب يتقدم مهدئا من روع أفراد الأسرة ويطلب معيلها أو أحد أبنائها لزيارة مركز الأمن ولن يستغرق الأمر ساعتين أو يزيد بقليل، ثم يعود إلى أهله وأحضانهم الدافئة ليمارس حياته العادية.
مسرحية سخيفة يكررها جلاوزة الأمن والضباط والمخبرون والمرشدون في معظم دول وطننا العربي الكبير الممتد من بحر الغزال إلى سد أتاتورك، ومن طنب الكبرى إلى جزيرة الخالدات مرورا بجزيرة حنيش وليلى وسبتة ومليلة.. فالرجل لا يعود إلى أهله إلا أن تحدث معجزة أو يقوم عزرائيل بزيارة زعيم البلد قبل أن يعرج على رب الأسرة المعتقل.
أما رجالي، سيدي القاضي، فهم يفهمون قائدهم، ويحققون رغباتي في إذلال كل أفراد الأسرة لدى زيارتهم المشؤومة في عتمة الليل أو ضوء القمر، فيتم جر المواطن على بطنه أو ظهره، ويتولى رجالي الضرب بأعقاب البنادق وتوزيع الشتائم والتهديدات، ثم تبتلعهم الأرض ليظهروا فجأة في واحد من المعتقلات الكثيرة، فوق الأرض أو تحتها، والممتدة من طبرق إلى العزيزية، ومن الجبل الأخضر إلى غدامس أو الحدود التشادية.
وهنا يبدأ الجحيم الأرضي الذي لم ينافسني فيه زعيم آخر، وإذا كان معتقل ( كوبر) ينزل الرعب في قلوب السودانيين، و(الجفرا) يزلزل كيان الأردنيين، و( تدمر ) يجعل السوريين يشتاقون إلى جهنم لعلها أكثر رحمة منه، و( تزمامرت ) يقف شامخا في المغرب معتزا بأنه نتاج عبقرية الحسن الثاني في انزال أقسى العذاب بمعارضيه، و( وأبو غريب ) يشهد العالم على أنه في عهديه التكريتي والأمريكي الأكثر شهرة عن ظلم الانسان لأخيه الانسان، فإن سجوني ومعتقلاتي ستشهد يوم الحشر كل جدرانها بأنها صناعة قذافية لم يصل لمثلها إنس أو جان في صنوف التعذيب والتنكيل والاذلال والمهانة.
القاضي: ساديتك جعلتك لا تَمُتّ من قريب أو من بعيد للأرض الطيبة التي أخرجت من بطنها عمر المختار وقاومت الغزاة وصنعت مناضلين وشعراء وأدباء وعلماء ومؤرخين وجنودا بررة بالوطن.
المتهم: كنت أكره الليبيين كراهية شديدة، وأصفهم بصفات دنيئة دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة، وأمعن في سياسة الاختطاف والاختفاء القسري لعل أهلهم وذويهم وأحبابهم يتعذبون أيضا فتزداد نشوتي، وتسجل لجان حقوق الانسان ملفاتي لديها كواحدة من أهم تجاوزات الأنظمة المستبدة فتنتعش نفسي وأعرف أن رجالي قاموا بالواجب على أكمل وجه.
كنت أرى الاختطاف عذابا مضاعفا للأسرة وللأحباب وللأصدقاء، فهم لا يعرفون أين ذهبنا بالمختطف والمرتهن لدينا، وتبدأ عملية اذلال العائلة في تنقلاتها من سجن إلى آخر ومن مسؤول إلى ثان ورابع وعاشر، وترفع إلى الشكاوى ورسائل الاستجداء وبرقيات الاستغاثة فيزيدني عذاب الشعب نشوة وبهجة.
قمنا بخطف الدكتور عمرو النامي الأستاذ الجامعي المرموق، وامعانا في تعذيب أسرته حدث الاختطاف من بيته وأمام أفراد العائلة.
ما الشيخ محمد البشتي فقد رأينا أن الاختطاف ينبغي أن يتم من داخل المسجد وأمام المصلين ليتعلم الليبيون أن لا قداسة لأحد في عهدي، وأن شيخهم الذي كان يقف خاشعا أمام الله تستطيع أجهزة أمن الجماهيرية أن تنتزعه من صلاته ونسكه وبيت الرحمن دون توجيه أي تهمة. ولم تكن، سيدي القاضي، البيوت والمساجد فقط هي الأماكن المفضلة لدينا لاختطاف المواطنين، فقد اخترنا فندقا فاخرا في عاصمة الفاطميين لنمارس فيه لعبة الاختطاف والاختفاء القسري، وكان هذه المرة وزير الخارجية الأسبق منصور الكيخيا لأنه تجرأ واستعد لحضور اجتماعات المنظمة العربية لحقوق الانسان.
أما الصحفي الفلسطيني جهاد عبد الله فقد رأينا أن الاختطاف ينبغي أن يتم في مقر عمله، وفي العاصمة الجميلة أبو ظبي حيث الأمن والأمان اللذين صنعهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان معذرة، سيدي القاضي، فذاكرتي لا تسمح لي أن أستدعي منها مئات الحالات من الاختفاء القسري الذي برع فيه نظامنا.
القاضي: لقد كنت أنت أكثر المسؤولين العرب جبنا بعد القبض على صدام حسين، وانكشف المستور، وكان من المفترض أن يثور الشعب وتتوحد المقاومة وتصبح المعارضة في الخارج يدا واحدة بعدما اتضح أنك تبيع الوطن أرضا ونفطا ووثائق وأسرارا واصدقاء وكرامة واستقلالا، فكيف استمر حكمك فترة أخرى بعد تعريتك في تعويضات لوكيربي؟
المتهم: لأن الزمن رؤية نسبية، فالشعوب تنتظر سنوات طويلة حتى يجمعها زعيم، والزعيم يتردد طويلا حتى يتأكد من أن الشعب لن يخذله.
كان من الممكن أن تدعو المعارضة إلى عصيان مدني بعد عام وتعد له متكاتفة وشارحة لكل ليبي في الداخل أو في الخارج أهمية هذا اليوم.
حتى لو علم الطاغية والمستبد والقائد بموعد العصيان المدني قبله بعام واستخدم كل ما يملك من اسلحة أمنية واعلامية وتخطيطات في مركز الاستخبارات الأمريكية أو الموساد أو غيره، فإن العصيان المدني كان يمكن أن يطيح بي بعد وقت قصير من كشف سوءاتي بعيد تسليمي الوطن إلى الأمريكيين. كلنا مشتركون في جريمة اغتصاب الوطن، وإذا كنت أنا المتهم الرئيس فأنتم أيضا، سيدي القاضي، في قفص الاتهام معي. كيف صمتم عدة عقود وكل منكم يملك الأدلة القاطعة والبراهين الموثقة على جرائمي؟
ستقولون بأنكم خائفون من أجهزة أمني ومخابراتي وكلاب خيمتي وذئاب سلطتي، ونسيتم أو تناسيتم أنهم أهل لكم وأقارب وأحباب وأصدقاء وزملاء ومعارف ..
نعم، لقد جعلتكم في النهاية في مؤخرة صف الباحثين عن مكان في زمن يضرب بوش وشارون مؤخرة أي معارض أو مناضل أو وطني ..
وزرعت الرعب في قلوبكم، وأهدرت خيراتكم، وبددت ثرواتكم، وصنعت جيلين من المخدرين والمغيبين وحمقى التظاهرات اليومية ..
لكنكم، سيدي القاضي، مجرمون أيضا ومشتركون معي في اغتيال الوطن. لقد انتظرتم طويلا بعد أن أوشكت على رهن الوطن وشعبي في مزاد علني. وهنا ارتعشت يدا القاضي، واهتز جسده، وأغرورقت عيناه بدموع الحزن أو الأسف أو الغضب، وفتح فاه بصعوبة بالغة موجها حديثه للمتهم معمر القذافي قائللا:الحكم بعد المداولة!

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

ولكن عزرائيل لا يزور ميونيخ



سيدي الرئيس حسني مبارك ...
كان ملك الموت يقترب منك حتى يلامسك، ثم يبتعد خطوتين وبعدها يعود ليطرق بابك.
وكانت قلوب الملايين من أبناء شعبك معه، تشجعه، وتشد من أزره، وتدعوه لحسم الأمر فهم ينتظرون على جمرات كأنهن قطع من الجحيم.
كانت مصر كلها، تقريبا، تنتظر بيانا صادرا من السماء إلى الأرض ينهي عذاب ثلاثة وعشرين عاما من عمر وطن انصهرت فيه أوطان، وذابت في جوانبه حضارات، وتتلمذ على يديه تاريخ العالم، وصنعته عبقرية الجغرافيا، واحتضنه النيل الأسمر وهو يروي عطش الأرض الطيبة، ثم وافيا بوعده الذي قطعه منذ اللازمن، بأنه واهب الحياة للمصريين حتى لو حاول الطغاة نزعها منهم.
سيدي الرئيس ..
هل صدقت ما نقلوه لك بأن الملايين من أبناء شعبك يبتهلون للعلي القدير أن يعيدك إلى قصرك، ويكمل بك معجزة الانجازات في ولاية خامسة تمتد حتى يبلغ عمرك المديد ثلاثة وثمانين عاما؟
هل صدقت أن مصر لا تنام، وأن أهلنا سيصبحون يتامى بدونك، وأن أرض الكنانة بعدك صكت وجهها وقالت عجوز عقيم، والحقيقة أننا لا ندري أشر أريد بمن في مصر أم أراد بهم رهم خيرا؟
هل صدقت عندما قصوا على مسامعك من أنباء أنهار من الدموع أغرورقت بها عيون مواطنيك الذين قضيت سنوات حكمك كلها تحافظ على كرامتهم وخيراتهم وأموالهم ورزقهم وعملهم وحريتهم واستقلالهم حتى باتوا لا يستطيعون تصور مشهد مصر بعد رحيلك؟
هل صدقت اللافتات التي ملأت كل شوارع مصر تحمد الله على عودتك سالما، وتستعد لتكملة الحلم المصري الجميل الذي صنعته في ثلاثة وعشرين عاما فجعلت أبناء وطنك يتصالحون مع الزمن، وتغدق عليهم خيرات وطنهم من سمنها وعسلها ولبنها بفضل عبقرية حكمك التي جعلت كل أيام رعاياك أعيادا؟
سيدي الرئيس.. إن كنت قد صدقت كلمة واحدة مما سمعته أذناك فقد أحكم لك المنافقون والأفاقون العقدة التي لا حل لها، فمصر كلها، شعبا وأرضا وبحرا ونهرا وسماء، كانت تبتهل للواحد القهار أن يستدعيك على عجل، وأن ينتهي زمن حزين يائس مكفهر مغبر كأنه سقط سهوا من جهنم بقيظها وجمرها وصراخ من فيها وأنين من يقترب منها.
كم وددت، سيدي الرئيس، أن استمع إليك وأنت على فراش أبيض في المدينة الألمانية الجميلة تتضرع إلى خالقك، وتدعوه أن يمن عليك بالشفاء لعلك تستطيع فيما بقي لك من عمر أن تعتذر لشعبك، وتطلب الصفح من رعاياك، وتصارحهم بأنك آذيتهم كثيرا، وتركت أمانة الوطن في أيدي لصوص وحيتان وذئاب مفترسة، واخترت من مواطنيك الأكثر فشلا وسوءا لتقبض بأصابعهم على رقاب أبنائك المصريين.
هل يمكن أن تكون هناك لحظة صدق في حياتك تصفو بها نفسك، وتسمو بها روحك، ويستيقظ معها ضميرك، لتكتشف أنك كنت تعرف تفاصيل مئات الحالات من التعذيب والاهانة والاذلال والقهر واغتصاب الرجال وتعليقهم من أرجلهم في سلخانات الشرطة، بل وصل الأمر بأحد ضباط الشرطة أن يسكب الكيروسين على جسد مواطن مسكين، ثم يشعل فيه النار وهو نائم في التخشيبة ليؤكد له أن المواطن حشرة في عهد السيد الرئيس حسني مبارك، وأن الرئيس يعلم بأكثر تفاصيل الجحيم الذي يتعرض له مواطنوه، بل كنت، سيدي الرئيس، تطغى، وتحتقر شعبك، وتتحدى مشاعره عندما أمرت بترقية ثلاثة ضباط شرطة متهمين بتعذيب وقتل بعض مواطنيك.
هل تظن أن أهل وذوي وأقارب وأحباب المعذبين في الأرض، والمهانين بين أيدي رجال أمنك، والمغتصبين الذين كان ضباط شرطة يهددون بعضهم بوضع العصا في فتحة الشرج أمام الأم أو الأب أو الابن امعانا في الاذلال، وهم يعلمون جيدا أن ضوءا أخضر من القصر الجمهوري بعابدين أو قصرك المعمور بالخيرات في شرم الشيخ يمنحهم هذا الحق، كانوا يدعون العزيز الوهاب بعودتك سالما من رحلة الموت والحياة؟
كان الوطن الطيب هو الذي انزلق غضروفه، والتوى ظهره، وانحنت قامته، وأغبر وجهه، وتلوث هواءه، ونهبت مصارفه، وأكل الأمراض جسده، وعبث لصوص عهدك في كل شبر منه.
على الرغم من أنني في كل ليلة طوال خمس عشرة سنة أحلم بلحظة شجاعة نادرة يلهمك إياها القدر، فتقدم استقالتك لأن المهمة أكبر منك، وأن مصر العظيمة الولادة تستطيع أن تخرج من بطنها بدون آلام الطلق عباقرة في كل المجالات يستطيع أي منهم أن يحل محلك، ويأخذ بيد مصر الطاهرة، ويخفف عنها، ويزيل ما علق بها من فساد وبيروقراطية واستبداد وطغيان، وأكتشف أن أحلام اليقظة يمكن أن تتسلل خفية إلى رؤى الليل، ولكن مرة واحدة تعلقت عيناي بالشاشة الصغيرة، وأرهفت السمع لساعات طويلة منتظرا بيانك الشجاع وذلك عندما صدر أكبر قرار إدانة لعهدك الأكثر فسادا منذ قرنين، وجاء القرار من مكان قريب من صناعة القرار المالي في أوروبا .. من زيورخ حيث حصلت مصر على الصفر المونديالي.
خدعوك، سيدي الرئيس، وأنفقوا من أموال أهلنا مئات الملايين، وقالوا لك بأن مصر في عهدك تستطيع أن تفرك مصباح علاء الدين فيخرج مارد يعرفك، ويقنع العالم كله بأن مصر مبارك قادرة على استضافة المونديال قبل عام واحد من انتهاء فترة ولايتك الخامسة مع افتراض أن مبارك الصغير يستطيع أن يصبر على مُلك أعده له والده وزينته له والدته، وجند الحزب الوطني مئة ألف من الشباب الغض والساذج والأحمق استعدادا ليوم يجوبون أرض الكنانة هاتفين بحياة زعيمهم الشاب .. أمل مصر كما سيكتب رؤساء تحرير الصحف القومية في مانشيتاتهم.
حدثني، سيدي الرئيس، عن مشاعرك وأحاسيسك يوم قال الطفل في زيوريخ: الإمبراطور عريان!
لن أحدثك عن جنوب أفريقيا وعبقرية نيلسون مانديلا( رغم أن بلده لا يتمتع بأي أمن، ولن يوفر الأمان لضيوف المونديال)، ولن أسمعك حديثا مطولا عن المغرب الذي نهبه الحسن الثاني، وأفقر ثلثي شعبه، وجعل حلم شبابه الهروب بزوارق الموت لعل شرطة اسبانيا أو قاع البحر تكون أكثر رحمة من نظام سياسي متغطرس وفاشل صنعه أمير المؤمنين طوال أربعين عاما..
لكنني أحدثك عن رجالك المنافقين والكذابين والجبناء الذين صنعتهم لحمايتك، وعبدوك لحماية أنفسهم.
صوت واحد يتيم لم يذهب إلى مصر رغم أن الدكتور علي الدين هلال قام بتذكير أعضاء اللجنة باهتمام الرئيس مبارك، وأوحى إليك رجالك بأن الدنيا كلها ستصوت لمصر من أجلك، ولو كان من حق الجن والملائكة وسكان الكواكب الأخرى أن يصوتوا لما تأخر أحدهم عن منحك صوته.
أراك ربما قد تصببت عرقا، وطلبت فورا مستشاريك لكي يهمسوا في أذنك بكلمات ثناء ومديح، ويقنعونك بأنها مؤامرة ضد دور مصر، وأن صفر المونديال كان يمكن أن يتحول إلى أربعة وعشرين لو تعرف الأعضاء على عبقريتك!
وطال انتظاري لقرارك الشجاع، واعترافك الأشجع بأنك مُنيت بهزيمة نكراء، وأن مصر العظيمة التي كان اسمها يتردد في جنبات كل المؤتمرات الدولية فتكون اشارة البدء على نجاح المؤتمر.
في أشد أوقات المحن العصيبة عندما أصيب الوطن في ستة أيام وست ليال سوداء بدأت صباح الخامس من يونيو عام 1967 بهزيمة ونكسة شَمّتَتْ بنا الغرب والشرق وبعض الأصدقاء، انعقد مؤتمر القمة العربي في الخرطوم، وكانت المفاجأة أن مصر المهزومة حتى النخاع أكبر بكثير مما يتصور خصومها وأعداؤها.
في عهدك الذي لم يشهد حربا أو نفقات اضافية أو ازالة آثار العدوان أو مقاطعة مشروع مثلما فعلت أمريكا في السد العالي كان الخير يتدفق على الشعب الصابر، ويقوم ملايين المصريين في الخارج بتحويل المليارات من العملات الصعبة إلى مصارف مصر، وتنازلت دول الخليج في حرب تحرير الكويت عن ستة وعشرين مليارا من الدولارات، ومنحتنا الادارة الأمريكية دعما سخيا في كل عام في مقابل صمت أو وساطة بين القاتل والقتيل في فلسطين، أو انقاذ اقتصاد الكيان الصهيوني العنصري بمده بالبترول أو بتفريغ بضائعه في حالة الاضراب.. ولم ننس دخل قناة السويس والتصدير والمليارات التي جاءتنا من أوروبا واليابان ودول الخليج وهيئات الدعم الدولية ودخلت مغارة علي بابا، ولم يكن الأربعون حرامي في حاجة لمعرفة كلمة السر: افتح يا سمسم.
لأن سمسم كان مختبئا في نظام أعوج متغطرس يزدري المصريين، ويهدر أموالهم، ويصنع من الجمال قبحا، ومن العلم جهلا، ومن الاعلام اعاقة ذهنية، ومن السياحة تسولا، ومن المخدرات ربع مليون مدمن، ومن البنوك والمصارف مرشدا لكيفية تحويل الفهلوة إلى عمل محترم، والاقتراض بدون ضمانات إلى الخروج من باب كبار الزوار في مطار القاهرة الدولي، فالسمسونايت عليها ضوء أخضر من أعلى .. أعلى مكان فوق المصريين.
وأعود إلى الصفر المونديالي تاركا مغارة علي بابا والأربعين حرامي رغم أن الاثنين توأمان، واستحلفك بأغلى ما عندك، الأسرة أو الصحة أو المال أو السطوة أو السلطة، ألم تخجل من الظهور علانية أمام شعبك بعدما انكشف الغطاء عن سقوط مريع في أسفل درجات سلم الهزائم؟
ماذا، سيدي الرئيس، لو أن نتائج التصويت كانت تحت الصفر، هل كانت مصر مبارك تحصل عليها بجدارة؟
أحسب أنه قد آن الوقت لأن يصارحك أحد قبل مؤتمر الحزب الحاكم وتهيئة فخامة الرئيس جمال مبارك لحكم مصر ربع قرن بعدما تكمل أنت ولايتك الخامسة مع افتراض أنك لن تحتاج للدكتور ماير في مهمة عاجلة بأن الصفر في الواقع كان هناك.. أمام عينيك.. وفوق مكتبك وفي كل يوم وساعة ولحظة من فترة حكمك.
هل تريد أن أُذَكّرك به، أعني الصفر؟
كان بامكانك أن تراه في عيون ملايين المصريين الذين أذلهم الغلاء، وأقض مضاجعهم الفقر، وأرهقهم الدعاء سنوات طويلة أن يخلصهم الله، عز شأنه، من سارقي أموالهم، وناهبي خيراتهم والذين تكاثروا كالبعوض في عهدك وكأن عقدا ملزما قد وقعته ضمائرهم الميتة مع إدارة حكمك، وصمتك، ورضائك بأن من يتردد في الدخول إلى المغارة الآن فقد لا تتاح له فرصة أخرى إن حكم مصر وطني عاشق لها، خائف عليها، مغرم بكل شبر فيها، يحافظ على أموالها كما يحافظ على شــرفه وحرمـاته ورزق أولاده.
وكان الصفر هناك في إدارة فاشلة متعاقدة مع شبكة اخطبوطية تمد أذرعها في كل مكان، فلا يستطيع مصري واحد أن يستخرج ورقة أو شهادة أو استمارة أو يوقع عقدا أو ينهي اجراءات قانونية أو يتسلم حقه دون أن تضربه على قفاه سبعون اهانة في سبعين توقيعا لسبعين موظفا إلا أن يقدم رشوة قد تحسب عليه في الآخرة وله في عهدك.
وفشلت في استحداث الادارة السليمة في أهم مرافق الدولة، خاصة الشهر العقاري ومجمع التحرير والجمارك والضرائب والبريد والتصدير والاستيراد وحماية المستهلك، فكان شلل الوطن جزءا من اغتياله الكلي الذي بدأ في عهدك ولم ينته بعد.
وكان الصفر في الفن السابع عندما أخذ رجالك معول الهدم لروائع السينما والاخراج، وصنعوا بديلا عنه عالم اللمبي، وسقوط واحدة من أهم سبل تبصير المجتمع بقضاياه، واعادة الوعي لفاقديه، وتوسعة رقعة الجمال والخير والحب، وتراجع دور الشاشة الكبيرة ليقدم في كل عام أقل من عشرين فيلما بعد كانت مصر تسابق الزمن في ادراك أهمية هذا الفن.
وكان الصفر في ستة ملايين عاطل عن العمل، تخلت الدولة عنهم أو عجزت عن الاستفادة منهم لكي يمنحوا الوطن جهدا وعرقا وخبرة، وما أشد الألم وأوجعه عندما يشعر المواطن أنه عالة على أسرته وأصدقائه ومجتمعه، وأن ما قام بتحصيله من العلوم والثقافة لا يمنحه شرف العمل حارسا لأمن شركة استثمارية، وتسلل من بين أيدي اليائسين غول قبيح من التطرف الديني أو الهوس الجنسي أو الجريمة المنظمة أو البلطجة الغليظة أو أعمال التسول الخدمية أو بيع ممتلكات الأسرة الفقيرة في مغامرة غير محسوبة على زورق متهالك يقاوم الريح والأمواج من الشواطيء الليبية إلى مالطا أو جنوب ايطاليا أو اليونان وربما يعود بهم إلى مصر ويلقي المساكين أجسادهم المنهكة على شاطيء العجمي ظنا منهم أنهم في فاليتا أو كريت أو رودس أو حتى أيا نابا القبرصية!
وكان الصفر في سجون ومعتقلات مصر التي مر عليها في عهدك أكثر من ربع مليون مواطن، بقي منهم عشرون ألفا أو أقل أو أكثر، لم يُعرَضوا على المحاكم، ولم يرتكبوا جرما لكنهم يحملون أفكارا لا تروق لك، من يساريين وبقايا شيوعيين وعجائز الاخوان المسلمين، ولا مانع من خلطهم بذوي اتجاهات أخرى لعل سبتمبر الساداتي يتكرر مرة أخرى.
والصفر كان هناك .. يلتحف بقانون الطوريء ، ويصنع نظاما سياسيا سلطويا خائفا من شعبه، مسلطا السيف على رقاب الرعية، متعللا بالارهاب تارة وبأنه لم يستخدمه إلا لماما تارة أخرى.
قانون الطواريء إن كان قد تم تفصيله ليُعلّم المصريين آداب السير بجوار الحائط، فهو إدانة لك، سيدي الرئيس، ودليل لا يرقى إليه شك في أنك أكثر خوفا ورعبا من سبعين مليونا، وأن الشرعية الشعبية في (عدلت فأمنت فنمت) حَرَّمَها عليك قانون الطواريء.
والصفر كان هناك .. عندما رفضت تعيين نائب لك، ربما خوفا من أن ينقلب عليك وأنت في عطلة خارج البلاد، أو يسرق منك أضواء تراها من حقك أنت فقط، أو يشاركك سلطة تؤمن أنت أنها لمبارك الأول والثاني والثالث والأسرة الشريفة وهي محرمة على أي مصري آخر.
أو ربما، وهو الأرجح، اعداد مبارك الثاني منذ عقدين من الزمان ولم يكن هذا يستقيم مع وجود نائب يحمل رسميا صفة الرجل الثاني على الرغم من أن كل من حولك أصفار متراصة مهمتها خدمتك، وحمايتك، وتنفيذ تعاليمك، وتصنيع العبودية في القصر.
أو ربما لأنك تحتقر المصريين، وتزدريهم، وتكاد تبصق على أوجاعهم، وتنتشي بعذاباتهم، وترى علاقتك بهم لا تخرج عن سيد وعبيد، فكيف تصل الوقاحة بمواطن مصري ولو كان عقله أكاديمية متحركة أن يقف بجانبك، وتطلق عليه الصحافة الرجل الثاني، ويتولى شؤون الدولة في غيابك؟
والصفر كان هناك .. في مجلس الشعب الذي وصل معظم أعضائه إلى تمثيل مواطنيك بعد انتخابات هزلية كانت الدولة تعد صناديق الاقتراع، وتذل من تشاء، وتعز من تشاء، وتتولى بمعرفتك التزوير والتزييف وايصال رجال الحزب الوطني إلى السلطة التشريعية.
واكتظت مقاعد الحرم الديمقراطي بنواب الكيف، ونواب التأشيرات، ونواب العملة، ونواب الخدمات، لكنهم كانوا يستطيعون في نومهم ويقظتهم أن يصفقوا حتى تتورم أكفهم، وكان كبيرهم معصوما من الخطأ، فيجددون له أربع عشرة دورة فلا يدري المرء إن كانوا يريدونه لحمايتهم، أم هو مفروض عليهم لحمايتك!
والصفر كان هناك .. عندما خانتك شجاعتك ولم تستطع الوقوف متحديا أي مصري يريد أن يرشح نفسه بديلا عنك، ومنافسا لك، ومقدما برنامجا اصلاحيا، فاعتبرت الترشيح والانتخابات والمنافسة هزيمة لك لو منح الاعلام والأمن والسلطة والقضاء لمواطن آخر الفرصة نفسها وأغلب الظن، الذي بعضه إثم، أن منافسة حرة ونزيهة يتساوى فيها المرشحون كانت ستحملك في نهايتها بعيدا .. بعيدا عن قصر عابدين وقصر العروبة ومنتجع شرم الشيخ واستراحة برج العرب!
أم تظنك، سيدي الرئيس، كنت قادرا، مثلا، على منافسة الدكتور سعيد النجار، رحمه الله، لو اختار ترشيح نفسه؟
أكاد أراك ترهف السمع لأنك لم تنتبه جيدا للاسم!
الدكتور سعيد النجار هو صاحب كتاب ( تجديد الفكر السياسي والاقتصادي في مصر )، وهو الرجل الذي قال لابنك الرئيس القادم جمال مبارك: إذا كان والدك جادا حقا في الاصلاح فليسمح بوجود أكثر من مرشح أمامه، وهو الرجل الموسوعة الذي أرسل إليك خطابا مفتوحا عام 1995 يبسط لك فيه رؤيته الحرة والمتقدمة والعبقرية لكل قضايا مصر من حقوق الأفراد وواجباتهم إلى النظام الضريبي، ومن الضمان الاجتماعي إلى مبدأ تغيير الدستور.
قضيتنا معك، سيدي الرئيس، أنك، كما قال المرحوم الدكتور سعيد النجار، لم تعرف قيمة مصر.
كانت أكبر منك بكثير عندما توليت الحكم بعد رحيل الرئيس المؤمن، ولم تستوعب الصدمة الهائلة فهي ليست قرية نائية في الصعيد، أو قبيلة في العريش، أو حارة في الشرابية، أو أو حتى بلدا مجهريا في القرن الأفريقي، لكنها أم الدنيا التي لو سقط اسمها سهوا أو عمدا من كتاب تاريخ في أي بقعة في العالم لفقد الكتاب قيمته.
كنت تستطيع أن تصنع قوة ضاربة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعلميا، لو استعنت بما تضخه هذه الأرض الطيبة من علماء وأدباء وفلاسفة وسياسيين محترفين وإداريين وعباقرة مخلصين وشرفاء وعاشقين لوطنهم، لكنك من هول الصدمة اخترت الطريق الأسهل وهو اقامة سياج حولك من المنافقين والأفاقين والجهلة واللصوص، فقمت بتوزيعهم بالمساواة على معظم أجهزة الدولة ووزاراتها.
والصفر كان هناك .. عندما ظللنا أكثر من عقدين من الزمان ننتظر حديثا عفويا مرتجلا على لسان رئيسنا وقائدنا وزعيمنا نتأكد من خلاله أن مصر العظيمة بين يدي رجل مثقف يحيط بالفلسفة، ويتبحر في الآداب، ويقرأ الشعر، ويحفظ المعلقات، ويعرف تاريخ آداب العرب، ويستمتع بأدب الرحلات، ويقرأ لأدباء مصر والعرب والعالم، ويتأثر بالموسيقى الكلاسيك، ويعرف بصمات المخرجين الكبار على الشاشة الكبيرة، ولا يخطيء في اختيار المبدعين في كل المجالات، ويفهم في مباديء الفلك واعجاز القرآن الكريم، ويفتخر بتاريخ أقباطنا.. شركاء الوطن ...
لو كنت هذا الرجل الذي ننتظره لنفرت من الفساد، وكرهت المحسوبية والوساطة، وبكيت على عذابات شعبك، واحترمت وعدك بأن تكون خادما مخلصا له، وربما صنعت في أعوام حكمك معجزة حتى لو لم تكن لك صلة قربى بمهاتير محمد أو نيلسون مانديلا.
أدلف متسللا إلى غرفتي أحيانا، وأشعر بحنين جارف إلى نحيب وبكاء ودموع تطهر نفسي من رجس الاساءة ظنا ورجما بالغيب في عبقريتك وانجازاتك واخلاصك ونزاهتك، وأتمنى أن أكون مخطئا، ولكن شريطا واضحة فيه كل مشاهد الوطن الحزين في عهدك يمر مسرعا أمام عيني، ويوقظني عنوة من حماقة حسن الظن ليؤكد لي بأنك قمت، عن سبق اصرار وتعمد، بمحاولات اغتيال وطن بعدما أسات استخدام سلطتك كخادم أمين للشعب، وموظف كبير يحصل على أجره من أموال أهلنا، فقلبت عاليه سافله، وتأخرت مصر في عهدك، وتراجعت عدة عقود، واستطعت برجالك الدخول إلى المنطقة المحرمة على أي سلطة، داخلية أو خارجية، عندما عبثت بنفوس المصريين فصعدت إلى السطح سلوكيات لا أخلاقية لم تعرفها مصر في أي عهد أو زمن أو هزيمة.
وكان الصفر هناك .. حيث التمايز الطبقي، وصناعة ثقافة الفهلوة، وترتيب أولويات جديدة في سلم المجتمع، فتراجعت الطبقة الوسطى مفسحة المجال لحلم راود لصوص الميناء ( لعلك تتذكره في فيلم الصعاليك لداود عبد السيد عام 1984 )، وانحسر دور المثقفين والأكاديميين والعلماء وأساتذة الجامعات والمفكرين ليحل محلهم حيتان مارينيون يعرفون من أن تؤكل الكتف، ويقيمون امبراطوريتهم الممتدة من القرى السياحية حيث يتم الاعفاء الضريبي في مشروعات خدمية تتسرب منها أموال الوطن إلى الخارج، مرورا بأباطرة الأغذية الفاسدة الذين يصغر أمامهم الآن توفيق عبد الحي صاحب صفقة الدجاج الفاسد ( آخر ضرباتهم الموجعة للمواطن كانت أسماكا فاسدة تكفي لأكثر من مليوني شخص، وتم حفظها دون إعدامها توطئة لدخولها إلى الوطن الحزين ومن ثم إلى أمعاء المصريين)، وكبر حيتانك، وتضخم جشعهم، وبرزت أسنانهم القرْشية فأصبح الواحد منهم يخجل من سرقة عشرة ملايين أو نهب ثلاثين مليونا أو الهروب من مصر بخمسين مليونا فقط، فمغارة علي بابا لا تزال تتلقى مليارات من الخارج ، والضوء الأخضر يشاهده الأعمى، ومن لم يهبر هبرته الكبرى الآن فربما لن يتمكن منها في المستقبل!
والصفر كان هناك .. في أكبر عملية تدمير لوجه مصر الجميل في المعمار والفنون والأبنية والمنازل، فشهد عهدك فوضى عجيبة، وذوقا منحطا يفضل أصحابه القبح على الجمال، وطاردت أعين المصريين مبان وعمارات وأبراج وجراجات تختلط فيها بهرجة الألوان، وتختفي خلفها مواد بناء فاسدة، وغابت الدولة عن بسط سيطرتها بقوانين ملزمة يضعها مختصون ومعماريون وفنانون وأكاديميون تستعين هم السلطة حتى لا يتحول المشهد البنائي لأرض الكنانة إلى سمك لبن تمر هندي.
والصفر كان هناك .. عندما أصبح انتظار حكم العدالة كابوسا مفزعا، وتكدست في محاكم الدولة ثلاثة ملايين قضية، وعجزت عبقريتك عن ايجاد بديل في نظام قضائي سهل وعادل وسريع تخطط له إدارة ناجحة، ويدخل فيه عصر التكنولوجيا، ويستعين القاضي والمستشارون بالكمبيوتر والانترنيت وتخزين معلومات وقضايا مشابهة ، والاستعانة ببرامج البحث في ملايين القضايا المصرية والعربية والعالمية ، وربط أجهزة البحث بالشرطة وأمن الدولة والتعاون مع آلاف من رجال القانون عن طريق الانترنيت والربط المباشر، والاستعانة بأجهزة البحث الأخرى عن الجريمة والاحصاء والعناوين والتسجيلات والجوازات والمطار والسجون والسجلات المدنية وأسماء أصحاب العقارات في مصر كلها والرقم القومي وغيرها ..
كنت تستطيع أن تحقق العدل أو جزءا كبيرا منه لو استوعبت، سيدي الرئيس، أهمية الادارة الحديثة القائمة على أصول علمية متقدمة، وربما جنبت رعاياك أقصى درجات الامتهان والظلم والغبن وهضم الحقوق وضياع الممتلكات والتيه في ردهات المحاكم.
لو همس أحد مستشاريك المخلصين في أذنك مرة واحدة وشرح لك أهمية تحقيق العدل في نظام المحاكم فربما كان وجه مصر كله قد تغير، ولكن من قال بأنك تريد فعلا رفع الظلم عن المواطن؟
ألست أنت وحدك المسؤول الأول والأخير عما لحق بالوطن في ولاياتك الأربع؟
مئات الالاف من المصريين ينتظرون كلمة العدالة في قضايا مؤجلة أو تنتظر دورها أو غير مكتملة الأركان، والقضاة والمستشارون يعملون في ظروف بعيدة تماما عن أهمية المعلومات والشفافية والتعاون بين أجهزة الدولة وتضيع الحقوق، ويقع ظلم جديد على مواطنيك فضلا عن ظلمك أنت لهم.
والصفر كان هناك .. عندما لم تعرف، سيدي الرئيس، أن بناء الدولة الحديثة المكتملة الأركان، والباحثة عن مكان بين الأمم المتمدنة يبدأ من تصفية واعدام والغاء وحذف كل القوانين والمواد المتخلفة والحمقاء التي وَرَّثّهَا جيلٌُ لجيلٍ واستبقها الزمنُ فتخلّفت عنه عقودا طويلة ، ولم تناسب إلا الموظف الموميائي القاسي والذي ينتشي بالغلظة، ويتلذذ بتعذيب المواطنين، ويطالب الأرملة أن تعود بعد أسبوع، ويطلب من الأمي أن يوَقّع، ويمرر الطلب على كل موظفي الادارة فيجمع توقيعات كأنها انتخابات المجلس المحلي، ويفتح نافذة للرشوة حتى يجنب المواطن عذاب الانتظار.
ستظل مصر تتراجع ما لم يجلس في قصرها زعيم يعرف قيمتها وقدرها، ويبدأ من القاء كل القوانين والمواد التي تكرس الظلم والتأخر والتراجع في مزبلة التاريخ، ويستبدل بها أكثر القوانين تقدمية وتمدنا وعدالة مستعينا لها من الشرق والغرب ومنظمات حقوق الانسان وروح الاسلام وخبرات رجال القانون المصريين والعرب، وفتح باب الاجتهاد الفكري النابع من التربة المصرية ومشاكلها وقضاياها وهمومها لوضع قوانين جديدة وملزمة.
والصفر كان هناك .. عندما اخترق الكبرياء أسرتك، وتعامل كل منها مع مصر العظيمة على أنها ملكية خاصة أورثتهم إياها بأرضها وسمائها وترابها وعبيدها، فأن يصبح علاء مبارك مليارديرا وسط ملايين من المصريين الذين لا يجدون طعام العشاء، وأن يَضْحَى جمال مبارك رئيسا فعليا يستمد سلطته من الأب ويصغر بجانبه المصريون، فيأمر وينهى ويعين من يشاء ويضع سياسة الدولة ويخطط لمستقبلها، وأن تَمْسَى سيدةُ مصر الأولي رأسا ثانيا للدولة فتحكم دون وظيفة، وتنفق من ميزانية غير محددة، وتتحكم في اختيارات هي من حق رئيس الدولة، ولا ينتقص التوزع هذا من سلطتك المطلقة، فنحن هنا أمام حالة استرقاق لشعب لا يقرها دين او عرف أو كرامة أو عدالة.
والصفر كان هناك .. عندما أصبحت علاقتك بالأجهزة الأمنية غير صحية بالمرة، فأنت، سيدي الرئيس، لم تفهم أن المخابرات العامة ومباحث أمن الدولة والمخابرات العسكرية كلها تعمل في خدمة شعب مصر وحمايته والحفاظ على مكتسباته، وأن رجالها عاهدوا الله وأنفسهم على أن يكون مواطنين وطنيين قبل أن تلتقطهم أنت ليصبحوا حراسا لنظامك، ويغمضوا أعينهم على تجاوزات أسرتك ورجالك، ويشاهدوا بأم أعينهم تزوير الانتخابات وتزييف النتائج، في المحليات والبلديات ومجلس الشعب وغيره.
كان بامكانك، لو كنت تملك ذرة اخلاص لمصر ورعاياك، أن تبعد أجهزتنا الوطنية الأمنية التي نفتخر بها، ونحتمي برجالها، ونأمن على مستقبلنا في وجودها، ومنها نبصر بصيص أمل قد يشرق يوما على أولادنا وأحفادنا، لكنك رفضت أن تشاركك السلطة، وأن تكشف عورات رجالك، وأن تفضح تجاوزات المحيطين بك.
لذا قمت بتصغيرها، أعني حاولت تقزيمها، وتعمدت اهانتها وكان آخرها عندما رفض قاتل المصريين والفلسطينيين الارهابي آرييل شارون استقبال رئيس الاستخبارات المصرية عمر سليمان، ولو أمرت بانشاء وزارة أو إدارة خاصة بشؤون السلام، مثلا، وجعلت موظفا كبيرا بها مسؤولا عن الوساطة التي تقوم بها بين الفلسطينيين والاسرائيليين لما أحزنتنا في الاهانات الموجهة لرئيس المخابرات المصرية، فهو في أعيننا يمثل النقاء والطهارة والوطنية ( لا أعني شخصا معينا ولكن أي رئيس استخبارات مصرية ).
نفس الأمر ينسحب على مباحث أمن الدولة بتاريخها المشرف ( رغم بعض التجاوزات المتفرقة )، ورفضت بإباء وكبرياء واستعلاء وفوقية أن تجعل رجالها في خدمة الوطن فقط، وتستعين بهم لاعداد ملفات كل رجالك، وتجعلهم فوق أسرتك وحرمك وابنيك، فيضعون أمامك ملفات الفساد والرشوة والمحسوبية ونهب أموال المصريين والتهرب من الضرائب والاتصالات المشبوهة مع قوى خارجية والاستيراد اللامشروع والأرباح المخيفة لحيتان عهدك.
لو تخليت عن كبريائك ساعة أو بعض الساعة واجتمعت بهؤلاء الرجال الوطنيين ، وطلبت من لواءات مباحث أمن الدولة والمخابرات ملفات كاملة لكل من يحيط بك، ويستخدم سلطتك، لما نهب وزير المالية قبل الأسبق أموال شعبك، ولما توسع الفساد في وزارة الزراعة والري، ولما استطاع كبار اللصوص تهريب عشرات المليارات من أموال وخيرات شعبنا.
لو استعنت بهم لعرفت ثروة ابنك علاء، وسلطة جمال، وسطوة والدتهما، وعن ماسبيرو، والفساد في الجهاز المصرفي، وأسماء نواب الكيف، والصناديق التي تم استبدالها في الانتخابات، والاتصالات المشبوهة لرجالك، ورأي الشعب فيك وغضب المصريين عليك، ولعرفت أن شعبيتك أدنى من صفر المونديال، وأن احتفاظك سنوات طويلة بصفوت الشريف ويوسف والي وكمال الشاذلي وفتحي سرور وممدوح البلتاجي ومحمد فهيم الريان ومحيي الدين غريب والجوسقي وغيرهم ممن انتهت سطوته أو لا يزال يلعب في الوقت الضائع كان إثما وحوبا كبيرا.
نحن نشعر بغيرة شديدة على أجهزتنا الأمنية الوطنية، ونعتبرها ملكا لنا وليست في خدمتك، وأنت زائل وهم باقون بإذن الله، وإذا كنت تشعر بنشوة عندما تركل اللواءات الأكثر اخلاصا بينهم والأعمق خبرة بعدما عصروا أعمارهم في خدمة مصرنا، ثم تلقي بهم في أفواه رجال الأعمال والاستثمارات كمستشارين قانونيين في مقابل صمتهم وابتعادهم عن هموم الوطن فلن يغفر لك التاريخ هذا التجاوز.
نريد أن نرى وزير الدفاع خارجا من ثكنة عسكرية أو متفحصا سلاحا صنعه مصريون أو متناولا الطعام في كانتين أحد المعسكرات، ولا يهمنا أن يحضر حفلا غنائيا، ويجلس ساعات طويلة يستمع لأغنيات مديح زائف عن القائد الأعلى للقوات المسلحة.
والصفر كان هناك .. عندما فقدت مصر دورها الريادي، وأصبحت اهانة رئيس الجمهورية أمرا طبيعيا، حتى الملك عبد الله بن الحسين المحسوب على القوى الغربية قطع زيارته لأمريكا حفاظا على كرامته، أما أنت فبقيت هناك أصغر من مصر العظيمة بكثير، واستمعت إلى شارون وهو يهدد ويتوعد، وتعمد سيد البيت الأبيض أن يسقط حق العودة عن الفلسطينيين وأنت هناك، تماما كما عرض السادات زيارة القدس أمام أبي عمار.
والصفر كان هناك .. عندما أصبح المصريون ملطشة لتجار الموت غرقا وهم يهربون من جنتك الموعودة إلى أي مكان ولو كان سجنا على الشاطيء في مالطا أو في جوف كفيل جشع في الخليج، أو في الجماهيرية العظيمة البائسة، أو في نعوش عائدة بهم بعد قتلهم، أو في قاع البحر لتلتهمهم الأسماك، فأي جحيم هو أفضل من جنتك.
والصفر كان هناك .. عندما فقد أحبابنا .. شركاء الوطن من الأقباط الثقة بعدالة الوطن، وأفسحت الدولة المجال للمعاقين ذهنيا بتعليم المسلمين تعاليم دينهم تميزا واستعلاء على الآخرين، واستمر دور الأقباط هامشيا، ومنعهم ظلمك من حقوقهم الكاملة كمواطنين لهم في الوطن مثلما للمسلمين لا ينقص منه شيء، فهم ليسوا في مناصب عليا أو وزارات سيادية أو قيادات اعلامية أو محافظين أو قادة ميدانيين في الجيش أو لواءات في الأجهزة الأمنية أو طلاب في جامعة الأزهر، فأنت تصنع الفتنة الطائفية ثم يبكي اعلامك عليها.
والصفر كان هناك .. في أكثر الأماكن فسادا ( بعد جمرك الاسكندرية ) أعني ماسبيرو حيث تم تجييش حمقى ومتخلفين وبلهاء وتمت صناعة الاستحمار الاعلامي خشية الوعي المتجدد لدى الشعب، وقامت القيادات الاعلامية الفاسدة باستبعاد الأحرار والمستقلين وأصحاب الكفاءات والشرفاء ( وآخرهم حمدي قنديل الذي لا تسمح سفارة واشنطون به في اعلامك )، وبعدما تم تدمير الصرح الاعلامي وتدجين قيادييه، واغتيال اللغة العربية، وقتل الابداع، وقام صفوت الشريف بالمهمة كما يريدها زعيمه وسيده، جاء ممدوح البلتاجي من عالم السياحة وثقافة التسول والفشل الذي حققه في مقابل نجاح جزر صغيرة غير مرئية وبلاد فقيرة في جذب ملايين السائحين، وسيكمل المهمة في الاعلام المصري، وسيخرج كمال الشاذلي لسانه لخصومه، وسيتحكم صفوت الشريف في طلبات انشاء أحزاب جديدة.
والصفر كان هناك .. مع توريث العرش رغم أنوفنا، واستمرار عهد زادت فيه الأمية، وأكلت الأمراض أجساد المصريين، وعاثت البلهارسيا في أكباد عدة ملايين من مواطنيك، وأصبح سعر الدواء قاصما لظهر أي أسرة متوسطة الحال، وتحول الأزهر الشريف إلى محاكم تفتيش في بطون الكتب القديمة والجديدة، ورفضت تغيير الدستور بما يتناسب مع العصر، ولم تتخل عن ذرة واحدة من سلطاتك حتى تشكيل الحكومة تعمدت اهانة رئيس الوزراء الجديد حين أوحيت للاعلام بنشر احتفاظك بحق تعيين وزراء الدفاع والخارجية والداخلية حتى أن الدكتور ممدوح البلتاجي قال بأن رئيس الجمهورية كلف رئيس الوزراء باختياره وزيرا للاعلام.. إنهم يعرفون أدوارهم، فكلهم خدم تحت قدميك، ويطيعون أسرتك، ويهيئون أنفسهم للرئيس الشاب القادم.الآن هل تعرف، سيدي الرئيس، لماذا سمعت ضجة خلف باب غرفتك في المستشفى في ميونيخ؟ كان هناك سبعون مليونا هم كل رعاياك( إلا قليلا) يقفون خلف عزرائيل، ويطلبون منه الدخول عليك، فقد انتظروا كثيرا، لذا لا تصدقنا عندما نقول لك كذبا وخوفا ورعبا:حمدا لله على سلامتك فنحن جبناء، وهنيئا لمبارك الثاني في استعبادنا أو استحمارنا ربع قرن جديد!

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

الأسد وذئابه يفترسون السوريين

انتقالُ وباءِ الشراسةِ مِنْ القصر إلىَ كلابِ الطاغيةِ أسرع من حَصْدِ الكوليرا لأطفال يتضورْون جوعا في بيئة أنظف ما فيها ماء أخضر آسن! ثلاثةٌ تجذبهم رائحةُ الدمِ فيغرزون أنيابـَهم في عُنق الضحية فلا تدري إنْ كان القتلُ افتراساً، أم جوعاً، أو لذةً خفية! دراكيولا وسمك القرش و .. الزعيم السوري! الأول يختفي في الظلام، والثاني يختبيء تحت الماء، والثالث لأنيابه أكتاف تتراقص فوقها نسورٌ وصقورٌ ونجومٌ ، من بينها نجمة داوود، وتؤكد بثينة شعبان أنَّ الضحايا أزعجوا بأحلامهم فخامة الرئيس فتحولتْ إلىَ كوابيس تؤرقه وهو يُخطط لتحرير الجولان بعد نصف قرن من الآن! ضباط أجهزة الأمن السورية متورطون في المجازر لأربعة عقود، وسجونهم تـَبَرَّأ منها إبليس لأنه أرحم منهم جميعا، ولو تولـَّىَ بنفسه إدارة أحد المعتقلات بدلا من كلاب القصر، لشكر السجناءُ ربَهم على رحمته، فالشيطان ملاكُ رحمةٍ مقارنة بجبابرة التعذيب في السجون السورية. يقفز السجينُ البريءُ كالقرد فهو يريد تفريغَ ما في بطنه، فيسمح له الحارسُ الساديُّ بدقيقتين ونصف في المرحاض، ويطرق البابَ خلالها بعنف، ثم يأخذه عنوةً إلى الزنزانةِ قبل أنْ يـُكمل قضاءَ حاجته، فلذةُ اهانة السجناء كالشبق لهؤلاء الذئاب. طرقُ التعذيب السورية لا مثيل لها في العالم، فالدولاب والشبح والعبد الأزرق وبساط الريح والكرسي الألماني ثم الاضافات الجديدة له حتى يصبح كرسياً سورياً يليق بمقام الأسد .. مَلـِكِ الغابة أشياء تجبر الطغاةَ العرب الآخرين على الاعتراف بأن الاسم الحقيقي للجحيم هو أيُّ سجن سوري يتنافس فيه ضباطُ الاستخبارات والأمن علىَ جسد المواطن فيجعلونه يرى الموتَ رفاهية، وتهشيمَ عِظامه مكرمة يتفضل بها عليه ذئابُ الرئيس. بعدما ينتهي ضابطُ الأمن من يوم ثقيل جعل سجينه السوري يلعن يوم ولدته أمه، يستلقي على مقعده، ويحلم باتصال يأتيه من الموساد لتقديم الشكر، وعرض التعاون حتى لو لم يقابل اسرائيلياً واحداً، فأجهزة حماية بشار الأسد هي خط الدفاع الصهيوني عن أرض اسرائيل الكبرى حتى لو أنكرت تشرين والبعث والثورة في مانشيتات صفحاتها اليومية أي صلة تربط تلامذة عفلق بروح إيلي كوهين. شكراً لكلاب الرئيس السوري لأنها علـَّمَت أولادَنا أسماءَ مدنٍ أهملتها خرائطُ المدارس العربية، والآن حفظوا عن ظهر قلب درعا، وإدلب وبانياس و ...، وستكون مزارات سياحية مثل سيدي بوزيد التونسية وميدان التحرير القاهري وساحة التغيير اليمنية! بقدر عمق الخوف الذي تجذَّر في صدور السوريين، خرجت الشجاعة في حمص واللاذقية ودمشق، لكنها كانت أقل في (حماة) خشية أن تُذيع وسائل إعلام الأسد أن المنفيين في (آخن) الألمانية عادوا لينتقموا من ذيول سرايا الدفاع التي أبادت المدينة .. حصن الإخوان المسلمين في أوائل الثمانينيات! أتخيل الأسدَ الشبل يجلس باكياً في القصر، وتستدعي ذاكرتُه روحَ الوالد لتشُدَّ من أزرِه، وتُعَلِّمه أنَّ الرصاصَ الحيَّ الذي يخترق أجسادَ المنتفضين الأبطال سيحمى البعثَ إلىَ يومِ البعثِ، وأن بَشّاراً وبُشرىَ وأسماءَ وماهرَ ,و.. سيحكُمون سوريةَ ولو علىَ قُبور كل أفراد الشعب. القائمةُ السوداءُ لضباط الأمن والتعذيب والقهر والقمع ستكون أطولَ قائمةٍ لكلابِ القصر في أيِّ بلدٍ عربي حـَكَمَه طاغيةٌ، فهناك سوريون منسيّون في أقبية تحت الأرض، وهناك آلافٌ قضَوا ولم يكلف معذِّبوهم أنفسَهم إبلاغَ عائلاتِهم وذويهم، فدَفَنوهم في عجالة كأنهم خائفون أنْ تعود الروحُ مرة أخرى. البيانات التي تًصْدرها النقابات والهيئات الرسمية والاتحادات وغيرها فيها كَمٌّ هائل من المذلة والخنوع، أما مقدمو البرامج، وقارئو نشرات الأخبار فأسلوب في المهانة على حِدَةِ. الشفاة ترتعش، الوجه يفقد رونـَقَه، الدماءُ تهرب من العروق، اللون الأصفر يغطي البَشْرَةَ والشاشةَ الصغيرة، الغباءُ سيّدُ المنطق، الكذبُ يُخرج لسانـَه للمستمعين والمشاهدين، التقاريرُ حِزْمَةٌ من التلفيقات. كانت الفرصة أمام بشار الأسد في العامين الأوليّن لحُكمه كزهرة تستجدي قطفَها، وأعطاه السوريون ما بخلوا به على والده، وسامحوه فترة طويلة حتى يستطيع أنْ يرفع عينيه أمام أعمامِه .. أيّ رجال أبيه الذين كانوا بمثابه أعمامه عندما كان طفلا مُدللا يزور القصرَ، ويضع الحلويات في جيبِه، لكنه اختار الطريقَ الآخرَ الملوَّث بدماءِ أبرياء شعبه، وانحاز لأجهزة القمع والاختطاف والتغييب وراء الشمس. الآن ينظر من شُرفة قصره الذي تخترق حاجز صوته الطائرات الإسرائيلية متى أرادت، وكيفما شاءت، وينصت لهدير الجماهير الغاضبة وهي تقترب منه، فالخوف السوري انتهى إلى غير رجعة، والشعب يريد اسقاط النظام، ويمكن لشاب كان يفزعه المرور أمام قسم الشرطة أن يتسلق جدارية للرئيس الراحل، وينزع الأنف والأذنين، أو يلطخها دون أن تزداد نبضات قلبه نبضة واحدة. الآن ينتفض الحِمْصيون واللاذقيون والبانياسيون إنْ خرجت جنازةٌ في درعا تـُنَدد بالقَتَلة، فالسوريون شعبٌ واحد، ومن أراد من السلطةِ القمعية أن يلعب لعبةَ الطائفية، فشعبُ سورية العظيم قادرٌ علىَ أن يُسقطها في شارعٍ واحد .. وتكاتف التصاقي كأن السوريين انصهروا في جسد واحد. السوريون في أمان مادامت الطائفيةُ لم تُطِلّ برأسِها الثعباني لتلدغ الوطنَ في مَقْتَل، ورياحُ المذهبية إنْ هَبَّت من العراق ولبنان، ثم اكتشف أهل سورية أنهم علويون، وسُنَّة، وشيعة، ومسيحيون، وأرمن، وأكراد، فإن قادة إسرائيل سيشربون نخب الانتصار، وتفتيت قلب العروبة النابض قبل أن تُطْلَق رصاصة واحدة من جيش الاحتلال الصهيوني. بشار الأسد في رقصةِ الموت وهي الرقصة الوحيدة التي لا يعرف أيُّ طاغيةٍ متى يسقط بعدها من الاعياء، فهي (تانجو) في أولها، و(روك) في منتصفها، ثم (زار) في نهايتها، ويبدأ المضيفون في المنفىَ في التفاوض علىَ ثمنِ استضافة الطاغية، منجستو هيلا مريم في زيمبابوي، عيدي أمين دادا وزين العابدين بن علي في جدة، جان كلود ديفالييه في باريس، وهكذا تكون النهايات إلا إذا اختار الشعبُ السَحْلَ مثلما حدث مع عبد الكريم قاسم ونيكولاي تشاوشيسكو وموسوليني، أو اختارت محكمةُ العدل الدولية الطاغيةَ في سجن هولندي بالقرب من حدائق ذات بهجة. بشار الأسد أقْنَعَه أعمامُه أنهم لم يفطِموه بعد، وأنهم أوصياءٌ عليه، فلما اشتد عودُه، لم يرمهم بالسهم، لكنه أكمل مسيرةَ القمع فهي اللغةُ التي يفهمها السوريون، كما أوحوا إليه، وليس كلُّ وَحْيٍّ نُبُوّة، وليست كلُّ نصيحةٍ هي لوجه الله، فالشيطانُ أيضا ينصح، ويعظ، ويعتلي المنبرَ أو الشـُرْفة، ويستشهد بآياتٍ من كل الكتب المقدسة، ويحفظ الكتابَ الأخضرَ عن ظهر قلب، ويجلس في الصف الأول في مؤتمرات القمة العربية! إذا أراد السوريون التعجيلَ في وداع الأسد وكلابِه وذئابِه وحيتان الفساد فينبغي أنْ لا تتقدم أو تتأخر أيُّ كلمة أو وصف أو نعت أو جار أو مجرور أو مضاف إليه إلىَ كلمة سوري. عندما يسقط النظامُ الفاشيُّ، فإنَّ مَحْكَمَةَ الشعبِ ستتكدس بمتهمين أذاقوا شعبنـَا السوريَّ ما لم تفعله قوى الاحتلال في التاريخ الحديث، وسيخرج الآلاف الذين أهالوا عليهم أتربةَ النسيان في السجون والمعتقلات، فلا هُمْ موتىَ نترحم عليهم، ولا هُمْ أحياء نتمنى حريتَهم أو موتَهم. سباقٌ مع الزمن، ولعنةٌ تنتظر الساقطَ الأولَ لتصبّ في أذنيه ما لم يصله من الشعب طوال فترة حُكمه: قد يكون العقيد أو الشاويش أو طبيب العيون. أيها السوريون الأبطال، استمروا، وناضلوا، وتمسكوا بحقوقِكم، وطهِّروا سوريتـَكم وسوريتـَنا، ولا تصدّقوا كلمات بثينة شعبان في أيّ مؤتمرٍ صحفي، وأغمضوا عيونـَكم عن الفضائية السورية، وامسحوا بالصحفِ القوميةِ أوساخَ الشارع، واستعدوا لنصر عظيم. وسلام الله على سورية. محمد عبد المجيد رئيس تحرير مجلة طائر الشمال أوسلو النرويج Taeralshmal@gmail.com

أيها الجزائريون: انتفضوا .. يرحمكم الله!

الغضبُ هو حالةُ الحُبِ الأكثر رقياً، ومصداقيةً، وعمقاً، وتأثيراً ، ومن لا يغضب من أجل وطنِه فلا حاجة لمشاعر الحب الخاصة والعائلية والمكانية والزمانية! الصمتُ تجاه سيـّد القصر وهو يـُلوّح بسوطِه لرعيته هو أحط أنواع الاستضعاف، والمذلة، والمـَسـْكنة، فيصنع الصمتُ النائمين، والضعفاءَ، والكـُسالى، والمازوخيين، والسلبيين، والعاجزين، والغافلين فيتقوص الظهرُ، ويتضخم القفا، وتنحني القامة، وتدخل الكرامةُ في سـُبات عميق. أما أدنى أنواع الصمت فهو الذي يفغر فيه المواطن فاه أمام حيتان الفساد وهي تنهب جيبـَه، وتنزع اللقمةَ من أفواه فلذاتِ كبدِه، وتـُقـَنـِّن الرشوة، وتجعل الوساطة والمحسوبية أموراً عادية كالأكل والشرب و .. قضاء الحاجة. الجزائريون هم أنبياءُ التحرر العربي، وكل مستعمر للجزائر لديه حكايات لأولاده وأحفاده عن أسودٍ تنهش لحومَ من يقترب من أشبالها، وتـُضحـّي بخـُمس سكان الوطن من أجل أن يعيش الأربعة أخماس متدثرين برداء الحرية والاستقلال ، ومطهـّرين ظهر الأرض بشهداء باطنها! تنفجر الثورةُ في تونس الخضراء فيهرب أخطر لصوصها بصحبة الساحرة الشريرة، فــ"بن علي" ظن أنه وحده من يملك حق اشعال النار في أجساد التونسيين، فلما اكتشف أن بوعزيزي لديه ناراً تشتعل في الجسد الطاهر الغاضب، عرف أنها ستمتد من ولاية سيدي بوزيد إلى قصر قرطاج، لكن غضب التونسيين لم يخترق الحدودَ مع الجزائر. تشتعل ثورة الشباب في مصر، وتـُلهم كلَّ الشعوب التي يدوس فوق رؤوسِها مستبدون متخلفون، وينبهر العالمُ كله بأجمل ثورات العصر، ويرسل ميدان التحرير إشارات تتراقص في الأثير فيطرب لها الجزائريون الذين لم يصدّقوا في يوم من الأيام العجاف أن إعلام مصر مبارك كان يلعن بوقاحة أرواح شهداء التحرير الجزائريين بسبب كرة قدم وثلاث خشبات، لكن الجهاز العصبي للشعب الجزائري وضعه بوتفليقة في ثلاجة، فالتزم أحفاد بن باديس السكوتَ، وبعضُ الخرس إثم! وانتظر العربُ أن تنفجر الأرض انتفاضات متفرقة في وهران وعنابة وقسنطينة ومسعد والطارق والذرعان والأخضرية وبومرداس وتيمقاد و ... لكن كل شيء هاديء على سطح الجزائر، وسجون بوتفليقة والعسكر لا تزال تنافس بيوت الأشباح السودانية ومعتقلات العراق الطائفية، والصمت الجزائري خيانة لآلاف المفقودين الذين لا يعرف أحدٌّ إنْ كان العسكرُ، حُماةُ بوتفليقة، قد قاموا بتصفيتهم أم أنهم أحياءٌ في أقبية لا يعرفها إنس أو جان. يـُقدم السوريون تفسيراً جديدا لروح التمرد لدى الفرسان، فيـُغـَرّد الأحرار في حب الوطن جماعات تضيء ليل درعا واللاذقية وحمص وحماة وإدلب والقامشلي، لكن مصاص الدماء يسلط عليهم خفافيشه وهي ترتدي الزي العسكري لجيش عربي  فيسقط الأطفال والشباب والعجائز والنساء، فبشار الأسد أقنع جيش قلب العروبة النابض بأن الإسرائيليين الذين تهينه طائراتهم المقاتلة من فوق القصر الجمهوري ليسوا أعداء سوريا، إنما أعداء الوطن هم المطالـِبون بمساحة صغيرة منه يتنفسون فيها، تـُرىَ هل هناك صلة قرابة من بعيد بين بشار الأسد و .. إيللي كوهين؟ السوريون يـُقـَدّمون في كل يوم عشرين أو ثلاثين شهيداً، ويختفي منهم ضعفان أو ثلاثة أضعاف مع كل غروب لشمس الشام، ومع ذلك فالرسالة لم تصل إلى الجزائر بـًعـْدُ رغم أن المفقودين الجزائريين أكثر عدداً من المفقودين السوريين! اليمنيون لا يملكون غير الأدب والشعر والصدور العارية التي تتحدى الطاغية وجبروته، داخل اليمن وفي غربته بالمشفى السعودي. وتخرج نساء اليمن بعشرات الآلاف ليؤكدن أن رضاعة الأطفال الشـَجاعة في البيت، وحثهم على التضحية من أجل الوطن وهم شباب لا يعني أن الأم، وهي مَدْرَسةُ المدارس، سيشغلها المطبخُ في الداخل عن حماية الوطن في الخارج. وسلـَّط المستبدُ المتخلفُ كلابـَه المسعورةَ، ولكل طاغية كتائب من الكلاب المفترسة المحسوبة ظلماً على الجنس البشري، فلم يكتفوا باطلاق الغازات السامة على الأطفال والشباب المطالبين برحيل الديكتاتور الأكثر كذباً وتدليساً وغدراً، لكنه أصر أن يحكمهم بالحديد والنار مُقْسِماً بالله، تعالى، أنه زاهد في السلطة، ولا يرغب في البقاء ساعة واحدة بغير رغبة شعبية عارمة، ثم يرفع اشارة النصر أمام ملايين من مناهضيه وكارهيه ومُعارضيه! لكن الجزائريين يكتفون بمشاهدة الشاشة الصغيرة، وكأن تنويماً مغناطيسياً قد أصاب عيون أنبياء التحررالعربي. لم يصدق كائن حيّ أن روح عمر المختار لم تغادر أرض ليبيا، وانتظر الليبيون أكثر من أربعين عاماً على مهرج الخيمة، واكتسب الطاغية البلياتشو طوال أربعة عقود خبرة في القسوة والغلظة والبدائية والتخلف ، وكانت يومياته مزيجاً من المأساة الكوميدية، والملهاة الكارثية، ولوأنَّ العقلَ جهلٌ لا نهائيٌّ لكانه. واشترى الديكتاتور المهرجُ المفكرين والمثقفين والسياسيين والخبراءَ والبرلمانيين ورجال الدين ورئيس وزراء دولة عظمى، وركع أمام سفاراته في الخارج أصحاب القلم المهتريء، وأمراء النفاق في بلاط صاحبة الجلالة السلطة الرابعة. وحضر مؤتمرات القمة، وتآمر على كل الزعماء العرب، تقريباً، لكنهم كانوا يستقبلونه بالعناق الحار رغم تلوث يديه بدماء شعبه. كلنا كنا نعرف أن كونسلتو من مئات من علماء النفس كانوا غير قادرين على الدخول إلى متاهات تلك الشخصية البهلوانية الدموية، ومع ذلك فقد كان أكثرنا خائنين لشعبنا الليبي الصابر، فجعلنا صمتـَنا علىَ ظلمـِه إياهم مـِزاحاً، وحكايات للضحك والتهكم، فتأخر النضالُ سنوات طويلة، وخسر الليبيون من ثرواتهم، وحيواتهم، وتقدُّم بلدِهم عدة عقود حتى استلقينا على ظهورنا من الضحك على ملك ملوك أفريقيا وإمام المسلمين وعميد الحُكام العرب ورسول الصحراء وصاحب النظرية العالمية الثالثة وواضع أخضر الكتب المقدسة .. الصحراوية. وانتفض الليبيون بقوة دفع لم يكونوا على علم أنهم اختزنوها مجمدة في صدورهم إلا بعدما تسلموا اشارات من تونس ومصر واليمن والأردن  بأن الليبيين أيضا يملكون حق الغضب، وأن الصمت على الظلم أشد الكبائر التي تنفر الملائكة من أصحابها. ونافست طلائعُ الثوار الجـِمالَ، سفن الصحراء، في قوة تحملها، وغرسوا أقدامهم في رمال يعلمون أنها قد تكون متحركة في نهاية المطاف ولمسافة تمتد لنصف شمال أفريقيا حتى الوصول لباب العزيزية حيث يتحصن القائد البلياتشو بين أيدي عذراوات وهبن شبابهن من أجل حمايته. نصف عام اختصر اثنين وأربعين عاماً، ولكن رياح الصحراء التي تهب من الجنوب في غدامس بالقرب من الحدود الجزائرية لم تلفح وجوه أحفاد شهداء حرب الاستقلال، وكتم الجزائريون غيرتهم في سباق الثورات، فالغضب إن كان له مسقط رأس فهو الجزائر، فكيف لا يغلي الدم في عروق الجزائريين؟ كل يوم يمر ينخر سوس الفساد في عظام الجزائر الطاهرة، ويبهت كل أمل في العثور على المفقودين، ويكبر في العمر مجرمو الحرب الأهلية الذين عفا بوتفليقة عنهم قبل أن تقول السماءُ كلمتـَها. الجزائر بلد يملك كل مقومات الدولة الكبرى، والأغنى في المنطقة من بترول، وغاز، وشواطيء، وصناعة، وعنصر بشري يستطيع أي حُكم رشيد أن يجعله ثروةً أثرىَ من كل كنوز باطن الأرض وظاهره، ومع ذلك فالحلم الشبابي هو عدة سنتيمترات في قارب متهالك لن يصل في الأغلب إلى شاطيء المستعمـِر السابق قبل أن تنال أسماك القرش نصيبها من ركابه. هل ينتظر الجزائريون سقوط أربعة أو خمسة طغاة عرب حتى يكتشف أحفاد شهداء أعظم حروب الاستقلال أنهم في نهاية صف طويل من الشعوب الصامتة التي لم تغضب حتى هذه اللحظة على مصاصي دمائها؟ أيها الجزائريون، لقد تأخرتم كثيراً وكان من المفترض أن يبدأ ربيع العرب من حيث علــَّمـَنا مالك بن نبي كيف نقرأ الصراع الفكري في البلاد المستعمـَرة، حتى لو كان الاستعمار وطنياً، فاغضبوا يرحمكم الله، واضربوا المثل الذي ينتظره كل أحرار عالمنا العربي، وقاتلوا بصدور عارية، وانزعوا من أنياب ذئاب الحُكم شهادة حياة حرة وكريمة لمستقبل أولادكم، ولا تجعلوا جماعة أو فرقة أو توجهاً أيديولوجياً، علمانيا أو إسلامياً أو عسكرياً، يحدد لكم المشهد الجديد في جزائر المستقبل .. جزائر الثورة. ابحثوا عن حُكم وطني لا يرفع شعاراً يوشي بخلافات تـُميت ولا تـُحيي، ولا تنصتوا لبائعي الكلمة ولو ألقوها على مسامعكم من فوق المنابر أو من ثكنات عسكرية، ولا تصدّقوا كل من يقول بأن فيه روح الاستقلال لأنه ينتمي لرجل أو قائد أو أمير أو شيخ أو عسكري، فالثورة الجديدة لها لون واحد هو الجزائر .. وهوية واحدة هي الجزائر .. وكلمة سِرٍّ واحدة تتفتح لها كل الأبواب هي الجزائر. أحرّضكم على الثورة، وأخاف عليكم من لصوصها. أحلم معكم بانتهاء حُكم بوتفليقة والعسكر وأجهزة الاستخبارات وملوك الفساد، لكن خوفي من وصول المنتقمين لسدة الحُكم يصيبني بالفزع. لا تصدقوا من يقول لكم بأن لديه تفويضاً من رب السماوات والأرض بوضع الدستور، وتفسيره، والحُكم بهواه زاعماً أنه حُكم الله. حُكم الله في جزائر المستقبل هو العدل، والمساواة، والحرية، والخبز لكل جائع، والسكن اللائق، والقضاء على الأمية، والعلاج المجاني، ومنع انتهاك كرامة المواطن، وتعويض السجناء الأبرياء، والقضاء على الغلاء، والعثور على المفقودين جميعا أو معرفة مصيرهم، وحماية الطفل من الشارع والتسول والتعليم المتخلف. حُكم الله في جزائر المستقبل هو علاقات سوية بين السلطة والشعب، ورئيس دولة خادم لدى أبناء وطنه، والحفاظ على أموال الجزائريين، وبناء النهضة من جديد، واستدراك ما فات الجزائريين من تقدم ورقي وتمدن، وفرصة عمل لكل مواطن مهما بلغت درجته العلمية، أدناها وأقصاها. حُكم الله في جزائر المستقبل لا يزايد فيه أدعياء التديّن، ولا يزعم فيه أحد خلاصة الحق والحقيقة، وليس هناك من هو فوق النقد من السلف والخلف، ولا يحتكر فيه أحدٌّ تفسيرَ كـِتاب الله العزيز. حُكم الله في جزائر المستقبل هو تقدم في كل المجالات، العلمية والأدبية والثقافية والفكرية والإدارية والفنية، وأن تكون الجزائر دولة مُسالمة مع جيرانها، وأن تـُنهي كل الخلافات مع المغرب، بل وتطلب الوحدة الاندماجية لتصبحا دولة واحدة قوية عزيزة وغنية. حُكم الله في جزائر المستقبل هو دولة التسامح، والأمن، والأمان، والقضاء العادل، والقضاء على الطبقية. أيها الجزائريون، لا أصدق أنني احتفلت بانتصار ثورات ثلاث، ونصف انتصار لاثنتين، ولم ينتفض الجزائريون بَعـْدٌ كأنكم في كوكب آخر. هل أستعد لارسال تهنئة أم أن الغضب الجزائري سقط، سهواً أو عمدا، من ربيع العرب؟ وسلام الله على الجزائر محمد عبد المجيد رئيس تحرير مجلة طائر الشمال أوسلو في 23 أغسطس 2011 Taeralshmal@gmail.com

نمنحك مُهلة ليُحصي كلابُك قتلاك!

تلتقي جزاراً فيـُقسم لك انه ليس مسؤولا عن الذبائح في دكانه! وإذا كان وقحاً كبشار الأسد حدَّق في عينيك أو في كاميرا للتلفزيون الفرنسي زاعماً أن الذبيحة أتته طواعية، ورَقَّ قلبـُه لها وهي تتأوى من الآلام، فطبيب العيون لا يتحمل مشهدَ الدماء!
جامعة الدول العربية ليس لديها في مقرها القاهري آلة حاسبة صغيرة تحتوي على جدول الضرب، لذا لم يعرف وزراء الخارجية العرب ومعهم نبيل العربي كيفية حساب عدد الشهداء في أسبوعين وهي المهلة المحددة قبل تجديدها مرة ثانية استعداداً لمنح الارهابي في دمشق مهلة ثالثة.
أتفهم تماما صعوبة حساب عدد الشهداء في كل يوم، فالسادة في جامعة الدول العربية ينتظرون حتى تعلن وكالات الأنباء العدد الاجمالي مرة في كل شهرأو اثنين!
الغريب أن المتفرجين العرب والغربيين وروسيا والصين منشغلون ببيان يتم تجهيزه خلال الغارات الجوية القادمة على سوريا التي يعرف الجميع أن سماء دمشق تتفتح لها بمقاطــعة شركات الطيران العربية، فالستار سيـُرفع قريبا، وبيانات الشجب ستحتوي على فقرات متشابهة مع كل بيانات الادانة الجوفاء: إننا نحذر من المساس بالمدنيين!
لماذا لا نتكاتف في عملية كبرى لازاحة النظــام السوري شريطــة أن لا تتدخل دولة مجاورة أو حلف الناتو أو مغامرون من دول أخرى سيخلطون الأوراق لتتحول المقاومة ضد الأسد إلى صراعات طــائفية؟
تحرير سوريا من الداخل، أي بواسطــة ابناء الشعب في خطــة مُحــْكــَمة، وموعد محدد، ونزع مشاعر الخوف من صدور الجنود وأبناء الشعب، خاصة في دمشق، الذين يخشون فشل المظاهرات في مواجهة أجهزة القمع، يمكن أن يكون مقدمة لسقوط النظام برمته، واكتشاف الخائفين والمترددين أنه ككل أنظمة القمع والبغي مصنوع من خيوط العنكبوت أو أوهن منه؟
ليس لديَّ أي ثقة أو أمل في جامعة الدول العربية، ولو قام نبيل العربي بتحويلها إلى سوبرماركت أو محل لبيه الهوت دوج فربما تكون أكثر فائدة، أو على الأقل لن تضر مصر أو العالم العربي.
الحل في قناعاتي الشخصية ليس وضع شعار لكل مليونية تتفرق بعد صلاة الجمعة، ثم يعيد الأمن قتل بعض مشيعي الشهداء، ليستعد الشعب السوري بعدها لتقديم ثلاثين شهيدا يوميا حتى الجمعة التالية.
لابد من خروج كل السوريين، وأنا على يقين من أن مئات الآلاف الذين يخرجون إلى الساحات لتأييد بشار الأسد ليسوا أكثر من أناس تم جلبهم بالتهديد، والوعيد، والخروج الالزامي من المدارس والجامعات وأماكن العمل فضلا عن قوات الجيش والأمن بملابس مدنية، فالخوف يصنع ثورات مضادة توحي للساذجين أن الطاغية تحشد له القلوب مناصرين، وهل هناك جزار مستبد في التاريخ لم يخرج لتأييده نصف أفراد الشعب؟
ألم تكن الجماهير المهووسة بالهتاف لنيكولاي تشاوشيسكو هي نفس الجماهير التي لعنته في ذات اليوم .. والساعة، وربما دقائق بعد مظاهرات الحب في بوخارست؟
بشار الأسد وكلابه أضعف من فئران مريضة، وقوتهم في ساديتهم العنيفة، وخوف الناس ناتج عن المشهد المترسب في الخيال عن قسوة أجهزة العنف والدم، فكل رجل أمن وعسكري وضابط في سوريا، إلا القلة، هو دراكيولا مستقل بذاته.
تأجيل، وارجاء، وتردد الجماهير السورية في الانتفاضة والعصيان وخروج الشعب كله يرجع أيضا إلى الخوف من الطــائفية، فسورية قوية بطوائفها المتسامحة، فإذا انصهر السني والعلوي والشيعي والدرزي والكردي والأرثوذكسي والماروني والانجيلي والجعفري واللاديني في بوتقة واحدة فالوطن بخير، أما سورية الضعيفة، التي تستبدل طاغية بمستبد، وسفاحاً بجزار، وشبيحة ببلطجية، ومتشددا بمتعصب فهي التي تـعلن طوائفها في الأزمات عن أيديولوجياتها بعد التحرير من الأسد وكلابه.
هل ستستقطب إيران وحزب اللــه والسعودية والأردن وإسرائيل وتركيا والعراق و مسيحيو لبنان وأمريكا والغرب ومصر والإخوان المسلمون جماعات في سورية ما بعد الأسد لترى بعيونها المشهد السوري، وتــُحـَرِّك بعض قطـع الشطرنج كيفما شاءت لها مصالحها؟
هذا يتوقف على مدى تماسك السوريين في قالب واحد لا يستطيع أحد أن ينزع عنه فرقة أو جماعة مهما صغرت، ومهما كانت قوة الجماعة الأم في الخارج.
سوريا تحتاج إلى يوم واحد فقط تتحدث عنه كل وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الغربية والعربية والاسلامية قبل موعده بوقت كاف.
يوم واحد فقط يدعو السوريون أبناء الجيش وأجهزة الأمن للوقوف معهم، والانفصال عن النظام الدموي العفن، والوعد باذهبوا فأنتم الطلقاء شريطــة المشاركة في اليوم المذكور.
يوم واحد فقط يراه كل سوري بمنظوره الخاص فلا يتصادم مع غيره، فهو مظاهرة، وانتفاضة، وعصيان، وثورة سلمية، ومحاصرة أقسام الشرطــة، والتوجه الملاييني لقصر الرئاسة.
يوم واحد فقط يــُربك أجهزة الأمن، ويخيف الواثقين من سقوط الأسد أن حساب الشعب لهم عسير إذا لم يقفوا معه في هذا اليوم، وأن التسامح مع القتلة والمجرمين ومناصري الارهابي بشار الأسد محصور فقط في اليوم المذكور، وهي فرصة لا تتكرر تحت أي ظرف، فبشار الأسد سيسقط في مهلة لا تزيد عن ثلاثمئة شهيد آخرين، والشعب المسالم الأعزل الآن لن يعطــي للوطن شهداء بدون ثمن، وسيدفع الذين ظلموا الثمن غاليا عندما يبدأ السوريون في مرحلة الدفاع عن النفس خلال ثورتهم المباركة.
ساديو النظام المتلذذون برؤية مشاهد الأطفال الممزقة أجسادهم وعيونهم، والذين يجوسون على الإنترنت مدافعين عن القاتل، وموجهين الاتهامات للضحية، هم في نفس الخندق مع أعداء سوريا، وربما كانوا مدفوعين من أجهزة الأمن الإسرائيلية.
سوريا ستتهاوى إذا تهاون العرب والأحرار في التخلص من نظام الأسد، والمهلة المتجددة من جامعة الدول العربية ليست أكثر من التعاون مع حفاري القبور لايجاد مكان تحت الأرض لشهداء سوريا الأبرار.
لعنة اللــه على كل من لا تتمزق شغاف قلبه حزنا وكمدا وأسفا على سوريين كل ذنبهم أنهم خرجوا بصدورهم يهتفون ضد مصاص الدماء البعثي .. جلاد الأبرياء.
لم يعد هناك وقت للنقاش، والجدال، وضياع الوقت في اقناع شبيحة الانترنت أن الشعب هو الذي يثور، وليس جماعات ارهابية تقوم بتصفية السوريين قبل أن تأتي قوات بشار الأسد وتـُطـَّــهـِر المدن من الخارجين على القانون.
الجيش السوري سيحمل عاره وسيورثه أبناءه لعشرات السنوات، وأجهزة الأمن سيعرف ضباطــها نهايات لم يتعلم منها الطــغاة وكلابهم.
فكرتي تنحصر في تحديد يوم واحد، ومن الأفضل أن يكون يوم جمعة، ويتم التركيز على دمشق، فالنظام سيسقط في العاصمة وليس من أي مكان آخر، والقذافي لم يسقط في بنغازي أو طبرق، والجنرال التونسي لم تسقطــه الحمامات وسوسة وبنزرت، ومبارك خلعه قلب القاهرة .. ميدان التحرير.
شعار اليوم المحدد لن يخرج عن ( اليوم الأخير لسفاح سوريا)، ولا يعود إلى بيته أي سوري قبل أن يهرب الديكتاتور، أو يقبض عليه أحرار، أو يخرج من جيش العار شرفاء ينقذون سوريا من أي تدخل خارجي أو مساعدات أجنبية أو متطوعين للدفاع عن طوائف معينة، أو فتح الحدود للمغامرين من دول الجوار.
لقد تأخر كثيرا البيان رقم واحد، والثقة في جامعة الدول العربية كارثة أخلاقية، وسذاجة كأن أصحابها لا يفقهون ألف باء السياسة وتاريخ الجامعة من عصمت عبد المجيد إلى عمرو موسى ثم نبيل العربي.
أيها السوريون الأبطال،
ارحموا قلوبنا فهي تضعف، وتتفتت، وتمرض مع كل يوم نــُحصي فيه شهداءكم، ونلعن زمن الأسدين، الأب والشبل، فلا تجعلوا قاتل أولادكم يخرج آمنا، أو يجدد عهد الدماء بمراقبين من جامعة الدول العربية.
الشيء الذي ربما لا تعرفونه هو أن بشار الأسد تطارده الكوابيس، ويرتعش في فراشه، ويتبلل سرواله، ويلعن يوم أورثه والده ومجلس الشعب حــُكم سوريا، فلا تخشوه، وتوكلوا على اللــه، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 10 ديسمبر 2011
Taeralshmal@gmail.com

حفــَّــارو القبور ينتظرون السوريين!

هذا المقال مضت عليه ثلاث سنوات، فماذا تغير في المشهد؟

يمكنك أن تُشــَـمـِّـر عن ساعديك بعد أنْ تطيل أظافرَك، فمهمتــُــك قبل أنْ تساهم في حفر القبر هي أن تــُـصفق ملء كفيك!
كل حفــّـاري القبور للشعوب يتقابلون عند نقطتي الصمت والصفر، وهما النقطتان اللتان تصنعان الطاغية، فالمواطن الصامت كالصفر الساكن.
الطاغية هو الذي يستعدي القتلة من الخارج بعدما صنع القتلة في الداخل، وفي هذه الحالة يتساوى معتقل جوانتانامو الأمريكي ذو النكهة الكوبية، وسجن أبو غريب في مراحله الثلاث، صدام واليانكي وحكومة المنطقة الخضراء، وسجن القامشلي السوري حيث يؤمن المعتقلون بأن جحيم الآخرة نعيم مقارنة بجحيم سجون ومعتقلات الأسدين، الأب والابن.
في معظم الأحوال فأنت لا تحتاج إلى التواجد مع حفاري القبور ويكفي الصمت والابتسامة والتبرير فهو مثلث عقلاني المظهر وبرمودي الهدف، رغم أن الذين يبررون للمبررين سوطهم الخفي يشيرون إلى سوط السلطة وأنياب القائد و.. وراء الشمس الاستخباراتية.
المهيب قد يخفي خلف فكيه رعشة رعب لا يعرف مثلها فأر، لكن المازوخيين يتلذذون بأوامره وتوجيهاته وقوته الخيالمآتية كأنه يراقب أحلامهم حتى قبل أن يغلبهم النعاس.
في أقل من عامين يكون الطاغية قد جعل كل اثنين من مواطنيه رقيبين على الثالث الذي يقنعهما لاحقاً أنه .. ثالثهما!
المشهد برمته في الوطن يجعل قوىَ الاستعمار أو الاحتلال أو الغزو تفرك عينيها وتســِــنّ مخالبها، فالطاغية نجح في تلميع المنقذ، وربما تشاهده بعد ذلك في زيارة يخرج الجزائريون فيها عن بكرة أبيهم لاستقبال جاك شيراك، ويدفيء أحمد الجلبي مؤخرته وهو جالس فوق دبابة أمريكية بالقرب من نهر دجلة وبعيداً عن بنك بترا الأردني، ويرحل الأسد الأب فتتبلل سراويل أعضاء مجلس الشعب السوري وهم يختارون شبله في ربع الساعة ليضحى الابنَ الرئيسَ بعدما كان ابنَ الرئيسِ!
هنا يتساوى كل الطغاة خلف هوس السلطة، منجستو هيلاميريم، عيدي أمين دادا، جان بيدل بوكاسا، زين العابدين بن علي، حافظ الأسد، بشار الاسد، أنور خوجة، بول بوت، نيكولاي تشاوشيسكو، فرانكو، بينوشيه، سالازار، سوموزا، العقيد معمر القذافي، حسني مبارك، المشير طنطاوي، الحسن الثاني .. وهي قائمة تمتد من قابيل ولا تنتهي قبل أن تغرب شمس أرضنا إلى الأبد.
مصانع الأسلحة تعمل بالاثنين معا: الوقود والدم، وأصحابها يحصون العملة الخضراء والجثث بنفس الدقة، فعيدي أمين دادا يطرد ثمانين ألف من أصل آسيوي، وجان بيدل بوكاسا يأكل لحوم تلاميذ الثانوي، وحسني مبارك يجعل السحابة السوداء في سماء القاهرة تلعن عقوده الثلاثة في الحُكم، وصدام حسين أقنعه الخائفون والمنافقون في المربد وخارجه أن جيشه لو تحرك من موقعه شبراً لخرت أمريكا وأوروبا وإسرائيل ركوعا له ولأشاوسته. والأسدان، الأب والشبل، يذيقان الواحد تلو الآخر شعبنا السوري عذابا لا يتحمله جماد.
إذا لاحت بوادر انتصار الشعوب على طغاتها فإن الطابور الخامس من الجواسيس النائمين ينزوي في ركن قصي ليظهر الطابور السادس ، وهم لصوص الثورات الذين يــُــعــَــبـِّـدون الطــُــرق لتدخل خارجي، مثل الهجوم الارهابي على البرجين التوأمين في 11 سبتمبر ليمنح الجيش الأمريكي تأشيرة دخول مجانا لأفغانستان، ومثل لصوص ثورة 25 يناير المصرية الذي رفعوا المصحف وزعموا أنهم أحرقوا العلم الأمريكي فإذا بالعلم في قلوبهم أقدس من المصحف الشريف، وهكذا فعل الوطنيون المزيفون في العراق فتقاسموا الوطن مع الاحتلال، وقسَّموه طائفيا، وأيضا أجهزة الاستخبارات السورية التي جعلت إبليس يغادر دمشق فالمعتقلات السورية يقوم عليها ضباط يتتلمذ الشيطان على أيديهم.
وبدت الثورة السورية الشعبية على وشك النجاح فهذا شعب إذا استيقظ باكرا تولى الحُكم، فماذا لو نام أربعين عاماً مقسَّمة بين الأب والابن؟
وظهر لصوص الثورات وأهالوا التراب على رغبة الشعب في الاطاحة بطبيب العيون السفاح، وبدلا من أن تكون ثورة شعبية اصبحت جيشاً حراً يحلم أفراده، أو أكثرهم، بالسلطة والخلافة والحور العين وجماع الجهاد، فالنصر على الخصم يبدأ من النصف الأسفل للمرأة.
وتلقف سيد البيت الأبيض الحاصل على جائزة نوبل للسلام الرسالة الجهادية وعليها قــُــبـلة عبرية، فالمصيدة فيها الأسد وآيات الله وحزب الله وحزب البعث والدب الروسي و.. الربيع العربي.
إنها حرب محدودة ومرسومة نتائجها قبل الكيماوي بوقت طويل، والقوى العملاقة، أمريكا وفرنسا والجزيرة(!)، تست
عد للايقاع بالدولة القادمة بعد سوريا.
كلنا قتلة وحفارو قبور ومشاهدون بلهاء في مسرح سخيف، ونزعم أننا مع الأسد الوطني أو الجيش الحر أو الحلم الأمريكي أو الخليفة في الآستانة، لكن الحقيقة أن صمتنا الطويل على الطغاة يتحمل التبعة الكبرى، فالمفردات الوطنية تثقل كاهلنا ثم تقتلنا، ودفاعاتنا الحمقاء عن أباطرة الفتاوى وتطبيق الشريعة الوهمي سرقة للثورة لتسليمها للأموات، ومعاركنا الدونكيخوتية والطائفية ليست أكثر من دعوة صريحة للأقوى لاضعاف الأضعف.
ليس السؤال الأهم عن ضرب سوريا، ولكن عن الدولة العربية التي سيقدمها جبننا وغباؤنا لآلة التدمير الأمريكية بعد الانتهاء من شرب أعضاء الكنيست نخب هضبة المبكى السورية!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في الأول من سبتمبر 2013

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...