03‏/03‏/2021

مقطع من يومياتي بعد موتي! (الجزء الثاني)

 مقطع من يومياتي بعد موتي! (الجزء الثاني)


هذا المقال لا يمكن فهمه بدون قراءة الجزء الأول.
المشهد هو من نسج خيالي حيث استعنت بمنظور إنساني، بكل ما فيه من ضعف وثغرات، وهو ليس وصفا ليوم الحساب.
********************************

لم أشعر بأدنىَ حاجة للنوم؛ فالتعب لم يطرق بابي، وأنا مثل الذي ينتظر موعدا يفصل الحياة والموت فلا تغفل عيناه لحظة واحدة.

شاب وسيم ككل شباب موقع الانتظار مرَّ بجانبي، مشيا أو طيرانا، ثم نظر إلى متسائلا: هل تبحث عن صحبة لتتعرف بالموقع أكثر؛ فأنا أراك في حيرة، ولا تدري أيَ مكان تتوجه إليه؟

بادلته الابتسامة، ومشيت أو طرت بجواره، وسألته عن ظروف موته في حياته الدنيوية، وكأنني فتحت الصفحة الأولى لرواية بطول عُمره!
كنت أعيش حياة سعيدة مع العائلة، قال لي: والد يحرسني من أي خطأ، ووالدة كأنها قطعتْ حبل السُرّة لتوها إثر ولادتي، لكنها متمسكة بي. أشقاء وشقيقات وأحلام في كل القيم المثالية، وتسامح مع الجميع فلا تقتحم كلمة طائفية حياتي أو يلفظها لساني أو يحتفظ بها قلبي!

ثم أكمل: اكتشفت فجأة أن انخراطي في هموم وطني هو القيمة الإنسانية الكبرى التي أريد أن يرثها عني جيل من صُلبي. في بلدي، ولن أذكر لكَ اسمَه لأن عشرات من الأوطان الكبرى تماثله في الظلم و.. صمتِ الناس.
اعتقلتني الشرطة ووضعتني أنا وأحلامي وآمالي في سجن يستقبل الأحياءَ فقط، ثم يلفظهم أمواتا مع شهادة مزوّرة من طبيب السلطة.

قضيت عدة سنوات تحت التعذيب والمهانة والجوع والعطش، وحُرمتْ أمي من زيارتي؛ فلما مرضتُ مُنع عني الدواء حتى لفظت أنفاسي الأخيرة، وها أنا في موقع الانتظار مُترقبا حساب يوم الحساب، بعدما أنزل عليَ ربي صبرا شديدا.
لم يبك أو يغضب أو يلعن سجّانيه فنحن في مكان نحاسب أنفسنا عن كل همسة خشية أن تؤثر في ميزان يوم الحساب بعدما تقوم الساعة ولو بعد مئات الآلاف من السنين.

ثم تذكّر أنه شاهد هنا ثلاثة من الذين مارسوا التعذيب على جسده الواهن، فشعر بقُرْب عدالة السماء.
التقينا شابا يبدو أن حديثنا وصله رغم أننا نتحدث بلغتين لم يفهم أيا منهما في الحياة الأرضية، فاستأذن مِنــّـا المشاركة، ورحبنا به.
قال بأنه وُلدَ في احدى جُزُر الباسيفيك إبان غزوات الاستعمار الأبيض في بدايات القرن الثاني عشر، وكان شابا طموحا، وقارئا نهما، وباحثا عن المعرفة في الحياة وبين أغلفة الكتب.

ثم أردف: طوال حياتي التي امتدت لنصف قرن لم أتمكن من استيعاب فكرة وجود إلَه للكون، لكنني كنت مواطنا مفعما بالإنسانية، وما أُعطي لي من عُمر لم يكن كافيا ليصل بي إلى مرحلة الإيمان، وهي مرحلة تحتاج، حسب قوله، إلى ذكاء مُشع أو.. إلى غباء حاد!

ظللت، على حدّ قوله، أبحث عن الله فلم أتمكن، أي لم أنكر ولم يعمّر الإيمانُ قلبي، إلى أن وشى بي أحد المؤمنين تماما كما كان زاعمو الإيمان في فرنسا يبلغون السلطات بالساحرات، فينتهي الأمر بهن إلى الحرق أحياءً أو المقصلة.
لا أدري إن كنت قد بقيت حتى تنتهي حياتي طبيعية ليدخل الإيمان قلبي أو يتثبت الإنكار مكانه!
ثم طرح عليَ سؤاله القنبلة: لماذا يشي المؤمنون بمن يختلفون معهم، ولا يكترث الملحدون بغيرهم؟
لم أُجب فقد كنت متلهفا لمعرفة حكايته الدنيوية!
قال: تم القبض علي، وشهد المؤمنون عملية إعدامي أمام عائلتي وأحبابي ، وبعضهم كان يهتف كأنه المحامي الأول عن الله!

مشى أو طار الملحد والمؤمن بجانبي وهما يتحدثان كأنهما صديقا طفولة.
سأل الثاني الأول بصوت خفيض: ماذا لو لم تقُم القيامة بعد الزمن اللا نهائي؛ فهل نظل في انتظار المجهول؟
لم يكن لدى أي منهما إجابة شافية.

حوار جعلني أسترجع آلافا من ذكرياتي الأرضية، كثير منها تساند المؤمن، وكثير منها تدعم الملحد، فالملحد هو شخص لم تسعفه الحياة بقطع حيرته والوصول إلى الأمان، والمؤمن أغلب الظن وارث للعقيدة، متشبث بالسلام فيها، يشعر بفوقية على غيره، وقد يكون مؤمنا عقلا وروحا وقلبا ونفسا!
تركتهما عندما رأيت فتيات جميلات كأنهن لؤلؤ منثور، يسرن الهوينا أو يطرن كفراشات فوق زهور بديعة في قلب حديقة غنّاء.

في وسطهن كانت هناك أربع فتيات تشبه كل واحدة الأخريات، فسألت إحداهن عن سبب هذا التشابه العجيب!
قالت عن يميني أمي، وعن يساري ابنتي، وهذه جدتي، وكلنا في نفس العُمر ، ونتبادل الذكريات في أمور التقىَ زمنُ واحدة بالأخرى، وباقي الذكريات فيها من الخصوصية ما لا تعرفه الأخريات.

قالت إحداهن: نحن نحاول العثور على أسلافنا اللائي عشن منذ مئات السنين أو آلافها، فقد يكون مثيرا للاهتمام أن تحكي كل واحدة منا عن زمنها، فلدينا من الوقت ما يكفي قبل أن تقوم الساعة، وينتهي زمن البشر ليبدأ يوم القيامة بما فيه من حساب عسير أو يسير، وأظنه يسير، وسهل، وهيّن، قالت هذا بثقة شديدة!
قلت لها: هل تؤمنين بأن الله قد يعذبك في جحيم أبدي لا تخرجين منه أبدًا؟
ردّت الجدّة الصبية: الإيمان يبدأ بالثقة أن العذابَ الذي أشارت إليه كل الكتب السماوية والأرضية وغيرها هو للتخويف وليس ليمارس القوي خالق الكون علينا قوته ورهبته بعدما منحنا حياة طويلة لم نُستَشر فيها، تألمنا، وتوجعنا، وفي النهاية كبرنا، ومرضنا، وألقى بنا حفّار القبور تحت التراب بفرض أن حيوانا مفترسا أو زلزالا أو فيضانا أو وباءً لم يقم بالمهمة.

سألتني احداهن: هل فضولك هذا لنفسك أم أنك ستُعْلــِـم من يعرفك أو يقرأ لك بما رأيته في موقع الانتظار؟ ثم ردّتْ على نفسها: لن تستطيع أن تكتب عما شاهدت بعد موتك، فسكان الأرض التي ما تزال تدور وتنفث بهجتها وغضبها، ويسكنها وحوش من البشر وودعاء منهم أيضا لن يتركوك تُكمل حكاياتك، فبنو آدم شخصانيون إذا انتفى العقل، ومفترسون إذا اختلفوا معك، ويظن أجهلهم أنه أوتي الحكمة كما لم تؤت لأحد في العالمين.

قلت لها: أنا أحد المؤمنين بأن للكون إلــَــهاً، وعلى يقين أن الحساب الأخروي آتٍ لا محالة، لكن بأية كيفية، لا أعرف!

تركتهن وجعلت أمشي أو أطير وذهني مشغول بتساؤلات لو جمعتها لاحتجت لسنوات حتى أستوعب الإجابة عليها.
ما يحيرني هو كيف أعطى الإنسان لرجال الدين في كل العقائد حق وصف ما بعد الموت؟

ترىَ كم كان التطور الفكري للإنسان سيستقيم لو أن تساؤلات عما بعد الموت أجاب عنها فنانون وموسيقيون ومثقفون وفلاسفة وكيميائيون وعلماء فضاء ومهندسون وأطباء ومفكرون وأدباء بدلا من احتكار قارئي الكتب العتيقة للحقيقة غير المعروفة، فأختلط العلم بالجهل في شؤون الدين؟

أكبر خسارة أصابت الجنس البشري هي منح رجال نطلق عليهم رجال الدين الحق في تفسير كتب مقدسة أو عتيقة أو موروثة فيعيدون تفسيرها كأنهم عاشوا أزمنة سحيقة، أو أنهم يقرؤون الغيب بأثر رجعي وسلفي.

أغلب رجال الدين في كل العقائد أعداء صرحاء للعقل، والعقل هو جوهرة الخلق، وهدية الخالق لنا بعد الروح، وأحيانا قبل الروح.
فكرت في البحث عن إبليس في موقع الانتظار، حيث أنه لم يُحاسَب بعد، ولكنني تأملت السلام والهدوء والمحبة التي عمّت المكان؛ ففهمت أنه ليس بيننا الآن؛ فمهمته في الأرض لم تنته بعد.

قلت لأحدهم ويبدو أنه من منطقة الشرق الأوسط وقد لوحت شمس البحر المتوسط بشرته: هل لك أن تقص علي من نبأ نزولك في القبر إلى أن انتقلتَ، روحا وجسدا روحيا إلى هذا المكان؟

ابتسم ابتسامة لطيفة وقال: أنت تريد أن تعرف ما حدث معي في القبر، وهل الحكايات والروايات التي تكدست بها عقول الناس لها من الصحة والحقيقة نصيب، أليس كذلك؟
لم يتركني أوافقه واستطرد: نزلت أو أُنْزلت إلى القبر في هدوء عجيب حتى أن المشيّعين التزموا الصمت. انفضّ المكان، وخيم صمت عليه قبل أن يحل ظلام لا يختلف كثيرا عن ظلام القبر.

لم أشعر بشيء إلا عندما انتقلت إلى موقع الانتظار، فالقبور ليست مكانا للتعذيب والخوف وتسليط حيوانات على الميّت أو لدغه، فكل هذه حكايات جهلة ساديين أرادوا تخويف الناس لكي ينشروا بينهم دعوة سادية الخالق، وحساب ما قبل الحساب، وطاعة ترهيبيين يعيشون على صورة قاتمة وقاسية وغليظة وعنيفة لإلــَه الرحمة. أصحاب هذه المرويات يتمادون في تشويه صورة الخالق العظيم فجعلوا من نهاية رحلة الحياة بداية تماثل يوم القيامة، وجعلوا الميت يحتفظ بروحه حتى يتألم، بل سلطت حكاياتهم عليه ثعبانا، أي مليارات من الثعابين في طول الكرة الأرضية وعرضها تكون مهمتها لدغ أتربة بأوامر من الله الرحمن الرحيم.
ثم قال: ينزل الميت في سلام، وتقوم الطبيعة بعملها على أكمل وجه، فيصبح ترابا، وتلتصق ذراته بالمكان، ولا يبقى منه شيء.

فقط الذين لا يعرفون أن الله أكبر يرسمون تلك الصورة ويضعون تفاصيلها على ألسنة حمقاء لمن قيل بأنهم رجال دين.
بعد ذلك وجدت نفسي في موقع الانتظار حتى يأذن الله بإنتهاء الحياة على الأرض، ويجمعنا، ويحاسبنا، ولا يمس الأشرارَ بأي سوء قبل أن تقوم الساعة.
استرحت لهذا الحديث وانتابتني رغبة أن أسحب الحديث عن الموت من رجال الدين، أقصد تجار الخوف.

لماذا ننتظر يوم القيامة ولا يُحاسَب الميت فور مغادرة روحه جسده؟ ولماذا لا يتجلى الله للإنسان بمجرد انتهاء حياته فيحاسبنا فردا.. فردا؟ ولماذا يتساوى الطيبون والخبيثون في موقع الانتظار وهم ينتظرون يوم القيامة؟ وماذا لو قال الله لنا اذهبوا فأنتم الطلقاء وها قد عرفتم أن إلــَــهكم حق؟ ولماذا لم تتنزل الأديان السماوية على أركان الأرض الأربعة بالتساوي؟ وهل يخلقنا الله ثم يُفضّل بعضنا أو يقرّب إليه أتباع مرسَل، ويُبعد الآخرين؟ وعشرات .. ومئات من التساؤلات الأخري التي ازدحم بها ذهني، وأريد أن أطرح في حلقات قادمة إن شاء الله عن يومياتي بعد موتي!
سألت نفسي بصوت مسموع هذا السؤال!
وإلى الحلقة الثالثة بإذن الله

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 2 مارس 2021

01‏/03‏/2021

مقطع من يومياتي بعد موتي!

 مقطع من يومياتي بعد موتي!


الحلقة الأولى

هذه مشاهد من يومياتي بعد موتي من منظور إنساني ولا تتحمل تفسيرات وتعليقات وردودًا تستند إلى استشهاد بآيات من القرآن الكريم أو الكتاب المقدس بعهديه، القديم والحديث، ولا أحاديث نبوية أو كلام القديسين والشيوخ ورجال أي دين!
تُرىَ من يستطيع أن يقرأها دون أن يُقحم المقدس فيها أو يُعلق بإكليشيهات متوارثة؟
من يستطيع أن ينظر إليها كإنسان.. إنسان فقط يسانده عقل، ويدعمه فكر بعيدا عن أي تأثيرات أخرى؟
*************************************

لا أدري متى رحلتُ عن الدنيا الأرضية؛ فربما كان يوما أو شهرا أو عاما أو عقدا أو أكثر!
كنت في حالة دهشة فلم أعرف إنْ كنتُ أطير أم أمشي، لكنني في كل الأحوال يحملني جسدٌ خفيف فيه روح، أو روحٌ تتأبط جسدًا!

بحثتُ عن أي شخص يفسّر لي الغموض الذي يحيط بي؛ وبعد وقت من الزمن غير المحسوب وجدت أمامي شابا ذا سحنة آسيوية، ووجها مريحا، ونظرات مُطمئنة فاقتربت منه ولم ألمسه:
سألته بلغتي العربية عن هذا المكان فردّ قائلا: إنه موقع الانتظار، ففهمتُ لغته الآسيوية كما فهم عربيتي، وعرفت منه أن كل المتواجدين في هذا المكان يتحدثون لغاتهم الأم ولا يحتاجون لترجمتها، فيحدّثك المنجولي وتفهمه، وترد عليه بلهجة أفريقية فتتحول قبل أن تصل إلى أذنيه إلى لغة يفهمها كأنها لسانه!

قال لي الشاب بأن مليارات من البشر في مكان الانتظار وكل منهم يتحدث مع أي شخص بأي لغة فتتحول إلى لغة التفاهم في هذا المكان.
سألته عن عُمره فقال بأنه مات منذ ثلاثة آلاف عام وكان يعيش على ضفاف النهر الأصفر بالقرب من مصب بحر بوهاي، أما جسده الأرضي فلا يعرف عنه شيئا وربما استقر في قاع النهر منذ آلاف السنين، وما أراه أنا الآن فهو الجسد البديل الذي يحمل الروح في موقع الانتظار!

قلت له: ولكنك شاب في الخامسة والعشرين من العُمر! قال: وأنت أيضا رغم أن ملك الموت قد زارك وقد تخطيت سبعة أو ثمانية عقود أو أكثر!
ثم أردف قائلا: كلنا هنا في نفس العُمر، بالحساب الأرضي، لكننا نتذكر سنوات الكهولة والشيخوخة كأنها لم تبرحنا.

زاد فضولي فسألته: وماذا ننتظر؟
قال: إن الحياة ما تزال قائمة على الأرض، وإذا نظرت في هذا الاتجاه وهو على مبعدة ملايين من السنوات الضوئية ستعرف سبب وجودنا، فالقيامة لم تقُم بعد، وربما ننتظر هنا مئة ألف عام، أو عدة ملايين من السنين، حتى إذا قُضيَ الأمر وانتهى الغرض من الخَلـْق، مات بنو آدم كلهم، وتجمعنا في موضع الانتظار ليوم الحساب.

شكرته على أول معلومات أفادني بها، ومشيتُ أو طرتُ باحثا عمن يحل لي الألغاز والطلاسم التي لم أجد لها تفسيرا بعد.

شاهدت شبابا يجلسون متسامرين ويبدو أنهم من جنسيات أرضية مختلفة ويتحدثون كل بلغته، ويتفاهمون كلٌّ كأنه يستمع للغته!
أشار لي أحدهم فتقدمت منهم ولاحظت عدم شعوري بالجوع أو بالعطش أو بأي آلام فأغلب الظن أنني مشيت أو طرت مئة عام أرضي حتى التقيتهم.
شعرت بدفء مودة غريبة نحو كل منهم فانبرى أحدهم قائلا: تتعجب اننا في حالة من الوئام رغم تناقضاتنا الظاهرة، أليس كذلك؟
قلت: لكنكم من أديان ومذاهب وعقائد وأفكار وآراء وجنسيات وثقافات أرضية متصارعة ومتناقضة بل كانت في حين من الدهر متذابحة!

كانوا في عُمر واحد لا يكبر أحدهم غيره ساعة أو بعض الساعة.
قال الأسمر فيهم: نحن لم نُعرَض بعد على ميزان الآخرة؛ لكن ليست هناك أية فرصة لتوسوس روح شريرة لأيٍّ منا، لذا تجد هذا الانسجام التام.
قاطعه آخر برفق: حتى لو التقيت فتيات ساحرات الجمال، بديعات في كل شيء فلن تقتحم ذهنــَـك أي أفكار أرضية من تلك التي أفقدتنا متعة الحياة المسالمة والمشتركة.
سألتُ الأسمرَ عن عُمره فقال: افترسني تمساح في نهر الكونغو منذ أربعة آلاف عام وكنت في الخمسين من العُمر، لكنني الآن في موقع الانتظار وفي مثل عُمرك.

وماذا عن الطعام والشراب والاحتياجات الأخرى؟
قال: لا نحتاج إليها، ولا تخرج فضلات، ولايمرض أحد، ولا يشاهد أحدنا ما يرتديه الآخرون فلا يعرف إنْ كان المليارات من البشر هنا عرايا أو يرتدون ملابس.
لاحظت أنهم يتمتعون بذكاء متساوٍ تماما فتنتفي المنافسة !
فجأة تقدم منــّـا اثنان فهمت من هيئتهما أنهما مصريان فسلــّـما علينا، وجاءني فضول عجيب كأنه من الأرض التي غادرناها فسألتهما عن دين كل واحد منهما!

لم أصدّق ما سمعته أذناي فهما لا يعرفان مَنْ المسلم ومَنْ المسيحي، ولا تقترب منهما أفكار شريرة في مقارنة الأفضلية فقد تركاها في العالم الدنيوي وهما هنا لتحضير نفسيهما ليوم القيامة عندما يقرر مالكُ المُلك إنهاء الحياة على الأرض، ووقوف الخلق جميعا لاستعراض كل ساعة ودقيقة وثانية وهمسة وخاطرة ونظرة ولمسة ورؤية وفكرة وسلوك منذ أن بلغ الإنسانُ رشـْـدَ المحاسبة إلى أن صعدت الروح.

أحدهما مات منذ ألفي عام وكان في استقبال المسيح بن مريم، عليهما السلام، عندما وطأت أقدامهما الطاهرة أرض مصر، والثاني يتذكر أنه كان يقيم في يثرب لدى هجرة رسول الله، عليه الصلاة والسلام، ومات بعدها بعدة سنوات.

تناهتْ إلى سمعي أنغام كأنها موسيقى تعزفها آلات من أماكن مختلفة وأزمنة متفرقة على الأرض وكانت بديعة أحسست معها أنني أعرفها رغم انتمائها للأرض برمتها.
اقتربتْ مني أصوات صبايا يتضاحكن، ويدندن بأغان يتذكرنها من حياتهن الأرضية.

الغريب أنني منذ وصولي إلى موقع الانتظار لم أسمع صوتا أعلى من المألوف، ولم أرَ معاتبا أو منتقدا أو مُخالفا أو حتى نظرات غير مريحة.
لا أرى مُسنّين وشيوخا وكهولا، ولا مرضىَ ولا ضعاف البنية!
لمحت فتاة جميلة تمشي أو تطير مثل ريشة في مهب الريح لكنها متماسكة. نظرتْ إلي وبادلتني الابتسام فسألتها عما تفعل هنا! قالت: مثلك تماما؛ فأنا أنتظر يوم القيامة؛ وكان الموت قد أتاني إثر وباء الطاعون الأسود في القرن الثالث عشر الأرضي، وتركت خلفي أبنائي وأحفادي بعدما بلغت التسعين من العُمر. أغلب الظن أنهم هنا وأنا لم أقابل أيا منهم منذ وفاتي لسبعمئة عام خلتْ، وما زلت أبحث عنهم، وأتذكر ابنتي الصغرى شكلا وهيئة، ولعلي أقابلها فالوقت أمامي طويل ويمتد حتى يوم القيامة التي قد تأتي بعد عدة ملايين من السنوات!

سألتها عن قبرها فقالت كان في مدافن ضحايا الوباء في احدى قرى شمال أوروبا، لكن العالم تغير عشرات المرات فربما يكون جسدي الأرضي طينا في حديقة غنّاء، أو في بئر نفط وقد تناثر في كل مكان!
عيناها تشعان ذكاءً رغم أننا جميعا في نفس مستوى الذهن المتقد!
سألتها: ألا تشعرين بملل بعد كل هذه القرون وأنتِ في موقع الانتظار؟
قالت كل المشاعر السلبية غير موجودة لدى المليارات من البشر المتواجدين هنا حتى تمر علينا فترة الانتظار، ثم نشهد يوم القيامة، رغم أنني في حياتي الأرضية لم أكن مؤمنة بأي دين، ليس بسبب عدم قناعاتي؛ ولكن بسبب عدم ثقتي في رجال كل الأديان والعقائد والمذاهب منذ بدء الخليقة وحتى رحيلي عن الدنيا.
ثم أردفت: على كل حال فأنا في انتظار يوم القيامة كما تعتقدون، وإذا كان صحيحا فإن مكاني لن يكون في غير الجنة، فقد قضيت عُمري الأرضي في حالة حُب مع البشر، وخير مع الجميع، وأمانة وصدق وشرف حتى أنني قضيت مع زوجي سبعين عاما لم أعرف غيره، وكنت مُربية جيدة وأمينة لأبنائي. لهذا فأنا مطمئنة لدخولي الجنة مع افتراض أن خالق الكون أعدّها لمن أتاه بقلب سليم.

قلت لها: محظوظة أنتِ فأنا جئت من عالم يأكل ويشرب صراعات من أجل عدة أعوام فوق تراب الأرض، ولدينا كاذبون وغشاشون ومنافقون وجبناء وأكثرهم يرتدون مسوح القداسة الدينية فيتضاعف الفساد.
كنا نتفاهم كما قلت ولو تحدثنا بعدة لغات فكل لغة ستدخل أذُن الآخر كأنها لغته الأم، وتلك هي معجزة فترة الانتظار.

تركتها ومشيتُ أو طرتُ محاولا استكشاف هذا المكان، ولا أدري كنهه أو مساحته أو أسراره؛ لكنني علمت أن ساكنيه مؤقتا عدة مليارات من البشر.
كان هناك نور بغير شمس، وظلام تحدده عيناك كيفما تريد، وإحساس بالدفء يتداخل معه شعور بإنعاش البرودة.
لم أرَ أحدا يبكي أو يصرخ أو يصيح، فالسلام قد عمّ المكان كله، ونظرت إلى أعلى باحثا عن نجوم أو كواكب فلم أتبين شيئا، وقد تظهر بعد حين.
سألت نفسي: وماذا عن النوم؟

سأحدثكم في حلقات قادمة عن مزيد من يومياتي بعد الموت قبل الانتقال إلى تفاصيل مثيرة ليوم القيامة!

طائر الشمال
محمد عبد المجيد
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 28 فبراير 2021

25‏/02‏/2021

ستة أيام في المستشفى!

 ستة أيام في المستشفى!


خرجت اليوم 23 فبراير من المستشفى بعد قضاء ستة أيام إثر عَرَض صحي امتد في علاجات وفحوصات ليس هذا مجال الحديث عنها!

بعض الأماكن تبهجك في مرضك، وبعضها تُتعسُك في صحتك!
بعض الأماكن تصل الأدعية للسماء بعد المرور بين أيدي هيئاتها الطبية، وبعض الأماكن ينتقم منك أطباؤها وممرضوها إذا لم تتسع مساحة جيبك وتظهر منه أطراف مالية يسيل لها اللعاب.

بعض الأماكن يُسرع مشرط الجراح في حل ألغاز جسدك قبل أن تمد يدك في جيبك، كالأم الحنون، أي الحكومة الخادمة تجعل المستشفى المجانية مثل قصر الحاكم، وبعض الأماكن يبحث طلاب كليات الطب أمام أبوابها على فقراء معدمين يعرضون أعضاءهم المتهتكة للبيع مقابل جنيهات ليجري عليها الطلاب.. أطباء المستقبل اختبارات كما يفعلون مع أرانب التجارب.

استقبلني طبيبي كأننا أصدقاء طفولة، وأجرى فحصوصات أولية، وأمر باعداد غرفة حتى يأتي طبيب القسم.

نزلت الملائكة من السماء، فلما وصلت إلى المستشفيات في النرويج قررت العمل بها، وارتداء البياض الناصع، والطير في الممرات فور أن يضغط المريض على زر الاستدعاء.

كل شيء كان منظما ومرتبا، وتاريخي الصحي لديهم وفي مستشفيات أخرى لا يحتاج لأكثر من شبيك لبيك!

شاركني في الغرفة الواسعة النظيفة والمجهزة كأنها صالون عمليات رجل نرويجي ناهز الثمانين من العُمر، ويفصل بيننا حاجز!

ممرضات شقراوات كأنهن خرجن من ملاعب التنس. تأتي الممرضة الجميلة إلى الثمانيني وتتحدث معه كأنه جدها أو ابنها الصغير. تفعل معه كل ما تفعل الأم رغم أنها في عُمر أحفاده، وتعطيه الدواء والطعام وتقابل ابتسامته بمثلها، وضحكته بضعفها، وتسأله إذا أراد الاستحمام لتساعده أو يساعده زميلها الممرض، وتوقظه بلطف لتُغيّر له ملابسه بدون أي تأفف، تساعده في أدق خصوصيات الجسد الإنساني، وعلى مدار 24 ساعة في ثلاث ورديات يتغيرن فلا تدري أهن ممرضات أم ملائكة.

أما أنا فأجريت منظارين لمعرفة ماذا حدث في المريء، وأغلب الظن أن السبب عدم شربي الماء الكافي بعد ابتلاع الدواء فيلتصق في جدار المريء، أما الحموضة فسببها عشقي لليمون والخَلّ.

"كلما داويتُ مرَضًا بانَ مرضٌ"، وزيارة يومية من الطبيب، وأدويتي تركتها في البيت فالمستشفى تُعدها لي في مواعيدها مع نصائح طبية.

هيئة التمريض في خدمتك، والمستشفى بيتك الثاني، والإدارة الناجحة من رأس الهرم تمر على مؤسسات الدولة كلها فلا تفلت منها مؤسسة، أو مكتب، أو صيديلية، أو مسؤول صحي!

كل الناس على قدم المساواة ولا يدري الوزير أن جاره في الغرفة إن كانت لاثنين عاطل عن العمل أو من الطبقة الدنيا رغم أن كل الطبقات دنيا في الدول الاسكندنافية، في الأغلب الغالب!

الممرضة الصغيرة الملاك تقترب معلوماتها من طبيب امتياز، مع المبالغة، لكنها لا تتدخل بكلمة زائدة تختلط مع توجيهات الطبيب أو معلوماته.

لن تضع يدك في جيبك لو قضيت عدة أسابيع في المستشفى، وأجريت أصعب العمليات الجراحية، وقمت بزراعة أعضاء، فكل الناس خدم لدى كل الناس، والملك لا يستطيع الخروج من المستشفى قبل أن يأذن له الطبيب، والدولة مسؤولة عن علاجك، وتطبيبك، وعمل ملف كامل لأمراضك منذ أن دخلت المرة الأولى إلى أي مستشفى في النرويج.

طبعا من الصعب أن أشرح لأبناء عالمي الثالث الذي دفع بي إلى العالم الأول أن الحكومة خادمة، وأن مرتب رئيسة الوزراء مخصوم من ضرائبك، وأن رئيس جهاز الاستخبارات لا يرفع عليك صوته ولا يرفض لك كوبا من الماء ولا يمنع عنك مكالمة هاتفية.

النرويج واحدة من أغنى خمس دول في العالم، وأتذكر أنه في منتصف الثمانينيات طلبتْ رئيسة الوزراء آنئذ جرو هارلم برينتلاند حارسا شخصيا لها، فغضب البرلمانيون وقالوا بأننا دولة لا يُحرَس فيها كبير لمركزه ومن أين سنأتيك بميزانية حارس؟.

وبعد مفاوضات عسيرة أقنعتهم بحاجتها إلى حارس واحد لأنها سيدة، ومن الممكن أن تتعرض رئيسة الوزراء لمكروه، فوافق البرلمان بعد تعرض رئيس وزراء السويد أولوف بالمَ للقتل في أحد شوارع السويد وهو خارج من دار عرض سينما.

لا أحد يشعر هنا أنك تتفضل عليه، فالمسؤول خادم لكل المواطنين في تخصصه، كما أنك خادم في تخصصك.

الميزانية معروفة، ومقروءة في البرلمان، ومسلوخ ظهر واضعها لأنها أموال الشعب حتى لو ملأ خزان سيارته الخاصة بكارت بنكي مخصص لتنقلات رسمية!

الإخفاء جريمة حتى لو ارتكبها أعلى رأس، والصحفي مهمته الكشف وليس الفضح أو التبرير.

في عالمنا الثالث يسرقون بحوث وجهود الناجحين وينسبونها إلى الله بحجة أنك لم تفعل شيئا بغير إرادته، عز وجل؛ أما هنا فكل أتعابك دنيوية، والأخروية بينك وبين خالقك .

أتذكر أنني منذ سنوات ركبت سيارة أجرة من بحري إلى المندرة في الاسكندرية، وأراد سائق التاكسي أن يقف أمام مسجد أبي العباس و(يلطعني) في سيارته! سألته: هل ستذهب للصيدلية لشراء دواء؟ قال: لا، ولكن لتأدية الصلاة! قلت له: هل تسرق وقتي وأنا مرتبط بموعد لتعطيه لله، وتحصل على ثواب أيضا!
عاد إلى السيارة على مضض، وأظنه فهمها هرطقة.

أبهرتني طرق تعامل الممرضات فلم يرفض عقلي أنهن هبطن من السماء للعمل في المستشفيات مع مسحة جمال اسكندنافي كأنهن يتسابقن إلى قلبك قبل مرضك، ويطمعن في أجر سخي عبارة عن ابتسامة و.. كلمة شكر.

التحضر في أي بلد يبدأ من الطاقم الطبي، والجمال من الممرضات، والتمدن من الأطباء، والمواطــَـنة من الرعاية الصحية، والكرامة من النظافة، والطهارة من اللسان، والأمانة من الجدّ في العمل، وحُب الوطن من الإيمان أن الجميع خدم للجميع.

إخفاء أي مسؤول مهما كبر لميزانيةٍ ما مهما صغرت هي سرقة مهما تشكلتْ!

الشعوب التي تعرف حقوقها ولا تشي على أبناء بلدها تستحق العيش بسلام.
المواطن الذي يتساهل في أصغر حقوقه يهضم الحاكمُ على مرأى منه أكبر حقوقه، ويركل في وجهه كل مطالبه.

لا أتحدث عن هيئات طبية لا تخطيء، معاذ الله، لكنني أصف المشهد كما رأيته مرات كثيرة طوال عشرات السنين.

في العالم الثالث يقرأ المرء ما أكتبه عن حقوقه في العالم الأول فيضرب كفا بكف، ويسخر لدقيقتين، ويؤكد أن بلده يحتاج لمئة عام حتى يتغير في المستقبل ثم يحدثك عن الماضي بحنين أجوف، هلامي كأنه عاشه تحت ألسنة باعة السماء لأهل الأرض، ثم يذهب ليغط في نوم عميق حالما بالجنة!

في عالمنا الثالث كل الناس يأكلون، ويشربون، ويحتضنون، ويحلمون بالمدينة الفاضلة التي قصّ عليهم من أوصافها محتالون، ودراوشة، وكاذبون، ومخادعون، ومرشدون.

أنا قادم من العالم الثالث، وأتذكر أنني في نهايات الثمانينيات أجريت مقابلة صحفية مع وزير الخارجية النرويجية في مكتبه. وغضب من أسئلتي، فضغط على جهاز التسجيل وطلب مني الخروج. رفضتُ الخروجَ قبل أن يجيب على كل أسئلتي المحرجة له.
لم يطلب حارسا ليصحبني للخارج. رضخ لرفضي وأكمل الإجابة على كل الأسئلة، وأصبح بعدها بعامين رئيسا للوزراء.

المسؤول إنْ تجاوز واجباته نبهته قناعة المواطن بها.

تجربتي لستة أيام في المستشفى جعلتني أعيد النظر في شرعية أي حاكم في العالم الثالث يحتاج مواطن فيه لعلاج فلا يجده، ولمستشفى نظيف فلا يملك قيمة قضاء سويعات قليلة فيه، وإلى عملية جراحية فتُسلمه الحكومة لملك الموت لأن الحاكم صاحب سلطة مطلقة ترى أن بناء الإنسان أقل أهمية من رفاهية سيد القصر وعائلته.

ستة أيام في المستشفى في النرويج تجعلك تخجل من حكّام العام الثالث وتخجل أكثر من مواطنين يؤمنون أن الله خلقهم للركوع، والسجود، وإرسال أدعية إلى السماء، أما الأرض فهي للمعبود الأرضي.

لو أن كل مواطن في العالم الثالث مرَّ بتجربة المرض والهيئات الطبية والمستشفيات هنا وأن يدخل ويخرج دون أن يرهق جيبه المثقوب، لعاد كل منهم إلى بلده، وتعلم حقوقه المشروعة فهي العبادة الأولى المقبولة سماويا.

ستة أيام بهيجة وحزينة، جميلة في تحضرها وقبيحة في العالم الثالث حيث الطاعة المختارة.

ستة أيام ترى أناســًا اختاروا الحياة يقابلهم في العالم الثالث أناسٌ مثلهم، من لحم وشحم وضلوع وقلوب وعقول اختار أصحابها الموت الجبان، والحقوق المهضومة، وبيع الكرامة تحت حذاء حاكم قد يكون أجهل من أجهل مواطنيه.

تحية حُب لكل من جعلني في المستشفى النرويجي أنفجر غضبا على الصامتين على حقوقهم في العالم الثالث.

طائر الشمال
محمد عبد المجيد
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 23 فبراير 2021

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...