04‏/12‏/2017

أنا حمار لأنني صَدّقت الرئيس علي عبد الله صالح!

أنا حمار لأنني صَدّقت الرئيس علي عبد الله صالح!
أوسلو في 24 سبتمبر 2006
كنت أظن دائما أنني قادر على قراءة السطور ومابين السطور.
لم أصدقه عندما قال لوفد كويتي بأنه واثق من عدم وجود حشود عراقية على حدود الدولة الجارة الصغيرة.
لم أكن في حاجة شديدة لإجهاد العقل حتى أكتشف مسرحية الاتصال بصدام حسين قبيل الغزو العراقي للكويت، وبأنه تلقى تأكيدات من القائد المهيب بسكون القوات العراقية وصمتها وابتعادها كثيرا عن حدودها الجنوبية.
وهل كنت في حاجة لاستخدام المنطق والاستدلال المسبق لمعرفة موقف رئيس الوفد اليمني في مجلس الأمن الذي وقف موقفا عاريا ( من العار وليس من العري ) خلال تلك الفترة السوداء التي انشق فيها العرب بين مصفقين لشيطان بغداد، وبين خائفين على الصف العربي بعد يوم الغدر .. الثاني من أغسطس 1990.
كنت أجهل تماما أن القات قادر على رفع نسبة الذكاء والدهاء أضعافا مضاعفة، وأن تخزينه في فترة ما بعد الظهيرة يكسب صاحبه أسنانا صفراء، وقدرة على خداع الآخرين ولو كانت عقولهم آينشتانية.
كانت أموال الكويت تتدفق بسخاء شديد على اليمن السعيد، وتلقت جامعات اليمن وسدودها وزراعاتها وهيئاتها الخيرية والاسلامية وحكومتها هبات الشعب الكويتي الذي لا يعرف شماله ما أنفقت يمينه.
وكان من المفترض أن تصبح اليمن امتدادا للكويت فجر الثاني من أغسطس، وأن يعلن الرئيس مدى الحياة علي عبد الله صالح أن احتلال الكويت هو احتلال لليمن.
دهاء الرئيس علي عبد الله صالح لم يشهد مثله تاريخ اليمن الحديث، فظن الجنوبيون أنهم يستطيعون بما يملكون من خبرة ماركسية وتاريخ عريق في الأزمات أنهم سيقفون على قدم المساواة مع الشماليين إثر الوحدة الكبرى.
وفتح الرئيس كل الأبواب للقادة الجنوبيين، وجعلهم يحلمون بقيادة اليمن من صنعاء، وبأن كل واحد منهم سيصبح الأب الروحي للوحدة اليمنية، وربما يتنازل الرئيس علي عبد الله صالح لأحد قيادات عدن.
ودخل القادة الجنوبيون عش الزوجية، وتمتعوا بشهر العسل، وظنوا أنهم أصحاب البيت وليسوا ضيوفا.
وجاءت مذبحة المماليك على الطريقة اليمنية، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل صنعاء من باب عدن فهو أكثر آمنا، لكنه لن يخرج منها إلا إلى المنفى.
كان الرئيس قد أخفى كل اختبارات الذكاء خلف مظهر طيب وشبه ساذج فبدت الوحدة اليمنية للقادة الجنوبيين كأنها جلسة تخزين تنتهي قبل غروب الشمس، وينفض كل ضيف إلى حال سبيله.
كل الذين وقفوا مع الجنوبيين في حرية اختيارهم لفض الوحدة تراجعوا، واعترفوا بعاصمة واحدة ليمن واحد وزعيم أوحد لو بُعِثَت ملكة سبأ من جديد لقدمت له ولاءها وطاعتها دون حاجة لهدهد أو هدية يفرح بها رئيس الشمال والجنوب والشرق والغرب.
بدت مني ابتسامة تهكم عندما علمت بأن أعضاء حزب الغد لأيمن نور توجهوا لسفارة اليمن في عاصمة المعز للتهنئة برفض قبول الرئيس علي عبد الله صالح تجديد الترشيح مهما كانت الظروف.
لم أصدق أن زعيما عربيا يمكن أن يقلد سوار الذهب فيتنحى، ويعود إلى أهله وجيرانه وبيته القديم، ويتسوق كبقية خلق الله، ويقف في الزحام، ويدفع فاتورة الماء والكهرباء والهاتف، ويشكو من ارتفاع الأسعار، ويبيع سيارته ليشتري سيارة رخيصة.
فجأة وجدت نفسي مشدودا أمام مؤتمر شعبي يجلس فيه الرئيس علي عبد الله صالح محاورا، وناهرا، وناهيا، وحاسما في كلماته بأنه لن يجدد لنفسه، ولن يترشح ولو شج كل يمني رأسه في الحائط حتى يتدفق الدم منه.
أخيرا صَدّقْت الرئيس!
لا يمكن أن يكذب، وكانت كلماته كأنها تنزيل من التنزيل.
من المستحيل أن تكون تلك مسرحية، فذكائي الذي أثق به يؤكد لي أن في كلمات الرئيس اصرارا عجيبا على عدم الترشح، فهو يبحث عن جيل جديد، ويعطي الفرصة لغيره، وهو رجل عهد ووعد خاصة وأن العالم كله يشهد هذا المؤتمر الذي يعطي فيه الرئيس اليمني لزعماء الدنيا درسا في اصرار سيد القصر على تسليم الحكم بعد ثمانية وعشرين عاما لآخرين لعل دماء جديدة تسري في شرايين الوطن .
حدثتني نفسي مازحة بأن الرجل قد يكون ممثلا ماهرا ومحترفا في مسرحية تصغر بجانبها ( الزعيم ) لعادل إمام.
أبعدت الفكرة فورا عن ذهني، وتسمرتُ أمام الشاشة الصغيرة كما يفعل المراهقون وهم يشاهدون مذيعات العربية والجزيرة والام بي سي خاصة إذا كان الصدر لبنانيا عاريا ( من العري وليس من العار )، ثم ألقيت بكل ثقتي على ما ظننته حتى تلك اللحظة ذكاء وخبرة ومتابعة للسياسة العربية.
قلت لمحدثي وكأنني أمسك اليقين كله بين شفتي: هذه المرة سيرفض فيها الرئيس علي عبد الله صالح كل الدعوات والاستجداءات بأن يستمر رئيسا لولاية جديدة ولو جرت دموع اليمنيين ليفيض بها سد مأرب.
تذكرت الرؤساء أحمد عبد الله صالح، وسيف الاسلام القذافي وجمال مبارك، لكنني واثق بأن زعيم اليمن لن يتزحزع قيد شعرة عن قراره واصراره وحسمه وحزمه.
طاردتني فكرة الظن السيء بسيد اليمنيــَن، لكنني رفضت التوقف عندها لبرهة واحدة، فأنا لست حمارا يتابع فخامته ولا يفهم الجد من الهزل.
وكالات الأنباء تتناقل الخبر كأنه نقلة حضارية عربية للامساك بركب الديمقراطية ولو بعد ثمانية وعشرين عاما. آه لو عرفتْ ملكة سبأ أن الجن والإنس والنمل ما كانوا يُكَذّبون الرئيس لو حضروا هذا المؤتمر.
وجاء الخبر الفصل، وأخرج الرئيس لسانه لي من الشاشة الصغيرة قائلا وهو يضحك ملء فمه: هل عرفت الآن أنك حمار؟
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج
24 سبتمبر 2006
من أرشيفي

01‏/12‏/2017

الإمارات وشفيق .. محاولة لفهم ما حدث!


بريق الإعلام قادر على الإيحاء لأي مسؤول يبحث عن دور جديد أنه إذا وضع قضيته في الشاشة الصغيرة فسيصبح بين عشية وضحاها أشهر من كيم يونج أون!

الفريق أحمد شفيق كان محظوظا لإقامته خمس سنوات في دولة الإمارات العربية المتحدة، بغض النظر عن كلام محاميته التي نفت نفيا قاطعا أنه كان في ضيافة الدولة.
القاعدة الشعبية لا تقوم بناء على التفاف الجماهير حول شخصية؛ إنما غالبا تقوم بناء على عدم التفافها حول منافسه، والفريق شفيق ارتكب عدة أخطاء أدت إلى سيرك الانتخابات في الإعلام، وبالتالي خسارته الفادحة.
أولا: أن الحلم الأمريكي الذي وضعه المخرج خيري بشارة في ( أمريكا شيكا بيكا ) وتوقف عند بوخارست الرومانية، وصوَّره بطريقة أخرى عاطف الطيب في ( أرض الأحلام )؛ لم يعد حلم المصريين، فدولة الإمارات أصبحت قِبلة الباحثين عن الحلم بعد تدفئته وخلجنته، فاكتسبت الدولة شعبية في خيالات الحالمين بالسفر والهجرة، وكذلك للامتيازات التي تقدمها الإمارات لمن يعيش على أرضها.
لذا كانت أول خسارة شفيقية هي معاداة الإمارات حتى لو كان العداء مبطنا وضمنيا؛ لكنه يمس أقدس ما في الإمارات وهي الأذرع المفتوحة لمن لجأ إليها.
ثانيا: القائد العسكري المُحنك لا يعلن من بيت مضيفه عن خطته للنزول إلىَ ساحة القتال، وهنا أيضا كذبتْ محاميته عندما زعمت أن الفريق أحمد شفيق لا يستطيع مغادرة بيته إلى المطار للسفر إلى مصر أو التوجه للقاءات مع الجاليات المصرية في الخارج أو للسفارة في أبوظبي.
مئة طريقة للسفر خارج الإمارات، مع افتراض أنَّ مزاعمه ومحاميته صحيحة، ومنها أداء العُمرة أو الخروج بالسيارة لدولة مجاورة أو السفر في رحلة سياحية ومنها يتخذ قراره!
لكنه اختار بيت مضيفه ليعلن ترشحه للرئاسة في مصر، ولم يكن متحضرًا في اختياره، أو متمدّنا في الزمان والمكان، فأحرج الإمارات، عن قصدٍ أو بحُسْن نيّة، وأعطى صورة مشوهة لبلد خليجي أتتْ بعد قليل من حادث الرئيس سعد الحريري، رغم أن الحادثين مختلفان، لكن الجماهير العربية في مثل تلك الأمور تحركها برامج التوك شو ذات اليمين وذات الشمال وكلبها باسط ذراعيه في الاستديو!

اختيار الفريق شفيق لبيتٍ استضافه خمس سنوات لمصارعة خصمه الذي يتمتع بعلاقات جيدة مع القيادة الإماراتية كان غباءً استراتيجيا من عسكري كبير قاد انتخابات رئاسية من قبل وكاد يكتسح رجل الاخوان المسلمين، محمد مرسي، لولا حسابات دولية وأمريكية وتركية وريالية قطرية، وقبلها موافقة المجلس العسكري بقيادة رجل مبارك .. المشير طنطاوي.
ثالثا: غباءُ الفريق شفيق جعله لا يرى المشهد الخليجي البانورامي، من صنعاء إلى الدوحة، فلما حاول الزج بدولة الإمارات العربية المتحدة خسر من حيث لا يدري دولة مضيفة كريمة  كانت تمثل له خط العودة في حال فشله في مصر، وأيضا حلمه في عرش قصر الاتحادية.

رابعا: التخبط في بيان الفريق شفيق كان إهانة موجهة للإمارات شعبا وقيادة، فليس فيه حِرَفية، وثغراته أكبر من سطوره، وفضح الفريق نفسه في خيالات مؤيديه الذين انتظروا رجلا تحدىَ محمد مرسي والمقطم والمرشد، وبنىَ للمصريين مطارًا جعلهم يظنون أن مصر شفيق ستكون هكذا، فإذا بالرجل يمهد لخسارة مصر في عهده، مع استحالة نجاحه، وفقدان أهم داعم مالي ومعنوي في المنطقة لمشروعات مصر المستقبلية.
خامسا: إن صناعة المعارك فنٌّ قبل أن تكون شراسة، ومن يختار ساحته؛ يجعل خصمه يستعد بسلاح يناسبها. الفريق شفيق ظن أن دعم الاخوان المسلمين له سيمهد الطريق لتوسعة شعبيته، ويبدو أنه فقد الاتصال بحقائق الأمور وغاب عنه مشهد الوطن، والاخوان مع تيارات التشدد الداعشي والطائفي يرون أن الإمارات أصبحت عدوهم الأول، فهي التي تنبه المنطقة لخطر دواعش التزمت الديني، وتحرّض على قطع العلاقات الخليجية مع الطائفية الحمقاء، ولا شك في أن الأمير محمد بن سلمان تأثر كثيرا بالفكر الإماراتي الجديد ضد الفساد والجماعات الدينية المتشددة.
قنوات تركيا وقطر التي تتعاطف مع الاخوان وتحمل قضاياهم وأهمها عودة المعزول محمد مرسي ستزيد من سعة الخسارة للفريق شفيق حتى لو جندت كل إمكانياتها الإعلامية، فالرجل خسر معركة الرئاسة قبل أن يغادر أبوظبي.
عني أنا شخصيا فلا أرى في الساحة من يستحق حُكم واحدة من أعرق بلاد الدنيا، ولا أحمل ذرة تعاطف أو تأييد للسيسي أو شفيق أو مرسي أو مبارك أو طنطاوي أو البرادعي، لكنني لا أنكر تعاطفي مع القيادة الإماراتية الرشيدة التي تحقق في كل يوم .. بل في كل ساعة انتصارات ملموسة على أرض الواقع من أجل السلام والرفاهية والتقدم، ولو أوقفت ايران دعمها للحوثيين والدوحة وانتهت الحرب لضاعفت الإمارات من إنجازاتها الرائعة من أجل الجميع، شعبها والشعوب المجاورة، أهلها وضيوفهم، بمن فيهم الفريق شفيق.
خامسا: لا يخفىَ على أحد أن الإعلام في مصر أصبح قاب قوسين أو أدنىَ من الانحطاط والسفاهة والعته والتخلف، وعندما تلقى إشارة القرداتي للهجوم على الفريق شفيق، أخذ معه دولة الإمارات كما فعل الدب الذي قتل صاحبه، والإمارات بريئة من أي معارك يخوضها الإعلام المصري للدفاع عنها، فهي أكبر وأرقىَ وأعظم من الانخراط عن غير رغبتها في دخول ساحة الردح والشتائم والسباب، وأخلاق الإماراتيين تمنعهم من الدخول في عالم يمس هيبتهم وسلوكياتهم وتحضرهم الإعلامي، لذا فجذب دولة راقية إلى التوك شو المصري ليس في صالح صاحب الدب.
سادسا: وهو ما أحزنني بشدة عن مصريين كثيرين من أهل بلدي، قضوا سنوات من أعمارهم في الخليج فإذا وقفوا على أرجلهم، وضمنوا لأنفسهم ولعائلاتهم في مصرالمستوى المادي المطلوب، وغادروا مضيفيهم عائدين، عضّوا اليد التي امتدت إليهم، وطبعا بمجهوداتهم وعملهم، وكتبوا أنهم عانوا التمييز رغم أن السبب الحقيقي هو التكالب على الأموال، وتحويل كل المكاسب والأرباح لأرض الوطن والاستغناء عن الحياة الكريمة في السكن والإنفاق كأهل البلد.
الفريق أحمد شفيق الذي قضى خمس سنوات سواء كانت بأمواله أو من جيوب المضيفين الكرماء سينضم لاحقا لقوافل الناكرين لحياة في الغربة جعلها أهلها له وطنا بديلا لبعض الوقت.
تهئنتي الثلاثية للإمارات بيوم الشهيد، وبالعيد الوطني، وبالتعالي عن خوض معارك مفبركة من الذين احتضنتهم؛ فأداروا ظهورهم لدولة الحلم العربي البديل.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في الأول من ديسمبر 2017
Taeralshmal@gmail.com

29‏/11‏/2017

خطأ السعودية الأول في اليمن!


كانت السعودية أكرم بلاد العرب مع اليمن، واستضافت على أرضها أكثر من مليون يمني تم الاستغناء عنهم بعد احتلال جنود صدام حسين لجارته الصغيرة .. الكويت.
كان أمرًا طبيعيـًـا أن يخاف السعوديون من تكرار ماحدث بالكويت عندما تعاون وافدون مع أشاوس طاغية بغداد وكثير منهم استوطنوا الكويت، تقريبـًـا، فإذا بروح صدام تلبسهم.

قطعا ظُلم كثيرون من يمنيي السعودية، لكنه كان قرار قطع العضو الذي ربما يفسد الجسد السعودي.
وأخطأت الرياض عندما وقفت مع علي عبد الله صالح فهو أفسد الطغاة العرب، وعندما تعرض لمحاولة اغتيال وكان أقرب إلى الموت منه للحياة، استضافته السعودية، وعالجته في أفضل مستشفياتها، وأتت له بأمهر الأطباء حتى قام ملك الموت بتأجيل زيارته لمجرم باغٍ وكاذب.

أوحى إلى سفيره في الأمم المتحدة أن يقف إلى جانب العدوان العراقي على الكويت، وكان سيفعل نفس الشيء، لو لا قدر الله اقتحم العراقيون الأراضي السعودية.
تحالف علي عبد الله صالح مع ايران ضد السعودية، وكان ظهيرا للحوثيين لضرب السعودية والإمارات، فالرجل الذي يُخزن القات، كما صرح بنفسه من قبل، لا يؤتمن على عهد أو ميثاق أو حدود بينه وبين جيرانه.

طالما كان علي عبد الله صالح حيـًـا فلن ينعم الخليج العربي بسلام، وسيظل يتنقل من تحالف إلى آخر، ويحرض على السعودية، ويتوسط للحوثيين حتى يحصلوا على أحدث الأسلحة لضرب قلب المملكة.
التخلص من الشيطان اليمني .. علي عبد الله صالح هو بداية الطريق لسلام في المنطقة.
أي معاهدة سلام قادمة مع صنّاع الانقلاب في اليمن ستنتهي إلى فشل مادام علي عبد الله صالح طرفا فيها.

السعوديون وضعوا الثعبان في صدورهم لعله يتدفأ، فإذا به يلدغهم، وينفث سمومه في جيرانهم.
أتمنى على ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أن يتنبه جيدًا لمؤامرات هذا الشيطان قبل أن يسبق السيف العذل!
ايران لن توقف دعمها للحوثيين قبل أن تتجرع السمّ كما تجرعه الخوميني و .. سلوبودان برالياك، فالأول أوقف نزيف الحرب بعد ثمان سنوات، والثاني أوقف قلبه بعد عدالة المحكمة في لاهاي!


محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج
29 نوفمبر 2017

28‏/11‏/2017

وداعا شادية

أعيد نشر هذا البوست الذي نشرته من قبل في 14 نوفمبر، أي قبل رحيل شادية، رحمها الله، بأسبوعين.
---------------------------------------------------------------------------
شادية .. وحتى لو تابت!
حتى لو حاولوا كسب شعبية لهم بقولهم إن شادية تابت عن الفن الآثم، فأنا سأظل أستمتع بأغانيها ورقتها وصوتها وأفلامها.
حتى لو تابت مئة مرة في اليوم فقد تركت لي ( بلاش عتاب ) و ( تعالي أقول لك) و( يا حبيبتي يا مصر ) ..
وحتى لو هلل المزايدون لتوبتها فسأبتهج لسماع ( غني لي لحن الوفاء ) مع حليم ولحن السنباطي، و( يا مسافر بورسعيد) و ( وإن راح منك يا عين حيروح من قلبي فين ).
شاهدتها أول أمس في ( وطني حبيبي الوطن الأكبر ) وهي تشدو للمشروع القومي الكبير والمنكسر، فسقطت دمعتان على وجهي.
حتى لو تابت عن الإثم الوهمي في أدبيات الجماعات الدينية(!) في ( صوت الجماهير ) و ( والجيل الصاعد ) و ( قولوا لمصر ) فلا اكترث لوداعها الفن ولن أعيد إليها كنوزها.
وحتى لو تبرأت من ( الدرس انتهى لموا الكراريس) لصلاح جاهين وهي تضرب بأوتار صوتها على رأس الضمير العالمي حزنا على أطفال مدرسة بحر البقر، فأنا لا أستطيع أن أسترد دموعي عن أطفالنا في الفن الآثم(!) من أجل عيون الشيخ الشعراوي، رحمه الله
وشادية لا تعتذر عن ( والله يا زمن ) ثم إنها طبعت كل قصة حب مصرية في ( مين قالك تسكن في حارتنا، تشغلنا وتقل راحتنا ).
مئة فيلم وخمسمئة أغنية أكثرها التصقت بذكريات كل واحد منا، وإذا كانوا قد أقنعوها أن الفن حرام، والنغم يغضب الله، والموسيقى معزوفات الشيطان، فستطربني (دليلة)، وأضحك لــ ( ريا وسكينة ) حتى في دبلة الخطوبة عقبالنا كلنا .. ونبني طوبة طوبة في عش حبنا!
لا أتحدث عن نفسي ولكن عن عشرات الملايين من الذين تعطرت طفولتهم وشبابهم بصوتها.
توبتها، وفقا لأدبيات الجماعة، تنشرح لها الحياة الجديدة التي جعلت أقصى متعة في استغماية النقاب للمرأة، لكنني لستُ مسؤولا عن حياتها الخاصة.
لا يمكن أن يعزف لك شخص كونسرتو مبهجا للحياة ؛ فإذا تمايلتَ غبطة يطلب منك قضاء بقية السهرة في المقابر.
كان هذا خيارها الذي يجب أن نحترمه، لكن ليس من حقها أن تسترد ما أعطتنا إياه.
رحمها الله عندما يتوفاها، وأطال عُمرها إنْ كان في عمرها بقية.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 14 نوفمبر 2017

-----------------------------------------------------------------------وداعا شادية

اليوم 28 نوفمبر 2017 رحلت شادية ولم يعد هناك من يقول: آلو .. آلو، إحنا هنا، ونجحنا أهو في المدرسة!
غادرتنا شادية بعد أن ( حبينا بعضنا، وبوحنا بسرنا، عقبالكو زينا، ونبقىَ كلنا في الهوىَ سوا)!
سيفتقدها كل مهاجر قبل السفر وهو يسمع صوت أمه وحببيته وخطيبته وجارته وزوجته ( خلاص مسافر.. خايفة لما تسافر على البلد الغريب، تنسىَ إنك فايت في بلدك حبيب).
سيظل شباكها ستايره حرير، وستتذكرها كل حبيبة وتردد ( يا نور عنيه وأكتر وأكتر شوية، يا أغلىَ عندي مــ الدنيا ديه)، ويفتقدها كل حسن .. خولي الجنينة.
الخمسون عاما الأولى من حياتها ملكية خاصة لجماهيرها، وكنز لذكرياتهم، وإرث من الزمن الجميل ( احتار خيالي، مع الليالي )، فصاحبة الصوت الملائكي كانت خيوط حنجرتها معطرة؛ فإذا تنفستْ أمامك على الشاشة الصغير أو الفضية فقد عشقتها.
أما سنوات الاعتزال والعزلة فقد تركناها لها، تستعيد ذكرياتها، وتنعم بهدوء بيتي لا يزورها فيه إلا الأصدقاء و.. الأطباء.
خوفي على شادية من الإعلاميين المصريين الذين لم يستوعبوا تاريخها، وجمال صوتها، ورقة طباعها، وعبقرية فنها، وسحرابتسامتها، فإذا تحدثوا عنها فقد جرحوا صورتها الجميلة في أذهاننا.
أحب كثيرا أوبريت لحن الوفاء الذي عبــْـقـَـرَ فيه السنباطي الدويتو الرائع فجاء أشبه ب( ليالي الأنس في فيينا ) لأسمهان.
ولا أشبع من سماع دويتو ( احتار خيالي ) مع العندليب الأسمر.
شادية جعلتنا نحب اللونين الأبيض والأسود وكأنهما كل الألوان، رغم ( دليلة) و ( معبودة الجماهير ).
ممثلة قديرة فــ ( لا تسألني من أنا)، وهي ( المرأة المجهولة )، وهي كل قصة حب بين اثنين في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات.
رسمت بشفتيها الجميلتين زمنا جميلا لكل عاشقي الفن السابع، وجعلت أغنياتها رسائل حب يسمعها كل من غاب عنه صوت حبيبه.
رحمها الله، وأسكنها فسيح جناته.
وداعا شادية فقد .. احتار خيالي.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 28 نوفمبر 2017

25‏/11‏/2017

عشر خطوات للقضاء على الإرهاب في مصر


1- نزع الخوف من قلوب المصريين، فالخوف من السلطة يجعل المواطن سلبيا وغير متعاون، ويصنع رموزا سياسية ودينية وأمنية وعسكرية يقدّسها، ولا يرىَ عيوبَها وسلبياتها و.. الثغرات في أعمالها.

2- المسؤولية جماعية وفي الوقت الذي يقول المصري بأن هناك مسؤولا أمنيا أو سياسيا أو محافظا أو وزيرا أو رئيس وزراء أو رئيس الجمهورية لا يُحاسَب علىَ إهمال في عمل إرهابي أو ثغرة أو حريق أو سقوط طائرة أو تفجير في كنيسة أو مسجد أو سوق، فسيظل الإرهاب يضرب الوطنَ في مقتل.
حاسبوا الكبير قبل الصغير، والرئيسَ قبل الخفير، والقائدَ الأعلى للقوات المسلحة قبل الجندي.

3- قلنا عشرات .. مئات المرات بأن القنبلة محشورة في الدماغ، وعالم الفتاوىَ الدينية الفجّة هو العدو الأول لله وللمصريين وللدين وللسلام وللوطن، وإذا لم يتم تنظيف، وتطهير، وتصفية، وفرز، واستبعاد تسعة من كل عشر فتاوى دينية؛ فإن الإرهاب سيتضاعف.

4- مصدُر المعلومات الأول أصبح التلفزيون، وإعلاميو مصر في السنوات الأربع الماضية مرضى نفسيون، وأنصاف أميين، وجهلة، ومنافقون، وأفّاقون، وطبّالون، وقردة، وحشاشون، ومن ألسنتهم العفنة يتلقى المواطنُ معلوماته ويتعلم سلوكياتهم ويتأثر بجهلهم، وإذا لم يتم تنظيف الإعلام، العام والخاص، من مُلوثي الوعي المصري، فلن نستطيع القضاء على واحد بالمئة من الإرهابيين، فهم يتوالدون أمام النت والتلفزيون والمنبر، وكلما قضيت على واحد أتتك مصانعُ تفريخ الإرهاب بعشر أمثاله.

5- طالما كانت مصر في جانب والقادة السياسيون، وعلى رأسهم الرئيس، في الجانب المغرور، والمتغطرس، والمتكبّر، وغير القابل لسؤال الجماهير إياه عن أخطائه، والمعصوم من الحساب، فستظل قدراته الفكرية والعقلية والأمنية والعسكرية والإدارية والاستراتيجية والتخطيطية والعدلية هي التي تقود الوطنَ إلىَ أم الكوارث.
المصري الذي لايؤمن، نظريا وعمليا وسلوكيا، أن رئيس الدولة يعمل خادما لدى الشعب، سيظل يدفع الثمن في كل يوم و.. كل ساعة.

6- لقد أثبتت تجارب أربع سنوات أن الرئيس السيسي غير قادر على اختيار الناجحين والعباقرة والإداريين وغير الفاسدين، وقد لا ألومه لأن قدراته هكذا، فهو يظن أنَّ علي عبد العال عبقري، وأن واضعي الكمائن في سيناء استراتيجيون عسكريون من الطراز الأول، وأن قراراته السياسية والاقتصادية والدينية التجديدية بيان من التنزيل ووحي سماوي، لكن الشعوب التي تتلذذ بالهزائم تمنح ثقتها لزعمائها، وتبرر كل خطأ وجريمة وعبث ولهو وغرور، ولا تكتفي بهذا؛ بل تخاصم من أجله، وأكثر المصريين الآن منقسمون على أنفسهم، بين من يحب السيسي ويكاد يعبده، وبين من يراه غير معصوم من الحساب والخطأ.

7- التخبط في الفكر السياسي المصري جعل المسؤولين لا يعرفون الفوارق بين الجماعات الدينية من سلفيين ودواعش واخوان وغيرهم، لذا ينبغي أن يتصدى للتفسير والتحليل والشرح من كانت لديهم القدرة على بث الوعي للجماهير وللمسؤولين بعيدا عن ضيوف الفضائيات من الإعلاميين الذين يتنقلون من قناة إلى أخرى كأن مصر عقمت خبراء ومتخصصين وعلماء وأكاديميين.

8- أشعر بغثيان من الاحتقار والازدراء والاستكبار الذي يمارسه الرئيس السيسي نحو شعبه، فهو لا يذهب لمواساة ضحايا إلا نادرا، ولا يعاين مكان حادث، ولا يلتصق بهموم شعبه، ولا يشاركه الأحزان، وقد رأينا بعد حادث الواحات كيف انتفخ الرئيس وفضّل الاحتفال مع أحفاد مونتجمري في (العلمين) وهم الذين رفض آباؤهم الانسحاب من مصر بعدما وقفت معهم ضد الغزو النازي.

9- إن عملية الخلط بين الرئيس وبين مصر أضحت حالة من الهوس الشعبي، وجعلوا ( تحيا مصر ) توحي فورا بتأييد ودعم السيسي، وصغرت مصر، وكبر الرئيس على حساب وطن تقزم أبناؤه أمام خادمهم في القصر الذي فوّضوه ففاض عليهم، واستأمنوه على مياههم وجُزرهم وخيراتهم وجنيهاتهم القليلة في جيوبهم المثقوبة؛ فأفقرهم.

10- أليس هناك مبصر واحد حول الرئيس السيسي يصارحه بفشله في القضاء على الإرهاب؟ الإرهاب في الإعلام وفي القضاء وفي التعليم وفي الأزهر وعلى المنابر وفي النت وفي مواقع التواصل الاجتماعي.

انزعوا الرعب من قلوب المصريين، واجعلوا الرئيس السيسي خادما لديكم، يخطيء ويصيب، يفشل وينجح، لكن أن ترشّحوه لفترة رئاسية ثانية بعد الفشل المفزع والكارثي والزلزالي على كل المستويات، فاسمحوا لي أن أنعي إليكم أولادكم .. الجيل القادم الذين سيتسلمون منكم وطنا يحتاج إلى ولادة جديدة، تماما كما تسلم ملائكة يناير 2011 مصرنا الحبيبة مهلهلة، ممزقة، مسروقة، ضعيفة، فاسدة؛ فلما قاموا بثورة الأحرار ضد صمت آبائهم لثلاثين عاما، سرقها منهم العسكر فالاسلاميون فالقضاء ثم العسكر، وعادت روح مبارك تدنس سماء الوطن.

مسجد الروضة ليس الأخير، ولا الواحات، ولا الأديرة والكنائس، ولا جنود مصر ورجال أمنها الذين يقوم الأوغاد القتلة باصطيادهم في كل يوم وسط دهشة القائد الأعلى للقوات المسلحة.
عندما استولوا على بنك في العريش( 16 أكتوبر 2017) قضوا ساعة كاملة يقتلون، ويفرّغون البنك من ملايينه، ويدمرون السيارات، وعلى مبعدة أقل من مئتي متر في ثلاثة اتجاهات كانت كمائن الشرطة والجيش تقف كأنها تماثيل لا تسمع ولا تبصر، ثم لاذوا بالفرار دون أن يفقدوا إرهابيا واحدًا.

كل دول العالم تعرف أبسط قواعد محاربة الإرهاب وهي التعرف على القتيل وأهله وجماعته وتاريخه منذ أن كان في بطن أمه إلا في مصر، فاحتقار المعلومة حالة من الشذوذ النفسي، والجماهير وافقت عليها بحجة أن الرئيس يعرف، والجيش يعرف، والأمن يعرف.

الإرهاب صناعة محلية حولنا وتحتنا وفوقنا، ولن ينتهي قبل أن يقرر الشعب المصري أن المعرفة لا يحتكرها أحد لنفسه.
الزلزال الأخلاقي الذي هزّ مصر أصابنا بالعته عندما تخاصمنا، وتشاجرنا، وتمزقنا، وانقسمنا بين مؤيدين لرجل لا يخطيء و.. بين صامتين حتى يأتي أمر الله.
الهوس الديني لا علاقة له بالإيمان، فهو حالة تغييب وعي جماهيري يصنع عبيدًا في الشارع، وأسيادًا في القصر.

الفتنة الطائفية تطل علينا بين الحين والآخر، والرئيس لم يتنبه بعد أن أكثر مؤيديه من الإعلاميين والسلفيين والبرهاميين سيشعلون الوطن، لا قدر الله، بسبب جهل الرئيس بالفكر الديني التنويري.
خطاب الرئيس بعد فاجعة مسجد الروضة كارثة بكل المعايير.

إن وجود شباب يناير في السجون والمعتقلات وحرمان أهلهم منهم، وجامعاتهم وأعمالهم جريمة بكل المقاييس، وكل بريء خلف القضبان يتحمل مسؤوليته الرئيس السيسي وحده.. الرئيس السيسي فقط!

كلما خاف المصري تسللت الشجاعة إلى قلوب الإرهابيين، والمصريون الذين لا يحاسبون مسؤوليهم يرسلون رسائل تأييد ضمنية للإرهاب الأعمى، فيضرب من جديد.

وسائل الإعلام المصرية تستقي فبركاتها من حشاشين أمام الكمبيوتر في مواقع التواصل الاجتماعي، وتعيد إرسالها من خلال الشاشة الصغيرة فتُغيّب شعبا بكامله.

الشعب السيد الذي لا يُحاسب خادمَه الرئيسَ سيتلقى الصفعة مع انبلاج فجر كل يوم جديد.
هؤلاء رجالي، يقول الرئيس لنفسه، ولن أسمح بمحاسبة وزير الداخلية أو وزير الدفاع أو غيرهما من كبار الكبار، فالأسياد لا يقفون أمام الشعب أو العدالة لتقديم كشف حساب.
مع كل برنامج توك شو تبثه فضائية مصرية تصغر مصر شبرًا، وتتراجع خطوة، وتهبط في سلم الحضارة.

الحمقى فقط هم الذين يقولون بأن أي عملية إرهابية كانت مفاجأة، أما البلهاء فيؤكدون أنها الأخيرة لأن مصر في حماية الله، رغم أن الله لا يحمي قوما حتى يقوموا بحماية أنفسهم.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 25 نوفمبر 2017


30‏/10‏/2017

أرقام هواتف الموتىَ!

أرقام هواتف الموتىَ!
وسط أرشيف ضخم من الأسماءِ وأرقامِ التليفونات كنت أبحث اليوم عن رقم صديق. انتابني احساسٌ غريبٌ عندما اكتشفتُ وفاةَ عدد كبير منهم في السنوات العشرين المنصرمة، فإذا أنا واثقٌ ثقةً زائفةً أنَّ اتصالي بأحد الراحلين سيجعله يردّ علىَ المكالمة التليفونية!
الموتُ هو الحقيقة التي لا تُصدَّق؛ فتشعر بتناسخ الأرواح، أو يمر خيالـــَـه أمام ناظريك، أو يأتيك صوتــُـه هامســًـا من مكان بعيد، أو يتلبس لعدة ثوانٍ في شخصٍ يشبهه.

يمكن أيضا أنْ تشم رائحتـــَـه أو تخاطب طيفــَــه أو تستمد منه شجاعةً أو جــُـبــْـنــًـا، أو يأتيك من حيث لا تدري، ويغادرك من حيث لا تعرف.عندما يتوفىَ اللهُ أحدَ القريبين منك، صديق أو عزيز أو زميل عمل أو رفيق دراسة أو خيال من موقع التواصل الاجتماعي، يترك، العليُّ القديرُ، خيوطــًـأ متشابكة للراحل: مكان، نغم، حوارات.. الخ
في عملية مدهشة للتخاطر عن بُعد قد تتوهم أنَّ راحلك الغائبَ أرسل إليك رسالة قصيرة تشبه رسائل الموبايل، فتأتيك شبحــًـا أو صورة أو ضحكة أو فرحة أو حزنا، وقد يحدث العكسُ فترسل أنت رسالةً في دعاءٍ تتخيل سماعَه إياه.
اليوم صافحت في أرشيفي عشرات من الأشخاص الذين مرّوا على حياتي، فمنهم من مكث طويلا ثم رحل دون أنْ يترك أثرًا، ومنهم من ترك شطرًا من روحــِـه تؤنسك بين ألفينة والأخرى، تمامــًـا كما تزور المقابرَ فلا تدري إنْ كانت الحياةُ الحقيقيةُ تحت الأرض أم .. فوقها.
الراحل ينزلق تحت الأرض، فإذا بحثتَ عنه نظرتْ إلىَ الأعلىَ وهي كنايةٌ عن تحليق الروحِ بعيدًا عن الجسد.
قمتُ اليوم بمصافحة العشراتِ عن طريق أرقام هواتفهم، منهم من شاهدني و.. منهم من لم يتنبه لوجودي.
ماذا لو أنني اتصلت بهم اليوم؛ فهل سيردّ أيٌّ منهم على المكالمة؟
هل يخاف الأحياءُ من الموتىَ أم يخشى الموتىَ الأحياءَ؟
هل تموت أيضا الأماكنُ وأرقام الهواتف والروائحُ والنغمُ والذكرياتُ أم يأخذها المتوفىَ معه؟
الذكرياتُ ليست بالضرورة عمن أحببنا، لكنها أيضا عن الذين كرهناهم أو آذونا أو أساءوا إلينا! 
ترن .. ترن .. ترن؛ لا أحد يرد!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 30 أكتوبر 2017

11‏/10‏/2017

الملك سلمان وأنا و قيادة المرأة للسيارة!


لأكثر من ربع قرن وأنا أدعم المرأة السعودية للخروج من هيمنة الذكور المهووسين بالجنس، وكتبت مقالات وموضوعات وخسرت كثيرًا من الأصدقاء في المملكة، خاصة بعد اتهامي لرجال الدين السعوديين أنهم يحرّضون على اغتصاب الأطفال من السائقين الغرباء.
وجاء الملك سلمان الذي قرأ كثيرا من مقالاتي عن المرأة السعودية منذ استقباله الأول لي عام 1985 في الرياض، ودعمه المعنوي الصريح لكتاباتي، وحمايته لي في كل زياراتي من أن تمسني المؤسسة الدينية بسوء.
أعيد الآن نشر الموضوع الذي أغضب كل رجال الدين السعوديين مني، لكن الملك لم يغضب، بل جا قرار قيادة المرأة للسيارة تتويجا لقلمي عن هموم المملكة.
--------------------------------------------------------------------------------
بل هي دعوة صريحة للتحرش بالأطفال!

حاولت أنْ أعصُر كل أنسجة دماغي، ولجأت لكل ما أعرف في المنطق والاستدلال والحدس والعقل والمعرفة، وأعياني البحث، وكادت تتهشم أجهزتي العصبية، ومع ذلك فلم أعثر إلا على سبب واحد لاصرار المؤسسة الدينية السعودية على منع قيادة المرأة للسيارة!
قد يبدو اكتشافي استفزازا، وخروجا على المألوف في قواعد المنطق، وإذاعة ما لا يحب الآخرون سماعه، ويضعون أصابعهم في آذانهم خشية أن تتناهى إليهم الحقيقة المُرّة الغائبة.

السبب الذي توصلت إليه هو أن هناك رغبة خفية وغير معلنة في أي صورة من الصور لدى المؤسسة الدينية في السماح للسائقين الأجانب المحرومين جنسيا، والبعيدين عن الأهل والزوجة وعالمهم في أن يتعرضوا لأطفال المملكة، وأن ينتهكوا حرماتهم، من منطلق أن اغتصاب الطفل أمر هَيّن، ولا ينبغي للمؤسسة الدينية أن تكترث له.

يعود الطفل المسكين من المدرسة إلى البيت، وتشاهد الأم ابنها في حالة إعياء أو غضب أو تذمر أو يختبيء في غرفته دون أن ينبس ببنت شفة. ولأننا نعيش محاطين بالحماقة والغباء والتطرف فإن طرح السؤال يبقى مرهونا بالسذاجة والطيبة المفرطة وأحيانا البلاهة الأكثر حمقا من التخلف العقلي.

أطفالنا، فلذات أكبادنا، تلك الأمانة التي بين أيدينا نفرط فيها بأكثر الوسائل دونية وتخلفا، فنأتمن السائق عليهم، والأم تعرف والأب لا يجهل أن عملية التحرش الجنسي لا تستغرق أكثر من دقيقتين، حتى والسائق يربط حزام الأمان، أو يساعدهم في الصعود للسيارة أو النزول منها، ويلمس مواضع العفة من أطفالنا، ويتأخر في الطريق لعدة دقائق، ويخاف الطفل أو يعتاد على أن هذا الأمر طبيعي، فالأم المحرومة من الدخول في هذا ( الجــَـمــَـل الحديدي ) لاصطحاب أطفالها تصمت على مضض، والأب مهما كان منصبه فسوط المطاوعة فوق ظهره، والمؤسسة الدينية تستطيع أن تجلده خمسمئة جلدة أمام أولاده، وتدَّعي أن الله منحاز إليها.

دعاة منع قيادة المرأة للسيارة تتساوى جريمتهم مع جريمة السائق في التحرش الجنسي، وعندما يكتشف الأب الساذج والأم المغلوبة على أمرها بعد عدة سنوات أن ميولا مثلية بدأت تظهر على ابنهما الشاب أو أن خوفا أو خجلا غير طبيعيين تعكسان شخصية ابنتهما، فإن الوقت يكون متأخرا للغاية، فقد صنعت المؤسسة الدينية تشوهات نفسية وعصبية ووجدانية وعقلية لشباب المستقبل.
لم استوعب أو أفهم أي سبب آخر لمنع قيادة المرأة السعودية للسيارة غير الرغبة في تسهيل تحرش السائقين الجنسي بالأطفال الأبرياء المساكين، ومن ينكر هذا الأمر فعليه أن يثبت لنا أن السائق الذي انفرد بأطفالنا شهورا وسنوات ، ذهابا وعودة، لم تتحرك أصابعه بخفة ونذالة وحقارة فوق أجساد هؤلاء الأطفال المساكين الذين حكم عليهم الجهل بالدين لدى الكبار أن يتعرضوا للتحرش الجنسي، ولا تزال المؤسسة الدينية السعودية تجبر رجال ونساء المملكة أن يقدموا أولادهم قربانا على مذبح الرغبة في ايذائهم.

لا أفهم حتى الآن ميكانيكية عمل الجهاز العصبي للأم والأب وهما يُسَلّمان طواعية وخضوعا وسذاجة وعباطة أولادهما صبحا وظهرا لرجل غريب لأن المؤسسة الدينية تستشهد من ديننا الحنيف، وتأتي بــ ( أدلة ) أن دخول المرأة ( الجمل الحديدي ) مع أولادها غير جائز شرعا، وأنه حرام، وأن الله، جل شأنه، سيحاسبهما يوم القيامة على عدم تركهما أطفالهما ليفعل بهما السائق ما يشاء.

أيها السعوديون الكرام،
ألا ينتابكم الغضب؟
ألا تأخذكم النخوة والشهامة والرجولة وتغضبون لكرامتكم وتصبغون الحماية على أطفالكم؟
ألا تخشون نقمة الله عليكم وأنتم تُفرطون في تلك الأمانة بعد أن خدعكم الآخرون؟
هل هي تعاليم سماوية، وأن مخالفتها تعني ذنوبا وأثاما تثقل كتابكم يوم تُعرضون على الواحد القهار؟
بعد قليل يصل طفل بريء مع شقيقته الصغرى إلى البيت، وتكون في انتظارهما أم ضعيفة وساذجة ومفرطة في حق نفسها ودينها، يتجنب الطفل المسكين عيني والدته، وتطرق أخته خجلا.

الأم لا تفهم ماذا حدث أو لا تريد أن تفهم فعصا المطاوعة تقصم الظهر، والمتحدثون باسم الله على الأرض أكثر عددا من المخدَرين والمغيبين الذين يتركون الآخرين يمسكون رقابهم ويغلقون عقولهم لئلا تشاهد الحقيقة الكارثية .
يعود الأب من عمله وهو سعيد بأنه مواطن طيب ومسلم يطيع المؤسسة الدينية، لكنه ينسى أنه أحمق يقدم أطفاله في كل يوم هدية لسائق يعبث بأجسادهم كما يشاء.
إنني أتهم كل من يؤيد منع قيادة المرأة السعودية للسيارة بأنه متواطيءٌ، صراحة أو ضمنا أو ضعفا أو جبنا، في عملية التحرش بأطفال المملكة العربية السعودية.

وأتهم من سيدافع عن قرار المنع الآثم والوحشي والهمجي بأنه يقف في صف السائق المحروم جنسيا، ولا يمانع في أن يختلس دقيقيتن أو أكثر لانتهاك حرمة طفل كل ذنبه الذي جناه أن بطن أمه وضعته تحت إمرة ونهي ونهر وأوامر وسوط المؤسسة الدينية.

أيها الآباء، أيتها الأمهات،
أليس هناك مبصر في المملكة يحمي تلك البراعم الجميلة والبريئة والطاهرة أم على قلوب أقفالها؟
محبتي لشعب المملكة العربية السعودية تُشعرني أن كل طفل فيها هو ابني أو ابنتي، حفيدي أو حفيدتي، لهذا سأظل ما حييت أطالب بحق المرأة في حماية فلذات كبدها في سيارة تقودها، ومخالبها كالصقر إذا اقترب غريب من أجسادهم الضعيفة والبريئة.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج
Taeralshmal@gmail.com

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...