15‏/01‏/2019

وأخيرًا .. غضب المصريون!


وأخيرا غضب المصريون!

لم يكن احتجاجا على انخفاض مستوى المعيشة..
ولا على الغلاء الجحيمي الذي تعيشه الأسرة المصرية..
ولا على آلاف المصريين المعتقلين والسجناء بدون محاكمة..
ولا على فشل أكبر جيش في الشرق الأوسط في القضاء على حفنة من الإرهابيين ..
ولا على تنازل رئيس الدولة عن تيران وصنافير ..
ولا على استمرار قانون الطواريء ليتحول إلى حالة طبيعية كما في عهد اللعين حسني مبارك..
ولا على الطائفية المقيتة والقميئة والعفنة التي ترعرعت في عهد السيسي ..
ولا على جمهورية الخوف التي زرعها نظام الحُكم ..
ولا على القضاء الظالم والفاسد والمتواطيء والفاشل ...
ولا على تحويل الإعلام المصري إلى أغبى وأجهل مؤسسة في تاريخ مصر القديم والحديث ...
ولا على صراخ ربات البيوت اللائي أفلسهن السيسي وأصبحت مدخراتهن تحت البلاطة في خبر كان ..
ولا على سيطرة وهيمنة قوى الحماقة والتطرف والدعوشة على المنابر في المساجد والزواوي ...
ولا على التفريط في الحدود المصرية فوهبها السيسي للإسرائيليين لمطاردة مصريين في بلدهم بعد فشله ..
ولا على فشل نظام التعليم فخرج من تحته نصف جيل؛ جامعيوه كأنهم خريجو الابتدائية ..
ولا على عالم الغش في الدواء والمستشفيات والعلاج ...
ولا على كرامة المواطن التي يعتبرها رجل الشرطة كرامة جيفة أو حشرة مفعوصة تحت حذائه ...
ولا على عباطة وهبالة وسخافة وجهل وأمية الرئيس في كل أحاديثه فيتحول الحاضرون إلى أرانب تصفق، وفئران ترتعش ..
ولا على احتقار وازدراء وتجاهل الرئيس لرأي أي مصري في شؤون وطنه ..
ولا على اختياره الأفشل والأجهل والأسوأ لقيادة مؤسسات الدولة
ولا على أظلم وأقتم خمس سنوات في عهد يكذب رئيس الدولة كما يتنفس..
ولا على التلوث البيئي المميت لأجيال قادمة ..
ولا على سرقة أراضي الدولة ومنحها للواءات وكبار الجنرالات في تقسيم مافيوزي مخيف في مقابل الصمت على جهل الرئيس ..
ولا على توقيع العقوبات على مؤيدي ثورة يناير العظيمة التي لولاها لكان السيسي يقبع في مكتبه أو ثكنته لا يساوي جناح بعوضة.
ولا على عدة ملايين من أطفال الشوارع الذين لا يدري السيسي ماذا يفعل لهم وبهم ومعهم!
ولا على مشروع سدّ النهضة الإثيوبي الذي أصبح سرّاً يحتفظ به الرئيس فقط، رغم أن مصر هبة النيل .
ولا على جهل الرئيس في معرفة التركيبة الوطنية للمصريين، وبسبب جهله تفجرت قوى التطرف والسلفية لتجعل شركاء الوطن مواطنين من الدرجة العاشرة ..
ولا على إهدار المليارات في بناء ما يُخلد السيسي، ويُغضب اللهَ، فمسددو القروض هم أحفاد المصريين ..
ولا على قيمة مصر ورئيسها، فهو فضيحة بكل المقاييس إذا خرج من مصر أخجلتنا لقاءاته وخطبه واحتقار الزعماء له ..
ولا على أرنبة الإعلاميين والمثقفين في عهده فجعلهم أو جعلوا أنفسهم قردة خاسئين، يُصَفــَـق لها فترقص، سلام للبيه ...
ولا على تحوّل المصريين كرئيسهم إلى حالة من السلفية الداعشية الكارهة للغير ..
ولا على اغتيال اللغة العربية في عهد السيسي، وتحويل مؤسسات الإعلام والدين والتعليم إلى اللغة العامية كتمهيد وتوطئة لخروج مصر من عالم العرب ..
ولا على اختفاء ومحو ومسح وإزالة اسم المصري وحضارته وثقافته فأصبحنا عاجزين عن العطاء ...
ولا على عالم التسول الذي صنعه مبارك وورثه طنطاوي فمرسي فالسيسي فخسف بمصر الأرض ...
ولا على تعمد اختيار السيسي لأجهل إنسان منذ عهد الفراعنة فجعله رئيس مجلس النواب الذي يجلس تحت قبته مصفقون أميون وجهلة وفاسدون ..
ولا على وصول المصريين إلى أخطر مراحل العصر وهي كراهية القراءة والمتابعة والثقافة والمعرفة لتصبح الصورة والفهلوة ووضاعة الإعلام وسوقية اللغة وضعف اللسان، وبالتالي يضمن السيسي حُكما فوق الوطن حتى يموت أحدهما .. الرئيس أو مصر!
ولا على اختفاء الإسلام وظهور دين جديد دراويشي يصنع العبيد، ويُعلي من شأن الجهل ..
ولا على عدم المساواة بين المواطنين فأصبح حلم الهجرة أرفع وأشرف الأحلام ( في عام 2017 تقدم مليون و800 ألف مصري بطلبات للهجرة في السفارة الأمريكية بالقاهرة )!
ومع ذلك فقد غضب المصريون عن بكرة أبيهم، وزلزلت الأرض زلزالها، وارتفع ضغط دم الشعب، واستجاروا، واستخاروا، ولعنوا الفساد في الأرض والبحر عندما التقى طالب جامعي بزميلته وعانقها، أو احتضنها في الحرم الجامعي وبدون أن نعرف السبب فقد يكون حبا أو زمالة أو لقاء بعد غياب أو عاطفة جارفة استغرقت عشر ثوانٍ، فأصبحت يوم القيامة المصري.
لقد غضب المصريون، ورقص الشيطان، واحتفلت تل أبيب، وطالب الشعب بتوقيع أقصى العقوبات على المجرميّن حتى يكونا عبرة لمن تسوّل له نفسه الإساءة للدين والقيم والأخلاق.
لقد غضب المصريون لعناق طالب وطالبة في لقاء الثواني العشر، ولم تهتز لهم شعرة فيما ورد أعلاه من جرائم يهتز لها عشر الرحمن.
الآن يمكن لأي داعشي أن يرفع الراية السوداء للإمارة الإسلامية المصرية وعليها نجمة داود!
الآن يمكن للرئيس السيسي أن يقف في قلب ميدان التحرير ويرفع لنا إصبعه الأوسط!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 15 يناير 2019





رسالة مفتوحة إلى روح جمال عبد الناصر



هذا المقال نشرته في عام 1991 في طائر الشمال ثم في كتاب ( قراءة في أوراق مهاجر )، وأعيد نشره، فأرجو لمن يقرأه أن ينظر إليه في سياقه التاريخي.
الدافع للمقال كان وجود حسني مبارك في 23 يوليو في قصر باكنجهام خلال زيارة لملكة بريطانيا، وكانت إشارة إلى أن روح عبد الناصر ليست أهم من الذين قادوا العدوان الثلاثي عام 1956.
رسالة مفتوحة إلى روح جمال عبد الناصر
أكثر من عشرين عاما مضت منذ رحيلك وأنت الغائب الحاضر( نصف قرن في هذا العام )، بين الأصدقاء كما بين الأعداء، يتذكرك الأوفياء فتختفي أصواتهم لأن الذين يثرثرون في تاريخك كثر! لقد أصبح من حق أي دعي أو عاهرة أو كاتب مرتزق أو عميل سابق أو راقصة في كباريه في شارع الهرم الادعاء بمعرفتك معرفة وثيقة، ولا مانع من نشر كتاب يدّعي فيه صاحبه أنك ـ رحمك الله ـ كنت تأتمنه على أسرارك، وتُسِرّ إليه بخلجات نفسك، وتمنحه ثقتك.
تسألني عما حدث لنا بعدك وكأنك تراهم واحدا واحدا، أو قزما.. قزما، وهو حديث يطول بطول أعوام غيابك أو يزيد التي قضيتها بعيدا عنا، في جوار ربك، تنعم برحمته ويظللك غفرانه.....ويتوب عليك.

لو عدت إلى عالمنا ، يوما واحدا أو أقل، لما عرفت أي مشهد من مشاهد الوطن الصغير مصر، أو الكبير الذي منحته جسدك وصحتك وعقلك، ثم أسلمت الروح لبارئك، وأسلمت السلطة لمن لم يكن يستحق أن يكون عمدة لقرية مجهولة في أقاصي البلاد.
في عالمنا العربي الآن أشياء تقتل المواطن هَمّا أو غما أو ضحكا، فلا تعرف إن كان الضحك جزءا من أوجاعنا أو كانت الهموم شهادات موت نكتبها لأنفسنا دون تصريح بالدفن!

دعني قبل أن أكتب لك عن فواجع أمتنا أقص عليك من نبأ الأستاذ رشاد نبيه!
طبعا لم تسمع بهذا الاسم من قبل، وربما ذهب بك الظن إلى أنه تاجر مواشي أو حديد مسلح. الحقيقة أنه أكبر من هذا بكثير، فقد كتب الأسبوع الماضي شيكا غير قابل للصرف بمبلغ مليار ومئات الملايين من الجنيهات المصرية! باسم رئيس لجنة التحفظ على الأموال.
لا تظن، يا من كنت حبيب الملايين، أنني أمزح، فالمبلغ صحيح والحكاية ليست من نسج خيال أحد. ولو قلت لك كيف تلاعب هذا المحامي بقلوب وعقول الشعب كله والصحافة والمثقفين ورجال القانون لاكتفيت وعدت من حيث أتيت. ستقول وهل يسمح القانون بهذا الهزل، فضلا عن السرقة والنهب؟ وهنا لا أستطيع أن أدافع عن القانون ولكنني أؤكد لك، أيها الراحل العظيم، أن كل شيء ممكن في وجود أو غياب القانون.

فقد كان بإمكان شخص يدعى سامي علي أن يحول بلايين من أموال العمال المصرين في الخليج باسمه الشخصي ويربح مبالغ خيالية، فإذا سألته الحكومة " من أين لك هذا"؟ هدد بتدمير اقتصاد مصر. وتحت سمع وبصر القانون ضحكت امرأة واحدة على البلد كله ونهبت الملايين ثم خرجت من المطار معززة مكرمة. إنهم، أيها الشهيد الراحل، ينهبون مصر قطعة.. قطعة، من آثارها القيمة واقتصادها وزراعتها وأرضها وقيمها وتراثها وثقافتها.
تسألني وأين مجلس الشعب؟ وكأنك تريد البكاء قبل أن تستمع إلى بقية الحكاية. هل تعرف أن في مصر الحبيبة أكثر من نصف مليون مدمن مخدرات؟ وهل تعرف أن بعض أعضاء مجلس الشعب( الموقر) يتاجرون في سموم الشعب ويتعاطونها فلا تدري إن كان العضو وهو يمثل الشعب يقظا أم ( غائبا!)، وهل تعرف أن بمصر صحافة معارضة تكتب في كل شيء تقريبا، ولكن لا أحد يستجيب لها أو حتى ينصت إليها بأوامر عليا! وهل تعرف أن المنازل أصبحت أبراجا من حق صاحبها أن يحدد بنفسه نوعية مواد البناء شريطة أن تسقط بسكانها الأبرياء، لأن مقتل مصري أو مائة أو ألف لا يهم فلدى الدولة ( منهم) الكثير؟
أعود إلى موضوع المحامي التاجر، وهو الذي يتولى عملية إعادة الاعتبار والاحترام والتقدير للريان.
الريان! ماذا تقول؟ آه، معذرة أيها الحبيب الغالي، فأنت لم تسمع عن الريان. هل تذكر الميثاق الوطني الذي قرأته علينا في أوائل الستينات وتحدثت فيه عن الرجعية الدينية؟ لقد كنت تتنبأ به وبأعوانه، ولكنهم انتظروا مدة كافية لقتلك عدة مرات قبل أن يظهروا على الملأ بكروشهم الكبيرة، ولحاهم الكثة القذرة، وعيونهم المكحلة. انتظروا حتى تصدر (دار الزهراء) مجموعة من الكتب تتهمك فيها بكل موبقات الإنس والجن، ثم هجموا عليك هجمة ذئب واحد حتى لا يعرف أنصارك من أين تأتي الضربات، فنشرت اعتماد خورشيد ما أطلقت عليه (حكايتي مع عبد الناصر). وقطعا لن تجد في ذاكرتك أي صورة لهذه المرأة التي تقول إنها قامت بزيارتك وحدثتك، وأجلستها على طرف فراشك، وتناولتَ طعامك المتواضع أمامها، فنشرت كتابا كاملا عنك بعد أقل من عشرين عاما بقليل، أملته على شخص يدعى فاروق فهمي. لن أحدثك عن أنيس منصور (وجع في قلب إسرائيل)، وقد عاد إليه وعيه الإسرائيلي فنشر عنك كتابا أسماه(عبد الناصر المفترىَ عليه والمفتري علينا)

ولن أحدثك عن كثيرين من أعضاء الاوركسترا النشاز التي يقودها شخص يدعى محمد جلال كشك، الذي وضع مجموعة من المؤلفات لو قرأها إبليس في جحيمه ولعنته لرقص طربا، وانتشى فرحا، وأعاد على رب العزة قوله ( لأغوينهم أجمعين...)
نعود إلى الريان فأجد نفسي عاجزا عن شرح ملهاة أبكت شعبا بكامله، ومازالت فصولها تتوالى. فلن تستطيع أن تستوعب هذه الصدمات إن شرحت لك من هو الريان، وما معنى شركات توظيف الأموال! ستقول وهل هناك أموال في مصر؟ وهل تعرف الحكومة أين يستثمرون أموالهم، وماذا عن العمال والفلاحين والفقراء والعلاوات وعيد العمال و...؟
لن أرد على كل هذه الأسئلة والاستفسارات لأن هذا يعني أنك لن تصدق أن الحديث عن مصر والوطن العربي، وستظن أنني أخطأت العنوان! فالعمال الذين يهمك أمرهم ذهب أكثرهم إلى دول الخليج والعراق وليبيا. أما الذين ذهبوا إلى ليبيا ـ وتسمى حاليا الجماهيرية لأن الجماهير هي التي تحكم! ـ فقد غضب عليهم قائد الثورة، ذلك الشاب البدوي العفوي الذي كان قد قام بثورته على الملك إدريس السنوسي وأقسم أن يجعل من ليبيا جنة الصحراء، وقلت يومها إنه يُذكــّـرك بأيام شبابك.

عمالك، أيها الشهيد الغالي، تم طردهم من الجماهيرية والاستيلاء على أموالهم وتوجيه كل قاموس الشتائم إليهم.
وتم الصلح فعادوا مرة أخرى أضعافا مضاعفة، فلا يهم إن كان الهَمُّ هنا أو هناك، فالذل له طعم واحد.
أما الذين سافروا إلى الخليج وأنعشوا الحياة في مصر وساهموا في نهضة الدول العربية الشقيقة فأمرهم أعجب من العجب. ولكن قبل أن أكمل الحديث عن عمالك في الخليج أراك، أيها الشهيد الحبيب، تتساءل عن معنى الجماهيرية، وهل ليبيا أصبحت الآن غنية جدا ومتقدمة بحكم أن الجماهير هي التي تحكم وبين أيديها أموال البترول منذ عام 1969 وثورتها المباركة؟

والحقيقة أنني لا أعرف إن كانت المليارات من الدينارات تكفي لتحسين مستوى معيشة الليبيين وجعل الجماهيرية سويسرا العالم العربي أم لا. ولكن الواقع أن العالم كله استفاد من أموال بترول ليبيا بعدالة لا نظير لها، بدءا من منظمة " إيرا" الأيرلندية والهنود الحمر في أمريكا وشقيق جيمي كارتر والميليشيات والعصابات اللبنانية وحسين حبري وجون جارانج ومحمد عبد العزيز( الأخير إن لم تكن قد سمعت عنه هو رئيس قطعة من الصحراء القاحلة ليس فيها ماء أو خضرة أو وجه حسن. لكن الجزائر وإيران( الإسلامية!) قررتا جعل هذه الكثبان الرملية دولة عظيمة مثل الصين ومواجهة المغرب بها وتدمير اقتصاد الرباط وهز عرش الملك الحسن الثاني). لهذا لا أعرف إن كانت ليبيا قد أصبحت غنية أم أن 300 مليار دولار في العشرين عاما المنصرمة لم تكن كافية للجماهيرية و...تشاد!
أما عمالك الذين شدوا الرحال إلى دول الخليج العربية واستقروا بها، وزاد عددهم على المليونين، فقد شهدوا مع إخوة لهم من أقطار عربية أخرى سنوات خصبة ونهلوا من خيرات الأشقاء، وأطعموا أهلهم وذويهم إلى أن جاء يوم أغبر لا أعاده الله على العرب مرة أخرى اقتحم عشرات الآلاف من الجنود المدججين بالسلاح، وآلاف الدبابات، ومئات الصواريخ دولة الكويت الصغيرة!
ستقول، أيها الراحل الكبير، إنه لا شك عدوان ثلاثي جديد تقوده بريطانيا! لا، ألم أقل لك إنك لن تصدق أن هذا هو وطنك العربي. الاستعمار الجديد الذي قتل وسلب ونهب وذبح ودمر هو العراق الشقيق بأوامر من رئيسه صدام حسين! طبعا تذكره جيدا هذا الشاب البعثي الأنيق الذي لجأ إلى مصر ثلاث سنوات واشترك في عدة محاولات اغتيال في العراق، وفي عام 1968 استتب الحكم لحزب البعث وكان نائبا للرئيس أحمد حسن البكر، لكنه العقل المدبر للحزب، وللعراق كله. لقد اختلف كثيرا عن ذي قبل وأصبح الآن متمرسا في القتل والكذب، ويمارس ضد شعبه سادية لم يعرفها ستالين في دراكيولياته، فما بالك وهو يمارسها ضد الآخرين.

سترد فورا، أيها الغائب الحاضر، بأن العالم العربي كله قد وقف دون أدنى تردد أمام أطماع وهوس ودمويات صدام حسين.
آه، أيها الزعيم الحبيب، لقد اشتقنا لطيبتك وثقتك في قومك وإيمانك بهم ودفاعك عنهم.
العالم العربي اختلف فانقسم، وخرجت مظاهرات بعشرات الآلاف من المهووسين ترفع صور القاتل، وتعاهد الله على دعمه والوقوف معه، في الوقت الذي كان فيه جنوده يعبثون بكل القيم والمبادئ والأعراف والأخلاق، فذبحوا وقتلوا ونهبوا ودمروا وأحرقوا الأخضر واليابس، وأشعلوا آبار البترول وحولوا مدارس الأطفال إلى ثكنات عسكرية، وجامعة الكويت إلى معتقل، ومعهد البحوث العلمية إلى أطلال وخراب .

هل تصدق ، أيها القائد الغائب أن الجزائر العظيمة، صاحبة أنقى ثورات العصر ، تقرر إعداد مليون شخص للوقوف بجانب صدام حسين، وتخرج الجماعات الإسلامية تستعرض قوتها وعضلاتها تهدد بها النظام، وتعرض على صدام حسين الدعم الكامل؟
والكويت ليست إسرائيل، لكن العرب، يا زعيم العرب الغائب، لا يفرقون بين العدو والصديق، ولا يعرفون الطيب من القبيح، ولا الغث من السمين. أما في الأردن، فقد أعطى الملك الحسين بن طلال الضوء الأخضر لمساندة الباطل، فخرجت المظاهرات في كل مكان تعاهد القاتل على مزيد من الدعم إن أوغل في إرهابه وترويع جيرانه الآمنين.
في جنوب لبنان، وفي مخيمات المظلومين والمضطهدين، كانت صور صدام حسين تتصدر كل المظاهرات، فالعرب لم يتعلموا بعد مناصرة الحق.

عبد الناصر أيها الغائب الحبيب؛
هل تريد أن تسمع المزيد عن مأساة العرب بعدك؟ إذن سأحدثك عن الجرح الكويتي الكبير الذي لن يندمل أبدا. طبعا تذكر الكويت، خاصة وأن أميرها السابق كان آخر من عانقت من الأشقاء في مطار القاهرة بعد ظهر الثامن والعشرين من سبتمبر من عام 1970، ثم عدت إلى بيتك وأسلمت الروح إلى خالق الروح.

بعدما رحلتَ عنا وانتهت مدة الحِداد صدر كتاب لجلال الدين الحمامصي يشكك في ذمتك المالية. وبمباركة ضمنية من الرئيس أنور السادات تناول بعض الصحفيين الأمر، انتقاما منك، أو تشفيا فيك، أو تزلفا لنائبك السابق. وهنا غضب الكويتيون، وهم لا ينسون موقفك المشرف من بلدهم وأطماع عبد الكريم قاسم، فانتهزوا فرصة زيارة السادات لهم وطالبوه بإيقاف حملة التشكيك، وانبرى أحدهم في حفل عام وعرض على السادات، باسم كل الكويتيين، تسديد ما ادعى الكاذبون أنك مدين به.
تسألني، يا قائد العروبة الشهيد، عن أحوال الفلسطينيين؟ نعرف جميعا أنك كنت تحبهم، وتفضّلهم على العرب أجمعين، وقد قضيت عمرك كله تدافع عنهم، وأخيرا سكت قلبك الطيب بعد أن أوقفت مذابح الحسين بن طلال ضدهم.
لقد مرت بهم بعدك أزمات عنيفة تكفي كل منها أن تبيد شعبا بكامله، لكنهم كانوا يخرجون من كل أزمة أشد صلابة وأكثر إرادة في التحدي، لأنها كانت دائما هزائم خارجية، من الأعداء، ومن الأصدقاء أو من الأشقاء، فكانت تل الزعتر، وصبرا وشاتيلا وطرابلس الشمال... أما خروج 82 فكان وصمة عار للعرب حيث دخلت إسرائيل بيروت وجعلت تقذف حممها على مدى ثلاثة أشهر متواصلة بأكثر مما قذف الحلفاء برلين حتى خرج الفلسطينيون في مشهد لم يمر بمثله العالم العربي.
وقام الفلسطينيون بانتفاضة عظيمة مباركة تملك الإيمان والحجارة، وتحدت بها طوال أربع سنوات الجيش الإسرائيلي بكل جبروته وقسوته ووحشيته.

إلى أن جاء يوم الظلم العظيم، يوم العرب الأسود، الثاني من أغسطس عام 1990 فوقف الفلسطينيون مع القاتل صدام حسين في مواجهة العالم كله، ولأول مرة يُهزَم الفلسطينيون من الداخل، وهم الذين كانوا يمنحوننا الأمل دائما بأن الظلم لا يتجزأ، وأن الاحتلال في كل صوره مرفوض، سواء كان احتلالا إسرائيليا أو بريطانيا أو جنوب إفريقي أو حتى ....عربيا.
وخسر الأشقاء منذ الثاني من أغسطس المشؤوم أكثر مما خسروا منذ عام 1948، في الكويت والسعودية ودول الخليج الأخرى، وفي مصر ولبنان وسورية.
ثم جاء قطار الحل السريع للقضية الفلسطينية التي يملك الباطل فيها ـ أي إسرائيل ـ كل أوراق اللعبة تقريبا، وما زال العرب في انتظار أن تعترف بهم إسرائيل!
جمال يا حبيب الملايين؛
تتساءل أيها الحبيب الغائب عما حل بـ" الإقليم الشمالي" من الجمهورية العربية المتحدة؟ ونحن لا نملك أدلة، غير أن في النفس لوعتين، الأولى عندما تقفز صورة مدينة حماة إلى الذاكرة، وهذه لن نقص عليك من نبأها، فقد قتلتك في المرة الأولى مذابح سبتمبر الأسود، أما حماة فلم تكن أقل سوادا. اللوعة الثانية هي في إقامة دولة من أجهزة المخابرات، ولو قرأت تقارير منظمة العفو الدولية عن إقليمك الشمالي لذرفت دمعات على الوطن كله.

عبد الناصر أيها الهرم الكبير؛
هل أحدثك عن السودان؟ الحديث عن السودان لا يحتاج إلى أكثر من وصف البؤس بكل درجاته؛ ففيه الفقر، والمجاعة، وحكم عسكري كأنه أخطأ الطريق إلى أمريكا اللاتينية ووصل الخرطوم، وقيمة للمواطن تعادل الصفر أو أقل.

هل تصدق، أيها الهرم الغائب، أن ستمائة ألف سوداني اختفوا بين إثيوبيا والسودان ولا يعرف أحد عنهم شيئا؟ وهل تصدق أن إعدام مواطن في عهد البشير أكثر سهولة من إلقاء تحية الصباح؟ وهل تصدّق أن السودان الحبيب، جنوب مصر العظيمة، وقف مع صدام حسين في عدوانه؟
لو حدثتك عن الوطن العربي الكبير بتفاصيل مآسيه ودراماته وفواجعه منذ رحيلك لما صدقتني، فاكتفيت ببقع سوداء لعلها تحكي لك عن أسباب شوقنا إليك، وإلى صوتك وإيمانك وقوتك وإرادتك وإخلاصك.. أكاد أسمعك تسأل عن عيد الثورة، عيدنا القومي!

وهل الرئيس حسني مبارك قام بتوزيع العلاوات على العمال والأراضي على الفلاحين؟ معذرة، فقد بحثنا عن الرئيس في مصر ولم نجده وعلمنا أنه في قصر باكنجهام!
محمد عبد المجيد
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
طائر الشمال
أوسلو في سبتمبر 1991
أوسلو في 23 يوليو 2012
أوسلو أيضا في 15 يناير 2019

09‏/01‏/2019

قراءة في وعي فنان.. خالد أبو النجا!

قراءة في وعي فنان.. خالد أبو النجا!

صناعة الوعي تبدأ من الشاشة الفضية؛ أما موتُ الوعي فيأتي عن طريقين: القصر والمنبر؛ رغم أن المفترض أن سيد القصر ورجل الدين يحمل كل منهما رسالة سامية فإذا بالأول يُكمم الأفواه و.. الثاني يكمم العقول!
شاهدت اليوم حوارًا تلفزيونيا على القناة الفرنسية 24 ساعة استضافت فيه الإعلامية عزيزة نايت سي باها، المغربيةُ القديرة وصاحبة الابتسامة الجذّابة الفنانَ المصري خالد أبو النجا، واستمتعتُ بشدة، فلم يكن حوارًا أكثر منه رسالة أخلاقية في الفن والتمرد والثقة والوطنية.
كلما ذاكر وقرأ المضيفُ عن ضيفِه اتسعتْ مساحة المعرفة، وعرف الاثنان طريقهما إلى نجاح الحلقة حتى قبل بثها!
أما إذا كانت أحاديث وأعمال الضيف مرسومة بإتقان في ذهن المضيف فقد أحكما المشهد الأثيري فيجعلانك لا تود إنزال الستار وتوديع الجماهير.
الشاشة الصغيرة تحكي عن الشاشة الفضية وهي الفن السابع، والتي تحكي بدورها عن الشاشة الأكبر ..
أي الصورة الحقيقية للوطن ومتعرجاته، وهمومه، وغضبه، وفرحه، وأزماته.
المذيعة الرائعة تتحدث عن مخاض الربيع العربي، ومن يبحلق في عينيها يعثر على خيال ( سنوات الرصاص في المغرب)، فكل شبر في العالم العربي الممتد من جزيرة ليلى المغربية إلى جزيرة حنيش اليمنية مرورا بجزيرتين مُتــَـنازَل عنهما، كان الشباب فيه هم الأصل، ليس قبله طفولة و.. لا بعده كهولة!
خالد أبو النجا فنان رقيق ومتمرد في الوقت عينه، ثوري وصريح وقاريء جيد ومخارج ألفاظه متفردة وواضحة.
وضع يده على أسرار الشخصية المصرية وأهمها أن الصمت هو الذي يجعل الأزمات متراكمة، والمصريون عندما هجروا الصمت في يناير 2011 انطلق الربيع من ميدان التحرير بعد أنْ تنفس تونسيــًـا.
خالد أبو النجا يملك حِسّا فنيا سينمائيا، لذا التقطه داود عبد السيد ويسري نصرالله وغيرهما، ومزح قائلا إن هناك فارقا بين مصر الجديدة الحي القاهري و .. مصر الجديدة بمعناها السياسي.
تنبأ في حديث مع نفس المذيعة في مهرجان ( كان ) في مايو 2010 بثورة يناير.
تحمّل طوال عام كامل حملة ظالمة إعلامية ومغرضة لمواقفه السياسية الصريحة والجريئة، فالإعلام هو سلاح السلطة تُغري به أو..  تبطش!
كان حوارًا ذكيا ومبهجا وفيه الأنا خفيفة ومشوبة بالحياء، والوطن أكبر منذ أن غادر مصر فرأى أرضَ الكنانة من الخارج، وزاد عشقه لها.
طبيعيٌ في تمثيله فكأنه ينقل المشهد الحقيقي على الشاشة كما فعل في ( هليوبوليس) وفي ( شقة مصر الجديدة).
تحية للفنان القدير خالد أبو النجا، وتمنياتي له بالمزيد من الأعمال المبدعة سواء في الاستديو أو في الشارع مع الشباب المتمرد.
الفنان الشجاع مكسب للفن وللجماهير، فإذا التصق بالقصر أو المنبر فقد بهت أخلاقيــًــا حتى لو سطع شعبيا!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو 9 يناير 2019



  

03‏/01‏/2019

أيامي في المستشفى .. وماذا عن الآخرين؟

أيامي في المستشفى .. وماذا عن الآخرين؟ ( بعد عشر سنوات )

أوسلو في 16 يوليو 2009

أولويات حقوق الانسان تختلف من شخص إلى آخر، والاختلافات تنسحب على الشعوب، والحكومات، والأجناس، والجماعات، والطوائف، والمناطق الجغرافية، والأزمنة التاريخية، وغيرها ..

لو أنني أمسكت ورقة وقلما الآن لأضع الأولويات فلا ريب أنني سأعيد ترتيبها مرات كثيرة وفقا لرؤيتي الآنية، أو حالتي النفسية، أو الانفعالات الداخلية، أو الظروف الخارجية، أو الضغوطات الذاتية التي يتعرض لها العقل والنفس والعواطف، وفي هذه الحالة قد يتراجع العقل إلى الخلف قليلا، وربما تتقدم العاطفة حاملة منطقا أحسب حينئذ أنه الحق، وربما أضع ترتيبات لا يوافق على أكثرها أكثر الناس ولو عدلت، أو زعمت أنني عادل!

لو طرحت السؤالَ على قبيلة في تشاد فسيُجمع كل أفرادها على أن الأولوية للماء الصالح للشرب، وإذا طرحت السؤالَ على رجل أعمال يملك عدة فنادق في شرم الشيخ فسيردّ على الفور بأن حرية انتقال رؤوس الأموال والاعفاء من الضرائب لعشر سنوات لهما الأولوية، وإذا سمعك عضو في جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلن يتواني في التمسك بأهم الثوابت وهي اخفاء المرأة بقدر المستطاع عن الرجل ولو كانت داخل سبعين مترا من الصوف الثقيل الأسود!

سيقول لك رجل استخبارات عربي بأن أهمية الأمن تأتي في المقدمة ومنها احترام كل من تثقل كتفيه نجومٌ ودبابير وصقور ونسور، وستقول لك ربة الأسرة بأنها لا تكترث إلا باكتفاء أولادها ماديا حتى نهاية الشهر، وستختلف الردود مئات المرات وفقا لرؤية صاحب كل منها: من أهمية اللحية إلى الافراج عن المعتقلين الأبرياء، ومن صرف معاش الأرملة قبل الخامس من الشهر إلى مساهمة الدولة في القضاء على العنوسة، ومن الاشراف القضائي على الانتخابات إلى حرية نشر الكتب، ومن جواز سفر وعقد عمل في الخارج إلى محاكمة الضابط الذي مارس التعذيب، ومن المساواة بين طوائف ومذاهب وأديان المجتمع إلى علاج ابن أو أخ أو أخت أو والدة من مرض عضال.

كلما استطاع المجتمع احتضان أمنيات وأماني وآمال وطموحات وأحلام أفراد الشعب، اقترب من الخط الفاصل بين التقدم والتحضر .. وبين قيمة الانسان المكرَّم والمعزز و .. قيمته في عالم من القهر والقمع والمجاعة والفقر والبطالة والقسوة والغلظة والنفاق !
في ذهني ترتيب ما أنفك يتراقص صعودا وهبوطا، فيحل المركز الثاني مكان السابع، ويعود الثامن إلى الثالث، ويحتل العاشر مكان الخامس، لكن كرامة المرء في السجون والمعتقلات وأقسام الشرطة ومع الأمن والمحاكم العادلة والكلمة الحرة ظلت طوال سنوات إمساكي بالقلم تقف منتصبة في المقدمة، وجعلتني أخسر الأصدقاء، ويتجنبني الزملاء، ولا أستطيع السفر لست عشرة دولة عربية أغضبت كتاباتي أسياد قصورها، فانتقل الغضب فورا إلى أصحاب اليونيفورم الذين يقومون بزيارة المواطن قبيل صلاة الفجر!

الحرية لمعتقل الضمير والرأي، مسكن لائق لكل أسرة، طعام جيد لكل فم، مياه غير ملوثة، مساحة خضراء تتنفس فيها الروح لتمنح الجسد قوة جديدة، انتهاء آخر أميّ لا يستطيع أن يقرأ رسالة من الدولة أو يكتب خطابا لأمه، إدارة سليمة وذكية وشريفة تنهي عصر الموظفين المومياويين القساة، حرية دينية تجعل المواطن يتوجه إلى الله بارادة حرة وليس بعصا غليظة فوق ظهره، مساواة كاملة بين كل الأديان والطوائف والمذاهب، حرية الخروج من الوطن والدخول إليه ولو سبعين مرة في اليوم، معاش كريم لكل مُسِنّ، مستشفيات نظيفة، أطباء رحماء وممرضات لهن أجنحة ملائكة، أسعار مواد استهلاكية ضرورية لا تثقل كاهل الفقير، تذويب للفوارق بين الطبقات، رجال دين يعيشون العصر الحديث ويستخدمون عقولهم فينقلون المواطن إلى القرن الثاني والعشرين بدلا من اعادته إلى القرن السابع، وسائل اعلام تمارس المصداقية والشفافية والشرف والنزاهة، مشروع قومي ينهي كل قطعة بانجو وحشيش ومخدرات وهيروين مع علاج المدمنين الذين افترستهم وحشية مهربي وتجار السموم البيضاء، قضاء تام على العنوسة وانهاء آلام وأوجاع ملايين من أولياء الأمور في عالمنا العربي الذين تتحول دموع بناتهم إلى جمرات يتقلب الآباء والأمهات عليها، دواء لكل مريض، وطبيب يلهث إليك قبل أن تضع سماعة الهاتف فقيمتك الانسانية بين يديه، ضمان اجتماعي لكل من لا يستطيع أن يعول نفسه أو أسرته، ومئات .. بل آلاف من الأشياء التي يطاردني التفكير فيها عندما يأتيني الوطن، في يقظتي ومنامي، فأشعر أن الغربة ليست في الابتعاد عنه ولكن في حمله معي فلا أدري بعدها إن كنت أعيش هنا وأتنفس هناك، أم أنني خسرت الاثنين معا!

فجأة قفزتْ إلى الصدارة أولوية ما كان لها أن تتقدم صفوف المطالبات الوطنية لكرامة المواطن في عالمنا العربي لولا بضعة أيام قضيتها أوائل هذا الأسبوع في مستشفى ريكس هوسبيتالا بالعاصمة النرويجية أوسلو!
إنها العلاج المجاني والكريم والتام لكل مريض!

قلت لطبيبي الخاص ( لكل مواطن في النرويج طبيب ثابت يختاره بنفسه أو تختاره له الدولة ) بأنني أشعر بآلام في الرقبة ، وأن تورّما بدا ظاهرا في جانبيها. قام على الفور بعمل كشف مبدئي، وكانت يداه ترتعشان قليلا لأن ذهنه كان منشغلا باحتمال اصابتي بمرض السرطان.
اتصل على الفور بالمستشفى، وطلب كشفا عاجلا في القسم الجديد والمجهز بأحدث تقنيات الكشف ومعالجة الأورام السرطانية، ثم قام بعمل تحليل للدم لم يجد فيه شيئا يثير الاشتباه.
في الموعد المحدد تم الكشف الكامل فلم يعثروا على أي دليل، فعدت إليهم لتحليل جديد في خلايا الرقبة لعله يهديهم إلى معرفة المرض.

بعد شهرين من كل أنواع الكشف والتحليل، جاء موعدي مع طبيب جراح وهو الدكتور أولاف يتليند الذي استقبلني بحفاوة، وسألني عن مسقط رأسي، وبدأ يتحدث عن أن مكتشف كروية الأرض عالم ليبي كان يعيش في الاسكندرية.
قال لي بلهجة الخبير بأنه ليس هناك في جسدي أي أثر لمرض السرطان، وأن هذا تضخم في الغدة الدرقية مضت عليه سنوات دون أن أنتبه إليه، وأنه يفضل اجراء عمليه جراحية لاستئصاله، ولعلها تكون في نهاية الصيف، وسيجريها لي بنفسه.
طلبت منه أن يُعَجّل قدر المستطاع، فكتب في ملفي الصحي عن رغبتي في التعجيل بالجراحة.

بعد فترة قصيرة تسلمت ثلاثة خطابات من المستشفى: الأول بتحديد موعد العملية الجراحية، والثاني يسبقه وهو لعمل أشعة مقطعية لتسهيل الأمر على الطبيب الجراح، وبينهما موعد لبحث الحالة الصحية لي لتكون جاهزة قبل العملية تجنبا لأي خطأ في التخدير أو الحساسية أو ردود فعل الجسد غير المتوقعة حينما أرقد تحت مشرط الجراح!

في كل زيارة يكون هناك تحليل للدم، ويكون هناك جورنال، أي ملفي الصحي، كاملا على الكمبيوتر، فالدولة مؤسسات متكاملة ومتصلة ببعضها، ولعلك لن تكون بحاجة لشرح زيارة لطبيب أو عملية جراحية سابقة أو حساسية ضد دواء، فملفك الصحي مفتوح في دائرة الكترونية صغيرة لا يطلع عليه إلا الأطباء .
الطبيب المساعد قام في يوم بحث الحالة الصحية بكشف دقيق على أجهزة الجسم الذي سيكون بين ايديهم في خلال بضعة ايام: الأنف والأذن والحنجرة والجهاز التنفسي وتحليل الدم ونبضات القلب والضغط وأي دواء لمرض آخر قد يتصادم مع الجراحة، وشرح لي احتمالات الخطورة.

كان شابا عراقيا وسيما ومهذبا، وسألني بأي لغة أفضل الحديث معه! قلت باللغة النرويجية في وجود الممرضة السكرتيرة وبالعربية عندما نكون بمفردنا.
قال لي بأننا في العراق نقول للمريض بأن كل الأمور ستجري على ما يرام، وأن الأمر بسيط للغاية، ولن تكون هناك بإذن الله أي مضاعفات، أما هنا فلدي تعليمات من الادارة الطبية النرويجية أن نقول الحقيقة كاملة دون لف أو دوران ولو كانت صادمة، ثم أكمل شارحا لي الخطورة وهي خطأ من طبيب التخدير، أو نزيف داخلي غير متوقع، أو مكروه يحدث للحبال الصوتية بحكم اقتراب التضخم منها، ثم أردف قائلا: وهذا ليس ورما خبيثا أو حميدا، لكنها تغييرات حدثت في الغدة الدرقية جعلتها تتضخم إلى الداخل.

ثم قال لي بأن العملية ستجرى قبل موعدها بيوم واحد، والطبيب الجراح ماهر جدا وقام باجراء عمليات مشابهة مئات المرات، فلما سألت عن اسمه علمت بأنه جراح آخر غير الدكتور أولاف يتليند الذي ترك لدي انطباعا حسنا، وراحة نفسية.
سألت عن امكانية أن يجريها لي الدكتور أولاف يتليند، فقامت الممرضة بالاتصال به فورا قائلة بأن المريض يريدك أنت أن تجري العملية، فوافق على الفور شريطة تأجيلها يومين فقط!
في دقائق معدودة كان الموعد قد تغيّر، ورغبتي تحققت في اختيار الطبيب الجراح، وطاقم العملية تم تحديده مسبقا، ولم تبق غير أربعة أيام أستعد فيها نفسيا لفتح رقبتي، واستئصال ما يراه الطبيب الجراح ضروريا.
الرسالة تحتوي على كل التعليمات التي ينبغي لي تنفيذها قبل موعد اجراء الجراحة بنصف يوم، وأهمها الصيام عن الطعام والشراب قبل منتصف ليل اليوم الموعود، وفعلا كنت في المستشفى قبل السابعة من صباح الجمعة 10 يوليو.

هنا يصافحك كل من يقابلك للمرة الأولى حتى لو كانت ممرضة تعطيك مسكنات، أو مساعدا يرشدك إلى التعليمات ويضع أمامك ملابس نظيفة ومفتاحا لخزنة تضع فيها أشياءك الخاصة، أو ممرضة ستقود فراشك الوثير إلى غرفة طبيب التخدير.
صافحني طبيب التخدير، وبعدها بدقيقتين كنت بين أيدي ثمانية من ملائكة الرحمة: أربعة أطباء بمساعدة ممرضتين ومعهم طبيب التخدير وممرضة التخدير أيضا.
استغرقت العملية ساعتين ونصف تقريبا، ولما استيقظت كانت أمامي ممرضة سويدية تهنئني بنجاح الجراحة، ثم جاءت زميلة لها لتقود الفراش في ردهات المستشفى إلى غرفتي.

جاء الطبيب الجراح لتهنئتي، وقال لي بأنه رأي أهمية استئصال الجزء الأيسر والمتضخم جدا حتى يجنبني أي أدوية لاحقة إن قام باستئصال الجانبين، وكانت فرحتي غامرة لأن الحبال الصوتية سليمة.
الغرفة نظيفة وبها كل ما يحتاجه المريض، وعندما علمت الممرضة بأن الفراش لم يكن بالراحة المطلوبة، أسرعت على الفور وجاءت لي بفراش يعمل بالريموت كونترول، صعودا وهبوطا وتعديلا حتى تكتمل راحتي.
كان عالما جديدا أزعم أن من وضع الخطوط التفصيلية واللمسات الفنية للمستشفى لم يترك صغيرة أو كبيرة إلا وضعها في هذا المكان الذي لا تدري إن كان فندقا راقيا أم إعدادا نفسيا لشفاء المريض قبل أن تمسه يد الطبيب!

فجأة وأنا في قمة سعادتي هبط اكتئاب شديد كأنه جبل يثقل صدري، فتدفقت أحزان الدنيا كما يفعل الاعصار بكومة قش لو هبت عليها ريح خفيفة لبعثرتها في كل مكان!
وماذا عن الآخرين في عالمي العربي؟
ملايين يعتبرون عملية غسيل الكلى رفاهية وكأنك تعرض على جامع قمامة أن يشارك بيل جيتس قصره، ومستشفيات تعج بالصارخين ألما،ً وأطباء تتسع ابتسامة كل منهم وفقا لسعة جيبك، ومع ذلك فسيقول قائل بأن المستشفيات الخاصة في عالمنا العربي والاستثمارية تجد فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وهذا ليس صحيحا بالمرة.
العلاج يبدأ من هنا .. من الشعور بأنك ابن الوطن، وأن السلطة التي تحكمك خادمة لديك فتقوم بتوزيع ايرادات الدولة بعدالة تامة، وأن حاكما ينام ملء جفونه وأحد أبناء رعيته لا يجد ثمن دواء، ولا يستطيع اجراء عملية جراحية في القلب أو الرئتين أو الظهر أو العينين ، فليتبوأ هذا الحاكمُ مقعده من النار!

قضيت أيامي في المستشفى لا أعرف إن كنت فرحا بنجاح الجراحة أم تعيسا بالمقارنة مع أبناء قومي.
في الوطن العربي ثروات ونفط وممرات مائية وأراض زراعية وتصدير واحتياطي عملات أجنبية وتحويلات من الخارج ودعم مالي من الدول الأكثر ثراء ومليارات تدرها السياحة في الوقت الذي تهتز السماوات العلا بنحيب الملايين الذي يعتبرون أن ملك الموت أقرب إليهم من رفاهية العلاج.
خرجت من المستشفى ولم أدفع كرونة واحدة، فأنا دافع ضرائب يعيش منذ 32 عاماً في كنف دولة تتعهد لي حكومتها بالحفاظ على كرامتي، أمنا وحرية وسلامة وعلاجا وتعليما وتأمينا وضمانا اجتماعيا، فكل ايرادات الدولة عائدة للمواطن في أي صورة من الصور.
أتذكر يوم أن طلبت السيدة جرو هارلم برنتلاند رئيسة الوزراء من البرلمان النرويجي لأكثر من عشرين عاما خلت حارسا شخصيا لها، فقامت الدنيا ولم تقعد، وعاتبها أعضاء كثيرون في البرلمان لأنها تريد أن تتميز، فنحن دولة لا يحرس فيها أحد .. أحدا!
ثم كيف تتجرأ رئيسة الوزراء وتطلب حارسا سيكلف الدولة مبلغا سنويا، وانتهى النقاش لصالحها لأنها امرأة تحتاج في تنقلاتها إلى حارس واحد فقط لحمايتها من أي موقف حرج!
أيامي في المستشفى جعلتني أضع العلاج المجاني والكريم والتام في صدارة أولويات التقدم والتحضر والانسانية.
في عالمنا العربي تستفتي طبيبة شيخا عن حرمة توسعة فتحتي النقاب حتى ترى مريضها بوضوح، ومع ذلك ففي مستشفياتنا الحكومية لا تميز أحيانا قبل الجراحة بين المريض و .. خروف العيد، ولا تعرف الفارق بين المشرط وسكين الجزار، ونظافة فراشك تحددها الاكرامية، أما طهارة الحقنة فحدّث ولا حرج.
في مستشفياتنا الحكومية يجلس موظف أمام سجل مكتوب بخط اليد، ويطرح عليك عشرين سؤالا وأنت تنزف، ثم تسدد مبلغا استدنته من جارك أو صديقك أو سلفة من العمل فالموظف يعرف أن الداخل إلى مديرية الأمن أو المستشفى ينبغي أن يقوم بتوديع أهله، فالدخول هو نصف الطريق إلى الموت!

أيامي في المستشفى جعلتني لا أرى عدلا أو انسانية أو كرامة أو وطنية أو دينا أو صلاة أو رحمة إلا أن تكون مرتبطة بالعلاج المجاني حتى لو كانت جراحة عاجلة تكلف الدولة نصف ما ينفقه أحد أثريائها على تجهيز حمام السباحة المودرن الخاص داخل فيلته!
لو أرسل الله نبيا الآن وشاهد فاجعة المرضى والمتألمين والموجوعين لكانت أولى أوامر العلي القدير العلاج .. العلاج .. العلاج فهو الشرط الوحيد للعبادة الصحيحة، والدولة التي لا تعالج أبناءها، حكامُها بعيدون عن الله ولو صلوا وصاموا.
تذكرت وأنا صغير جارتي التي كان يصلني صراخها طوال الليل، وآلام قلبها لو تم توزيعها على سكان مدينة لأوجعتهم جميعا، وبعد عشر سنوات من صراخ مستمر انتقلت إلى المستشفى، ثم لم يمر وقت طويل حتى استراحت إلى الأبد في سن السادسة والعشرين فالموت كان أقصى أمانيها كما هو اليوم يمثل رفاهية في التمنيات لدى ملايين من أبناء عالمي العربي الممتد من الماء .. إلى الماء!

الادارة السليمة والذكية والشريفة والمخلصة تستطيع ولو بموارد محدودة من وضع خطة قومية عاجلة يكون فيها الملف الصحي لكل مواطن مُخزّنا في جهاز كمبيوتر، وتستقطع السلطة من الميزانية العامة والتبرعات أموالا لا يقترب منها أحد، وتبني مستشفيات ، ومصانع للدواء، وشركات لاستيراد ما تعجز عن توفيره، وتكون، كما في النرويج، زيارة الطبيب لأي طفل تحت سن 12 عاما مجانا، أما العمليات الجراحية فكلها عاجلة، وأي يوم يمر يصرخ فيه مواطن رافعا يده إلى السماء فكل صرخة تنتقص من شرعية السلطة الحاكمة.

ليس لي فضل في أنني التقيت بملائكة الرحمة خلال أيامي في المستشفى، ولكنها المصادفة فقد كان من الممكن أن أكون مريضا ينزف حتى الموت في بلد عربي لأن الطبيب المسؤول عن وردية الليل لم يأت بعد، أو أن غرفة الدواء ليس بها حقن للتخدير، أو أنني لم أتمكن من توفير المبلغ المطلوب في ساعة متأخرة من الليل، أو أنني في قرية لا تعرف الحكومة موقعها على الخريطة، أو أن بعض أعضاء جسدي قاموا بسرقتها تحت التخدير!

خلال أيامي في المستشفى كانت كل ممرضة كأنها طبيب ماهر، وتستطيع أن تجيب على كل الأسئلة أو تعتذر بلطف حتى يأتي الطبيب.
لن أتحدث عن النظافة، والتجهيزات في الغرفة وخارجها، وكانت كل ممرضة تتسلم ورديتها تأتي لتصافح باليد، وتؤكد لك أنها رهن اشارتك خلال الساعات السبع القادمة، فتظن أنك واحد من المميزين، لكن الحقيقة أن كل مواطن يمثل حالة من التمييز، فالدولة كلها، وليس فقط الطبيب أو الممرضة، رهن اشارتك، وتلك هي لعمري المواطنة التي بحثت عنها في عالمي العربي فأعياني البحث.
العلاج المجاني يحتاج لقدر من الانسانية، وقناعة المواطن أنه حق له، وإيمان السلطة أنه واجب عليها.

أيامي في المستشفى قلبت أولوياتي في ترتيب قائمة حقوق الانسان، فأضحيت على يقين من أن تخفيف آلام البشر، وتوفير سبل العلاج المجاني، واعتبار كل من يحتاج لعملية جراحية على وشك الدخول إلى غرفة العمليات حتى لو أنفقت الدولة من ميزانية كل المؤسسات الأخرى.
التقدم والتحضر والانسانية والتمدن تبدأ كلها من هنا .. من حيث يستقبلك طاقم طبي كامل كأنهم يعملون لديك، وتشعر بأنك صاحب الأرض والبلد، وأن الحكومة خادمة تحت قدميك، وأن العلاج المجاني لكل مواطن ليس مِنّة أو فضلا أو مكرمة من السيد، لكنه حق لك كالماء والهواء.

لا أريد أن اسهب في الحديث خشية أن يصيبني جنون فأدعو إلى عقد مؤتمر قمة عربي لجعل العلاج المجاني حقا لكل مواطن إن أخلت أو نكثت به حكومة فقد انتهت شرعيتها الحاكمة.
أيها المرضى والموجوعون والمتألمون جهرا أو صمتا،
كنت معكم خلال أيامي في المستشفى، ولازلت أفكر فيكم ولم أفك الخياطة في رقبتي بعد، كأنني أراكم جميعا رؤي العين، وقد أضفتم إلى قلمي جمرات جديدة من الغضب على كل من كان باستطاعته تخفيف آلامكم ولم يفعل. 


محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو النرويج ..  يوليو 2009


A dialogue between an Arab leader and a donkey


أرشيفي يُنعش ذاكرتي!
من كتاب ( معاركي ضد الطغاة والمتطرفين)
A dialogue between an Arab leader and a donkey
Oslo, 25 June 2005
Gaining access to the palace court is an adventure that involves stepping into another world, and if the intruding visitor is a donkey, then the chance that he’ll find himself even near to any of the streets leading to the palace is very slim. Our donkey therefore decided to wait for the head of state in his home, and did indeed manage to infiltrate the inner sanctum without raising the suspicion of any security guards. He let himself into the leader’s office and awaited his auspicious return.
It was approaching eleven o’clock at night when, after dinner and watching the evening news on the television, the leader entered his office, carrying a pile of newspapers, reports and assorted papers. He was greatly surprised, but before he could raise his voice to call for his bodyguards to remove the animal from his office, the ass looked at him meekly and spoke to him with the humility that the leader was used to seeing in the eyes of those who surround him.
The donkey: Sir, would you please be so kind as to listen to me before your private guard ejects me? I have an interesting proposal that benefits us all regardless of our political persuasion.
Calm began to return to the leader, who sat down on a comfortable chair after firmly closing the office door.
The leader: Speak then, but I don’t really have time for this. Tell me what you have for me, although I very much doubt that a donkey like you could have a proposal that would be of the slightest interest to me.
The donkey: I want to work with you as your special advisor, a role in which I would far excel all your other advisors and office managers, past and present.
The leader: Ha, ha! So he’s not just a donkey, but a crazy, idiotic one too! Why on earth would I replace the men that I have moulded with my bare hands from the very abyss of slavery? OK, so not a single one of them can push a single piece of paper around my office without needing to go and have a rest down in the café with the pensioners, where he sits ruminating about how pleased I am with him. But I have my men from the palace in every nook and cranny, from the editor-in-chief of the major state newspapers, to the deputies of most ministries, and they’re a darn sight more obedient than I imagine you are. I also expect they’re more able than you to withstand my constant abuse of them. They delight in their humiliation, arching their backs as they trot along behind me, begging me for forgiveness and longing for a nod and maybe a half a smile from me, if only one of disdain.
The donkey: But, Mr. Leader, they’ll be up there in the ranks of the first movement to successfully overthrow you; they'll sell you to the highest bidder. They’ll spit on your hands if the new leader tells them to. But me, I will do no more than obey the whip and endure in silence the pain and my starving belly.

The leader: I do not deny that you have qualities which fully meet the requirements for those who serve me, but the palace advisers have become a focus of power, and sometimes even I barely know what they’re up to - I'm happy with this. They are suitably obsequious and they protect me, so I tyrannise them and protect them in turn. I have to play a delicate balancing act of tyrant, autocrat, dictator and life-long ruler.

At this point, the donkey’s eyes revealed a look of grief and sorrow, and for the first time the leader’s heart softened towards this creature silently beseeching him. 

The leader: Would you agree to be minister of agriculture, irrigation and water resources?

The donkey: I’m sorry, dear Sir, but I can’t compete with your man in the ministry. He’s your shadow in the government, and no matter how your tongue abuses him, he is always there for you, to eat for you, drink for you, and take poison for you. You’ve kept him at your side because he’s more obedient and tolerant than I could ever be.

The leader: What would you say to chairman of the board of our national airline? There you’ve got opportunities galore for theft and looting, not to mention the hefty commissions you can take on aircraft purchases. The coffers are open and there are plenty of hidden stashes the auditors don’t know about.

The donkey: It is true that a position like that doesn’t really require any particular skills or qualities, but surely if I could do it, then so could any of your family or one of your advisors and assistants? Won’t they all be after their slice of the national airline cake? After all, the budget is in the hundreds of millions and just one commission is enough to live a life of eternal luxury. But anyway - personally, as a donkey, I believe that I would be best suited to a higher position than this. I want to be closer to the second in command of the state. But don’t worry, Mr. Leader, I am ambitious and would aim for an even higher position, eventually.

The leader: But you can’t be an Arab head of state! Not even if the U.S. intelligence services installed you in the palace by force.

The donkey: But this is downright injustice and discrimination! It’s nothing more than sheer ignorance of the nature of the difference between me and the holder of the highest office of the state.
An Arab leader, generally speaking, in all but a rare few exceptional cases, does not read, and if he does read then he doesn’t understand what he’s reading. He is less intelligent than most of those around him, and what he manages to do in a month I can do in less than a day.
An Arab leader does not need to think; there are those who think for him. He does not even write his own speeches, and if he does have to speak on television, the montage editing always manages to turn his incoherent nonsense into ingenious eloquence, his vacuous silence into ponderous meditation, and his idiotic waffling is transformed conveniently into the witty banter of an unassuming leader.

The leader: But no one can be a philosopher, a novelist, an awe-inspiring leader and a matchless military mind. As for me, though, I can speak on any topic and engage in discussion of matters of which I have not the slightest smattering of knowledge. I boldly wade in and fashion my argument into an intellectual revolution the like of which has never before been seen on earth!

The donkey: You mean, Mr. Leader, that if I took office and met with the senior analysts, journalists, financiers, businessmen and security advisors, that they wouldn’t fall over themselves to admire my intelligence?

The leader: I did not say that, and you are certainly free to stand for election as you are, in your capacity as a donkey. I’m sure you'll find crowds holding your picture aloft and you’ll be amazed by the wonderful, gushing editorial piece in the state newspaper by the editor himself. It’ll bring a tear to your eye to read him waxing lyrical about how we have waited too long for such a just and wise ruler as this donkey, who we should stand behind for the sake of our children's future and independence of our homeland.

The donkey: You could make me Secretary General of the ruling national party? You’ll always find me at your disposal, ready to swallow your insults and take your endless blows to the back of the head day and night!

The leader: I’m afraid this position is always reserved for the most obedient of all my servants. He must be superlative in every way: the cruellest towards my opponents, the deftest when it comes to fraud, the basest with respect to morals, and the weakest in terms of conscience.

The donkey: I would be perfect, though, at manipulating the media. I’d appoint the requisite idiots in television and turn a blind eye to all forms of corruption. I’d fill our TV screens with all kinds of intellectually, culturally and linguistically backward nonsense and collaborate with the sycophants and hypocrites in the press. And, of course, I wouldn’t forget to guarantee the prerequisite incompetency in the Arabic language for any new recruits.
The leader: My dear donkey, I am sorry, but this is not something to be messed with. This is a huge polishing machine working constantly to spruce up the leader’s appearance: the minute I look a little pale or people seem to have forgotten about me for an hour or so, the mass machine kicks into action. The media needs to remind our citizens that their sovereign leader is there to obey.
Did you know that on the television in another Arab state, any viewer, when he calls up to request a song, always dedicates the first song of the programme to their dear leader, before they get on with the real dedications to their parents and loved ones and friends? My one stipulation for this post is that whoever occupies it is both intelligent and stupid at the same time.
The media in our country is the first line of defence of our tyranny. It’s our key means of exercising political prostitution and of protecting the palace from anyone attempting to surround the radio and television centre and announce their victory.
The donkey: How about you make me the speech writer, then, for your official and national engagements?
The leader: I do not deny that any ass can write a speech for a leader to give, which the next morning the state paper headlines will turn into something from the philosophical womb of Spinoza, the political genius of Churchill and the rhetoric of the poet Mustafa Sadeeq al-Rafe’ie. But my speech writer knows my mind inside out, he can read my thoughts before my tongue has even attempted to articulate them, and he closely follows the emotional response in the naïve hearts and minds of the people. He manages to tiptoe around reason and logic, history and truth, while somehow making my speeches sound like a veritable encyclopaedia of factual morsels.
But what if I recruited you as a scriptwriter for TV drama? Generally speaking, with the exception of a few rare gems, it’s a profession that any old donkey can master who wants to reach out to the hearts of fools. Those mulish screenwriters don’t half bray about having to watch the rubbish, though, regardless of how popular they are!
The donkey: Mr. Leader, it seems that you care little for my competencies and my superior abilities. I am looking for a much more significant position in which I can dedicate myself to consolidating the infrastructure for your continued dominion over the necks of your subjects. The Director of Public Security would be a more appropriate role for me!

The leader: This position in particular is entirely unsuitable for you. You may be silent as you carry out my orders to the letter, but your good, gentle heart will not be able to endure the reports piling up daily on your desk before you refer them on to me, whether it’s torture in prisons and detention centres, or the abuse, rape and bitter humiliation of citizens. Since I took power, I have read things that would shake the seven heavens. It would make a grown man weep to learn of the behaviour of the men responsible for my security and protection, but still, it hasn’t moved me to a shred of pity or mercy, not even for those condemned to ceaseless torture, whether it’s members of the opposition, rioters, or just scapegoats. It’s all part of teaching my subjects to submit themselves to the principles of slavery, serfdom, subservience and fear of me.

How could I replace the security chief of my land with an ass like you, who might one day feel pity for a citizen, or request that the torturers soften their approach or respond to the most basic humanitarian needs and requirements?
I am looking for sadism in its deepest, most brutal and savage forms. And you, my dear donkey, would not last in this position for any longer than a month or two.
The donkey: This, too, is a gross injustice, Mr. Leader. I am confident in my ability to serve your interests to the exclusion of those around you. Give me a military rank and enough medals to weigh down my shoulders, and you’ll hear nothing but fighting talk from me, harping on about our wars and victories. I’ll promise Israel, America and the whole world that all hell will break lose over our national territory if any one of those hostile forces dares to approach our pure, blessed land.

The leader: Who says we don’t already have plenty of men at the highest rank, who can draw up military plans for an occupation of Russia, America and China in two weeks if I asked them to?

The donkey: Alright, then, why not take me on as the author of one of the editorial columns that fill the official newspapers that the state fritters away all that money on? You know, the ones the auditors can’t get anywhere near, which make losses in the millions, and which no one reads, not even the half-illiterate.

The leader: Well, I may think seriously about appointing you as the editor-in-chief of the paper that is so close to my way of thinking that it could almost be issued by our very own Palace media office. Our subjects despise it, but it does the trick of polishing me up for their admiration and reminding them who’s the boss. This kind of writer needs to be slightly less intelligent than the readers, and the words he churns out need to err on the side of unintelligibility. In between every three or four paragraphs there should be snippets of my wise decrees.

And you will have great privileges: the ministers will want to get close to you, and senior figures will invite you to their children’s weddings, where the hot food is brought in by private jet from Maxim’s of Paris. The American ambassador will pop in to see you and explore routes for improving bilateral relations between the two countries.
You could even set up a workshop for young writers and journalists, and buy up the poor things’ intellectual property, adding your name and your signature at the end like a real writer. Why  not have a little profile picture at the top of the articles where it looks like you’re really thinking deeply?
The donkey: Hmmm… What about making me the heir to the throne and to your rule and your wisdom? I guarantee that your subjects will never impeach you! I’ll bury the history of the crimes and abuses carried out by your family and all your men.

The leader: Do you think that this position you’ve dreamed of for so long would ever go to someone outside of my venerable family? We share the spoils of the state just as the thieves share Ali Baba’s cave. Any one of us is free to plunder a bank to the very last penny and can get into cahoots with any businessman without a single word being uttered.

Would you believe, my dear donkey, that the brother of one of my friends, one of the other Arab leaders, gets a 51% share in all the major commercial ventures going on in his country, even if a project doesn’t go ahead!
And would you believe this? There was an immigrant who spent a quarter of a century living in Canada and then returned to his Arab homeland to live out the rest of his life. So he invests heavily in a wonderful project, and then, just before getting the final approval after three years of fatigue and exhaustion and bureaucracy, out of the blue he gets a telephone call from none other than the son of the head of state, in person, in the flesh, demanding a fifty per cent share in return for the final approval!
Even if you could guarantee for the next fifty years not to bring up my history, or my abuses and crimes against my people, I cannot imagine a single day when this country will be ruled by a leader with a surname of any other than that of my honourable family.
The donkey: This means that the only option remaining to me is to establish what appears on the surface to be an opposition movement, but which collaborates secretly with your regime. It will give the impression in public of being opposed to you, thereby earning the legitimacy of a plurality of opinions and doctrines. Meanwhile, through the presence of an opposition force, the regime gains popular legitimacy across the Arab world and internationally.
The leader: I don’t think that our people will fall for that game. And I doubt that your donkey attributes would apply to this job; you need deceit, cunning, and patience. Like a double agent, you need to play equally against two opponents.
The donkey: But I can’t leave the palace now without you appointing me to some important post or other!  I can’t go back to my family and friends among the donkeys and tell them that I failed to convince you.
I am willing to accept a key cultural position, overseeing the censorship of the film industry, publishing, television and the press. I’ll wander around book fairs after banning dozens of books on the grounds of threats to the regime, putting arbitrary red lines all over everything in any way associated with culture, printing and publishing, without any reasonable explanation. I’ll delight in torturing publishers who while away weeks on end waiting for my approval to release books that have already been printed and packaged ready for shipping at the publisher’s expense.

Culture in our country has nothing to do with the knowledge, reason or logic. And so, it appears that the leader decided to appoint the donkey to one of the most important state posts for which most people would presume that intelligence is the only prerequisite. But the great leader knew full well that no one in the state would dare to point at the owner of this high office and mention the fact that he’s a donkey.
So the cogs of the state printing presses turned, preparing to disseminate this breaking news, to drop the bombshell. People’s expectations would be high after hearing that a donkey had been appointed to this esteemed and sensitive role with all the sovereignty it commands over the welfare of the country and the future of its children.
 Mohammad Abdelmaguid
Taeralshmal
Journalist
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...