26‏/01‏/2018

تبرئة إبليس بشهادة الجماهير!

 تبرئة إبليس بشهادة الجماهير!

الخوف هو الأغنية الحزينة التي تسري في النفس فتُحرّك فيها المازوخية الذاتية لتمنح الشخصَ بَعْدها سلاما زائفا؛ لكنه يجعل القدرة على غضّ البصر عن جرائم الطغاة حالة جماهيرية لا يستطيع أحد أن ينظر طويلا في عيون الآخرين، فكلهم خائفون.
الخوف يملك قدرة عجيبة على استدعاء الدين والسياسة والمال والمستقبل والعائلة ليتوسع ويتعمق فيسمع من في أقصى الوطن نبضات قلب ابن بلده ولو كان في الطرف الآخر من الكرة الأرضية مهاجرا أو هاربا أو لاجئا أو متخفيا.
الخوف يُصنَع في القبح والجمال، في الزنزانة والشارع، في الكراهية والحب؛ فكانت قدرة أدولف هتلر في الترهيب تصل أقصاها وهو يستمتع بموسيقىَ فاجنر، وكان جوزيف ستالين يلجأ إلى الصمت ليستمد منه القوة على الترهيب حتى لو قيل بأنه كان يخشى أن تَظهر لهجته الجورجية في موسكو.
الصرامة والسخرية وجهان لعُملة واحدة قد تخدم العبودية الطوعية أو تُحررها، قد تُضعف الطاغية أو تزيده قوة، فشائعة أو حقيقة طهي الديكتاتور جان بيدل بوكاسا لتلاميذ مدرسة ثانوية والتهام لحومهم آتت أكُلـَها ضعفين فكان المواطن يبتلع لسانه قبل أن يبتلعه الطاغية، فصرامة المستبد الذي منحه بابا الفاتيكان بركاته فأعادها أحجارًا كريمة للرئيسس الفرنسي جيسكار ديستان كانت كافية لتستقر في قلب المواطن إثر الشائعة/الحقيقة.
أما السخرية فقادرة على تغييب الجماهير في جلسة كيف سياسية كما كان يفعل طلاب الجامعات في ألمانيا الشرقية إبان حُكم فريدريش هونيكر، فانطلقتْ في السماء الاشتراكية كل صور النُكت التي تسخر من الزعيم الألماني الشرقي، وانفتحت سجون جديدة، واختفىَ معارضون ساخرون في أقبيتها.
نفس الأمر حدث مع العقيد مُعمر القذافي فأربعة عقود كانت كافية لوضع موسوعة التهكم عليه، فالرجل كان حالة من التهريج الساذج والمُغطىَ بطبقة سميكة من القسوة بدت واضحة في سجن أبو سليم وحادث الطائرة المنكوبة فوق لوكيربي وقتل الضابطة البريطانية برصاصة خرجت من السفارة الليبية في لندن وأيضا تفجيرات الجيش الجمهوري الايرلندي و .. ومئات غيرها من البهلوانيات حتى في اجتماعات قادة العالم، فكانت السخرية متبادَلة ودفع الشعب الثمن.
والخوف قد يأتي مرتديا اليونيفورم العسكري أو الشرطي، وهذا لا يحتاج لهراوة كما قال لي ضابط شرطة في قسم شرطة مصراتة بليبيا ( سبتمبر 1970 ) وهو يشير إلى الحائط: هل تعرف ماذا يمكنني أن أفعل بهذه الهراوة؟
اليونيفورم يحمل أيضا وجهين: الأول يظهر في ساحة القتال في الدفاع عن الوطن، والثاني في الانقلابات العسكرية المتناوبة بين جنرال وآخر، بين معسكر وقصر، ومجرد لمعانه ونسوره ونجومه  فوق الكتفين يكفي أن يبلل سروال فارس يزعم الشجاعة وقلبه مصنوع في جحر الفئران.
الخوف حالة قد تستدعيها حماية الأسرة والزوجة والأولاد، وهنا يصبح المشيُ بجانب الحائط صلاة يومية قـِـبـْـلتها القصر، لا السماء؛ خاصة إذا كان المواطن هو العائل الوحيد لأسرته.
الخوف الأكبر في تزوير تعاليم الدين، وتلك لعمري المنطقة التي يصول ويجول ويعيث ويرتع فيها الشيطان، منذ نزول أول رسالة سماوية وعلى مدار قرون، فيأتي من يرهب باسم السماء أو يوزع صكوك الغفران للخطــّـائين حتى لو كانوا أبرياء، فالكنيسة تقوم بتوزيعها في كرسي الاعتراف وكانت سبب الحشود الهائلة من الصليبيين التي قطعت أوروبا متوجهة إلى الأرض المقدسة لليهود والمسيحيين والمسلمين، وفي كل عصر يتم استبدال الضحية.
وكانت مفاتيح الجنة متدلية في رقاب الإيرانيين وهم يتدافعون في الحرب مع العراق، واختلطت تعاليم الخوميني مع نظيرتها في أدبيات ميشيل عفلق وقسوة المهيب صدّام حسين فاحتفل دود الأرض بوليمة من مسلمين سنة وشيعة تكفيه ليوم القيامة.
والخوف ينفجر على الوجوه الذكية والحمقاء وهي تتوجه لصناديق الاقتراع ولا تسأل نفسها إنْ كان المرشَح نبيا أو حمارًا، عالما أم جاهلا، قارئا أو أميــّــًـا، فقدرة مهرجي الإعلام تتلقى توجيهات القصر، فترسم ذيلا لمرشَحٍ وتضع تاجـًـا فوق رأس مرشح آخر، فتــُـقاد الجماهير الجاموسية بعد تعصيب عيونها لتدور الساقية في كشف حساب مزور لوطن مغيّب.
أحترم الجبان الذي يعترف بجُبنه، وأن بين أضلعه عِظامـًـا هشــّـة؛ إذا هشّ عليها خيالُ الحاكم أوقفت القلبَ وجمّدت العروق و.. شلّتْ الفكر.
في كل الكتب المقدسة إذا عجز الشيطان عن تخويف الجماهير من الحاكم؛ استخرج من أسمىَ وأعظم وأجمل آيات الخضوع لله، فحوّلها إلى عبادة سيد القصر، وتلك مهمة رجال الدين .. أقصد شياطين الاستبداد في كل عصر.
كما تنتقل النار في الهشيم بسرعة البرق، فالخوف أسرع منها، وتماسيح النيل التي أكلت جسد وزير المالية الأوغندي بأوامر من الديكتاتور المهرج الملاكم عيدي أمين دادا أعطت درســًـا لشعب بكل طوائفه أن مزاح الذئب لا يعني أنه قد أصبح حملا أو شاة تتهادىَ في شوارع كمبالا.
الخوف في الانتخابات يجعل المواطن يقرأ كل الأسماء اسمــًـا واحدًا، ويضع علامة ( لا ) فتتحول بقدرة قادر إلى ( نعم)، فقد شاهد المسكين مئات من برامج الحشّاشين على الشاشة الصغيرة، وكل تبرير الفشل والتراجع والغباء والحماقة والسفاهة والبلاهة والبلادة .. تصف اللغة السقيمة كأنها جواهر المتنبي.
أحيانا أنتظر أن يذهب إبليس إلى رب العزة ويطلب إعفاءه من التحدي، فمهمة إغواء الإنسان يمكن أن يقوم بها طفل بليد من أطفال الشيطان.
الخوف له مواسم، فيتعاظم فوق المنبر أو في القصر أو الثكنة العسكرية أو في البرلمان أو في المعتقل أو في قسم الشرطة أو في أمن الدولة، وأحيانا يُترَك الإنسان أو المواطن ليختار خوفه بنفسه تماما كما كان الإنسان البدائي في الغابات، فيخيفه حيوان و.. يستأنس بحيوان آخر.
أنا أخاف؛ إذن فأنا أعيش!
تلك هي فلسفة أبناء آدم، إلا القليل منهم، وبين ألفينة والأخرى سمع صدىَ طبل أجوف؛ فأرهف السمع فإذا هي خفقان قلوب الخائفين تتسرب من برامج التوك شو، أو على صفحات صحف جبلاية القرود.
ينجح الغضب والطُهْر والعفاف والفروسية لدى جماهير تألمت كثيرًا، ثم تضع نجاحها وعبقريتها وثوريتها فوق طبق من الفضة، وتذهب إلى القصر لتبلغ السيد أنها آسفة لأنها أسفت بغضبها عليه.
الخوف أقوىَ من الإيمان ومن تعاليم الأنبياء وفروسية بعض النبلاء، فما يزال نباحُ الكلاب أعلىَ من صهيل الخيول.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 26 يناير 2018
Taeralshmal@gmail.com


25‏/01‏/2018

هؤلاء أحببتهم.. والتقيت بعضـــَـهم!

* الشيخ محمد الغزالي حضرت له محاضرة في جامعة الإسكندرية عام 1968 عن القرآن والفضاء بالاشتراك مع الدكتور محمد جمال الدين الفندي، وذهبت إليه في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في القاهرة. وكان اللقاء رائعا. وأفصح لي وقتها أنه قام بتهريب كتاب ( الإسلام في وجه الزحف الأحمر، وأرسله إلى مطبعة في الكويت). قال لي: هل تعرف من أنا؟ أنا كرسي يجلس على كرسي، أنا مراقــِـب عام الدعوة بوزارة الأوقاف و .. مراقــَــب!
* المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي، والذي تأثرت كثيرا بكتاباته، خاصة ( الصراع الفكري في البلاد المستعمَــرة ) توفي في أكتوبر 1973 وكنت وقتها في النمسا. لم أقابله.
 * شارلي شابلن.. أحببت كل أعماله. قررت عدة مرات أن أسافر لعلي ألتقي به حينما كنت أقيم في جنيف ولم يكن بعيدًا.كان من المستحيل فقد بلغ الثامنة والثمانين من العُمر. غادرت سويسرا إلى النرويج في نفس عام وفاته1977. لم يسعدني الحظ بلقائه. هو القائل: يوم بدون سخرية، هو يوم ضائع من حياة المرء.

* المفكر والمغامر والصحفي النمساوي محمد أسد( ليوبولد فايس سابقا) صاحب كتاب الطريق إلى مكة. تأثرت جدا بكتاباته عن القلم والمغامرة. عن نظافة الماء الجاري، أي أن المغامرة هي الطريق الأقصر للفكر المستقيم. ساهم محمد أسد في وضع دستور باكستان عام 1947. كنت في مؤتمر المساجد العالمي بمكة المكرمة وقيل لي بأن محمد أسد ضمن الضيوف. ولم يأتِ. توفي في عام 1992، ولم أتشرف بلقائه.
* محمد حسنين هيكل. استقبلني في عيد الثورة الأربعين، 23 يوليو 1992 في مكتبه بالقاهرة. قضيت معه ساعة كاملة في لقاء كان المقرر له خمس دقائق فقط. سألته عن الحملة الصحفية التي يقودها جلال كشك وكثيرون ضده. قال لي: كل هذا بأوامر شخصية من الرئيس حسني مبارك. في نهاية اللقاء اصطحبني إلى الباب، فالمصعد. وضغط على الزر، وفتح لي الباب، وودعني وداعــًــا جميلا، ودافئــًــا وودودًا.
* نيلسون مانديلا. قابلته في 25 أغسطس 1990 في مؤتمر الكراهية بأوسلو. سألته: هل تعرف أن العرب يحبونك؟ قال: أعرف ذلك. قلت: هل أنت على استعداد للسفر لبغداد لاقناع صدام حسين بالانسحاب من الكويت، فأبدىَ حماسا شديدا. نشرت صحيفة الشرق القطرية حديثه معي كاملا. كان المناضل الأفريقي كتلة من التواضع. كان نبيا بغير رسالة سماوية. خفيض الصوت ذا ملامح سماوية سمراء، إذا اقتربت منه؛ تأكدت أن المسيح، عليه السلام، كان أسمر البشرة أيضا.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
 أوسلو النرويج

23‏/01‏/2018

كلنا في الانتخابات أصفار!


كثير من الشعوب تفضل أن تكون أصفارًا متراصة أو مركبة عن اليسار، ففي هذه الحالة تأمن شرَّ السلطة، ولا تشاهد أنياب الأسياد، وتضمن المرور بأمان أمام قسم الشرطة.
عرفت كثيرين اختاروا التقزيم والتحجيم والتصغير لئلا يراهم الزعيم من شرفة قصره، ثم جاء الإعلام ليعملق الصفر ويجعله الرقم الأكبر؛ فالجماهير هي التي تتسيد، وتحكم، وتحاكم، وتؤمن، وتزاوج الدين والسياسة ليتحولا إلى لعبة الثلاث ورقات.
الزعيم لا يحتاج طوال الوقت إلى الهراوة أو العصا أو السوط؛ فالجماهير تحتفظ بها تحت سروالها لتخيف نفسها، لا لتدافع عن حقوقها.
إذا تحالف القضاء والإعلام والسلطة التشريعية ورجال الدين فإن إبليس يرفع قبعته من فوق قرنيه مهنئا على (لأغوينهم أجمعين)، فيجلس واضعا ساق فوق ساق فقد تبرعت الجماهير بالإرشاد عن المساق.
إذا أقنعتَ الجمهورَ أنه ليس حمارًا فقد وقعتَ في مأزق لا قـِـبَل لك به؛ فالجماهير ستحتج، وتتبرم، وتغضب لأنك أهنتها في أسفارها التي تحملها راغبة فيها و.. ليس عنها.
في ذروة الحملات الانتخابية في العالم الثالث يتقلص حجم المخ، ويتراجع العقل، ويضمر الفكر فالبقاء للسان والبطن و .. قِرَدة الإعلام.
أنت لا تحتاج للتزوير والغش والتزييف لتحصل على نتائج خطط لها إبليسُك؛ فيكفي أن تمسك كتابك المقدس وترهب به المقترعين فيرقص الصندوقُ فرحــًــا بالنتيجة قبل ظهورها بوقت طويل.
قبيل التوجه للجان الاقتراع أو الاستفتاء سيدهشك أنَّ الأخبار التلفزيونية والصحف والمانشيتات واليافطات كلها، تقريبــًــا، معجونة بلعاب الشيطان، ومع ذلك فأكثر الإعلاميين تزداد حساباتهم في المصارف، ويصبح الحرامُ حلالًا، ويرفع المرتشون شعاراتِ حب وغزل وعشق في وطن تركوه خلف ظهورهم أو تحت أحذيتهم.
قبيل حملات الانتخابات يلتصق كفُّ السلطة بقفا المواطن دون أن يلمسه، وبعد الخروج من اللجنة يعرف المسكين إنْ كان قفاه قد التهب أو .. تداوىَ.
في خضم حملات الاختيار الأعمىَ تظن الجماهير أن بصرها أصبح حديدًا، وأن كل تذكرة انتخاب مرفق بها نسخة من زرقاء اليمامة، والحقيقة أنها الفترة الأكثر وضوحا لانتشار وسطوع وسطوة الحماقة.
في كثير من الأحيان تختار الجماهير بين المرشح الوحيد وبين خياله؛ وفي الحالتين تتوهم أنها كانت حرة في الاختيار، وتشكر الله والوطن والسيد على إتاحة الفرصة لها ليظهر شبحُها قبل أنْ يختفي بعد الانتخابات تحت حذاء السيد.
سوق عكاظ الانتخابي يحتشد فيها الأغبياء لإثبات ذكائهم، وعندما يــَـنـْـفضّ يلطم الأذكياء وجوههم على غبائهم.
برامح التوك شو تقوم باختيار الهازم والمهزوم، ويدير اللعبةَ محنك محترف أو أبله ضعيف، لكن النتيجة معروفة مسبقا، وموضوعة في مظروف صغير به عملة خضراء ليس عليها للأسف صورة ترامب أو إيفانكا رغم أن الأول كابوس الجماهير والثانية حلمها تحت الوسادة الخالية.
أحمق الحمقىَ من يسألك: هل أذهب لأعطي صوتي أم لأمتدح في سوطه؛ وهنا تمر في مخيلته كل الزنزانات الموجودة في أقبية تحت الأراضي التي قال له عنها السيد أنها مباركة، فيذهب في عملية تنويم مغناطيسي، سياسي أو ديني، ويضع إبهامه في الحبر الأزرق عكس رغبته في أن يضع الإصبع الأوسط في الحبر الأحمر.
قرّب أُذنيك من متحاوريّن عن الانتخابات القادمة في أي مكان؛ لن تسمع صهيل الخيل، إنما لهيب الانتقام من الآخر المخالف والمختلف.
لو تم إنفاق أموال الانتخابات على الفقراء والمتسولين والمرضىَ والأطفال لأعلن إبليس هزيمته أمام الجماهير الواعية.
يعلن المرشَح عن رغبته في تلبية رغبات الجماهير في مشروعات عملاقة وخطوط سكك حديدية وتصدير الغاز، لكنه لا يُذكّر الجماهير بالمستشفيات والمدارس والمعلمين ومراكز الأبحاث وتحلية مياه البحر والعلاج المجاني للأطفال و.. القضاء العادل.
ستذهب الجماهير إلى حديقة الحيوانات لتشاهد جبلاية القرود وتراها تقفز وتلعب وتعطيها مؤخرتها الحمراء، ثم تطلب منها قشرة موز ووضع علامة معروفة مُسبقا على تذكرة الانتخاب.
السيد العبقري في العالم الثالث هو الذي يختار أفضل الكفاءات من شباب المستقبل، ويسابق بالنساء الرجال، ويحارب التطرف الديني في كل مناحي الحياة، ويصنع السعادة قبل العدالة، والسكن قبل الطعام، والكرامة قبل صندوق الانتخاب.
صناديق الانتخاب في مشرقنا العربي فشلت وسحلها القصر، من السودان والعراق وسوريا ومصر والجزائر وغزة والضفة الغربية، فالجماهير التي تأكل هتافات تجوع قبل انبلاج فجر اليوم التالي.
لست مع الانتخابات أو ضدها؛ لكنني مع مركز للعلاج وللأبحاث العلمية وللعدالة وللمساواة ولحقوق المرأة ولسعادة الطفل وللمشروعات المفيدة والمثمرة وللمواطن المكرم.
لست مع انتخابات يُذكــَـر فيها الدين لأنها فرصة الشياطين لخداع الساذجين، الدين وعي وعظمة ورسالة سماوية فإذا وضعه الإنسان على لسانه فقد تحول إلى تضليل وغش وإرهاب.
كل قرش يُنفــَـق على الانتخابات في العالم الثالث يُشوَىَ به جسد الحاكم في نار جهنم إذا كان يعرف مسبقا أنه ناجح رغم أنف الجماهير.
لا أدعو إلى المقاطعة أو الهرولة، لكنني أدعو إلى البحث عن العقل الغائب أو المقتول أو ..   المجهول.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 23 يناير 2018

22‏/12‏/2017

البحث عن مصر!


البحث عن مصر!

لماذا اختفت في مصر المشاعر الوطنية الجياشة والتي ظهرت خلال 18 يوما في ثورة يناير ثم نامت مرة أخرىَ؟
لو أنني نشرت كليب غنائي أو قصيدة ثورية وطنية كانت تحرك الملايين فلن تحرك الآن شعرة من موضعها؟
هل ثورة شبابنا أخذت معها روح المصريين و .. رحلت؟

لماذا لم يعد المصري قادرًا على شحن قلبه وعقله وصدره ونفسه بعواصف الغضب ضد الظلم والقهر والوجع والألم والفقر والذُل والمهانة والقمع والكبــت؟
كيف سُرقت الحياة من شعبنا وتُركت الأجساد تتحرك وتأكل وتشرب وتُضرَب وتُعذَب وتُسرَق وتُنهَب، ثم تصمت وتخرس وتخيّط شفتيها، وتسدّ أذنيها وتُغمض عينيها؟

ماذا حدث في النفس المصرية خلال سنواتٍ سبع كان يمكن أن ترفعنا لسماوات سبع فخسفت بنا للأرض السابعة؟

فلنكن صرحاء!
لماذا لجأنا إلى البلادة والتناحة والبرود والجمود وقد كنا على مشارف صناعة الأرض الجديدة، وانطلقت مصر بالثورة والغناء والموسيقى والتنوير والتسامح القبطي/الإسلامي والإرادة ونضجَ شبابُها ثلاثين عاما في عدة أيام، وأدهشنا الدنيا، وخرج فلذات أكبادنا إلى الشوارع ينظفونها، وإلى الفنون يمنحونها ثراءً لم تعرف مثله من قبل؟

لماذا قام شباب مصر بتسليمها إلى اللصوص والنهّابين والمجرمين والحشاشين والوصوليين والغشاشين والكذابين والكوهينيين والطائفيين والمزايدين في الدين والوطنية؟
لماذا وافق كل رؤساء مصر بعد الثورة الينايرية المباركة على مدّ الروح في إعلام صرصاري، متخلف، أحمق، غوغائي، جاهل، متطرف تبدو القردة أمامه كأنها قمة التطور والتحضر والتمدن؟

لماذا تحولت مواقع التواصل الاجتماعي القادرة على القيام بثورة مرة في كل يوم إلى حالة جُبن وخوف ورعشة وتردد وتراجع فلم تعد مجتمعة قادرة على تخويف فأر ميّت أو أرنب مريض أو .. ضفدع يحتضر؟
ماذا حدث في النفس المصرية فخلط فيها الدين والسياسة والطائفية والعسكرية والمباركية والطنطاوية والمرسية والسيساوية فتكون من هذا الخليط موكب يخاف من ظله، ويخشى هراوة رجل أمن نائم أو متلصص أعمىَ؟

كل دول الجوار قادرة على أن تلتهم جزءًا من أرض الكنانة وستجد مئة تبرير وأعذار كأننا وضعنا كل طاقاتنا وإيماننا ووطننا وتاريخنا وتراثنا وحضارتنا بين يدين تصفّقان للحاكم قبل النوم و.. بعد الاستيقاظ!
الحاكم لا يحتاج للعصا ليهش بها علينا، فكل واحد منا يمسك عصاه ويهوي بها فوق ظهر ابن بلده لأنه يختلف معه فكريا ودينيا ومذهبيا وأيديولوجيا وطبقيا.

نحن نحتاح لملايين من علماء النفس لتشريح الشخصية المصرية ما بعد يناير، وتصفية الشوائب منها، وتطهير النفوس التي تعجّ بكراهية الآخر والصديق والجار والقريب والبعيد والمغترب والمهاجر.
فقدنا الصبر على المتابعة والقراءة والتحليل والتصويب والمعلوماتية وحمل سلاح المعرفة في هموم وقضايا الوطن.
فقدنا الثقة في الجبة والقفطان واليونيفورم والزببية واللحية والنقاب والنسر والصقر والنجمة، ما عدا النجمة السداسية فهي على الأبواب.

فقدنا الثقة في التفويض والوعود والبيانات والبرلمان والرئاسة والوزراء والمحافظين.
فقدنا الثقة في التخطيط الجيد والإداري وفي نقطة ضوء في نهاية نفق التعليم والعلاج والدواء والأسعار والعدالة والثقافة.
فقدنا القدرة على الأحكام الصائبة ويمكن لأي حمار أن يُقدّم مشروعا أو يشرح فكرة أو يمسك بالميكروفون أو يخترع علاجا لفيروس فتهلل له الدولة وينسحب المتخصصون والعلماء والمكتشفون والمخترعون.

فقدنا القدرة على جعل الدين من أجل الدنيا فرحبنا به للآخرة فقط، ولا مانع من جعل أجهل الدعاة بديلا للمعامل ومعاهد البحث العلمي واكتشافات الفضاء، فالدرويش قبل الأكاديمي، والعطار فوق الصيدلاني، والعُشْْبي يتفوّق على الطبيب.
فقدنا القدرة على التعايش اليساري في أحضان اليميني، والمسلم في الكنيسة والقبطي في المسجد والمواطن بغير خانة الديانة.
فقدنا القدرة على إقناع الذي فوضنا أن يفرج عن أبنائنا وأشقائنا وآبائنا وزملائنا المحرومين من حق الحياة ومن العدالة، فألقي بهم في أقبية السجون، وصاحبُ الأمر الأول والأخير يؤمن ويعتقد ويظن أننا جميعا ولاد كلب، يسجن من يشاء، ويعذب من يشاء، ويفرج عمن يريد.

فقدنا القدرة على النباح الإنساني كالكلاب النبيلة، والصراخ، والزعيق، واللطم، والبكاء فلو زفرنا لطار القصر، ولو شهقنا لابتلعنا الفاسدين كلهم.
فقدنا القدرة على استنساخ زعامة وقيادة ورئاسة من خلال انتخابات نزيهة وغير معروفة نتائجها مسبقا، فحدث العكس وتم تعييننا في مهمة خدم وعبيد ترشح المرشح قبل أن يفكر بنفسه في تجديد ولاية رفضها عندما كان داخل الملابس العسكرية، فلما تدفأت مؤخرته بكرسي العرش طالبناه، قبل أن يطلب، بفترة ثانية وثالثة وعاشرة حتى يكبر أحفاد الينايريين.

فقدنا القدرة على مقياس الوطنية، وكل من يرفع سبّابته ووسطاه ويهلل بتحيا مصر يصبح في جانب الرئاسة حتى لو كان قوادًا أو حشاشا أو لصا أو مهربا.
فقدنا القدرة على الشجاعة الأدبية والأخلاقية والإنسانية والوطنية التي تجعل المواطن يضع أصابعه في عين الحاكم إذا كذب أو فشل أو تحايل أو أساء اختيار المسؤولين.
فقدنا القدرة على الإيمان بالقلم وما يسطرون، والكلمة وما يكتبون، وصبر أيوبنا يغشى عليه في السطر الثالث فنحن في دولة ترفع الجاهل والفاشل والفاسد والمدّاح والأفـّاق والأفـّاك حتى لو أراد أن يصبح إعلاميا أو مربيا أو محافظا أو برلمانيا أو مستشارًا.

فقدنا القدرة على تحمل محاسبة مواطن لرئيسه، فالسُخرة ليست فقط في بناء الأهرامات أو شق النيل، لكنها ركوع النفس الضعيفة وسجودها الضمني للكبار مقابل العيش في سلام خادع.
لأكثر من أربعين عامـًـا وأنا أقنع جهازي العصبي بالخمود والجمود طمعا في الخلود، فإذا به ينفجر ليؤكد للضمير أنني مازلت حيــًــا.

يقولون لي: لماذا تكتب وأنت تعلم أن قارئيك يتراجعون عددا واهتماما ومتابعة؟ وأرد بأنني أكتب لآخر شخص يقرأ لي حتى يموت أحدنا.
ليست مهمتي إيقاظ الملايين؛ إنما إقناع واحد فقط أن مصر بخير، وأنه، أي هذا الواحد، بداية نبتة يتيمة حتى لو ذهبت الرياح بكل نباتات الأرض.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 22 ديسمبر 2017
Taeralshmal@gmail.com

18‏/12‏/2017

اليوم عــيــد!

اليوم عــيــد!
اليوم 18 ديسمبر هو يوم الاحتفال باللغة العربية، إحدى أهم وأقدم وأغنىَ اللغات.
واللغة العربية كائن حيّ، إذا أحببتها بادَلـتك حبــاً بحُبٍّ، وإذا تــَــغـَـزلتَ فيها غــَـزَلـَتْ لك حروفــَـها كأنها لآلــيءُ حول الاثنين معاً: عنقك و.. لسانك!

إنها لا تطلب منك أن تكون لها وحدها، فهي تــَـقــْـبـَـلك عاشقا لها ومــُـحـِـبــّاً لغيرها، ولا تعتبر وجودك في أحضان لغة أخرى خيانة، فقد تكتب بالفرنسية أو الانجليزية أو الإسبانية أو الأمهرية أو الكردية أو الأردية، فلا تشعر هــي بالغيرة لأن من يحب تلك الضاد يعود إليها ولو اعوجّ لسانه بعدة لغات.
والعربية تخفي في أحشائها موسيقى، وفي شــِـعـْـرِها أنغاماً، وفي قواعدها سُلــَّـماً موسيقياً إذا دَرَسته، ضاعفتْ اللغةُ لك قدرتــَـك علىَ استدعاء الكلمات.
إنها لا تطلب منك أكثر من اشراك الكتاب معك في حبــّــِك إياها، فإذا قرأت كل يوم بها فقد أنعـَمَت عليك بثرائها، وأغدقتْ علىَ أسلوبك كلمات يعجز عن الإتيان بها المُعجم أو قواميس الأسلاف مجتمعة.
وجمالها في أنها تتركك تصنع من حروفها ما يروق لك شريطة أنْ لا تصدم الذوق اللساني أو السمعي بـجــَـرسٍ يمزق الأوتارَ قبل العــَـزْف، ويخدش الحبال الصوتية بعد تركيب أيّ جملة.

لغتنا الساحرة تقاوم الاستعمار الثقافي واللساني والفكري، وإذا كان عدوها قويا، وخصمها عنيداً، اختبأتْ لردح من الزمن ثم تعود مرة أخرى، وتعيد الروحَ لصاحبها.
فيها من كلمات السماء ما يملأ الأرض، فإذا كان القرآن الكريم يمثل بها معجزة، فترجمة الكتاب المقدس من أي لغة من لغات الأرض إلى العربية يجد الروح في انتظاره على أحرّ من جمر، فتقرأ للمسيح، عليه السلام، كلمات سامية في التسامح والمحبــة ولا تصَدِّق أنها كانت بالآرامية أو العبرية أو الكنعانية أو اليونانية فعبقرية لغتنا أنها لا تصبح ترجمة بعد اللغة، أو لغة بعد الترجمة ،إنما تتحول إلى كائن حــيّ، إذا تنفسْت أمامها فقد وقعت في غرامها، وإذا تنفسـَـت هي أمامك فقد خلقتك من جديد.

أغيرُ عليها من ألسن عجاف إذا تحدثت بها جرحتها، وإذا كتبت بها اغتالتها، وإذا مرَّت علىَ نحوها أنحته، وإذا لمستْ قواعدَها أقعدتها، وإذا مســَّـتْ صرفــَـها صرفته!
لو كان الأمر بيدي لجعلت كل يوم هو يوم عيد للغتنا، وكل عيد نـُـعيــد تنظيف ما علـَـق بها من تعبيرات الغوغاء الذين يمرمطون بها الأثير، ويلوثون الفضائيات وهم يتشاتمون بها، ويتقاتلون ببيانها، ويمتدحون الطغاة بتركيباتها فيسعد القصر، ويبكي الكوخ.
لغتنا البديعة هي الأسرع في الوصول إلى السماء، وإذا دعوت بها فقد غنـَّـيـّـت أو تـَـلوت أو جوّدت أو.. صليـّـت.

ومن سحرها أنها لم تفرّق بين الرب والله، بين "الآمين" المسجدية و"الآمين" الكنسية، وكانت قادرة على الولادة لمئات الأعوام ، فإذا عاد المتنبي أو البحتري أو امرؤ القيس واستضافته فضائية ثقافية غيرُ ذات عوج، فلا يدري المرءُ إنْ كان الضيفُ أبا تمام أم الأخطل الصغير!
لــغتنا الجميلة،
هل تسمحين لي بطبع قــُــبلة على وجهك لعلَّ لساني يتطهر من أي نشوز حــَـرْفيٍّ مرَّ عليه و.. لم يغادره؟

كل الأعياد تمر وننساها، أما عيد اللغة العربية فلا نستطيع أن ننساه لأنه متعلق بالروح .. أعني بالحياة .. أقصد بجمال الوجود.

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير طائر الشمال
أوسلو النرويج

14‏/12‏/2017

وداعــًــا مونتبلــّــو!

وداعــًــا مونتبلــّــو!

يوم الأحد الماضي، 10 ديسمبر 2017، كان اليوم الرابع والأخير من عرض الفيلم النرويجي الموسيقي          Adjø Montebello  وداعا مونتبلــّـو.
بعد عشرين عاما من الغناء معا، مجدي ابني وشيراك زميله وهو نرويجي من أصل هندي ( كلاهما 33 عاما ومن مواليد أوسلو )، وبعد نجاح مبهر جعلهما صاحبا أشهر فرقة نرويجية في موسيقى الراب، وعشرات الأغاني والجوائز ومئات الأحاديث الصحفية والتلفزيونية ومعارك لا حصر لها على صفحات الصحف النرويجية، من رئيسة الوزراء التي وصفها مجدي بالجُبن لأنها أرسلت خطاب تعزية لرئيس الوزراء الاسرائيلي ووصفت آريل شارون بأنه رجل دولة من الطراز الأول، إلى وزير العدل الأسبق في قضية اللاجئين، ومن هجوم الصحافة الإسرائيلية على الفرقة إلى غضب المسلمين لأن مجدي خلط الموسيقى ( باسم الله)، ومن الجماعات العنصرية التي كان لها نصيب الأسد من انتقاد أغاني الفرقة الموسيقية لها إلى الأثرياء الذين زعموا أن الأغاني تسخر من الرجل الأبيض الثري في المنطقة الغربية من أوسلو.
الفرقة الوحيدة التي غنت باللغة النرويجية في حفل توزيع جائزة نوبل للسلام، والمرة الوحيدة التي يغني فيها مسلم في كنيسة بحضور القيادات الكنسية وأعضاء الحكومة وذلك لتهدئة المشاعر بعد مذبحة 22 يوليو 2011 التي قتل فيها شاب نرويجي يميني متطرف أكثر من سبعين من شباب حزب العمال.
مجدي وشيراك يغنيان للمضطَهَدين والأجانب والأقليات والتسامح بين الأديان ولبلدهما النرويج وللثورات وللمرأة، وريع كثير من حفلاتهما تذهب إلى منظمات حقوق الإنسان والصليب الأحمر وغيرها.
في السنوات العشر الأخيرة لا يخلو حفل توزيع جائزة موسيقية منهما على رأس الحاصلين عليها، وهي الفرقة الوحيدة التي ملأت أكبر قاعة للموسيقى لثلاث حفلات في ثلاثة أيام متتالية.
عندما زادت العنصرية طلب الملك من مجدي أن يغني للتسامح؛ فبكت النرويج كلها بعدما تم نصب شاشات عرض ضخمة في بعض الميادين.
بعد نجاح يقترب من عامه العشرين قررا إنتاج وتمثيل فيلم موسيقي وثائقي يرسل رسائل للشباب في كل قضايا الوطن، ولم ينس مجدي قضايا الوطن الأم لوالده.
الفيلم هو وداعا مونتبلو، أي اللمسات الأخيرة لأغاني مونتبلو عن الأجانب والمسلمين والأثرياء والبطالة وخادمات المنازل من الدول الآسيوية والخمر والجنس والضمان الاجتماعي وألاعيب السياسيين والنفاق الديني لأقليات إسلامية استغلت تسامح المجتمع النرويجي.
كل أغنية هي نوع من التحدي الذي يسبب مشاكل وصداعا ويدخل في المعركة الإعلاميون المتفهمون فضلا عن العنصريين.
كان الفيلم هو التحدي الأكبر وتم تصويره هنا في النرويج، والمشاهد الأخيرة في جُزر البهاماس حيث يسترخي غاسلو الأموال وسط النساء والمال واليخوت والشواطيء وأموال سرقوها.
رمز جميع أغاني الألبوم هو الخنزير حيث يفهم كل شخص المقصد وفقا لهواه، فالخنزير طيب، وشرير، ونظيف، وهو يسبح في البحر في البهاماس، وقذر، وهو تبييض الأموال، والسياسي المتلاعب، والأحمق الصامت، وهو رجل الشرطة، والمتدين المنافق و  ...
أكثر مشاهد الفيلم من حفل أوسلو سبكتريم الأخير في أغسطس 2017 لثلاثة أيام وهي المرة الثانية التي تملأ الفرقة القاعة كما فعلت في مارس 2013، فضلا عن أغنيات جديدة ومشاهد تمثيلية .
المفاجأة كانت عندما تم الإعلان عن عرض الفيلم قبل موعده بشهر تقريبا فقد صرحت مديرة ( أفلام دول الشمال) بأنها لم تشاهد في حياتها هذا الإقبال المجنون حتى أن نظام كمبيوتر الحجز سقط تماما، فأكثر من مئة وخمسين دار عرض سينمائية فتحت شباك الحجز الالكتروني، وبعض المدن بيعت التذاكر في أقل من ربع الساعة. وأكملت المديرة: حتى فيلم حرب النجوم الأمريكي لم يحقق هذا الإقبال.
عُرض الفيلم في كل مدن النرويج من السابع إلى العاشر من هذا الشهر، أي أربعة أيام ، وبعض دور العرض كانت تعرضه عدة مرات في اليوم في صالة خالية من أي مكان خالٍ! الفيلم يعرض الكترونيا بعدما انتهت الأيام الأربعة.
سافر مجدي وشيراك طوال أربعة أيام لتقديم الفيلم قبل بدء العرض بالشرح والتحليل وتفسير الغموض وشُكر الحاضرين( في حوالي عشرة دورعرض كل يوم).
ردود الأفعال، خاصة بين الشباب، كانت أكبر من المتوقع ولم تتم ترجمة الأغاني إلى من النرويجية إلى الانجليزية بعد، ولكن النية منعقدة على ترجمتها لفتح الأبواب أمامهما لجائزة الأوسكار في أمريكا أو مهرجان كان أو برلين.
الفيلم للأسف الشديد ليس مناسبا للعالم العربي والإسلامي لأنه كما يقول مجدي: في العالم القادم منه أبي، لا يغضبون إذا قتل متطرفٌ إنسانــًـا مُسالمـًا، لكنهم ينتفضون للدفاع عن النقاب!
مجدي وشيراك أصبحا ظاهرة مبدعة ومحيّرة؛ لم تصل إليها فرقة موسيقية في تاريخ النرويج، ومع ذلك فتزيدهما الأيام تواضعا لا فرق في الحديث إلى وزير أو تلميذ في الابتدائي، ولا يختالان فرحا، ولا يتحدثان عن نفسيهما إلا للضرورة الإعلامية.
لديه وفاء عجيب للأقربين من أسرته كالأبعدين تماما، ونحتار أحيانا عمن يكون الأقرب إليه فنجد أننا على مسافة واحدة.
احتجّت إسرائيل لأن مجدي استخدم كلمة يهودي في أغنية وأيضا في فيلم يرمز إليه الخنزير، فقال مجدي بأنه المسلم الوحيد الذي غنى في معبد يهودي وآخر بوذي وثالث هندوسي وكنيسة ومسجد، وأن والده مصري عربي من الساميين، وأنه لا يفرّق بين الناس حسب معتقداتهم رغم أنه يرىَ إسرائيل دولة معتدية وتحتل أرض الفلسطينيين.
في التاسعة من عمره قال لوالدته بأنه تعلم أن يقاطع إسرائيل منذ مولده حتى آخر يوم في حياته، ولم ينكث الوعد، أطال اللهُ في عُمره.
في الثامنة من عُمره جاءني معاتبا: هل توقفت عن مقاطعة اسرائيل؟ قلت له: لم ولن أتوقف. قال: انظر جيدا إلى المزمار الصغير الذي اشتريته لي وستجد اسم اسرائيل مكتوب بخط صغير وغير واضح، ولكن عليك أن تنتبه جيدا عندما تشتري لي أي شيء!
لا يغني للكبار فقد طلبت منه مرة بناءً على رجاء من زميلة أن يكتب كلمات أغنية للملك ويغنيها في حفل خاص؛ فسألني: إن كان هذا مهما لك فسأفعل! فقلت: ليس مهما؛ فردَّ: وأنا لا أغني للملوك!
ساعدني مرة في حمل كنبة من محل للأثاث، وفي الطريق اكتشفتُ أن لديه موعدًا مع رئيس الوزراء السابق ( سكرتير عام حلف الناتو حاليا) ولم تبق أكثر من عشر دقائق. طلبت منه أن يذهب لموعده، فرد قائلا: أبي أهم من رئيس الوزراء، فعلى الأخير أن ينتظر!
في أغنيته في الكنيسة بدأها بأنا مسلم، وزميلي هندوسي، وفي الفرقة مسيحيون ولا دينيون، لكن تجمعنا الإنسانية وحب بلدنا النرويج.
لو خُلق التسامح رجلا لكان مجدي، وهو أب لثلاثة ملائكة وعفاريت صغار! يؤدي دوره الأبوي كأنه رسالة سماوية ولا يسرق من وقتهم دقيقة حتى لو كانت لي!
يعامل زوجته كأنها أميرة لم تسقط الملعقة الذهبية من فمها، وهي بالتالي تُربي أولادهما الأشقياء تربية سليمة، رغم أن مجدي قد يعود من سفرٍ أو حفلة أو غناءٍ مرهق، ثم يبدأ في المساعدة في البيت وتنظيف الحديقة وتركيب الدواليب وتغيير ملابس الأطفال والقراءة لهم.
لم يتحدث ولو مرة واحدة طوال حياته بكلمة سيئة عن أي دين أو أتباعه.
عندما عُرض عليه أن يكون سفيرا لليونسيف رفض خوفا من أن هذا المنصب الشرَفي سيمنعه من الغناء ضد الطغاة في أفريقيا وآسيا ( خاصة زيمبابوي )، ورفض الغناء لمحلات ماكدونالدز بمبلغ كبيرلأنها تقدّم للأطفال طعاما يؤذي أمعاءهم، ورفض الغناء أول مرة في الثانوية العامة وقال للمديرة: معذرة فالطلاب في مدرستي لا يفهمون إلا لغة الأغنياء، ونحن نغني للفقراء، وألغى حفلا لأن مهندس الصوت لم يكن محترفا.
تعلم ركوب الأمواج في مدرسة بكوستاريكا مع اللغة الإسبانية، وقوته في لغته النرويجية ويتحدث العربية والنرويجية مع أولاده ولغته الانجليزية مبدعة وفرنسيته سيئة، وماهر في الكيكبوكسينج والسباحة وأفشل لاعب كرة قدم في النرويج كوالده تماما وشقيقه الأصغر ناصر، ودرس الفلسفة في جامعة أوسلو.
قضى وشيراك أسبوعا في رواندا لمواساة الفتيات الصغيرات اللائي تعرضن للاغتصاب.
يتابع أخبار الدنيا دقيقة بدقيقة، وكان قارئا نهما وانتقل إلى القراءة الالكترونية منذ عدة سنوات.
غنّى في مقر الأمم المتحدة بكندا، وفي السويد والدانمرك والمجر، ويعرفه كل شاب نرويجي تقريبا، وولي العهد يحفظ كل أغانيه عن ظهر قلب، أما في العالم العربي القادم منه أبوه، وخاصة في مصر، فهو مجهول تماما، بل صفر على اليسار، رغم أن ألبوما له وشيراك جاء في إحدى المرات قبل ألبوم مادونا، وأن رئيسة وزراء النرويج عجزت في حفل أوسلو سبكتريم عن شراء تذكرة، ربما لأنهما تصادما من قبل بسبب مديحها في آريل شارون، فاتصل به مكتبها لتوفير تذكرة لها ولم يتأخر قطعا.

قابلته وهو يلهث من مكان إلى آخر وسألت عن السبب فعلمت أنه أجرى 13 حديثا صحفيا وتلفزيونيا في يوم واحد.
رغم أن بعض أغانيهما تحقق مشاهدات مليونية، لكن مجدي لا يتفاخر أو يتباهى ومن يقابله يظن أنه في سنة أولى غناء وموسيقى.
لا يردّ طلبا إنسانيا وأتذكر أن عائلة فتاة نرويجية مصابة بالسرطان أبلغت مجدي وشيراك أن ابنتهم لن تعيش أكثر من شهر، وتتمنى أن تجلس معهما قبل أن ترحل عن الدنيا وهي في التاسعة عشرة من العُمر. وفعلا ذهب مجدي وشيراك وأمضيا يوما كاملا ومبهجا مع الفتاة المريضة لتغادر الدنيا سعيدة بتلك الساعات، وكان أصعب شيء هو استخدام كلمة ( المستقبل )، فالحديث عن المستقبل لم تكن لتفهمه الفتاة.
وقالت له قسيسة لإحدى الكنائس بأن ابنها الذي مات في حادث في سن الثامنة عشرة كان مجدي مثلـَـه الأعلى، وأنها لم تلمس ألبومات مجدي في غرفة ابنها بعد وفاته لكي تستريح روحه.
كل المشاكل والأزمات والكوارث يبتسم لها مجدي كأنها بداية أفراح، وأن الله يقف على مقربة منه ليتدخل.
أصدر سبعة ألبومات، وكتابا عن حياته وزميله شيراك، وكتابا مصورًا عن الهند التقط الصور بنفسه لمدة شهر.
كل الأديان سامية وجميلة كما يرىَ مجدي، وفي صلاة عيد الأضحى الأخير أخذ معه ولديه التوأمين لأول مرة ( عمرهما 3 سنوات )، ولعلهما ظنا أن المسجد مكان للعب، وكانا يجريان بين أرجل المصلين؛ فابتسم ولم يعاتبهما أو ينهرهما بسبب الصخب الذي ملأ المكان بصياحهما، ويؤمن بأن الله فرِحٌ بضحكات أطفاله.
خرج في إحدى المرات من صلاة العيد والتف حوله الشباب يريدون توقيعه ( أوتوجراف)، فاستوقفه مسلم متطرف وطلب منه أن يتوقف عن الغناء الذي هو حرام! ردّ مجدي: لكن والدي الذي يعرف دينه جيدًا قال لي بأن تحريم الموسيقى حرام، فبُهت الرجل و .. انصرف!
هذا جزء من حكاية ابني مجدي وفي جعبتي كأب مئات الحكايات وأخشى أن يضيق صدر أصدقائي بها.
مبروك لمجدي وزميله شيراك ولفرقة كارب ديم ولكل الذين اشتركوا في الفيلم ( حوالي 300 شخص ) ولكل الذين اشتركوا في اخراج حفل أوسلو سبكتريم ( 700 شخص ).
مبروك لابني مجدي من أبٍ فخور به كما أنا فخور بأخته الأكبر سونيا وبأخيه الأصغر ناصر.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 14 ديسمبر 2017
Taeralshmal@gmail.com



08‏/12‏/2017

أدعو لترك الفلسطينيين وشأنهم؛ وليس للتخلي عنهم!


يحتاج الجائع أحيانا إلى أن يُترَك وشأنه بدلا من المـنّ عليه بالفتات، وتاريخ الفلسطينيين مع الاحتلال كان مشروطا من الأصدقاء والأشقاء، حتى لو كانت أكثرُ الشروط بحُسْْن النية.
الشعب الفلسطيني لم تتـــَـح له فرصة إبداع، وخَلــْـق، وصناعة مقاومة خالصة بدون أي تأثير خارجي.

أنا لم أطلب التخلي عن شعبنا الفلسطيني، لكنني أرىَ، وقد أكون مخطئـًـا، أن الذين يتعذبون تحت الاحتلال قادرون على بدء نوع جديد من المقاومة، لا أعرفه طبعا، لكن قيادة ذكية ومخلصة وهوشية( نسبة إلى هوشي منه) أو غاندية أو لومومبية أو جيفارية.. يمكنها أن تعيد صف المقاومين في شعب واحد بعيدا عن الأيديولوجيات المتصادمة.

أغلب البلاد العربية مرتبطة، ماليا وأخلاقيا وعسكريا، بالقوى الكبرى الداعمة لاسرائيل، وكلما اشتدت قوة وشكيمة وحماسة الفلسطينيين، جاءتهم وساطات واقتراحات واجتماعات ومؤتمرات تنتهي بفتح درج الملفات والشجب حتى تموت بعد حين.
من أراد أن يدعم الفلسطينيين فليقاوم بصمت، ويقاطع إسرائيل بهدوء، ولا يشرح قضية الشعب الفلسطيني بنصف جهل وأرباع معلومات مغلوطة.
إن حيرة الأيديولوجيات الملتصقة بالقضية جعلتها تتراشق بالنصوص المقدسة كما يفعل الصهاينة.

عبقرية الحل تأتي من الاعتراف بالضعف، والبحث عن سبيل القوة الفكرية والمعلوماتية والتاريخية والدولية، أما المقاومة بنفس الأسلوب والطريقة والمكان والقيادات على مدى عشرات السنين ثم جعلها بين شفاه وأنامل إعلاميين لا يعرفون الفارق بين اليهودي والإسرائيلي والصهيوني والعبراني ينتهي إلى كارثة فكرية تُضعف الحق الفلسطيني.

القيادات الفلسطينية الحمقاء أدخلت أبناء شعبنا في صراعات عربية وإسلامية، داخلية وجيرانية، فحصد الاحتلال ثمار التصادم بيننا.
إذا أراد العرب والمسلمون المساعدة دون التدخل حتى بالنصيحة والوساطة فليقاطعوا منتجات إسرائيل ولو كانت برتقالة واحدة تعادل ثمن رصاصة تستقر في قلب طفل عربي لا يعرف الفارق بين النجمة والصليب والهلال.

عندما أكتب عن حرية الفلسطينيين في اختيار طرق المقاومة الحديثة بعد نضال أكثر من ستين عاما، فإنني لا أطالب بالتخلي عنهم؛ إنما بالتخلي عن أنانينتنا وغطرستنا وكبريائنا في الظن بأننا ندلهم على الطريق الذي لم يكن ينبغي أن يسلكوا غيره.
الوجه الأمريكي القبيح كان يصرخ في وجوهنا بأنه إعلان حرب من الإدارة الأمريكية ضد العرب كلهم من أغاديرهم إلى خليجهم، وأعقبته إهانة صريحة ومُذلة بأن نُصفَع على أقفيتنا، ونكرِم مَن صفعنا.
مرة أخرى لئلا يُُساء الفهم فأنا لا أرىَ حلا في العنف والقتل وحرب السكاكين والطعن بالأسلحة البيضاء، فنحن الخاسرون، والإعلام الدولي قادر على تحويل قضية اسرائيلي يسقط في حفرة إلى يهودي يتعرض للهولوكوست العربي.

لا أحب قطع المسيحية الشرقية من دعوات المقاومة والحق الفلسطيني، فــ27% من سكان فلسطين مسيحيون لهم كامل الحق في كل شبر من أرض الوطن كشركائهم المسلمين، والمسجد الأقصى ليس أطهر من كنيــسة القيامة.
المقاومة إبداع وقد تكون بداية النهاية لحل أزمة الاحتلال الغادر حتى لو انتهت بدولتين، نصف العَمىَ، إلى أن يأتي أحفادنا بعد ألف عام ويحاسبوننا على تفريطنا وضعفنا ومعاركنا الخاسرة.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال

أوسلو في 8 ديسمبر 2017 

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...