15‏/06‏/2019

التنوير كما أراه!


التنوير كما أراه!

إذا جئت بألف مثقف مستنير، ورسموا لك كل تفاصيلَ مجتمع الحُلم المستقبلي؛ فإن حاكما متخلفا يسانده رهطٌ من الدُعاة الدينيين يستندون على ألسنة وأنامل إعلاميين رضعوا الإفكَ مع حليبِ أمهاتِهم يستطيعون القضاءَ علىَ التنويرِ في سبعة أيام وسبع ليالٍ، ويختفي الشيخ محمد عبده وراء الحويني، ويصعد عمرو خالد فوق أكتافِ الشيخ شلتوت، ويسخر أحمد موسى من روحِ جلال معوض!

لا تنوير بدون الغوصِ في همومِ الوطن، ولا فصل للسياسةِ عن الثقافة، وعودة شاب بريء من زنزانة قذرة إلىَ أحضانِ أهله أهم عند الله من بناء طرق ومرافيء وقنوات بطول البلاد وعرضها!
لا تنوير بدون البدء بحقوق الإنسان، والتحضُّر واجهته الحقيقية هي كل شبر من أرض الوطن، من المدارس والجامعات مرورًا بالحقول والمصانع، وليس انتهاءً بالمحاكم والمستشفيات!

لا تنوير بدون الإيمان أن المساواة بين المواطنين هي الرضا الأول عند الله، والدولة التي لا يتساوى فيها الكافر مع المؤمن، والطبيب مع المريض، والعالم مع الجاهل، والضابط مع المتهم، واللواء مع الشاويش، والسجّان مع السجين، تهيل التراب على تمدنها وتحضرها.
لا تنوير بوجود خطوط حمراء تنزل الرعب في قلوب الناس، ومن يخاف من القصر لن يطالب بحقوق ساكن الكوخ!

لا تنوير إذا اشتركت القوىَ الدينية في بث الجهل والخرافات والخزعبلات؛ والدولة التي تُعلــِّـم الحقوق الإنسانية من خلال رجال الدين ستسقط في براثن الإرهاب في يوم من الأيام.
لا تنوير قبل أن يعود المواطن إلى أحضان الكتاب، ومن لا يقرأ كل يوم في غير كتب الدراويش فلن يساهم قيد شعرة في تطوير وطنه إلى الأفضل.
لا تنوير إذا كانت صورة الحاكم بسوطه وعصاه لا تبرح ذهن المواطن إلا إذا كان صاحب مشروع قومي وعلمي ووطني وثقافي وأدبي، حتى لو أمر بجلد من يرفض تعلم القراءة والكتابة.
لا تنوير إذا لم يؤمن الشعب بأن حاكمَهم خادمُهم، وأنه مسؤول عن كل خطأ مهما صغر فهو الذي يُعيّن الأصلح والأشرف والأكفأ ليدل الرعية على الطريق.

لا تنوير إذا تخاذل المجتمع في مواجهة الفساد، وتراجع القضاء عن دوره في استتباب العدل، وسال لعاب رجل الأمن لتضخم جيب الثري، فالرشوة والكفر العلني بالله يتساويان.
لا تنوير مع قداسة الناس لأناس ماتوا وشبعوا موتًا، فنحن أبناء عصرنا، نأخذ من الماضي أقل القليل مما ينير عقولنا ونهمل أكثر الكثير مما يمنعنا عن اللحاق بركب الأمم المتقدمة.
لا تنوير إذا زادت المساجد والكنائس عن معاهد البحوث العلمية والطبية والمكتبات.

لا تنوير بدون انتقاد لاذع من المواطن لخادم الشعب، أي الحاكم، وكلما ظن المواطن أن الزعيم يفهم أكثر من الرعية ظهرت مستنقعات الرعب والجهل، واعتقد الحاكم أنه نبيُ عصره وفيلسوف عهده.
لا تنوير بدون نتائج وانتصارات في الحقل العلمي والرياضي والفني والثقافي والمسرحي والموسيقي، وكل مكان ليس فيه مطبعة أو مكتبة سيشير إلى طريق السقوط على أنه صعود.
لا تنوير مع وجود دراويش الإعلام وقردة القنوات الفضائية وعدم محاسبة مروّجي التفاهة وصغائر الأمور.

لا تنوير إذا لم يكن زعيم الدولة دودَ قراءة، يلتهم الكتابَ قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، ولا يستشير رجالَ الدين.
لا تنوير إذا احتفظ الأميُّ بحقه في التصويت الرئاسي والنيابي والمحلي ومجالس الإدارات، فالأميُّ مواطن له كل الحقوق إلا حق التصويت؛ لأنه سيأتي لقيادة الدولة بأعشاب المسؤولين وصنّاع الفساد، ومُركبّي جثث الموتىَ من جديد ليحكموا الشعبَ باسم السماء.
لا تنوير إذا كانت الكنيسة والمسجد فوق القانون وقبله، فللأديان توقير واحترام، وليس قيادة دولة عصرية غير منهزمة.

لا تنوير مع الخوف، ولا تقدّم مع الرعب من رجل الأمن( والاحترام هنا غير الرعب)، ولا لحاق بركب العصر قبل أن يسبقنا القاضي والمستشار والضابط الذي ينفذ الحُكم العادل.
لا تنوير في دولة يرتع ويلعب ويتضخم الفساد أمام أعين الحاكم تكملة لعشرات السنوات.

لا تنوير إذا اعتقد الناس أن التقدم هو المباني والطرق والكباري وليس الإنسان والفكر والعلوم الإنسانية وعلاج الطفل وفراش في مستشفيات نظيفة لكل مواطن ألقاه المرض بين أيدي ملائكة الرحمة.
لا تنوير مع السماح للفكر الديني المتطرف والإعلامي المتخلف، ولا سماح لكل ملوثي الفكر بالطائفيات والمعارك والاستعلاء والتفرقة المواطنية أن يهيمنوا على المشهد، فما يفعله مستنير في عشر سنوات؛ يهدمه متخلف باسم السماء أو منهزم باسم السلطة أو .. فاسد باسم المال في يوم واحد.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج




ليست هناك تعليقات:

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...