16‏/07‏/2018

بل هم فرنسيون رغم أنفنا!

بل هم فرنسيون رغم أنفنا!
كل لاعب من هؤلاء لم يكن ليحقق نصرًا أو نصْف نصر لو كان قد ظل مع فريق بلده الأم.
اختاروا هويتهم الجديدة بفضل أقدامهم الساحرة، ومهاراتهم الكروية واستقروا في بلد احتضنهم رغم تاريخ مؤلم من الاستعمار، تماما كالأدباء والروائيين والعلماء القادمين برغبتهم للبدء بحياة عائلية كريمة.
لو أن كل واحد منهم قرأ كتاب مارك فيرو ( الاستعمار .. الكتاب الأسود) فربما ولوا الأدبار من الملعب إلى مجاهل أفريقيا قبل تسلم كأس العالم، لكنهم مواطنون فرنسيون أحرار ببشرة سمراء لم يتم اختطافهم من المغرب ومالي والكونغو والجزائر وموريتانيا والسنغال والكاميرون.

نفس الأمر ينسحب على أبناء محمد صلاح بعد عشرين عاما، فالنجاح الذي يحصده أبناء المهاجرين يفرح به الوطنان: الوطن الأم و.. البلد المضيف.
تاريخ الاستعمار تخجل منه الإنسانية، فثلث سكان ليبيريا تم اختطافهم من قبل قراصنة إلى العالم الحُرّ .. أمريكا، والكونغو كانت ملكية خاصة لملك بلجيكا، ومعركة الجزائر في الهوية لن تنتهي قبل قرنين، لكن هذا لا يمنع أن نضرب صفحا من النسيان المتعمد لئلا نصاب بالجنون، فكل الدول التي اشتركت في أولمبياد بوتين لو أخذت ماضيها وحدودها معها إلى روسيا لتكررت مذبحة المماليك.
لا تمنّوا على فرنسا لأن لاعبيها سمرُ الوجوه عليها أشْعُر سودُ؛ ولو كانت هناك منافسات العلماء والإداريين والبيولوجيين والأطباء والمهندسين واللغويين والمسرحيين و .. فلن يكونوا كلهم من أصول أفريقية.

لو أن مُنـَـظمي كأس العالم من السياسيين ورجال الدين والعسكر لانفجرت الملاعب قبل أول ضربة جزاء يوجهها أبيض لأسود، أو أصفر لقوقازي، أو بلجيكي فرنسي لبلجيكي هولندي!
الملاعب الخضراء فتحت صفحة جديدة لمحو ما تيسر من العنصرية البغيضة، ولكن لا تسرقوا فرحة فرنسا بأبنائها ( المؤقتين ) بحجة أنهم ينتمون إلى العالم الثالث والمتخلف والذي يجتر ذكريات الاستعمار.
لا أخفف من لعنة الاستعمار، إنما أنا أضاعف من دفءِ أحضان الوطن الجديد فلا تساهموا في تمزيق حياة المهاجر وأسرته وأولاده لـتـُـلبسوه عنوة هوية هجرها، لكنه احتفظ بذكرياتها في صدره وبشرته إلى حين، فإذا هاجمته العنصرية فقد يستعين بالوطن الأم المهاجر منه.

الفريق الفرنسي الذي حقق النصر الكروي قدّمته فرنسا باسمها، فقدّمها باسمه؛ أعطته علـَـمَها ليرفعه، فرفعه ومعه فرنسا.
الفريق الفرنسي كان ذا لونين: الأسمر الظاهر والأبيض في أذهان محبيه من أصول وطنه المضيف، فإذا توقفنا عن تمزيقه بذكريات عن العنصرية أصبح اللونان لونا واحد مكتوبا في الصدر، يتوارثه جيل وراء جيل دون أن يشيروا إليه.
طوال حياتي وأنا أبغض العنصرية والاستعمار، لكن حبي للعدل يدفعني لطيّ صفحات التاريخ في الملاعب، والحديث عنه في مكتبتي أو إذا تعرضتُ لعنصرية قبيحة وصريحة.

دعوهم يفرنسوا أفريقيا لبعض الوقت فالكأس الذهبي ذهب به عاشقو الساحرة المستديرة إلى عاصمة النور؛ من يدري فقد يرىَ الفرنسيون الأصفر أسودً، وقد تكون ملاعب روسيا بداية فخر آباء سُمرٍ لم يولد أبناؤهم بعد.
مبروك لفرنسا المتسامحة رغم أنف ذكرياتي المُرّة عن العنصرية.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 16 يوليو 2018

ليست هناك تعليقات:

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...