23‏/09‏/2020

خطورة الاكتفاء بالضمير الديني!

 خطورة الاكتفاء بالضمير الديني!

لا أقصد هنا اللجوء للضمير الديني لتوجيه المرء لصلاح نفسه وخدمة المجتمع؛ ولكنني أعني الاكتفاء بالضمير الديني وجعله الحاكم والمتحكم في سلوكيات الفرد أو الجماعة أو المجتمع أو السلطة، تنفيذية أو قضائية أو تشريعية!

الضمير الديني ليس بالضرورة مصنوعا في السماء، أو تُحركة إرادة عليا فأي شخص يمكنه الاستعانة به لأغراض دنيوية دنيئة ثم الزعم بأن السماء راضية على أفعاله، كالمجرم القاتل أو المُغتصب الذي يقف أمام القاضي مُدعيا أنه أتىَ إلى المحكمة وبصحبته الله، ليشهد على صحة أقواله.

كل تجار المخدرات يشكرون الله لأن البضاعة وصلت سليمة، بل إن بعضهم يدفع رشوة إلى السماء لأنها، على حد زعمه أخفته عن رجال الأمن، فيُسْكِت ضميرَه الديني الهشّ بمساعدة بعض الفقراء والمساكين وإقامة موائد الرحمن!

الضمير الديني قد يكون مناهضا للدين وفاتحا المجال لكل الشرور مع صبغة مقدسة ومظاهر خادعة والاستشهاد برب العباد.

إذا أراد ديكتاتور سادي وفاشي تمرير جرائمه من بين صيحات الاستحسان التي يطلقها الساذجون من رعيته فإنه يرتدي مسوح الرهبنة( إسلامية أو مسيحية أو يهودية) فجان بيدل بوكاسا أراد الحصول على تصريح من بابا الفاتيكان ليًسْكِت المؤمنين في جمهورية أفريقيا الوسطى، ثم اقترب من الإسلام ليمد يده في جيب العقيد معمر القذافي، لكن العلمانية أيضا دعمته فرنسيا بنفقات تنصيبه إمبراطورا.

أنت قد تؤمن بالله وتصلي في مسجدك أو كنيستك أو معبدك فتظل في دائرة السلوكيات المفيدة لك ولمجتمعك عندما يحركك ضميرك الاجتماعي حينما تمارس شعائرك الدينية؛ ولكن إذا كان اللجوء شبه الوحيد للضمير الديني فثغرات سلوكياتك اليومية تتضاعف وتزداد وتتوسع، فكل لص وطاغية وقاتل وإرهابي لن يجد صعوبة في البحث في أسمىَ الآيات عن تبرير لأعماله المشينة.

الخطورة في الضمير الديني أن المحكمة قد تُعقد بعد مئة عام أو ألف أو مليون، بل يمكنك أن تتوب أرضيا ظنا منك أن القضاء السماوي لن يعقد جلساته، فالتوبة كلمات وصلوات وأدعية بعدما تكون قد آذيت أو سفحت أو قتلت أو سرقت النفس التي حرم الله.

الضمير الديني يظن أن الاغتسال والصلاة والبخور وقليل من الصدقات يهيل التراب على جريمتك، لكن الضمير الاجتماعي يربطك بكل ما حولك، ولا يشغلك بالفروقات العقائدية والمذهبية ولا يُفرّق بين الذكر والأنثى.

الضمير الديني يُربك حياتك في إدخالك نفق الحرام فقط، وكلما أتت أمُّةٌ أضافت للمحرمات قناعاتها الجديدة مع مزجها بأقوال أناس أكلهم دود الأرض، والضمير الاجتماعي يعاملك كإنسان يخطيء ويصيب ويُعاقَب ويُكافَـأ وصراطه المستقيم هو احترام قوانين ذكية وعادلة وصالحة ومتقدمة ونهضوية لا تطلب شهادة موثقة بالقداسة من باعة الأديان وتجار العقائد.

أتذكر الشاب المهذب السعودي الذي تعرفت عليه منذ سنوات في مدينة الطلاب هنا في أوسلو. جلسنا في كافتيريا فطلبتُ مياه غازية وطلب هو  زجاجة بيرة. ذهب الظن به أنني خجل منه فقلت له: أنا لم أرتشف نقطة خمر طوال حياتي في أوروبا، لكنك حُرٌ فيما تفعل!

تعجب وقال: لكنك تعيش في دولة اسكندنافية  ولا أراك ملتحيا أو تُزيّن جبهتــَـك زبيبةُ صلاة، هل أنت خجل مني لأنني قادم من مكة المكرمة؟

قلت له: إن الله في السعودية هو الله في النرويج، فبُهتَ الضيف و.. لاذ بالصمت.

الضمير الديني يرى الخطيئة في المرأة والجنس فيرتكب الحرام في الخفاء، وأكثر جرائم الجنس والتحرش بالأطفال تجدها في مجتمعات تُغطي نفسها بالضمير الديني والنواهي والأوامر والمحرمات، وأنا عني شخصيا لو خُيرّت بين ترك طفل بمفرده مع رجل دين في معبد أو في غرفة مغلقة أو بين تــَرْكـــِه مع حشّاش أو مجرم بلطجي فلن أتأخر عن الاختيار الثاني، فالأول يضع الشيطانُ أمامه حسابا بعد الموت وسيتوب عنه قبل حضور حفّار القبور، والثاني يضع هو أمام نفسه صورة المجتمع والأهل وأطفال جيرانه والتحضر والتمدن حتى لو كان مقيما دائما في غرزة مخدرات.

الضمير الديني قد لا يقبل توبتك أو استغفارك أو ندَمَك فيقطع رقبتك على طريقة داعش وبوكوحرام وشباب الصومال وطالبان، والضمير الاجتماعي تُحركه أنظمة وقواعد وقوانين وأحكام.

الضمير الديني لا يخجل من القسوة والوحشية وجزّ الرقبة، ومن استعباد الأفراد والجماعات، ومن تجارب الإبادة على الشعوب.

هكذا فعل كريستوفر كولمبس في العالم الجديد باسم الدين حتى أن ملكة إسبانيا رفضت هديته المكونة من أرقاء تمخر بهم سفن اللصوص عباب البحر، فجريمته أغمض الضمير الديني عينيه عنها، ونفس الجريمة أيقظ الضمير الديني للملكة ضميرها الاجتماعي فرفضت. طبعا من الصعب الدخول في تفاصيل الدين والمجتمع في تلك الفترة فقد دفع المسلمون واليهود ثمنا باهظا، ودفع المسلمون والمسيحيون ثمنا باهظا أيضا في فلسطين المحتلة بعد خلط الضمير الديني بالفكر الاستعماري وزعم وعد الرب أنه يُقرب إليه الاحتلال.

خلافات واختلافات المهاجرين تزداد شراسة إذا استعانوا بالضمير الديني، فتنبت الطائفية والكراهية والجهل بالتاريخ والاستعانة بكتب مقدسة، ويقف في المقدمة الاستعلاء والظن أن بعضهم من الفرقة الناجية أو من شعب الله المختار أو من الجنس النقي والدماء الزرقاء وربطها بأحقية الاستعمار.

لم يكن لدىَ الضمير الديني مانع أن يُصلي جنوب الأفريقي الأسود في كنيسة للواقعين تحت الاحتلال ويرفعون أدعيتهم لمسيح اسمر، ويرتدي البيض ملابس أنيقة يوم الأحد وينتظرهم كاهن ليؤدي مع قُداسا أمام مسيح أبيض البشرة، وربما أزرق العينين.

الضمير الديني للمسلم والمسيحي واليهودي والبوذي والكونفشيوسي والهندوسي يبرر بنفس القدر الذي يستعين به سُنّي وشيعي إذا اختلفا في إيران والعراق ولبنان، أو بروتستنتي وكاثوليكي في بلفاست إبان الحرب الأهلية.

إبادة المسلمين في الجزائر من الكاثوليك الفرنسيين، كإبادة الروهينجا من البوذيين كإبادة الأرمن من المسلمين كإبادة البوسنيين المسلمين من الأرثوذوكس الصرب كإبادة الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين من الصهاينة المستعينين بكتب اليهود.

هشاشة الضمير الديني لم يجعلني يوما واحدا أبتعد عن الله والدين والتعاليم، لكنني لا أثق بمن يحاكمني انطلاقا من فهمه للدين.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في  23 سبتمبر 2020

 


16‏/09‏/2020

رسالة من مصري لابنه شهيد ثورة يناير!

 رسالة من مصري لابنه شهيد ثورة يناير!

ابني الحبيب،

مرَّتْ تسع سنوات منذ أن غُدِر بك فغادرتنا، قتلوك فذبحونا حُزنـًا، سرقوا دورَ الله في قبض روحِك فقبضوها غيلة وغيظا وقسوة وغلظة.

أتذكر صباح الخامس والعشرين من يناير وأنا أُلــَـقـنك درسا في الجُبْن فتعلــّـمني الشجاعة والفروسية والنُبل، فتأتي كلماتك السحرية القادمة من عُمق النبوّة الشبابية وأنت تقول: لقد ألزمتَ نفسَك، أبي الحبيب، بالصمت ثلاثين عاما على أبشع طاغية ولص وكاذب ومُزوّر ومهرّب ونهّاب، والآن تريد مني أن أضع رأسي تحت حذاء ابنه ثلاثين عاما جحيمية جديدة؟

كنتَ، ابني الشهيد، في تلك اللحظة كأنك نضجتَ ثلاثين عاما في يوم واحد، وكان معك حق فمن الظلم أنْ أورثك بلدًا للعبيد فتلعن زمني الذي حاولت فيه تعليمَك الصمت فعلــّـمك ميدانُ التحرير صرخات الحرية والكرامة.

منذ رحيلك وأمُّك التي جفّتْ دموعها تنظر إلى الباب وعندما نحاول إقناعَها أنك في رحاب ربك ذي الجلال والإكرام، تغضب، وتتوجه إلى النافذة لعلها تراك قادما من بعيد فتجري لتُعــِدّ الغداءَ الساخن، وقد حجزت لك خُفية الخبزَ الطازج. تصطدم بالسراب فتحيل حُلمَ عودتك إلى اليوم التالي .. وهكذا طوال تسع سنين، ولم تلعن قاتليك ولو مرة واحدة.

مررتُ أول أمس أمام الجامعة ووقفت قليلا أتأمل مشهدا ماضويا عندما كانت تسبقك ابتسامتك البريئة المليئة بأحلام التخرج فحَوّلها الأوغاد إلى بــِـرْكة دماء لأنك طالبت بالكرامة والحرية وكل حقوقك المواطنية!

كثير من زملائك وأصدقائك تخطوا الآن العام الثلاثين، منهم من تزوج وانفصل، ومنهم من وجَدَ ليلاه بعد قصة حب فتزوجا و.. أنجبا، ومنهم من انحرف يمينا أو يسارا أو دينا أو اخوانا أو سلفا، ومنهم من هاجر باحثا عن وطن آخر يفتح ذراعيه للشباب الطموح بعدما فتحت سلطة الوطن النار عليهم.

أتذكر في اليوم الثالث لثورتكم المجيدة أنك اتصلت بنا لتسألني عن أمك وشقيقك الصغير وشقيقتيك، وسألتك: كيف تُصلي في زحام الميدان؟ قلتَ لي: صليت صباح اليوم بجوار دبابة وظُهر أمس ذهبت إلى الكنيسة المجاورة للميدان فتوضأت، وأفسح لي قــِـسٌّ ذو لحية بيضاء ووجه ملائكي مكانا للصلاة، ووجَّهني إلى القِبــْــلة؛ ثم تلوتُ آيات بينات من المصحف الشريف، وعدتُ إلى ميدان التحرير.

منذ أربع سنوات دعاني وأمــَّــك صديقــُـك جرجس إلى حفل زفافه على زميلة لكما كانت تبيت معكم في الميدان، وحضرنا الحفل في الكنيسة، وبكينا عندما أتىَ علىَ ذِكْرك، فقد فقأ مجرمٌ من كلاب مبارك العين اليٌمنىَ لشقيقه وهو لم يكن في المظاهرة، وجاء ليحضر لكم بعض الطعام، فعاجله كلبٌ قذر تعلم في الكلية أن الشرطة في خدمة الشعب، فلما تخرج فهم أنها تعني: الشعب في خدمة الشرطة.

شقيقتُك الكبرىَ هاجرت مع زوجها، والصغرى تدخل غرفتها، وتتأمل في صورتك وأنت ترفع عــَــلــَــمَ مصر في الميدان، وتتمتم معاتبة إياك: لماذا كنت تحب مصر أكثر من الذين صمتوا ثلاثين عاما على الظُلم، يا ليتك كرهتها وبقيت معنا! تسمعها أمُّك وتطلب منها أن تستغفر الله، فقاتلك هو الذي ماتت روحه وبقي جسده يأكل ويشرب وينهب.

أظنك تريد أن تسألني عما حدث لمصر بعد رحيل المئات من زملائك، وقنص عيون المئات، واعتقال الكثيرين ممن حلموا لمصر فتحولت أحلامهم لكوابيس فجعت الوطن كله.

لسذاجتكم وطيبتكم وقلة خبراتكم سلــّـمتم الثورة بعد الإطاحة بالطاغية إلى وزير دفاعه وأمين أسراره  فأصبح رئيسا للبلاد وهتف الاخوان والسلفيون : المشير هو الأمير! لعام ونصف كان الرجل وحشا كاسرا، ينتقم لمبارك ومعه مجلس عسكري يكره كل عضو فيه المصريين أكثر مما يكره إسرائيل.

واستطاع طنطاوي تمكين الحرامي مبارك السادي والمزور النتن من الإقامة في شرم الشيخ حتى يتم تقنين المنهوبات، وتهريب المال، وشراء الذمم من ضباط وقضاة ومدراء مصارف.

وبدأت مسرحية المحاكمة كأنهم استعانوا بكافكا!

حكاية طويلة، ابني الشهيد، لا أريد أن أطيل عليك فيها. انتخابات رئاسية تتبدل وتتبندل لتنتهي لاثنين: شفيق يمثل المخلوع، ومحمد مرسي يمثل انتقام الاخوان.

وتساوى الاثنان تقريبا، ليست مصادفة، واختارت جماهير شعبنا المُزايد في التديــُّـن مَنْ دغدغ مشاعرهم الدينية كأن جيش الاخوان سيدخل مكة ويرفع علم الجماعة على بيوت قريش.

جاء محمد مرسي وفجأة أصبحت الدولة كلها ملتحية وزبيبية وحجابية أو نقابية، وتراجع الوطن ليحل محله الفهم الديني القطبي.

وبعد عام من البؤس خرج الملايين يطالبون بالاطاحة بالرئيس مرسي. 

وجاء رجل من أقصى الجهل ونصف الأمية والغطرسة والغرور والطاوسية يعدهم بالمَنِّ والسلوى.

كان شحاذا في صورة رئيس، ومتسولا وقاسيا وسجّانا ومبغضا لثورتكم المجيد، فكتم أنفاس المصريين كما لم يفعل ديكتاتور في الدنيا برمتها.

وكانت خطوط دفاعه قضاة فاسدين وجهلة، وإعلاميين فضائيين وجبناء وصامتين ومرتعشين ومبررين كل الجرائم التي يرتكبها الرجل.

ولأن الجبناء على الشاشة فقد أقنعوا الملايين بان ثورتكم النبوية الشبابية هي(وكسة).

طبعا تمَّتْ تبرئة كل اللصوص والقتلة والمجرمين وعائلة مبارك حتى تظل الأموال المهربة في أمان بالخارج لينال من وقفوا مع المجرم نصيبهم.

ومات المجرم بعد تبرئته، وخرج رئيس الدولة في موكب عسكري لوداع أكبر لصوص العصر، وقاتل زملائك الذين لولا ثورتهم لما كان للرئيس الجديد موقع قدم.


لا أريد أن أقص عليك، ابني الشهيد، من أمر خيرات مصر ونهرها الخالد وغازها وسينائها وجزُرها وأموالها واستقلالها، خوفا عليك أن ترحل للمرة الثانية.

مئة ألف معتقل في أقذر وأقسى وأغلظ سجون الدنيا يشهدها عصر الرئيس الجديد، الذي غير الدستور تمهيدا لاغتصاب مصر لأجيال قادمة، وسرق أموال الشعب ليبني بها قصورا واستراحات خارجة من عقدة نقص لديه قال عنها بأنه لم يكن يملك في ثلاجته لعشر سنوات غير المياه.

قام برشوة الضباط والقضاة ورجال الدين والإعلاميين وكبار المسؤولين والنواب، ولو اغتصبهم الآن ما رفعوا عيونَهم أمامه.

اشتقنا إليك ابني الشهيد الحبيب، ولن أقول كما قالت أختك من فرط حبها لك: يا ليتك لم تحب مصر هذا الحب المجنون، فمئة ألف معتقل في سجون العدو الداخلي هم الوجبة الأولى قبل إدخل مصر كلها في الزنزانة.

لن أجعل أمك تقرأ هذه الرسالة لئلا تفيض روحها شوقا إليك.

تسألني ابني الشهيد: ماذا لو قرأ مصري في زمن ما بعد رحيلك واستشهادك هذه الرسالة؟

لو أجبتك فستقوم القيامة الصغرى، فالمصري بعدكم مات!

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 16 سبتمبر 2020


    

08‏/09‏/2020

عـــبــــقـــريـــة الديكتاتور الـــفـــاشــي!

 عـــبــــقـــريـــة الديكتاتور الـــفـــاشــي!


لقد استطاع في سبع سنوات أنْ يقنع المصريين بأنهم مجموعةُ أصفار!

وأنَّ نهرَ النيلِ بحيرةٌ إثيوبية!

وأنَّ جيشَه الوطني لا يستطيع أنْ يعترض على التفريط في جزيرتين استراتيجيتين؛ ولا أن يقضي على ثلاثة آلاف من الإرهابيين في مساحة مكشوفة في سيناء طوال سبع سنوات، بل وخبرته العسكرية تجعل الإرهابيين يقتلون الجنود المساكين في نفس المكان عدة مرات وبنفس الطريقة اعتمادا على الجهل العسكري للقيادات.

وأنَّ كنوزَ جبلِ الحلال ومليارات الغاز كانت فياسكو!

وأن حدود مصر البحرية والصحراوية والنهرية ليست خطوطا حمراء إلا في عقله الأجوف.

وأنَّ المصريين يعملون خدمــًا لديه؛ رغم أن الطبيعي أنه يعمل لديهم!

وأنَّ الدستور لُعبة يقوم بتغيير قواعدها فيخرس الشعب كله!

وأنه قام بشراء كل الجنرالات في الجيش والشرطة.

وأن كل مصري يريد أن ينجو بحياته فقط فلا يدافع عن سجين أو مظلوم أو منهوب أو بريء يتعذب في زنزانة بقبو تحت الأرض.

وأن معتقلاته أصبحت أكثر شُهرة من معتقلات هتلر وموسوليني وأنور خوجة والقذافي وصدام حسين وفرانكو وبينوشيه وعيدي أمين دادا...

وأن المصري إذا اختفى أخوه أو أبوه أو ابنه في معتقلات السيسي يكتفي بالدعاء، ويطلب من الله التعجيل في الإفراج عنه.

وأنه لو أعاد الله بعث كل الأنبياء والرُسل مرة واحدة بكل الكتب المقدسة وتوصية خاصة من رب العالمين أن يرفع السيسي يده عن شعب مصر لما اهتزت شعرة في جسده.

وأنه يعرف كراهية المصريين للقراءة وعدم تأثرهم بالكلمة، فعاذ فسادا.

وأن السيسي يؤمن أن بناء طوبة في قصر منيف له ولأسرته أفضل من أن يأكل فقير عشاءه بثمنها.

وأنَّ مواطنــًا يرفع لافتةَ اعتراض عليه ستنتظره زنزانة.

وأنَّ عشرة ملايين مصري في الخارج يرتعشون ويرتعدون خوفا من قائمة المُترَقَب وصولهم.

وأنَّ الذين قاموا بثورة ضد الحرامي المجرم حسني مبارك سيعاقبهم السيسي.

وأنَّ القضاة والمستشارين يأتمرون بتوجيهاته وليس بقانون العدالة.

وأنَّ الجنرالات في الجيش والشرطة يملكون حق تقسيم أراضي الدولة بينهم .

وأن الخطاب الديني السلفي هو المُعبّر عن الرئيس.

وأن 25 يناير لن تتكرر.

وأن الإعلامي الذي لا يمتدح في الديكتاتور السيسي لن تفتح له أي قناة مصرية شاشتها واستوديوهاتها.

وأن الإعلاميين أنصاف الأميين والمطبّلين والمهللين والقردة والمنافقين هم خط الدفاع عنه.

وأنه على يقين من أن فترة حُكمه قد تمتد حتى تصعد روحه إلى بارئها ثم يرث ابنه المصريين ووطنهم وأرضهم.

وأن مجلس نوابه مكانه الطبيعي حديقة الحيوانات مع رئيسه ذي القدرات العقلية الضحلة.

وأن جهله وفاشيته وحماقاته وخربطاته هي فلسفة العصر فهو طبيب الفلاسفة.

وأن المثقفين والأدباء والشعراء والعلماء والأكاديميين مهمتهم خدمته أو لعق حذائه.

وأن عبقريته في التسَوّل من الأثرياء.

وأنه صنع مصرَ من جديد في إنشاء بعض الطرق والكباري في مقابل إهمال التعليم والعلاج والمستشفيات.

وأن فلسفة القروض فكر متقدم ينفق منها على عصره، ويسددها وفوائدَها أحفادُ المصريين.

وأن البحر وشواطيء الاسكندرية ينبغي أن تحتجب عن الشعب.

وأن مسجد "الفتاح" العليم المقصود به السيسي وليس الله.

وأن شمّاعة استمراره هي الحرب ضد الاخوان حتى بعد أن أصبحوا لا يملكون إلا بعض الإذاعات والقنوات الفضائية.

وأن إسرائيل لم تجد منذ النكبة عام 1948 عرّابا لها أفضل منه.

وأنه لا يحب العربَ الفقراء، فيدُه في جيوب الأثرياء وهم يتحكمون فيه.

وأن رئيسَ مصر الأقل احتراما في العالم من أي زعيم آخر.

وأن الإثيوبيين يحتفلون بسذاجته وعباطته وتخلفه فحصلوا على ما لم يحلموا به منذ آلاف السنين.

وأن فرحته بوصف ترامب له بــ"ديكتاتوري المفضَّل" لن تدوم طويلا.

وأنه لا يلتقي مصريان إلا ويسخران منه، لكن السخرية لا تُسقط الطواغيت.

وأن مئة ألف معتقل هي الوجبة الأولى لاستعباد المصريين قبل اعتقال الشعب كله.

وأن الجبان فقط من تتفتح له كل الأبواب.

وأن الوشاة هم حُماة القصر.

وأن عددا هائلا يعتقلهم بدون محاكمة ولكن بقانون الطواري:" أنا أو ولاد الكلب"!

وأن مئة مليون مصري يعادلون فِرْدة حذاء في قدمه اليُسرى، حتى لو أغضبهم هذا الكلام وصاحوا: لا تقترب من كرامتنا.

كيف أقنع السيسي المصريين بأنهم صُمٌّ، بُكْمٌ، عُميٌ.. في عهده.

وأن كل كلمة في الهاتف والنت والتلفزيون والراديو وقسم الشرطة تصل إليه قبل أن ينطقها المواطن.

وأن تأثير المسيحية والإسلام في مناهضة الظلم صفر على الشمال.

وأن المصريين يخشونه أكثر من خشيتهم رب الكون العظيم.

وأن من لا يخافون منه، يفزعون من الأصدقاء والأحباب والزملاء والأهل فالوشاية أضحت دينَ الشعب .

كيف استطاع السيسي الجاهل والفاشي والمتعاون مع الاحتلال والقاتل ورافض علاج المرضى السجناء السيطرة على أعرق شعوب الأرض؟

لابد أن يكون هذا الديكتاتور الجاهل عبقريا في معرفة كلمة السر التي تُدخله في صدور المصريين فيتحولون إلى أرانب تجري إذا شمّتْ رائحتــَه؟

يُضْرَب المثل بالمصريين في الدنيا كلها في عهده بأنهم يخافون من خيالــِهم، ويخشون بعضَهم، ويعرفون أن الزنزانة الضيقة القذرة هي السكن الملائم لمن يتنفس أمامه.

لو نزل إبليس بنفسه واستولىَ على الحُكم فسيترك للمصريين دقائق معدودة يصرخون أو يتنفسون أو يعترضون على استحياء؛ أما هذا الرجل فهو مصنوع في المجلس العسكري وأكمل المصريون صناعته ليتحول إلى دراكيولا العصر بابتسامة ومَســْكــَـنَة قبل أن يُرهب و..  يُخيف.

صدّقوني إذا قلت بأننا قد نستيقظ ذات صباح ونكتشف أن السيسي باع مصر كلها، شعبا وأرضا وبحرا ونيلا وخيرات، وأنه قبض الثمن، وأن رقابَ المصريين ستنتقل إلى ديكتاتور آخر، عربي أو عبري أو أمريكي أو سلفي متطرف أو قائد عسكري.

لو اقتنع المصريون بأن من حقهم الغضب إذا سُرقوا، وأهينوا، وظُلموا، وتعذبوا، وحُرموا من السكن أو التعليم أو الطعام أو الشراب أو التنفس أو حق الكلام والاحتجاج؛ فإن نهاية السيسي تصبح قاب قوسين أو أدنى من الهروب من قصر الاتحادية.

لو ألهمني اللهُ كلمةَ السرِّ التي تُغضب أبناءَ شعبي لما ترددت لحظة في كتابتها أو الصراخ بها!

لي رغبة أن أطرح سؤالا حرجا لن يغضب منه السيسي؛ لكن أبناء مصر سيغضبون!

هل هناك من يملك دليلا واحدًا أنَّ المصريين أحياء؟

يقرأ المصري هذه الكلمات التي تتصدع لها الجبال عن الظلم والقهر فيقول: المهم أنا وأبنائي وأسرتي وليذهب الآخرون إلى الجحيم، فلست أنا الذي سيغير الكون.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 8 سبتمبر 2020


05‏/09‏/2020

قاطعوا إسرائيل و..لا تقاطعوا الإمارات!

 قاطعوا إسرائيل و..لا تقاطعوا الإمارات!

العرب فنانون في خسارتهم الأصدقاء وفاشلون في استمرار مقاطعتهم للعدو أو المحتل!

المزايدة الوطنية نُظهرها في الأزمات؛ أما المزايدة الدينية فهي لصبغ القداسة على الموقف حتى لو كان صادرا عن جهل.

متابــَعة موسَعة ودقيقة لوجهات نظر العرب في القرار الإماراتي بالتطبيع مع إسرائيل نكتشف أننا تصادمنا مع دولةٍ عربيةٍ شقيقة أضعاف ما فعلنا مع الاحتلال الصهيوني لبلادنا، واستخرج العرب قواميس التخوين والعداوة والتحدي والمقاطعة واستدعاء شهادات إعلامية من التاريخ وكل من ضاعت عليه فرصة العمل في دولة الإمارات أو الاستفادة المادية ذهب إلى ساحة المعركة الفضائية والصحفية الورقية عارضا قوته ومعلوماته كأنه سيقود الفرسان في ساحة الوغىَ.

قبل أن أسترسل ويُساء الفهم فموقفي لم يتغير طوال حياتي ولو للحظة واحدة( أقيم في أوروبا منذ 47 عاما)، وأنا مقاطع صُلب للاحتلال ولم تدخل بيتي حبة برتقال استوردته أي جهة من إسرائيل، وعلــّمت أبنائي وسيتعلم منهم أحفادي أن مقاطعة كيان الاحتلال واجب وطني وقومي( أقصد هنا أشقاءَنا الأكراد والأمازيج والطوارق وغيرهم) وإنساني وعربي، هذا لئلا يبدأ قارئو السطور الأولى في رفع راية المزايدة الوطنية.

هناك مئة نقطة اختلاف بيني وبين الإمارات وكلها محشورة فيها مشاعر حب تدفئها بانتظام روح الشيخ زايد، أسكنه الله فسيح جناته.

لكن التخوين والمقاطعة والتشكيك وصهينة دولة عربية عمل لا أخلاقي ولا يليق بي، فدولة الإمارات عاهدت مواطنيها ووافديها على التقدم والنهضة والتسامح والعلوم والآداب والبحوث والرفاهية وصناعة دولة تحكمها قوانين صارمة في الحياة اليومية النظامية للإماراتيين وضيوفهم من العاملين على أرض الدولة.

رغم محبتي للإمارات وشعبها وقيادتها فتحفظاتي الكثيرة لم تمس مشاعري، وتمنياتي الخير والاستقرار والسلام للدولة لا تعني أن أغض الطرف عن مواقفي المبدئية.

نبدأ بالتخوين الذي احتل مواقع الصدارة في وسائل الإعلام العربية والفارسية والتركية رغم أن كل المُخوّنين جالسون في قطار التطبيع( باستثناء طهران ودمشق) ولا ندري في أي محطة سيستقبلهم نتنياهو أو من سيجيء بعده.

كلهم مُطبّعون، في مصر وقطر وتركيا والأردن وعلى رأسهم القيادة الفلسطينية صاحبة أطهر قضايا العرب.

الدعوة الحمقاء والبلهاء واللامسؤولة لمقاطعة دولة الإمارات تؤكد أن الجماهير العربية كقياداتها تماما، في سنة أولىَ سياسة رغم صراخها الوطني بالوعد والوعيد لمن يُطبّع مع اسرائيل.

مقاطعة الإمارات أسوأ من التطبيع ذاته، فهي تفتح الأسواق الإماراتية للبضائع الاسرائيلية بدلا من منتجات إيرانية على الشاطيء الآخر ومنتجات تركية لها شعبية في الإمارات ومنتجات كُردية تتفوق على نظيراتها في الأسواق الأوروبية، وطيران سينزوي وتحل محله شركة العال.

المال الإماراتي سيتوجه إلى إسرائيل بدلا من مكانه الطبيعي في المحيط الخليجي ومعه التركي والايراني والكُردي، ونحن الخاسرون.

الحملة القطرية على التطبيع، والذي أنا مناهض له تماما، يخرج من خواء وطني فالدوحة مُطبـــّعة مع الاحتلال الصهيوني، ومسؤولون قطريون كثيرون يتسوقون في مولات تل أبيب.

دولة الإمارات تستطيع أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ فيغادرها فلسطينيون أعطوها من محبتهم وجهدهم وعرقهم ووضعوا بصماتهم التعليمية على عقول مئات الآلاف من الإماراتيين الذين احتلوا مناصب تربوية وسياسية وإعلامية بعدما كبروا في الدولة، وعرقلوا أي اقتحام اقتصادي اسرائيلي ويأتي فلسطينيون برخصة إسرائيلية ممهورة بموافقة أجهزة الأمن الصهيونية وشقيقتها في رام الله، فنخسر نحن وتخسر الإمارات وتربح إسرائيل.

أختلف مع الإمارات في التطبيع مع كيان الاحتلال الصهيوني، واختلف معها في استمرار الحصار على قطر( بعدما أدىَ رسالته في العام الأول وأفصح عن الغضب الخليجي من الدعم القطري للتيارات الإسلامية)، و اختلف قطعا في استمرار الحرب اليمنية رغم تعاطفي مع الإمارات في الموقف من الحوثيين المدعومين من إيران، واختلف مع الإمارات في الموقف من الصراع في ليبيا وكذلك في دعم الصحافة المصرية التي إنْ ساندت حقّا أصبح باطلا، واختلف أضعافا مضاعفة في دعم الإمارات لديكتاتور مصر عبد الفتاح السيسي.

لكنني أعارض وبشدة ترك الساحة الإماراتية ترتع فيها الدبلوماسية الإسرائيلية ورأس المال الصهيوني والإعلام الموسادي الموجه من تل أبيب.

كلنا إماراتيون ولو كان بيننا وبين أبوظبي ملء الأرض اختلافات وخلافات ورؤى متناهضة، ومن أراد التخوين بسبب التطبيع فأمامه قطار التطبيع العربي/الإسرائيلي وسيجد معظم الوطن العربي الكبير قد حجز مكانه فيه قبل الوصول للمحطة الأخيرة وطرْد الحُلم العربي.

أنا خائف على النهضة الحضارية والثقافية ودولة الرفاهية والنظام التي أسسها الشيخ زايد وورثها أبناؤه وأبناء الشيخ مكتوم أنْ تُحاصَر من الإعلام الايراني( محتل الجُزر الثلاث)، والاخواني، والتركي، والقطري المُطبّع مع التيارات الإسلامية المتطرفة.

استفزاز الإمارات في اتهامها بالخيانة كما يزعم أباطرة التطبيع في فلسطين المحتلة سيزيد شُقة الخلاف وتتوسع حفرة سنسقط فيها جميعا.

أنا أرى أن الوقوف الطبيعي والعروبي والقومي يبدأ بمقاطعة اسرائيل داخل الإمارات، والدخول بكل الثقل للمجالات التجارية والمالية والثقافية والعُمّالية داخل الدولة فكل مؤسسة تخلو بسبب التخوين سيحل محلها أصدقاء جُدُد مرسومة على منتجاتهم نجمة داود.

على الفلسطينيين أن لا يتدخلوا في الشأن الإماراتي كما حدث في الأردن ولبنان والكويت، لكن عليهم أن يبتدعوا مقاومة من نوع جديد وذكي لا يخسرون فيها شبرا واحدا من بلدهم الثاني .. الإمارات.

الفلسطينيون المقيمون في دولة الإمارات لهم ما للإماراتيين ومن يترك الدولة غاضبا سيأتي بدلا منه مُنتَج عربي مزيف ومصنوع في الدولة العبرية. 

أنا ضد التطبيع وغاضب على اتهام الإمارات بالخيانة وغير راضٍ عن مقاطعة دولة عربية كريمة بعد عشرات السنوات من الخير والدعم والمساهمة والمساندة التي لم تتأخر الإمارات فيها عن أشقائها العرب.

كلماتي ليست ضوءًا أخضر للتطبيع، معاذ الله، لكنه ضوء أحمر لحماقة المزايدين دينيا ووطنيا وكثير منهم في نفس الصف مع إيلي كوهين.

الشجاعة أن تقاطع عدوَك لا أن تتهم أخاك بالخيانة.

الشيخ زايد، رحمه الله، ترك إرثا أخلاقيا أيضا قد نكتشف قِسمَه الأعظم قريبا أو بعيدا عندما تنسحب الإمارات من ليبيا ومن اليمن ومن الخصام مع ثورة 25 يناير المجيدة التي أطاحت بمبارك.. عدو العرب الأول.

الإمارات لنا جميعا وليست لكيان الاحتلال، والمعارك الدونكيخوتية ضدها ستجعلنا نحن الخاسرين.

أكثر العرب مُطبّعون، لكنهم كالتي ترتكب الفاحشة وتُحاضر في الفضيلة.

إن الضربَ تحت الحزام ضد الإمارات الذي تقوم به جماعة الاخوان المسلمين في قنوات مدعومة من تركيا وقطر وتيارات إسلامية أخرى عمل لا أخلاقي وقميء وجبان، ومكتظ بالشائعات والافتراءات، وليس فيه من النُبْل ذرة واحدة.

من كان لديه حِسّ عروبي ووطني ومعادٍ للاستعمار والاحتلال والاستغلال فليقاطع إسرائيلَ فقط، وليحفظ الودَّ والدفءَ والدعم والعطاء للإمارات ولو كان بينه وبينها مئة خلاف و.. اختلاف!

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 5 سبتمبر 2020   

25‏/08‏/2020

لا فائدة في العلوم والثقافة والآداب والإنترنيت!

 لا فائدة في العلوم والثقافة والآداب والإنترنيت!

كلما أبهجتني لحظات روحية جميلة مرتبطة بالدين، طاردتني فجأة فيديوهات وكليبات وحشاشيات ودرويشيات ولا عقلانيات وعباطيات تحاول أن تدفعني بعيدا عن الدين الجميل الذي أعتنقه!

الغريب أن أكثر هذه العباطيات تصلني من مثقفين ومتعلمين وأكاديميين هجروا العقل والكتاب والمعارف الإنسانية وارتموا في أحضان دعاة وشيوخ البخور والحسد والنقاب ودور المرأة في الحياة واستعلاء المسلمين كأننا شعب الله المختار.

والأغرب أن تسعة أعشار الهباليات يرسلها لي على الخاص أو أقرأها على العام أباطرتها مصريون أنفق أهلهم عليهم من عرق جبينهم ونحتهم في الصخر لكي يفرحوا بهم خُدّامـًا للوطن وللعلم وللتطور وللنهضة وللتربية لكي يورثوها أبناءهم؛ فإذا هُم بخوريون وبُخاريون، غادروا القرن الواحد والعشرين وعادوا مئات الأعوام ليتحصلوا على العلم والتقدم من كُتبٍ مُغبرة ومتربة باهت لونها وقد كُتبت على جلد غزال قبل أن يكتشف الصينيون الورق، والحملة الفرنسية في مصر .. المطبعة.

عشرون عاما في المدارس ثم معاهد أو جامعات، كُتب وملازم ومحاضرات وأساتذة ومعلمون ومراجع، وأخيرا عالم الفضاء النتّي الذي يحوي معلومات أكثر من عدد نجوم المجّرة، وعفريت مصباح علاء الدين هجرنا ليحل محله أعظم اختراع بشري يأتيك بالمعلومة والفكرة والكتاب والتفسير والفضاء وتراث الإنسانية في جوجل ثم ينتهي الأمر إلى جدال ونقاش وحوار وعراك وخصام وسباب لأننا نريد أن نعرف رأي ابن مسعود أو الترمذي أو ابن عباس.

شباب تهيئوا لخوض معارك النهضة في وقت تدوس على رؤوسنا كل القوى الكبرى، وتمدنا بالسلاح لنتقاتل، وبالاحتلال لنتصارع حول أحقيته في الاستيلاء على أرضنا، ثم نتقاتل من أجل أحاديث، قوية أو ضعيفة أو مدسوسة، كتبها البخاري فعبدناها وجعلنا منه نبي كل العصور.

كلما زدنا في دروشتنا ركب فوقنا مستبدونا وطغاتنا وشيوخنا ومحتلونا ومحتالونا، فلا أحد يسرقك قبل أن يضع أمامك كتبا مقدسة تتحاور حول فحواها.

أقوم بفتح رسائل خاصة لعلي أحظى بفائدة علمية أو ثقافية أو إنسانية أو حضارية أو نهضوية فإذا بها: الصلاة على النبي مئة مرة تشفع لك يوم القيامة، وقراءة سورة الكهف يوم الجمعة مطلب إلهي( رغم أن القرآن الكريم كله من الله)، تغطية وجه المرأة يُرضي الله لأن الرجل قد يغتصبها أو يشتهيها إذا سمع صوتها أو رأىَ شفتيها أو لمح أذنيها.

ماذا فعلت المدارس والجامعات ووسائل الإعلام ؟
الدولة تفتح ذراعيها للدراوشة والمعتوهين والمخبولين الذين قرأوا كتبا عنعنية ورثناها عن أسلافنا، فبصقنا على العلوم الإنسانية والتطور والفلسفة والمنطق والعقل.

أمامك فرصة لم يعرفها الجنس البشري منذ بدء الخليقة وتستطيع أن تكتسب خبرات وعلوما وآدابا، بل تحشر موسوعات الفكر الإنساني في رأسك من شاشة صغيرة موضوعة فوق مكتبك في غرفتك الصغيرة، لكنك تهجرها وتلجأ لأناس التهمهم دود الأرض منذ مئات الأعوام.

كما قلت: الغريب والعجيب والمضحك والمبكي أن المصريين هم دراوشة العصر، وأن ما تعلموه في المدارس والجامعات مزقه دعاة حشاشون وبورنوجرافيون وأعداء الآخر وخصوم المرأة وعبيد الطغاة والحالمون بجنة عرضها حور العين وطولها وصيفات لتكملة الجِماع.

لهذا لن يستنكر كثير من المتعلمين إذا قلت لهم بأن فلانا أكد منذ ألف عام أن الأرض محشورة في قرني ثور!

أكرر بأن هؤلاء الدراويش الذين أنفقت عليهم الدولة وأهلهم من ميزانية الطعام والشراب والرفاهية يحاولون سحبنا إلى قرون مضت، ومعارك انتهت.
الفضاء النتي مليء بعدد لا نهائي من فيديوهات وخُطب وأحاديث وتفاسير وبورنوجرافيات.
هل تعرفون لماذا أنا غاضب على الدروشة اللزجة والمتخلفة التي تطاردني في كل ساعة!
أرجوكم، من أراد أن يرسل لي شيئا ذا فائدة فأهلا به، ومن أراد أن أفتتح يومي بكلمات لعبد الله رشدي والحويني ومحمد حسان ومحمود المصري وعمرو خالد ومصطفى حسني وأبي إسلام ووجدي غنيم وعمر عبد الكافي وياسر برهامي، فأنا أفضل مشاهدة فيلم لاسماعيل ياسين لعله يكون أمتع وأبهج وأكثر فائدة.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 25 أغسطس 2020

24‏/08‏/2020

لهذا لم أعتزل الكتابة بعد!

 لهذا لم أعتزل الكتابة بعد!

قال لي: لماذا استمرت نشاطاتك لأكثر من أربعين عاما رغم أنك لم تصبح في شهرة أصغر وأحمق وأجهل إعلامي في ماسبيرو؟
قلت له: أتفق معك تماما، فأنا أقمت معرض الكتاب العربي في أوسلو( مايو 1982)، ثم أنشأت المكتبة العالمية كمركز إعلامي في العاصمة النرويجية( 1983)؛ فأفلست المكتبة قبل مرور أربع سنوات، وأنشات مع صديق عراقي إذاعة صوت العرب من أوسلو في يونيو 1987 وأغلقتها في 3 سبتمبر 1990 احتجاجا على غزو دولة عربية كبرى لجارتها العربية الصغرى، وفي عام 1984 أنشأت مجلة طائر الشمال التي استمرت ورقية لأكثر من ربع القرن، وكنت أكتب كل مقالاتها بمفردي وأقوم بتوزيع المجلة بعد تصحيحها بنفسي وإرسالها إلى أماكن كثيرة في أركان الأرض الأربعة، ثم تحولت المقالات إلى الكترونية لأسباب مادية.
وكل هذه المشروعات الثقافية كانت على حسابي الخاص!
وأصدرت أيضا على نفقتي عشرين كتابا منها؛ واحد فقط تُرجم للانجليزية، فلم أجد دار نشر واحدة تجازف بنشر كتاب لي، وكما قال ناشر لبناني في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب: أتحداك أن تجد ناشرا واحدا يقبل كتابا لك، ليس لأنك تنتقد جهة واحدة أو طاغية أو تيارًا دينيا أو سياسيا، ولكن لأنك تضرب الجميع( تقريبا)، لذا لن تجد صديقا مستمرا معك، ولا دار نشر إن وافقتْ لانتقادك خصم لها فسترفض لانتقادك حليف له!

قال لي: معنى ذلك أنه لا يوجد متعاطفون معك في كل مشروعاتك الثقافية والفكرية والإعلامية، أليس كذلك؟
قلت له: إنني أعتمد على تعاطف أصدقاء مجهولين لا أعرفهم ولم أتقابل مع أي منهم، وهم يتابعونني تلصصا، ويشدّون من أزري في الخفاء، ويتأثرون بآرائي من وراء الستار.
ثم أكملت: إن الحياة مذاق تبدو نكهته في هذه الخلطة من الفشل والنجاح، من السقوط والنهوض، من النزول والصعود، وأنا اقتربت من عامي الرابع والسبعين؛ عشت الاثنين معا: الفشل والنجاح، وأتذكر أن أول ثلاثة فصول من كتاب لي عام 1969 أي منذ أكثر من نصف القرن عرضته على الشيخ محمد الغزالي واستحسنه، لغة وأسلوبا ومعلومات وكنت في الثانية والعشرين من عُمري.

قال: ألم يأن الوقت الذي تعتزل فيه تلك المعارك والخصومات مع السياسيين ورجال الدين والإعلام والمسؤولين وغيرهم؟
قلت: معاركي كلها كانت مع كبار الكبار، فأنا لا أناهض وزيرا أو محافظا أو موظفا عاما أو حاجبا في محكمة فكلهم أصفار؛ إنما أضع سنّ قلمي في عين طاغية( مبارك، طنطاوي، السيسي، مرشد الاخوان، زين العابدين بن علي، القذافي، صدام حسين، علي عبد الله صالح، عمر البشير، الاحتلال الصهيوني لفلسطين .. وغيرهم)!

قلمي ليس للرفاهية والفرفشة ومحاربة الذباب، لكن مناهضة الذئاب ....
لو جمعت الشتائم التي نالتني في عدة عقود ووضعتها في موسوعة لبلغت صفحاتها عدد نجوم السماء الدنيا.
القلم الذي يهادن يصلح أن تُقشّر به بصلا او بطاطس، ولا أخفي عليك بأنني مدين بحريتي واستمراري حيا آكل وأشرب وأتنفس يعود إلى وجودي في بلد اسكندنافي حُر وديمقراطي، ولو كنت في بلد عربي لكانت رقبتي قد انفصلت عن جسدي منذ زمن بعيد، أو لأصابتني رصاصات عمياء من جهة أمنية أو دينية متطرفة.

لا أعرف متى أعتزل فهناك قراء وأحباب ومتابعون ينتظرونني على ناصية مظلمة لقراءة كتاباتي، الجيد منها والرديء، وهؤلاء هم الذين يجددون روحي مع كل كلمة يخطها قلمي.
لا أزعم النجاح فقط أو الفشل فقط؛ لكنني واثق بأنني عشتُ حياتي الطبيعية المليئة بالذنوب والآثام والأعمال الصالحة والتسامح والمحبة والتحديات والثقافة وعشق الكتاب ... وأن الله نفخ في روحي إرادة لازمتني وأبهجتني وأسعدتني طوال عُمري حتى لو انفضّ أكثر الناس عني.
السعادة قيمة لا يستطيع أحد قياسَها إلا صاحبها.

ثم إنني مع كل اهتماماتي بوطني العربي الكبير، وبوطني الأم.. مصر، فإنني أعيش حياتي اليومية النرويجية العادية، لغة وثقافة وصحافة وتلفزيون، وأسرة، وأبناء، وأحفاد، وعمل، وصحة، ومستشفيات، وأمراض، وعطلات، وحرية، وأمن، وأمان، وأصدقاء.

أنا اكتب؛ إذن فأنا أعيش!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 23 أغسطس 2020

18‏/08‏/2020

من يرغب أنْ يفتخر معي؟

من يرغب أنْ يفتخر معي؟

اليوم تحقق حُلم مجدي ابني(36) وصديقه شيراك(36) وخرج للعلن رسميا صندوق العمل الخيري للاجئين والبادئين أحلامهم في مشروعات صغيرة أو كبيرة والمحتاجين، ليس فقط في النرويج ولكن في أي مكان.
عندما تحدث معي مجدي منذ فترة عن قُرب الانتهاء قانونيا من توقيع العقد كانت المفاجأة تحتاج إلى شرح مفصل!

قال مجدي: الحمد لله لقد كوَّنْت مع شيراك لأكثر من عشرين عاما أهم فرقة موسيقية في تاريخ النرويج، والأكثر شهرة ونستطيع أن نبيع تذاكر أيّ حفل موسيقي في عشر دقائق.
وأكمل مجدي: لقد ربحنا، وعشنا حياة مليئة بكل صور النجاح من موسيقىَ وحفلات وألبومات وجوائز لا حصر لها، وسافرنا وغنينا في الأمم المتحدة وفي حفل جائزة نوبل للسلام وصنعنا تمثيلا وغناءً فيلما موسيقيا عُرض في مئة دار عرض ونفدت التذاكر في دقائق معدودة.

ونحن مدينان لبلدنا النرويج بكل هذا النجاح فأبي مصري ووالد شيراك هندي، وحققنا نجاحا نرويجيا لم يسبق له مثيل، لذا قررنا منذ تسع سنوات تكملة الحٌلم وذلك بالاستغناء تماما عن أموالنا من حقوق إذاعة الأغاني والموسيقى ما بقي لنا من عُمر، وأظن أن حقوق الإذاعة حوالي 75 عاما قبل أن تصبح مشاعا مثل أعمال بيتهوفن وموتسارت وشوبيرت وجريج.

سألت مجدي: وماذا سيرث أبناؤك الأربعة؟
قال: إن هناك من هم أشد حاجة من أبنائي للمال والدعم والمساندة، أما أبنائي فسيرثون الاسم والشهرة والتربية وحب الإنسانية لهذا فيجب أن يقبلوا التضحية بأرباحي أنا وشيراك، فهم نرويجيون حيث تتُاح لهم كل الفرص لحياة سعيدة في الوقت الذي حُرم منها ملايين من المحتاجين والفقراء.

كاد المحامي الذي كتب العقد يُجَن وهو يسأل مجدي وشيراك: لكن هذه الأموال هي بمثابة ( المعاش) لكما عندما يتقدم بكما العُمر!
قال مجدي: في المستقبل وفقا للعقد لن يُسمح لأبنائنا أن يقتربوا من هذه الأرباح طوال حياتهم، لكنهم سيجلسون في مجلس إدارة الصندوق الخيري لضمان التوزيع الإنساني العادل، وعملهم تطوعي بدون أجر.
مئات الأعمال الخيرية التي قام بها مجدي وشيراك طوال عشرين عاما، فسافرا لرواندا لمدة أسبوع لقضاء وقت مع الأطفال الذين تعرضوا للاغتصاب، وتبرعا للصليب الأحمر، وللجنة حقوق الإنسان، وقضيا وقتا مع مرضى على فراش الموت لادخال البهجة في نفوسهم، وقاما بالغناء للتسامح والمحبة وضد التطرف والعنصرية والاغتصاب، وقاطع مجدي اسرائيل منذ مولده، ودخل معارك إعلامية مع أكبر مسؤولين، وكتبت ضده الصحافة الإسرائيلية، وقام بحملة لمقاطعة مهرجان الأغنية الأوروبية في تل أبيب عندما علم أن الدعاية الإسرائيلية كانت مُنصبّة على مرتفعات الهضبة السورية كأنها أرض إسرائيلية.

وكان ولي العهد قد افتتح في المكتبة الوطنية في أوسلو مع وزير الثقافة الجزء الخاص بأهم 30 من الشخصيات والأعمال والوثائق والموسيقى التي تركت أثرا في خلال ألف عام في النرويج، ومن الثلاثين هناك ألبوم غنائي لمجدي وشيراك.
وقام وزير الثقافة بترشيح مجدي ليحتل مكانه وسط 18 مثقفا وإعلاميا وأديبا وناقدا لمراقبة حرية الكلمة في وسائل الإعلام، وفعلا بدأت الاجتماعات مرة كل شهرين.
وكان مجدي أول مسلم يغني للتسامح في معبد يهودي ومعبد هندوسي ومسجد وكنيسة فبكت النرويج كلها.
وبعد مذبحة 22 يوليو 2011 أبدى الملك هارالد رغبته في أن يغني مجدي للتسامح لتهدئة الغاضبين، وتم نصب شاشات عرض كبيرة في ميادين عدة.

ورفض مجدي أن يكون سفيرا لليونسيف في أفريقيا حتى لا تتقيد قدرته على انتقاد الأنظمة الديكتاتورية الأفريقية، واشترىَ الاثنان أحد أكبر المسارح في النرويج( 105 غرفة)!

وكان أحدث نجاح لمجدي وشيراك هو المجازفة بعشر حفلات ضخمة لمئة ألف متفرج في عشرة أيام متعاقبة عام 2021 لكن جائحة الكورونا تقف بالمرصاد أمام حفلات العُمر فربما يُضطرا لإعادة ثمن مئة ألف تذكرة إذا لم يوجد لقاح للوباء قبل نهاية العام.

لم تكن تلك المرة الأولى أو العاشرة أو المئة التي أفتخر فيها بمجدي، وهو حق لي لا أظن أن هناك من يطلب مني التخفيف من السعادة والفخر.
أما هذه المرة التي قال فيها مجدي بأن اللاجئين والمحتاجين والحالمين بمشروعات في بداية الهجرة أهم من أبنائه المستمتعين بالأسرة والعائلة والمال والنجاح والتعليم، فقد كبر أمامي أضعافا مضاعفة.
من يشاهد مجدي وهو يتحدث مع طفل في العاشرة ومع وزير لا يجد أي اختلاف في المعاملة.

كل الصحف النرويجية كتبت اليوم عن العقد الذي تخلىَ فيه مجدي وشيراك عن حقوق التوزيع والإذاعة لخمس وسبعين سنة قادمة للمحتاجين واللاجئين.
اليوم زاد الثراء النفسي والإنساني والعاطفي والعائلي لمجدي وشيراك عندما قررا التخلي عن الثراء المادي!
وأهم نجاح أن مجدي وشيراك ازدادا تواضعا كأنهما في أول طريق الشهرة!
أليس من حقي أن أفتخر؟

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 17 أغسطس 2020


لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...