24‏/12‏/2018

أمة ترفض الشفاء وتستمتع بالمرض!

أمة ترفض الشفاء وتستمتع بالمرض!
المشهد المصري في كل المؤسسات يتصدره الآن جاهلون وأنصاف أميين وأعداء العقل وخصوم المنطق وحُماة الفساد.
المشهد المصري من رئيس الجمهورية مرورًا بخَدَمِه، أي الوزراء والمحافظين والإعلاميين والصفوة وليس انتهاء بالأكاديميين والمثقفين وضيوف الفضائيات هو مشهد بائس وفقير الفكر وضعيف الحجة.
المشهد المصري يُمهّد لسقوط وطن خائف وسلبي وكنـَـبي(من الكنبة) ينظر ببلاهة منقطعة النظير لسلسلة في رقبته ويصفق لمن يسحبها فيجره على أرض متسخة؛ متوجها إلى المجهول.
المشهد المصري الذي لا يخلو من الضحك الهستيري في فصول تستحق البكاء هو مقدمة للهزيمة النفسية والعاطفية والدينية والعلمية والفكرية.
المشهد المصري المعادي للمعرفة، وغير القادر على الإنصات الجاد، والرافض لتحريك ماء البحيرة الآسن خشية النظافة والدخول إلى العصر، حالة من العبودية الطوعية المعلقة بالجهل والخائفة من القضاء على الفساد لئلا تستنشق هواءً نقيا يأتي من رئة العقل والوعي والثقافة والفنون والآداب.
المشهد المصري يتصدره أناس يتباهون بالجهل، ويفتخرون بعدم المعرفة، ويتعجلون الجملة الأخيرة في فقرة لم تكتمل.
المشهد المصري يشبه حالة رجل يتلوىَ في الوحل وهو يضحك بهستيريا ولذة ومتعة ثم يُصرّ أنه كان يغسل جسده وروحه وعقله بالماء المقدس.
المشهد المصري المريض تغمسه السلطة التنفيذية ومعها القضائية بدعم خاوٍ من التشريعية فإذا بالمصريين يحتفلون به كأنه يوم عُرس أم الدنيا.
المشهد المصري مُجمدّ، وبارد، وصُلب .. مربوط في أساسيات مُثبـّـتة في تواريخ مجهولة فتقف شخوصُه تدافع عن خيال المآتة.
المشهد المصري ليس مرتبطا بالسماء في أي صورة من الصور حتى لو احتشد الملايين في مساجدهم وكنائسهم زاعمين أن الله في الداخل ومتناسين أنه، جل شأنه، في أنفسهم وعقولهم وصدورهم ومشاعرهم.
المشهد المصري حالة خادعة من الدروشة الدينية والإعلامية والسياسية والثقافية والفنية والسلوكية والتربوية فأينما نظرتَ إليه تنعكس على صفحته المهتزة صورتُك وكأنك سكير في فرح كل الحاضرين فيه يتلقون العزاء وهم يرقصون.
المشهد المصري في كل جوانبه يستحق اللطم ولكن أكثر اللاعبين فيه يهنئون بعضهم البعض.
المشهد المصري أينما أبصرته أبكاك لو عرفتَ أن فيك نفخة من الرحمن، فإذا دخلت صيدلية أو مستشفى أو مدرسة أو جامعة أو برلمانا أو معملا أو مؤسسة مالية أو محكمة أو سجنا أو مسجدا أو كنيسة أو استديو في التلفزيون أو مدافن أو مشرحة أو مكتب رئيس الدولة، فيبدو المجتمع قد تلقى حقنة تخدير دينية خاطئة وضعته في غيبوبة، كان المفترض أن توقظه أو تطلق وعيــَه.
المشهد المصري لا يختلف عن لحظات سقوط أمم فضّلت الاستمتاع بعبقرية البلادة وبهجة الجهل وحماقة الصمت.
المشهد المصري حالة من النوم الجماهيري الشعبي فإذا أيقظت نائميه صفعوك بألسنة حداد، فيعاتبونك على أنك لم تتركهم في كهفهم غافلين.
المشهد المصري مغرور بمعرفة جاهلة، وبفساد رفضت الحكومات المتعاقبة ومعها رجال الدين والقضاء والإعلام أن تقضي عليه.
المشهد المصري المدفون في تاريخ مجهول يعبّ من مروياته غير الموثـّــقة ما يظنه وقودًا لقافلة تسير فإذا هو لجِمال بَرَكَتْ، والتصقت بالأرض فلا تبرحها قبل أن يأذن لها سيّدُ القصر.
المشهد المصري ترتعد كل مساماته من سوط وصوت وعلى المصريين أن يحتفلوا بالموت والظلام وسط أضواء خافتة أو باهتة من سارقي رسالات السماء.
المشهد المصري عاد خمسة آلاف عام يسأل أهل توابيت صمّاء فوجدها أكثر ازدهارًا وتحضرًا وكرامة وعدلا.
المشهد المصري السرادقي لا يبكي فيه إلا القلة العاجزة على التغيير، فالكثرة تتربص بأي حركة نهضة أو يقظة أو وعي أو شجاعة.
المشهد المصري لا يؤمن فيه المصريون بأن مصر بلدهم، إنما هي للأسياد فقط مع بخور كهنة المعبد وأوغاد الإعلام وفساد القضاء.
المشهد المصري موبايلاتي، أي تفاصيله داخل هذه العلبة الصغيرة التي لا تسمح لأحد أن يتابع ثلاثة أسطر من المعرفة حتى ينتقل إلى الترفيه.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 24 ديسمبر 2018

22‏/12‏/2018

الشُعلة ترمز للحزن ولا تحرق الأبرياء!

الشُعلة ترمز للحزن ولا تحرق الأبرياء!

في مسيرة حزن لم تشهدها المدينة النرويجية Bryne التي لا يزيد تعداد سكانها عن 12 ألف نسمة، خرج 500 شخص تقريبا يحمل كل منهم شعلة من النار في جو بارد حزنا على ابنة مدينتهم الصغيرة مارين التي اغتصبتها وحوش الغدر، ثم فصلتْ رأسها عن جسدها؛ كذلك فعلوا بصديقتها لويزا الدانمركية.
الناس لا تصدّق؛ فالراحلون يصنعون الحُزنَ لمسقط رأسٍ لم يشهد دماءً آدمية بهذه الصورة المغرقة في الألم.
تذكرتُ قتل أحمد بوشيخي في أوائل السبعينيات بمدينة ليليهامر النرويجية وهو النادل( الجرسون ) المغربي الذي اغتالته يدُ الغدر الإسرائيلية، فظنته الموساد ( التي لا تخطيء حسبما ترىَ جماعتنا من المبهورين عبريا ) أبا حسن سلامة ( الأمير الأحمر ) قائد أمن منظمة فتح في بيروت.

وخرج العامل المسكين في الواحدة صباحا من المطعم وبصحبته زوجته النرويجية الحامل، فقامت كتيبة الاغتيال القذر ( اشترك في التخطيط 12 صهيونيا ) وشُبّه لهم أنه الفلسطيني المطلوب فإذا به جرسون مغربي مسالم.
وكانت عملية القتل التي لم تشهد مثلها ليليهامر لاكثر من أربعين عاما.
اليوم في Bryne اعتصر الحُزن قلوب أهل وأحباب وزميلات وسكان هذه المدينة الصغيرة الذين لم يفهموا كيف لذئاب بشرية أن تلمس فتاتين في حماية مضيفين، فتم نحرهما باسم السماء.

تُرىَ هل أنا أحتاج لفتوى أو شيخ أو مُفسِّر أو فقيه مسلم لينهاني عن تسمية مارين ولويزا بالشهيدتين؟
لو كان الأمر بيدي لأمرت بإقامة صلاة الغائب في كل مساجد المغرب، وطلب الرحمة لهما، ليتعلم الناس أن أي نفس فيها نفخة من روح الله، ولو شجّ المعترضون رؤوسهم في الحائط.

سيعترض حمقىَ ويقولون لي بأن الإسلام بريء، وهو تحصيل حاصل( كأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولهم ماء) فاتهامي كان موجها لسنوات طويلة وما زلت أشير للمجرم الحقيقي: إنها الفتوى الفجة والساقطة والدموية والمقدسة التي تحرض على الكراهية والتكفير والتمييز بين البشر.

الحق أقول لكم: لو أن الله تعالى صفح عن إبليس يوم القيامة، والتقيته في الجنة؛ فسأصافحه، وأحاوره، فكل ما بعد الموت بين إصبعين من أصابع الرحمن.
رحم الله فتاتين ظنتا أنهما بمأمن في بلد أمين، فإذا بتلاميذ الفتاوى لهن بالمرصاد والسكين والهوس الجنسي الدموي.
في الوقت عينه أرفض الدعوات الماكرة التي تطلب من السياح تحويل وجهتهم من المغرب الساحر الجميل إلى مكان آخر؛ فستظل المغرب بعد سلطنة عُمان الأكثر أمانا وأمنا على الرحم من ذئاب تعوي بين ألفينة والأخرىَ.
رحمهما الله، وألهم أهلهما الصبر والسلوان.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويج
أوسلو في 21 ديسمبر 2018

21‏/12‏/2018

من فضلكم لا تدافعوا عن الإسلام!

خاتمةُ الرسالات السماوية نزلتْ علىَ من أدّبــَـه ربُه فأحسن تأديبــَــه، وفيها أقصىَ صور التسامح فــ ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، ونضجتْ البشريةُ ولم يعد هناك أنبياء أو مهديون أو.. مكمّلون للدين. ووعدَ اللهُ أن يحافظ على الإسلام وقرآنِه المجيد، وكان لابد أنْ نستجيب ونترك الأمرَ لله، فأعدلُ القضايا يُخربها أفشل المحامين، والإنسانُ يضع الكلماتِ الساميةَ علىَ لسانــِه فتبهتْ، ويعرض الحقَ؛ فإذا هو خصيم لما يعرضه دون أنْ يدري. ما تمنيت شيئا مثلما تمنيت أنْ يرفع المسلمون أيديهم عن ديني، وأن يؤمنوا أنَّ مُنزلـــَــه، جل شأنُه، هو حافظُه، وأنَّ الإسلامَ لا يسقطه خصومُ الأرض ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؛ ولكن يهزمه أتباعُه وهم يحسبون أنهم يُحسنون صٌنعا. الخسائرُ التي مُنيَ بها الإسلام كانت غالبــًــا نيرانـًـا صديقة من مفسرين حمقىَ، ومزايدين بلهاء، وشيوخ لا يدركون معجزة البيان وقيمة العقل والدعوة للتسامح و.. حرية العقيدة. لو رفعنا أيدينا عن الدفاع الهشّ والهستيري والدموي عن الإسلام فسينبت سموُه في صدورِنا قبل عقولنا، وسيجدد الدين نفسه، وسنكتشف روابط مقدسة كثيرة مع الأديان السماوية الأخرىَ وحتى مع الوضعية بعيدا عن طقوس لا شأن لها في عبادة مؤمن بدين آخر. كل الحروب والمذابح والقتل والصراعات التي أشعلها مدافعون عن الإسلام كانت بحجة تصحيح مفاهيم الآخرين، فجاءت أكثر مخالفة لصحيح الدين ومنها قتل المرتد وتارك الصلاة والمخالف والفيلسوف والمحاور والناقد والمجدد والرافض والحائر و .... حتى أصبح لدينا دينٌ جديد لم يُنــَــزَّل من لدُن عليم خبير. باختصار فأنا أحب الإسلام الذي ينضوي تحت لواء الإنسانية، وأنا أحب لأخي ابن آدم ما أحب لنفسي، وأنا لست محاميا عن السماء، وأخشى أن أشرح كلمات لو نزلتْ على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله فيضعف على لساني، ويختل ميزال العدل، وتتسرب الكراهية لنفسي نحو من يخالفني. قولوا لله، عز وجل، هذا دينك الذي أرسلته لنا، ونحن أضعف وأصغر وأقزم من أنْ ندافع عنه، فليكن في حمايتك يا أرحم الراحمين. قولوا للمدافعين والمفسرين والمجادلين وللمحامين الفاشلين بأنكم أعدتم الدينَ العظيم لمــُـنزِله فأصبح في حِماه، ومارسوا سلوكيات قويمة ومتسامحة. لا تدافعوا عن الإسلام لئلا ينضم إليكم من حيث لا تدرون منافقون وأفـّاكون وأفـّاقون وطابور خامس، واتركوا العليَّ القدير يحفظ لكم دينكم ويحافظ عليه من دعاة وشيوخ ومفسرين هواة هم أشد ضررًا على الإسلام من أعدائه. محمد عبد المجيد طائر الشمال عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين أوسلو في 21 ديسمبر 2018

20‏/12‏/2018

ذئاب بشرية افترست فتاتين اسكندنافيتين في المغرب!

ذئاب بشرية افترست فتاتين اسكندنافيتين في المغرب!

النرويجية مارين(28) والدانمركية(24) لويزا كانتا تقضيان عطلة في جبال الأطلس، تستمتعان بالأمن والأمان في المغرب، تتمشيان في سوق "الفناء" الشهير وهو قِبْلة كل السياح في مراكش.
في ليلة هادئة زاد شعورهما بالأمن فنامتا في خيمة صغيرة، والإرهاب لا تقترب صورته من ذهنهما.
فجأة خرج أربعة ذئاب بشرية كحيلة العيون، طويلة اللحىَ القذرة، مليئة بفتاوى نتنة ملوثة بألسنة تذبح وهي تُسبّح، تحكم بالإعدام على الجَمال، تناصر كل صور القبح الداعشية.
ولأن الجنس والحرمان والحور العين والمكافأة الأخروية ستكون سبعين منهن لمجاهدين(!) منتصبة أعضاؤهم كما قيل لهم من شيوخ الدم بأن الجنة هكذا، فقد قام الأوغاد باغتصاب الفتاتين لتفريغ شحنات متتالية من الكراهية والبغضاء ربما مع التكبير.
بعد الجريمة الجنسية قامت الذئاب البشرية بنحر الفتاتين ساحرتي الابتسامة، فالأمن في المغرب بين مسلمين جذب السياحَ الاسكندنافيين.
فُصِلتْ الرأس عن الجسد، ووصلتْ الرسالة الداعشية إلى كل الذين طاردهم بنعومة حُلم زيارة المغرب.
المتهم واحد في كل الحالات والمذابح والقتل والاغتصاب: إنها الفتاوى الدينية التي صنعت المسلم المفخخ تحت منبر المسجد أو أمام الشاشة الصغيرة .
النرويج والدانمرك يحتفل أبناء البلدين بأعياد الكريسماس، والأضواء تتلألأ في النوافذ، وفي الشوارع، والمحلات تستقبل السعداء بشراء هداية تبهج الأحباب وأفراد العائلة وكل أطفال هذا الشمال الآمن.
وهناك في عالمنا من يُعدّون الآن فتاوى جديدة عن الآخرين الكفار، وعن السياح، وعن معاداة من يخالفنا في الدين.
لو كانت الفتاتان تعلمان الغيب، وتتخيلان الجسد منفصلا عن الرأس وقد جرت الدماء على الأرض الطيبة لما وطأت أقدامهما أرضا إسلامية يُسبّح أبناؤها بكرة وعشيا!
خالص عزائي لعائلتي الفتاتين و.. للنرويجيين والدانمركيين الذين دفعوا ثمن حيوانية الدواعش.
فليكن المغرب قِبلة السفر من جديد، ووجهة الاسكندنافيين لنتحدىَ جميعا عفن وقسوة وغلظة كل الزاعمين بأنهم يتحدثون باسم الله، فإذا هم شقائق الشيطان.
رحم الله الفتاتين.. مارين النرويجية و لويزا الدانمركية، وأسكنهما فسيح جناته.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين


أوسلو في 20 ديسمبر 2018

18‏/12‏/2018

كل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد اللغة العربية!

كل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد اللغة العربية!

اليوم 18 ديسمبر هو يوم الاحتفال باللغة العربية، إحدى أهم وأقدم وأغنىَ اللغات.
واللغة العربية كائن حيّ، إذا أحببتها بادَلـتك حبــاً بحُبٍّ، وإذا تــَــغـَـزلتَ فيها غــَـزَلـَتْ لك حروفــَـها كأنها لآلــيءُ حول الاثنين معاً: عنقك و.. لسانك!

إنها لا تطلب منك أن تكون لها وحدها، فهي تــَـقــْـبـَـلك عاشقا لها ومــُـحـِـبــّاً لغيرها، ولا تعتبر وجودك في أحضان لغة أخرى خيانة، فقد تكتب بالفرنسية أو الانجليزية أو الإسبانية أو الأمهرية أو الكردية أو الأردية، فلا تشعر هــي بالغيرة لأن من يحب تلك الضاد يعود إليها ولو اعوجّ لسانه بعدة لغات.

والعربية تخفي في أحشائها موسيقى، وفي شــِـعـْـرِها أنغاماً، وفي قواعدها سُلــَّـماً موسيقياً إذا دَرَسته، ضاعفتْ اللغةُ لك قدرتــَـك علىَ استدعاء الكلمات.
إنها لا تطلب منك أكثر من إشراك الكتاب معك في حبــّــِك إياها، فإذا قرأت كل يوم بها فقد أنعـَمَت عليك بثرائها، وأغدقتْ علىَ أسلوبك كلمات يعجز عن الإتيان بها المُعجم أو .. قواميس الأسلاف مجتمعة.
وجمالها في أنها تتركك تصنع من حروفها ما يروق لك شريطة أنْ لا تصدم الذوق اللساني أو السمعي بـجــَـرسٍ يمزق الأوتارَ قبل العــَـزْف، ويخدش الحبال الصوتية بعد تركيب أيّ جملة.

لغتنا الساحرة تقاوم الاستعمار الثقافي واللساني والفكري، وإذا كان عدوها قويا، وخصمها عنيداً، اختبأتْ لردح من الزمن ثم تعود مرة أخرى، وتعيد الروحَ لصاحبها.
فيها من كلمات السماء ما يملأ الأرض، فإذا كان القرآن الكريم يمثل بها معجزة، فترجمة الكتاب المقدس من أي لغة من لغات الأرض إلى العربية يجد الروح في انتظاره على أحرّ من جمر، فتقرأ للمسيح، عليه السلام، كلمات سامية في التسامح والمحبــة ولا تصَدِّق أنها كانت بالآرامية أو العبرية أو الكنعانية أو اليونانية فعبقرية لغتنا أنها لا تصبح ترجمة بعد اللغة، أو لغة بعد الترجمة ،إنما تتحول إلى كائن حــيّ، إذا تنفسْت أمامها فقد وقعت في غرامها، وإذا تنفسـَـت هي أمامك فقد خلقتك من جديد.

أغار عليها من ألسن عجاف إذا تحدثت بها جرحتها، وإذا كتبت بها اغتالتها، وإذا مرَّت علىَ نحوها أنحته، وإذا لمستْ قواعدَها أقعدتها، وإذا مســَّـتْ صرفــَـها صرفته!

لو كان الأمر بيدي لجعلت كل يوم هو يوم عيد للغتنا، وكل عيد نـُـعيــد تنظيف ما علـَـق بها من تعبيرات الغوغاء الذين يمرمطون بها الأثير، ويلوثون الفضائيات وهم يتشاتمون بها، ويتقاتلون ببيانها، ويمتدحون الطغاة بتركيباتها فيسعد القصر، ويبكي الكوخ.
لغتنا البديعة هي الأسرع في الوصول إلى السماء، وإذا دعوت بها فقد غنـَّـيـّـت أو تـَـلوت أو جوّدت أو.. صليـّـت.

ومن سحرها أنها لم تفرّق بين الرب والله، بين "آمين" المسجدية و"آمين" الكنسية، وكانت قادرة على الولادة لمئات الأعوام ، فإذا عاد المتنبي أو البحتري أو امرؤ القيس واستضافته فضائية ثقافية غيرُ ذات عوج، فلا يدري المرءُ إنْ كان الضيفُ أبا تمام أم الأخطل الصغير!

لــغتنا الجميلة،
قضيت في أوروبا مهاجرًا لخمسة وأربعين عاما وما زلت أراكِ أجمل الجميلات؛
فهل تسمحين لي بطبع قــُــبلة على وجهك لعلَّ لساني يتطهر من أي نشوز حــَـرْفيٍّ مرَّ عليه و.. لم يغادره؟

كل الأعياد تمر وننساها، أما عيد اللغة العربية فلا نستطيع أن ننساه لأنه متعلق بالروح .. أعني بالحياة .. أقصد بجمال الوجود.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

16‏/12‏/2018

Adjø Montebello وداعا مونتبلــّـو

أرشيفي يُنعش ذاكرتي!
Adjø Montebello وداعا مونتبلــّـو

يوم الأحد الماضي، 10 ديسمبر 2017، كان اليوم الرابع والأخير من عرض الفيلم النرويجي الموسيقي Adjø Montebello وداعا مونتبلــّـو.
بعد عشرين عاما من الغناء معا، مجدي ابني وشيراك زميله وهو نرويجي من أصل هندي ( كلاهما 33 عاما ومن مواليد أوسلو )، وبعد نجاح مبهر جعلهما صاحبي أشهر فرقة نرويجية في موسيقى الراب، وعشرات الأغاني والجوائز ومئات الأحاديث الصحفية والتلفزيونية ومعارك لا حصر لها على صفحات الصحف النرويجية، من رئيسة الوزراء التي وصفها مجدي بالجُبن لأنها أرسلت خطاب تعزية لرئيس الوزراء الاسرائيلي ووصفت آريل شارون بأنه رجل دولة من الطراز الأول، إلى وزير العدل الأسبق في قضية اللاجئين، ومن هجوم الصحافة الإسرائيلية على الفرقة إلى غضب المسلمين لأن مجدي خلط الموسيقى ( باسم الله)، ومن الجماعات العنصرية التي كان لها نصيب الأسد من انتقاد أغاني الفرقة الموسيقية لها إلى الأثرياء الذين زعموا أن الأغاني تسخر من الرجل الأبيض الثري في المنطقة الغربية من أوسلو.
الفرقة الوحيدة التي غنت باللغة النرويجية في حفل توزيع جائزة نوبل للسلام، والمرة الوحيدة التي يغني فيها مسلم في كنيسة بحضور القيادات الكنسية وأعضاء الحكومة وذلك لتهدئة المشاعر بعد مذبحة 22 يوليو 2011 التي قتل فيها شاب نرويجي يميني متطرف أكثر من سبعين من شباب حزب العمال.
مجدي وشيراك يغنيان للمضطَهَدين والأجانب والأقليات والتسامح بين الأديان ولبلدهما النرويج وللثورات وللمرأة، وريع كثير من حفلاتهما تذهب إلى منظمات حقوق الإنسان والصليب الأحمر وغيرها.
في السنوات العشر الأخيرة لا يخلو حفل توزيع جائزة موسيقية منهما على رأس الحاصلين عليها، وهي الفرقة الوحيدة التي ملأت أكبر قاعة للموسيقى لثلاث حفلات في ثلاثة أيام متتالية.

عندما زادت العنصرية طلب الملك من مجدي أن يغني للتسامح؛ فبكت النرويج كلها بعدما تم نصب شاشات عرض ضخمة في بعض الميادين.
بعد نجاح يقترب من عامه العشرين قررا إنتاج وتمثيل فيلم موسيقي وثائقي يرسل رسائل للشباب في كل قضايا الوطن، ولم ينس مجدي قضايا الوطن الأم لوالده.
الفيلم هو وداعا مونتبلو، أي اللمسات الأخيرة لأغاني مونتبلو عن الأجانب والمسلمين والأثرياء والبطالة وخادمات المنازل من الدول الآسيوية والخمر والجنس والضمان الاجتماعي وألاعيب السياسيين والنفاق الديني لأقليات إسلامية استغلت تسامح المجتمع النرويجي.

كل أغنية هي نوع من التحدي الذي يسبب مشاكل وصداعا ويدخل في المعركة الإعلاميون المتفهمون فضلا عن العنصريين.
كان الفيلم هو التحدي الأكبر وتم تصويره هنا في النرويج، والمشاهد الأخيرة في جُزر البهاماس حيث يسترخي غاسلو الأموال وسط النساء والمال واليخوت والشواطيء وأموال سرقوها.
رمز جميع أغاني الألبوم هو الخنزير حيث يفهم كل شخص المقصد وفقا لهواه، فالخنزير طيب، وشرير، ونظيف، وهو يسبح في البحر في البهاماس، وقذر، وهو تبييض الأموال، والسياسي المتلاعب، والأحمق الصامت، وهو رجل الشرطة، والمتدين المنافق و ...

أكثر مشاهد الفيلم من حفل أوسلو سبكتريم الأخير في أغسطس 2017 لثلاثة أيام وهي المرة الثانية التي تملأ الفرقة القاعة كما فعلت في مارس 2013، فضلا عن أغنيات جديدة ومشاهد تمثيلية .
المفاجأة كانت عندما تم الإعلان عن عرض الفيلم قبل موعده بشهر تقريبا فقد صرحت مديرة ( أفلام دول الشمال) بأنها لم تشاهد في حياتها هذا الإقبال المجنون حتى أن نظام كمبيوتر الحجز سقط تماما، فأكثر من مئة وخمسين دار عرض سينمائية فتحت شباك الحجز الالكتروني، وبعض المدن بيعت التذاكر في أقل من ربع الساعة. وأكملت المديرة: حتى فيلم حرب النجوم الأمريكي لم يحقق هذا الإقبال.

عُرض الفيلم في كل مدن النرويج من السابع إلى العاشر من هذا الشهر، أي أربعة أيام ، وبعض دور العرض كانت تعرضه عدة مرات في اليوم في صالة خالية من أي مكان خالٍ! الفيلم يعرض الكترونيا بعدما انتهت الأيام الأربعة.
سافر مجدي وشيراك طوال أربعة أيام لتقديم الفيلم قبل بدء العرض بالشرح والتحليل وتفسير الغموض وشُكر الحاضرين( في حوالي عشرة دورعرض كل يوم).
ردود الأفعال، خاصة بين الشباب، كانت أكبر من المتوقع ولم تتم ترجمة الأغاني إلى من النرويجية إلى الانجليزية بعد، ولكن النية منعقدة على ترجمتها لفتح الأبواب أمامهما لجائزة الأوسكار في أمريكا أو مهرجان كان أو برلين.
الفيلم للأسف الشديد ليس مناسبا للعالم العربي والإسلامي لأنه كما يقول مجدي: في العالم القادم منه أبي، لا يغضبون إذا قتل متطرفٌ إنسانــًـا مُسالمـًا، لكنهم ينتفضون للدفاع عن النقاب!

مجدي وشيراك أصبحا ظاهرة مبدعة ومحيّرة؛ لم تصل إليها فرقة موسيقية في تاريخ النرويج، ومع ذلك فتزيدهما الأيام تواضعا لا فرق في الحديث إلى وزير أو تلميذ في الابتدائي، ولا يختالان فرحا، ولا يتحدثان عن نفسيهما إلا للضرورة الإعلامية.
لديه وفاء عجيب للأقربين من أسرته كالأبعدين تماما، ونحتار أحيانا عمن يكون الأقرب إليه فنجد أننا على مسافة واحدة.
احتجّت إسرائيل لأن مجدي استخدم كلمة يهودي في أغنية وأيضا في فيلم يرمز إليه الخنزير، فقال مجدي بأنه المسلم الوحيد الذي غنى في معبد يهودي وآخر بوذي وثالث هندوسي وكنيسة ومسجد، وأن والده مصري عربي من الساميين، وأنه لا يفرّق بين الناس حسب معتقداتهم رغم أنه يرىَ إسرائيل دولة معتدية وتحتل أرض الفلسطينيين.
في التاسعة من عمره قال لوالدته بأنه تعلم أن يقاطع إسرائيل منذ مولده حتى آخر يوم في حياته، ولم ينكث الوعد، أطال اللهُ في عُمره.
في الثامنة من عُمره جاءني معاتبا: هل توقفت عن مقاطعة اسرائيل؟ قلت له: لم ولن أتوقف. قال: انظر جيدا إلى المزمار الصغير الذي اشتريته لي وستجد اسم اسرائيل مكتوب بخط صغير وغير واضح، ولكن عليك أن تنتبه جيدا عندما تشتري لي أي شيء!

لا يغني للكبار فقد طلبت منه مرة بناءً على رجاء من زميلة أن يكتب كلمات أغنية للملك ويغنيها في حفل خاص؛ فسألني: إن كان هذا مهما لك فسأفعل! فقلت: ليس مهما؛ فردَّ: وأنا لا أغني للملوك!
ساعدني مرة في حمل كنبة من محل للأثاث، وفي الطريق اكتشفتُ أن لديه موعدًا مع رئيس الوزراء السابق ( سكرتير عام حلف الناتو حاليا) ولم تبق أكثر من عشر دقائق. طلبت منه أن يذهب لموعده، فرد قائلا: أبي أهم من رئيس الوزراء، فعلى الأخير أن ينتظر! 
في أغنيته في الكنيسة بدأها بأنا مسلم، وزميلي هندوسي، وفي الفرقة مسيحيون ولا دينيون، لكن تجمعنا الإنسانية وحب بلدنا النرويج.
لو خُلق التسامح رجلا لكان مجدي، وهو أب لثلاثة ملائكة وعفاريت صغار! يؤدي دوره الأبوي كأنه رسالة سماوية ولا يسرق من وقتهم دقيقة حتى لو كانت لي!
يعامل زوجته كأنها أميرة لم تسقط الملعقة الذهبية من فمها، وهي بالتالي تُربي أولادهما الأشقياء تربية سليمة، رغم أن مجدي قد يعود من سفرٍ أو حفلة أو غناءٍ مرهق، ثم يبدأ في المساعدة في البيت وتنظيف الحديقة وتركيب الدواليب وتغيير ملابس الأطفال والقراءة لهم.

لم يتحدث ولو مرة واحدة طوال حياته بكلمة سيئة عن أي دين أو أتباعه.
عندما عُرض عليه أن يكون سفيرا لليونسيف رفض خوفا من أن هذا المنصب الشرَفي سيمنعه من الغناء ضد الطغاة في أفريقيا وآسيا ( خاصة زيمبابوي )، ورفض الغناء لمحلات ماكدونالدز بمبلغ كبيرلأنها تقدّم للأطفال طعاما يؤذي أمعاءهم، ورفض الغناء أول مرة في الثانوية العامة وقال للمديرة: معذرة فالطلاب في مدرستي لا يفهمون إلا لغة الأغنياء، ونحن نغني للفقراء، وألغى حفلا لأن مهندس الصوت لم يكن محترفا.
تعلم ركوب الأمواج في مدرسة بكوستاريكا مع اللغة الإسبانية، وقوته في لغته النرويجية ويتحدث العربية والنرويجية مع أولاده ولغته الانجليزية مبدعة وفرنسيته سيئة، وماهر في الكيكبوكسينج والسباحة وأفشل لاعب كرة قدم في النرويج كوالده تماما وشقيقه الأصغر ناصر، ودرس الفلسفة في جامعة أوسلو.
قضى وشيراك أسبوعا في رواندا لمواساة الفتيات الصغيرات اللائي تعرضن للاغتصاب.
يتابع أخبار الدنيا دقيقة بدقيقة، وكان قارئا نهما وانتقل إلى القراءة الالكترونية منذ عدة سنوات.

غنّى في مقر الأمم المتحدة بكندا، وفي السويد والدانمرك والمجر، ويعرفه كل شاب نرويجي تقريبا، وولي العهد يحفظ كل أغانيه عن ظهر قلب، أما في العالم العربي القادم منه أبوه، وخاصة في مصر، فهو مجهول تماما، بل صفر على اليسار، رغم أن ألبوما له وشيراك جاء في إحدى المرات قبل ألبوم مادونا، وأن رئيسة وزراء النرويج عجزت في حفل أوسلو سبكتريم عن شراء تذكرة، ربما لأنهما تصادما من قبل بسبب مديحها في آريل شارون، فاتصل به مكتبها لتوفير تذكرة لها ولم يتأخر قطعا.
قابلته وهو يلهث من مكان إلى آخر وسألت عن السبب فعلمت أنه أجرى 13 حديثا صحفيا وتلفزيونيا في يوم واحد.
رغم أن بعض أغانيهما تحقق مشاهدات مليونية، لكن مجدي لا يتفاخر أو يتباهى ومن يقابله يظن أنه في سنة أولى غناء وموسيقى.
لا يردّ طلبا إنسانيا وأتذكر أن عائلة فتاة نرويجية مصابة بالسرطان أبلغت مجدي وشيراك أن ابنتهم لن تعيش أكثر من شهر، وتتمنى أن تجلس معهما قبل أن ترحل عن الدنيا وهي في التاسعة عشرة من العُمر. وفعلا ذهب مجدي وشيراك وأمضيا يوما كاملا ومبهجا مع الفتاة المريضة لتغادر الدنيا سعيدة بتلك الساعات، وكان أصعب شيء هو استخدام كلمة ( المستقبل )، فالحديث عن المستقبل لم تكن لتفهمه الفتاة.
وقالت له قسيسة لإحدى الكنائس بأن ابنها الذي مات في حادث في سن الثامنة عشرة كان مجدي مثلـَـه الأعلى، وأنها لم تلمس ألبومات مجدي في غرفة ابنها بعد وفاته لكي تستريح روحه.

كل المشاكل والأزمات والكوارث يبتسم لها مجدي كأنها بداية أفراح، وأن الله يقف على مقربة منه ليتدخل.
أصدر سبعة ألبومات، وكتابا عن حياته وزميله شيراك، وكتابا مصورًا عن الهند التقط الصور بنفسه لمدة شهر.
كل الأديان سامية وجميلة كما يرىَ مجدي، وفي صلاة عيد الأضحى الأخير أخذ معه ولديه التوأمين لأول مرة ( عمرهما 3 سنوات )، ولعلهما ظنا أن المسجد مكان للعب، وكانا يجريان بين أرجل المصلين؛ فابتسم ولم يعاتبهما أو ينهرهما بسبب الصخب الذي ملأ المكان بصياحهما، ويؤمن بأن الله فرِحٌ بضحكات أطفاله.
خرج في إحدى المرات من صلاة العيد والتف حوله الشباب يريدون توقيعه ( أوتوجراف)، فاستوقفه مسلم متطرف وطلب منه أن يتوقف عن الغناء الذي هو حرام! ردّ مجدي: لكن والدي الذي يعرف دينه جيدًا قال لي بأن تحريم الموسيقى حرام، فبُهت الرجل و .. انصرف!

هذا جزء من حكاية ابني مجدي وفي جعبتي كأب مئات الحكايات وأخشى أن يضيق صدر أصدقائي بها. 
مبروك لمجدي وزميله شيراك ولفرقة كارب ديم ولكل الذين اشتركوا في الفيلم ( حوالي 300 شخص ) ولكل الذين اشتركوا في اخراج حفل أوسلو سبكتريم ( 700 شخص ).

مبروك لابني مجدي من أبٍ فخور به.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 14 ديسمبر 2017

08‏/12‏/2018

لماذا انتخب المصريون الإسلاميين؟

أرشيفي يُنعش ذاكرتي!
لماذا انتخب المصريون الإسلاميين؟
الدينُ كـَكـُل أيديولوجية سماوية أو وضعية، وأيضا كأيّ قيمةٍ كبرىَ في الدنيا يستخدمها الطيبُ والشرس، المسالمُ والإرهابي، المتسامحُ والطائفي، المظلومُ والظالمُ، الاستشهاديُّ والانتحاري.
الدين، الحرية، العدالة، الحب، التقدم التكنولوجي، البورصة، الأسعار، مجلس الأمن، الفيتو، البحوث العلمية، الاستفتاءات، السلطات الثلاث، الإعلام .. الخ
كلها أشياء تستطيع أن تستخدمها في الخير والشر، فتقتل باسم الحـُب، وتظلم تحت راية العدالة، وتغشّ وأنت تقوم بتعديل الأسعار، وتـُكـَبـِّـل المـِعـْصـَمـَيـّن زاعماً أنك تـُحرر إنساناً، وتـُعـَمـّم التزويرَ في الاستفتاء، وتنضوي السلطات الثلاث تحت راية الاستبداد، ويتنفس الإعلام كذباً في برنامج الحقيقة المطلقة.

صندوقُ الاقتراع أحد هذه الأشياء التي تأتيك بعبيد أو أسياد، بكفاءات أو جهالات، بمخلصين أو لصوص، بوردة أو سيف، لكن المهم أن سوءَ النيــّة يتداخل مع حــُسنها، فيظن صاحبــُها أنه يـُرضي اللهَ تعالىَ فإذا بالشيطان يرقص طرباً لخيارات الطيبين والبسطاء كفرحتــِه بالمجرمين والأشرار.
خيارات المصريين لم تكن عادلة لأن أحـَـدَ الطرفين في بلد يحتل التديــّن الفــِطري، والمتواضع، والتقليدي، والموروث يزعم أنه متحدث باسم الله على الأرض، وأنه سيــُـطبق شرع الله مع السؤال المكرر لانهائياً:( هل أنت أحرص من الله على حقوقك؟)، فيخرس، وينظر في الأرض خجلا من يتبادر إلى ذهنه سؤالٌ يــُغضب ربـَّه، أعني لا تـَرْضىَ عنه الجماعة!

المعركة لم تكن متكافئة رغم أنَّ أحدَ طرفيها كان داعية مخلصا لكرباج ولي الأمر، ومنافحاً عنيدا عن ظلم أمير المؤمنين ولو ضرب ظهرَك، واغتصب كلَّ حريمِ أهلك، وأخرج القليل مما في بطون أبنائك ليضيفه إلى مائدة طعام قصره المليء بخيرات شعبك.
والطرف الثاني وفقاً لتفسيرات الأول علماني ملحد وليبرالي خليع وكاره للإسلام ومغرم بالقيم الغربية المنحلة ويبحث عن اغراق المجتمع بالفساد حتى يتحقق هدف أعداء ديننا من الأمريكيين والصهاينة والغربيين!

صندوق الانتخاب لم يكن في حاجة لأكثر من وصف المعركة على أنها بين الخير الإسلامي والشرّ العلماني، فثلاثة من كل عشرة أصوات لا يعرف أصحابــُها القراءة والكتابة، وسبعة من كل عشرة يقرؤون بصعوبة بالغة، وثمانية من كل عشرة يجمعون ليوم القيامة حسناتٍ في الانتخابات لعلها تــُغـَطــّي على سيئات في كل مناحي الحياة!
الزاعمون أنهم صوتُ الحق الإلهي يضربون تحت الحزام، فالجماهير تنحاز لمن يبني لها جنة في الآخرة مقابل الرضا والقناعة بعشة صفيح في إحدى العشوائيات المتناثرة في القاهرة الكبرى، والجماهير تعشق الإكليشيهات الجاهزة والتي لا تحتاج لعقل أو منطق أو تحليل أو شكّ أو توقف تأملي لبرهة أو أقل، فــ( الاسلام هو الحل)، و( الله سيرزق أولادك من فوقهم ومن تحت أرجلهم) و( الحاكم الظالم له نهاية) و ( المرشح المؤمن خير من الكافر العادل) و ( الزكاة المباركة أفضل من المليارات المتحصلة من الضرائب ) ... الخ
المخدرات ليست فقط تلك التي يُهــَرّبها تجار السموم، ولكنها أيضا في ألسنة وأقلام دعاة السكون والصمت والقبول بالأمر الواقع وانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة، فانتهى الأمر بسرقة وطن، ونهب دولة، واستئساد طاغية على رقاب شعبه!
الناخب لا يبحث عن الكفاءة والعلم والإدارة، لكنه سيـُصـَوّت لمن يــُحـَدّثه عن ضرورة ارتداء الحجاب والنقاب، وعن الرقابة على أفلام الانحلال الخــُلـُقي، وعن أهمية رضا الله وطاعته في طاعة ولي الأمر، وليس في الدفاع عن الحق، والاعتصام من أجل المعتقلين الأبرياء، ومحاربة الغش والاحتيال ورفع الأسعار واستغلال السلطة وأهمية الكتاب في حياة الناس.

الناخب يريد أن يكسب رضا من يبيع له حسنات سواء بالمساعدة على وصوله إلى الحرم الديمقراطي أو بعدم التصويت للعلماني الذي تمكن الزاعمون بأنهم حزب الله على الأرض من تشويه صورته.
وأخطأت القوى الليبرالية عندما لعبت في أرض الخصم، وأجبرها أن تستخدم أسلحة يجيد هو التصويب بها حتى لو أخطأ، فالناخب سيرى كل ضربة من الإسلامي موجعة لليبرالي، والمعركة بهذه الطريقة لا تحتاج لصوت العقل، ولا لنهج المنطق، ولا يكترث أحد للموضوعية والحقائق والتوثيقات، ويكفي أن يضع أسماء كبيرة مثل البخاري ومسلم وابن عباس والترمذي وأبي هريرة حتى لو كان الموضوع عن التصحر والنظام المالي وحقوق الإنسان والصعود إلى الفضاء وبناء جيش حديث، ثم يــُغـَلـّفه بتعبيرات جميلة كالسلف الصالح والآباء الأولين ومن عاشوا في القرون الثلاثة الأولى فتصبح المعركة محسومة مسبقاً لصالح صاحب الملعب والكرة و.. الجماهير المشجعة.

على باب لجنة الاقتراع تستطيع أن تهمس في أذن الناخب المصري البسيط مستنكراً أن يعطي صوته لمن لا يحتكم إلى شرع الله، فأحدهم أقنع الناخبين الطيبين أن منافسيه يؤيدون الكافر نجيب محفوظ الذي وضع رواية( أولاد حارتنا) لكنه لا يذكر أنها عام 1957، يسخر فيها من الله ورسله، فالمرشح الإسلامي، لا يتحدث إلى الناخب عن فن الإدارة، وملايين القضايا المهمـَـلة في ملفات المحاكم، وميزانية البحوث العلمية، وكيفية القضاء على أمراض الكبد الوبائي والسرطان، وتثبيت سعر الدواء، وكيفية توفير ميزانية لعلاج الأطفال مجاناً.
في العالم العربي ستحسم صناديقُ الاقتراع أيَّ معركة انتخابية لصالح من يبحث عن حلول مُعضلات الحاضر في حكايات عن أناس مرّوا على الدنيا منذ مئات السنين، وآلاف من الأحاديث التي يختلط فيها الحق بالباطل، والمعلوم بالمجهول، والمؤكد بالموضوع في زمن كهنة السلطان ستدخل المعركة بلافتات تدعم أحد المرشحين ولو مرت عليها قرون عدة.
صندوق الانتخاب يصلح في بلد لم يعد يتعرف على أميٍّ واحد، ولا يصل إلى فتحة الصندوق صوت لمرشح استخدم المقدس في حملته الانتخابية، واستدعى شهوداً من المقابر، واستعان بتفسيراتٍ لا علاقة لها ألبتــّة بعصرنا وزمننا وظروفنا.
لهذا كان طبيعياً أن يرفض عدد من النواب القــَسـَم كما هو معروف في الدستور فأضافوا إليه شرط عدم تعارضه مع شرع الله، وبالتالي يمكن رفض أي مشروع حتى لو كان إنشاء دار للأوبرا في صعيد مصر بحجة أن ابن عباس فسـَّر( اللهو) في الآية الكريمة على أنها الموسيقى والغناء.

يصغر العقل، ويتقزم، ثم يختفي عندما يضرب النائبُ طوقا من الغموض والابهام على طروحات البرلمان، فلغتنا الجميلة مليئة بمـُســَكـِّنات لا حصر لها، وإذا كنتَ إسلامياً وعارضتَ رأياً مخالفاً لقناعاتــِك عن مشروع ثقافي أو فني أو تعليمي أو جامعي أو طبي فالحجة بين يديك، ولا تحتاج لقراءة صفحة واحدة عن المشروع، فتقف بشموخ وتزعم أنك تشم رائحة تشويه صورة الإسلام، وأن ابن عم صاحب المشروع كان يعمل في قناة خليعة أو أن ابنته تقضي العطلة على الشاطيء في الغردقة!
نتائج المعركة محسومة، ومحجوزة، ومضمونة لمن تمكن من التعبئة النفسية والوجدانية والعاطفية والروحية لصالح برنامجه الوهمي، ويكفي تأكيده بأنه سيعمل الخير، ويحافظ على مصالح أبناء الدائرة(وليس الوطن)، ويستجيب لمطالبهم، ويبني لهم مسجداً جديداً، ويزرع التقوى والإيمان في أرجاء القرية، وتلك هي أقصى امكانياته العقلية والعلمية والإدارية والثقافية!

انتخب المصريون الإسلاميين لأن الاسم يشي ويوحي بوقوف الله، تعالى، مع حزبه المنتصر حتماً، رغم أن أول فصول التزوير يحملها الاسم ذاته، فكلنا إسلاميون، والقبطي الذي يتساوى مع المسلم في كل الحقوق، دون أي استثناء مهما صغر، وأن أمنه وأمانه وحريته وعدم التمييز ضده في أدنى الصور غير المرئية ضمانة حقيقية، هو أيضا إسلامي، فلماذا يزعم فريق، زوراً وبهتاناً، أنهم إسلاميون أكثر من الآخرين، وأن العلي القدير منحهم بركات من السماء وحـَجـَبـَها عن غيرهم!
أما الحُكم بشرع الله فتفسيره الواقعي تـَرْكُ شؤون الدنيا والدين لبعض البشر لعلهم يستنبطون من الدين أحكاماً تناسب أهواءهم، وتفسيرات لا ترهق عقولــَهم، وسُلطة مُغـَلــَّفـة بالتقديس، وزعامة تزعم أنها خلافة، واستبداداً لا يحتاج لأكثر من دقيقتين من التشاور حتى يصدر الحُكم بقطع الرقبة.
إنني مؤمن إيمانا عميقا بشرع الله كما هو في ذهني أنا فقط، أي حُرْمة الأميــّة، ونسبة مئوية كبيرة من ميزانية الدولة إلى البحوث العلمية، ومخالفة اخفاء براءات الاختراع، والعلاج المجاني غير المؤجل لكل طفل تحت سن الثانية عشرة، والمساواة الكاملة بين المواطنين، وأن التكفير كـُفــْر، وأن بناء المساكن فوق الأراضي الزراعية مُحــَرّم تحريماً قاطعاً، وأن التفريط في فائض مياه النيل مخالف أيضا لشرع الله.
شرع الله هو تذويب الفوارق الكبيرة بين الطبقات إلا الطبيعي منها، وإيجاد حل لمليون طفل في الشوارع، ومستشفيات ذبح ميزانية المواطن المسكين مخالفة لأحكام الإسلام، ومنع ترميم الكنائس إلا بأمر السلطة عمل مناهض لعدالة السماء.
شرع الله أن لا ينام المصريون وأحد أبنائهم يتوجع في زنزانة تحت الأرض ليوم أو بعض اليوم، وأن تجند الدولة إمكانياتها لتعميم الثقافة الإنسانية والعلمية بكافة أنواعها.
وشرع الله أن نطيعه، سبحانه وتعالى، إذا طلب منا أن لا نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، ولكن ما آمنت به قلوبنا وعقولنا ووعينا.

وشرع الله، عز وجل، أن نقرأ الآية الكريمة التي تحثنا على التعارف شعوبا وقبائل، وبالتالي فاخفاء وجه المرأة حرام حــُرمة كاملة لأنه يفتح للمجتمع الآمن باب الرذيلة والفساد والارهاب والمعاصي والخيانة الزوجية.
وشرع الله يعني الكفاءة قبل زبيبة الصلاة، والعبقرية العلمية والإدارية والفكرية قبل اللحية، والشرعة العالمية لحقوق الإنسان لا تتعارض مع الحقوق في الإسلام، ولا مانع من الخلافات الصغيرة في تفاصيل تختلف من بلد إلى آخر.

وشرع الله في شوارع نظيفة، والقضاء على الدروس الخصوصية، ورفع الأجور، وزيادة الانتاج، وحرية النشر والابداع، ومنع الاستغلال والغش، وافتتاح مكاتب لحماية المستهلك، و ..
هذا هو شرع الله الذي أفديه بحياتي ودمي دون أن أزعم أنه يمنحني أفضلية وأولوية ومكانة أعلى من الآخرين، فالعزيز الجبار ربُّ كل البشر.

صناديق الانتخاب في العالم الثالث أكبر عملية غش باسم العدالة، فهي تصنع طغاة اختارهم ناخب مشوّش الفكر، محدود القدرات، مخدَّر إعلامياً، مُسيّطــَّر عليه من سارقي التفسيرات باسم الدين.
هذا هو تفسيري لتصويت المصريين لصالح الإسلاميين، وكذلك تفسيري لشرع الله، وأعتذر للذين سيهرب النوم من عيونهم، فالصدمة شديدة عليهم!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 13 فبراير 2012

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...