28‏/10‏/2018

رسالةٌ لي من مؤيد لتغطية وجه المرأة!


رسالة لي من مؤيد لتغطية وجه المرأة!

مضتْ سنوات وأنت تكتب، وتحرّض المرأة على إظهار وجهها ومخالفة آراء وتوجيهات شيوخنا وعلمائنا وفقهائنا، ولم يقتنع بهراءاتك إلا حفنة من أعداء الإسلام الذين يرغبون في جعل نسائنا كاسيات عاريات، يمشين الهوينا بالبكيني دون حياء أو .. خوف من عذاب مقيم.
وأنا ومعي كل دعاة تغطية وجه المرأة سنظل  نقاوم دعوتــَـك، ونشكك فيها، ونستخرج من كتبٍ صفراء فاقع لونها كل ما يساند، ويعاضد جبهتنا العريضة والواسعة الانتشار والممتدة من كل لحية وزبيبة إلى كل داعشي وسلفي واخوانجي.

رزقنا الحرام في نقاب المرأة وإلا كيف يتسلل الواحد منّا إلى بيت جارته فيظنه الساذجون امرأة، فيخون ويرتكب كل الموبقات في حرمات منزل، وربُّ البيت لا يجرؤ على الاقتراب مني أو نزع النقاب أو حتى سماع صوتي المُحرّم!
أعرف إرهابيا يرتدي النقاب الذي يُسهّل له تهريب متفجرات، وقتل الأبرياء، والتجول بحُرّية من مكان إلى آخر بعد كل عملية، فالمجتمع الأحمق ورجاله الممغنطة عقولهم اللزجة يرجعون إلى أقوال مرّت عليها مئات الأعوام، فيطبقونها حسبما تقتضي الرؤية المفزعة لتدمير مدرسة أو مستشفى أو ذبح أطفال صغار.
أعرف شابا مهووسا بالجنس يدافع عن النقاب كأنه قطعة من قلبه، فيرتديه بطريقة مُحَنــّـكة وفنية يبدو فيه كأنه امرأة تداعب الخيال البورنوجرافي؛ فيسقط ذكور الأمة عن اليمين وعن الشمال.
هذا الشاب ارتكب كل المُحَرّمات في البيوت وفي الأزقة المظلمة، وخان أقرب جيرانه، وتواعد مع نساء وفتيات في غرف نومهن، وربُ البيت نائم يصدر شخيرًا يزيد به الخيانة عفنا.
أعرف مُهربا للمخدرات يرتدي النقاب، ويُكحّل عينيه أو يغطي وجهه كله، ويضرب الأرض بكعب حذائه العالي، وتتفتح له كل الأبواب حتى أنه أدخل كمية من الكوكايين في المنزل المجاور لبيت مدير الأمن.
كيف تدعو لسفور المرأة وظهور وجهها فتُحْرمني من اغتصاب الأطفال وهي متعتي الكبرى، فالطفل لا يستطيع أن يتعرف عليّ، وربما يخاف من قصّ حكايتي معه، فالأم الحمقاء والأب الساذج لا يُشكّان في كل زياراتي للحواري الضيقة المحيطة بمنزلهم.
النقاب وتغطية وجه المرأة أعظم وأجمل هدية من إبليس للمرأة اللعوب والرجل الخائن، أمام مجتمع أهبل وعبيط ومتديّن، ومدافع مستميت عنــّـا، نحن الرجال الذين يحاربون بشراسة من أجل أن يقتنع كل صاحب مخٍّ مخاطي أن الإسلام يدعو إلى تسهيل الإرهاب والتهريب والاغتصاب والخيانة الزوجية ودخول العشيق إلى أي بيت محرّم على الغريب، وحلال على من يرتدي غطاء وجه امرأة فتتفتح أمامه كل الأبواب.

إن رجال الأمة تقلصّت الشهامة في نفوسهم، ولا أحتاج للدفاع عن النقاب، فأنت تطالب بمجتمع حرّ كما هي توجيهات العلي القدير، نعرف ونتعارف بوجوهنا وعيوننا وأصواتنا وأجمل قرائن المعرفة، بصمات الأنامل وهوية الوجه، فيأتيك الهجوم الأحمق من كل مكان، وأصدقائي من دعاة تغطية وجه المرأة يجادلونك، ويحاربونك، ويحاورونك في البكيني والسفور والخلاعة والعري كأن دعوتك للفضيلة الظاهرة تخفي وراءها رغبة في اشتهاء المرأة.
أنا أدعو وأتمسك بعباطة تغطية وجه المرأة، فكلنا، دعاة النقاب، متحرشون وخائنون لزوجات جيراننا وإرهابيون ومهربون ومخرّبون ومغتصبون، وأنت تدعو لمجتمع نظيف مفتوح وفضيل وطاهر.
أنا أكتب هذه الكلمات وأصارحك علىَ الملأ أن تأييدي لتغطية وجه المرأة لفتح كل أبواب الموبقات الخفية أمام مجتمع أحمق يمسك رقبتــَـه دعاةُ دين يعرفون ويفهمون أن تغطية وجه المرأة أكبر عمل خبيث قام به الشيطان، ووجد من المسلمين مؤيدين ومتعاطفين أكثر مما كان يحلمبه مَلـِـكُ العُصاة.
كل من يردّ على هذه الرسالة ويدافع عن تغطية وجه المرأة هو صديق لي، نتماسك، ونرهب، ونغتصب، ونخون، ونُهرّب أمام أعينكم وأعين السلطة والأمن والجيش والأزهر والدعاة والمثقفين.
هل تصدّق يا من تُحذر الناس من النقاب أنَّ معظم شباب الجامعات المصرية الذين سيتولون شؤون أم الدنيا بعد سنوات هم دعاة نقاب، فنحن الدعاة الحقيقيون ختمنا على أقفيتهم، ثم بصقنا عليها، ثم تبَوّلنا على شهاداتهم الجامعية، ثم علـّـمناهم أنَّ الجهل علم، وأن الكتاب عدو الدين.
هذه رسالتي لك بعدما تابعتك لأكثر من ثلاثين عاما وأنت تدعو لفضيلة تعارف أبناء الوطن، رجالا ونساءً، وماذا كانت النتيجة؟  لقد زادت أعدادنا، وتبخرت علومنا، وصدأت عقولنا، وانتعشت تجارتنا في الجنس والإرهاب والتهريب والتحرش واغتصاب الأطفال.
رسالتي لك، يا من تُحرّض على نزع غطاء الوجه عن المرأة فتحرمنا من رزقنا في المُحرّمات، لن تؤثر قيد شعرة في قارئيك إلا حفنة قليلة أنعم الله عليها بالعقل .. فحفظته، وبالطُهر ..فحافظتْ عليه.
أصارحك الحق: أنا الأقوى في مجتمع مُخدَّر بالسلطة ورجال الدين وحماقة الإعلاميين وجُبن المثقفين خشية اتهامهم بمعاداة الدين.
بعد دقائق أتوجه إلى حارة مجاورة متحيّنا فرصة طفل بريء يمر بجانبي، وتنتهي حياته الطبيعية هذا اليوم، ويظل المسكين يبكي مولدَه في مجتمع جبان ومريض، فأنا ساغتصبه ورجل الأمن الذي مرّ لتوي أطرق في الأرض خجلا، ظنا منه أنني امرأة منقبة ولست رجلا عدوا لأبنائكم، أستمتع بأجسادهم الغضّة الضعيفة.
أو ربما بعد دقائق أقوم بتسليم شحنة مخدرات، أو متفجرات لإرهابيين أعدوا عملية ضد أبنائكم شباب الجيش أو الشرطة.
أو ربما أدلف إلى البيت المجاور، وأدخل رافعا رأسي ومغطيا وجهي، فيصفق لي إبليس، ويصفع صاحب البيت الساذج والمنشغل بقراءة القرآن الكريم وهو سعيد بحجب حريمه!
لم يحدث في تاريخ الفضيلة والطُهْر والعفاف والسلام والأمن أنْ كان عملنا، نحن أعداء الله والبشرية والأديان والأخلاق، سهلا وميسّرا وفي حماية المجتمع والمنبر والمثقف والسلطة كما هو الآن.
أتركك الآن فتغطية وجهي هي سلاحي المرّخص به منكم، وما عليكم إلا أن تبحثوا عن أشلاء قتلاكم وعن فلذات أكبادكم المتحرش بهم و.. بهن، وعن شهدائكم الذين سقطوا في كمين نصبه لهم منقبونا أمام أعين ضباطهم.
قوموا إلى صلاتكم، وحافظوا على نقاب حريمكم، ولا تنصتوا لدعاة إظهار وجه المرأة، وحاربوهم حتى تستمر في الأرض الفتنة والفساد والخيانة والإرهاب والتهريب.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 28 أكتوبر 2018



27‏/10‏/2018

المجانين فقط يحبون أوطانهم! من يبلغ بهية؟



من أرشيفي!

المجانين فقط يحبون أوطانهم! من يبلغ بهية؟

القاضي الذي يجعلك تصرخ حتى تسمع صراخــَــك وحوشُ الغابة والأسماك في قاع المحيطات والطيور في السماء والأجنة في بطون أمهاتهم، ثم يدّعي أن صوتك

لم يصله أو يتهمك بالصمت خوفا وخشية وجبنا وفزعا، هو أكثر قسوة ووحشية من المستبد الذي يمزق حبال صوتك أو يقطع لسانك أو يسلط عليك رجالَ أمنه الذين يحرسونه منك ومن أمثالك.
وأرض الكنانة واحدة من الذين إن قيل لها قتيلك قالت أيهم فهم كُثر؟ فعشاق بهية أكثر عددا من أبنائها، يشربون من ماء النيل كأنه شراب طهور حتى لو ألقت فيه كل شركات الاستثمار الفندقية ومقالب القمامة ما يجعله يتمنى أن يغير مجراه، أو يعود من حيث أتى، أو يلعن يوم مولده في فيكتوريا وبدء رحلة المتاعب والمشاق التي لم ينتبه إليها شاعرنا محمود حسن إسماعيل وهو يتغزل به ويقول: سمعت في شطك الجميل ما قالت الريح للنخيل، يسبح الطير أم يغني ويشرح الحب للخميل وأغصن تلك أم صبايا شربن من خمرة الأصيل؟

أما إن كان غرامك بمصر يعبر عنه قلم بين أصابعك، فقد أحكمت لك العقدة التي لا حل لها، فإذا أضفت إليها هوية تحملها في جيبك وفؤادك وبين جوانحك، وماضيا جميلا تتحسر عليه، وأهلا وأحبابا وأصدقاء تخاف عليهم مصيرا مجهولا، فقد أصبح ملك الموت أقرب إليك من حبل الوريد حتى لو تركك ردحا طويلا من الزمن، فأنت في سياق مهمته ميت نصفه حياة وروح لم تخرج من الجسد بعد، لكن لم يعد لها فيه موضع أو راحة. 

في كل بلاد الدنيا، سواء منها الديموقراطية أو المستبدة، تؤتي الكلمة أكُلــَــها بعد حين، ويستجيب لها المستبد والديموقراطي على حد سواء، ويعود صاحبها إلى أهله سالما أو يذهب وراء الشمس شهيدا للقلم والحرية والسلطة الرابعة. 
لو تنفست في العراق وكانت أنفاسك على غير ما يهوى أحد رجال السلطة أو كلاب القصر أو عيون الأمن، فلن تعود إلى أهلك إلا بروح جديدة وجسد دمرته أعقاب السجائر والعصي الكهربائية والأسياخ المدببة التي يعرفها كل عراقي في عهد الرئيس صدام حسين، أو عبد الله المؤمن كما كانت تصفه صحافة الأردن وفلسطين. 

لو كنت في ليبيا وتبادر لذهنك انتقاد اللجان الثورية، أو طرحت سؤالا بريئا عن أموال البترول منذ أن تولى الشاب الصغير الساذج معمر القذافي مقاليد الحكم، وأوامر الحياة والموت وحراسة ليبيا من شعبها، أو شككت في عبقرية واضع الكتاب الأخضر، أو قلت إن قائد الثورة ليس أفضل روائي في تاريخ الأدب الحديث، أو وضعت علامات استفهام عن الهزيمة في تشاد وتسليم أسرار الجيش الجمهوري الأيرلندي لمخابرات بريطانيا العظمى، أو الفقر في جماهيرية العقيد التي ملكت من الأرض والزرع والأموال والبترول وكل مسببات الثراء التي أهدرها العقيد على مزاجياته وتهوره واحتقاره للشعب؛ لو فعلت هذا وأنت في عزبة قائد الثورة، أعني ليبيا التي يمتلكها كلها أرضا وشعبا وخيرات، فإن مصيرك سيكون مثل مصير الإمام موسى الصدر أو منصور الكيخيا أو غيرهما ممن غضب عليهم رسول الصحراء. 

ولو كنت فدائيا من أب فدائي وجد حارب مع مفتي القدس أو قادة ثورة 1936 ضد الوجود الصهيوني، ثم انتقدت زعامة أبي عمار، أو أشرت إلى أخطاء للقيادة الفلسطينية، أو اختلفت مع حواريي الرئيس الفلسطيني الذين عادوا من الغربة وتسلموا بعض مفاتيح أجزاء صغيرة من بلدهم مقابل إنهاء الحلم الفلسطيني في عودة خمسة ملايين إلى أرضهم، فإن التعذيب الذي ستلاقيه في سجون السلطة الوطنية أكثر مرارة وقسوة ووحشية من نظيره الإسرائيلي، وعندئذ ستصب جَمَّ غضبك على الذين علــّـموك وأنت صغير حب بلدك وضرورة تحريرها من الاحتلال الصهيوني، ونسوا تعليمك أن التحرير يبدأ من الوصوليين والمنافقين والمتعاونين والذين يتسلمون جوائز الشهداء ويقطفون ثمار جهد وعرض وانتفاضة شعب، طوال نصف قرن من النضال ومقاومة الاستيطان الصهيوني الشرس.

ومصيرك إن كنت تحب بلدك تحت أنظمة استبدادية لا يختلف كثيرا من بلد إلى آخر. أما إن كان هذا الحب في بلد متقدم أو أوروبي أو ديمقراطي، فربما تصل كلماتك المسموعة أو المرئية أو المكتوبة إلى المسؤول قبل أن يحملها الأثير أو تدفع بها إلى تروس المطبعة. 
فالإقرار الضريبي لمساعد رئيس الوزراء في النرويج قذف به إلى الهواء مرتين لمجرد أنه أخفى بعض المعلومات عن مصلحة الضرائب، على الرغم من الدور الأول الذي قام به كعراب لاتفاق أوسلو، لكنه لم يشفع له لدى صديق عمره رئيس الوزراء الذي سبق أن استدعاه على عجل من الشرق الأوسط ليكون ساعدا أيمن له. 
والصحافة في أوروبا تنشر الخبر فلا يذهب المسؤول الذي يعيــّـنه إلى موقع عمله قبل أن يصحب معه كل الأوراق والمستندات والوثائق التي ربما تخفف عنه أو تبرئ ذمته عندما يتصل به رئيس الدولة أو رئيس الحكومة بعد وصوله إلى مكتبه ببضع دقائق. 

 القضية في مصر أصبحت أكثر تشابكا وتعقيدا من الوضع تحت ظل الأنظمة الديموقراطية أو المستبدة. فلأول مرة يتم خلق نظام غريب من الديموقراطية التي تسمح لكل فئات الشعب بالخوض في المسائل الوطنية والقومية والاجتماعية والدينية والسياسية والفنية وترك الصحافة تكتب ما تشاء، وتتهم وتنشر ما يشيب له شعر الولدان، وتنصح وتعلن أسماء مافيا الفساد، وتقدم للحكومة على طبق من فضة كل ما من شأنه اختصار عذابات هذا الشعب الصابر العظيم. 
ولكن الصحافة والإعلام والكتب والنشرات ورسائل الاستغاثة بصاحب القرار الأوحد، والبلاغات والصور والشواهد والقرائن والأدلة تنتهي عند آذان لا تنصت إليها، أو مسؤولين يحتقرون السلطة الرابعة، ومحافظين يسخرون من أصحاب القلم، وسلطة تنفيذية ترى الكتابة عبثا وهراء وتهويلا من شان صغائر الأمور، في بلد ليس فيها أبدع من توجيهات عليا. 

إذا كنت تحب مصر وترغب في الكتابة وهي مهنتك وشرفك وعِرضك ولقمة عيش أولادك وميزان حسابك يوم القيامة عندما تقف أمام رب العزة، ويخرج لك كتابك تلقاه منشورا، فلتستعد من الآن لذبحة صدرية أو سكتة قلبية أو جلطة في الدماغ أو غم وكمد يجعلك طريح الفراش، ولو كنت تمشي كالعفريت الأزرق. 
لن يستمع إليك احد، وستصرخ كما يفعل حمودة وهيكل وعبد العظيم رمضان وإبراهيم عيسى ومجدي حسين وفريدة النقاش وغالي شكري وعبد الرزاق حسين ومحمد عباس ومحمود السعدني وأحمد فؤاد نجم وأحمد رجب، ومئات غيرهم وآلاف كتبوا ورحلوا، أو كتبوا وصمتوا، أو كتبوا ولم يصدق أحد أنهم يحبون بهية ويعشقون طلعتها ويخافون عليها من جراد يأكل الأخضر واليابس ويقول هل من مزيد؟ 

يمكنك أن تبدأ صباحك بقراءة الصحف المصرية بأقلام كتاب وصحفيين وهبوا أرواحهم لتخليص أرض الكنانة من كل من يمسها بسوء، وكانت لدى كل منهم ألام وآمال بأن يقرأ الرئيس حسني مبارك ويتابع بنفسه ويلغي كل مواعيده ويتفرغ لحل قضايا ومشاكل وهموم وزلازل وكوارث لو نزلت على بلد لجعلته قاعا صفصفا، ولكن الله سلــّـم وترك لمصر ولزعمائها وقتا يتداركون فيه الأمر، وربما لأن هذا البلد الأمين لا يرضي له رب العزة إلا كل الخير ولو جاء متأخرا. 

تقرأ في الصباح الباكر عن تهريب كمية من آثار مصر طوال عشر سنوات دون أن ينتبه إليها أحد، واعتداءات جنسية مستمرة من الداخل والخارج على مرضى مستشفى الأمراض العقلية في القاهرة، وسماسرة ومكاتب يروجون للعمل داخل إسرائيل وآلاف الأفدنة تغرق ولا يعرف من المسؤول، وانتشار العفن بالبطاطس الذي أتلف آلاف الأفدنة، وسرقة حقائب العائدين على شركة مصر للطيران والعصابة لا تزال تعمل داخل مطار القاهرة الدولي، ومحطة صرف صحي فوق أرض زراعية ترفضها المحكمة والمحافظ يرفض قرار القضاء، و400 مليون دولار حجم الاستثمارات الأجنبية في مصر والحكومة تتعهد برفعها إلى أكثر من مليار في عام واحد.

وخمسة أشخاص يستولون على مليار دولار من البنوك ويغادرون مصر تحت سمع وبصر الجميع، وعدد من الوزراء يساعدون بعض اللصوص في الحصول على قرض مقداره 720 مليون جنيه على حين أن السعر الأصلي لها مليار جنيه، وصناعة النسيج في مصر مهددة بالاحتضار. 
هذا غيض صغير من فيض لو نشرناه لاحتاج إلى مجلدات لو عرضت على السماوات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها لثقلها على الضمير والروح فحملها الإنسان الذي كرّمه ونعمه خالقه جل شأنه. 
يمكنك أن تكتب وتصرخ وتبكي وتذهب إلى روز اليوسف والأحرار والشعب والدستور والعربي والأهالي والأهرام واليسار وأكتوبر وصباح الخير والحقيقة والمصور، وغيرها من مطبوعات تحمل وهي خارجة من المطابع كل الأحلام الجميلة والمزهرة والوردية لأصحاب قلم متفائلين أن تقع عين السلطة على خبر فيها، أو يصر رئيس الجمهورية على متابعة كل ما يجري في البلد ويضع سلطته فوق كل اعتبار من أجل مصلحة الوطن. 
ويأتي اليوم التالي والثالث والرابع والعاشر، وتمر الشهور والسنوات ويزداد الصراخ ويتبعه ألم ويعقبه أنين وتحيط به أوجاع من كل مكان، ولا أحد يتحرك. 
فمحافظ الإسكندرية باق في موقعه حتى لو أغرق الثغر أو جعل مياه البحر في العاصمة الثانية المصب الوحيد للصرف الصحي. ورئيس شركة مصر للطيران يتحدى مصر كلها أن ينقله أحد من موقعه ولو خسرت الشركة الوطنية مليارات. وعشرات الآلاف من ضحايا شركات التوظيف قرروا توجيه رسالة عاجلة إلى الله عز وجل يشكون فيها من ظلم ذوي القربى ومن إهمال متعمد من السلطة التنفيذية لمطالبهم العادلة. 
يمكنك أن تزيد صراخك أضعافا مضاعفة، ولكنه لن يصل إلى صاحب القرار حتى تجد نفسك أمام خيارين لا ثالث لهما: أن تذهب إلى غرفتك وتغلق بابك وتضرب رأسك في الحائط، أو تغادر البلد كما فعل الدكتور نصر حامد أبو زيد الذي وجه نداء إلى رئيس الجمهورية أن ينصفه ويمنحه حقوق المواطنة والحرية والاستقلال والفكر، وهو الأكاديمي الذي تربت على يديه أجيال جامعية، ولم يستجب الرئيس، فسافر المفكر المصري وترك الأرض الطيبة للشيخ يوسف البدري والدكتور عبد الصبور شاهين وبقية القضاة..  الذين يشقون الصدور التي في القلوب للتعرف على ما فيها ومحاكمة صاحبها واستتابته عن أشياء لن يحاسبه الله عليها ولكنهم يفعلون. ولا تزال مصر الحب الأول والأخير للأشراف وعشاق الوطن والمهمومين به والمغرمين بكل ذرة تراب في أرض الكنانة. 

ويعلو الصراخ، وتزداد المطبوعات، وتتضاعف النداءات والمقالات والتحقيقات الموثقة ومعها أحلام شهداء لم يموتوا بعد، وصناع تاريخ من السلطة الرابعة، وجنود مجهولون في بلاط صاحبة الجلالة مهنة البحث عن المتاعب، ولكن الرئيس لم يصل إلى مكتبه بعد، وقد تأخر قليلا لكنهم متفائلون بوصوله إلى مكتبه يوما ما، وسيطــّــلع على عشرات الآلاف من القضايا العاجلة جدا والمهمة والخطيرة التي نشرتها الصحافة المصرية والصديقة طوال سنوات، وعندئذ يكتشف الرئيس حسني مبارك أن مصر على مبعدة أمتار معدودة من القصر الجمهوري، وأنها تنتظره بصبر لا ينفد، فلا تزال الأرض الطيبة تمنح حكامها أكثر مما يعطونها وتعفو وتصفح وتحب وتعشق. 
أكاد أسمع وقع خطوات الرئيس، ولعله تنبه إلى أن أحدا بانتظاره. المهم أن يتعرف على بهية بعد هذا الغياب الطويل.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في نوفمبر 1993


26‏/10‏/2018

الوفود الشعبية الكويتية .. خط الدفاع المجهول!

من أرشيفي

الوفود الشعبية الكويتية .. خط الدفاع المجهول!


على الرغم من قصر الفترة التي جاست قوات الاحتلال العراقي خلالها أرض الكويت، وعاثوا فيها فسادا، ودمروا الأرض والبيئة، ونهبوا وسرقوا وخطفوا، إلا أن كثيرين من جنود المقاومة الكويتية الذين يعود إليهم الفضل ـ بعد الله تعالى ـ في التحرير لا يزالون جنودا مجهولين حتى هذه اللحظة، على الرغم من كل ما كتب وتم توثيقه ونشره عن الشهور السبعة الجحيمية منذ فجر يوم الغدر الموافق الثاني من أغسطس 1990. 
المقاومة الكويتية تقدمتها الشرعية الممثلة بآل الصباح، والعهد الذي قطعه صاحب السمو أمير البلاد وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء والأسرة الحاكمة، بأن يعيدوا الكويت محررة إلى أهلها وشعبها، وأن ينفقوا من استثمارات الكويت في الخارج، العام منها والخاص، من أجل التحرير حتى لو تم إنفاق كل أموال الكويت.

وتم الوفاء بالعهد، وعادت الشرعية إلى وطن محرر، وشعب وضع ثقته بها، ولم يختلف كويتيان على الولاء للشرعية والشعب حتى في أحلك الظروف. والمقاومة الكويتية كانت في الداخل ممثلة بشعب يرفض كل صور التعاون مع الاحتلال، ويتعاون على البر والتقوى، ويستجيب أفراده للعصيان المدني، ويتعرض الأهل والأطفال والنساء إلى قسوة وحشية من جنود فاشيين علمهم كبيرهم في بغداد الكراهية والبغض، وأن يضربوا بعُرض الحائط كل القيم والمبادئ والمثل والأخلاق. ولو أن الفلسطينيين والأردنيين من ضيوف الكويت بعددهم الذي زاد على نصف المليون، وقوتهم وأموالهم، وتأثيرهم الداخلي والخارجي، قد استجابوا لنداء مضيفيهم الكويتيين بالعصيان المدني ورفض التعاون مع جنود البغي والعدوان، لكانت الخريطة في الخليج برمته وفي فلسطين وغيرها قد تغيرت كلية، ولكن عسى أن يكره الكويتيون شيئا وهو خير لهم، وكان بالفعل خيرا لهم. 

والمقاومة الكويتية كانت ممثلة بالشعب الكويتي في الخارج، الذي كان معظم أفراده يقضون عطلة الصيف، وهو أمر طبيعي في بلد صغير آمن، وليس له عداء مع الآخرين، فيدفع قيظ الصيف وحرارة الشمس الحارقة نصف السكان أو أكثر إلى القاهرة ودمشق وبيروت ولندن وباريس.
وفجأة تحول الشعب الذي ظن الكثيرون أن شبابه ورجاله من المدللين المنعمين إلى مقاومين للاحتلال في كل مكان، ومتظاهرين في شوارع العواصم التي جاءوها للاستجمام، فأصبح موعد عودة كل منهم إلى الوطن الصغير مؤجلا إلى أجل غير مسمى، أو كما قال لي شاب فلسطيني التقيت به في حديقة الهايد بارك اللندنية في نهاية سبتمبر1990، أي بعد الغزو بشهرين: لقد انتهت الكويت إلى الأبد ولن تعود كما كانت، وكان ينبغي أن يعاني الكويتيون التيه والاحتلال والآلام والتشرد كما عانينا نحن أفراد الشعب الفلسطيني! 

والمقاومة الكويتية كانت أيضا ممثلة بأحد الجنود المجهولين المعروفين، وهو الشيخ نواف أحمد الجابر الصباح وزير الدفاع آنئذ، لم يتوقف يوما واحدا عن العمل على تحقيق حلمه في جيش كويتي على نسق ما قامت به سويسرا التي كونت جيشا من أقدر جيوش أوروبا قوة ومنعة وتدريبا على أحدث الأسلحة، رغم صغر مساحة سويسرا الاتحادية وقلة عدد سكانها. 
ولكن غدر الجار الشمالي لم يمهله وقتا كافيا، وكذلك الوضع السياسي والجغرافي، وتغلغلت مخابرات صدام حسين في كل شبر على أرض الكويت، وما كان يتجمع في مكتب حامد الملا بالسفارة العراقية من معلومات تكفي لتعرية هذا البلد الصغير الآمن.
 
والقائد الذكي والمحنك هو الذي لا ينتحر بجنوده، ويعلم أن الحرب إقبال وإدبار، ودفاع وانسحاب وعودة، فأنقذ الشيخ نواف الأحمد الجابر جيشه الصغير من إبادة كاملة، ثم قضى معه شهورا عصيبة وقاسية في صحراء السعودية الشقيقة، ليعود مع قوات الأصدقاء والتحالف والجنود المصريين والسوريين وغيرهم، ويساهم مساهمة فعالة في تحرير بلده، ثم يسلم الأمانة لغيره. 
هكذا فعل في كل تاريخه، خاصة عندما كان حرسا للكويت كلها، ووزيرا للداخلية في أحلك لحظات تهديد الأمن الكويتي، وكانت مهمته تنحصر في جعل الكويتيين والمقيمين على أرضها آمنين مطمئنين حتى لو كانوا على مرمى حجر من فوهات مدافع جيرانهم، أو بين طابور خامس يسعى إلى لبننة الكويت، ونجح الشيخ نواف الأحمد الجابر في كل مهامه، وتجنب في الوقت عينه التحدث أو الإيحاء للصحافة بالإشارة إلى أي إنجاز يقوم به، ربما لأنه يؤمن أن التفاخر يتناقض تماما مع مشاعر السعادة بخدمة الوطن في صمت وهدوء وتواضع. 

والمقاومة الكويتية الباسلة التي لا يعرف كثيرون أنها كانت أحد خطوط دفاع الجيش الأولى، تمثلت في الوفود الشعبية الكويتية التي تمخضت عن مؤتمر جدة المثبـِّـت للشرعية الكويتية، وهو في الواقع أول رسالة عملية إلى العالم كله بتكاتف الشعب الكويتي وإصراره على التحرير. 
انطلقت الوفود الشعبية الكويتية تجوب دول العالم، وتشرح قضايا الوطن الصغير، وتفضح أكاذيب وأباطيل آلة الإعلام العراقية وتبريرات الاحتلال البغيض. 
لقد فاق نجاح الوفود الشعبية الكويتية كل ما قام به أصدقاء الكويت من دعم وتضامن وتأييد ومظاهرات ضد الاحتلال العراقي، وشجب وتنديد في المؤتمرات والندوات وغيرها، فهؤلاء أبناء الكويت يعرفون جيدا ما تجيش به الصدور، ويعبرون عن أوجاع وآلام وأحزان ذويهم وأهلهم وأبناء وطنهم، يما يجعل المصداقية تتقدم على ما عداها من أسباب وشروحات ونقاش وتفنيد، وما إلى ذلك. 

واصطدمت بعضها بعقول تم غسلها في وقت سابق، وبقلوب امتد الصدأ إلى كل أركانها، مثلما حدث مع كثيرين في المملكة الأردنية الهاشمية وعلى رأسهم داعية إسلامي وخطيب مسجد يدعى أسعد بيوض التميمي، كان يرى دماء الكويتيين حلالا دينيا، وطاغية بغداد سادس الخلفاء الراشدين. 
وفي تونس الخضراء كادت الملائكة تهجرها نهائيا عندما أرسل اتحاد الكتاب كلمة تهنئة إلى الرئيس العراقي بوحدة تراب الوطن، وعودة الكويت إلى حزب البعث العربي الاشتراكي ـ فرع بغداد! 
وعانى الدكتور منصف المرزوقي، رئيس لجنة حقوق الإنسان التونسية، معاناة شديدة ورجمته القوى المثقفة التونسية بكلمات من جمر لأنه قام بشجاعة يحسده عليها الجبناء بإدانة واضحة وشديدة للاحتلال العراقي للكويت، وكان ذلك في مؤتمر " الكراهية" الذي انعقد في 25 أغسطس 1990 بالعاصمة النرويجية، وحضره فرانسوا ميتران وجيمي كارتر ونيلسون مانديلا وفاكلاف هافل وعشرات غيرهم. وعندما علم المثقفون التونسيون بأن الدكتور منصف المرزوقي يدعم الكويت في موقفها، وقفوا له بالمرصاد واتهموه كذبا وبهتانا بحضور مؤتمر صهيوني في أوسلو. 

كنت مهام الوفود الشعبية الكويتية تنوء بها العصبة أولو القوة، فقد يكون عمل الجندي في الميدان محددا بعدو يعرفه جيدا، ويصبح الأمر أكثر سهولة ويسرا من عمل فكري أو إعلامي يسعى صاحبه لإقناع أناس ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، لتعمى القلوب التي في الصدور. 
من كان يستطيع أن يقنع المناضل السابق أحمد بن بيلا بأن دعمه لصدام حسين باطل، وأن تهديده بتجنيد مليون مسلم جزائري هو ردّة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ظاهري وباطني؟ من كان يستطيع أن يقنع الوفود الإسلامية التي حضرت مؤتمر بغداد لدعم الاستبداد والاحتلال والسرقة والنهب أن الشعب الكويتي شعب مسلم، وأن مؤتمرهم هو أيضا ردة وكفر وباطل؟

كانت مهام الوفود الشعبية الكويتية تثقل كاهل الجبال فالمنطق والعقل والأدلة والمستندات والإثباتات كلها كان يمكن أن لا تساوي أي قيمة عندما تصطدم بقلوب متحجرة ونفوس عليها غبرة، ترهقها قترة، وعقول متخلفة، وإلا فكيف تخرج مظاهرات من مراكز إسلامية مدعومة بأموال الكويت، ويؤيد المتظاهرون احتلال الكويت وسفك دماء أبنائها وإلغائها من على الخريطة، وبعد المظاهرة يتوجهون إلى المساجد والمراكز الإسلامية ويؤدون صلاة الشكر لله عز وجل؟

قال لي صديقي الذي كان دائم الحديث عن الثقافة والعدل والمحبة والتسامح: ماذا تساوي أرواح نصف مليون كويتي في مقابل دولة عراقية كبرى تقترب من العشرين مليونا وتستعد لتحرير القدس وتلقين إسرائيل درسا لن تنساه؟
كان العمل الذي وعدت الوفود الشعبية الكويتية بتأديته على أكمل وجه إلى أن تتحرر الكويت يحتاج إلى معجزات، تسير جنبا إلى جنب مع هؤلاء الرجال الذين كانوا يحطون الرحال إلى صنعاء والجزائر والرباط وتونس وبيروت ولندن وباريس وداركار وإسلام أباد وطهران ونواكشوط ومقديشيو وبرازيليا وعشرات من عواصم العالم. 

عندما اتصل بي سفير دولة الكويت في لندن، الأستاذ غازي الريس، وأبلغني أن الوفد الشعبي الكويتي سيصل النرويج قادما من السويد بعد عدة أيام، أي في الخامس عشر من ديسمبر 1990، وأن مهمتي هي إعداد برنامج كامل للوفد لعرض قضية تحرير الكويت، كانت سعادتي بالغة للثقة التي أولاني إياها المسؤولون الكويتيون ولكن المشكلة الكبرى كانت في الوقت غير الملائم، أي خلال أعياد الكريسماس. 
كانت النرويج هي المحطة الأخيرة للوفد الذي زار بريطانيا وايرلندا وهولندا وفنلندا والدانمرك والسويد، ويحمل كل فرد من أفراده في العقل والقلب وطنه الصغير المحتل، ينام معه، ويستيقظ على ندائه، وبين النوم واليقظة يحلم بزوال كابوس الاحتلال.
 
لقد كنت شاهدا على حالة من حب أعضاء الوفد الجارف، والولاء الذي لا يعرف حدودا أو نهاية، والثقة التي تقترب من اليقين وتكتسب قوتها من إيمان بأن الكويت ستتحرر بإذن الله، فأعضاء الوفد كانوا كأنهم يلامسون أو يحتضنون أو يقبــّــلون تراب وطنهم الصغير حتى وهم على مبعدة آلاف الأميال. 
كان الوفد الشعبي الكويتي مؤلفا من الشيخ سلمان دعيج الصباح، والأستاذ أنور النوري والدكتور عبد المحسن المدعج، والأستاذ فيصل المطوع، والأستاذ علي البدر الرشيد، وكان التجانس والتناغم والتفاهم بينهم ينعكس إيجابيا على أحاديثهم وخطبهم ومحاضراتهم ولقاءاتهم الصحفية. 

لم يكن من الممكن معرفة رئيس الوفد الشيخ سلمان دعيج الصباح من زملائه، فالهموم واحدة، والتواضع يجعل كلا منهم يقدم الآخر قبل نفسه، والوجه المشرف للوفد، مظهرا ولغة وحوارا وطريقة شرح وإجابات على السائلين والصحفيين، كل هذا يختصر أسباب نجاح الوفد في عرض قضية الاحتلال العراقي الآثم. 
لقد كنت شاهدا على أحد خطوط الدفاع الكويتية الأولى، وأثلج صدري أعضاء الوفد في كل مكان يحملون إليه كويتهم، في وزارة الخارجية النرويجية، وفي وزارة النفط، وفي مبنى البرلمان مع لجنة الشؤون الخارجية، وفي جامعة أوسلو، في أحدى أكبر المدارس الثانوية، وأعضاء الوفد الخمسة يتبادلون المنصة واحدا تلو الآخر، ويشرحون لمئات الطلاب الممسكين بخريطة الكويت( والتي كنتُ قد طبعت منها عدة آلاف من النسخ قبل وصول الوفد) قضايا وهموم هذا البلد الصغير، وقسوة ووحشية وظلم الاحتلال، وأكاذيب إعلامه. 

ووافق التليفزيون النرويجي لأول مرة على استضافة زائر، وهو الشيخ سلمان دعيج الصباح، في الخبر الأول لنشرة الأخبار، وانتقل الوفد إلى الإذاعة، وقبلها أقامت وزارة الخارجية حفل استقبال، حيث قالت وكيلة الوزارة في كلمة ترحيبها بالوفد إن النرويج تقف مع مطالب الكويت العادلة في التحرير الكامل دون أي شرط من طاغية بغداد. 
وغطى أعضاء الوفد في أحاديث صحيفة من أهم الصحف المقروءة في النرويج، وبدت الأيام كأنها جبال شامخة تضغط بكل قواها على هؤلاء الكويتيين الخمسة الذين يعتصرون من الداخل، ويقدمون للنرويجيين ابتسامات مفعمة بالثقة، ومنطقا يدحض كل دعاوى وأباطيل نظام البغي والاستبداد في بغداد، حتى أنني استمعت بنفسي إلى تعليقات عدة تبدي دهشتها من تعرف أصحابها للمرة الأولى على الكويت، وتؤكد أن البلد الذي يدافع عنه مواطنوه بهذا الإيمان لا يمكن أن يستمر احتلاله طويلا.

في خلال الشهور السبعة التي توهم التكريتيون أن الكويت أصبحت محافظتهم التاسعة عشرة، وأن السجون والمعتقلات وأجهزة الأمن القاسية ووسائل التعذيب لم تعد من نصيب الشعب العراقي فقط، ولكن ستمتد جمهورية الرعب إلى الكويت، رأيت بأم عيني التحرير أربع مرات، وكادت أذناي تسمعان زغاريد الفرح وأنغام السعادة وأناشيد الاستقلال والحرية: 
المرة الأولى: عندما اصطحبت ليلا ونهارا ولمدة أربعة أيام الوفد الشعبي الكويتي في أوسلو، وكنت شاهدا علي واحد من أهم خطوط الدفاع الكويتية. 
المرة الثانية :عندما تلقيت رسالة من الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح من مدينة الطائف السعودية، وبدا لي لحظتئذ أن التحرير قاب قوسين أو أدنى. 
والمرة الثالثة: بعد نشوب حرب التحرير بيوم واحد عندما كنت أستمع إلى الدكتور علي الشملان والسيد السفير غازي الريس، اللذين حضرا إلى العاصمة النرويجية لتمثيل الكويت في جنازة الملك الراحل أولاف الخامس، وكدت أقرأ في عيون الوزير والسفير موعد التحرير، وذلك من فرط ثقتهما بأن الأمر لن يزيد على أسابيع معدودة. 
والمرة الرابعة: إثر تسلمي رسالة بالفاكس من الطائف، ومن سمو الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح يقول لي فيها أن موعدنا قريبٌ جدا بإذن الله في الكويت المحررة. 

الوفود الشعبية الكويتية لم تنل حقها بعد من التعريف بدورها الرائع والبطولي في تمهيد الطريق لتحرير الكويت، بل إنني أجزم أن كثيرين من أفراد الشعب الكويتي لا يعرفون تفاصيل الأوقات العصيبة والقاسية والمرهـــَـقة التي مر بها أعضاء الوفود في زياراتهم للأصدقاء والأعداء، وفي حواراتهم مع مؤيدي تحرير الكويت ليستمر تأييدهم حتى التحرير، أو مع المهووسين بطبول الحرب ونداءات الظلم وصيحات الرعب من بغداد والتي وجدت لها عشرات الملايين من الأنصار والمتخلفين والقساة الذين استعدوا لتقسيم أموال الكويت أو توطين مواطنيهم إلى الأبد في الديرة. 

الآن حان لوقت لتوثيق أحد جبهات حرب تحرير لكويت، أي الوفود الشعبية الكويتية، وذلك بأن تقوم جهة كويتية إعلامية أو ثقافية بإصدار موسوعة خاصة تشمل أعضاء الوفود، والدول التي قاموا بزيارتها، والأفراد والمسؤولين والمثقفين والإعلاميين الذين قابلوهم، والأحاديث التي دارت، وكل ما قامت به الوفود الشعبية الكويتية في الدول التي زارتها. إنه توثيق من حق الأجيال القادمة في الكويت أن تطلع عليه، وأن تعرف أن أدوار هؤلاء الرجال لا تقل بأي حال من الأحوال عن كل ما قام به الكويتيون على جبهات أخرى، في الداخل أو في الخارج، وليس لكويتي على كويتي آخر فضل في تحرير الوطن إلا بالولاء

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجييين
أوسلو في سبتمبر 1994


24‏/10‏/2018

دمعة حُزن واحدة تكفي!

دمعة حُزْن واحدة تكفي!
يكره مصر كراهية شديدة، ويبغض شعبها، ويحتقر فقراءَها فيفرّغ جيوبهم، ويتلذذ بتعذيب أبنائهم الشباب في معتقلاته وبدون محاكمة، ويحكمهم بقوانين الطواريء، ويبيع أرضَهم وجُزرَهم، ويفرط في ثرواتهم، ويهمل التعليم، ويجعل العلاج والدواء شبه مستحيل، وينزل بمصر إلى المستنقع، ويُصغّر القيادة في كل المؤتمرات، ويتحالف مع من يدفع أكثر، ويصنع ثقافة التسوّل، ويختار أجهل المصريين في مؤسسات الدولة، ويتبنى أحقر وأقذر وأحط الإعلاميين فهم خط الدفاع عنه، ويرفض مصارحة الشعب بمعارك الإرهاب في سيناء لئلا يعرف الناس خسائر مصر، ولا يكترث للسياحة، ويزدري المثقفين، ويُنزل الرعب في قلوب أصحاب القلم، ويجعل المغيـَّـبين الجهلاء من رجال الدين في الصفوف الأولى، ولا يستطيع تركيب جملة واحدة سليمة، ويُعادي الكتاب، ويعطي الشرطة مساحة من حرية اضطهاد المصريين كما لم يفعل ديكتاتور من قبل، ومريض نفسي في بندول بين السادية والمسكنة، ويرفع من شأن القضاة الفاسدين، ويجعل الدولة في قبضة اللواءات، وينتقم من شباب ثورة يناير لأنهم أطاحوا باللص المجرم حسني مبارك، ويعطي توجيهات باقتطاع أراض لملكية ضباط الجيش والشرطة، وفاشل في محاربة الإرهاب بعدما كذب على الشعب بزعمه أن الأمر لن يستغرق ثلاثة أشهر، ويجعل الجنود بائعين، ويتراجع بالمدارس والجامعات ومراكز البحوث والطلاب لذيل ركب الأمم.
وهو يعرف أنه كلما أذل وأهان أفراد الشعب، التف الناس حوله بحجة أنهم خائفون منه.
طائفي وسلفي ولا يفهم في الدين كلمة واحدة، وأجهل من دابة في شؤون شركاء الوطن الأقباط، وجعل رجال الدين الإسلامي والمسيحي في خدمته بدلا من خدمة الله.
لا يمكن أن تجد مصريا شريفا ومخلصا ووطنيا وذكيا ومثقفا ومتابعا لهموم بلده ومع ذلك فهو يحب أو يؤيد السيسي.
السيسي هدية الشيطان لإسرائيل ولكل جيران مصر الطامعين في حدودها وثرواتها ومياهها وجُزُرها.
لم يكره حاكم مصري شعبه منذ عهد الفراعنة كما يفعل السيسي.
أعترف بأنه نجح بفضل قلوبنا الضعيفة والهشة، وخوفنا على لقمة العيش، وعدم اكتراثنا لمستقبل مظلم مدين بعشرات المليارات نورثها أحفادنا.
أعترف بأن الصمت كُفر بالله وبالوطن وبأهلنا!
الكلمة المكتوبة التي أنزلها الله على ألسنة المؤمنين والمثقفين والعلماء وهي خلاصة آلاف السنين من حضارة المصريين أصبحت نفايات يتلفظها الوصوليون والجبناء.
السيسي يذبح وطنا والشعب يصفق لعملية الذبح!
المثقفون المتنورون والأكاديميون ورجال الدين والفنانون والأدباء والشعراء والسياسيون ورجال الدينين، الإسلامي والمسيحي، تحت حذاء الرئيس يفعصهم كما يشاء، وإذا لم يفعل أمسكوا حذاءه ولطموا به على وجوههم و.. أقفيتهم.
المصريون لم يعودوا قادرين على الدفاع عن فلذات أكبادهم أو آبائهم أو معلميهم أو زملائهم أو جيرانهم فالشيطان في القصر والمحكمة والبرلمان والمسجد والكنيسة والمدرسة والجامعة والشارع!
أخشى أن يأتي اليوم الذي تتبلل فيه سراويل عشرات الملايين من المصريين فور سماعهم خطبة الرئيس السيسي حتى وهو يقسم لهم أنهم نور عينيه.
الآن دعوني أبحث عن الله في مصر لأشكو إليه، جل شأنه، بثي وحزني.
دعوني أبحث عن دمعة حزن واحدة تسقط من عيون مصرية جميلة في وجه طيب لا يستحق الذُل بعد خمسة آلاف عام من تحنيط أجداده صُنّاع التاريخ والمعجزات.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 24 أكتوبر 2018  

21‏/10‏/2018

حوار بين زعيمين عربيين في غرفة مغلقة!


التقى زعيمان عربيان في غرفة مُغلقة بواحد من قصور أحدهما. لم يكن هناك حرس أو خدم أو حشم أو مدير مكتب يطرق الباب ليعكر صفو جلسة تاريخية بعيدة عن البروتوكولات والأقنعة.
لم يصدّق الزعيم الأول أن ضيفه الذي لم يشرب الخمرَ قط وافق على احتساء عدة كؤوس بطلب من مضيفه الكريم.
وبعد الكأس السابع دار بينهما حوار تخيل قلمُنا طرفاً منه، فَخَطَّ التالي ...

الزعيم الأول: كيف حال رعيتك يا طويل العمر؟
الزعيم الثاني: الحمد لله فالسنوات تمر، وأبناء شعبي لا يزالون مطيعين أكثر من طاعة قطيع الخراف لعصا راعيها، ومع مرور الزمن تتعتق العبودية تماما كالخمر الذي في كأسك.
الزعيم الأول: كأنك تصف الوضع لدي أيضا، وإن كنت أغضب بين الحين والآخر عندما يتناهى إلى سمعي صوت نشاز من مشاغب انخرط لتوه في جماعة حقوق الإنسان، وظن أنه يستطيع اقناع بعض أبناء شعبي بهذا الهراء، لكن بعد وقت قصير تتولى أجهزة أمني وكلاب قصري مهمة تعليمه قواعد الذل.
الزعيم الثاني: هذا يعني، يا طويل العمر، أنك تحتاج لبناء سجون ومعتقلات جديدة، أليس كذلك؟
الزعيم الأول: في الواقع فما لدينا يكفي لوضع ثلث السكان خلف قضبانها، وهناك زنزانات تحت الأرض لا يعرف مكانها إنس أو جان، لكنني فعلا أفكر جديا في اعطاء الأوامر ببناء مزيد من المعتقلات فلا أدري ماذا يخبيء لي زمن غدر من قبل بزملاء لنا ظن كل منهم أن رعاياه لا يتنفسون إلا بعد استئذانه، فحدث انقلاب من أقرب المقربين، وخرج الرعاع يلعنون الزعيم السابق ويهتفون باسم سيد القصر الجديد.
الزعيم الثاني: ألم توشي تحركات بعض كبار قادة الجيش بأن تمردا قد يقوده متهور يمكن أن يحقق حلمه في البيان رقم واحد؟
الزعيم الأول: إن لدينا جيشا لا يتدخل في السياسة، وقادة يتبادلون مواقعهم كما يبدل الثري ربطة عنقه، ورتبا كبيرة لا يسمح لها أن تجتمع دون معرفتي، وعيونا ترصد تحركاتهم، وأجهزة تراقب التطور الفكري والسلوكي والثقافي والعسكري لكل منهم، وأرشيفا لعائلاتهم وأقاربهم
 الزعيم الثاني: ربما تكون أفكارنا متطابقة في هذا الشأن، لكنني أصطحب معي وزير الدفاع، وإذا غادرت أرض الوطن جعلته يودعني، ثم ينتظرني في المطار لدى عودتي، وهو يتوجس خيفة طوال الوقت خشية أن أستبدل به نائبه أو رئيس الأركان.
الزعيم الأول: لقد تابعت نشاطات حرمكم المصون، ما شاء الله، كأنها رئيسة الدولة، وهي لا تقل نشاطا وحيوية عن زوجتي .. سيدة القصر الأولى.
الزعيم الثاني: إن أسرتنا تجري في عروقها دماء نقية وشريفة، لهذا ينبغي أن نُشعر في كل وقت رعيتَنا أن هناك فارقا كبيرا بيننا وبينهم، وأننا منطقة محرمة عليها، وأن الأفكار المشاكسة التي يتعلمها البعض  عن المساواة والحقوق والكرامة والديمقراطية  يسحقها أقدم أحذيتي.لقد أبلغني وزير المالية أن ديوان المحاسبة طرح عليه، على استحياء وبصوت خفيض، سؤالا عن الميزانية المفترضة لحرم زعيم الدولة، فلقنت الوزير درسا لن ينساه، فنحن نحاسِب ولا نحاسَب، وإذا أرادت سيدةُ القصر الأولى أن تنفق ميزانية إحدى الوزارات بمفردها فلا راد لكلمتها.
الزعيم الأول: حسنا فعلت يا طويل العمر، وأحسب أن أحدا لا تستطيع شفتاه أن تنطق بهذه الكلمة أمامي، فزوجتي تعقد المؤتمرات، وتُعَيّن الرجال، وتنكسر ظهور الوزراء وهم يسيرون خلفها في افتتاح مشروع أو زيارة جمعية خيرية، ويتوسطونها قبيل أي تغيير وزاري، ويتقزمون في حضورها، ولا يرفع كبير أو وزير أو رئيس جامعة أو محافظ عينيه أمامها وإلا فليتبوأ مقعده من جحيم غضبها.
الزعيم الثاني: لقد قرأتُ لأحد الأوغاد في بلدك حديثا عن ضرورة المشاركة في الحكم ، ولا يزال الرجلُ طليقا حرا ولم تسلط عليه كلاب القصر، هل هناك سبب يمنع تهشيم عظامه؟
الزعيم الأول: بل العكس لأنني أردت أن اتركه وبعضا من أنصاره يتدرب فيهم جبناءُ السلطة الرابعة وَصْلات الردح والشتائم، وهؤلاء الصحفيون والكتاب والمثقفون ينبغي  أن أترك لهم بعض ساحات المعارك ليثبوا ولاءهم لحكمي، وينشروا أكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان وربما ينتهي الأمر بالمعارضين إلى حادث سيارة، أو سقوط من الطابق التاسع أو أزمة قلبية مفاجئة أو فضيحة أخلاقية تنتهي إلى عدة أعوام تأديب وسجن في واحد من معتقلاتي التي يزيد عددها على عدد معاهد البحث العلمي أو المستشفيات أو دور المسنين.
الزعيم الثاني : لا يستوعب عقلي لبرهة خاطفة فكرة أن يتولى الحكمَ شخصٌ آخر ليس من صلبي، ولا هو نتاج حلم واحد من ملايين الحيوانات المنوية التي طالما تخيل كلٌ منها وهي تجري لاهثة ناحية البويضة أنه سيكون في يوم من الأيام سيد القصر والبلد والرعية، يأمر فيُطاع، وينهى فتخضع  له الأعناق !
الزعيم الأول: كيف كان ردُّ فعلك لدى قراءتك تقرير منظمة العفو الدولية؟
الزعيم الثاني: إن أقل من واحد في الألف من رعيتي يطلع على التقرير، وهو ينتهي غالبا إلى أرشيف مكدس بآلاف الملفات، لكن ممثلي البعثات الدبلوماسية في الخارج يصدرون بيانات احتجاج على عدم دقة التقرير، ويتلقون من وزارة الخارجية نصائح وتوجيهات عن الحملة المضادة لتشويه سمعة نظام حكمي، وينتهي الأمر باحتضار التقرير تماما كما يحدث مع اللجان التي تنبثق عن مؤتمرات فاشلة وهي لجان لحفظ ماء الوجه.
الزعيم الأول: لقد استوردنا، يا طويل العمر، كميات هائلة من أدوات التعذيب تبدأ بأجهزة النفخ، والهراوات المطاطية الكهربية، وحبوب الهلوسة، وكبسولات للتخدير، وأشياء كثيرة تصلح لتجديد طرق اجبار المشاغبين على الاعتراف حتى عن تهم ثابتة على غيرهم
الزعيم الثاني: الحقيقة أنني أعطيت توجيهاتي لضباط التحقيق في أن يبدعوا بأنفسهم، وأن يكتفوا بالصناعة المحلية لأدوات التعذيب، ثم إن لدينا الاغتصاب، والتهديد باعتقال الأهل، والتصفية الجسدية، والوقوف ساعات تحت شمس حارقة، والدفن في الرمال، وقلع الأظافر، واستخدام الملح بكميات كبيرة فوق الجروح الناتجة عن التعذيب.
الزعيم الأول: هل تصلك كل التقارير المفصلة عما يجري في السجون والمعتقلات؟
الزعيم الثاني: أقرأها كثيرا، وأنتشي بتفاصيلها، وأترك الضباط الساديين والمخبرين والمرشدين وحراس السجون يتولون مهمة اذلال رعيتي، لكنني أصارحك بأنني، بناء على نصائح بعض المستشارين المحنكين في أمور تلميع الزعماء أقوم أحيانا باستقبال أطفال معاقين أو زيارة مستشفى أو ارسال فنان تعشقه الجماهير إلى الخارج للعلاج، أو أطلب استعجال منحة أو الافراج المبكر عن بعض المعتقلين.
الزعيم الأول: أظن أنني لا أبالغ في هذه الأمور لئلا يعتقد المواطنون أن لهم حقوقا لدينا يدافعون عنها، أما الافراج عن المعتقلين فهو في عيد الجلوس فقط
 الزعيم الثاني: كيف يتعامل طويل العمر مع المعارضة في الخارج؟
الزعيم الأول: يثير حنقي تعاون المعارضة مع منظمات حقوق الانسان، ولجوء بعضها إلى دول كبيرة تملك السلطة فيها تأثيرا واضحا على صناعة القرار السياسي في بلدي، بل إن الرئيس الأمريكي يستطيع أن يرسل موظفا في البيت الأبيض يشد أذني ويصرخ في وجهي، وأنا أنظر إليه كما ينظر الخادم لسيده الغاضب.
الزعيم الثاني: أما أنا فقد أمرت بوضع أسمائهم في قائمة المترقب وصولهم إلى كل منافذ البلاد، وتولى رجالي من كبار الكتاب والمثقفين حملة تشويه منظمة تتهمهم بأنهم عملاء للأجنبي، وأنهم يحصلون على دعم من خصوم الوطن، وأنهم يصدرون نشرات صفراء تصب في صالح العدو الصهيوني.
الزعيم الأول: إنني لا أدخر وسعا في حشر التعاون مع الاسرائيليين لدى الحديث عن المناهضين لنظام حكمي، لكن بعضهم يملك وسائل إعلامية في الخارج ويستطيع أن يثبت أننا نحن الذين نتعاون خفية مع تل أبيب، وأتلقى بين الفينة والأخرى تقارير سرية من الموساد عن طريق وسطاء تحذرني فيها أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية من محاولات انقلاب أو مشاغبة أو اغتيال.
الزعيم الثاني: لكن من يقرأ صحفكم ويستمع إلى خطبكم يذهب به الظن إلى أنكم الأكثر تشددا وعنادا وعداء للعدو الصهيوني، بل إن المناخ العام في بلدكم يبدو كأنه حالة حرب ساكنة أو سلام داخل فوهة مدفع في وضع الاستعداد!
الزعيم الأول: تغييب وتخدير الشعوب فن برع فيه الزعماء العرب، ولا تنس، يا طويل العمر، أن نصف سكان عالمنا العربي أميون، وأن نصف المتعلمين أنصاف أميين، فلا غرابة في سهولة العمل على تخدير الرقيق ولدى كل واحد منا طرقه ووسائله الخاصة لجعل هؤلاء الرعاع يسيرون على ركبهم كأنهم جِمْالٌ مرهقة بركت في وسط الصحراء.
الزعيم الثاني: ما هي آخر أخبار أسرتكم الشريفة فقد بلغني أن واحدا من الأقربين قد حصل على درجة علمية لا يعادله فيها حاصلو جوائز نوبل على الرغم من أنه لا يكتب جملة واحدة سليمة إلا بشق الأنفس؟
الزعيم الأول: إن من يحمل اسمي أو سلطتي أو ينتسب إلى أسرتي تأتيه الشهادات والثروة وهو جالس في مكانه يشاهد فيلما بورنوجرافيا حلال له محرم على الآخرين.
الزعيم الثاني: لقد كان زميلنا الراحل الملك الحسن الثاني بارعا في هذا الأمر فقد كان شقيقه الأمير عبد الله يحصل على نسبة واحد وخمسين في المئة من شراكة أكبر شركات التصدير والاستيراد في بلده لمجرد أنه شقيق لأمير المؤمنين، ولعلك تذكر الشاب ابن زميلنا الزعيم الآخر الذي كان يرفع سماعة الهاتف لصاحب أي مشروع ناجح ويبلغه شرف اشتراكه معه بنسبة خمسين في المئة دون أن يدفع أي مبلغ مقابل الشراكة، وعلى الآخر أن يقبل وإلا وقف المشروع وأصابت صاحبَه جلطةٌ في المخ أو أزمة قلبية.
الزعيم الأول: إنني أعترف لك، يا طويل العمر، بأنك كنت أكثر مني براعة وحسن تصرف لدى تعاملك مع الجماعات الدينية في بلدك، ومع ذلك فجموع الشعب تظن أنك سليل الأشراف، ومن نسب طاهر يمتد مئات الأعوام، وتحافظ على الفروض الدينية وتطيع تعاليم السماء.
الزعيم الثاني: لأن الدين لا يحتاج منا إلا إلى مظاهر خادعة، كالصلاة مع حشود واظهار الخشوع، وافتتاح أماكن للعبادة بين الحين والآخر، والاهتمام ببعض الجمعيات الخيرية، وترك المتشددين والمتصلبين والمتزمتين يشغلون الرعية بصغائر الأمور.
ولكن عندما أشم رائحة خروج الدين عن مساره المخدر والمغيب، وتوجهه ناحية حقوق الانسان والدفاع عن الكرامة والظن بأن عناية السماء تقف مع المظلومين في السجون والمعتقلات، فهنا لا حدود لشراستي، وأنا على استعداد لادخال نصف رعيتي خلف أبواب متسخة في سجون مظلمة كئيبة  تحت الأرض لا يقوم بزيارتها إلا اثنان فقط: السجان وملك الموت.
الزعيم الأول: في الواقع الوضع يختلف قليلا في بلدي لأن رجال الدين يقومون بالمهمة أفضل من أجهزة الاستخبارات، وهم قادرون على اقناع عبيدي بأن طاعة ولي الأمر كطاعة الله، ولذلك فأنا أمنح من سلطتي الكثير لرجال الدين وهم يُكَفّرون أي شخص، ويتفحصون الكتب، ويبحثون في صدور الرعية عن زاوية قصيرة في القلب لم تشلها مغيبات الدين، بل إنهم يكونون أحيانا أكثر شراسة من أجهزة الأمن عندما يتعلق الأمر باخماد فتنة وطنية أو تمرد ضد السلطة فيوزعون على المشاغبين اتهامات يستخرجون مفرداتها من صلب الدين، وهنا يصبح ضرب الأعناق أكثر سهولة من تفريق تظاهرة في شارع مكدس بالغوغاء في قلب العاصمة.
الزعيم الثاني: لقد قرأت ميزانية العام الجديد في بلدك ولم تكن بها أية اشارة إلى مخصصات القصر والأسرة والنفقات الخاصة بالزعيم والأمن، فلماذا لم تفعل مثلي وتتجنب صداع الرأس من المشاغبين، فأنا أضع ميزانية وهمية للقصر وأنفق أضعافها مئات المرات؟
الزعيم الأول: إن جل أبناء رعيتي لا تمر أعينهم على الأرقام، ولا يعرفون حجم البطالة، ويجهلون محرمات عليهم كثيرة وكلها تتعلق بالسلطة وبأسرتي الشريفة، ولا يعرف وزير مالية أو مدير البنك المركزي أو رئيس الجهاز المصرفي للمحاسبات أنه تم وضعها كلها بمعرفة القصر.
الزعيم الثاني: هل تظن ، يا طويل العمر، أن كشفا لحسابك الوطني قد تفتحه جهة تأتي من بعدك، ثم تتدحرج كرة الثلج عن الفساد لتصبح جبلا من الجليد لا يستطيع أحد أن يبرره في العهد القادم؟
الزعيم الأول: لا أظن ذلك لأننا نحن الزعماء اعتدنا، إلا قليلا، على عقد صفقة مع من يخلفنا يلغي بموجبها ذاكرة الأمة في العشرين عاما الأولى من حكمه، إلا إذا جاء على ظهر دبابة أو في انقلاب القصر أو بمساعدة جنود بيض على وجوههم عيون زرق.
الزعيم الثاني: تحيرني، يا طويل العمر، ردود أفعال رعيتنا ففي الوقت الذي تفشل فيه خطط التنمية، ويصل عجز الموازنة العامة إلى كارثة، ويتسول أبناء بلدي في الشوارع، وتضرب البطالة كل بيت، وتلطم ربات البيوت وجوههن الصفراء غير الصحية من غلاء السلع وارتفاع الأسعار، ويصبح حلم أي مواطن مغادرة سجني أعني وطنه، يزداد تمسك المواطنين بي بحجة أن المجهول قد يضع البلاد على شفا جرف هار أو هاوية إلى مكان سحيق.إنهم يتلذذون بالعبودية، وينتشون بالقمع تحت قدمي، ويبتهجون بالذل، ويغتبطون بالقهر، بل يتبرعون أحيانا باستجدائي أن استمر عدة سنوات أخرى في سحقهم تحت حذائي، هل لديك تفسير؟
الزعيم الأول: كأنك تقيم معي في القصر وتصف أحوال رعيتي، ولا تستثني منهم أحدا، إلا من رحم الله، فكبارهم من المثقفين والأكاديميين والوزراء والمحافظين ورجال الأعمال والمفكرين يصبحون في أشد لحظات الرضا لدى انحناء الهامة، وتقوص الظهر، واظهار الطاعة العمياء، وأنا رغم سعادتي ببدء يومي بقراءة مانشيتات النفاق والتزلف والتقرب العفن الرقيقي الذي يُسَبّْح بحمدي، فإنني أصارحك بأن القرف والغثيان والاشمزاز من الكبار يصيبني بحالة هستيرية لا ينفع معها إلا مزيد من اذلالهم، أما الصغار وهم الغالبية العظمى من الرعية فيكفيها لقمة العيش، وبعض مباهج الحياة، وأن يعود كل منهم إلى أهله مساء دون أن يتورم قفاه من كف أحد رجال حمايتي المبعثرين في كل مكان.
الزعيم الثاني: أما أنا فيحيرني أمر  آخر، فرغم كل ما قدمته لسيد البيت الأبيض، سرا وجهرا، فإن الولايات المتحدة لا ترضى عني، وخدماتي لأجهزة استخباراتها لو كان هناك عدل تجعلني في مقدمة جنودها المجهولين.
الزعيم الأول: المهم، يا طويل العمر، أن تظل الشعوب العربية في حالة خوف دائم، وأن نمنع تماما أفكار التمرد فنحن في حقيقة الأمر أوهن من بيت العنكبوت، وأضعف من حشرة، ونظام أي منا يمكن أن تطيح به نسمة رقيقة في مساء أحد أيام الربيع، وشعوبنا لا تعرف طرق الثورة والتمرد والحرية والكرامة، ولو تمكن أحدهم من اقناع أفراد الشعب بالعصيان المدني فسنهرب من فوق سطح القصر كما فعل نيكولاي تشاوشيسكو أو نتقزم ونصغر كما كان الوضع مع محمد رضا بهلوي صاحب عرش الطاووس.وهنا ظهر في الأفق شعاع صباح جديد، وودع المضيفُ ضَيّفَه بحفاوة، وامتصت الجدرانُ حديثهما، ونشرت صحف الصباح في الدولتين مانشيتات عريضة عن المحادثات الهامة بين الزعيمين لخدمة الشعبين الشقيقين.

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

 



16‏/10‏/2018

مستنقع الإعلام المصري في عهد السيسي!

مستنقع الإعلام المصري في عهد السيسي!
أتخيل جبلاية من القِرَدة في غابات الأمازون وقد قررتْ الانتقالَ من الأشجار إلى استديو في مصر به فضائيات وصحف ومجلات؛ فهل ستكون النقلةُ بعيدةً ومستحيلةً و..خيالية؟
لم أشهد منذ اكتمل وعيي علىَ الحياة العامة، والاهتمام السياسي والاجتماعي والوطني والثقافة خمسين عاما خلتْ، واختلافي البيّن مع أنظمة حُكم السادات ومبارك وطنطاوي ومرسي وعدلي منصور أنْ تخيلت لهنيهةٍ واحدة قُدرةَ الحُكْم على تجميع أكبر قدْر ممكن من المتخلفين والسفهاء والجاهلين وأنصاف الأميين والمنافقين والغثيانيين والمطبلين والحشاشين والقاتيين، وإطلاقهم في الفضاء والمطابع ليحمل كل منهم لقب صحفي أو إعلامي أو مذيع أو مُحاور كما حدث في سنوات السيسي الخمس.
نعم، هناك فساد في القضاء والعدالة والتعليم والتجارة والطب وسلوكيات المجتمع، لكن الجزءَ الأعفن كان من نصيب الإعلام الفضائي وصوت الحمقىَ تحت سوط السلطة، كأن عصرَ العبيد عاد بقوة تكاد تُقنع الإعلام الفضائي أن لعق حذاء السلطة أشرف من شرائع الحق كلها، الوضعية والسماوية!
أنت لا تحتاج، إذا كنت طبيعيا، لأكثر من سويعات قليلة لتكتشف جريمة غمس القلم واللسان في غائط القصر، والكُفر بالوطن وأنت تتغزل، ظاهريا، في نهضته المزيفة.
تحدّث مع أي مصري يعمل عقله بعُشــْـر قدرته على التفكير فسيرتفع ضغط دمه ضعفين أو أكثر إذا أتيتَ على ذِكــْــر إعلام بلده.
دروشة وجهل ومزايدة دينية وأكاذيب مضلله ولغة سقيمة وحروف مريضة وتعبيرات غُرْزية  وضعف معلوماتي تجعلك تتصبب عرقا وأنت تتابع أخبار وإعلاميي وبرامج وحوارات بعد خمسة آلاف عام من حوارات ملوك الفراعنة مع عبيدهم أو.. مواطنيهم.
كيف تمكن كل هؤلاء في نِصْف عقد سيساوي من القفز فوق مقاعدهم ومنافسة القرد ميمون في ( سلام للبيه )؟
نقيب الفلاحين يطالب بحل المشكلة الاقتصادية واستقبال العُملة الصعبة في تصدير الكلاب الضالة، خاصة أنها مُحرّمة في الإسلام(!)، ولا ينسىَ أنْ يضاعف المزايدة الدينية في قوله بأنه يجلس في الاستديو رغم أن حديث المسلم مع المرأة حرام، والمذيعة الجاهلة لم تنبس ببنت شفة.
عمرو عبد السميع يطالب بمحاكمة من قاموا بثورة 25 ينايرالتي أطاحت بحُكم مبارك.
كل يوم، وكل ساعة، وكل دقيقة يسحب الإعلام المصري وطنه المسكين إلى الأسفل ولا نعرف عُمقَ القاع بعد.
كل المصريين خائفون من خيال الرئيس السيسي حتى لو مرمط باللغة والمنطق والموضوعية والحق كل هموم الوطن، وكلما سألت مصريا زعم أن يدَ السلطة طويلة، وأن الرئيس يقرأ أحلامه ويدعم كوابيسه، لذا فهو ينتظر الله لينقذ مصر بفضل الدعاء.
شجّ رأسك في جدار منزلك قبل الصباح وفي المساء، وطالب بالافراج عن المظلومين، وابحث عن حقك، واصرخ من غلاء الأسعار، واغضب لسفاهة التبذير السلطوي، ومِتْ جوعا أو فقرًا أو مرضا، فالرئيس يعرف أن ضعفه ونُبله وإيمانه في الإنصات لمطالب الشعب، لذا فيزداد إذلاله إياك؛ ويمُنّ عليك بأنك لست في سوريا وليبيا والعراق واليمن.
أحفادك وأولادهم مدينون بقروض ستعذبهم لقرن أو قرنين قادمين، لكن بلادةً وبرودة ورعبــًـا وذُعرا وخوفا وطاعة ومسكنة رانتْ على الوطن، فالمركب لا تغرق، إنما يتبرع الراكبون بالهروب منها، سواء للخارج أو لأحلام اليقظة أو لــ ( تحيا مصر ) حتى تتركك السلطة تأكل من فتاتها.
ويبقى السؤال مطروحا: كيف تغلـَّـب جهل الإعلاميين وحقارة وسفالة وقذارة أكثرهم على واحد من أكثر شعوب الأرض تأثيرا حضاريا، فإذا به يستورد نفايات اللغة والثقافة والجهل والتصحر الفكري والتعليم القـِـرَدي فتتراجع أم الدنيا في كل المجالات، تقريبا؟
ماذا لو وقف الرئيس السيسي قبل بِدْء خطاب له أمام حشد ضخم من ضباط الجيش والشرطة والقضاة والمحامين والأكاديميين والمثقفين والمسؤولين والمحافظين ؛ وبصق في وجوههم، فهل سيُقابــَـل باحتجاج أو تذمر أو عتاب؟
لقد هجر المصريون الكتاب والكلمة المقروءة ومصادر المعرفة، وكرهوا الحديث عن الثورات والغضب والاحتجاجات والدفاع عن كرامة الشعوب، وأبسط الإيمان التعاطف مع المحرومين من حرياتهم!
مصر تمر الآن بمرحلة لذة العبودية، ومتعة الخضوع، والتخدير الديني، ومشاعر الخيلاء الفارغة التي تحملها قبضة الرئيس في تحيا مصر!
مصر تعيش على أمجاد الماضي بالتسوّل لخنوع أجيال قادمة ستسدد قروضا .. بنىَ بها الرئيس مشروعات مثقوبة جيوبها ليأكل الفاسدون.
مصر أعطت ظهرها للرئيس يكربجه كيفما يشاء، فالمثقفون وهم روح الأمة يبول أكثرهم على ملابسهم الداخلية إذا عرفوا أن ألسنتهم أو أقلامهم ستجلب عليهم نِصْف غضب الرئيس.
أعود إلى سؤالي وهو رأس الموضوع: كيف تمكن عهد الرئيس السيسي من تجميع قطعان الماشية في الإعلام، وهشّ عليها بعصاه فإذا هي تخرّ أو تبرك على الأرض قبل أن يلمسها.
أكتب كلمات الغضب تلك كأنني أتجول بين القبور، فلن يسمعني أحد، ولا يذرف الموتىَ دمعة حزن واحدة، والقراءة أضحت آخر اهتمامات المصريين.
من يظن أنه أكثر مني حزنا على أم الدنيا فليمدد بسبب إلى السماء، ثم ليقطع فالمصريون صامتون، ومن في القبور أكثر منهم ضجيجا واحتجاجا وغضبا!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 16 أكتوبر 2018
    

09‏/10‏/2018

انتصار الحجاب .. عبقرية المسلمين!

انتصار الحجاب .. عبقرية المسلمين!
الحمد لله .. انتصر الحجاب، وهُزم الشيطان، ولم تعد المرأة المسلمة المصرية في دائرة الفسق والفجور، وانحسرت المخدرات، وعمّت الأمانة، وانتشرت الثقافة، وبلغت الإنسانية مبلغها، ورقّت القلوب، وانكبت المرأة على الكتاب تنهل منه المعرفة، واختفت السرقات، وزاد الوعي، وأصبحت تجمعات النساء العاملات المحجبات خلية نحل يعملن دون كلل أو ملل، وشعر شركاء الوطن الأقباط بالأمن والأمان والتسامح، وعفّت الألسنة، وارتفع دور الفن، وأضحت سلوكيات المصريين والمصريات قطعة من السماء، والمرأة المسلمة بيتها ومنزلها وشارعها نظيف كأنه معبد، ورائحة العرق في الازدحام مــِــسْك أو ريحان، وإذا دخلتَ على موظفة مصرية محجبة تُنهي معاملاتك في لمح البصر بابتسامة ملائكية، بل تصافحك في سبيل الله.
الحمد لله فقد رضيت السماء عنهن، فالحجاب أهم من كل ما على الأرض أو في باطنها، والعلوم والآداب والتقدم والرفعة والقوة والوطنية والتسامح بين أفراد المجتمع عرفت طريقها بفضل الحجاب.
الحمد لله فالشيطان يسيل دمه في الشارع من عظمة الحجاب، والرجل خصيت أعضاؤه التناسلية لأنه لم يرَ خصلات شعر امرأة.
الحمد لله انتصرنا على الغرب الكافر والقوىَ العظمى وعشنا في رفاهية وربة البيت المحجبة يأتيها رزقها رغدا حيث تشاء، وتُرَبي أولادها على سلوكيات قويمة رأسها في المحبة و.. إخمصها في التسامح.

الحمد لله فذكورنا غدوا أذكياء بفضل حجاب نسائهن، والمجتمع الطاهر أعلن قضاءه على إباحية الشعر السافر حتى لو تمايلت المؤخرة، واهتز النهدان، ورقص الخصر، وظهرت صور أخرى للابداع الأنثوي بغير اعلان هزيمة الرجل.
الحمد لله فالحجاب رمز انتصار الأمة على أعدائها، أما الجهل والمرض والقذارة والقمامة والكسل والتراخي والتعصب والتطرف والأمية والتأخر والتحايل والرشوة والفشل في تربية الأولاد ومساندة الطغاة والتزوير والتزييف والعلاقات الأسرية والعائلية المنهارة والتمييز بين الناس وفق أديان ورثوها فكل هذه أشياء بسيطة وتافهة لا يكترث لها رب الكون العظيم.
الحمد لله انتصرت العفة في تغطية شعر رأس المرأة المسلمة، ففي خمسين عاما عرف المسلمون دينهم الحق عن طريق ياسر برهامي والحويني ووجدي إبليس غنيم ومحمد حسان ومحمود المصري وأبي إسلام ومئات غيرهم ممن أنجبتهم التيارات الدينية، أكثر وأفضل مما عرفوه في مئات الأعوام .
الحمد لله فقد انتهىَ عصرالنهضة لرفاعة رافع الطهطاوي والشيخ محمد عبده وقاسم أمين وعلي مبارك وحل محلهم شيوخ فضلاء وعلماء لا يقبلون غير قطع الرقبة والرجم والجلد، وعدم تهنئة شركاء الوطن!
الحمد لله فقد أصبحت قضايا الأمة هي تحريم الغناء والموسيقى ومصافحة المرأة وتنسم عطرها ورؤية العين اليمنىَ خلف النقاب وأهمية تحريضها زوجها على الزواج من ثانية وثالثة ورابعة.
الحمد لله فقد اقترب وقت رجم غير المحجبات في الشارع وذبحهن أو أخذهن إماءً ليستمتع الرجل كما تأمره أعضاؤه التناسلية، ليلا أو نهارًا.
انتصر الحجاب العظيم ولم يعُد يسأل أحدٌ أحدًا: هل ترتدي زوجتك أو ابنتك الحجاب، فالمجتمع كله، الجسد والعقل والثقافة والكرامة والحرية والمساواة، أصبح خلف حجاب تطور فأصبح باكستانيا ثم أفغانيا ثم صوماليا ثم إيرانيا ثم بوكوحراميا!

الحمد لله فقد انتصرت معركة المرأة دونما حاجة للعلم والكتاب والثقافة والتمرد ضد الطغاة والدفاع عن ابنها السجين البريء.
سيأتينا ترامب وماكرون وتيرزا ماي وبابا الفاتيكان يتعلمون منّا عبقرية النهضة العفيفة المنتصرة بفضل مئات الملايين من حوارات ومناقشات المسلمين على مدىَ نصف قرن لاثبات حُرمة ظهور خصلات الشعر المثيرة للشبق.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...