14‏/05‏/2018

مغالطة مخزية .. حرب فلسطين!

مغالطة مخزية .. حرب فلسطين!
تجهل أمة تاريخها فيتبرع الأوغاد بكتابته لها، ويتولى المحتل تدريس أبنائها إياه عن طريق الحُكم الوطني حتى يبدو كأنه خارج من رحم النضال المهزوم.
لذا لم يكن للحكومات العربية التي تتلقىَ التوجيهات والأسلحة الفاسدة والخطط الفاشلة أن تنتصر على بعوضة فما فوقها ، فلندن وباريس تدعمان احتلال فلسطين حتى لو صدرت عشرات من بيانات الإدانة.
طوال مئات السنوات؛ والغرب يضطهد اليهود. وصمتت الكنيسة الكاثوليكية والبروتستنتية، ولحق الاضطهاد والظلم والتصفية بقمة العار الإنساني بوصول العنصري النازي أدولف هتلر إلى رأس الحُكم في ألمانيا.
تحول تاريخ البشرية إلى مذبحة استمرت عدة سنوات انتهت بأكثر من خمسين أو ستين أو سبعين مليون قتيل في حرب مجنونة فضلا عن عدة ملايين يهودي في أم المحارق.
ودفع المسلمون والمسيحيون الشرقيون الثمن غاليا، وقطع مضطهِدو اليهود من الأرض العربية قلبها.. فلسطين، فنزعوها من المسلمين والمسيحيين الأرثوذُكس( ثلاثة من كل أربعة فلسطينيين ينتمون إلى الإسلام، وواحد إلى المسيحية الشرقية الأرثوذكسية).
للمرة الثانية يدفع المسلمون ثمن الكراهية والعنصرية؛ الأولى في الأندلس مع أولاد العم اليهود، والثانية في فلسطين مع المسيحيين العرب الأرثوذوكس.. شركائهم في الأرض العربية .
ونجح تقسيم فلسطين، فأكثر الدول العربية كانت واقعة تحت الاحتلال الغربي الذي اعتذر لليهود، وكأفأهم أو اعتذر لهم في أرض غيرهم، ولا مانع من قراءة صحف موسى بعيون الاحتلال، وتفسير التوراة من خلال رؤية المنتصرين في الحرب العالمية الثانية وهم أنفسهم الذين اضطهدوا اليهود حيث لم يكن لهم ملجأ آمن غير أحضان العرب، من المغرب إلى اليمن.
وقام الغرب بتخدير ضميره حتى يقرأ التوراة بعيون عبرية ويفهم التلمود بضمير غائب؛ فيمنح أرض فلسطين للمهاجرين الهاربين خوفا من تكرار الهولوكوست.
اليوم يحتفل الشياطين بسبعين سنة على غياب الضمير الإنساني، ويلوم العربُ أشقاءَهم الفلسطينييين لأنهم وضعوا ثقتهم فينا.
اليوم تحتفل خمسون عاللة فلسطينية باستشهاد زهور تفتحت في أرض أجدادهم، فداست عليها الأقدام الهمجية.
اليوم يصبح الحَمَل ذئبا في عيد ميلاده السبعين الذي يوافق نكبتنا السبعين، ويرفع ترامب بأموالنا الستار عن النُصب التذكاري لإبليس.
لو احتضن الغرب أولاد عمومتنا اليهود قبل أن يحرق هتلر خمسة ملايين منهم، وكل الدلائل كانت تشير إلى ذلك من خلال كتابه( كفاحي) لما كانت هناك حجة لاحتلال أرضنا وجعلها أرض الميعاد.
اليوم انشغل العالم العربي بجمال إيفانكا وهي تحدثهم عن أرض السلام وسماحة الإسرائيليين وتصويب بندقية الجندي الصهيوني في صدر أطفال وشباب أكبرهم أصغر من عُمر شجرة زيتون.
اليوم ندفن شهداءنا وتلفزيوناتنا تبث مسلسلات وأغنيات ورقصات، لكنها لا تنس رؤية زعيم عربي يدعو المغول الجدد أن لا يضربوا أطفالنا بقسوة مفرطة!
اليوم جاوز الظالمون المدىَ، فدعونا نغني، ونصفق، وننتظر مسلسلات شهر رمضان، ونكفر بقولنا بأن الحجر هو الذي اعتدى على الرصاص.
اللهم ألعن كل عربي لا يقاطع إسرائيل حتى لو اشترى برتقالة يافاوية واحدة سيشتري بها جيش الدفاع الصهيوني رصاصة تصيب قلب ابنٍ لأحدنا.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 14 مايو 2018 
  

13‏/05‏/2018

الذكرىَ العاشرة لرحيل الشيخ سعد العبد الله


اليوم تمر الذكرى العاشرة علىَ رحيل الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء والأمير الوالد في دولة الكويت.
المسؤول الكويتي الكبير الذي أحبه الكويتيون والوافدون بنفس القدر، وهو بطل التحرير وأحد الرجال الذين صنعهم الوفاء، وأسلمت لهم الشجاعة قيادتـَـها، سواء إبان مذابح سبتمبر الهاشمية في الأردن، أو خلال مقاومته على الحدود الكويتية/ السعودية بعدما أنقذه الله من براثن جيش الاحتلال العراقي.
كنت أحبه حباً جمّاً ويبادلني، رحمه الله، نفس المشاعر الدافئة الجميلة.
شرَّفني برسالة فاكس خاصة من " الطائف"السعودية قبل التحرير بشهر تقريباً، يبلغني فيها بأنه سيستقبلني قريبا(!) في الكويت المحرَّرَة، فزارني التفاؤل بعدها، وبدأت أعدّ الأيام على هزيمة واندحار وخروج أشاوس(!) صدام حسين من جارته الصغيرة التي غدر بها في فجر الثاني من أغسطس عام 1990.
في نهاية عام 1993 دعاني وابنتي سونيا ( أربعة عشر عاماً آنئذٍ) وابني مجدي ( تسع سنوات في ذلك الوقت ) لزيارة الكويت، واستقبلنا في مكتبه بقصر بيان استقبالا حفياً، وعاملهما معاملة أب ودود ورائع.
المرة الوحيدة التي رأيت علامات الغضب على وجهه عندما قلت له بأن اصواتاً كثيرة من المسؤولين والكتاب وغيرهم تتحدث بصوت عال عن المصالحة مع طاغية بغداد، فقال لي بأنه لو صفح الكويتيون كلهم عن هذا المجرم وقوات الاحتلال العراقية فلن أفعل.
بعدها انتقلت للحديث عن موضوعات أخرى، ودعوته، رحمه الله، لزيارتي في النرويج، فوعدني بذلك رغم أنه يحب شمال ايطاليا على الحدود النمساوية فهو المكان المفضل لديه، صحياً وتأملياً.
تلقيت اتصالا هاتفيا في الفندق اللندني البسيط، وقيل لي بأن سمو الشيخ سعد العبد الله يريد أن يراني قبل عودتي في اليوم التالي إلى أوسلو.
كان قد شفى من الأزمة الصحية وخرج من المستشفى، فاستقبلني في مقر اقامته بالعاصمة البريطانية مرتدياً بدلة أنيقة تتوسطها ربطة عنق صفراء، وكان في أشد حالات البهجة والصفاء. قال لي: لقد علمت من السفارة بوجودك في لندن فحرصت على لقائك، فأنت عزيز على قلب كل كويتي لمواقفك وكتاباتك في أحلك اللحظات. ثم أردف، رحمه الله، قائلا: هل تعرف أن كتابك( كتابات ممنوعة- أحاديث لا تُرضي الرقابة) انتهيت من قراءته في ليلة واحدة، واكتشفت أنك ترصد المستقبل كأنك تراه أمامك.
سقط الشيخ سعد العبد الله مريضا مرة أخرى، وزادت حالته حرجاً، وقمت بزيارته في المستشفى بلندن ولم أتمكن من الدخول عليه، , وجلست في غرفة الانتظار مع الشيخ سالم الصباح والسفير الكويتي، وكان رحمه الله، نائماً، ولم أره بعد ذلك، وكنت قد طلبت من الشيخ سلمان صباح السالم الحمود زوج ابنته آنئذ ( وزير الإعلام بعدها) أن يُمكنني بعد عودة سموه من رحلة العلاج الأخيرة في الهند أن اقوم بزيارته لدقائق معدودة، لكن الموت إذا قرر دخول السباق مع الأماني، فلا يستطع حلم او طبيب أو محب أن يسبقه.
أتذكر أنني قمت بزيارته في الديوانية مرة واحدة، فكل لقاءاتي كانت بمفردي، وقمت أمام الجميع عندما حان وقت المغادرة ، فرأيت الصديق الشيخ فيصل الحمود المالك الصباح يشير إليَّ، وأفسح مكانه لي لأجلس بجوار الشيخ سعد العبد الله. الذي تبادل معي بعض الكلمات الرقيقة وهمس في أذني: لقد أرهقت كثيرا، لكنني والحمد الله انتهيت من تشكيل الحكومة وسأعلنها غداً!
خرجت من الديوانية وأنا طائر من الفرح، فلم يحدث أن استقبلني مسؤول في أي مكان، ثم أخرجت من اللقاء الخاص كلمة واحدة إلا أن تكون غير مباشرة وفي ثنايا مقال وبعد وقت طويل.
ثم كان اللقاء الأخير الذي لم يسمعني فيه عندما زرت قبره في مقابر آل الصباح، ووقفت أقرأ الفاتحة على روحه الطاهرة.
ورغم مرور عشر سنوات على رحيل سمو الشيخ سعد العبد الله إلا أنني أشعر كأنه استقبلني بالأمس القريب.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع الشهداء والصديقين والأنبياء، وحسن اولئك رفيقاً.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج

عشرون ملاحظة على لقاء عمرو أديب بمحمد صلاح!


عشرون ملاحظة على لقاء عمرو أديب بمحمد صلاح!
1- كان اللقاءُ ممتعا للمشاهدين رغم التفاوت الكبير بين النجم والإعلامي، فهما من عالميّن مختلفين.
2- محمد صلاح لم يزايد وطنيا أو دينيا؛ إنما شهد بالفضل على تفوقه ومهارته إلى العقل والاجتهاد والتدريب والثقة بالنفس.
3- كان عمرو أديب صغيرا أمام الكابتن، ولم يتمكن من جذبه إلى عالم الأسئلة التافهة، فيُحوّلها محمد صلاح إلى متعة وفائدة للمشاهد .
4- كان محمد صلاح صريحا وواضحا رغم دماثة خُلقه؛ فقد قال بأنه غادر مصر وفي نيته عدم العودة ليفهم المشاهد أنه غير راضٍ مطلقا عن الوضع العام برمته.
5- أثبت محمد صلاح خطأ كل الأقاويل الهزلية بأنه داعية لدينه، إنما كان مدرسة متكاملة في علم النفس والسلوكيات القويمة وأن النجاح يعود للثقة بالنفس والتي نصح بها كل مشاهد يريد أن ينجح.
6- لم يجامل أو ينافق أو يطبّل أو يُرجع الفضل لتوجيهات رئيس الدولة، فهو أكبر منه، فالرئيس لا يملك عبقرية الحُلم التي هي نهج محمد صلاح.
7- لم يُشر من قريب أو من بعيد للدين، ومن ينصت إليه جيدًا يراه إنسانا فقط، وليس إمام مسجد في الملعب، فكسب القلوب وخسر الذقون، وكان حريصا أن لا يقع في مصيدة الأدعية والفضل وصلاة الفجر وقراءة آيات النصر الكروي.
8- رغم أن عمرو الأديب يبلغ من العُمر ضعف محمد صلاح، إلا أن الملك المصري كان يجمع خبرات في الحياة والذكاء والدهاء والتسامح أضعاف ما لدىَ الإعلامي.
9- لم يرفع محمد صلاح قبضته ويصيح للمهووسين: تحيا مصر التي تصب في صالح النظام السياسي، أو أنا مسلم التي ترجّح كفة دواعش الأمة، إنما كان يُلقن محبيه دروسا في اندماج المهاجر في المجتمع المضيف، نفسيا وعاطفيا وولائيا.
10- كان محمد صلاح داعية لدين الأديان، أي التفاؤل والتفكير العقلاني والترتيب والتنظيم والتمدّن والاجتهاد، فكانت قدماه أذكى من عقول المتدينين والوطنيين.
11- جعل محمد صلاح قريته هي العالم، وقرويته هي الأصل، وليفربوليته هي الوطن الجديد دون أن يحيد يمينا أو شمالا فيهتز الولاء بين وطن غادره و.. وطن احتضنه.
12- كان متحضرا حتى في فرحه وسعادته وبهجته فهو لا يحتفل بهزيمة من شاركهم من قبل الملاعب الخضراء، ويحتار إذا فاضل أحدًا على أحدٍ، كما حاولت اهتمامات عمرو أديب أن تحشره فيها، فكان بحق هو الإعلامي والكابتن، بل كان يمكن الاستغناء عن عمرو أديب ليتحدث محمد صلاح مع نفسه فيتفوق عليها!
13- من أراد أن ينجح فنجاحه يُنسب إليه فقط، فهو صاحب الحق الأوحد والفضل الأكبر على نفسه، وهي قمة الثقة بالنفس في سن التاسعة عشرة عندما غادر إلى بازل فروما فبرمنجهام.
14- كان يحقق الهدف في عقله أولا، ثم ينقله إلى قدميه في الملعب، فجعل الكُرة تصيب الشبكة قبل المباراة بيوم أو..  أكثر.
15- لحية محمد صلاح كانت تُكمل ابتسامته المريحة والتلقائية والطبيعية ولا علاقة لها ألبتة بتوجيهات دعاة الفرض الديني السلفي.
16- كان الكابتن حالة سلام وحب وتواضع مع نفسه، وأطل صغيرًا، في العُمر، على عمرو أديب فتلقفه محبوه كبيرًا في عيونهم.
17- كانت المفاجأة لعمرو أديب الذي لم يُعد نفسه جيدًا ليستخرج من ضيفه روح الحياة، لكن ضيفه كان أسرع بوضع النقاط فوق حروف كلمات تُبهج، وتُدرَس، وترفع من شأن هذا الفرعوني الذي يصيب الشبكة بقدمه الساحرة والقلب بإنسانيته الرائعة.
18- محمد صلاح أثبت أن القرية المصرية تستطيع أن تمدّ العاصمة بسلوكيات متمدّنة ليست بالضرورة مستندة على دين أو مزايدة وطنية، رغم أن إيمانه بالاثنين: الله والوطن، كان يُطل من بين جوانحه فيخلط النيل بالتيمس.
19- أحاديث محمد صلاح ينبغي أن تُدرس في مدارس مصر كلها، ليتعلم الكبار المصنوعون إعلاميا أنهم صغار مقارنة بالوجه الجديد للتحضر.
20- انتهى خوفي تماما أن يسرق الوطنُ الأم محمد صلاح ويُلقي به في دائرة التعصب والدعوة الدينية والمديح الزائف في وطنٍ يئن مع تطبيل يرن، وكسب الكابتن مباراة إعلامية فـُـرضت عليه مصطلحاتها، فأنسنها، وجعلها في شبكة الوطنين: الأم والمضيف.
محمد صلاح رفع الفلاح المصري مئة درجة، وجعل مصر في أحلام أطفال العالم. تحية إلى عمرو أديب الذي حاول المسكين أن يرتفع إلى قامة محمد صلاح ، ففشل، لكن الكابتن أخذ بيده، وصعدا معــًــا إلى حوار ممتع وبديع.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 13 مايو 2018

11‏/05‏/2018

تقرير البي بي سي.. وصمة عار في جبين كل صامت!


تقرير البي بي سي.. وصمة عار في جبين كل صامت!
جاء حسني مبارك وقضىَ ثلاثين عاما كأن مصر بشعبها وخيراتها وأرضها وسمائها ملكية خاصة له ولعائلته.
وقامت ثورة الأنبياء الصغار فأطاحت به، ليجيء مساعده المشير طنطاوي فيقضي عاما ونصف العام ويرتب أوراق تبرئة المجرم، وتحويل المنهوبات، وإخفاء أبشع الجرائم.
وجاء بعدهما ملعون ثالث باسم الدين؛ فظن أنه نجح في الانتخابات بفضل منافسة النسخة الثانية من مبارك، أي أحمد شفيق، وقوة جماعة المرشد وسطوتها وأموال تُغدق عليها من كل مكان. 
ووضع مصر كلها بين السيف والمصحف، وظهرت خفافيش الظلام توطئة لإمارة إسلامية داعشية ترتدي ثوبا عصريا.
ولم يتحمل الشعب، فثار ثورة عارمة وثب في مقدمتها عسكري آخر من المجلس الذي يحكمه مبارك وطنطاوي.
وكان شعبنا أمام خيارين أحلاهما مُرّ مرة أخرىَ: السيسي العسكري أم مرسي وجماعته، وكانت الثمرة ناضجة وسقطت بين يدي السيسي بفضل دعم شعبنا.
ووعد الرجل الشعبَ بالمن والسلوىَ، وعد بعدم ترشح نفسه، وتعهمد بدولة القانون، ومحاكمة لصوص الحُكم؛ فإذا به يحاكم شباب الثورة والشعب والإسلاميين والمناهضين وكل من يرفع صوته.
تلك هي حكاية شعب يناهض الظلمَ فيه أقل من خمسة أشخاص من كل ألف، وعشرات الملايين ينقسمون بين الحسبنة الصامتة، حسبنا الله ونعم الوكيل، وهي لغة الضعف الأرضي حتى لو كانت قوة في السماء، وبين أنوار مبهجة من أبناء النيل يدفعون ثمن بقاء الشعب على بين الحياة والموت.
وكالعادة جاء جنود الشيطان لحماية الطاغية: إنهم كتائب الإعلام النجسة والذليلة يدعمها قضاء يحكم باسم إبليس ويزعم أن الشيطان هو الله.
والسيسي هو صاحب القبضة الأقوى والأشرس فهو على استعداد أن يلقي كل المصريين في نهر النيل دون أن يرف له جفن.
والسيسي محظوظ فقد ظهرت قوىَ إسلامية اخوانية أو متفرعة منها، يمقتها الشعب ويخشى عودتها وبالتالي منحته تصريح الاستمرار لأربع سنوات خامسها جحيمها.
والسيسي محظوظ فالكلمة فقدت قوتها وروحها ومعناها، ولم تعُد تحرك المصريين نحو حقوقهم، فقبضة واحدة تُحيي وتميت قلوب الملايين.
هذا التقرير سواء اتفقت مع بعضه أو اختلفت باستعارتك ألسنة الإعلاميين المصريين وأصدقائهم، هو وصمة عار في جبين مصر لمئات السنوات القادمة.
معركة الشرف الكبرى هي مع الأُذُن المصرية التي ترفض أن تنصت للحق خشية أن تعرف الحقيقة.
تقرير تهتز له السماوات ولا تتحرك له الأرض.
تأملوا جيدًا فستجدون آباءكم وأمهاتكم وأبناءكم !
تأملوا جيدا فستعثرون على أنفسكم بعد حين!
مصر تعيش أتعس وأسوأ وأغبر وأحزن زمن مر بها أو مرت به.
سيقول البعض بأن التقرير كاذب، وأنه يصف الجنة كأنها الجحيم، وأن الرجل أنقذنا من فتنة الاخوان فإذا به ألعن منهم.
السيسي أحد طغاة التاريخ يملك قوة معارضة الاخوان المسلمين الحمقىَ له، ولو توقفوا، فستصعد روحه إلى بارئها.
إن الوقوف مع السيسي ودعمه وتأييده حرب ضد مصر وأهلها مهما كانت التبريرات.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 11 مايو 2018

https://www.youtube.com/watch?v=AaD7saEFhrE&t=648s

10‏/05‏/2018

انتظروا الحُكم بإعدام الحيوان المنوي!


انتظروا الحُكم بإعدام الحيوان المنوي!
لقد أخطأت محكمة أحداث حوش عيسى بالبحيرة في تبرئة الطفل الذي اعتدى بالضرب على زميلته وكل منهما في الرابعة من العُمر، وليس في فم أي منهما بزّازة، ولا يرتديان البمبرز، وكان يجب على القضاء المصري العادل الذي ترك أكثر من نصف مليون قضية حياتية ومهمة وانشغل بالاغتصاب الطفولي أن يحكم بإعدام الطفل شنقا وفي ميدان عام؛ فنحن في عهد الرئيس السيسي الذي طلب ومجلسه العسكري بالافراج عن الملعون مبارك بعد عشرات الآلاف من التهم الثابتة بالاضافة إلى ثورة شعب.

إنها النتيجة الطبيعية لدولة السلفية السيساوية التي أعادت صُنع مجتمع الهوس الجنسي، والخطوة القادمة ستكون محاكمة حيوان منوي حاول تخصيب بويضة امرأة عن غير رغبتها، وسيعلن القضاء المصري إعدام أو تبرئة الحيوان المنوي من جريمة التحرش بالبويضة.


من فضلكم لا تضحكوا، ولا تبكوا؛ لكن انتحروا جميعا واتركوا رسالة للرئيس السيسي وكل القيادات الدينية والإعلامية والقضائية.
في أقل من ثلاثين عاما، مبارك وطنطاوي ومرسي وعدلي منصور والسيسي، أصبحت مصر الكوميديا الجحيمية الأرضية.

قبل محاكمة الحيوان المنوي ستكون هناك محاكمة أشخاص احتلموا ليلا، وستحرز شرطة الآداب الملاءات البيضاء التي تحتوي على إفرازات منوية نتيجة الاحتلام الحرام.
أكاد أرىَ بعضا من قرائي الأعزاء يبتسمون ولا يلطمون وجوههم في أقذر العهود السلفية والديكتاتورية المتخلفة.
معذرة فلا أستطيع تكملة البوست وأشعر برجفة غضب مشوبة بالحزن لأنني لا أشاهد السماء تبكي على مصر.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 10 مايو 2018

09‏/05‏/2018

الملعون فوق صدر أمة!



وتحمّل الزمنُ المسكين تسعين عاما، منها ثلاثة عقود كان الملعون يقف فوق صدر أمة من أعرق أمم الدنيا.
الله يخرب بيتك يا ريّــس!
أوسلو في 16 يونيو 2006
عنوانُ مقال لا يتناسب مع جدّية الموضوع، لكنه في الحقيقة يُعبر عن أكثر الكلمات استخداماً في الحياة اليومية المصرية.

لا تدري إن كانت ( الله يخرب بيتك يا ريس ) تمنيات أم دعاءً أم بركاناً من الغضب أو صراخا مكتوماً من وجع لو نزل على جبل لتصدع وانشق وتناثر في الهواء.
تقترب من سيدة ترتدي ثيابا بالية وتعبث يداها المعروقتان بمحتويات صندوق قمامة في أحد الشوارع الجانبية بأم الدنيا، وترى عينيها الذابلتين تدمعان على كرامتها وعلى بطون أولادها الخاوية والتي تتضور جوعا، فيمنعك الحياء من الاقتراب أكثر لتسمع دعاءها: الله يخرب بيتك يا ريس.
إنها واحدة من مئات الأمهات اللواتي يبحثن في زمن حسني مبارك عما يسد رمق فلذات أكبادهن، وهن لا يعرفن أن ثروة أحمد عز صديق الرئيس الشاب القادم تبلغ أربعين مليارا من الجنيهات، وأقل منها ثروة علاء مبارك وأفقر منهما جمال مبارك.

تسير على غير هَدْي فتشاهد فتاةً توشي تقاطيعُ وجهها بجمال اعتدى عليه سرطانٌ أطلقته مزروعاتُ يوسف والي طوال عشرين عاما، وتتجه متكئة ذات اليمن وذات الشمال على قريبَيّن لها، فلعل المستوصف القريبَ من منزلها يمنحها أملا في عامين آخرين من حياةٍ بائسة.

تسألها وعيناك تخجلان من الالتقاء بعينيها: ماذا بكِ؟
لسانٌ ثقيل كأنه يحمل جبالا من الحزن يَرَدّ قائلا: الله يخرب بيتك يا ريس.

تنسحب فورا من المواجهة مع عينيها الحزينتين، فهي واحدة من عدة ملايين مصري أصابت أكبادَهم وقلوبَهم ومرارتهم وكلَّ مسامات أجسامهم أمراضٌ لم يكن من الممكن تجنبها، فهي من الطعام والشراب والمياه الملوثة والهواء الأكثر تلوثا بعدما استنشقت سماءُ الأرض الطيبة كل الغازات السامة من مصانع رجال الرئيس وأصدقاء ابنه .. الرئيس أيضا.
تسمع سُعَالاً كأنه ينذر بالنَفَس الأخير قبل صعود الروح، وتتماسك بشجاعة مفتعلة لتقترب من الميت الحي، فتجده تلميذا لم يبلغ الحُلْمَ بعد، وكان من المفترض أن الحياة كلها تبتسم لمستقبله، وتحتضنه قبل أن تعطيه كل عام ربيعا جديدا.

الوجه الأصفر يُنْبيء بأن ملَكَ الموت على مبعدة أيام أو أسابيع معدودة، فتسأل ذلك الكبيرَ الذي يصحبه عما به، فيجيبك دمعُ خنيق مُحَدّثاً أذنيك عن دفن نفايات الحديد في الأرض الزراعية في تلك البلد التي عاش فلاحوها بجوار أبقارها ومركز محو الأمية والمياه العكرة التي تُكَذّب ما دَرَسْته بأن المياه لا طعم لها ولا لون ولا رائحة.
هذا التلميذ الذي لن تراه مرة أخرى، وسيلفُه قريبا كفن من قماش رخيص، وتحتويه حفرة صغيرة في مقبرة العائلة، هو واحد من ضحايا كلاب الجشع الذين يطاردون أجساد المصريين، فيسرقونها في غرف العمليات، ويسرطنونها في الطعام، ويسممونها فيما يدفنون من نفايات تحت الأرض الزراعية أمام غبطة ورضا وسعادة الرئيس.
تبتعد عن سُعَال هذا المسكين، ثم تلتفت إليه فتسمع حشرجة خارجة من الصدر مباشرة دون أن تمُرّ على اللسان. إنها ... الله يخرب بيتك يا ريس.

تقرر اختصارا للوقت أن تسمعها من جماعات فتطلب من سبعة ملايين عاطل عن العمل، شبابا وكهولا يبتلعون كرامتهم في البحث عن حقوقهم المشروعة، وهي توفير العمل اللائق والمناسب لقيمة الانسان والمواطن، وتسألهم عما يدور في أذهانهم فيجيبونك في صوت جَهُوري واحد: الله يخرب بيتك يا ريس.
تتمكن في لحظة من لحظات المعجزات الكبرى من أن تجمع ثلاثين ألف معتقل، وتضم إليهم نصف مليون من أقاربهم وذويهم وأحبابهم وأبنائهم وبناتهم، وقد حَرَمَهُم الرئيسُ حقاً منحهم إياه ربُ العزة، وتسألهم جميعا مرة واحدة عن أكثر أمنياتهم قرْبا من مركز القلب، فتسمع هديراً كأنه لسان واحد يلهج بالدعاء الأخير: الله يخرب بيتك يا ريس.
تتسلل إلى مركز اعادة تأهيل ضحايا العنف والتعذيب، وتسمع حكايات لا قِبَلَ لأُذُنٍ بتَحَمُلها، ولا لقلب بالصمود أمامها، ولا لقوة بأسٍ بالتماسك لدى الاصغاء لتفاصيلها.

مئات من البشر المحطمين وقعوا ضحايا رغبة سادية مجنونة من ارهابي يمسك برقاب سبعين مليونا، ويأمر كلابا مسعورة تحمل نجوما على أكتافها، ونياشينَ على صدورها، ودماءً على أنيابها، وحديدا في قلوبها، وصخورا في مشاعرها، وبلادة في أحاسيسها، وعفنا في عواطفها.باسم السيد الرئيس قررنا نحن ارضاء لجنونه أن نذيقكم عذاب الدنيا بكل صنوفه وأنواعه، ونجعل أقسام الشرطة مرتعا للشياطين، ونُشْهِد العالمَ كله أن متعة رئيسنا في اذلال شعبه أكثر عمقا واختراقا لجنون النشوة من الشبق الجنسي وسادية كل طواغيت العالم مجتمعين.
تقضي في مركز اعادة تأهيل ضحايا العنف والتعذيب بضع ساعات فتخرج لاعِنَاً طينة الانسان ، وغاضبا على الخَلق كلهم، وحانقا على الصامتين، وكافرا بكل ما يكتبه ويخطه المثقفون والاعلاميون والمعلمون والمحامون والقضاة والمفكرون والتربويون، ثم يصل طوفانُ غضبك إلى كل الصامتين على وجود هذا الرجل طوال ربع قرن ولا يزالون يتحدثون في أمور أخريات.

تطلب من مدير المركز أن يجمعهم ليودّعوك بعدما قررتَ نقلَ رغبتهم إلى من يهمه الأمر، في السماء أو في الأرض، ثم تسألهم بصوت خفيض خشية أن تُزيد اضطرابَهم ورعشاتهم: ماذا تريدون مني؟
فتأتيك حشرجاتٌ مختلطة بأنين وصعوبات لسانية، لكنك تتبين منها الدعاءَ المصري الذي سمعَته السماواتُ السبع والأرض وكل الكائنات الحية ملايين المرات: الله يخرب بيتك يا ريس.

تقرر اختصارَ الوقت كله، فتجمع المصريين في ساحة واحدة تتسع لسبعين مليونا، ويأتيك من كل فج عميق أناسٌ ضربتهم المذلةُ، ومرضى، وفقراء، وجوعى، وعاطلون عن العمل، وعدة ملايين من عوانس الوطن المسكين، وملايين من عمال لا تكفيهم أجورهم لليوم السابع من كل شهر، ونصف مليون مدمن قتلتْ إرادتَهم عصاباتٌ حيوانية ليست أكثر من خمسة آلاف من تجار المخدرات تعرف السلطة التنفيذية أسماءهم وعناوينهم ورؤوس أموالهم، لكنها تتركهم طلقاء ليساهموا في زيادة خراب وادي النهر الخالد .. واهب الخلد للزمان.

ويأتيك سكانُ المقابر، وملايين من الأُسَر التي يخجل الفقرُ أن تحمل اسمَه، وملايين من الحالمين بمصر المستقبل التي لا تغادرها الكرامة بأمر الرئيس، ويحصل المواطن على حقوقه، ويعرف واجباته، ويستمتع بخيرات وطنه، ويمارس حياةً تسبقها قيمةٌ سامية لبشر كرمها الله تعالى بنفخة من روحه، فنزعها سيد القصر ووضع مكانها رهبة وخوفا ودموعا ومسكنة ومهانة.
وتأتيك كل دابة على الأرض المصرية وفي سمائها، كأنك أعددت سفينة نوح قبل الطوفان، وتقف أمام سبعين مليونا من النفوس البشرية التي تحمل في جذورها أعرق وأقدم حضارات الدنيا وأكثرها ثراء، وتسألهم عن أمنية واحدة ستقوم بايصالها إلى ربِّ العرش العظيم الذي يجيب المضطر إذا دعاه، فتسمع زلزالا يهز أركان الكون ويكاد يصيبك بصمم أبدي.
لا تصدق للوهلة الأولى أنه الطلب الوحيد من المصريين إلى خالق الكون الذي يقول لكل شيء كن فيكون.
تهدأ قليلا وتتبين بوضوح رغبة كل من شرب من ماء النيل.
كانت .. الله يخرب بيتك يا ريس.

تقرر فجأة القيام بزيارة الرئيس حسني مبارك في قصر عابدين، فلا تعثر عليه، ثم تمر على قصر العروبة فيقال لك بأن الرئيس غادر العاصمة إلى مأمن له ولأسرته.

تنطلق إلى شرم الشيخ، فتمر على حراسة تدهشك كثافتها فتظن أنها لحماية الرئيس من عزرائيل وليس من المصريين.
يخطف بصرَك مشهدُ وفد إسرائيلي خارج لتوه من مقر السيد الرئيس، وتسمع أحدَ الأعضاء يضحك ملء وجهه وهو يقول: لقد حصلنا من زعيم مصر على أكثر مما طلبنا.
تدخل مهرولا عليه، وتطلب منه أن يستمع إلى رغبة كل أبناء شعبه، باستثناء بعض اللصوص والأغبياء والحمقى والوصوليين والمستفيدين والبلهاء، فيقول لك : هات ما عندك!
يتحول خوف السبعين مليونا في لسانك إلى شجاعة أنبل الفرسان، وتلقي في وجهه بأمنية المصريين:
الله يخرب بيتك يا ريس!

يستمع إليك الرئيس، ويستلقي على قفاه من الضحك ثم يقول لك:

لو تكاثر المصريون كالأرانب مئات الملايين وغضبوا علي، ولعنوني في يقظتهم ومنامهم، وجعلوا ختام صلاة الجمعة وقُدّاس الأحد بـــــــ ( الله يخرب بيتك يا ريس ) لَما تحركت شعرةٌ مصبوغة فوق رأسي، 
لا تدمع عيناي إن كرهني كل المصريين فإنما يبكي على الحبِ النساءُ، ومادامت الصفوةُ والنخبةُ والمثقفون وصُنّاع الفكر في مصر تلتقي مصالحهم مع بقائي فوق رؤوسهم فلن تثور الجماهير.
المصريون يقولون : الله يخرب بيتك يا ريس أما أنا فأخرب بيوتهم في ظل صمت كبارهم.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو 16 يونيو 2006

وقائع محاكمة الرئيس حسني مبارك



حاكمه قضاة شياطين فوجدوا عشرات الآلاف من الجرائم خلال ثلاثين عاما لا تساوي جيفة ميتـًـا في عُرف الظلم. وقمت أنا بمحاكمته في 2003 من خلال خيالي المُتعب بأوجاع الوطن. 
والآن يحتفل الملعون بعيد ميلاده التسعين!

وقائع محاكمة الرئيس حسني مبارك 
أوسلو في 22 ديسمبر 2003

في مكان ما، وزمان قد يكون أضغاث حلم، أو تمنيات واهم، أو حقيقة مستقبلية، أو أطياف في نصف قيلولة قصيرة، أو مأثورات شعبية ستحكيها أجيال قادمة، أو عبث الكتابة، أو يأس المتمرد، أو قراءة في صدور ملايين المصريين الصامتين منذ خمسة آلاف عام، حدثت أو ستحدث أو لن تحدث وقائع المحاكمة التالية.
القاضي: اسمك ووظيفتك وتاريخ ميلادك؟ 
المتهم: محمد حسني مبارك، رئيس جمهورية مصر العربية سابقا، ومن مواليد مايو 1928 ميلادية.

القاضي: وهل كانت لك وظائف أخرى؟ 
المتهم: نعم، عشرات من الوظائف التي لا مجال لذكرها هنا، وكلها مجتمعة ومتشابكة جعلت كل شبر، وحدث، وتغيير، وأمر، وتعيين، واستقالة، واقالة، ومحاكمة، وتبرئة، وتعذيب، وتحويل أموال، واستمرار شخص في منصبه .. في يدي أنا وحدي فقط، ولو أردت أن أبعث نصف المصريين وراء الشمس دون محاكمة لفعلت دون أن تعترض طريقي نملة صغيرة لا يراها سليمان، عليه السلام، لو كان حيا بيننا.

القاضي: كيف تَسَلّمت الحكمَ؟ 
المتهم: مصادفة بحتة جعلت الرئيسَ الراحلَ أنور السادات يقوم باختياري نائبا له، ثم سقط قتيلا عندما كان يحتفل بقواته المسلحة في ذكرى العبور، فتوَلّيتُ الحكمَ. ومنذ ذلك التاريخ قمت بمسح وحذف والغاء كل مَنْ حوّلي ليتحولوا إلى أصفار لا تساوي جناح بعوضة لو اجتمعت على رأي مخالف لرأيي.

القاضي: وفي حال غيابك، ماذا كان يفعل نائب الرئيس؟ 
المتهم: لم يدر بذهني للحظة واحدة أن أقوم بتعيين نائب لي لسبيين: الأول هو أني لا أتصور أن تتجمع قوة وسلطة وسطوة في يد شخص آخر بجانبي، والثاني أن حلم استمرار أجيال من صلب مبارك شغل كل كياني، فقمت بتلميع ابني جمال وجعلته فوق كل المصريين بمن فيهم رئيس الوزراء والوزراء وكل مسؤول في أرض مصر وسمائها وبحرها.

القاضي: كيف تمت عمليات الانتخابات التي ترشح لها مصريون منافسون لك، وهل كانت هناك لجان رقابة دولية لمراقبة سيرها والتأكد من نزاهتها؟ 
المتهم: لم تكن هناك انتخابات ولو مرة واحدة، ولكن استفتاء على شخصي أنا فقط، فقد كنت أحتقر المصريين وأراهم بملايينهم أقل شأنا مني ومن أسرتي الشريفة! كانت نتيجة الاستفتاء أقوم أنا بتحديدها في قصري، وأترك هامشا صغيرا يبدو كأنه معارضة لا يتعدى أربعة في المائة ليتسنى لرؤساء تحرير الصحف الكتابة عن غير الموافقين، والمصريون وأنا نعلم جيدا أنها مسرحية سخيفة لكنها ظلت طوال فترة حكمي.

القاضي: تقول بأنك لا تتخيل لبرهة مصريا منافسا لك على انتخابات حرة ونزيهة، ألست مصريا مثلهم؟ 
المتهم: كنت أظن ذلك، لكنني اكتشفت بعد فترة قصيرة من الحكم أنني أعلى منهم مقاما وذكاء وقدرة وكفاءة وعبقرية ونقاء جنس ودماء، وأنني سيد وهم عبيد تحت قدمي!

القاضي: كيف توصلت إلى هذا الاكتشاف؟ 
المتهم: كنت كلما تفوهت بكلمة صحيحة أو خطأ أو معلومة مشوهة أو عرضت فكرة ساذجة أو تحدثت في أمور لا أفقه فيها، وجدت مصر كلها في اليوم التالي تشيد بعبقريتي وحكمتي.

القاضي: ولكن هذا ليس صحيحا بالمرة، فأنت قد روعت مواطنيك بكلاب قصرك وزبانية التعذيب في المعتقلات وأقسام الشرطة، وفي عهدك مر على سجون مصر أكثر من ربع مليون مواطن، وهناك مئات قضوا أو تشوهوا في عمليات تعذيب لا قبل لبشر بها في أقسام الشرطة من ضباط ساديين ومخبرين أغبياء ومرشدين حمقى، فكان أمرا طبيعيا أن تصنع جمهورية خوف كالتي صنعها معظم حكام العالم العربي. ألم تكن تعرف بما يجري لمواطنيك من مهانة وقهر وقمع وتعذيب وانتهاك واغتصاب؟ 
المتهم: قطعا كنت أعرف ذلك تماما، وأقرأ التفاصيل كاملة في صحف المعارضة، وتأتيني ملفات تفصيلية عن أوجاع وأحزان المصريين والظلم الذي يتعرضون له من أجهزة حمايتي، لكنني كنت أشعر بسعادة غامرة، فقد عَلًّمْتُ المصريين أن يكونوا عبيدا، وأن يخضعوا لأوامري قبل أن أتفوه بها، وأن يبرروا جرائمي في حقهم، بل إن أكثرهم مقتنعون أنني لو علمت بما يجري لهم لسارعت بانقاذهم، وأوحى لهم كاتبو السلطة ومنافقوها وتُجار الكلمة وباعة الضمير أن الرئيس هو المنقذ والمُخَلِّص لهم، فكانوا ينشرون في الصحف اعلانات استجداء واستغاثة لكي اتدخل، وأنا أصُمّ أذني، فلم أكن على استعداد للدفاع عن كرامة العبيد أو منحهم حقوقهم لئلا تصبح عادة فيدافعون عنها.

القاضي: كيف كنت تختار الوزراء، وعلى أي أساس يستمرون في أعمالهم؟ 
المتهم: الكفاءة لم تكن تعنيني بالمرة، وكنت أعلم أن مصر قادرة أن تمدني، لو أردت، بعباقرة في كل المجالات، لكنني استعنت بوجوه أعرف أصحابها، وأثق أنهم لا يكترثون لغير رضاي، ويبحثون عما يبهجني، ولا يصدّعون رأسي بالشرف والنزاهة والمشروعات الناجحة والاهتمام بالجماهير، لذا عندما يتمادى أحدهم، ويبدأ في الجد والمثابرة ويظل ضميره يقظا طوال الوقت ويسعى لخدمة أبناء الشعب، كنت أركله فورا، فيعود إلى منزله مهانا ضعيفا! 
عندما ظنت الدكتورة نادية مكرم عبيد أن الوظيفة أمانة وشرف، وجعلت تطارد ملوثي البيئة وتعكر عليهم صفو (!!) فوضويتهم، وترفض تلوث مياه النيل، وتُغضب منها أصدقائي المستثمرين وحيتان المال ومالكي النيل وأصحاب المصانع التي تلقي في النهر الخالد بسمومها، استبدلت بها غيرها. 
نفس الأمر حدث مع الدكتور ماهر مهران الذي بدأ الناس يتعرفون على اخلاصه وعبقريته في وزارة شؤون السكان، وحاول توعيه الجماهير، فأسرعتُ فورا لاقالته. 
والدكتور اسماعيل سلام حاول مطاردة وحوش المستشفيات الاستثمارية الذين يبيعون أجسام المصريين بعد أن يستنزفوا جيوبهم، ثم طارد مافيا الدواء، فنزل عليه غضبي وهو في الطائرة متجها للعاصمة السويدية، فأنا لا أسمح بالشرف والنزاهة وإلا سينكشف المستور، وتبدأ فضائح الحكم في مطاردة أعين أبناء الشعب. 
وهذا الوزير الذي ظن أنه في حماية الفقراء، وبدأ الناس يشعرون أن الدكتور أحمد الجويلي يحمل ضميره معه في كل خطوة، وظهرت عبقريته في التعامل مع حاجات الشعب الأساسية، لم أجعله يستمر في منصبه فطردته من الوزارة.

القاضي: ومن هؤلاء الذين احتفظت بهم سنوات طويلة ، ومنحتهم سلطات فوق الشعب، وجعلتهم تحديا منك لمطالب رعايك في التغيير، وغضضت الطرف عن أخطائهم وجرائمهم وتجاوزاتهم؟ 
المتهم: إنهم رجالي الذين يلهثون خلفي، ويعرفون ما يدور بخلدي، ويقرأون أفكاري، وأضمن بهم حُكما هادئا ومستقرا ولو أفسدوا، ونهبوا، وخربوا مصر من نيلها إلى بحرها. 
ولكن لا مانع بين الحين والآخر من ايجاد كبش فداء من أحد مساعديهم لحماية الوزير كما حدث مع يوسف والي عدة مرات ومع صفوت الشريف. 
رجالي، سيدي القاضي، كانوا فوق القانون والمساءلة، فهم يستمدون الحصانة من سلطتي، ولا تستطيع قوة في الأرض أن تزيح أيا منهم دون رغبتي، فأنا فوق الدستور وقبل الوطن، بل إن التجديف في حق الله كان أيسر وأسهل وأخف على المواطن من التعرض لي. 
لو رأيت ما تكدس على مكتبي من انتقادات وشكاوى موثقة واتهامات بالفساد وملفات تحوي تفصيلات يشيب لها شعر الجنين عن رجالي لما صدقت عينيك وفركتهما مثنى وثلاث ورباع لعل في الأمر سوء فهم.. أو نظر!

القاضي: وماذا عن الدكتور يوسف والي؟ 
المتهم: كنت أعلم أنه أقام امبراطورية فساد وعلى رأسها وكيل الوزارة يوسف عبد الرحمن الذي قمنا باصطياده كبش فداء، وتمكن من جعل المصريين يستوردون القطن والقمح، وفتح لاسرائيل ممرا على أجساد وبطون المصريين، وكلما أمعن في الفساد وزادت قوته وبطشه وجبروته واحتقاره للمصريين، قرّبته أكثر من سلطتي وسطوتي وأسبغت عليه حمايتي، وأصبح فوق القانون ولو قدمت كل الصحف آلاف الوثائق التي تدينه، فأنا ورجالي كنا، سيدي القاضي، أكبر من هؤلاء العبيد والرعاع. 
القاضي: وماذا عن صفوت الشريف؟ 
المتهم: جعل الإعلام المصري يهوي في الحضيض، وفتح أبواب ماسبيرو للواسطة والمحسوبية والفساد، واستقطب المعاقين ذهنيا، والمرضى فكريا، والملوثة لغتهم العربية، فوسّع دائرة التفاهة، وجعل الانحطاط الفني والاعلامي والثقافي عنوانا لأهم البرامج، وأنزل الرعب في قلوب المذيعين والضيوف ومعدي البرامج لتصبح كلها مديحا زائفا في رئيس الجمهورية، وأتحول أنا إلى معبود على الشاشة الصغيرة وكان مقدمو البرامج على مرمى حجر من البدء صباحا بالتسبيح بحمدي بدلا من الله الواحد القهار. 
لقد كان صفوت الشريف وزير الإعلام عبقريا في صناعة فن العبودية، واستطاع الإعلام في عهده أن يبرر كل جرائمي في حق أبناء الشعب المصري، وتفوقت دول صغيرة على مصر، لكننا اخترنا تصدير المسلسلات الهابطة والمنحطة التي تدر أرباحا مالية على حيتان الفساد، وهي لا تمت بأدنى صلة لواقع المصريين.

القاضي: وكيف احتفظت بكمال الشاذلي طوال كل تلك السنين على الرغم من أنه الوزير الذي تمنت كل قطاعات الشعب أن تزيحه عن منصبه؟ 
المتهم: تلك هي عبقريتي، سيدي القاضي، في تحدي مشاعر المصريين واحتقارهم وازدرائهم، فأنا أعلم أكثر منهم أن الرجل أوهن من بيت العنكبوت، ولكنني جعلته فوق أبناء مصر بشرفائهم وعباقرتهم ومخلصيهم ومثقفيهم وأكاديميهم لأثبت للجميع أن السيد يأمر فيطيعه العبيد دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة.

القاضي: لهذا ربما تحديت أبناء الاسكندرية كلهم لثلاثة عشر عاما عندما استغاثوا بك لترحمهم من المستشار إسماعيل الجوسقي؟ 
المتهم: نعم، فأنا أشعر بلذة عجيبة، ونشوة تتسلل إلى كياني عندما يستجديني المصريون، ويرفعون الشكاوى المُرّة، وأقرأ تفاصيل عالم الرعب الذي يعيشون فيه، وأتابع سرقات المال العام، ويخرج من مطار القاهرة الدولي لصوص قاموا بتهريب مئات الملايين من قوت الشعب، وتكتب الصحف عن انتهاكات جسدية للمواطنين، وتقوم سيارات البوكس بتعريض أبناء الشعب للمهانة وهم يجرونهم من منازلهم في قضايا جرائم أو سياسة أو أصولية دينية أو آداب أو حتى سرقة مواشي، فالمهم أن يسيروا بعد ذلك بجانب الحائط، ويقدموا لي الشكر العميق لأنهم لا يزالون أحياء يعيشون فوق الأرض أو حتى في مقابر بدلا من عشش الصفيح.

القاضي: هل تعرف حجم ديون مصر في عهدك؟ 
المتهم: عشرات المليارات، ولا أتذكر بالتفصيل فهي من صغائر الأمور التي لم اكترث لها، ويمكن للمصريين بعدما ينتهي حكمي أنا وابني وربما حفيدي لنصف قرن قادم أن يتعرفوا على حجم الديون!

القاضي: من هو أحمد عز صديق ابنك جمال؟ 
المتهم: إنه عصامي ناجح، كون ثروة من مليارات الجنيهات من احتكار الحديد والصلب، ولحمايته قام ابني بتعيينه في منصب مسؤول عن الشؤون الزراعية والمالية في مجلس الشعب، وبالتالي تصبح الرقابة على أموال الشعب من نصيب حيتان المال الجدد الذين صنعهم عهدي.

القاضي: لماذا لم تهتم بملفات المخابرات ومباحث أمن الدولة التي كان بامكانها أن تمدك بتفاصيل دقيقة لكل رجالك ووزرائك ومحافظيك ومستشاريك فتقيل منهم الفاسد وتحتفظ بالصالح والشريف والنزيه والنظيف؟ 
المتهم: كأنك، سيدي القاضي، لم تنصت إلي أو تسمع كلمة واحدة مما ذكرت! إنني لم أبحث مرة واحدة عن عبقرية أو كفاءة أو اخلاص، وإذا وقعت مصادفة على أحد هؤلاء فلا يمر وقت طويل حتى أتخلص منه. 
وماذا سيحدث إنْ طلبت من المخابرات ومباحث أمن الدولة أن تقدم لي ملفات مفصلة عن حسابات رجالي وأولادي، وعن الاتصالات مع اسرائيل، وعن التقاسم مع رجال الأعمال، وعن عالم الكيف والمخدرات وتزوير الانتخابات والبلطجة وتجاوز سيادة القانون ؟ 
إنها كارثة لا تُبقي ولا تذر. ولو تم نشر ملفات المخابرات ومباحث أمن الدولة لما بقيت أنا وأسرتي في الحُكم يوما واحدا.

القاضي: هل تعرف ثروة ابنك علاء مبارك، وكيف قام بجمعها؟ 
المتهم: أليس من حق ابني أن يصبح مليونيرا أو مليارديرا في عهدي؟ كان يعمل في البزنس، وهو عالم عجيب من الطلاسم والألغاز والصفقات الاحتكارية والسلطة التنفيذية، لكنني جعلت الحديث عن ابني مُحَرما في وسائل الاعلام كلها. كان علاء كشقيقه جمال أكبر من القانون والدستور والشعب. لا أعرف ثروته حتى الآن، لكنه كان غنيا بما يسمح له بحياة كريمة لمدة سبعمئة سنة أو يزيد.

القاضي: حدثني عن سلطة ابنك جمال مبارك. 
المتهم: لقد أعددته منذ أن توليت السلطة، وشاهدت بأم عيني أبناء الزعماء العرب يثبون على كرسي الحكم واحدا وراء الآخر، أو يجمعون في أيديهم خيوط اللعبة السياسية، ويتحصنون وراء السلطة التنفيذية، ويتم الايحاء لوسائل الإعلام بعدم الاقتراب منهم، فلماذا لايكون جمال مبارك وارثا للحكم بعدي؟

القاضي: لكنك صرحت مرات عدة بأن مصر ليست سوريا، وأنك ترفض توريث العرش، أليس كذلك؟
المتهم: كنت أعد سيناريو آخر بالاتفاق مع رئيس مجلس الشعب، وفي الجانب المقابل تمكن ابني من تكوين خلايا شعبية كأنها جراد من شبيبة الحزب الوطني الحاكم، وهؤلاء مغيبون ومخدرون في عالم من الحماقة والاحساس بالأهمية كأعضاء فاعلين في حزب السلطة، ليتحرك الطرفان فتصبح السلطة التشريعية والجماهير المهووسة ضلعين متساويين ليكونا سندا لابني في تولي الحكم.

القاضي: لكنك أقسمت أن تحترم الدستور والقانون والوطن والمواطن، لماذا نكثت بوعدك؟ 
المتهم: يبدو، سيدي القاضي، أنك ساذج وتسبح في عالم المثاليات. 
إنني اقسمت فعلا، لكن لذة السلطة قادرة على قلب المشاعر والعواطف والآراء والثوابت والمباديء والأخلاقيات، لذا نكثت بوعدي، وجعلت كرامة المصري تحت حذائي، ورفضت تعيين نائب لي، وحكمت مصر بالحديد والنار وقوانين الطواريء، وتركت البلد ينزف، وأفسحت المجال للصوص والنهابين والهبارين ليتقاسموا مصر. كنت أكره هذا البلد وشعبه كراهية شديدة، ولو قدّر الله ومكثت في الحُكم عقدا آخر أو اثنين فربما جعلت المصريين يتسولون طعامهم من دول أفريقية فقيرة.

القاضي: كيف ترى كرامة المصري المغترب في الخارج؟ 
المتهم: إنه آخر اهتماماتي، بل لا أخفي عليك، سيدي القاضي، أنني كنت أنتشي فرحا وأنا أرى جثث المصريين تنزلق في نعوشها من أحشاء الطائرة القادمة من بغداد، فأعرف أن جلادي صدام حسين قاموا بتصفية أبناء شعبي، ولم أرفع صوتي يوما واحدا، أو أقدم احتجاجا، أو أطالب بعودة المصريين من جمهورية الخوف. 
نفس الأمر ينسحب على العقيد معمر القذافي الذي كان يدفع أموالا لمصر مقابل صمت الحكومة، فأمتهن هو كرامة المصريين، وابتلعت أنا كرامتي.

القاضي: هل تعرف حجم الأموال التي تم تهريبها بعد نهبها في عهدك؟ 
المتهم: لا أستطيع أن أحصيها، ربما عشرات المليارات، وربما مئات أو أقل.

القاضي: وماذا عن دخل مصر من السياحة وقناة السويس والتصدير والبترول وتحويلات المصريين في الخارج والمساعدات التي تتدفق على مصر من كل الدول الغنية تقريبا؟ 
المتهم: كان يمكن أن تجعل مصر في مصاف الدول الغنية، فالكويت بمفردها استثمرت في مصر عن طريق صندوق التنمية بأكثر من خمسة عشر مليار جنيه، ولك أن تتصور، سيدي القاضي، حجم الأموال التي دخلت مصر، وخرجت منها نهبا، أو تم اهدارها وتبذيرها في مشروعات فاشلة، لكنني لم أكن أملك رؤية تطورية، ولا أفهم في إدارة وتنظيم شؤون مؤسسات دولة، فتسربت أموال مصر إلى جيوب وبطون رجال قمت أنا بصناعتهم، وقاموا بحمايتي.

القاضي: في عهدك أكلت الأمراض أجساد المصريين، ومنها البلهارسيا والكبد الوبائي، وامراض التلوث، وسوء التغذية. لماذا لم تخصص من مئات المليارات مبلغا، ولو على مضض لذر الرماد في العيون، وتطلق مشروعا قوميا لعلاج المواطنين؟ 
المتهم: وماذا كنت استفيد من علاجهم؟ إنهم يموتون ويأتي غيرهم في انفجار سكاني مخيف.

القاضي: ألم تفكر في محو أمية ملايين من رعاياك؟ 
المتهم: اضطررت تحت ضغط المنظمات الدولية إلى اطلاق مشروعات هزيلة بعد عشرين عاما من تولي السلطة، وتولت سيدة مصر الأولى إدارة مشروعات محو الأمية وثقافة الطفل ومكتبة الاسكندرية.

القاضي: ماذا تقصد بسيدة مصر الأولى؟ هل هي وظيفة أم منصب فخري وشرفي، أم هو عمل رسمي تؤديه بعد تقديم طلب لرئيس الدولة أو مجلس الشعب أو الوزارة المسؤولة لرصد الميزانية؟ 
المتهم وقد انفجر ضاحكا حتى اهتزت لضحكته قاعة المحكمة: وهل كانت سيدة المصريين تحتاج لميزانية؟ ألم أقل لك، سيدي القاضي، أنك تعيش في عالم المثاليات. أُمّ جمال وعلاء كانت تستطيع أن تشير إلى مصباح علاء الدين فيخرج المارد رغم أنفه، وتنفق على أي مشروع، ولا تستطيع جهة قضائية أو تشريعية أن تحاسب أو تسأل، ناهيك بالقارعة وهي التردد في تنفيذ طلباتها، فأسرتنا الشريفة لا تستأذن العبيد، وعلى المصريين السمع والطاعة ما أمرتهم أو أمرهم أحد من أفراد أسرتي.

القاضي: أين انتهت التحقيقات في مصرع الخبراء العسكريين المصريين الذين وضعتموهم في طائرة واحدة تعبر أجواء نيويورك، وتعرف تحركاتهم المخابراتُ الصهيونية والأمريكية؟ هل هذا عمل يمر مر الكرام على قائد سابق للقوات الجوية؟ 
المتهم: هل هذا السؤال استفسار أم اتهام؟

القاضي: لا يستطيع أحد أن يتهمك في أمر كهذا، فقد كنت قائدا عسكريا لجيش وطني عظيم، لكن الألغاز وعلامات الاستفهام التي تحيط بكارثة مصرع أكثر من ثلاثين من خيرة خبرائك العسكريين تدفع إلى أهمية مزيد من التحقيقات. 
المحكمة هنا لا تتهم، لكنها تشعر أن الحادث ليس مصادفة. 
المتهم: لا أستطيع الحديث باسهاب عما حدث، لكنني أرجو من عدالة المحكمة أن تقوم بتأجيل هذا السؤال.

القاضي: هل عرضت عليك أية جهة أجنبية أو مستثمر عربي أو مصري إقامة مدينة كاملة لنقل سكان المقابر الذين يشاطرون الأموات قطعة أرض مزدحمة في مشهد مذل لكرامة مواطنيك؟ 
المتهم: في الحقيقة لو أنني أردت اطلاق مشروع قومي ضخم لكانت الدول الغنية، أوروبية أو خليجية أو اليابان، ستتسابق لدعمه، ومساحة مصر مليون كيلومتر مربع، وكنا سنجد بسهولة مكانا يعيش فيه سكان المقابر بكرامتهم فوق أرضهم، لكنني، كما تعرف، مشغول باستقبالات وحفلات ومحادثات ثنائية وزيارات لدول العالم.

القاضي: هل تعرف حقا ما هي مهمتك التي من أجلها تجلس في القصر الجمهوري بعابدين؟ 
المتهم: القَسًم الذي أديته يقول بأنني خادم للشعب، لكنني أفهم وظيفتي بطريقة مختلفة تماما. فالمصريون كلهم تحت قدمي، يطيعونني، ويبحثون عن سعادتي، ويبررون أخطائي، ويعبقرون صغائري، ويستغيثون بي إن ألم بهم خَطـْـبٌ، ويخافون مني ومن أجهزة الرعب التي أبثها في كل مكان،

القاضي: كيف كنت تجد الوقت لإدارة شؤون البلاد، ووضع حلول لمشاكل شعبك، وانهاء معاناتهم، وتحسين أوضاعهم المعيشية؟ 
المتهم: لم يكن لدي دقيقة واحدة لقضايا ومشاكل وأوجاع وهموم ومطالب المصريين، فيومي مشحون باستقبالات، أو اتصالات بقادة الدول الكبرى، أو السفر إلى الخارج، أو افتتاح مشروع ، وفي هذه الحالة تتعطل الدولة، ويتوقف المرور، ويغادر رئيس الوزراء وكل الوزراء مكاتبهم ليكونوا في استقبالي، ثم في وداعي. لا يتخلف أحد منهم. إنهم يعرفون أن وجودهم بجانبي حماية لهم، أما أن يتصور أحدهم أنه مشغول بوزارة الدفاع أو الأشغال أو التموين أو غيرها فغير مقبول لدي!

القاضي: لو كان معك نائب للرئيس يقاسمك السلطة، ويفسح لك وقتا للاهتمام برعاياك، فربما كان الوضع قد تغير بعض الشيء، أليس كذلك؟ 
المتهم: الفكرة كانت مُحَرّمة على ذهني، ومحظورة على خيالي، وممنوعة من الاقتراب من كل المحيطين بي. كيف يمكن، بربك سيدي القاضي، أن يقاسمني مصري آخر جزءا ولو ضئيلا من السلطة؟ 
ثم إنني لم أجد من بين ملايين المصريين من هو صالح لهذه المهمة كما كنت أنا نائبا للرئيس الراحل أنور السادات!

القاضي: ألم يهتز ضميرك مرة واحدة عندما تُعرض عليك عمليات التعذيب والحرق والاغتصاب والجلد والركل والتعليق من الأرجل، وفي أحيان كثيرة القتل، التي يمارسها ضباط الشرطة ضد رعاياك ومواطنيك الذين يأتمنك الرحمن على كرامتهم وحقوقهم وكذلك الوطن والانسانية؟ 
المتهم: لست مخلوقا من حجر، فقد كنت أتأثر بين الحين والآخر، لكنني قاومت مشاعر الخير في داخلي، ورفضت توجيه كلمة حاسمة وحازمة تسمعها مصر كلها، ويلتزم بها كل رجال الأمن، بأن كرامة المصري تسبق كل ما عداها من اهتماماتي. 
كان الأمر في غاية السهولة، ولو أنني ألقيت خطابا عن أهمية حقوق المصريين، وأصدرت عقدا اجتماعيا عن واجبات وحقوق المواطن فيما يتعلق بالعلاقة مع الشرطة ورجالها، وتابعت بنفسي، وأحلت ضباطا للمحاكمة بأوامر رئاسية لما تجرأ ضابط واحد أن يهين مصريا، أو يحرقه، أو يضع العصا في فتحة شرجه، أو يغتصب ابنته أو شقيقته أمامه. 
ليس هذا هو المهم، سيدي القاضي، فالمصريون يظنون أنني لا أعلم، ولا أتابع، وبهذا يتحمل المسؤولية وزيرُ الداخلية والضباط والمخبرون، وأتسلل أنا بريئا من جرائم يهتز لها عرش الواحد القهار.

القاضي: في عهدك تغيرت سلوكيات المصريين، وقمت بصناعة ثقافة الفهلوة والتسول، وعّممت دائرة الاستغلال التي لا تنتهي وتمر على معظم قطاعات الشعب. ألم تكن لديك خطة أمينة لصناعة زمن جميل في سنوات الفقر والمرض والتلوث، لعلك تخفف على مواطنيك من عذاباتهم اليومية؟ 
المتهم: كيف لي أن أعرف وصفوة البلد من مثقفين وأكاديميين وكتاب وإعلاميين وفلاسفة وحكماء وعلماء يخافون مني، ويلتزمون صمت القبور؟

القاضي: ألم تكن أنت مسؤولا، بوسائل أمنك وإعلامك وسجونك ومعتقلاتك وجحيم أقسام الشرطة، عن حالة الخوف والفزع التي تسيطر على مشاعر الجماهير؟ 
المتهم: لقد ذكرت في بداية محاكمتي أن الطريق الوحيد لصناعة العبودية هو الترهيب والتعذيب وامتهان الكرامة وتقزيم الكبار وتصغير كل من حولي. 
إنني لم أفعل هذا بمفردي. كانوا يتبرعون للدفاع عني! يشاهدون بأم أعينهم بلدهم تنهار، وتُسرق، وتنهب، وتتراجع، ومع ذلك يستغيثون بي، ويطلبون رحمتي، ويخافون عذابي. 
هل قرأت، سيدي القاضي، مقالات كبار الكتاب ورؤساء تحرير الصحف العملاقة ومئات المحررين؟ هل أنا قمت بتهديدهم لكي يجندوا أقلامهم في تبرير أخطائي والدفاع عن فشلي في مهتمي التي ساقف أمام الله، عز وجل، يوم الحشر ولا أملك دفاعا واحدا عنها؟ 
أنا صنعت عبودية من نوع فريد، لكنني وجدت بسهولة ويسر من يعطيني رقبته، والسيد والعبيد يتلازمان أحيانا كالدجاجة والبيضة فلا يدري المرء من أين يبدأ!

القاضي: لم ترُدّ على سؤالي..ألم تصنع أنت أجهزة أمن، وأعطيت الضوء الأخضر للتعذيب والقمع، وأوحيت إلى ساديي الشرطة بأن كرامة المواطن المصري أرخص من حفنة تراب؟ ألم يمر على سجونك ومعتقلاتك ربع مليون من رعاياك طوال فترة حكمك؟ 
المتهم: هذا صحيح تماما، لكنني لم أستورد الزبانية وحراس السجون وجلاديي الشعب، فقد وجدت منهم أكثر من جراد الحقول.

القاضي: عندما كنت تسافر، وتلتقي برؤساء دول أوروبية، وأنت رئيس واحدة من أعرق وأقدم بلاد الأرض، وأكثر ها امتدادا لحضارة إنسانية انصهرت فيها عدة حضارات. ألم تشعر بخجل ودونية أمامهم، فهم قد وصلوا إلى الحُكم عن طريق الاقتراع، والانتخابات النزيهة، وحرية الترشيح لكل مواطن، وحد أقصى للحكم، ورقابة برلمانية، ومؤسسات مدنية، وحساب عسير لأي اهدار لأموال البلد، أما أنت فتستفتي شعبك على شخص واحد، وتحكم بقانون الطواريء الخاص بالحروب منذ أن توليت السلطة، وتحصل لبلدك على مساعدات تتسرب في الفساد الذي صنعه عهدك، ولا تحترم مواطنيك، وتعتدي على السلطات التشريعية والقضائية؟ 
المتهم: لا أظن أن شعورا كهذا انتابني، فأنا يحيط بي جيش جرار عرمرم من المنافقين والأفاقين والمتزلفين والجبناء والفاسدين واللصوص والنهّابين وخصوم الشعب، وهؤلاء يستطيعون ادخال البهجة إلى نفسي، والايحاء لي بأنني أفضل من كل الزعماء الآخرين، وأن أحاديثي يتناقلها العالم كله، وأن عبقريتي لا تقارن بأفكار هؤلاء. 
إنني أستطيع أن أحصي لك في خلال فترة حكمي مالم يكتبه المؤمنون بدين من الأديان عن نبيهم. 
هل تصدّق عدالة المحكمة أنه حتى لحظات قليلة من مثولي أمامكم يدافع كثيرون من المصريين عني بحجة أنني لم أكن أعرف حجم المصائب والكوارث التي حاقت بأم الدنيا. إنهم لا يعرفون أن معرفتي أو جهلي يتساويان في حجم جريمة اغتيال وطن.

القاضي: كيف كانت رؤيتك للسياحة كمصدر دخل؟ 
المتهم: كنت أعرف أنها مدخل لمافيا العقارات، وأن الفساد ينخر فيها كما يفعل في ماسبيرو والشهر العقاري ومجمع التحرير والمصارف، وأن شركات السياحة تدفع ( إتاوة ) حتى يتم التعامل اللائق مع الركاب وإلا فسيذيقهم صبيان ثقافة التسول الأمَرّين. 
وكنت أعرف أن مصر من أغلى دول العالم، وأننا لا نستطيع أن ننافس جزرا صغيرة ودولا مجهرية تقدم خدمات سياحية أفضل من كل وعود وزير السياحة. 
السياحة في مصر لا علاقة لها بالمصريين، إنما هي شركات استثمارية تستفيد من الاعفاء الضريبي، وتتولى تشغيل مصريين في مهن خدمية، ومنها تتسرب مليارات الدولارات بالعملة الصعبة لخارج البلاد. 
لكن وزير السياحة يقوم بتلميع صورتي، ويتكلم عن توجيهاتي الحكيمة، ويقص علي حكايات لا أول لها ولا آخر عن المعارض الدولية، وعن المديح الذي يكيله الأوروبيون لرئيسه العبقري. كنت أعلم أن الأسعار في شرم الشيخ أغلى من كل بقاع الدنيا. لكنني احتفظت بالوزير كعادتي بتمكين الفاشلين من أهم مناصب الدولة.

القاضي: لماذا انتظرت سنوات طويلة قبل البت في قرار عدم الحبس في قضايا النشر؟ 
المتهم: لأن المثقفين والاعلاميين والصحفيين والكتاب هم ضمير الوطن، وقد أحببت أن ألقنهم درسا بالغ الأهمية في العلاقة معي، فجعلتهم يحتجون، ويناضلون، ويكتبون، ويرفعون الشكاوى، ويلجأون للقضاء، ويوحون للسلطة التشريعية من أجل الموافقة على القرار بمنع الحبس في قضايا النشر. 
ومرت أعوام، وهنا وجدت أنهم تعلموا الدرس جيدا، وأنني صاحب القرار الأول والأخير في هذا البلد، فأصدرت الأمر بتعليق الحبس واستبدلت به الغرامة الكبيرة. 
هل تعرف، سيدي القاضي، ماذا حدث من صفوة أبناء البلد والنخبة الواعية؟ لقد شكروني شكرا مهينا ومذلا متناسين أنني صاحب قرار المنع طوال تلك السنوات. 
إنني أتعامل مع أصحاب ذاكرة ضعيفة، فما بالك بعامة الشعب؟

القاضي: أغلب الظن أنني ساحتاج لعدة أشهر وآلاف الملفات ومئات المجلدات لنرصد، ونحاسب جرائم قتل بلد كامل. 
وهنا لم يتمالك رئيس المحكمة نفسه، وانزلقت من عينيه دموع أراد اخفاءها فلم يفلح، فهو للمرة الأولى يقف أمام جريمة اغتيال أمة، واستهتار بالقيم والمباديء، واحتقار شعب بكامله، واذلال أبرياء، ونهب ثروة، واهدار خيرات، وفتح الباب على مصراعيه للصوص القرن، بل الألفية! 
وطلب استراحة، ووقف بصعوبة بالغة ليتجه إلى مكتبه. 
أما المتهم فجلس مكانه واجما، يتجنب نظرات الحاضرين، ويستعيد في خياله مُلكا ظن أن أيامه خالدة، وأن الشعوب لا تتمرد أو تثأر أو تغضب بين الحين والآخر حتى لو امتد هذا ( الحين ) عدة عقود. 
بعد أربعين دقيقة عاد رئيس المحكمة بصحبة مستشاريه. وانطلق صوت الحاجب مرة ثاني: محكمة!

القاضي موجها حديثه للمتهم، الرئيس محمد حسني مبارك، بلهجة امتزج فيها الغضب بالحسم في صوت جهوري: هل كنت تعلم أن بيانات رئيس الوزراء منقطعة الصلة بالحقائق، وأنها أكاذيب وتلفيقات واحصائيات غير صحيحة وأرقام من نسج خياله؟ 
المتهم: كنت أعلم ذلك، لكنني تركت رئيس الوزراء ككبش فداء، يسخر منه فلاح كفر الهنادوة، ويصب أعضاء مجلس الشعب من القوى المشاغبة غضبهم عليه، ويتحمل عني المسؤولية، وتبدأ عمليات التنفيس عما بداخل النفس في مسرحية سخيفة من الديمقراطية، تم فيها التجديد لرئيس مجلس الشعب أربع عشرة دورة، وهو يتعامل مع الأعضاء بنفس الاحتقار والازدراء الذي أعامل أنا به أبناء الشعب.

القاضي: ما هي الصفة الرسمية لابنك جمال مبارك ؟ 
المتهم: رسميا هو رئيس لجنة في الحزب الوطني تصنع السياسة للحزب الحاكم. 
أما عمليا فهو الرئيس الفعلي للدولة بسلطاتي واسمي، ويستطيع أن يمسح الوزراء من على خريطة الحكومة، وعندما نظم مظاهرة استعراضية ضد الحرب الأمريكية على العراق، جمع أكثر من مليون متظاهر بفضل اعلام صفوت الشريف وعشرات الالاف من الحمقى المغيبين في الحزب الوطني. هنا وقف بجانبه كل كبار الدولة كأنهم جرذان خائفة، يرتعدون أمامه، ويبتسمون إذا ابتسم، ويطمعون في رضاه. عندما رفع رئيس الوزراء السابق كمال الجنزوري نبرة صوته أمامه بعد حادث موكبي في بورسعيد، تسلم الجنزوري ورقة الاستقالة مني بعدها بقليل دون أن استقبله، هكذا نحن، سيدي القاضي، تعاملنا مع هؤلاء الرعاع. إنني وأسرتي من فصيلة مختلفة تماما عن المصريين، وفي عروقنا تجري دماء شريفة ونقية.

القاضي: يحيرني سؤال عن سنوات الخدمة العسكرية التي جعلتك قائدا للقوات الجوية لجيش وطني عظيم، ومع ذلك فقد تحولت إلى الناحية المضادة عندما توليت الحكم. 
كيف حدث هذا التغيير؟ 
المتهم: للسلطة طعم الشهد، وقوة جاذبة لكرسي العرش تلصق صاحبه به ولا تتركه إلا أن تكون في نفسه قوة إرادة وعزيمة وعفة نفس وإيمان بأن مهمته هي خدمة رعاياه. 
أما أنا فلم أصدق ما حدث لي. كأنني أصبحت بين عشية وضحاها نبيا بدون رسالة، أو سيدا على جماعة من الرقيق. 
كان يكفي أن اشير بطلبي، أو أهمس بأوامري فتتحول إلى حقائق ملموسة. إنها سلطة مطلقة فوق القضاء ومجلس الشعب والاعلام والخبراء والمتخصصين والأكاديميين والمثقفين وملايين من البشر. 
لم أصل مرة واحدة إلى حالة روحية من صفاء السريرة، ويقظة الضمير، والخوف من عذاب الله، وحساب التاريخ، وغضب الشعب. 
ربما لو بحثت مخلصا في أعماقي لوجدت مكانا لصفاء السريرة والايمان والضمير فيلهمني باستخدام السلطة المطلقة في خدمة الشعب الطيب. نعم، سيدي القاضي، كان بإمكاني أن أطرح مشروعات قومية عملاقة في محو الأمية، ومحاربة الأمراض الوبائية، والتلوث، والبلهارسيا، والفقر، والفساد، والرشوة. 
كنت استطيع أن أمنع التعذيب في السجون وأقسام الشرطة، وأن أمنح لجان حقوق الانسان حرية الحركة داخل زنزانات كل سجون مصر، وأن أبلغ وزير الداخلية بأن شرط استمراره مرتبط بالحفاظ على كرامة المواطن، وأن أتابع بنفسي حالات السجون ففيها آلاف من المظلومين . 
كنت استطيع أن أجعل من مصر دولة تسابق الزمن، وتقفز فوق العوائق والحواجز، وتقودها نخبة من العلماء والعباقرة والمتخصصين والملتهبين حماسا واخلاصا، حتى لو استعنت بآلاف من المصريين المهاجرين للغرب واستراليا وكندا والولايات المتحدة، وكانوا سيلبون ندائي. 
كنت استطيع أن أترك قليلا هذا العبث في فهم الحكم وتصوري أن الواسطات والسفريات والرحلات المكوكية والبحث عن صورتي في وسائل الاعلام الغربية هي مهمة الحاكم في مصر، لانتبه لمشاكل شعبي، وأقترب من همومه، وأخفف أوجاعه، وأقيم نظاما عادلا، وأساوي بين المواطنين. 
لكنني لم أفعل ولست بمفردي الذي يستحق المحاكمة، فكلهم يستحقون الوقوف أمام عدالتكم، من مسؤولين وجبناء ومثقفين وأكاديمين وعسكريين كبار ورجال أمن واعلاميين وكتاب وعلماء وملايين من أفراد الشعب الذين كانوا يدفنون وجوههم في الرمال وهم يعلمون أنني دمرت هذا البلد تدميرا، وكدت أجعله قاعا صفصفا تذروه الرياح، أو يشهر افلاسه، لولا رحمة الله، ووقوفي الآن أمام عدالة المحكمة.

القاضي: عندما كنت تصطحب معك في طائرة الرئاسة رهطا من المثقفين والاعلاميين والنخبة ، ألم يطرح أحدهم عليك ما لا تعرفه عن الأوضاع المزرية، والفقر، والمرض، والفساد، والتعذيب والاغتصاب في أقسام الشرطة وانحدار التعليم وسقوط الاعلام؟ 
المتهم: لا يا سيدي، كانوا يتحولون إلى أرانب خائفة تلتفت حولها مذعورة، وكانوا سعداء بالتشرف في رحلة رئاسية، ويتسابقون في كلمات الثناء والمديح، ويأخذ الضمير عطلة، ويستريح القلب في الصدر، ثم يتحولون إلى شبه رقيق يطيع سيده، ويعرف ما يغضبه وما يدخل البهجة في نفسه.

القاضي: عندما تقدم رئيس الوزراء بطلب لأعضاء مجلس الشعب بسحب الاستجوابات المقدمة عن الفساد في الجهاز المصرفي ، ألم يكن هذا اعتداء على الدستور الذي أقسمت على احترامه؟ 
المتهم: لم يكن لدى رئيس الوزراء حل آخر فالجهاز المصرفي واحد من أكثر مراكز الفساد في العالم الثالث كله. عشرات المليارات من أموال الشعب تسربت منه خارجة لمصارف أوروبية. في بعض البنوك كان الفساد يبدأ من مدير البنك ولا ينتهي عند أصغر موظف، فالكل يعرف أن حق نهب مصر وافراغها من ثروتها وخيراتها مسموح به في عهدي ، هكذا كان الحال في بنك قناة السويس( فرع سفنكس)، وبنك القاهرة، والمصرف الاسلامي للاستثمار والتنمية، فرع المنيا، وعشرات غيرها من بنوك مصر كانت مستباحة في عهدي!

القاضي: لقد برع الفساد في عهدك حتى أنه تمكن من المستشفيات، والدواء، والعلاج، فنهبوا المعدات التي تتبرع بها الجهات الأجنبية، وسرقوا أعضاء المرضى وهم مخدرون في غرف العمليات، وقاموا بتزوير تاريخ الصلاحية لعشرات من الأدوية، واستوردوا ما هو غير صالح للاستخدام الآدمي، وأصبحت المستشفيات الحكومية أكثر قذارة من شوارع في أعماق الريف، أما المستشفيات الاستثمارية فهي للآثرياء فقط، وأسعار العلاج والاقامة بها أضعاف مثيلاتها في أوروبا وأمريكا، ألم يكن هناك في عهدك مكان واحد يفتخر به المصريون؟ 
المتهم: كانت هناك المخابرات بكل فروعها، المدني والعسكري، ومباحث أمن الدولة، والقيادة العسكرية وهي كلها أجهزة وطنية لا غبار عليها، ولم تشارك في الفساد، ولا تتلقى هدايا، ولا تخضع لاغراءات، لكنني قمت بمحاولات تحجيمها وتقزيمها، فبدأت باحالة اللواءات إلى التقاعد، وهؤلاء قد عرفوا أكثر مما ينبغي، ووصلوا إلى مرحلة النضوج الكامل في سن الخمسين، ولديهم ملفات عن الفساد في عهدي لو تم فتحها لما وجدنا لدينا حبال مشانق كافية، ولأن الضمير الوطني لدى أفراد هذه الأجهزة لا يمكن لرئيس مصري أن يتلاعب به أو يخفي عنه حقائق خصوم مصر، فقد جعلتهم ينشغلون بقضايا هامشية مثل التصدي للمظاهرات، واستجواب متهمين ضد أمن الرئيس، وعائدين من أفغانستان، وبعض الجماعات الدينية واليسارية التي لا تحرك ساكنا. 
ثم إنني لم أدافع عنهم مرة واحدة عندما اختلط الأمر على الجماهير بين التعذيب في أقسام الشرطة وبين التحقيقات في أجهزة المخابرات ومباحث أمن الدولة. قطعا كانت هناك بعض التجاوزات، لكن بوجه عام هي أجهزة وطنية لا استطيع الطعن فيها. لقد جعلت أفراد الشعب يتوجسون خيفة من أجهزة الأمن في المخابرات ومباحث أمن الدولة، وغفل الناس عن الدور الوطني لأجهزة تقوم بحمايتهم، ولم ينبينوا ملامح مشهد يأمر فيه رئيس الجمهورية ببيع البترول لاسرائيل، وبالسماح بتفريغ الحمولات في بورسعيد عندما أضرب عمال الموانيء الاسرائيلية، وبترك شبابنا وطلابنا يسافرون للعمل أجراء لدى قوى صهيونية قد تؤذي بلدهم لاحقا، وبمضاعفة عدد السياح الاسرائيليين في وقت يقوم الاسرائيليون بمذابح جماعية وتهديد أمن مصر.

القاضي: ألهذا الحد كنت تكره الأجهزة الوطنية الأمنية حتى أنك اخترت اللواء عمر سليمان ليكون وسيطا بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وضيفا لدى الموساد، تراقبه، وتعرف أسراره، وتتولى عمل أرشيف لرجاله، وتلغي الحاجز النفسي الذي يحفظ أحيانا للوطنية قوتها وعزتها؟ 
المتهم: كنت أخشاهم فهم يعرفون عني الكثير، وعن علاء وجمال وأسرتي ومعارفي وأقاربي، وعن يوسف والي وصفوت الشريف وكمال الشاذلي وممدوح البلتاجي وعشرات غيرهم. ولعلك لاحظت، سيدي القاضي، أنني كنت اصطحب معي وزير الدفاع في أماكن لا علاقة له بها، وفي حفلات وافتتاح مشروعات، فيسير خلفي ومعه الحكومة كلها وفي المقدمة رئيس الوزراء. كنت أشعر بمتعة بالغة عندما تتوقف الحياة كلها ومصالح الوطن من أجلي. لم يكن مهما أن يتواجد وزير الدفاع بين جنوده، أو يُسَيّر رئيسُ الوزراء شؤونَ حكومته، لكن الأهم هو أن يسيروا خلفي، يراقبون حركاتي، ولا ينبسون ببنت شفة. قد يصفقون، وتنفرج أساريرهم إذا ابتسمت، ويتحسس كل منهم قلبه في صدره إن ظهرت على وجهي إشارة غضب واحدة.

القاضي: كيف تمكنت مع كل صور الاستبداد والطغيان أن تتسلل إلى مشاعر الجماهير وتوحي إليهم بأنك ديمقراطي، وتسمح بالرأي الآخر، ويمتدحك المثقفون وصفوة المفكرين؟ 
المتهم: كنت أتركهم يتحدثون، ويتصايحون، وينتقدون الفساد والنهب والسرقة، ويرفعون دعاوى قضائية ضد المسؤولين، ولا أعطي لهم أذني، ولا اكترث بأوجاعهم وصراخهم واستغاثاتهم إلا قليلا. 
وظن الكثيرون بسذاجتهم أنني ديمقراطي، على الرغم من أن أولى مباديء الديمقراطية أن يكون لها طرفان، وأن تستجيب السلطة التنفيذية لمطالب الأكثرية وتهتم بهموم الأقلية، أعني السياسية وليست الدينية.

القاضي: في عهدك غادر مصر هربا عشرات الآلاف من أبنائها شركاء الوطن .. أقباط مصر بعد أن تملكهم اليأس من الحصول على حقوق متساوية مع اشقائهم المسلمين. إن لشركاء الوطن عشرات المطالب العادلة وعلى رأسها المساواة في المواطنة الكاملة، والحماية من هوس الفكر الديني المتطرف الذي تبنته جماعات صنعها السادات وتربت في حضنك. كيف كانت رؤيتك لأقباط مصر؟ 
المتهم: لم تكن لديهم أي مشكلة في عهدي، وقمت بتعيين وزيرين، وأستقبلُ البابا بين الحين والآخر، لكنني غاضب على أقباط المهجر الذين يتعاونون مع وسائل الاعلام الأمريكية، وينشرون بيانات كاذبة ضد نظام حكمي.

القاضي: ولكن هذا ليس صحيحا بالمرة، فالأقباط ليسوا أقلية أو ضيوفا، إنما هم مواطنون مصريون لا فرق بينهم، دستوريا أو أخلاقيا أو إسلاميا، وبين أشقائهم المسلمين، ومع ذلك فلم يحصلوا على المواطنة الكاملة بعد، ومنها حق حقيبة وزارية سيادية، أو رئاسة الوزراء، أو محافظات هامة، أو مناصب إعلامية أو استخبارية أمنية، أو قيادة الجيش، هذا فضلا عن التمييز في الجامعات والمدارس والبطاقة الشخصية ووسائل الاعلام. 
المتهم: لقد قدمت لهم ما استطيع، ثم إن وقتي لم يسمح بدراسة أوضاع أقلية.

القاضي غاضبا: قلت لك بأنهم ليسوا أقلية، ويملكون في الوطن ما يملك المسلمون، وهم شركاء في كل شيء. ولكن كنت أنت ظالما لكل فئات الشعب، ولم يكن غريبا أن ينسحب ظلمك على أقباط مصر، وقد وقفت متفرجا عندما قدموا شهداء الوطن في الكشح، وخرج المجرمون المتطرفون أبرياء من دماء الأبرياء. 
المتهم: معذرة، سيدي القاضي، فاتهاماتك لي لو صدقت لاحتجت لمئة عُمْر فوق عمري حتى أقضي عقوبات لم تصدرها عدالتكم بعد.

القاضي: كأنك طوال فترة حكمك كنت عاشقا للظلم، رافضا الاصلاح، مستخدما سلطتك المركزية المطلقة لتدمير مصر على كل الأصعدة، ماذا بقي في هذا الوطن المسكين لم تخربه يداك؟ 
المتهم: ليس هذا هو المهم، سيدي القاضي، فلو صدرت اتهاماتك لي في سبعين مجلدا، فإن ذاكرة شعبي يمكن التلاعب بها، وسيقيمون لي قبرا بجوار قبري عبد الناصر والسادات، وستعرض الشاشة الكبيرة بعد ثلاثين عاما فيلما عن حياتي يتم فيه تزوير التاريخ وتزييف الحقائق وتلميع صورتي.

القاضي: هل ساهمت مصر في اقامة الجدار الاسرائيلي العازل عنصريا في فلسطين المحتلة؟ 
المتهم: لم تصدر مني توجيهات في أي صورة من الصور، فمصر صَدّرت الأسمنت لاسرائيل عن طريق عضو عربي في الكنيست. صحيح أنني أبيع البترول لآلة الحرب الاسرائيلية لتكسير عظام الفلسطيينيين، وأمنع التسلل، وأتعاون أمنيا، وأجعل حدودنا مع فلسطين المحتلة الأكثر أمنا لقوى الاحتلال، وأساعد ، كما ذكرت، في تفريغ الحمولات من موانئنا عندما يضرب العمال الاسرائيليون، لكن بناء الجدار العازل عمل صهيوني بحت لم ندعمه من قريب أو من بعيد.

القاضي: مظاهر التطرف الديني في عهدك وصلت إلى مرحلة مقززة للنفس العفيفة، ومزايدة كبيرة في الدين، وضغوطات على المواطن البسيط من أجل اشغاله بقضايا هامشية، كالحجاب والنقاب والغناء والموسيقى والفنون والصور وجمل اعتراضية في ثنايا كتب، وقد أفسحت المجال لقوى التخلف الظلامية لكي تخترق العقول، وتضلل الشباب، وتخيف الفتيات، توزع صكوك الغفران، وتحول الدين إلى هوس جنسي، أليس كذلك؟ 
المتهم: كان ينبغي أن نفتعل للجائعين والعاطلين والفقراء والمهمشين قضايا جانبية، فكان التخدير بالدين خشية أن تستغله قوى أخرى فتجعله في خدمة حقوق الانسان والمواطنة الكاملة والتعليم السليم والصحة والعلاج المجاني والسكن اللائق والحياة الكريمة وحرية السفر والضرائب العادلة والمعاشات المناسبة وتحريم الرشوة والفساد. كنت أخشى القوى المستنيرة أن تستخدم الدين ضد التعذيب في المعتقلات والسجون، وأن تُحَرّم امتهان كرامة المواطن، وأن تقوم بتكفير أي ضابط شرطة يغتصب أو ينتهك حرمة مواطن، وأن يستخدم الدين في الدعوة إلى التنافس العادل في الترشيح للانتخابات، والغاء قوانين الطواريء، والدعوة لفتح الأبواب أمام منظمات حقوق الانسان، فقررت أن يكون الدين في خدمة الرجعية والفساد والتخلف الاعلامي وتحريم الموسيقى والجمال والخير والفنون ، فانشغل المصريون بمعارك تافهة، وتركوني ورجالي ندمر بلدهم ونفعل بها كما يحلو لي.

القاضي : يبدو من متابعة قضايا الفساد في عهدك أن الحياء قد اختفى نهائيا، كان اللص في زمن آخر يكتفي بقطعة أرض( وضع اليد)، أو عقار متهالك، أو رشوة موظف في الأوقاف، أو خمسة فدادين في منطقة مهجورة وبعيدة عن أعين مباحث الأموال، أما في عهدك فإن اللصوص حيتانيون يسرقون وعيونهم وقحة، يستولى أحدهم على أرض بين القاهرة والاسكندرية مساحتها 200 فدان، أو على شبه مدينة في سيناء تكفي لنقل كل سكان المقابر إليها. حالة من الاسهال الفسادي جعلت مصر كلها في عهدك كمغارة علي بابا. مستباحة لكل من تعرف على مباديء الفهلوة والبلطجة. 
حتى الثقافة والسينما والترجمة تراجعت في وجودك. 
هل تعرف شروط المنح والقروض المقدمة لمصر؟ 
المتهم: أعرف فقط أنني سأترك أجيالا من بعدي تسدد الديون من أفواه مقهوريها.

القاضي: ماذا تعرف عن الجمارك، خاصة جمرك الاسكندرية؟ 
المتهم: ظللت لأكثر من عقدين لا يخالجني شك في أنه أكثر الأماكن عفنا ونتنا وفسادا وتهريبا للأموال والناس والمخدرات والأسلحة، ولم تكن لدي أي نية لاصدار أوامر باصلاحه أو سد منافذ الفساد فيه.

القاضي: أتعجب من قدرتك على الاستمرار وقد نشرت وسائل الاعلام عشرات الالاف من التحقيقات والوثائق الدامغة عن جرائم الدولة والتهريب والنهب، ومع ذلك ظللت واقفا تتحدى سبعين مليونا من الصامتين، وآلافا من المناهضين والمتمردين والمدافعين عن الشعب والعدل والحق. 
وأردف رئيس المحكمة قائلا: إنني أمام جريمة لم يشهد لها تاريخ أرض الكنانة مثيلا. والغريب فيها أن الضحايا صامتون وكأن للقمع والاستبداد والطغيان لذة ونشوة وبهجة وسعادة! 
ونظر القاضي إلى قاعة المحكمة فوجدها مكتظة بعشرات من الوجوه المألوفة لعمالقة الكلمة والثقافة والفكر والفنون والفلسفة والعلوم والآداب والاعلام وكلهم يطرقون وجوههم في الأرض خجلا وحياءً، وربما عارا. وخرج القاضي ومستشاروه، فالحكم بعد المداولة. ووقف المتهم، الرئيس محمد حسني مبارك، ينتظر عدالة القضاء المصري.

محمد عبد المجيد 
طائر الشمال 
أوسلو النرويج

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...