29‏/04‏/2018

حياتي في الجنة!

حياتي في الجنة!


لا أستطيع أنْ أتخيل للحظة واحدة أن نارَ سَعَر، اللوّاحة للبشر والتي تقول هل من مزيد ستبتلع جسدي رغم ذنوب وآثام طوال عمري كنت عند حُسن ظني بربي فغفرها لي، وأدخلني فسيحَ جناته برحمته التي وسعت كل شيء. صورة الجنة في مخيلتي ليست كما خاض في وصفها آلاف العلماء والفقهاء، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

تركت لنفسي أن تنهل من رحمة الله في الآخرة قبل يوم القيامة، وأن تتخيل، وتحلم، وتضع حيرتها وتساؤلاتها وأمنياتها كأن الساعة قامت، وقيل بأن أحباب الله في جنات وعيون، ومقام أمين.
هل هناك مانع أن أترك لخيالي العنان منطلقا من ثقتي بربي، وحسن ظني بمالك المُلك الذي لو كان لدى الخلق كلهم خزائن رحمته لأمسكوا خشية الانفاق، فأصف بعض مشاهد حياتي في الجنة؟

أول شيء سيبث الحيرة في نفسي هو أن كل مَن في الجنة سيعود إليه شبابه، ولا أدري حقا هل سيكون في الخامسة والعشرين من العمر أو أقل أو أكثر، ولكن الحيرة في تصوري لمليارات من البشر في جنة الخلد وكلهم في نفس العمر، ويتمتعون بالقوة والصحة والعافية.
هذا يعني أنني سأكون شابا في عمر والدي، رحمه الله، وسيقدّم والده لي، أو جده أو حتى الجد الأعلى، وكلهم شباب في الخامسة والعشرين تقريبا، ولم أنس أن أولادي وأحفادي وربما أجيال من صُلبي لمئات الأعوام القادمة سيدخلون الجنة، وكل منهم في مثل عمري.
الخلود في الجنة يعني أن لا موت اطلاقا، وربما أعيش عدة ملايين من السنوات أو حتى بلايين، لا أكبر خلالها، ولا يشيب شعر رأسي، ولا أشعر بملل، ولكن ماذا سأفعل؟

قطعا لن تكون المكافأة في الآخرة طعاما وشرابا وجنات تجري من تحتها الأنهار فقط، وملابس من سندس واستبرق، لكنها حياة ممتعة وبهيجة وفيها النور الأكبر .. وجه ربي ذي الجلال والاكرام.
يصف العلماء، وينقل عنهم الداعية عمرو خالد، أن بيت المسلم في الجنة طوله ألف عام!
تزداد حيرتي فماذا سأفعل بمفردي في كل هذا البيت؟
وهل هناك أثاث وفراش للنوم؟
من سيساعدني في تأثيث هذا البيت، وهل سأستقبل ضيوفا أحتاج لألف عام سيرا على الأقدام للترحيب بهم على باب البيت؟
أحاول أن أعصر فكري لمعرفة كنه المناخ والفصول، وهل ستكون هناك شمس أخرى جديدة وثابتة في مكانها، تشرق وتغرب، أم أن الجنة ستدور حولها.
وماذا عن الهواء والعواصف الترابية والجاذبية، وكيف ستكون الطرق والحدائق والأشجار؟
هل سيكون هناك مطر وبرد ورعد وسحاب، أم أن الجو أقرب إلى الدفء طوال الوقت؟
ماذا لو أن في نفسي شوقا إلى برد وجليد، يعقبه ربيع تتفتح فيه الأزهار، ثم صيف حار يليه خريف تتساقط فيه أوراق الشجر لتعلن نهاية حياة نباتية تمهيدا لبيات شتوي تستعد فيه الزهور والورود والنباتات والأشجار للولادة من جديد؟
وهل ستكون للأماكن أسماء؟ وهل يمكن أن أنتقل من مكان إلى آخر بعد عدة مئات من السنين؟
هل ستظل الذاكرة قوية في استدعاء أشياء وأسماء أرضية للخيال؟
ستكون الأرض كلها هباء منثورا، وربما تختفي في هذا الكون العظيم ومعها كل الكواكب السيّارة والشمس والقمر فهي مُسَخّرات للانسان عندما كان خليفة في الأرض، أما الآن فهو في جنة عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين.
تصورات فوق أخصب الخيالات عندما أبحث عن مرادفات أرضية في جنة الخلد!
لن يكون هناك مَرَضٌ، أو تخمة من كثرة تناول الطعام، ولن يزداد وزني أو ينقص جراما واحدا، ولكن ماذا عن النوم؟
هل سأنام بعد تعب وارهاق أم بعد راحة واسترخاء؟
ولماذا أنام؟
لن أحتاج إلى نظّارة القراءة أو إلى عدسات لاصقة، فيمكنني القراءة المتواصلة لعدة آلاف من السنوات دون توقف، ولكن ماذا سأقرأ؟ ومن سيكتب ما أقرأه؟ وهل ستكون هناك كتب بالمعنى الأرضي، وطبعات فاخرة، وغيرها؟
لا شك أن المعرفة والتعلم ستكونان على رأس أمنياتي في الجنة، ولعلي لا أصدق تحقيق حلم أقصى درجات المعرفة في قراءة ملايين من الكتب خلال حياتي الخالدة في الجنة، ولكن ماذا سأفعل بكل هذه المعرفة؟
هل سيُبعَث الأميّ في الجنة قارئا، أم سيظل أميّاً مادام حيا في جنة الخلد؟
 وهل لو بعثه الله قارئا، فهل ستكون لغته سليمة وفقا لقواعد وضعها علماء اللغة في الأرض التي اختفت من الوجود؟ وماذا عن الاختلافات اللغوية واللسانية؟
سيكون أمرا مدهشا أن يتحدث كل من في الجنة لغة واحدة، هي اللغة العربية، وهذا يعني أن الصينيين واليابانيين والتايلانديين والمنغوليين وكل أصحاب الألسن واللغات العجيبة على الأرض المختفية سيتحدثون لغة عربية سليمة وفصيحة، ولكن هل سنكون جميعا في نفس المستوى الفكري واللغوي؟

أمنيتي هي أمنية كل مسلم، أن أقابل رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، وأصافحه، وأعانقه، ، وستكون المفاجأة أكبر مما توقعت، فالحبيب المصطفى شاب وسيم في مثل عمري، ولن يعرفني إنْ تقدمت إليه بعدما يجيء دوري في صف طويل من مئات الملايين، فأنا قد عشت بعده بأكثر من ألف وأربعمئة عام، وسيكون اللقاء سريعا جدا، فخلفي عدة مئات من الملايين، وكلهم شباب، يريدون أن يصافحوا خاتم الأنبياء.
هل يمكن أن أتخيل حياة خالدة دون متعة وغبطة وسعادة البحر؟ لا أدري إنْ كان بحر الجنة ملحا أو عذبا، وفيه أسماك أم خال تماما منها، ولكن ما أعرفه أنني لن أغرق ولو سبحت سبعين عاما، ولن يتملكني نَصَبٌ أو تعب أو ارهاق. ربما أحزن بعض الشيء، رغم أن الحزن كلمة غير موجودة بالمرة في الجنة، عندما أقابل أحب الناس لي، وهو والدي، رحمه الله، فسيكون شابا صغيرا لم أعرف ملامحه من قبل، فهو مرتبط لدي بالكهولة وبعض الشيب الذي زحف على شعر رأسه، وقليل من التجاعيد التي عرفت طريقها إلى وجهه الكريم، فكيف لي أن أعرفه وهو في عمر ابني، رغم أن ابني في عمر جدي، وجد والدي يماثل في العمر أحفاد ابني؟

يتملكني خجل لعل حروف كلماتي تفصح عنه عندما تقترب من الحديث عن الحور العين، فأكثر من سبعين منها تعود لكل واحدة منهن عذريتها، وفقا لآراء العلماء والفقهاء، لن يترك لي وقتا لشيء آخر، وأغلب الظن أنهن يتحدثن اللغة العربية، ويعرفن اسمي ولقبي، وأن مهمتهن امتاعي قدر الامكان، فأنا شاب مثل كل أهل الجنة، وعلماء ديني يؤكدون لي أن الفحولة ستكون في أقصى قوتها وجبروتها وعنفوانها لملايين الملايين من الأعوام، فماذا سيبقى لي من وقت للحديث مع أحبابي، والتمتع بكل ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؟
لن أكترث كثيرا لمعرفة أسماء الحور العين، ولكن هل هن رهن إشارتي، أم سيُقِمْن معي، خاصة أن بيتي طوله ألف عام؟
هل ستكون هناك علاقة مودة ومحبة مع بعض من الحور العين، وهل كلهن نسخ مكررة، أم أن كل واحدة منهن تختلف عن الأخرى؟
لا أظن امرأة أو زوجة لن تشعر بغيرة منهن رغم أن الشيطان سيكون مصفدا في قيود ويدفع في الجحيم ثمن عصيانه وتحدّيه لرب العزة منذ بدء الخليقة إلى يوم الحشر.

حديث حرج ينبغي أن لا يتناهي بتفاصيله لمسامع الزوجة على الأرض أو حتى في الجنة، فهي تغضب، وتقلب الحياة على رأس زوجها لو أشار لفكرة الزواج من أخرى، فما بالك بأكثر من سبعين من أجمل نساء الجنة لن يتركن لزوجها لحظة واحدة يختلي خلالها بزوجته؟
ستجابهني مشكلة كبيرة وهي العثور على أصدقائي وأحبابي الذين عرفتهم في الحياة الدنيا، وسأحتاج لذاكرة حديدية تستعيد كل مشهد من حياتي الأرضية الطينية، وهذا يعني أن الخطايا والآثام والذنوب ستمر هي أيضا بخيالي، ولعلها تعكّر صفوه.
لا أعرف كيف سيكون تغيير الملابس لارتداء أخرى نظيفة، وهل سأختار غيرها، أم ستختفي القديمة لتحل محلها جديدة تلقائيا؟
رائع أنني لن أحتاج لطبيب أسنان أو عمل حشو لأضراسي حتى لو تناولت سكريات لعدة مئات من السنوات، ولن أقوم بصبغ شعر رأسي فهو سيظل لامعا، نظيفا، جميلا ولن تشيب منه شعرة واحدة، فالخلايا لا تموت، والقلب لن تزداد نبضاته حتى لو بذلت جهودا جبارة في عمل ما.
أجلس على أريكة، وأشرب شرابا طهورا، وتمر من أمامي جموع حاشدة قد تصل إلى ملايين من البشر، ولن أتعرف على أحد بسهولة فكلهم شباب في عمر واحد وتبقى مشكلة استدعاء من تعرفت بهم في حياتي الأرضية، ومعرفة إن كانوا يتمتعون بنعيم الجنة أم أنهم في جهنم خالدين أبداً؟

كيف سيكون الاتصال بيني وبين الآخرين خاصة إن كان بعضهم يقيم في بيوت من الجنة تبعد عن بيتي ملايين الكيلومترات وحتى لو ألتقينا، فعن أي شيء سيدور الحديث؟ سيلهج لساني بشكر العلي القدير، وسأحمده وأشكر فضله، وأصلي ما دامت الجنة باقية، وهي حقا باقية وخالدة لزمن لا نهائي لا يستطيع عقلي أن يستوعبه.
هل سيكون هناك صباح، وظهر، ومساء، ونور وظلمة؟
لو أنني سقطت من مكان مرتفع في الجنة فلن أموت، ولن يمسني ضرٌّ أو جرح أو تنزف من جسدي نقطة دم واحدة، وهذا رائع بكل المقاييس.
سينزع اللهُ الغِلّ من القلوب، وستبقى الرحمة والمحبة والتسامح، وهذا يعني أن كل الذين يسبّونني على النت، ويشتمونني، ويقومون بتكفيري، ويروجون لأحاديث الافك عن تفسيرات لم تخطر على بالي قط، لن يتمكنوا، لو أدخلهم الله الجنة، من ممارسة هواية التكفير والسبّ واللعن.
أظن أنني لن أطلق لحيتي في الجنة أو حتى شاربي مع افتراض أن شعر الوجه سينمو ويحتاج إلى قص وتهذيب، أو حلق وتنظيف.
يشغلني نظام ميكانيكية الجسد في الجنة، وهل ستكون هناك أمراض من كثرة الطعام، وكيف سيكون نظام الاخراج والفضلات، أم أن عالم الطهارة سيسري على كل شيء، أيضا تلقائيا، حتى مع الحور العين، أي لن أكون جُنُباً للحظة واحدة؟
في الجنة مليارات من البشر ، ومن كل الأجناس والألوان والأزمنة، ولن تكون مفاجأة لي أن أقابل من أصحاب الجنة أصحاب ديانات وعقائد ومذاهب أخرى، فالجنة ليست حكرا على سكان الشرق الأوسط أو المسلمين فقط، والانسان فيه نفخة من روح الله، وهناك طيبون ومسالمون وخيّرون قضوا أعمارهم يبحثون عن الحقيقة، ولم تصلهم دعوة الاسلام، أو قام بايصالها متطرفون ومتشددون فنفّروا الآخرين بدلا من تقديم الاسلام في صورة جميلة ومشرقة.
وهناك مئات الملايين قبل كل بعثة نبوية من بدء الخليقة، وأيضا أناس عاشوا في جبال ووديان ومجاهل وعُزلة، وبحثوا عن الرحمن الرحيم دون أن تصلهم دعوة نبوية أو كتاب مقدس، فآمنوا بالله بطريقتهم، وتمنّوا الجنة قدر عقولهم، ووثقوا في العزيز الجبار دون أن يسمعوا حرفا واحدا من كتب الرسالات السماوية.
أصحاب الجنة دخلوها برحمة الغفور العزيز الذي يقول للشيء كن فيكون، ولم يدخلوها عن طريق صكوك الغفران أو فتاوى الجمعيات الدينية أو رضا مشرفي المنتديات الانترنتية أو توصية من أمير جماعة اسلامية، أو الذين اكتشفوا أنهم فقط الفرقة الناجية.
في الجنة سأكتشف أن ما أعرفه أصفار لا نهائية ومتراصة بدون أي قيمة، وهذا يعني أن دهشة المعرفة ستكون في قمتها وعمقها وصدقها، فكيف ستكون علاقتي بالمعرفة والعلوم والثقافة واللغة والكتاب؟
سيتمنى كل الآباء والأمهات في الجنة الذين توفاهم الله وأطفالهم في أعمار مبكرة أن يكونوا معهم، ولكن هل سيكبر الأطفال في الجنة؟ وهل سيبلغ الطفل الحُلمَ والمراهقة؟ وماذا سيتعلم من طفولته إلى شبابه؟ وكيف ستصبح التربية إن كان كل شئ بديعا، ولا يوجد غير الخير؟
ماذا عن كل الاختراعات التي اكتشفها العقل البشري بفضل الله الذي علم الانسان ما لا لم يعلم؟ الكمبيوتر والهاتف والعمليات الحسابية المعقدة والتليسكوب والميكروسكوب والتصوير والترجمة والفنون والآداب والموسيقى والمنطق والألعاب الرياضية والشعر وملايين من أوجه المعرفة، أين ستذهب؟ وهل للإنسان في الجنة نصيب منها؟
متعة العبادة دون وسوسة إبليس ستكون أكثر متع الجنة قُرباً لأصحابها، وستخشع الوجوه والقلوب كلها لذكر الله، ولن يكون هناك لغو أو أحاديث في غير موضعها، إنما أكبر مكافآت أهل الجنة، أي أن نرى وجه ربنا ذي الجلال والاكرام.

الزمن جديد، ولا أعرف كيف سأقوم بحسابه، فاليوم ليس شمسيا أو قمريا، وعدد ساعاته لن تكون بالضرورة أربعا وعشرين، فقد تكون الشمس الجديدة حاملة كل الفصول، فتشرق وتغرب، ويكون هناك ليل أو نهار، أو حتى لا يكون هناك ليل اطلاقا.  كل ما يطلبه أهل الجنة سيجدونه أمامهم، وأظن أنني سأطلب ترجمة عربية لكل الكتب التي صدرت منذ بدء الخليقة، ولكن ماذا عن الكتب  التي تتعارض مع المشهد الجديد في جنة عرضها السماوات والأرض، وليس للشيطان فيها أي وجود؟ عندما أرتدى ملابس من حرير واستبرق وسندس خضر، فلن أكون أفضل من غيري، أو يمتدح آخرون في ذوقي، فكل من في الجنة يرتديها، وربما يختار ألوانا أخرى.
 هل الأسمر سيبعث يوم القيامة أسمرا، وكذلك الأشقر، والأصفر والقصير والطويل والبدين والوسيم والدميم، أم سيكون كل أهل الجنة بنفس القدر من الوسامة والجمال الباهر والعقل الرزين والعلم المتساوي والايمان الذي لا ينقص أو يزيد عن الآخر قيد ذرة؟

ذوو الاحتياجات الخاصة والمعاقون ذهنيا وخَلْقيّاً حتى لو كانت درجة الإعاقة في أقصاها سيُبعثون، حسب ظني، في حالة صحية وجمالية وذهنية متكاملة، وستكون فرحة ذويهم وأهلهم بهم غامرةً، ولكن ماذا عمن عاش فاقداً للذاكرة، فهل ستكون حياتُه في الجنة بدون ماض أرضيّ يستدعي مَشاهدَه بين ألفينة والأخرى؟
كيف ستكون سرعة السير أو الجري في الجنة؟ وهل سيمكنني الطيران بأجنحة أو بدونها للقاء أحبة وأصدقاء في أماكن تبعد عني آلاف السنين لو حاولت الوصول إليها مهرولا؟
لقائي ببعض الذين تمنيت رؤيتهم في عصور مختلفة من نبي الله يوسف عليه السلام وصلاح الدين الأيوبي والمتنبي وابن رشد وعبد الرحمن الكواكبي سيكون غريبا بعض الشيء، فأنا وأي منهم من أزمنة مختلفة وربما لا أجد أحاديث مشتركة كثيرة، وفي ذهني قائمة بمئات الأسماء على مر العصور التي سأبحث عنها في الجنة، ولا شك أن كثيرين منهم ليسوا مسلمين لكنهم كانوا أعمدة حق صلبة، وصنعوا عدالة، وكافحوا من أجل الفقراء والمساكين والمظلومين.

سأكتشف أن المقاييس الأرضية المهتزة والضعيفة وأحيانا الحمقاء والمتخلفة التي أملكها للحكم على الناس كانت أوهن من بيت العنكبوت، فالله، تعالى، هو الحي القدوس الأعلى الذي يُدخل من يشاء في رحمته، وفي الجنة سألتقي أناسا ظننتهم لن يشموا ريحها ولو على مبعدة ألف ميل، وسأعرف أن الجنة لم تكن من نصيب أناس كنت واثقا ثقة اليقين أنهم من أهلها وأصحابها، بل لكل منهم أكثر من بيت فيها.
طعام الجنة ليس فقط فواكه من كل الأصناف، وأنا أظن أنها ستكون شتوية وصيفية واستوائية، لكنه طعام لم تر العين مثله قط، ولكن هل ستكون هناك طيور وحيوانات؟ وهل الأسماك بلحومها الطرية في مياه عذبة أم في مياه مالحة؟
أغلب الظن أنني سأبحث عن جهد وعمل مرهق للاستمتاع بالراحة بعدها، فإذا جلست عدة مئات من السنين، وأكلت وشربت وتعبدت وتحدثت أحاديث هادئة وجميلة لا لغو فيها فربما أحتاج للحركة والجري والسباحة رغم أن الجسد في الجنة لا يصيبه ارهاق.
وماذا عن الذين فجروا أنفسهم في الأسواق وفي مدارس الأطفال والمستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس، أو الذين ظنوا مخالفيهم في الدين يستحقون القتل والذبح، أو الذين فجروا أنفسهم في حافلات تحمل أطفالا ونساء؟
لن أعثر في الجنة كلها على أي منهم، وأحلام المهووسين جنسيا في حور عين ينتظرن على أحر من الجمر انتحار المسلم وهو يفجر نفسه في سوق مكتظة بالآمنين ذهبت أدراج الرياح، واختفت مع أول صرخة حزن وفزع لطفل فقد والده أو والدته دون أي ذنب إلا الثقة بأن الانسان فيه من روح الله فاكتشف أن بعض الناس فيهم من روح الشيطان.

سألت في الجنة عن شيوخ أكثر شهرة من الشيف أطيب، وعن أمراء لجماعات احتمت بالجبال في اليمن والجزائر والمغرب، واختفت كالأشباح في العراق، وفي الكهوف الأفغانية فلم تقع عيناي على أي منهم، لكن ريح المسك اخترقت أنفي جراء مرور أبطال استشهاديين أمامي كان هدفهم الوحيد في الحياة الدنيا قوات الاحتلال من العسكر فقط في كل مكان في العالم شهد ظلم الغزو والاحتلال والقمع والقهر.
مدهش أن تكتشف في الجنة كم كنت مخطئا في الحكم على الناس، وأنه لم يدخلها إلا من جاء ربَّه بقلب سليم، وأن أناسا صلوا وصاموا والتحوا وكحّلوا عيونهم وظلوا سنوات طويلة في حياتهم الأرضية ينهون، ظاهريا، عن المنكر، ويتوعدون المشركين والكفار والمخالفين بنار جهنم، لم يفتح رضوان بابها لهم.
اكتشفت في الجنة أن مساحة التسامح في قلبك تحدد سعة بيتك فيها، وأن محبتك لكل الناس الذين خلقهم الله وأكرمهم ونعّمَهم هي الطريق الآمن والسليم والمستقيم والأقصر إلى رضوان الله ورحمته وعفوه وغفرانه.
سألت في الجنة عن الفرقة الناجية من السُنّة والشيعة واليزيدية والاباضية والجعفرية والعلوية والقرآنيين وكل المذاهب والطوائف فوجدت الجواب في أن الجنة ليست حكرا على فرقة ناجية واحدة، وأن خلافاتنا في الأرض كانت عبثا صبيانيا وحماقة فكرية واستعلاء من أصحاب مذهب يظن كل منتم إليه أن مالك المُلك العزيز الجبار سيقرّبه إليه، ويرسل الآخرين إلى نار جهنم وجحيمها الأبدي.

جريمة فادحة ظن الانسان في حياته الطينية على الأرض أنه يتقرب في ارتكابها من الله، عز وجل، فإذا به يسرق عدالة السماء ليستبدل بها ظلم الأرض، وقام بتوزيع سكان الجنة والنار وفقا لمزاجه وكراهيته وحقده ونفسه الضعيفة وتربيته القائمة على أنه الأفضل والأحسن والأتقى، ولم ينتظر عدالة يوم الحشر، يوم يقوم الناس لرب العالمين،
سألت في الجنة عن أعضاء في آلاف من المنتديات الدينية على الإنترنيت الذين كانوا يقومون بتكفير الآخرين، و والتشكيك في إيمان من يجتهد فكريا، واحتكار الفتوى، وغض الطرف عن الطغاة، وتسطيح قضايا حقوق البشر، واعتبار كل من ليس مسلما هو عدو لله وخصم للمسلمين فلم أجد أيا منهم، فقد كانوا في حياتهم الأرضية سيارات مفخخة من الكراهية والبغضاء، وكادوا يمتصون من الشاشة الصغيرة دماء اخوة لهم خالفوهم فاستحقوا غضبهم الحاقد.
سألت أيضا عن مسلمين مصريين كانوا يقاطعون أخوانهم وشركاء الوطن من الأقباط بل أيضا ممتلكاتهم، وقتلوا منهم أكثر من عشرين بريئا في قرية الكشح، فلم أعثر على أي أثر لهم ومن آذى قبطيا دون وجه حق، أي لأنه ليس على دينه، فلن يكون له من رحمة الله نصيب.

بسطت في الجنة أمنياتي وتساؤلاتي فأنا أمام العزيز الغفار فغمرني نور من الرحمة.
هل ستنساب في الجنة أنغام موسيقية هادئة كمتعة سمعية؟ وهل هي أنغام أرضية أم أن الانسان سيبدأ من جديد في اكتشاف ما يبهجه ويزيده سعادة بعيدا عن وسوسة الشيطان؟
لن تكون هناك فائدة لملايين المعلومات الأرضية عن الفلك والتشريح وجيولوجيا الكرة الأرضية والزلازل والعواصف وأنواع الأمراض وعن الفقر والحروب وتاريخ الساسة وحقوق الانسان ومعارك النقابات واتفاقات الهدنة وأسعار الدولار .. ولكن هل سيبدأ الانسان من جديد في التعلم عن حياة خالدة جديدة، وهل ستكون هناك فوارق بين أصحاب الجنة في درجات العلم والثقافة والمعرفة، أم سنكون على قدم المساواة؟
سأكون في شوق جديد لعبادة الله آناء الليل وأطراف النهار ( هل سيكون هناك ليل ونهار )، ولكن أكثر من سبعين من الحور العين سيأخذن كثيرا من وقت العبادة والشكر.
لحظات الندم في الجنة كثيرة رغم أن رحمة الله وسعت كل شيء فغفر لنا، وأكثرها هي الساعات الأرضية التي ضاع خلالها الوقت في بغضاء ومشاحنات وكراهية المخالفين والحكم الظالم على الآخرين والظن بأن الله سيكون بدون شك منحازا لرأي أتبناه فإذا بي كنت مخطئا حتى النخاع، فعالم كراهية الآخرين يحرق النفس والقلب ويدمر العواطف ويضع أمام الإيمان ضبابا قاتما يحجب الرؤية.
في الجنة بحثت جاهدا عن جماعات كانت تضرب الناس على ظهورهم وتجلدهم لكي يطيعوا الله ولو على نفاق، وعن رجال دين فضائيين أفتوا بقتل من يجتهد، أو يُعمل عقله في ملكوت الله، أو يستخدم رخصة التفكير التي منحه إياها العلي القدير فلم أجدهم.

وهنا .. وجدتني قد استيقظت من حلم بين الغفوة والنعاس، وقفزت أمامي من الشاشة الصغيرة شياطين تضرب بأصابعها النارية الكيبورد، فهي لم تفهم مشهدا واحدا من مشاهد حياتي في الجنة!
 محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو  النرويج

20‏/04‏/2018

حوار بين الحياة والموت!


في حادثةٍ غريبةٍ من نوعها لا تتكرر في تاريخِ الخليقةِ إلا مرةً واحدةً، التقىَ الموتُ والحياةُ علىَ غير مَوعدٍ. لـَـمْ يتصافحا، ولـَمْ يتعانقا، لكنَّ الفضولَ دفعهما إلىَ حوارٍ التقطناه عن قُرْبٍ منهما!

الموت: مالـَـكِ تسيرين مُختالة كأنَّ الروحَ باقيةٌ إلىَ يوم الحَشْر؟ كلما رأيتكِ، شاهدتُ الغرورَ مُجَسَّداً، ولمحتُ ريشَ طاووسٍ ينتفضُ من بين جنبيك، وسمعتُ صوتاً به ثقة وثقل وثقال، فذهب الظنُ بي أنْ لا نهاية بعد مغادرة المهد، كأنَّ اللحدَ لا وجود له!الحياة: أنتَ مرة أخرى! تتجهم للناس كلما ابتسموا لي، وتتوعدهم كلما بدتْ نواجزُهم من الضحك والسعادة، وتأتيهم بغتة بعد كل مأمن يزيدهم حُلماً علىَ حُلمٍ.تحصد أحياناً في احتفالات بهيجة شعوبا وقبائل، وتستمتع بالأعاصير، وتتلذذ بالكوارث، وترقص طربا للأوبئة!أتذكر أنكَ تحالفت مع موج البحر وطلبت الإسراع في ابتلاع الباخرة تيتانيك، فكان البحر والظلام والجليد والرعب يزينون في عينيك صرخات المئات وهم يغرقون، فبدا يومَ عيدٍ لكَ ولدودِ الأرض و.. أسماك البحر.


الموت: أنتِ الباطلُ وأنا الحق. أنتِ الخداعُ وأنا الواقع. أنتِ تؤلمين وأنا أخفف تلك الآلامَ أو أزيلها. أنت القسوةُ عليهم وأنا أحتضنهم في باطن الأرض أو حوادث الطائرات أو القطارات أو الطرق أو الحروب أو الزلازل.أنتِ لا تعبأين بالمرض ولو صرخ مريض لنصف حياته، فأنت ستطيلينها ليزداد عذابُه، وأنا أنهيها في غمضة عين أو.. أقل!في لحظات اليأس التي يمر بها بنو البشر يستغيثون بي لكي أحصدهم، ويحلمون بيوم قدومي لتخليصهم من مُرّ العيش وشظفها، وصعوبة التحَمُّل، ثم يشاهدونكِ تضحكين وتسخرين وتتوعدينهم بطول العُمر.في ردهات المستشفيات وفوق أسِّرَتــِـها يتمنى كثيرون زيارة خاطفة مني، وأنت تتمسكين بمرضى لا شفاء لهم منه، وبمن بُترت أعضاء في أجسادهم أو أصابهم الشلل أو الربو أو الزهايمر أو السرطان حتى أن أطباء كثيرين اعتادوا على أصوات المتوجعين فأصبحوا من أنصار " الموت الرحيم" وانضم إليهم أقرباء وأحباب المريض.الحياة: أنا أتبع سُنـَّـة الخلق، أي الروح في الجسد، والنبض في القلب، والدم في الشريان، والحواس في أماكنها، ولست مسؤولة عما يصيبها من سقم وخلل وضعف ومرض.بدوني ما وجدت لك عملا، ثم إنك تمثل العقوبة القصوى على الإنسان.أنت تأتي متخفيا، وتختلس النظرة، وتقبض الروح عندما يكون الأمل بارقاً، والحبيب ينتظر حبيبه، وأحضان الأطفال دافئة لاستقبال الذي غيـَّـبته أنتَ عنهم.أنت تمد أذرعك المخيفة في كل الكائنات، حتى الحيوانات الأليفة في عمق الغابة تخشاك لأنك تأتيها في مخالب حيوانات مفترسة، فيغدر ضبع بعصفور صغير، ويلحق ذئب بسنجاب جميل فيمزقه بأنيابه قبل أن يلتهمه، ويزحف تمساح وفي دقائق معدودة تكون معدته قد أتخمت من ضحايا ظنوا النهر آمنا لهم.أنا الذكريات الجميلة التي تمسحها أنت، وانا عبق الزهور، وزقزقة العصافير، ولهو الأطفال وهم يتصايحون فتضحك معهم الدنيا.وأنا الرسالات السماوية التي تتنزل على الأنبياء ليشكر الناس رب العباد على نعمته إياهم بي، وأن الكتب المقدسة تملأ الدنيا حكمة وأملا وبشائر.


الموت: فلسفتكِ لا تساوي عندي حبة رمل منسيّة على الشاطيء، والكتب المقدسة أيضا تأمرني أن أبذل جهدي لخصوم أنبيائها، والرسالات السماوية كلها استعانت بي للتخلص من غير المؤمنين بها، وعندما أعمل أوفر تايم لقبض الروح يكون الدين غالبا بالقرب مني، فالحروب الإسلامية والمسيحية واليهودية والبوذية وغيرها ظلت على مدى التاريخ تعطيني الفرصة للعمل دون توقف.إيمانك بعدالة السماء لا يقل عن إيماني بها، وقناعاتك بأن الحياة هي الحب لا تصمد أمام يقيني بأنني، الموت، أمثل الحب سواء حضرت أم كان غيابي حاضرا.الحياة: أراك تتوهم أنك صاحب رسالة، وأنك لو زرت الملايين في صورة طاعون فأنت بابا نويل توزع هدايا على الجميع، وأنك تفلسف نزع الناس من صدور أحبابهم كأنها رسالة عشق لظلمة القبر.لولاي لما كان لهذا الحديث بيننا أن يرى النور، فأنت تمشي في الأرض كأنك مصّاص دماء، وأنا أمشي الهوينا فأتغزل في الكائنات الحية الجميلة والقبيحة على حد سواء.عندما يفترس الإنسان أخاه يستعين بك، فإذا لم يستطع، رفع يديه إلى السماء لكي ترسلك فورا في صورة مرض أو حادث أو سكتة دماغية أو قلبية.


الموت: هذه خزعبلات الأحياء، وخرافات من لم تهرب الروح منهم بعد، لأنني الحقيقة الوحيدة التي يحاول المرء الهروب منها فلا يجد مفرا من الارتماء في أحضاني يوما ما!تكذبون على الأحياء برسم صورة مشوهة عني، حتى المقابر الجميلة والهادئة والمسكونة بأمواتٍ لا يؤذون البشر تحاولون تنفير الناس منها، رغم أن الأحياء هم الفزع الأكبر، وهم الذي يستدعونني كلما كره بعضهم بعضا. لو لم يكن حُب الطغاة لكِ جامحا ما حصدتُ أنا أرواح الشباب والجنود والمعارضين. أنتم تستدعونني ليلا ونهاراً في نزاعاتكم الحمقاء، ثم تلومونني على جَدّي في العمل، واستجابتي لطلباتكم الـمُلـِحَّة في أن أكون ضيفا عليكم ثم تزعمون بأنني ضيف غير مرغوب فيه.لم يدر بذهني قط أنْ أتسبب في قبور جماعية، ولكن الحياة التي مـُـنِحتْ لكم هدية رفضتموها في القصور، وبنيتم بيوت الضيافة، سجونا ومعتقلات وأماكن فقر وسموما في المياه والأرض الزراعية. أنا الموت، أشرف من الحياة، ولا أخجل من عملي، ولكن ينبغي أن تخجلي أنتِ من الفوقية المتغطرسة التي تجعلك تظنين الموت قبيحا والحياة بهيجة.الحياة: قل ما تشاء، لكنني سأظل أنا مركز الكون، وتمنيات كل من حصدت أنتَ أحبابَهم أن يعودوا مرة أخرى ليعيشوا بين ظهرانيهم خالدين في الأرض ثم الخلود الأخروي.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

Taeralshmal@gmail.com

لكنها ليست حربـًـا ضد بشار الأسد!


لكنها ليست حربـًـا ضد بشار الأسد!
العربي الذي لا يحب سوريا لا يحب وطنه حتى لو جاء من أقصىَ الأرض، والعربي الذي لا يكترث للسجون والمعتقلات والقوقعة(!) لا يحب سوريا حتى لو جعل كل قماش ملابسه من العــَـلــَـم السوري.
سقط جيرانها على حدودها من كل مكان، وسال لعابهم لالتهام شطر من قلب العروبة النابض، لكن سوريا، الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة، كانت قوتُها في عروبتها، وضعفُها في أجهزة استخباراتها، وكلما افتتحت السُلطة زنزانة جديدة؛ تضخمت الدولة العبرية، فروح إيلي كوهين لا تصعد إلى السماء قبل أن يشعر كل سوري أنه يستطيع أن ينفث دخان سيجارته في وجه ضابط أمن دون أن ترتعش شعرة في جسد المواطن، فالرعب هو الخيانة الخفية لوطن مُقيد اليدين في أسوار القصر.
أحبُ عالمي العربي كله بدون تمييز حتى لو كرهت ثلثي أنظمته السياسية، وكل جمعياته الدينية، لكن تظل سوريا، التي كتبت عنها عشرات المرات في أربعة عقود، وقمت بزيارتها مرة واحدة يتيمة عام 1996 تمنيّت وقتها أن يقوم عبد الناصر وشكري القوتلي من مرقديهما ليصحباني في جولة استنشق خلالها الوطن الثاني لكل مواطن غير سوري!
في الوقت الذي كان كارهوها صامتين، كنت أنا، عاشقها، أكتب عن قوقعاتها وأقبية سجونها وقسوة رجال استخباراتها، فكان قلبي يخاف عليها من رجالها و.. من خصومها بنفس القـْـدْر.
أكرر فخري باليوم الذي أفرج الرئيس حافظ الأسد، رحمه الله، عن 2700 معتقل سوري تأثرًا بمقال لي مرفق بخطاب إلى الرئيس، كما قال دريد رفعت الأسد.
كنتُ أرىَ كل استدعاء من أجهزة الأمن لمواطن سوري وإرساله إلى ما وراء الشمس إشهارَ انتصارٍ للكيان الصهيوني، ومع ذلك فكان قلبها النابض مفتوحا لكل العرب بدون تأشيرة دخول، ولم يمُنّ السوريون على الفلسطينيين بأنْ استضافوهم، وظلت النبرة الوطنية في أدبيات ويوميات السوري كالطعام والشراب و.. المسلسلات!
كان المواطن السوري العائد من الخارج تزداد نبضات قلبه كلما اقتربت الطائرة من مطار دمشق الدولي، فضابط الأمن عفريت من الإنس إذا رحب بك فقد ثكلتك أمك، وإذا سألك عما كنت تفعل بالخارج التصق لسانك بسقف حلقك وارتطمت الحروف ببعضها.
لكنك سوري أو عربي إذا تملكك حب الشام فقد عشقت الكون كله، وكانت الطوائف السورية موحدة، وعناق الأديان يوميات تُصَحّح التاريخ قبل أن يلمس هوامشــَــه مؤرخٌ أو أديبٌ أو شاعر.
لكنني كنت أرىَ البقعة السوداء في رعب المواطن من أجهزة الاستخبارات، وأتذكر أن أقرب صديق سويسري لي لأربع سنوات عملنا معا في بيت الشباب بجنيف. وعندما أبلغني برغبته في زيارة الأردن ومصر وسوريا خشيت أن تبهت محبته الشديدة للعرب، خاصة أنه مناضل عنيد ضد الصهيونية أكثر من كل العرب مجتمعين!
وسافر صديقي العزيز، وفي دمشق أيقظته أجهزة الأمن من نومه في الفندق مشتبهة فيه عدة مرات في ليلة واحدة. بعد عودته إلى جنيف أقسم لي بأنه لن يقوم بزيارة سوريا أبدًا بسبب أجهزة الأمن فيها بشبهة متخيلة، حتى أنا الضيف المكرم من الدكتور محمد سلمان وزير الإعلام، رحمه الله، دخلت غرفتي في فندق الشام فوجدت رجل أمن يفتش غرفتي، وكان مهتما بالكتب التي اشتريتها!
عندما قام الربيعيون الشباب بثورتهم كنت أراهم أمل الحرية والكرامة وتوديع آخر زنزانة في معتقلات سوريا. لم يقف العالم معهم فما دامت الرياح غير قادمة من تل أبيب، فلن يتعاطف الغرب معهم.
ومرت عدة أشهر حتى ظهر المغول الجُدد كأنهم شياطين، وحملوا المصاحف والبنادق، وباع لهم العالم الحُر أسلحة القتل بكل أنواعها بحجة أن العالم المتحضر يواجه بطش الأسد الابن، والحقيقة أنه لم يحرك شعرة في سيد القصر بدمشق، فالهدف تدمير أطراف سوريا في كل أركانها، فمصانع الأسلحة لابد أن تعمل وتجدد مبيعاتها شريطة أن لا تبيع ما يهدد أمن اسرائيل.
دمشق كانت خارج منظومة تحرير الشعب السوري التي صدَّع بها الغرب الدنيا برمتها، وكان يمكن القضاء على الرئيس بشار الأسد في أقل من أسبوع، لكن بدون تدمير؛ فإن العملية فاشلة حتى لو حملت زورًا شعارًا أخلاقيا.
وانسحب الشباب، ودخلت وحوش مفترسة، طائفية وقاسية ودموية، طوال سبع سنوات وهي تحترم مع مموليها وداعميها الاتفاق الجنتلماني القذر: دمّروا كل المدن السورية الحدودية والاستراتيجية واتركوا دمشق واللاذقية ليتنفس منها النظام.
وتوالد الاخوان فانجبوا دواعش، وانتقموا من مذابح حماة، وهزائمهم في العراق، لكن الغرب وأمريكا أعطتهم تعليمات صارمة بأن لا يقتربوا من بشار الأسد أو رجاله أو قصره أو أركان حُكمه أو حتى السجون والمعتقلات، فالاستنزاف نزيف لا يتوقف، وملايين الأطفال والنساء والشهداء والغرقىَ ينبغي أن يكونوا شهودًا على قسوة النظام في انتظار رحمة المحرّرين.
عدة أيام فقط كانت كافية منذ سبع سنوات لوضع حد لنظام بشار الأسد، وفرض شروط خاصة بالحرية والكرامة ولقمة العيش والسلام ومحاربة الطائفية واغلاق كل منافذ الميليشيات الإسلامية، لكن المشاهد متشابهة، في فيتنام وأفغانستان وليبيا والعراق، التدمير أهم من الاطاحة بالطاغية، وإعادة البناء ظاهرها الرحمة، وباطنها استعمار جديد يأكل الأخضر واليابس، على طريقة بول بريمر في أموال نفط العراق.
الرئيس بشار الأسد لم يكن يتحمل من الغرب والشرق وأمريكا ساعة أو بعض الساعة، لكن من قال بأن الساعين إلى السلام يبحثون عنه في أرواح الملايين قبل إرسالها إلى العالم الآخر أو إلى مراكز اللجوء ليتساوى الفلسطينيون والسوريون، فبلفور لم يمُت بعد، ووعده يشمل أرضا وبحرا وأنهارًا أسقطوها بين صفحات كُتب مقدسة، وعلى الذين صنعوا الهولوكوست أن ينسخوه مرات عديدة، كانت يديشية وعبرية، فأصبحت سامية وعربية، وزعموا أننا نضطهد أبناء أعمامنا!
سبع سنوات عجاف ودمويات لم يكن الهدف الرئيس بشار الأسد وأجهزة استخباراته وأمنه ومعتقلاته وسجونه، إنما الشعب السوري الذي كان قد اقترب من الاكتفاء الذاتي، طعاما وتعليما وسلاما، تُحركه الوطنية التي كادت تنتصر في الأسابيع الأولى لربيع دمشق، فتحركت الدنيا كلها، تقريبا، لتضمن للطائفية والداعشية والتدمير مكانا قبل أن ينتصر الشباب كما فعل أشقاؤهم في الإقليم الجنوبي للجمهورية العربية المتحدة خلال ثمانية عشر يوما أنزل الله عليهم رسالة الأنبياء في ميدان التحرير، قبل أن يسرقها العسكر، ثم الاخوان، ثم يستعيدها العسكر.
عندما تُضرَب أو تُهزم الجماهير، توحي إليها السلطة بأنها صمدت، فتلهب حماسها من جديد ولو على جثث أبنائها.
الغرب والشرق والجيران والعرب والمسلمون والأصدقاء .. كلهم دخلوا سوريا أو أدخلوا دواعشهم لتمزيقها قبل التوجه لدمشق.
ليس لدي أدنىَ ثقة في المنظمات الدولية وقرارات نزع السلاح واجتماعات الأمم المتحدة وفيتو مجلس الأمن وتقارير الأسلحة المُحَرمة، المستوردة أصلا من الذين يريدون تحريمها!
كان من مصلحة أعداء سوريا أن يستمر بشار الأسد أطول فترة ممكنة، مثل أسامة بن لادن والقذافي وصدام حسين وعيدي أمين دادا وموجابي وعلي عبد الله صالح وعُمر حسن البشير وحسني مبارك وطنطاوي ومرسي وعشرات غيرهم  من أعداء الشعب، فالحروب لها أسياد، ليسوا بالضرورة هؤلاء الذين نشاهدهم في شرفات قصورهم، فقد يختبئون في مصانع الأسلحة أو في حسابات مصرفية أو في تبييض أموال أو في تجارة المخدرات أو في عمليات الدعوة والتبشير أو في هوامش الكتب المقدسة.
سبع سنوات هي العُمر الافتراضي لكل المدن المحيطة بدمشق، فالأسياد لا يأكلون العاصمة قبل أن يلتهموا القرى والمدن الصغيرة، والأسلحة الكيماوية ليس لديَّ مقياس لتأكيدها أو نفيها، فهي جزء من المشهد القذر.
لا أبريء أي جهة أو أتهم جهة واحدة، فكلنا قتلة ومجرمون وكافرون بالإنسانية وبالعروبة وبالمقدسات.
سبع سنوات جهنمية على سوريا الحبيبة أتخمت باطن الأرض وقاع البحر قبل أن يقرر أشباح الحروب الانتقال إلى بلد آخر بعد أن يستأذنوا تل أبيب!
كل الطواغيت يمثلون حالة فرح لأسياد الحروب، فمن يصنع سلاحا لا يفكر في المال أولا؛ إنما في جسد إنسان سيتم لاحقا توجيه تهمة له ليصبح قتلــُـه من أجل الإنسانية.
حتى لو بقيت في سوريا حبة رمل واحدة وجمجمة طفل شهيد ورائحة ربيع باغته الخريف من حيث لا يدري؛ ستظل سوريا في قلبي ما حييت!
وسلام الله على سوريا.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 20 ابريل 2018


17‏/04‏/2018

أنا لا أستبدل بعصري كل عصور الماضي!


حكايات دقيقة ومفصّلة عن حوارات ونقاشات وإشارات قيل بأنها حدثت منذ مئات أو آلاف الأعوام نتعامل معها في عصرنا الحديث كأنها حدثت البارحة!
الحقيقة أنني لا أريد أن أسرق من عصري وقتا للتأكد من صحة حكايات مات أصحابها وشبعوا موتا منذ قرون.
لا أنكرها كلها، ولا أصدّقها كلها، وبين يدي أونكل جوجل بمليارات المعلومات وأضدادها، آخذ منها ما يستحسنه عقلي، وأترك ما ينتقص من ذهني!
في عصر بلايين المعلومات التي يأتيك بها إصبعك وهو يلمس بخفة الكيبورد قبل أي عفريت من الجن، فأنت مطالـَـب بفصل الغث عن السمين.
لا أتحدث هنا عن المسلمين فقط ولكن عن المسيحيين واليهود والبوذيين والصابئة والهندوس والزرادشت وعن مئات المذاهب والعقائد الأخري، التي تتراكم عليها معلومات لا تعرف مصدرها.
ليس تأكيدا أو تشكيكا، إنما دعوة لاستخدام العقل!
أهين نفسي عندما أستند إلى مصادر هلامية تناقلها علماء وجهلاء، واختلطت بها حقائق وأكاذيب.
أنا، كما قال نجيب محفوظ، ابن عصري، ولا أستبدل به عصرًا آخر ولو كان فيه كل الأنبياء مجتمعين.
لا قداسة لأي أحد في التاريخ الإنساني، ولكن هناك تقدير واحترام ونقد مهذب، والقداسة الوحيدة هي الكتب المقدسة للمؤمنين بها.
إن الذين عبثوا بالتاريخ ضحكوا علينا وهم في أحضان دود الأرض، لذا ينبغي أن نعود إلى عصرنا ولا نرجع القهقري للإنسان البدائي أو لأهل الكهف لنلتمس منهم المعلومة.
لا تجرموا في حق عصركم، ولا تستهينوا ببلايين المعلومات ولو كان أكثرها مخلوطا بأباطيل، فما بين الروايات والكتب العتيقة أضعاف أضعافها أكاذيب.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 17 ابريل 2018  

14‏/04‏/2018

أوهام عراقية الكويت

مقتطفات من كتاب ( أوهام عراقية الكويت) وهو قيد الطبع بقلم محمد عبد المجيد رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

یقول الدكتور طارق الحمداني في كتاب “ الكویت ومحاولات عودتھا إلى العراق”:(إن أول حاكم للكویت كان الشیخ صباح الأول الذي استغل الخلافات الواقعة بین أمراء بني خالد، فأعلن حكمه في الكویت. وعلى أیة حال، فمع أن حُكم صباح الأول قد امتد من 1752 إلى1762 ، إلا أن اسمه لم یكن معروفاً، بدلیل أنه لم یُذكرفي رحلات الرحالة الأوروبیین الذین مروا بالمنطقة في أثناء حكمه مثل ایفيز عام 1755 ، وھذا ما یشیر إلى أن حكمه اعتبر تابعا لحكم بني خالد)!
كعادة الذبن یقرؤون التاریخ من ھوامشه، یخترع الدكتور الحمداني حكایة عدم ذكر مؤرخ بریطاني لاسم الشیخ صباح الأول وقد مر على الكویت في الوقت الذي كان الكویتیون یبنون السور الأول بتوجیھات الشیخ صباح الأول، وكان الحمداني یرید فقط الوصول إلى لصق تلك الفترة بحكم بني خالد.
لا یكتفي الدكتور الحمداني بالغاء اسم أول حاكم للكویت استناداً إلى عدم ذكره في رحلات ایفیز، لكنه یتحدث عن الرحالة نیبور أیضا الذي لم یذكر الشیخ عبدلله بن صباح، رغم أنه كان حاكما منذ عام 1762 إلىعام 1812 وھي فترة ثریة اتخذت فیھا الكویت صورة
الإمارة الواضحة المعالم والسلطة.
استقلالیة القرار الكویتي، نسبیاً، ظھرت في عام 1775 عندما رفض آل الصباح تقدیم المساعدة لمدینة البصرة مما یؤكد أن الكویت كانت مستقلة في حد ذاتھا!
یناقض الدكتور الحمداني نفسه ولا یعرف الفارق بین التبعیة وبین السماح باستغلال قطعة أرض فیقول ( أول أفراد ھذه الأسرة قد وفد إلىَ والي بغداد في أوائل القرن الثامن عشر وطلب منه إفساح المجال لأسرته بالاقامة في ممتلكات الدولة العثمانیة ) أي استئجارقطعة أرض تكون ملاذا لبعض الوقت، فاستنتج الدكتور الحمداني من ھذا أن آل الصباح قبلوا التبعیة العثمانیة!
التاریخ في العالم كله یأتي لنا بنماذج عدة على اقامة رُحَّل أو بدو أو مستوطنین بصفة مؤقتة في مكان حتى تتھیأ الظروف لاستكمال رحلة الاستقرار في الوطن، لكنھا لا تعني قبول التبعیة.
ویقول أیضا: ( إن حُكّام أسرة الصباح كانوا لا یترددون في إعلان تبعیتھم للدولة العثمانیة كلما اضطروا لذلك)!
یبدو أن الدكتور الحمداني لا یمیز بین اللعبة السیاسیة وبین التبعیة الحقیقیة، فمن یضطر للمراوغة كلما تعرض للخطر، ھو أكثر استقلالیة من الذي یقبل الھیمنة الكاملة في كل وقت.
یتحدث الدكتور نزار عبد اللطیف الحدیثي في كتابه المشترك مع الدكتور مصطفى عبد القادر النجار (سقوط التجزئة .. الحقیقة التاریخیة للكویت ) ( اقتطاع جنوب البصرة الذي عرف فیما بعد بالكویت وتحویله إلى دولة ضد كل حقائق التاریخ والجغرافیا وفي جانبھا البشري بوجه خاص)!
خرافة عبثیة تلك التي تصف الجانب البشري بأنه أیضا مقتطع من البصرة، فلیست ھناك أوجه تشابه بشري مطلقا بین البصرة والكویت إلا في مجاملات الساسة عندما تكون الأوضاع ھادئة، ویتحدثون عن أن بلدینا بلد واحد، وأن شعبینا نھلا من تاریخ مشترك
وتجمعنا جغرافیا وحدویة.
الصفات النفسیة والعاطفیة لا یمكن أن تنفصل عن المشاعر الوطنیة تجاه محیطھا، أو ما أطلق علیه شاتوبریان" الوطن الأم"، لھذا صُدم الجنود العراقیون عندما اقتحمت أقدامھم الھمجیة أرض جارتھم الصغیرة؛ فما تم تلقینھم إیاه قبل الغزو بأنھم متوجھون لاستعادة جزء مسلوب من بلدھم كان مختلفاً تماما عن الواقع، وقد ظھر ھذا جلیاً فور رفع أول جندى كویتي سلاحه في وجه جحافل المغول الجدد.

لم یكونوا أشقاء أو جیراناً مسالمین أو أھلا عائدین أو منقذین للكویت، إنما كانوا لصوصاً وقتلة، ولا تربطھم بالكویت أي رابطة وطنیة أو عاطفیة.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج

06‏/04‏/2018

إنهم يغتصبون الينايريين!




لن أتوقف عن بث أوجاع وأحزان شهداء ثورة يناير ومُصابيها ومعتقليها، وأضع أصابعي في عيني كل من ينكرها أو يتهمها بأنها ثورة عبرية أو يُحَمِّل الشباب الغاضب الطاهر في الأيام الأولى التي سبقت رفع الأحذية في وجه المجرم الطاغية مبارك خطيئة انحراف نتائج الثورة أو سرقتها.
من كان منكم يظن أن أباه أو أمه أو شقيقه أو صديقه أو حبيبته كانوا صهاينة ولصوصا ونشالين ومتحرشين وقاتلين تسللوا وسط عشرات الملايين في كل شبر من أرض مصر الثائرة، فهذا شأنه.

البلطجية واللصوص كانوا إسلاميين وجنود جيش وشرطة وحزبيين وخارجين من رحم السلام العبري، أما أبناؤنا وبناتنا الذين ناموا تحت الدبابات، وقنص الأوساخ عيونهم، وألقى أوغاد السلطة جثث بعضهم في القمامة فلم يكونوا أكثر من ملائكة، بل كانوا أنبياء من الله لم تتنزل عليهم رسالة.

كل الموضوعات والقضايا والثورات تستطيع أن تنظر إليها من الأمام ومن الخلف، من عيون الشيطان ومن أرواح الملائكة، إلا ثورة شباب يناير، ثم شعب بمسنيه ونسائه وأطفاله ومعاقيه كانوا يغطون بأجسادهم تراب مصر من أسوانها إلى ثغرها.
أعمى البصر فقط هو الذي لم ير أهله في الثورة ولو كانوا في بيوتهم، وأعمى البصيرة هو الذي يشتاق لكرباج مبارك، وثلاثين عاما من الذل والقهر.
ربع مليون مصري مروا على سجون المجرم لربع قرن، وشهدت السجون والتخشيبات جرائم اغتصاب وصل بعضها إلى اغتصاب المصري أمام زوجته وأبنائه.
ثم نسي المصريون، وتناسىَ الكوهينيون أن الثورة العظيمة لم تكن مؤامرة، ولم يتلق الشعب الأوامر من قوى الاستعمار، ولم يعرف أبناؤنا الطريق إلى تل أبيب للحصول على مرتباتهم.

في نفسي غضب يعادل غضب آباء وأمهات الشباب وهم يشاهدون كشوف العذرية حيث جثث أولادهم في صناديق القمامة.
في نفسي غضب على كل من لم تحركه نزعة حب لله وللحق وللوطن، واتهم الشهداء بأنهم عبريون ولصوص.
كل الأشياء قابلة للنقاش إلا ثورة يناير، فمن يجادل فيها ليثبت أنها مدسوسة على المصريين هو جاهل وحاقد ووضيع وكاره لمصر وحريتها وعاشق للصوصها ومغرم بسادييها.

أنا على أتم الاستعداد لأناقش أقدس القضايا الدينية والوطنية والاجتماعية إلا تلك الأيام الخالدات التي تنفست فيها مصر بروح خمسة آلاف عام، وانبهرت شعوب الدنيا بهؤلاء الفراعنة الصغار.
كلنا ينايريون ولو لثمانية عشر يوما فقط، فهي أيام الشرف المصري.

كلنا تلك الثمانية عشر يوما التي كان المسلمون يتوضأون في الكنائس القريبة، وكان أشقاؤهم الأقباط يتصدرون بصدورهم لرصاص الشرطة والجيش وبلطجية النظام والجماعات الدينية حتى ينتهي الشباب المسلم من صلاة الهلال في حماية الصليب.
كل مشهد في أيام الثورة كان تجسيدا لجَنة الخُلد رغم اختصارها لأيام معدودات.
أتقبل أي رأي مخالف في وطني وديني وأفكاري وحياتي إلا صبّ اللعنات على شباب ثورة 25 يناير.
ورب الكون العظيم لو لم ينهض شباب مصر في ثورة الخلود لكان مبارك والعادلي وطنطاوي والاخوان والسلفيون واللصوص والبلطجية قد اغتصبوا المصريين كلهم، فردًا .. فردًا.

أنتم مدينون لشباب الثورة ببكارتكم وحياتكم وطهارة أبنائكم وعذرية بناتكم، فتوقفوا، من فضلكم، عن الندم الوضيع، والرغبة المازوخية أن يعود مبارك ورجاله ليعيدوا مشهد ثلاثين عاما أنهاها أبناؤكم، فغضبتم عليهم.
في صدري حزن وغضب وجمرات نار على من يتهم شعبـــًــا استجاب لأبنائه فخرج ضد طاغية ملعون.

من أراد أن يُغتــَـصَب للمرة المئة فليبحث عن رجال مبارك وطنطاوي والعادلي فهم في حماية القضاء، وتبرئتهم جاءت في صراع إبليس مصري مع الله.
من فضلكم، توبوا، واغتسلوا بالدموع، وصلــّـوا في مساجدكم وكنائسكم ليشفع لكم أبناؤكم الشهداء في خطيئتكم الكبرى.
اذهبوا للأوغاد واسألوهم عن سبب عدم قنص عيون أولادكم!
من أجل شهداء الوطن، لا تجعل هذا المقال يقف عندك.
انسخه كما هو، وابعثه لكل مصري ما يزال ميدان التحرير ساكنـًـا قلبه.

شكرًا لأن الدموع سقطت من عينيك!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج

04‏/04‏/2018

الجبناء خط الدفاع الأول!


إذا أردتَ أن تصنعَ طاغية فينبغي أنْ تستعين بالجبناء، كل في مجاله؛ الإعلام والقضاء والجيش والشرطة ورجال الدين والأحزاب والبرلمان ورجال الاعمال والدبلوماسيين.
الخطوة الثانية هي فتح باب الفساد لهم بكل ما فيه من إغراءات مادية وسلطوية، فالطاغية يحب أن يوحي لخـــَـدَمـِـه أنهم أيضا طغاة صغار، يكبرون إذا تعاملوا مع الجماهير، ويتقزمون إذا اقتربوا من سيد القصر.

الخطوة الثالثة تأتي تلقائيا من خلال الاحتياج اليومي لكفّ الطاغية على القفا، سواء كان حقيقة أو خيالا يخاف من خياله.
الخطوة الرابعة هي التنزيه عن أي خطأ، أعني القداسة في كل شيء حتى لو كان الطاغية في المرحاض يتغوط أو يتبول، ولك أن تتصور عشرات من المستبدين والطغاة الملاعين في العالم برمته وهم لا يستطيعون رفع أيديهم لأفواههم لدى تناولهم الطعام، أو النزول أو الصعود أو الحديث أو الاستشهاد بآية من القرآن المجيد أو من الكتاب المقدس.
الخطوة الخامسة والأخيرة هي صناعة كتيبة من المبررين أصحاب القلم في الصحافة المكتوبة أو اللسان في الفضائيات، وأكثرهم من ذرية إبليس. هكذا صنع جوبلز نازيين قساة يكذبون ليلا ونهارًا حتى يصدق الخائفون أن الفوهرر يختبيء تحت الفراش.
لقد برر إعلام جمهورية أفريقيا الوسطىَ أكل الرئيس جان بيدل بوكاسا لتلاميذ المدارس الثانوية الذين اعترضوا على حُكمه.
الإعلاميون المبررون يظهرون فور صعود الطاغية على أكتاف الجماهير.
الطاغية يصنع .. الطاغية يُصنَع، وفي الحالتين فإن الجبناء هم خط الدفاع الأول.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو 

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...