23‏/01‏/2018

كلنا في الانتخابات أصفار!


كثير من الشعوب تفضل أن تكون أصفارًا متراصة أو مركبة عن اليسار، ففي هذه الحالة تأمن شرَّ السلطة، ولا تشاهد أنياب الأسياد، وتضمن المرور بأمان أمام قسم الشرطة.
عرفت كثيرين اختاروا التقزيم والتحجيم والتصغير لئلا يراهم الزعيم من شرفة قصره، ثم جاء الإعلام ليعملق الصفر ويجعله الرقم الأكبر؛ فالجماهير هي التي تتسيد، وتحكم، وتحاكم، وتؤمن، وتزاوج الدين والسياسة ليتحولا إلى لعبة الثلاث ورقات.
الزعيم لا يحتاج طوال الوقت إلى الهراوة أو العصا أو السوط؛ فالجماهير تحتفظ بها تحت سروالها لتخيف نفسها، لا لتدافع عن حقوقها.
إذا تحالف القضاء والإعلام والسلطة التشريعية ورجال الدين فإن إبليس يرفع قبعته من فوق قرنيه مهنئا على (لأغوينهم أجمعين)، فيجلس واضعا ساق فوق ساق فقد تبرعت الجماهير بالإرشاد عن المساق.
إذا أقنعتَ الجمهورَ أنه ليس حمارًا فقد وقعتَ في مأزق لا قـِـبَل لك به؛ فالجماهير ستحتج، وتتبرم، وتغضب لأنك أهنتها في أسفارها التي تحملها راغبة فيها و.. ليس عنها.
في ذروة الحملات الانتخابية في العالم الثالث يتقلص حجم المخ، ويتراجع العقل، ويضمر الفكر فالبقاء للسان والبطن و .. قِرَدة الإعلام.
أنت لا تحتاج للتزوير والغش والتزييف لتحصل على نتائج خطط لها إبليسُك؛ فيكفي أن تمسك كتابك المقدس وترهب به المقترعين فيرقص الصندوقُ فرحــًــا بالنتيجة قبل ظهورها بوقت طويل.
قبيل التوجه للجان الاقتراع أو الاستفتاء سيدهشك أنَّ الأخبار التلفزيونية والصحف والمانشيتات واليافطات كلها، تقريبــًــا، معجونة بلعاب الشيطان، ومع ذلك فأكثر الإعلاميين تزداد حساباتهم في المصارف، ويصبح الحرامُ حلالًا، ويرفع المرتشون شعاراتِ حب وغزل وعشق في وطن تركوه خلف ظهورهم أو تحت أحذيتهم.
قبيل حملات الانتخابات يلتصق كفُّ السلطة بقفا المواطن دون أن يلمسه، وبعد الخروج من اللجنة يعرف المسكين إنْ كان قفاه قد التهب أو .. تداوىَ.
في خضم حملات الاختيار الأعمىَ تظن الجماهير أن بصرها أصبح حديدًا، وأن كل تذكرة انتخاب مرفق بها نسخة من زرقاء اليمامة، والحقيقة أنها الفترة الأكثر وضوحا لانتشار وسطوع وسطوة الحماقة.
في كثير من الأحيان تختار الجماهير بين المرشح الوحيد وبين خياله؛ وفي الحالتين تتوهم أنها كانت حرة في الاختيار، وتشكر الله والوطن والسيد على إتاحة الفرصة لها ليظهر شبحُها قبل أنْ يختفي بعد الانتخابات تحت حذاء السيد.
سوق عكاظ الانتخابي يحتشد فيها الأغبياء لإثبات ذكائهم، وعندما يــَـنـْـفضّ يلطم الأذكياء وجوههم على غبائهم.
برامح التوك شو تقوم باختيار الهازم والمهزوم، ويدير اللعبةَ محنك محترف أو أبله ضعيف، لكن النتيجة معروفة مسبقا، وموضوعة في مظروف صغير به عملة خضراء ليس عليها للأسف صورة ترامب أو إيفانكا رغم أن الأول كابوس الجماهير والثانية حلمها تحت الوسادة الخالية.
أحمق الحمقىَ من يسألك: هل أذهب لأعطي صوتي أم لأمتدح في سوطه؛ وهنا تمر في مخيلته كل الزنزانات الموجودة في أقبية تحت الأراضي التي قال له عنها السيد أنها مباركة، فيذهب في عملية تنويم مغناطيسي، سياسي أو ديني، ويضع إبهامه في الحبر الأزرق عكس رغبته في أن يضع الإصبع الأوسط في الحبر الأحمر.
قرّب أُذنيك من متحاوريّن عن الانتخابات القادمة في أي مكان؛ لن تسمع صهيل الخيل، إنما لهيب الانتقام من الآخر المخالف والمختلف.
لو تم إنفاق أموال الانتخابات على الفقراء والمتسولين والمرضىَ والأطفال لأعلن إبليس هزيمته أمام الجماهير الواعية.
يعلن المرشَح عن رغبته في تلبية رغبات الجماهير في مشروعات عملاقة وخطوط سكك حديدية وتصدير الغاز، لكنه لا يُذكّر الجماهير بالمستشفيات والمدارس والمعلمين ومراكز الأبحاث وتحلية مياه البحر والعلاج المجاني للأطفال و.. القضاء العادل.
ستذهب الجماهير إلى حديقة الحيوانات لتشاهد جبلاية القرود وتراها تقفز وتلعب وتعطيها مؤخرتها الحمراء، ثم تطلب منها قشرة موز ووضع علامة معروفة مُسبقا على تذكرة الانتخاب.
السيد العبقري في العالم الثالث هو الذي يختار أفضل الكفاءات من شباب المستقبل، ويسابق بالنساء الرجال، ويحارب التطرف الديني في كل مناحي الحياة، ويصنع السعادة قبل العدالة، والسكن قبل الطعام، والكرامة قبل صندوق الانتخاب.
صناديق الانتخاب في مشرقنا العربي فشلت وسحلها القصر، من السودان والعراق وسوريا ومصر والجزائر وغزة والضفة الغربية، فالجماهير التي تأكل هتافات تجوع قبل انبلاج فجر اليوم التالي.
لست مع الانتخابات أو ضدها؛ لكنني مع مركز للعلاج وللأبحاث العلمية وللعدالة وللمساواة ولحقوق المرأة ولسعادة الطفل وللمشروعات المفيدة والمثمرة وللمواطن المكرم.
لست مع انتخابات يُذكــَـر فيها الدين لأنها فرصة الشياطين لخداع الساذجين، الدين وعي وعظمة ورسالة سماوية فإذا وضعه الإنسان على لسانه فقد تحول إلى تضليل وغش وإرهاب.
كل قرش يُنفــَـق على الانتخابات في العالم الثالث يُشوَىَ به جسد الحاكم في نار جهنم إذا كان يعرف مسبقا أنه ناجح رغم أنف الجماهير.
لا أدعو إلى المقاطعة أو الهرولة، لكنني أدعو إلى البحث عن العقل الغائب أو المقتول أو ..   المجهول.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 23 يناير 2018

22‏/12‏/2017

البحث عن مصر!


البحث عن مصر!

لماذا اختفت في مصر المشاعر الوطنية الجياشة والتي ظهرت خلال 18 يوما في ثورة يناير ثم نامت مرة أخرىَ؟
لو أنني نشرت كليب غنائي أو قصيدة ثورية وطنية كانت تحرك الملايين فلن تحرك الآن شعرة من موضعها؟
هل ثورة شبابنا أخذت معها روح المصريين و .. رحلت؟

لماذا لم يعد المصري قادرًا على شحن قلبه وعقله وصدره ونفسه بعواصف الغضب ضد الظلم والقهر والوجع والألم والفقر والذُل والمهانة والقمع والكبــت؟
كيف سُرقت الحياة من شعبنا وتُركت الأجساد تتحرك وتأكل وتشرب وتُضرَب وتُعذَب وتُسرَق وتُنهَب، ثم تصمت وتخرس وتخيّط شفتيها، وتسدّ أذنيها وتُغمض عينيها؟

ماذا حدث في النفس المصرية خلال سنواتٍ سبع كان يمكن أن ترفعنا لسماوات سبع فخسفت بنا للأرض السابعة؟

فلنكن صرحاء!
لماذا لجأنا إلى البلادة والتناحة والبرود والجمود وقد كنا على مشارف صناعة الأرض الجديدة، وانطلقت مصر بالثورة والغناء والموسيقى والتنوير والتسامح القبطي/الإسلامي والإرادة ونضجَ شبابُها ثلاثين عاما في عدة أيام، وأدهشنا الدنيا، وخرج فلذات أكبادنا إلى الشوارع ينظفونها، وإلى الفنون يمنحونها ثراءً لم تعرف مثله من قبل؟

لماذا قام شباب مصر بتسليمها إلى اللصوص والنهّابين والمجرمين والحشاشين والوصوليين والغشاشين والكذابين والكوهينيين والطائفيين والمزايدين في الدين والوطنية؟
لماذا وافق كل رؤساء مصر بعد الثورة الينايرية المباركة على مدّ الروح في إعلام صرصاري، متخلف، أحمق، غوغائي، جاهل، متطرف تبدو القردة أمامه كأنها قمة التطور والتحضر والتمدن؟

لماذا تحولت مواقع التواصل الاجتماعي القادرة على القيام بثورة مرة في كل يوم إلى حالة جُبن وخوف ورعشة وتردد وتراجع فلم تعد مجتمعة قادرة على تخويف فأر ميّت أو أرنب مريض أو .. ضفدع يحتضر؟
ماذا حدث في النفس المصرية فخلط فيها الدين والسياسة والطائفية والعسكرية والمباركية والطنطاوية والمرسية والسيساوية فتكون من هذا الخليط موكب يخاف من ظله، ويخشى هراوة رجل أمن نائم أو متلصص أعمىَ؟

كل دول الجوار قادرة على أن تلتهم جزءًا من أرض الكنانة وستجد مئة تبرير وأعذار كأننا وضعنا كل طاقاتنا وإيماننا ووطننا وتاريخنا وتراثنا وحضارتنا بين يدين تصفّقان للحاكم قبل النوم و.. بعد الاستيقاظ!
الحاكم لا يحتاج للعصا ليهش بها علينا، فكل واحد منا يمسك عصاه ويهوي بها فوق ظهر ابن بلده لأنه يختلف معه فكريا ودينيا ومذهبيا وأيديولوجيا وطبقيا.

نحن نحتاح لملايين من علماء النفس لتشريح الشخصية المصرية ما بعد يناير، وتصفية الشوائب منها، وتطهير النفوس التي تعجّ بكراهية الآخر والصديق والجار والقريب والبعيد والمغترب والمهاجر.
فقدنا الصبر على المتابعة والقراءة والتحليل والتصويب والمعلوماتية وحمل سلاح المعرفة في هموم وقضايا الوطن.
فقدنا الثقة في الجبة والقفطان واليونيفورم والزببية واللحية والنقاب والنسر والصقر والنجمة، ما عدا النجمة السداسية فهي على الأبواب.

فقدنا الثقة في التفويض والوعود والبيانات والبرلمان والرئاسة والوزراء والمحافظين.
فقدنا الثقة في التخطيط الجيد والإداري وفي نقطة ضوء في نهاية نفق التعليم والعلاج والدواء والأسعار والعدالة والثقافة.
فقدنا القدرة على الأحكام الصائبة ويمكن لأي حمار أن يُقدّم مشروعا أو يشرح فكرة أو يمسك بالميكروفون أو يخترع علاجا لفيروس فتهلل له الدولة وينسحب المتخصصون والعلماء والمكتشفون والمخترعون.

فقدنا القدرة على جعل الدين من أجل الدنيا فرحبنا به للآخرة فقط، ولا مانع من جعل أجهل الدعاة بديلا للمعامل ومعاهد البحث العلمي واكتشافات الفضاء، فالدرويش قبل الأكاديمي، والعطار فوق الصيدلاني، والعُشْْبي يتفوّق على الطبيب.
فقدنا القدرة على التعايش اليساري في أحضان اليميني، والمسلم في الكنيسة والقبطي في المسجد والمواطن بغير خانة الديانة.
فقدنا القدرة على إقناع الذي فوضنا أن يفرج عن أبنائنا وأشقائنا وآبائنا وزملائنا المحرومين من حق الحياة ومن العدالة، فألقي بهم في أقبية السجون، وصاحبُ الأمر الأول والأخير يؤمن ويعتقد ويظن أننا جميعا ولاد كلب، يسجن من يشاء، ويعذب من يشاء، ويفرج عمن يريد.

فقدنا القدرة على النباح الإنساني كالكلاب النبيلة، والصراخ، والزعيق، واللطم، والبكاء فلو زفرنا لطار القصر، ولو شهقنا لابتلعنا الفاسدين كلهم.
فقدنا القدرة على استنساخ زعامة وقيادة ورئاسة من خلال انتخابات نزيهة وغير معروفة نتائجها مسبقا، فحدث العكس وتم تعييننا في مهمة خدم وعبيد ترشح المرشح قبل أن يفكر بنفسه في تجديد ولاية رفضها عندما كان داخل الملابس العسكرية، فلما تدفأت مؤخرته بكرسي العرش طالبناه، قبل أن يطلب، بفترة ثانية وثالثة وعاشرة حتى يكبر أحفاد الينايريين.

فقدنا القدرة على مقياس الوطنية، وكل من يرفع سبّابته ووسطاه ويهلل بتحيا مصر يصبح في جانب الرئاسة حتى لو كان قوادًا أو حشاشا أو لصا أو مهربا.
فقدنا القدرة على الشجاعة الأدبية والأخلاقية والإنسانية والوطنية التي تجعل المواطن يضع أصابعه في عين الحاكم إذا كذب أو فشل أو تحايل أو أساء اختيار المسؤولين.
فقدنا القدرة على الإيمان بالقلم وما يسطرون، والكلمة وما يكتبون، وصبر أيوبنا يغشى عليه في السطر الثالث فنحن في دولة ترفع الجاهل والفاشل والفاسد والمدّاح والأفـّاق والأفـّاك حتى لو أراد أن يصبح إعلاميا أو مربيا أو محافظا أو برلمانيا أو مستشارًا.

فقدنا القدرة على تحمل محاسبة مواطن لرئيسه، فالسُخرة ليست فقط في بناء الأهرامات أو شق النيل، لكنها ركوع النفس الضعيفة وسجودها الضمني للكبار مقابل العيش في سلام خادع.
لأكثر من أربعين عامـًـا وأنا أقنع جهازي العصبي بالخمود والجمود طمعا في الخلود، فإذا به ينفجر ليؤكد للضمير أنني مازلت حيــًــا.

يقولون لي: لماذا تكتب وأنت تعلم أن قارئيك يتراجعون عددا واهتماما ومتابعة؟ وأرد بأنني أكتب لآخر شخص يقرأ لي حتى يموت أحدنا.
ليست مهمتي إيقاظ الملايين؛ إنما إقناع واحد فقط أن مصر بخير، وأنه، أي هذا الواحد، بداية نبتة يتيمة حتى لو ذهبت الرياح بكل نباتات الأرض.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 22 ديسمبر 2017
Taeralshmal@gmail.com

18‏/12‏/2017

اليوم عــيــد!

اليوم عــيــد!
اليوم 18 ديسمبر هو يوم الاحتفال باللغة العربية، إحدى أهم وأقدم وأغنىَ اللغات.
واللغة العربية كائن حيّ، إذا أحببتها بادَلـتك حبــاً بحُبٍّ، وإذا تــَــغـَـزلتَ فيها غــَـزَلـَتْ لك حروفــَـها كأنها لآلــيءُ حول الاثنين معاً: عنقك و.. لسانك!

إنها لا تطلب منك أن تكون لها وحدها، فهي تــَـقــْـبـَـلك عاشقا لها ومــُـحـِـبــّاً لغيرها، ولا تعتبر وجودك في أحضان لغة أخرى خيانة، فقد تكتب بالفرنسية أو الانجليزية أو الإسبانية أو الأمهرية أو الكردية أو الأردية، فلا تشعر هــي بالغيرة لأن من يحب تلك الضاد يعود إليها ولو اعوجّ لسانه بعدة لغات.
والعربية تخفي في أحشائها موسيقى، وفي شــِـعـْـرِها أنغاماً، وفي قواعدها سُلــَّـماً موسيقياً إذا دَرَسته، ضاعفتْ اللغةُ لك قدرتــَـك علىَ استدعاء الكلمات.
إنها لا تطلب منك أكثر من اشراك الكتاب معك في حبــّــِك إياها، فإذا قرأت كل يوم بها فقد أنعـَمَت عليك بثرائها، وأغدقتْ علىَ أسلوبك كلمات يعجز عن الإتيان بها المُعجم أو قواميس الأسلاف مجتمعة.
وجمالها في أنها تتركك تصنع من حروفها ما يروق لك شريطة أنْ لا تصدم الذوق اللساني أو السمعي بـجــَـرسٍ يمزق الأوتارَ قبل العــَـزْف، ويخدش الحبال الصوتية بعد تركيب أيّ جملة.

لغتنا الساحرة تقاوم الاستعمار الثقافي واللساني والفكري، وإذا كان عدوها قويا، وخصمها عنيداً، اختبأتْ لردح من الزمن ثم تعود مرة أخرى، وتعيد الروحَ لصاحبها.
فيها من كلمات السماء ما يملأ الأرض، فإذا كان القرآن الكريم يمثل بها معجزة، فترجمة الكتاب المقدس من أي لغة من لغات الأرض إلى العربية يجد الروح في انتظاره على أحرّ من جمر، فتقرأ للمسيح، عليه السلام، كلمات سامية في التسامح والمحبــة ولا تصَدِّق أنها كانت بالآرامية أو العبرية أو الكنعانية أو اليونانية فعبقرية لغتنا أنها لا تصبح ترجمة بعد اللغة، أو لغة بعد الترجمة ،إنما تتحول إلى كائن حــيّ، إذا تنفسْت أمامها فقد وقعت في غرامها، وإذا تنفسـَـت هي أمامك فقد خلقتك من جديد.

أغيرُ عليها من ألسن عجاف إذا تحدثت بها جرحتها، وإذا كتبت بها اغتالتها، وإذا مرَّت علىَ نحوها أنحته، وإذا لمستْ قواعدَها أقعدتها، وإذا مســَّـتْ صرفــَـها صرفته!
لو كان الأمر بيدي لجعلت كل يوم هو يوم عيد للغتنا، وكل عيد نـُـعيــد تنظيف ما علـَـق بها من تعبيرات الغوغاء الذين يمرمطون بها الأثير، ويلوثون الفضائيات وهم يتشاتمون بها، ويتقاتلون ببيانها، ويمتدحون الطغاة بتركيباتها فيسعد القصر، ويبكي الكوخ.
لغتنا البديعة هي الأسرع في الوصول إلى السماء، وإذا دعوت بها فقد غنـَّـيـّـت أو تـَـلوت أو جوّدت أو.. صليـّـت.

ومن سحرها أنها لم تفرّق بين الرب والله، بين "الآمين" المسجدية و"الآمين" الكنسية، وكانت قادرة على الولادة لمئات الأعوام ، فإذا عاد المتنبي أو البحتري أو امرؤ القيس واستضافته فضائية ثقافية غيرُ ذات عوج، فلا يدري المرءُ إنْ كان الضيفُ أبا تمام أم الأخطل الصغير!
لــغتنا الجميلة،
هل تسمحين لي بطبع قــُــبلة على وجهك لعلَّ لساني يتطهر من أي نشوز حــَـرْفيٍّ مرَّ عليه و.. لم يغادره؟

كل الأعياد تمر وننساها، أما عيد اللغة العربية فلا نستطيع أن ننساه لأنه متعلق بالروح .. أعني بالحياة .. أقصد بجمال الوجود.

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير طائر الشمال
أوسلو النرويج

14‏/12‏/2017

وداعــًــا مونتبلــّــو!

وداعــًــا مونتبلــّــو!

يوم الأحد الماضي، 10 ديسمبر 2017، كان اليوم الرابع والأخير من عرض الفيلم النرويجي الموسيقي          Adjø Montebello  وداعا مونتبلــّـو.
بعد عشرين عاما من الغناء معا، مجدي ابني وشيراك زميله وهو نرويجي من أصل هندي ( كلاهما 33 عاما ومن مواليد أوسلو )، وبعد نجاح مبهر جعلهما صاحبا أشهر فرقة نرويجية في موسيقى الراب، وعشرات الأغاني والجوائز ومئات الأحاديث الصحفية والتلفزيونية ومعارك لا حصر لها على صفحات الصحف النرويجية، من رئيسة الوزراء التي وصفها مجدي بالجُبن لأنها أرسلت خطاب تعزية لرئيس الوزراء الاسرائيلي ووصفت آريل شارون بأنه رجل دولة من الطراز الأول، إلى وزير العدل الأسبق في قضية اللاجئين، ومن هجوم الصحافة الإسرائيلية على الفرقة إلى غضب المسلمين لأن مجدي خلط الموسيقى ( باسم الله)، ومن الجماعات العنصرية التي كان لها نصيب الأسد من انتقاد أغاني الفرقة الموسيقية لها إلى الأثرياء الذين زعموا أن الأغاني تسخر من الرجل الأبيض الثري في المنطقة الغربية من أوسلو.
الفرقة الوحيدة التي غنت باللغة النرويجية في حفل توزيع جائزة نوبل للسلام، والمرة الوحيدة التي يغني فيها مسلم في كنيسة بحضور القيادات الكنسية وأعضاء الحكومة وذلك لتهدئة المشاعر بعد مذبحة 22 يوليو 2011 التي قتل فيها شاب نرويجي يميني متطرف أكثر من سبعين من شباب حزب العمال.
مجدي وشيراك يغنيان للمضطَهَدين والأجانب والأقليات والتسامح بين الأديان ولبلدهما النرويج وللثورات وللمرأة، وريع كثير من حفلاتهما تذهب إلى منظمات حقوق الإنسان والصليب الأحمر وغيرها.
في السنوات العشر الأخيرة لا يخلو حفل توزيع جائزة موسيقية منهما على رأس الحاصلين عليها، وهي الفرقة الوحيدة التي ملأت أكبر قاعة للموسيقى لثلاث حفلات في ثلاثة أيام متتالية.
عندما زادت العنصرية طلب الملك من مجدي أن يغني للتسامح؛ فبكت النرويج كلها بعدما تم نصب شاشات عرض ضخمة في بعض الميادين.
بعد نجاح يقترب من عامه العشرين قررا إنتاج وتمثيل فيلم موسيقي وثائقي يرسل رسائل للشباب في كل قضايا الوطن، ولم ينس مجدي قضايا الوطن الأم لوالده.
الفيلم هو وداعا مونتبلو، أي اللمسات الأخيرة لأغاني مونتبلو عن الأجانب والمسلمين والأثرياء والبطالة وخادمات المنازل من الدول الآسيوية والخمر والجنس والضمان الاجتماعي وألاعيب السياسيين والنفاق الديني لأقليات إسلامية استغلت تسامح المجتمع النرويجي.
كل أغنية هي نوع من التحدي الذي يسبب مشاكل وصداعا ويدخل في المعركة الإعلاميون المتفهمون فضلا عن العنصريين.
كان الفيلم هو التحدي الأكبر وتم تصويره هنا في النرويج، والمشاهد الأخيرة في جُزر البهاماس حيث يسترخي غاسلو الأموال وسط النساء والمال واليخوت والشواطيء وأموال سرقوها.
رمز جميع أغاني الألبوم هو الخنزير حيث يفهم كل شخص المقصد وفقا لهواه، فالخنزير طيب، وشرير، ونظيف، وهو يسبح في البحر في البهاماس، وقذر، وهو تبييض الأموال، والسياسي المتلاعب، والأحمق الصامت، وهو رجل الشرطة، والمتدين المنافق و  ...
أكثر مشاهد الفيلم من حفل أوسلو سبكتريم الأخير في أغسطس 2017 لثلاثة أيام وهي المرة الثانية التي تملأ الفرقة القاعة كما فعلت في مارس 2013، فضلا عن أغنيات جديدة ومشاهد تمثيلية .
المفاجأة كانت عندما تم الإعلان عن عرض الفيلم قبل موعده بشهر تقريبا فقد صرحت مديرة ( أفلام دول الشمال) بأنها لم تشاهد في حياتها هذا الإقبال المجنون حتى أن نظام كمبيوتر الحجز سقط تماما، فأكثر من مئة وخمسين دار عرض سينمائية فتحت شباك الحجز الالكتروني، وبعض المدن بيعت التذاكر في أقل من ربع الساعة. وأكملت المديرة: حتى فيلم حرب النجوم الأمريكي لم يحقق هذا الإقبال.
عُرض الفيلم في كل مدن النرويج من السابع إلى العاشر من هذا الشهر، أي أربعة أيام ، وبعض دور العرض كانت تعرضه عدة مرات في اليوم في صالة خالية من أي مكان خالٍ! الفيلم يعرض الكترونيا بعدما انتهت الأيام الأربعة.
سافر مجدي وشيراك طوال أربعة أيام لتقديم الفيلم قبل بدء العرض بالشرح والتحليل وتفسير الغموض وشُكر الحاضرين( في حوالي عشرة دورعرض كل يوم).
ردود الأفعال، خاصة بين الشباب، كانت أكبر من المتوقع ولم تتم ترجمة الأغاني إلى من النرويجية إلى الانجليزية بعد، ولكن النية منعقدة على ترجمتها لفتح الأبواب أمامهما لجائزة الأوسكار في أمريكا أو مهرجان كان أو برلين.
الفيلم للأسف الشديد ليس مناسبا للعالم العربي والإسلامي لأنه كما يقول مجدي: في العالم القادم منه أبي، لا يغضبون إذا قتل متطرفٌ إنسانــًـا مُسالمـًا، لكنهم ينتفضون للدفاع عن النقاب!
مجدي وشيراك أصبحا ظاهرة مبدعة ومحيّرة؛ لم تصل إليها فرقة موسيقية في تاريخ النرويج، ومع ذلك فتزيدهما الأيام تواضعا لا فرق في الحديث إلى وزير أو تلميذ في الابتدائي، ولا يختالان فرحا، ولا يتحدثان عن نفسيهما إلا للضرورة الإعلامية.
لديه وفاء عجيب للأقربين من أسرته كالأبعدين تماما، ونحتار أحيانا عمن يكون الأقرب إليه فنجد أننا على مسافة واحدة.
احتجّت إسرائيل لأن مجدي استخدم كلمة يهودي في أغنية وأيضا في فيلم يرمز إليه الخنزير، فقال مجدي بأنه المسلم الوحيد الذي غنى في معبد يهودي وآخر بوذي وثالث هندوسي وكنيسة ومسجد، وأن والده مصري عربي من الساميين، وأنه لا يفرّق بين الناس حسب معتقداتهم رغم أنه يرىَ إسرائيل دولة معتدية وتحتل أرض الفلسطينيين.
في التاسعة من عمره قال لوالدته بأنه تعلم أن يقاطع إسرائيل منذ مولده حتى آخر يوم في حياته، ولم ينكث الوعد، أطال اللهُ في عُمره.
في الثامنة من عُمره جاءني معاتبا: هل توقفت عن مقاطعة اسرائيل؟ قلت له: لم ولن أتوقف. قال: انظر جيدا إلى المزمار الصغير الذي اشتريته لي وستجد اسم اسرائيل مكتوب بخط صغير وغير واضح، ولكن عليك أن تنتبه جيدا عندما تشتري لي أي شيء!
لا يغني للكبار فقد طلبت منه مرة بناءً على رجاء من زميلة أن يكتب كلمات أغنية للملك ويغنيها في حفل خاص؛ فسألني: إن كان هذا مهما لك فسأفعل! فقلت: ليس مهما؛ فردَّ: وأنا لا أغني للملوك!
ساعدني مرة في حمل كنبة من محل للأثاث، وفي الطريق اكتشفتُ أن لديه موعدًا مع رئيس الوزراء السابق ( سكرتير عام حلف الناتو حاليا) ولم تبق أكثر من عشر دقائق. طلبت منه أن يذهب لموعده، فرد قائلا: أبي أهم من رئيس الوزراء، فعلى الأخير أن ينتظر!
في أغنيته في الكنيسة بدأها بأنا مسلم، وزميلي هندوسي، وفي الفرقة مسيحيون ولا دينيون، لكن تجمعنا الإنسانية وحب بلدنا النرويج.
لو خُلق التسامح رجلا لكان مجدي، وهو أب لثلاثة ملائكة وعفاريت صغار! يؤدي دوره الأبوي كأنه رسالة سماوية ولا يسرق من وقتهم دقيقة حتى لو كانت لي!
يعامل زوجته كأنها أميرة لم تسقط الملعقة الذهبية من فمها، وهي بالتالي تُربي أولادهما الأشقياء تربية سليمة، رغم أن مجدي قد يعود من سفرٍ أو حفلة أو غناءٍ مرهق، ثم يبدأ في المساعدة في البيت وتنظيف الحديقة وتركيب الدواليب وتغيير ملابس الأطفال والقراءة لهم.
لم يتحدث ولو مرة واحدة طوال حياته بكلمة سيئة عن أي دين أو أتباعه.
عندما عُرض عليه أن يكون سفيرا لليونسيف رفض خوفا من أن هذا المنصب الشرَفي سيمنعه من الغناء ضد الطغاة في أفريقيا وآسيا ( خاصة زيمبابوي )، ورفض الغناء لمحلات ماكدونالدز بمبلغ كبيرلأنها تقدّم للأطفال طعاما يؤذي أمعاءهم، ورفض الغناء أول مرة في الثانوية العامة وقال للمديرة: معذرة فالطلاب في مدرستي لا يفهمون إلا لغة الأغنياء، ونحن نغني للفقراء، وألغى حفلا لأن مهندس الصوت لم يكن محترفا.
تعلم ركوب الأمواج في مدرسة بكوستاريكا مع اللغة الإسبانية، وقوته في لغته النرويجية ويتحدث العربية والنرويجية مع أولاده ولغته الانجليزية مبدعة وفرنسيته سيئة، وماهر في الكيكبوكسينج والسباحة وأفشل لاعب كرة قدم في النرويج كوالده تماما وشقيقه الأصغر ناصر، ودرس الفلسفة في جامعة أوسلو.
قضى وشيراك أسبوعا في رواندا لمواساة الفتيات الصغيرات اللائي تعرضن للاغتصاب.
يتابع أخبار الدنيا دقيقة بدقيقة، وكان قارئا نهما وانتقل إلى القراءة الالكترونية منذ عدة سنوات.
غنّى في مقر الأمم المتحدة بكندا، وفي السويد والدانمرك والمجر، ويعرفه كل شاب نرويجي تقريبا، وولي العهد يحفظ كل أغانيه عن ظهر قلب، أما في العالم العربي القادم منه أبوه، وخاصة في مصر، فهو مجهول تماما، بل صفر على اليسار، رغم أن ألبوما له وشيراك جاء في إحدى المرات قبل ألبوم مادونا، وأن رئيسة وزراء النرويج عجزت في حفل أوسلو سبكتريم عن شراء تذكرة، ربما لأنهما تصادما من قبل بسبب مديحها في آريل شارون، فاتصل به مكتبها لتوفير تذكرة لها ولم يتأخر قطعا.

قابلته وهو يلهث من مكان إلى آخر وسألت عن السبب فعلمت أنه أجرى 13 حديثا صحفيا وتلفزيونيا في يوم واحد.
رغم أن بعض أغانيهما تحقق مشاهدات مليونية، لكن مجدي لا يتفاخر أو يتباهى ومن يقابله يظن أنه في سنة أولى غناء وموسيقى.
لا يردّ طلبا إنسانيا وأتذكر أن عائلة فتاة نرويجية مصابة بالسرطان أبلغت مجدي وشيراك أن ابنتهم لن تعيش أكثر من شهر، وتتمنى أن تجلس معهما قبل أن ترحل عن الدنيا وهي في التاسعة عشرة من العُمر. وفعلا ذهب مجدي وشيراك وأمضيا يوما كاملا ومبهجا مع الفتاة المريضة لتغادر الدنيا سعيدة بتلك الساعات، وكان أصعب شيء هو استخدام كلمة ( المستقبل )، فالحديث عن المستقبل لم تكن لتفهمه الفتاة.
وقالت له قسيسة لإحدى الكنائس بأن ابنها الذي مات في حادث في سن الثامنة عشرة كان مجدي مثلـَـه الأعلى، وأنها لم تلمس ألبومات مجدي في غرفة ابنها بعد وفاته لكي تستريح روحه.
كل المشاكل والأزمات والكوارث يبتسم لها مجدي كأنها بداية أفراح، وأن الله يقف على مقربة منه ليتدخل.
أصدر سبعة ألبومات، وكتابا عن حياته وزميله شيراك، وكتابا مصورًا عن الهند التقط الصور بنفسه لمدة شهر.
كل الأديان سامية وجميلة كما يرىَ مجدي، وفي صلاة عيد الأضحى الأخير أخذ معه ولديه التوأمين لأول مرة ( عمرهما 3 سنوات )، ولعلهما ظنا أن المسجد مكان للعب، وكانا يجريان بين أرجل المصلين؛ فابتسم ولم يعاتبهما أو ينهرهما بسبب الصخب الذي ملأ المكان بصياحهما، ويؤمن بأن الله فرِحٌ بضحكات أطفاله.
خرج في إحدى المرات من صلاة العيد والتف حوله الشباب يريدون توقيعه ( أوتوجراف)، فاستوقفه مسلم متطرف وطلب منه أن يتوقف عن الغناء الذي هو حرام! ردّ مجدي: لكن والدي الذي يعرف دينه جيدًا قال لي بأن تحريم الموسيقى حرام، فبُهت الرجل و .. انصرف!
هذا جزء من حكاية ابني مجدي وفي جعبتي كأب مئات الحكايات وأخشى أن يضيق صدر أصدقائي بها.
مبروك لمجدي وزميله شيراك ولفرقة كارب ديم ولكل الذين اشتركوا في الفيلم ( حوالي 300 شخص ) ولكل الذين اشتركوا في اخراج حفل أوسلو سبكتريم ( 700 شخص ).
مبروك لابني مجدي من أبٍ فخور به كما أنا فخور بأخته الأكبر سونيا وبأخيه الأصغر ناصر.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 14 ديسمبر 2017
Taeralshmal@gmail.com



08‏/12‏/2017

أدعو لترك الفلسطينيين وشأنهم؛ وليس للتخلي عنهم!


يحتاج الجائع أحيانا إلى أن يُترَك وشأنه بدلا من المـنّ عليه بالفتات، وتاريخ الفلسطينيين مع الاحتلال كان مشروطا من الأصدقاء والأشقاء، حتى لو كانت أكثرُ الشروط بحُسْْن النية.
الشعب الفلسطيني لم تتـــَـح له فرصة إبداع، وخَلــْـق، وصناعة مقاومة خالصة بدون أي تأثير خارجي.

أنا لم أطلب التخلي عن شعبنا الفلسطيني، لكنني أرىَ، وقد أكون مخطئـًـا، أن الذين يتعذبون تحت الاحتلال قادرون على بدء نوع جديد من المقاومة، لا أعرفه طبعا، لكن قيادة ذكية ومخلصة وهوشية( نسبة إلى هوشي منه) أو غاندية أو لومومبية أو جيفارية.. يمكنها أن تعيد صف المقاومين في شعب واحد بعيدا عن الأيديولوجيات المتصادمة.

أغلب البلاد العربية مرتبطة، ماليا وأخلاقيا وعسكريا، بالقوى الكبرى الداعمة لاسرائيل، وكلما اشتدت قوة وشكيمة وحماسة الفلسطينيين، جاءتهم وساطات واقتراحات واجتماعات ومؤتمرات تنتهي بفتح درج الملفات والشجب حتى تموت بعد حين.
من أراد أن يدعم الفلسطينيين فليقاوم بصمت، ويقاطع إسرائيل بهدوء، ولا يشرح قضية الشعب الفلسطيني بنصف جهل وأرباع معلومات مغلوطة.
إن حيرة الأيديولوجيات الملتصقة بالقضية جعلتها تتراشق بالنصوص المقدسة كما يفعل الصهاينة.

عبقرية الحل تأتي من الاعتراف بالضعف، والبحث عن سبيل القوة الفكرية والمعلوماتية والتاريخية والدولية، أما المقاومة بنفس الأسلوب والطريقة والمكان والقيادات على مدى عشرات السنين ثم جعلها بين شفاه وأنامل إعلاميين لا يعرفون الفارق بين اليهودي والإسرائيلي والصهيوني والعبراني ينتهي إلى كارثة فكرية تُضعف الحق الفلسطيني.

القيادات الفلسطينية الحمقاء أدخلت أبناء شعبنا في صراعات عربية وإسلامية، داخلية وجيرانية، فحصد الاحتلال ثمار التصادم بيننا.
إذا أراد العرب والمسلمون المساعدة دون التدخل حتى بالنصيحة والوساطة فليقاطعوا منتجات إسرائيل ولو كانت برتقالة واحدة تعادل ثمن رصاصة تستقر في قلب طفل عربي لا يعرف الفارق بين النجمة والصليب والهلال.

عندما أكتب عن حرية الفلسطينيين في اختيار طرق المقاومة الحديثة بعد نضال أكثر من ستين عاما، فإنني لا أطالب بالتخلي عنهم؛ إنما بالتخلي عن أنانينتنا وغطرستنا وكبريائنا في الظن بأننا ندلهم على الطريق الذي لم يكن ينبغي أن يسلكوا غيره.
الوجه الأمريكي القبيح كان يصرخ في وجوهنا بأنه إعلان حرب من الإدارة الأمريكية ضد العرب كلهم من أغاديرهم إلى خليجهم، وأعقبته إهانة صريحة ومُذلة بأن نُصفَع على أقفيتنا، ونكرِم مَن صفعنا.
مرة أخرى لئلا يُُساء الفهم فأنا لا أرىَ حلا في العنف والقتل وحرب السكاكين والطعن بالأسلحة البيضاء، فنحن الخاسرون، والإعلام الدولي قادر على تحويل قضية اسرائيلي يسقط في حفرة إلى يهودي يتعرض للهولوكوست العربي.

لا أحب قطع المسيحية الشرقية من دعوات المقاومة والحق الفلسطيني، فــ27% من سكان فلسطين مسيحيون لهم كامل الحق في كل شبر من أرض الوطن كشركائهم المسلمين، والمسجد الأقصى ليس أطهر من كنيــسة القيامة.
المقاومة إبداع وقد تكون بداية النهاية لحل أزمة الاحتلال الغادر حتى لو انتهت بدولتين، نصف العَمىَ، إلى أن يأتي أحفادنا بعد ألف عام ويحاسبوننا على تفريطنا وضعفنا ومعاركنا الخاسرة.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال

أوسلو في 8 ديسمبر 2017 

07‏/12‏/2017

إسماعيل هنيــّــة من جديد!


أكثر الزعماء يتنقلون بأقنعة مختلفة، بعضها حقيقي وبعضها زائف، لكن الظروف المحيطة هي التي تضع على وجه الزعيم القناعَ المناسب.
إذا اقتطعت زعيما من فترة زمنية معينة وألبسته في مشهد آخر فغالبا ستتغير أحكامُك، مديحـــًـا أو هجاءً، تأييدًا أو معارضة، فالزعيم يتغير، والمشهد يتغير والجماهير تُصدِر أحكامَها في كل مرة بصورة مختلفة على نفس الشخص.
سعد الحريري قبل الرياض مختلف عن ابن أبيه رفيق بعدها، وحسن نصر الله في 2006 كان الفارس المغوار، ثم أصبح السياسي اللبناني الذي يعيش على ذكرى انتصارات الحرب مع إسرائيل، وبعدها ملأ رئتيه بأنفاس الآيات القادمة من قُمْ فتغير البطل إلى رئيس حزب ديني سياسي لكنه أصر على ركوب نفس الجواد، فبرق .. وبهت عشرات المرات، فتُنصت إليه كأنه قادم من عُمق التاريخ ثم تعيد الإنصات فتظهر صورة الخوميني.
اسماعيل هنية نموذج ثالث قضىَ أكثر من عشر سنوات في خلاف مع النصف الآخر لفلسطين، لكنه جعل غزة جزءًا من الدين على حساب الوطن، ففرح الرامليون المنحازون للسلام العبري، ودخل أو أُدْخِل في أنفاق الجيران لعله يبصر نورًا في آخر كل نفق، ووضع ثقته فيمن يحشر الريالات داخل المصحف الشريف، ويتحدى العدو الصهيوني فيخرج من كل معركة، منتصرًا أو منهزمـًـا، رافعا علامة النصر، وناسيــًــا أن يُحصي خسائر شعبنا الفلسطيني.
القيادات الفلسطينية كانت توحي لجماهيرها أن الطريق إلى القدس يمر عبر العاصمة الأردنية ثم اللبنانية ثم الكويتية ولا مانع من شرب نخب الاخوان المسلمين والاخوان العثمانيين وغيرهم، فخسرت غزة كل جيرانها ولم يبق لديها غير معابر بعضُها عبري و.. بعضها سيناوي، واختلطت المقاييس الجهادية فظن الفلسطينيون أن غزة إسلامية ورام الله علمانية، فاستراح الكيان الصهيوني.
اسماعيل هنية قائد يصنع تعبيرات النضال بنفسه كما يفعل حسن نصر الله حتى لو تمزقت فلسطين ولبنان، فاللغة الجميلة للقائدين تشحن الأتباع بمفردات دينية، تماما كما كان أحمد الشقيري يفعل، لكن من سوء حظ القيادات العربية و الإسلامية في كل مكان أن الأعداءَ لا يكترثون لقواعد الضاد قبل عدوانهم، ولا يخشون قصائد حماسية مع قرع الطبول لشعب محاصَر من الجهات الأربع.
كان الحل السحري ظاهرًا طوال الوقت وهو عدم التدخل قيد شعرة في شؤون العرب والمسلمين، ففي كل أزمة خارج فلسطين يدفع الفلسطينيون الثمن داخل الأرض المحتلة بسبب غباء قيادات تصهل خيولها خارج الوطن، ثم يزداد الأسرى لدىَ الاحتلال آلافـًـا جديدة من شباب المستقبل الغامض.
كل قائد عربي وإسلامي يريد تخدير شعبه، يأتي بالقضية الفلسطينية ويضعها، ظاهرًا، قبل قضيته القومية أو الوطنية، فيصيب النعاسُ الفلسطينيين قبل غيرهم.
لو وقفت القيادات الفلسطينية مع العرب .. كل العرب على قدم المساواة لما ظهرت تلك الثغرات التي يمر منها الفكر العربي الصهيوني، من المثقفين والإعلاميين والكوبنهاجيين والحالمين بنتائج اتفاق أوسلو.
الآن وقف اسماعيل هنية يصحح الخطأ، ويعيد رسم المشهد النضالي من جديد، ويضم فلسطين كلها إلى القدس ورام الله، ويساوي بين المسيح ومحمد، عليهما السلام، ويشير بإصبع الاتهام صراحة على من ظن أنهم وسطاء فإذا بهم منحازون إلى الشيطان، عقلا وروحـًـا.
اسماعيل هنية مطالَب قبل الانتفاضة الجديدة بعدم التمييز بين عاصمة عربية وأخرى، بين القاهرة والرياض، بين الرباط والجزائر، بين الدوحة وبيروت، بين أبوظبي وعمّان، بين دمشق والمنامة، بين بغداد والكويت.
لو كان بلفور حيـًـا لعاتب ترامب على مبالغته في سرقة أرض فلسطين، ولو كان مناحيم بيجين بينهم الآن لتوسل للادارة الأمريكية أن لا تقلب الطاولة على الجميع، فالمزايدة في دعم الاحتلال توطئة لحروب لا نهائية، لا تُبقي ولا تذر.
اسماعيل هنية كان اليوم رائعـًـا، مع أن لديّ عشرات التحفظات على حماسه وحماسته طوال السنوات السيناوية المنصرمة، فكاد يخسر الشعب المصري ليربح أحفادَ حسن البنا، وترك المعاقين عقليا يشحنون المصريين بالخوف من فلسطنة شمال سيناء، وأوهم منذ أربع سنوات أبناء الشعب أن مرسي وبديع والشاطر باقون في السلطة إلى يوم القيامة.
اسماعيل هنية ألقى كلمة لو تم تطبيقها لبدت كأنها بلسان عصمت سيف الدولة منذ أربعين عاما، وفلسطين المحتلة كلها القدس، وشمالها كجنوبها، وقلبها كرأسها، وعلمانيوها كإسلامييها، ومسيحها كمحمدها!
اسماعيل هنية اليوم كان كل العرب، قبل أن يدخل القفص، لا قدر الله، ويجلس على المائدة الخضراء أو المستديرة، ويبدأ في شطب ومسح وحذف الدسم من خطاب السابع من ديسمبر.
إذا اعتمد الفلسطينيون علينا فعلى القضية السلام، وسنعيدهم إلى المربع صفر؛ وإذا تفاوضوا بدوننا فقد يربحون شبرًا من الأرض أو يخسرون إذا توسطنا لهم.
في أقل من ثلاثين عاما توالد الكوهينيون بدرجة مفزعة حتى أنك لو أجريت مسابقة التعاطف الشعبي العربي للتفاضل بين القاتل والمقتول؛ فإن ستة من كل عشرة من عرب اليوم سيُقسمون أن اسرائيل تفي بالوعد، ولا تنكث العهد، وأن الفلسطنيين باعوا أرضهم، وأن السلام العبري رسالة سماوية.
اسماعيل هنية اليوم غيره بالأمس، ولكن ماذا عن الغد؟
كم تمنيت أن ألقي بأغلب وأكثر القيادات الفلسطينية في بئر سحيق، ونأتي بشباب ثائر ومتعلم ومثقف ومناضل وعاشق للوطن وبعيد عن الفساد ليعيد رسم مشهد البؤس الفلسطيني في صورة جديدة وجميلة وربيعية تتفتح على أرض الوطن.
اسماعيل هنية كان اليوم فلسطينيا وعربيا وإسلاميا ومسيحيا حتى النخاع، لكن التجارب علمتنا أن لا نثق بمناضل قبل أن يموت، فمن يدري فقد يحمل له حفّار القبور قبل دفنه رسالة دافئة من إيلي كوهين.
لا أتحدث عن القدس الشرقية أو الغربية، ولا أتكلم عن المسجد الأقصى أو كنيسة القيامة، ولا أكترث لغزة أو رام الله، إنما عشقي وحريتي وإيماني وأوهامي وأحلامي في فلسطين كلها و..  لو بعد ألف عام.
لا أدعو لحرب فنحن خاسرون قبل أن تبدأ، ولا أبحث عن سلام فنحن منهزمون قبل الجلوس على الطاولة، وأرفض العنف والقتل والتفجيرات فقد مضىَ زمنها وهي الآن في صالح الاحتلال، ولا أتعاطف مع التحدي الأجوف والصواريخ التي تسقط على المدنيين، لكنني أبحث عن فلسطين في أيدي وعقول وقلوب الفلسطينيين فقط بدون صديق أو جار أو شقيق أو صاحب رأسمال.
أخشى أن أنصت لاسماعيل هنية مرة أخرى لئلا يصدمني الوجه الجميل في قناع قبيح اشتروه له بثمن بخس.
لا تهمني قطعة الأرض بمفردها، إنما ملتصقة بكل الأرض فوق كل الوطن ومع كل الشعب.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 7 ديسمبر 2017
Taeralshmal@gmail.com



04‏/12‏/2017

أنا حمار لأنني صَدّقت الرئيس علي عبد الله صالح!

أنا حمار لأنني صَدّقت الرئيس علي عبد الله صالح!
أوسلو في 24 سبتمبر 2006
كنت أظن دائما أنني قادر على قراءة السطور ومابين السطور.
لم أصدقه عندما قال لوفد كويتي بأنه واثق من عدم وجود حشود عراقية على حدود الدولة الجارة الصغيرة.
لم أكن في حاجة شديدة لإجهاد العقل حتى أكتشف مسرحية الاتصال بصدام حسين قبيل الغزو العراقي للكويت، وبأنه تلقى تأكيدات من القائد المهيب بسكون القوات العراقية وصمتها وابتعادها كثيرا عن حدودها الجنوبية.
وهل كنت في حاجة لاستخدام المنطق والاستدلال المسبق لمعرفة موقف رئيس الوفد اليمني في مجلس الأمن الذي وقف موقفا عاريا ( من العار وليس من العري ) خلال تلك الفترة السوداء التي انشق فيها العرب بين مصفقين لشيطان بغداد، وبين خائفين على الصف العربي بعد يوم الغدر .. الثاني من أغسطس 1990.
كنت أجهل تماما أن القات قادر على رفع نسبة الذكاء والدهاء أضعافا مضاعفة، وأن تخزينه في فترة ما بعد الظهيرة يكسب صاحبه أسنانا صفراء، وقدرة على خداع الآخرين ولو كانت عقولهم آينشتانية.
كانت أموال الكويت تتدفق بسخاء شديد على اليمن السعيد، وتلقت جامعات اليمن وسدودها وزراعاتها وهيئاتها الخيرية والاسلامية وحكومتها هبات الشعب الكويتي الذي لا يعرف شماله ما أنفقت يمينه.
وكان من المفترض أن تصبح اليمن امتدادا للكويت فجر الثاني من أغسطس، وأن يعلن الرئيس مدى الحياة علي عبد الله صالح أن احتلال الكويت هو احتلال لليمن.
دهاء الرئيس علي عبد الله صالح لم يشهد مثله تاريخ اليمن الحديث، فظن الجنوبيون أنهم يستطيعون بما يملكون من خبرة ماركسية وتاريخ عريق في الأزمات أنهم سيقفون على قدم المساواة مع الشماليين إثر الوحدة الكبرى.
وفتح الرئيس كل الأبواب للقادة الجنوبيين، وجعلهم يحلمون بقيادة اليمن من صنعاء، وبأن كل واحد منهم سيصبح الأب الروحي للوحدة اليمنية، وربما يتنازل الرئيس علي عبد الله صالح لأحد قيادات عدن.
ودخل القادة الجنوبيون عش الزوجية، وتمتعوا بشهر العسل، وظنوا أنهم أصحاب البيت وليسوا ضيوفا.
وجاءت مذبحة المماليك على الطريقة اليمنية، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل صنعاء من باب عدن فهو أكثر آمنا، لكنه لن يخرج منها إلا إلى المنفى.
كان الرئيس قد أخفى كل اختبارات الذكاء خلف مظهر طيب وشبه ساذج فبدت الوحدة اليمنية للقادة الجنوبيين كأنها جلسة تخزين تنتهي قبل غروب الشمس، وينفض كل ضيف إلى حال سبيله.
كل الذين وقفوا مع الجنوبيين في حرية اختيارهم لفض الوحدة تراجعوا، واعترفوا بعاصمة واحدة ليمن واحد وزعيم أوحد لو بُعِثَت ملكة سبأ من جديد لقدمت له ولاءها وطاعتها دون حاجة لهدهد أو هدية يفرح بها رئيس الشمال والجنوب والشرق والغرب.
بدت مني ابتسامة تهكم عندما علمت بأن أعضاء حزب الغد لأيمن نور توجهوا لسفارة اليمن في عاصمة المعز للتهنئة برفض قبول الرئيس علي عبد الله صالح تجديد الترشيح مهما كانت الظروف.
لم أصدق أن زعيما عربيا يمكن أن يقلد سوار الذهب فيتنحى، ويعود إلى أهله وجيرانه وبيته القديم، ويتسوق كبقية خلق الله، ويقف في الزحام، ويدفع فاتورة الماء والكهرباء والهاتف، ويشكو من ارتفاع الأسعار، ويبيع سيارته ليشتري سيارة رخيصة.
فجأة وجدت نفسي مشدودا أمام مؤتمر شعبي يجلس فيه الرئيس علي عبد الله صالح محاورا، وناهرا، وناهيا، وحاسما في كلماته بأنه لن يجدد لنفسه، ولن يترشح ولو شج كل يمني رأسه في الحائط حتى يتدفق الدم منه.
أخيرا صَدّقْت الرئيس!
لا يمكن أن يكذب، وكانت كلماته كأنها تنزيل من التنزيل.
من المستحيل أن تكون تلك مسرحية، فذكائي الذي أثق به يؤكد لي أن في كلمات الرئيس اصرارا عجيبا على عدم الترشح، فهو يبحث عن جيل جديد، ويعطي الفرصة لغيره، وهو رجل عهد ووعد خاصة وأن العالم كله يشهد هذا المؤتمر الذي يعطي فيه الرئيس اليمني لزعماء الدنيا درسا في اصرار سيد القصر على تسليم الحكم بعد ثمانية وعشرين عاما لآخرين لعل دماء جديدة تسري في شرايين الوطن .
حدثتني نفسي مازحة بأن الرجل قد يكون ممثلا ماهرا ومحترفا في مسرحية تصغر بجانبها ( الزعيم ) لعادل إمام.
أبعدت الفكرة فورا عن ذهني، وتسمرتُ أمام الشاشة الصغيرة كما يفعل المراهقون وهم يشاهدون مذيعات العربية والجزيرة والام بي سي خاصة إذا كان الصدر لبنانيا عاريا ( من العري وليس من العار )، ثم ألقيت بكل ثقتي على ما ظننته حتى تلك اللحظة ذكاء وخبرة ومتابعة للسياسة العربية.
قلت لمحدثي وكأنني أمسك اليقين كله بين شفتي: هذه المرة سيرفض فيها الرئيس علي عبد الله صالح كل الدعوات والاستجداءات بأن يستمر رئيسا لولاية جديدة ولو جرت دموع اليمنيين ليفيض بها سد مأرب.
تذكرت الرؤساء أحمد عبد الله صالح، وسيف الاسلام القذافي وجمال مبارك، لكنني واثق بأن زعيم اليمن لن يتزحزع قيد شعرة عن قراره واصراره وحسمه وحزمه.
طاردتني فكرة الظن السيء بسيد اليمنيــَن، لكنني رفضت التوقف عندها لبرهة واحدة، فأنا لست حمارا يتابع فخامته ولا يفهم الجد من الهزل.
وكالات الأنباء تتناقل الخبر كأنه نقلة حضارية عربية للامساك بركب الديمقراطية ولو بعد ثمانية وعشرين عاما. آه لو عرفتْ ملكة سبأ أن الجن والإنس والنمل ما كانوا يُكَذّبون الرئيس لو حضروا هذا المؤتمر.
وجاء الخبر الفصل، وأخرج الرئيس لسانه لي من الشاشة الصغيرة قائلا وهو يضحك ملء فمه: هل عرفت الآن أنك حمار؟
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج
24 سبتمبر 2006
من أرشيفي

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...