26‏/04‏/2015

مراجعة مؤقتة لموقفي من الأردن!


المفترض في الكاتب عدم التراجع عن موقف مبدئي لأن القراء سيخلطون قطعا ما بين التراجع والمراجعة مما يترك أثراً سلبيا ، ويجعل المتابعين لكتاباته يتوقعون أن يُغــيـر أقواله كما يفعل شهود الزور في المحاكم أو.. أقسام الشرطة!
ليس بيني وبين الحُكم الهاشمي أيُّ مودة، ولعل السبب يعود إلــى تخوفاتي من العلاقات السرية والجهرية بين الهاشميين والإسرائيليين، أو لعلها تعود إلــى توجس الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كلما تابع مواقف الحُكم في عــَــمـَّــان .
كنت أظن، وبعض الظن ليس إثماً، أن حضور ملك أردني مؤتمر قمة عربي يعني أن تل أبيب ستعرف ما دار فيه فور البيان الختامي أو.. حتــَّــىَ قبله.
وكان أيضا التحالف الهاشمي مع صدام حسين في أحلامه وأوهامه وتطلعاته وديكتاتوريته حجر عثرة في تليين موقفي من الملك الأردني .. الحسين بن طلال، رحمه الله، خاصة أنه ورث عن جده، ثم عن أبيه توجسات ومخاوف عربية، وكان سبتمبر الأسود غصة في حلق المواطن العربي، ووجعا في قلب عبد الناصر، وآلاما في صدور نصف أبناء المملكة من أصول فلسطينية.
وكانت المخابرات الأردنية قادرة على معرفة عدد أسنان كل كاتب وصحفي وإعلامي ومعارض يخط حرفا في صحيفة مجهولة لا يقرأها إلا محرروها بعيداً عن المملكة وأصدقائها، فكأن حزب البعث العربي الاشتراكي، بفرعيه البغدادي والدمشقي، قد انتقل إلــى سجون الأردن ليــُــعــَــلــِّـم استخباراتها كيفية إكرام المواطن!
ثم جاء الملك عبد الله بن الحسين، وكانت الصورة أفضل من سابقاتها الثلاث: عبد الله، وطلال، والحسين، لكنها لم ترق إلى درجة التربية البريطانية في القصر!
وجاء موقف أردني مبدئي أثار اهتمامي، مراجعة وليس تراجعاً، فالأردن هو الدولة العربية الوحيدة التي لم أفكر في زيارتها قط، ولن أفكر في المستقبل، رغم لقاءاتي الكثيرة طوال أربعة عقود مع أردنيين يمثلون دماثة الخُلق والأدب والثقافة والمعرفة.
الموقف هو استضافة الأردن لمئات الآلاف من السوريين والعراقيين والفلسطينيين واليمنيين، وتحمل الأردنيون ما يثقل كاهل كل الدول الأوروبية الثرية، ولو كان بعضها لبعض ظهيرا بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية.
وفتح أبناء الشعب الأردني بيوتهم المتواضعة والبسيطة، وتقاسموا مع الضيوف الطعام والشراب والسكن والعمل وكل الخدمات، كهرباء، صرف صحي، حدائق، مدارس، جامعات، مستشفيات، دواء، دعم حكومي، طرق، وكان الضيوف على الرحب والسعة دون تحديد زمن أقصى للضيافة.
موقف أردني، ملكي وحكومي وشعبي، مــُـشرّف وكريم، وكان الحـِـمــْـلُ الأكبر على كاهل أجهزة الاستخبارات الأردنية ( التي ذكرت أنني لا أحمل لــهــا أي ودٍّ أو تعاطف )، أما الآن فعليها مراقبة الصغير والكبير والإرهابي والداعشي والبعثي والجاسوس والمتعاون والمتطرف والموالي للأقربين والأبعدين.
موقف أردني رائع ويستحق دعماً ماليا من الشرق والغرب، من رجال الأعمال والمغتربين، فالأردن لا يستطيع أن يستمر في تحمل تبعات التهجير والحروب والداعشيين، فينفق ويستضيف ويعالج ويُسكـِـن ويضاعف فقر دولة ليس لديها مصادر دخل إلا من أبنائها.
الموقف الثاني هو اعجابي الشديد والمدهش والمفاجيء لوجود مسؤول عربي خرج من بطن أمه منذ عشرين عاما فقط، ويتحدث ويقرأ اللغة العربية كأنه رضع المعلقات في طفولته، وتعلــَّـم قواعد اللغة العربية في بيت عائلة تحتل لغة شكسبير المقام الأول قبل المتنبي!
شاب صغير، الأمير الحسين بن عبد الله، ينطق ضادَنا كما لم يعرفها أي زعيم أو أمير أو رئيس أو ملك عربي ( باستثناء أحمد الشقيري وحافظ الأسد).
مخارج حروفها، وتشكيل كلماتها يؤذن بعودة الروح إلى لغة القصر، رغم الكراهية التاريخية بين أي قصر عربي وبين .. لغة أهل الجنة!
مراجعة لا تراجع، وتمنيات بأن نقف جميعاً مع الموقف الأردني العظيم من أهلنا اللاجئين الذين احتلوا كل شبر من المملكة الأردنية، برغبة مضيفيهم ، ولم تبهت ابتسامة الأردني، ملكا أو مواطنا، فالبيت بيت المساكين ولو كان يسكنه الأمراء.
تحية قلبية لكل عائلة أردنية استضافت عراقيين أو سوريين أو يمنيين ، وتقاسمت معهم خبز الفقراء، وضاــقت عليهم الأرض، لكن الرضا والقناعة والكرم كانت أرحب وأوسع وأسمى لاحتضان الغرباء من أبناء أمة عربية مقسمة، يأكل كل من هب ودب قطعة منها.
نعم! للسياســة الأردنية ألف وجه قبيح على مدى ثلاثة ملوك، ونصف وجه جميل لعبد الله بن الحسين، وربما، والله أعلم، وجه مشرق وعادل ومتواضع وجميل للأمير الصغير، الحسين بن عبد الله، عندما يصبح ملكاً.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 25 ابريل 2015 

24‏/04‏/2015

إذا كنتم تحبون مصرَ فقاطعوا صحافتهــا!

 
لم يعد الأمر مقبولا في أي صورة من وجوهه القبيحة، فقد خرجت علينا صحافة غوغائية يقودها صحفيون هواة، يجلسون أمام أجهزة لابتوب، ويلتقطون من الفيسبوك والتويتر فبركات، فيعيدون صياغتــَـها في تعبيرات أكثر حماقة، ولغة سقيمة يخجل منها المعجمُ، وأخطاء كأن أصحابــَـها هجروا الكتابَ بعد نزولهم من بطون أمهاتهم!
أشعر بغثيان لدى مطالعتي أكثر وأغلب الصحف المصرية الالكترونية، وتكاد دموعي تسقط على وجهي حزنا على صحافة بلدي، ولا يخالجني شكٌّ أنني لو زرت غرزةً لتعاطي المخدرات فستلتقط أذناي لغة أكثر رُقيـــّـا وتحضرا وتمَــدُّنــا وصدقا من لغة الصحافة الالكترونية المصرية.
 
لا تكاد مصانع فبركة الخبر وتحبيشه بصور فوتوشوب تنشره حتى تهاجم عيونــَــنا آلافٌ من النسخ التي يــُــقسم أصحابــُــها أنها تنزيلٌ من التنزيل موثــَّــقٌ بعمالقة السطر!
وعندما نشروا منذ عدة أيام خبرَ وفاة الفنان عادل إمام، تناقل الخبرَ الكاذبَ من مصدر واحدٍ مليونا قاريء دون التحقق من صحته، لذا فأيُّ جاهل يستطيع أنْ يجلس فوق سطح بيته، ويراقب غيــّـة الحـَـمــَـام أو عشَّ الدجاج أو دِشَّ الجيران، ثم يبث خبراً من نسج خياله المريض، ويصبح الخبرُ السطحيُّ( من السطح ومن السطحية ) عاجلا يتطاير من لسان إلى آخر كما يتطاير غبار بركان تشيلي في الهواء.
أي انتصار أو إنجاز تحققه مصر يتحول بفضل الصحافة إلـــــى هزيمة إعلامية ولغوية وموضوعية وعقلية، فقد تركنا أمورَنا كلــَّــها بين أيدي محتالين ومفبركين ولصوص الكلمة وناقلي خيالات ضــِـعاف النفوس!
إنَّ مقاطعتنا للصحافة المصرية هي أسمىَ رسالة حب نقدمها لمصر ولشعبنا، لعل القائمين عليها ينسحبون واحدا إثر الآخر، وتعود كما كانت تنشر الثمين والسمين والدسم والمفيد والصحيح، حتى لو دخلتْ عليها بين ألفينة والأخرىَ أكاذيبٌ من لمــَـمِ القول و.. صغائر الإفــك!
لا يدفعنكم الفضول إلى الاستمرار في دعمها بالمطالعة، ونقل أخبار عنها، والتعليق عليها، حتى يعود القائمون عليها إلى رُشدهم، فهي حرب داخلية يقودها أميــّـو النــِـتّ، ومُلمعو السلطات والأحزاب والمذاهب والأشخاص!
قاطعوها لتتطهروا!
قاطعوها لتبعثوا رسائل حب إلـىَ أم الدنيا!
قاطعوها فهي وباء يصيب مــَـواطن الجمال والعقل والفكر والمعلومة فينا!
قاطعوها فهي تزعم مصريتــَـها، وتنفخ في الفساد!
قاطعوها فهي فوسفات النيل المدمّر، وهي صانعة الطغاة لسنوات طويلة، وكلما غادر سيــّـدٌّ القـَـصر، أتت بســيــّـدٍ جديد يقف علىَ كتفيها!
قاطعوها لترضىَ السماءُ عنكم!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 24 ابريل 2015

20‏/04‏/2015

اضحك فرئيسك يبتسم!


في عالمنا العربي الكبير الممتد من جزيرة طنب الكبرى شرقاً إلى جزيرة ليلى غرباً، ومن لواء الإسكندرونة شمالاً إلى ميناء القراصنة جنوباً لا يستطيع مرؤوس صغير أن يحرك فكيه قبل أن يبتسم رئيسه، ولا يمتنع عن الضحك إذا ألقى رئيسه نكتة سخيفة ، أو مزحة باهتة.

الناس على دين ملوكهم، والشفاه تتحرك حسبماً يتسع أو يضيق فكــَّـا الزعيم، والظهر ينحني، والركبتان تصطحكان، واليدان ترتعشان، ورغم أن عقد العمل بين السيد والخادم لا يشير إلى هذه الشروط، إلا أن العُرف أقوى من الوثيقة، وقراءة حُلم الرئيس واجب على المرؤوس، وتحقيق رغباته هي المادة الأولى، وإذا لم يُشر إليها أحد، فعلى الخادم أن يبين للمخدوم انحناءات الجسد ، ومواطن الضعف فيه.
راقب بتأمل حواراً بين رئيس ومرؤوس في العمل أو المدرسة أو الكلية أو المستشفى أو المصنع أو القصر أو المؤسسة وستصيبك دهشة عجيبة، فالتماثل يبدو كتقليد لا يستطيع أحد أن يغير فيه طرفة عين، فإذا ضحك الوزير فإن مساعديه ورجاله ووكيل الوزارة والحراس وكل من أتعسه أو أسعده الحظ ووقف على مقربة من معاليه ينبغي له نسخ تعابير وجه الوزير، ثم يحرك رأسه علامة الموافقة حتى لو لم يسمع كلمة واحدة، وأن يلتفت يمينا ويســاراً ليرى مجاوروه أن بذرة الطاعة لم تتركه، وأن العبودية المختارة أضحت واجباً عقدياً يقوم بحمايته من الطرد أو .. التفنيش.
عندما يخطيء السيد، يتبرع كل الذين حوله بالدفاع الطوعي عنه، بل إن بعضهم يحمّـــل نفسه تبعة ما حدث، ويلومها، ويتألم لذنب لم يرتبكه، وجريمة لم يعرف عنها شيئاً من قبل.
العبد لا يختار عبوديته قبل أن يشير السيد إليه، ولكن ماذا لو لم يُشر السيد بكرباجه أو سطوته أو رجاله أو مركزه أو منصبه؟
قضية معقده ظاهرياً، لكنها في عمقها مازوخية الإذلال، وجين يضرب في عُمق النفس غير السوية، فأكثر المرؤوسيين يحملون بين جنباتهم فلسفة ( إحنا أسفين يا ريــس) ، حتى لو كان الرئيس أو الزعيم أو الطاغية أو الملك أو الأمير أو الشيخ أو الدرويش أو السجان!
قال لي ضابط شرطة في عهد مبارك، وكنت قد دعوته على الغداء في بيتي في أوسلو، بأنه ضرب أحد المتهمين ، فجاءه المتهم مرة أخرى في نفس اليوم طالباً منه أن يكرر صفعه وركله وإيذاءه لأنه يشعر أن هذا شرف له!
قليلا ما أشاهد ابتسامة موظف لا تتماثل مع نظيرتها لدى المدير أو الرئيس أو صاحب العمل، فهناك رباط مقدس من العبودية والخوف والجبــن وضرورة الحفاظ على مصدر الرزق ، فكل مرؤوس هو الشعب، وكل رئيس هو السيد.
الابتسامة الباهتة الصادرة من عُمق النفاق هي سمة بارزة في كل مؤسسات الدولة بالعالم الثالث، فالسوط ليس بالضرورة حاضراً، وتكفي الإشارة إليه. والمسكنة من المرؤوس نوع من الحماية، خاصة إذا تكاثر الأسياد، وأضطروا لتقسيم العبيد!
الرعية لاتعطي قفاهاً مرغمة في كل الأوقات، والسيد لا يهوي بسوطه فوق ظهرها مرغماً، ففي الحالتين يختلط المازوخي بالسادي لكي يعيش الاثنان!


محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو   النرويج
 
 

19‏/04‏/2015

الصراخ وحده لا يكفي!


طاغيةُ مصر المخلوع  تمكـَّـن من صناعة سياسة الأصَم المُبتسم بعد تطبيقها طوال ثلاثة عقود، وورِثها عنه كلُّ من أتىَ من بعده!
يمكنك أنْ تصرخ، وتشجّ رأسَك في الحائط، وتبكي، وتنهار، وتلعق أحذيةَ الكبار لكي يستجبوا لك، لكن لن يعطيك أحَدٌ أذُنــَـه، فالاستجابة للمواطن تمنح المسؤولَ إحساساً بالدونية!
كانت تلك سياسات أكثر المسؤولين في مصر علىَ مدىَ سنوات طويلة، كأنها إتفاق ضمني بأنْ لا تسمعني ولا أسمعك، يهين وزير الثقافة إحدى موظفاته بطريقة متخلفة يعرف المتأمل فيها أن الثقافة تنحدر في عصره، ولا يرفع رئيس الوزراء أو الرئيس سماعة الهاتف ليعاتبه. تتحول الاسكندرية إلى مجرى لمياه الصرف الصحي، وتصل صرخات الناس إلى السماء العلا، لكنها لا تقترب من القصر. تتحدث مصر كلها عن اكتشاف القرن الذي قدَّمه لواء دكتور بطريقة فجــَّـة شوارعية كأنه يبيع سندويتشات كبدة ملوثة أمام مدرسة ابتدائية، فلا يتلقىَ عتاباً واحداً علىَ بيع الوهم، ولا يسمع القصرُ استغاثات العلماء والمكتشفين والأطباء والمؤسسات الصحية، فالدولة تــُـدار بطريقة  لا تسمعني و .. لا أسمعك!

منهجية إختيار المذيعين والمذيعات في القنوات التلفزيونية المصرية لم تتغير قيْدَ شــَـعْرة لسنوات طويلة، وكلما غادر سيــّـدٌ القصرَ ومشىَ علىَ السجاد الأحمر سيـّـدٌ جديد، احتفظ اللاحقُ بسياسة السابقِ في سـَـدِّ الأذُن، والاستمرار في جعل أكثر مُقدمي البرامج والنشرات والحوارات والضيافات من المُعاقين ذهنياً، والمتخلفين تعبيرياً، والأميـّـين معلوماتياً، والكارهين للغة العربية وقواعدها ونحوها وصرفها و.. جمالها.
لذا فأنت تصرخ، وتُغرق دموعُكَ وادي النيل، وترسل شكاوىَ، ويقرأها علىَ المشاهدين مُقدِّمو بعض البرامج في القنوات الخاصة، لكن الكبارَ أكبر من أنْ يُنصتوا للصغار،  والخطأ والجُرم والخطيئة والتدمير والهدم والجهل كلها أشياء لا يُعاقـِـب عليها القانون، ولا يكترث لها القضاءُ، إلا قليلا، ولا تقترب من باب القصر أو رئاسة مجلس الوزراء فهي علاقة قائمة علــىَ انطح برأسك حائطاً، فأسيادُنا وضعوا أصابعَـهم في آذانهم!
التحضر والتقدم والتطور والنهضة لا تقترب من دولة قبل وضع  سيخ في طبلة أذن المسؤول لتسليكها أو تنظيفها أو تطهيرها، وسكان القصر لا يُطلــّـون علىَ قاطني الكوخ، وثلاثون مليوناً شهدوا علىَ جرائم مبارك لثلاثين عاماً، لكن القضاة لم تصل إلى أسماعهم جريمة واحدة، فحوار الصم والبكم والعمي ضرب في جذور التربة المصرية ولا تخلعه عواصف الدنيا و..زلازلـُـها!
دموعُ الحُزن تفيض، ويغرق فيها المصريون، لكن الكبارَ غيرُ عابئين أو مكترثين أو مهتــَّـمين لأنهم لم يبحثوا بعد عن الشعب!

17‏/04‏/2015

عبثية الحُكم على السلطة وتبرئة المال!

 
المال والسلطة لهما شراسة لا قبل للمجتمع بمواجهتها ما لم يفصلهما عدل أو ثورة أو نزع الجذور مهما ضربت في الأعماق.
لذا فلو ألقيت ديكتاتوراً في بئر لا قرار له، أو حبسته في زنزانة معزولة حبساً انفرادياً، ولم تصادر أمواله، فكأنك لم تمسه أو تلمسه أو تُطهر البلد منه ومن تأثيره وسطوته!
مطرقة القاضي التي تعلن النطق بالحكم على طاغية ، ويغض القضاء الطرف عن أمواله الطائلة هي حالة من الشيزوفرانيا التي تحتضن الشعب من الأمام، وتصفعه على قفاه من الخلف!
هكذا انتصر فساد حسني مبارك ورجاله وولديه، فهو بملياراته المنهوبة من الشعب يستطيع لو وضع حارس الزنزانة على بابه مئة قفل، أن يحرك أمواله بخفة لص محترف، ويشتري الناس والقضاة والمحامين والإعلاميين والحزبيين والغوغاء ورجال الدين ، بل يمكنه أن يجعل مؤيديه ومريديه يفسرون الكتب المقدسة حسبما يهوى ، وكيفما يريد!
فصل التوأمين، الطاغية والمال، تعني أن الحُكم أصبح هشاً، وأن المتهم تلقى قبلة من العدالة بعد الحكم عليه، لذا فإن الذين اتفقوا على تنازل علي عبد الله صالح عن السلطة بعد 33 عاما من الاستبداد والسرقة والنهب ، كانوا يعلمون أن الرئيس الجديد مولود من رحم القديم، وأن السابق هو الحاضر مع تغيير طفيف، وأن أموال الذي غادر باب القصر ستعيده من النافذة، تحت أي مسمى آخر، فالفساد يصنع المال، والمال يقوم بحمايته لاحقاً.
ساذج من يتصور مقاومة ضمير الإعلامي والقاضي والمحامي والسياسي لرشوة بمليون أو عدة ملايين من الدولارات، فالملياردير اللص يضاعف أمواله في الحبس وفي القصر بنفس القدر، ويبحث عن ضمير الأمة ليشتريه أو يأتيه الضمير بائعاً نفسه دون أن يكلفه عناء القيام من مقعده أو حتى يحرك مؤخرته يمينا وشمالاً!
أي ثورة تقوم ضد ديكتاتور ومستبد وطاغية وسفاح ، فتطيح به، لكنها تتركه يحرك الأموال المنهوبة، كالذي يقبض على قاتل ولكن يسمح له بالاحتفاظ بأدوات القتل، بل واستخدامها في شراء الذمم وتغيير الشهادات أو تزويرها أو الإتيان بشهود زور من إنس أو جان أو .. تعاليم الأنبياء.
حسني مبارك حُكم عليه بالاستمرار في السلطة فور الامتناع عن المساس بأمواله، بل سمح له المشير طنطاوي أن يأخذ راحة اللصوص في شرم الشيخ لإعادة ترتيب المسروقات عدة أشهر، ثم تركوا امرأته في الخارج تتولى هي حماية مليارات منهوبة من جائعين.
علي عبد الله صالح ظل بعد الاتفاق مسيطراً على الدولة التي طردته من السلطة، وبين يديه مليارات، وشعبه الطيب المسكين لا يعرف غير الفقر والمرض والشعر والقات، حتى أنه كان يقوم بزيارات رسمية لمؤسسات الدولة، ويدخل متحفاً باسمه ليشهد على استمرار حُكمه مع وجود الرئيس هادي، ويشتري السلاح والقبائل ويدرب رجال ابنه والميليشيات.
الطاغية لا ينخلع عن عرشه إلا إذا قطعت يده التي تمسك المال المنهوب، وأنهيت قدرته على سحب قرش واحد من أي مصرف، وخشيت التزام الصمت مع تأجيل الأحكام لئلا تعيد إليك مصارف لم تعرف اسمها، أموال الشعب التي تظل في موضعها لا تبرحه حتى يعلن القضاء حُكمه النهائي.
من يطيح بسلطة ويترك في حساباتها أموال الشعب، كمن يطرد ذئباً من أمام قطيع حملان، ويتركه خلفها!
الطغاة لا يبحثون عن مرتزقة، ولكن المرتزقة يشمون بأنوف مدربة رائحة المال ولو على مسافة ألف ميل فوق الأرض أو ألف فرسخ تحت الماء أو ألف من إحنا أسفين يا ريس يرفعون أيديهم إلى سماء القاهرة أو صنعاء أو تكريت أو حلب، ولو علموا أن العقيد حيٌّ لملئوا سماء الصحراء الليبية بأدعيتهم وبكائهم على رسول الصحراء.
القضاء يصدر أحكامه على المجرمين والمستبدين وفقاً لسعة جيوبهم!
 
 
 
 



01‏/03‏/2015

ســرقــة الــرئـيس الســيــسـي!



لم يرق لي الحُكم على حركة "حماس" بأنها إرهابية، فهذا قفز من السلطة القضائية على السلطة التنفيذية.

هذا موضوع سياسي وعسكري وأمني، وليس قضية أرملة أو مطلقة أو نفقة، لذا فإن الكلمة التي كنا ننتظرها ينبغي أن تأتي من القصر مباشرة، من الرئيس السيسي أو رئيس مجلس الوزراء.
لا أحب أن يزحف القضاء الذي قام بتبرئة عشرات المجرمين والتهم ثابتة ضدهم طوال ثلاثين عاماً، وقام بالحكم ...على مئات الهاربين والغائبين من الاخوان بالإعدام دون محاكمتهم( رغم أنهم مجرمون وأوغاد وإرهابيون ) .. أن يزحف ليقتطع من السلطة التنفيذية.

محكمة مصرية للأمور المستعجلة تحتاج إلى مطالعة ملايين الصفحات، والتدخل في الشؤون الأمنية والمخابراتية وعمل القوات المسلحة.
أسجل هنا اعتراضي الكامل على سرقة سلطة رئيس الدولة، وأخشى أن يأتي الوقت الذي تعلن محكمة الأمور المستعجلة الحرب، وتقطع العلاقات مع الدول، وتعيد ترتيب الجيش، وتستقبل رؤساء وملوك وأمراء ضيوفا على مصر.

منذ سنوات كنا متعاطفين مع حماس، ثم تأخونت الحركة، ونفقت حروبها ( من الأنفاق والنفاق ) وبدأ الإرهاب يغزو مصر حماسيا واخوانيا، ففقدت حماس تعاطف المصريين.
لكننا لا نرضى أن يسمح الرئيس السيسي للسلطة القضائية أو التشريعية البرهامية( لاحقا ) أن تسرق سلطته أمام أعيننا.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في الأول من مارس 2015

01‏/11‏/2014

اللابتوبيون!


إذا أردت القيام بواجب العزاء بغير معرفة مُسبقة بصاحب السرادق فعليك بالتوجه إلى أي صحيفة، فالمتوفىَ هنا مادة إعلامية أو خبرية أو تحليلية في عصر الاثنين: الإعلام الموجـِّه و .. غير الموجــَّه!



أنت لا تحتاج لأكثر من لابتوب وإنترنيت وبرنامج جاهز بقوالب مختلفة لتشييد صرح إعلامي في غرفتك المنزوية بركن قصيّ في بيتك القديم، أما الأخبار فتأتيك قبل أن تقوم من مقامك، أو تبحث عنها فيسبوكيا أو تويترياً لتنقلها في صحيفتك الإلكترونية ، فالصحافة الحديثة كمصانع السيارات، تفكيك وتجميع، تزويق وتجميل، نقل ثم تبديل لبعض الفقرات فتبدو كأنها آتية لتوّها من مراسل أو محلل أو خبير استراتيجي أو جاسوس نائم توقظه حاجتك في كل مرة تريد حشو صفحاتك بركام من الهلاميات الطلسمية والوهمية.


إن ثمة خللا في الفهم الحديث للإعلام جعل البحث عن الخبر لا يحتاج منك لأكثر من ضغطة خفيفة على الكيبورد، ثم تدور عيناك في محجريهما تبحثان عن جملة أو فقرة أو شائعة أو خبر قديم أو آخر حديث خارج من مصانع تـُـفبركه لك وتضع عليه إضافات تزيده إثارة، ويسيل له لعاب الباحثين عن الغثاء الخبري لإعادة تقديمه في صدر صفحة أو على لسان إعلامي لا يـُـفرِّق بين التخدير الثقافي و.. التغيــيب المعلوماتي.


تقرأ مثلا تغريدة في موقع لا تدري صحته عن أحد المسؤولين قوله باحتمال تغيير حقائب وزارية في غضون أسبوعين، فتنقل الخبر بعد عمل الخلطة الجديدة، ووضع صورة كبيرة قد لا تكون لها علاقة بالخبر، ولا تشير إلى أنه تويتري إلا إشارة عابرة لا ينتبه إليها أحد.تنتظر يومين أو ثلاثة، فتقرأ نفس الخبر في مواقع مختلفة تكون قد نقلته عنك، فتضيف المواقع وتحذف وفقاً للمساحة العقلية غير اليقظة لقرائها، فيصبح الخبر كالآتي: مصدر موثوق يؤكد أن التغيير الوزاري المرتقــَـب يوم الثلاثاء القادم سيحمل مفاجأة!


يدخل الخبر في التغليفة النهائية لمصانع الفبركة فيصبح بعد أسبوع: رئيس الوزراء اعتمد التغيير النهائي وسيخرج من الحكومة ثلاثة وزراء منهم اثنان في حقائب سيادية!


بعد ثلاثة أسابيع يكون الخبر قد بهت، واختفى في تجويفات ذاكرة لا تحتفظ بما تتابع أو بما يُلقىَ إليها لأكثر من ساعات وأحيانا دقائــق.في الإعلام الحديث تتراجع اللغة السليمة، وتتناقص المفردات المكتنزة من التاريخ الثقافي والفكري والمعلوماتي لأباطرة الإعلام الجدد، فألسنتهم إذا تحدثوا رفعتية متناثرة ( نسبة إلى المستشار أحمد رفعت )، وأناملهم إذا كتبت أعجمية مُعرَّبة، فالكتاب مهجور، ومكتبة البيت لا تتسع لأكثر من خمسة كتب مُهداة، قــَــبــَـلها صاحبنا على مضض.


في وقت متأخر من الليل وبعد منتصفه أبدأ في الاطلاع إنترنتياً على صحافتنا العربية الممتدة من البحر إلى النهر، وتزداد نبضات قلبي، ويرتفع ضغط دمي أو ينخفض وفقا للتمييز الذي لا يرهقني بين الفبركة و.. الخبر الصحيح، بين التفاهة في أحط صورها و.. الحقيقة في أنصعها، بين الغث المقزز و.. السمين الذي لا نستغني عنه.


في كثير من الأحيان تُحدد توجهات المحرر صيغة الخبر، فينقلب الأبيض أسود أو العكس، ويكبر الصغير، ويصغر الكبير، ويتعملق القزم، ويتقزم المارد، ويضع صاحب الخبر تحبيــشات من الارتياب بين ثنايا الخبر أو يُقسم أنه تنزيل من الذِكــْـر الحكيم أو رسالة غير سماوية نزلت عليه في تجليات عبقريته!


القاريء لا يحتاج إلى بانجو أو قات أو جرامٍ واحدٍ من الهيرويين ليغيب فـًـيـُـصـَـدِّق الخبر، لأننا نذهب تلقائيا إلى موقع المصائد أو المصائب ( وهل هناك فارق؟)، فالإسلامي والمعتدل والمتطرف والمتسامح والسُني والشيعي والكردي والأرثوذوكسي والكاثوليكي والبهائي والملحد والماركسي والبعثي والداعشي والناصري والاخوانجي والفلولي والخليجي واليمني والترابي والوحدوي والتجزيئي والطائفي و .... كل يجري لأجل مسمى، ولقوم يحتضنونه فيظن أن العالم يبدأ عندهم و.. ينتهي بهم.


التواصل الإجتماعي أصبح مصدراً خصباً لأخبار المقاهي وجلسات الثرثرة والفرفشة وسهر الليالي وبعدما كان الفيسبوكيون ينقلون عن الصحافة، انقلب الوضع عاليه سافلـَـه فأصبحت الصحافةُ هي التي تلهث لنقل شائعات مُغرضة أو ساذجة مزح بها لابتوبيون وهم يتضاحكون، ويتغامزون، ويتهكمون، ويستعرضون جهلاً مخلوطاً بخصومة للكتاب، وكراهية للمعرفة.


في سُرادق الإعلام الجديد قائلٌ الخبر ينفيه، وناقله يؤكده، والحقيقة تلطم وجهها، والقاريء يُصدِّق ما في داخله فيذهب من تلقاء نفسه إلى حتفه المعلوماتي، فيأخذ النفي أو يلثم التأكيد، وفي الحالتين يكبر سرادق الإعلام.


إذا أردت النجاة بعقلك فلا تـُـصدِّق سبعة من كل عشرة أخبار تصلك أو.. تصل أنت إليها، وإذا كنت راغبا في صحة نفسية سليمة فضع شكوكاً في كل ثمانية أخبار، وإذا أردت العيش بسلام نفسي ووجداني وعقلي فتخلـَّـص من تسعة أخبار إثـْـرَ استقبال عينيك أو أذنيك إياها.


وكالات الأنباء الحيتانية تُحدد لك مَأكـَـلـَـك الخبري كما يفعل معك السوبر ماركت، فتدخل لتشتري، وتخرج منه وقد اشتراك!
الأخبار الاربعة الأولى في قنواتنا الفضائية تدفعها في آذاننا وعيوننا مصانع الخبر والتي نسميها وكالات الأنباء، ولكن لا مانع من خبر أو اثنين محليين عن الزعيم أو الحزب أو الدين يُسمح للمتلقي الكونتاكنتي( نسبة إلى مسلسل كونتاكنتي وليس إلى مطاعم كنتاكت!) أن يبثها ليشعر بالحرية المزيفة التي تخفي وراءها العبودية الطوعية.

لا تظنن أن وكالات الأنباء العالمية تدخل إلى مخدعك من البنايات الشاهقة فقط ، والصور المتحركة، والستالايَت العملاق والدماء التي تنزف على أحد الأرصفة أو سرعة نقل خبر اغتيال مسؤول كبير، أو خطبة أمير المؤمنين الخليفة البغدادي، فهي أيضا لها فيسبوكياتها وتويتراتها فتأتيك من حيث لا تدري، وتنقل لك الخبر الكبير هنا، والشائعة الساذجة هناك، المعلومة المصورة هنا، وعكسها هناك!


كان الغزو الفكري والاستعماري والفتوحات يجتاحنا بواسطة القوىَ الكبرى، أما الآن فكل منــّـا يحاول أن يغزو أرض أو عقل الآخر، والبقاء ليس فقط للأقوىَ، ولكنه أمْسَىَ للأبعد حتى باتت عزلة حي بن يقظان وروبنسون كروزو هي الأكثر سلامة.


كان الكتاب يمنحنا مرجعية ويدلف فحواه إلى العقل والقلب والوجدان والنفس فيشدّها كلها إلى عزيمة واحدة، أما الآن فيستطيع أصغر فيسبوكي أو تويتري أنْ ينافس بشائعة مغرضة أو بلهاء أخباراً تبثها عمالقة وكالات الأنباء التي يمكن أن تُحدد لك تفاصيل يومك ونشاطاتك وردود أفعالك وعلاقتك بنفسك أو بالآخرين منذ أن ينبلج صباحُك إلىَ أنْ يبلل عرقــُـك وسادَتـَــك قبل أنْ تغـُـط في نومٍ عميق أو .. مـُـتقطع!


محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو  النرويج
Taeralshmal@gmail.com                                      

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...