20‏/10‏/2020

لماذا تهاجم الإسلام؟

لماذا تهاجم الإسلام؟

تهاجم مئات الآلاف من المواقع والمنتديات والفيديوهات الإسلام الحنيف بشراسة، وتكتب عنه وعن نبيه، صلوات الله وسلامه عليه، ما يخجل قلم المؤمن من الإشارة إليه، فيصمت أكثر المسلمين، ولا يتجرأ إلا القليل جداً منهم على تفنيد، وتشريح، وتكذيب هذه الانتقادات الساخرة.

وعندما يكتب مسلم انتقاداته لسلوكيات أتباع دينه، وينتقد تصرفاتهم، وتخلفهم الحضاري، وميليشياتهم التي ظهرتْ كالشياطين في نصف القرن المنصرم، تصهل جيادُ المسلمين، وتلمع سيوفُهم التي لا تذبح دجاجة، ويعتبرون مَنْ يحمل همومَهم ناقداً للإسلام، دينِه الذي يعتز به.

تكتب عن تغطية وجه المرأة وأضراره، فيردّون عليك بالدفاع عن (الحجاب)، لأنهم لا يقرأون إلا ما في صدورهم مسبقاً!

ما هو السبب في هذه الظاهرة؟

أنا أظن أنَّ المزايدة الدينية العلنية هي نقطة الجذب لأكثر السيّافين نِتـّـياً، فكل مسلمٍ يرفع دينَه إلى الأعلى حتى يراه الآخرون، ويزعم أنه يدافع عنه لكسب رضا الله، والحقيقة للمجتمع، ويهاجم من ينتقد سلوكيات مسلمين لأنه على حدّ فهمه الهشّ ينتقد الإسلام نفسَه.

وكانت النتيجة كما ذكرت من قبل مضاعفة أعداد الملحدين والخارجين عن المِلـّة بسبب الحُجج الواهية، والمرويات الضعيفة، والتراثيات المُخرفة التي حشروها، ظلماً وعدواناً وكذباً، في عصر صعود الجَهَلة، والمنافقين، وأذيال السُلطة، وجامعي أموال المتبرعين لسرقتها.

كل القضايا تخسر إذا دافع عنها مَنْ هَبَّ ودَبَّ، فالأمي المنوط به شرح فلسفة شوبنهاور، وعبد الرحمن بدوي، وإسبينوزا، وزكي نجيب محمود، وديكارت.. كالمحامي الفاشل الذي يذهب إلى المحكمة ليحاور عُمّالَ الكانتين!

كل مسلم يخاف من مسلمٍ آخر لئلا يسيء فهمَه؛ فالاثنان مسؤولان عن التدهور الحاصل في اعوجاج العلاقات الاجتماعية والفكرية، فالأول يريد أنْ يراه الثاني في روب المحاماة الديني حتى لو كان منعزلا بمفرده في جزيرة نائية، والثاني ينتظر عَرْضَ مشهد الصلاة، والصوم، وحضور خُطبة الجمعة، وظهور زبيبة في جبهته، ونقاب على وجوه نساء بيته، والمسارعة في الذود عن الدين حتى لو كان يقرأ الفاتحة بشِقِّ الأنفس.

لذا لا يلتقي مُسلمان ويتحاوران إلا كان الحديثُ المُزايد عن الدين ثالثـــَهما، وفي ذكرياتي حكايات لا حصر لها عن المزايدة الفجّة، عن سائق التاكسي في الاسكندرية الذي عرف أن وقتي ضيق؛ فأراد أن يتركني ليؤدي الصلاة في المسجد، والذين رفعوا صوت الراديوعلى القرآن الكريم في القطار المتجه من بروكسل لشمال بلجيكا؛ ونهرهم ركابُ بلجيكيون أرادوا الراحة، والذي ركب موتوسيكل في مدينة نيس الفرنسية وهو يحمل راديو يُزعق بالقرآن الكريم ويمر في الشوارع حتى يسمعه الناس، وعشرات، ومئات، وآلاف من النماذج التي تريد أنْ تشهد الناسَ على ما في قلبها و.. ليس الله.

المزايدة الدينية لا تتركك في حالك، وتطارد المرأةَ لتتحجب، فإذا تحجبتْ طاردوها بالحَثِّ على إخفاء وجهها.

المزايدة الدينية الوقحة التي يصف دعاتُها، جهراً ونهاراً وعلناً وأمام مسلمات عفيفات وعذراوات، متعة الرجل الجنسية وهو يُجامع عشرات من الحور العين في الجَنّة، ومطلوب من المرأة المسكينة وربما غير المتزوجة أن تنصت إلى هذا الغثيان لأنه بحسب اعتقاد الجهلاء ركنٌ من أركان الدين.

والمزايدة الدينية تجعلك ترغب في الهجرة إلى مكان لا يحدثك فيه أحد إلا عن الحياة الطبيعية والجمال والتربية والأطفال والتعليم والموسيقى والثقافة والترفيه، ويترك لخصوصياتك الشأن الديني الخاص.

"الدين النصيحة" هو حديث شريف وجميل، لكنه أصبح عائقاً بفضل المزايدة، وتدخل الناس، والإعلام، والدعاة، والجيران، والأصدقاء، والغرباء لرسم يومياتك؛ فيدفعونك لهجرة الدين.

ومع وصول المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى مرحلة شَبَع المزايدة أصبح كل واحدة داعية، والسلوكيات بعيدة كل البُعْد عن الإسلام الحنيف.

الالتزام الديني الظاهري ليس دليلا على ما في الصدور، فكثير من المسلمين يتجنبون صداع الرأس فيزايدون مع المزايدين.

لو كان الدينُ لله فقط لأصبحنا أمةً من أشباه الملائكة في كل مكان، لكننا للأسف الشديد نعيش بفضل المزايدة في خضم الفساد، والظُلم، وحُكم الديكتاتوريين، وعدم التسامح مع غير المسلمين، والفقر، والمرض، والزيف، والتزوير، والتعليم المتأخر، والقروض من العالم الأول، والسرقة، والنهب، وضياع الحقوق، فالمهم فَصْلُ الرجل عن المرأة، وإخفاء وجهها، وطاعتها العمياء لبعلها، والاستماع لشرائط ذكور دعاة يكرهون المرأة في الشارع لكنها تجذبهم في الفراش.

في المزايدة يضيق صدرُك فهي التي صنعت داعش، وطالبان، والسلفيين، وبوكوحرام، والدواعش، وكل التيارات الدينية، المعتدلة والمتطرفة، وجاءت الحركات الإرهابية على نار هادئة؛ ضلعاها الفتاوى الفجّة و.. المزايدة الدينية.

ما أسهل أن يقول لك جاهل مُزايد بأنك تكره الدين، فتصمت لأنه يملك اللسان..  وأنت وهَبَكَ اللهُ العقل.

ما أسهل أن يصيح نصف أمّي في وجهك بأن الحديث النبوي صحيح حتى لو رواه رجل بعد مئتي عام من وفاة حبيب الله، عليه الصلاة والسلام، فتفقد الحُجّة في زمن اللاعقل!

كان يمكن لحديثي هذا أنْ يصبح هراء، وكلماتٍ عبثيةً لو أنْ المزايدةَ الدينية التي تطاردنا ليلا ونهارا قد آتتْ أُكُلـــَها ضعفين، وأصبح العالــَـمُ الإسلامي نموذجا للتقدم، والنظام، والنظافة، والعدالة، وخُلـوّ سجونِه ومعتقلاتِه من الأبرياء، وخلو حياة شبابه من المخدرات، والتفاهات، والتحرش الجماعي، والسرقة، والاغتصاب، والاختطاف، والقرصنة!

كان يمكن لحديثي أنْ يسقط من أول جُملة لو أن عالمنا الإسلامي كان مكانَ هجرة للمضطهدين في الغرب، وللباحثين عن العدل، ولعاشقي الحرية، ولغير الخائفين من صفعة رجل الشرطة على القفا، ولمراكز البحوث العلمية والطبية، والتَصَحُّر، وعلوم الفضاء، والسلام، والحقوق التي يحلم بها غير المسلمين.

لكن المزايدة كادتْ تُدَمِّر سلامَ حياتنا، فالمسلم(غالبا) لسانٌ فقط، والداعية الديني الجاهل نصيحةٌ فقط، والسلطة التنفيذية قبضة على عنق المواطن، والتشريعية تشريع لمِزاج الحاكم، والقضائية مكان خصب لولادة شياطين تحت لوحة تدعو للعدل..  والقسطاس المستقيم.

مَنْ كان يُصَدِّق منذ مئة عام فقط أنْ يكون الشباب، وخريجو الجامعات العريقة في مدنٍ حملتْ مِشْعلَ الحضارة قروناً طويلة هم الأكثر إنشغالا بحجب نصف المجتمع عن النصف الآخر، وبالإنصات ببلادة لشيوخ محدثين وجامعي تبرعات لنهبها، وحكايات يضحك عليها الجنين في بطن أمه.

آفة المسلمين هي المزايدة، وإجبار بعضهم البعض على لعب دور التُقاة، والمطهرين، والناجين من النار، فَمْنْ يُلوّن يومياته ليقولوا عنه أنه مسلم ملتزم، غير الذي يصمت حتى تسمع الملائكة تسبيحاته الصاعدةَ من القلب إلى السماء.

لا تُحدّثني عن ديني، وانتظر يوم ينادي المنادي من مكان قريب، ويوم يُلزم كل مِنّا طائرَه في عنقه.. اقرأ كتابــَك كفىَ بنفسك اليوم عليك حسيبا.

ما أقنعني أحدٌ بجمال ديني، ومنطقيته، وموضوعيته، ومصداقيته أكثر من الأخرس، فنحن في عالم يُحاسب فيه المسلم أخاه على كل همسة، وكلمة، ولفتة، ونظرة، وفكرة كأننا نعيش يوم القيامة مرتين: الأولى أرضية، والثانية سماوية.

سكوت.. سكوت.. سكوت؛ فأجهزة قمْع تابعة للحاكم تمر أمامكم، فتزداد المزايدة الدينية التي يهلل، ويهتف لها، ويفرح بها الديكتاتور والفاسدون من رجاله.

عندما يُقدِّم المسلمُ الفكرةَ قبل الشخص؛ فقد خَطـَـونا أولى خطوات الطريق الصحيح.

طائر الشمال

محمد عبد المجيد

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 20 أكتوبر 2020

 

 

17‏/10‏/2020

هل من حق الكاتبِ أنْ يتملكه اليأس؟


تظل تكتب في دائرةِ الأمان النفسي طالما لم تغادر المعلوماتِ، والعقلَ، والتحليلَ المحايدَ، والاهتمامَ، وأنتَ في البُعْدِ الاجتماعي حتى لو كنتَ في قلب الحَدَث!


وحالما انتقلتَ بروحِكَ، ووجدانِكَ، وعواطفِكَ، خاصةً إذا كنتَ تكتب عن قضية وطنِك، وأهلــِك، وأحبابـِك، وأصدقائِك، وطفولتٍك، وأحلامِك، ولو كنتَ مهاجراً أو مغترباً في مكان آخر، فإنك كالذي انتقل من سكن الاستقرار إلى مصحةٍ للعلاج، وتتحول الورقة التي تكتب فيها إلى وصفٍ للمرضِ، وروشتة للعِلاجِ، وآهاتِ وجعِ الاثنين: القضية و..  الوطن الأم.


ماذا لو أنَّ المريضَ يسخر منك، أو يضع أصابعًه في أُذُنيه كلما تكلمْت، أو يُدير لك ظــَهْرَه؛ فهل تستمر إلى ما لا نهاية مُخادعاً نفسك، ومتصوراً أنَّ اليومَ الذي ينُصِتْ إليك فيه آتٍ لا ريبَ فيه؟


يُطالبون الكاتبَ أنْ يستمر في طرح قضية أو قضايا في مجتمع أَصَمّ؛ تسيطر عليه مفاهيمُ سياسية، وسلطوية، وبوليسية، وفِقْهية تجعل حواسَه كلــَّـها أقربَ إلى كوكبٍ آخر منها إلى الأرض!


أزمةٌ موجعة عندما يلامس قلمُ الكاتبِ قضايا الوطن الأم فينزلق من الحيادِ إلى الانخراط في هموم إصلاحية كأنها رمالٌ متحركةٌ لا يخرج منها إلا مُنْهَكاً، أو مَيتــاً نصفه حياة، أو تضربه حالةُ يأسٍ؛ فهو ليس صاحبَ رسالة سماوية، ولا تشدّ الملائكةُ من أزْرِه، ولا تسنده دولة وإمبراطورية مالية وإعلام يدعمه أو .. ينافقه.


وعندما يصل إلى مرحلة الرفض التام من ذوي الشأن الذين يحمل همومَهم، يقابــَـل بخرسٍ أو صمم، أو ضعف إبصار كأنه دخل في ظلمات بحرٍ لُجّي يغشاه موجٌ من فوقه بركان.


يقف ليسأل نفسه: كل الدلائل تشير إلى أنني أتحدث إلى قوم يتمسكون بسلطة فاشية أو دينية رهيبة، فما الفائدة التي ستعود علي إذا صرختُ في صخرةٍ ما بقي لي من عُمْر.


كُتــّاب، وصحفيون، وفلاسفة، وثائرون كأنهم الفرعُ الثاني للأنبياء، في كل مكانٍ في العالــَم؛ لكن اليأسَ يمتنع عن الاقتراب منهم، فإذا لمَسَتْ أو لامَسَتْ الأفكارُ أوجاعَ الوطن الأم تحوّلوا إلى مُصلحين عن غير قصد!


ما هو الحدُّ الأقصى للوجع قبل الوصول إلى اليأس؛ وقبل الانهيار النفسي والعقلي والعصبي؟


لا أحد يستطيع أنْ يوافق أو يعترض على لحظات شفّافة في نهاية طريق قلمٍ يرى صاحبُه سَدّاً لا قِبَل لأحدٍ به، فهي رؤية بصرية داخلية كنتيجة طبيعية لمئات الكتابات أو الأحاديث التي من المفترض لأناسٍ طبيعيين أنْ تزلزل الأرضَ من تحت أقدامهم.


يعود ليسأل: هل من حقي أن أشعر باليأس من تحريك عادة أو فكرة لتستقيم وتتناغم مع التطور، والتحضُّر، والتمدُّن، والتنمية وتساهم في رِفعة المجتمع؟


في أول الطريق يظل كاتباً، لكنَّ الوصولَ إلى أن يصبح مصلحاً يُنْذِر بعواصف عاتية من الذين يدافعون عن العادات، والتقاليد، والموروثات، والمرويات، والمقدّسات، فلديهم يكون السكونُ هو الأصلَ، وأيّ حركة للأمام تبدو كأنها هجرة دائمة من المستنقع الذي يتدفئون فيه، وينعمون بسكونه، ولا يرتفعون أو..  يسقطون!


كل الشعوب تمر بهذه المرحلة في تاريخها، وتموت الجماعة وهي واقفة، وتتخلف وهي تظن أنها تسير بأسرع من الصوت.


كل الشعوب قد تتعرض لقيودٍ سلطوية ودينية تجتمع على التخويف والترهيب: واحدة من القصر و.. الثانية من السماء.


أعود إلى سؤالي: هل يملك الكاتبُ قرارَه في اليأس، أم أنها نقطة غليان المُصْلــِـح عندما يكتشف أن الصخر تنبجس منه عيونُ ماء وأن الناس تتحجر عند نقطة اللامبالاة؟


يأسُ الكاتب حالة إنسانية طبيعية؛ فيشج رأسَه في الحائط، أو يعتزل المجتمع، أو ينتحر، أو يمشي مع التيار فينقلب على مبادئه، وينضم إلى القطيع، أو يلجأ إلى السماء؛ ليس ليأخذ منها روحَ التحدي؛ إنما لتمدّه بالتطرف، والقسوة، والغلظة في ألسنة وكتابات رجال الدين.


يأسُ الكاتبِ يُطـــِل برأسِه عندما تنحو كتاباتُه، وأقوالــُه، وأفكارُه نحو الإصلاح مع مزيج من الثورة، والإيمان بالوطن.


يأسُ الكاتب يصل منتهاه في وقت يموت تأثيرُ الكلمة، المقروءة أو المسموعة، وتصبح فقّـاعات من فراغ صنعتها السُلطة، والمنبر، والبرلمان، والصحافة، والقضاء.


اليأس الحقيقي يأتي بعد سنوات من محاولات مُضْنية لوضع كشّافات مُبهرة أمام الاعوجاج المجتمعي، ثم يكتشف الكاتبُ أنَّ الجماعة والفرد في حالة إغماء، دائم أو مؤقت.


يأسُ الكاتبِ يصنعه ذبابٌ إلكتروني يهاجم الإصلاحَ، والعقلَ، والمنطقَ، ويرفع أمامهم التقاليدَ الباليةَ، والموروثاتِ الحمقاءَ، والفهمَ العقيمَ لقشور الدين.


يأسُ الكاتبِ يتضح بجلاء عندما تتحول سواعدُ المواطنين من بناء الوطن إلى الإنشغال بالأدعية، والبكاء، والدموع، والرجاء أن يحمل الله عنها ثقل المهمة الإنسانية، ويضع حلاً لمشاكلها، وأزماتها، ويرزقها من السماء والأرض، وهي تكتفي بالصلاة، والصوم، وأداء الشعائر، والطلب من رب العزة أن يُيَسِّر أحوالــَها وهي جالسة تنتظر رضا السماء؛ بل تظن أن الله(حاشا لله) لا يسمع من المرة الأولى، وعليهم قضاء ساعات طويلة محاولين إيصال أصواتهم إلى ذي الجلال والإكرام!


يأس الكاتب حقٌّ له عندما تصبح النرجسية ديناً جديداً، ولا يكترث المواطنُ لعذابات ابن بلدِه في السجون والمعتقلات فهو خائف من سُلطة جاءتْ لتخدمه؛ فقرر هو خدمتـــَها.


أنت يائسٌ؛ إذاً فأنت موجود بعد طول محاولات لإيقاظ القوم، فإذا بالحاكم، والقاضي، والإعلامي، والداعية الديني، ورجل الأمن، والعسكر يرفضون وقف التخدير المجتمعي.


قمةُ اليأسِ قد تكون أسمى، وأرفع، وأقدس، وأعمق درجات الحب للوطن عندما يتحول الكاتب إلى مُصْلح، وتصبح الكتابةُ الفضفاضةُ عن الدنيا مخصصةً للوطنِ الأم.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 17 أكتوبر 2020  

 


16‏/10‏/2020

المُلحدون قادمون!

أبدأ قبل أن يُساء الفهم وتُشير أصابعُ الاتهام لمعتقداتي قبل أنْ يقرأوا سطرين أو ثلاثة، كالعادة، بأنني مؤمنٌ ومقتنعٌ بديني، عقلاً ووجداناً وسلوكاً.

شعرةٌ واحدة عنكبوتية تفصل بين الإيمان والكُفــْر، بين الدين والإلحاد، وهذه الشعرة قد تنقطع في أي وقت إذا جذبها أوشدَّها أحد لطرف دون الآخر.

رغم أن الإنترنيت أهدىَ، إلكترونياً، إلىَ المؤمنين ملايين المواقع التي تُثبّت إيمانَهم، وتفسِّر لهم دينَهم، وتُقرّبهم لتعاليم السماء، وتشحنهم بوقود من الفكر والقناعة والمعلومات والمرويات والتفسيرات فتزيدهم إيمانــاً على إيمان.

في الجانب المقابل، وتحقيقاً للمساواة النــِتّية كان نصيب المُلحدين، أو الذين هُمْ في طريقهم للإلحاد، أو للواقفين في منتصف الحيرة بين الجهر بما يعتمل في النفس أو العودة إلى ما سقطوا من بطون أمهاتهم عليه من عادات وتقاليد وتربية سواء كان العقل رديفاً أو غائباً؛ فتجد ملايين المواقع التي تُحطــِّم في القيم الدينية، وتُشكــّك في الإيمان، وتنفي الاعتقاد بالألوهية، وتسخر من حكايات ومرويات يتناقلها المؤمنون بغير بصيرة لأنهم ورثوها عن أسلافهم  في غياب تام للعقل، أو على الأقل في مناهضة شديدة للتفكُّر والتدَبُّر والتعقــُّل!

منذ مئة عام أو أقل كان النصر من نصيب المؤمنين، واشتدتْ حركات التنوير قوة، واستعانتْ بالعقل، ونظفتْ الثقافة النقلية، ورفعتْ الحرج عن تفسيرات متحجرة أتتنا من عصور الانحطاط على حين غفلة.

سبق قاسم أمين ومحمد عبده والأفغاني والكواكبي وعلي مبارك زمنَهم بأزمنة إضافية.

في عشرات السنين المنصرمة هجم جرادٌ متوحش من الفتاوىَ، فأصاب الإسلامَ والمسلمين حتى إذا مَرَّ جيلٌ أو اثنان إلا وتغلغلتْ، وترسبتْ، وتثبتّتْ، وتخمرتْ الفتاوىَ الفجــّة في عقول، وقلوب، وأفئدة أكثر المسلمين.

ثم ظهر مُفسّرون لها، ومحللون لحماقتها، ومُزيّنون لتخلفها؛ فأضافوا، وحذفوا، واستعانوا بكل ما وصلهم من عصور الانحطاط لصناعة إسلامٍ جديد، مختوم عليه بختم الدولة، أو السلطة، أو الصمت الثقافي، أو..  العُزلة التنويرية.

ومن المصادفات أنَّ الصورةَ حَلـّتْ محلَّ الكلمة، وأصبح بإمكان المساكين، والجهلاء، والأميين، والمتعفنين من أثر الفتاوىَ أن يجلسوا كالتلاميذ البُلهاء أمام دُعاة يحتاجون لمصحة للأمراض النفسية والعقلية والعصبية، ينصتون وكأنَّ على رؤوسهم الطير.

عرف هؤلاء الدعاة الأوغاد كلمة السر بدلا من افتح ياسمسم: وكانت المرأة والجنس والغلمان والانتصاب الدائم وبيت للدعارة في الجنة طوله ألف سنة.

كان الأوغاد يعرفون أن نفورَ جيل الفتاوى منهم يبدأ مع استخدام العقل، وتقريب الإيمان، وجذب المؤمنين لجَنــّـةٍ يرى فيها المرءُ وجهَ ربه، ذي الجلال والإكرام، ويعيش حياة ثانية في سلام، ويصبح أتباع كل الأديان أتباع أُخُوَّة بشرية وإنسانية في السماء و.. في رعاية مالك المُلك.

عرف الدعاة الأوغاد أن الجالسين أمام خرافاتهم وحكاياتهم يحلمون بالجنس، وبسبعين من الحور العين، وبغلمان، وفي كل مرة يمارس أحدُهم الجِماعَ مع حورية يظل يقذف لسبعين عاما، ثم ينتصب عضوه التناسلي مرة أخرى، فاللهُ(حاشا لله) أعَدَّ له مائدة من الطعام والشراب والنساء اللائي لم يمسسهن إنسٌ ولا جان، ولا مانع أن تجلس زوجته في الدنيا الفانية تشاهده في الجنة وهو ينتقل من أحضان إلى أحضان.

عرف الدعاة الأوغاد أن اللهَ آخر من يفكر فيه المتعطشون لجنتهم، واليوم فقط شاهدت حديثا على فيديو لأحد المشاهير وهو يؤكد أن المسلم في الجنة أعدَّ الله له دكاكين يختار منها ما يشاء؛ هذا الدكان للغلمان، فيشحن مئة أو مئة وخمسين إلى القصر، وهذا للحور العين فيشحن ما لا حصر له. كان المنصتون في المسجد يهللون فرحين بماخور سماوي في انتظارهم.

عرف الأوغادُ أن جيوبَهم وحساباتهم في المصارف تحتاج إلى حمقىَ، وجهلة، وساذجين، ومهووسين بالجنس، ودراويش صنعتهم الفتاوى.

عرف الدعاةُ الأوغاد أنهم في العالم الإسلامي في حماية السُلطة والفتاوىَ.

من عشرات الآلاف من الكتب المُغبرة والمنقولة إلينا استطاع الدعاة الأوغاد استخراج الغثيان منها، فزعموا أن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، كانت معجزته في قوة جنسية تعادل أربعين رجلا فيمر على كل زوجاته بغُسْل واحد.

واستخرجوا من تراث منقول، ومزيّف، ومن إسرائيليات دخلت عُنوة إلى الدين كل ما يصيب النفسَ العفيفة بالقرف، لكن الجماهير المسلمة غابتْ عن الوعي، ودخل أكثرها في لذة حكايات ألف ليلة وليلة الجنسية الإسلامية.

هذا فضلا عن قضايا المرأة والنقاب وضرب الزوجة وتفخيذ الطفلة والزواج منها إذا بلغت السادسة ويتحمل جسدها ثقل جحش إنساني يقتحم موضع العفة منها الذي لم يتكَوّن بعد.

وأخيرا ظهرت الصورة أوضح من شمس مكة في رابعة النهار: فالأوغاد تمكنوا في سنوات قليلة من صناعة الملحدين، وتربية الكارهين لآخر الأديان السماوية، ومنح خصوم الإسلام عشرات الآلاف من الحكايات المُنفّرة التي تُحبب الكُفر على الإيمان، وتقوي شوكة خصومه، تماماً، كما فعلتْ طالبان وبوكو حرام والدواعش والسلفيون وشباب الصومال وغيرهم ممن اختاروا السيفَ لفتح أبواب جنة الجنس.

الملحدون قادمون لأن المسلمين يدعمون الدعاة الأوغاد، ويعتقدون أنهم يتحدثون في الدين حتى من خلال الدم والجنس والاعتداء على الأطفال.

هناك مجتمعات بأكملها وقعتْ تحت سطوة وسيطرة الدعاة الأوغاد، وهم غثيانيون، وممثلون، ومزايدون، وفي أعماقهم من خلال ألسنتهم ومنهجهم كارهون للإسلام حتى وهُمْ فوق المنبر.

دعاة أوغاد زادتْ بأحاديثهم، وخطبهم، وعفنهم، ونتنهم الجريمة، والمخدرات، والتحرش، والاغتصاب، والسرقة، ودعم الحُكّام الطواغيت، وتأييد اعتقال الأبرياء، وتعذيبهم، والتهرب من الضرائب، وتأسيس إعلام فاسد بأموال إسلامية، ظاهراً، وباطنُها حرام.

إن وجود عشرات الدعاة الشرفاء والمخلصين والعقلانيين لا ينفي الغزو النجس من الدعاة الأوغاد، ومن ملايين المسلمين الذين خدّرتهم خمسون أو أربعون سنة من أسوأ ما مرّتْ على الأمة من انحطاط.

كان عمل الدعاة الأوغاد صعباً عندما كانت الكلمة المقروة هي الفصل، والحَكــَـم، والمنطق، أما دخول الصورة والفيديو واليوتيوب المعركة إلى جانبهم فقد أحكموا السيطرة على العقل المسلم، وخاصة الجاهل والأمّي الذي لا يحب اللهَ، إنما يخاف منه فقط، ويقضي حياته في عالم الأدعية.

إذا حاورتَ جاهلاً في الدين فسيقضي عليك بالضربة القاضية من خلال حكايات وفتاوىَ الدعاة الأوغاد.

الملحدون قادمون فقد تهيأتْ لهم كل وسائل الانتصار في الحق، و.. في الباطل.

كل هؤلاء الدعاة الأوغاد سيرفعهم الملحدون فوق الأعناق؛ فهم الذين فتحوا الطريق لهم، وخدّروا عقول المسلمين، وتبَوّلوا في جماجمهم، وبصقوا في آذانهم، وجعلوا إيمانَهم بورنوجرافياً!

الملحدون قادمون فالعالم الإسلامي بكل دواعشه، وسجّانيه، وطُغاته، وخرافاته التي حشروها في الدين، وأحلام الحوريات العذارىَ،  والغلمان مهدّوا الطريق لفصل الدين عن القلوب بعدما كان فصلـُه عن السياسة حُلمَ المتنورين.

أكرر في نهاية المقال بأنني مسلم، ومؤمن عقيدة وسلوكاً وشعائر دينية وقناعة عقلية؛ قبل أن يتشبثْ الحمقىَ في جُملة، أو كلمة، أو إشارة؛ وسيفعلون رغم أنفي!

محمد عبد المجيد 

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 16 أكتوبر 2020   


15‏/10‏/2020

لذة العبودية الطوعية!

لذة العبودية الطوعية!

ماذا يحدث عندما يصل شعبٌ ما في مكانٍ ما إلىَ مرحلةِ الاكتفاءِ المازوخي في لذةِ المَذلةِ والاستكانةِ والرضا بأيّ حاكمٍ أو إرهابي أو حِمار أو درويش يحكمه ويصنع له الدولةَ السجن؟

هنا تظهر العُقدةُ التي لا حلَّ لها؛ فكيف تُقنع شخصاً يُصْفَع علىَ قفاه بأنَّ الصفعةَ ليست قُبـْـلــَة؟

أتحدثُ هنا عن فترةٍ زمنيةٍ مُحَدَّدَةٍ، قد تطول أو تقــْصُر، يصاب الشعبُ كلــُه، مع استثناءاتٍ قليلةٍ، بلـَذةِ العبودية التي تُعطي إحساساً خادعاً بالأمانِ والسلامِ والابتعادِ عن سَوْط السُلطة والتخويف المستمر.

كلُ الناسِ تخاف من كلِ الناسِ، وتتربص بك العيونُ، وتطارد الآذانُ همساتــِكَ، ويلجأ الناسُ إلى الدينِ ليستخلصوا منه، علىَ هواهم، المُخَدِّرَ الذي يربط عبوديةَ أهلِ الأرضِ بالسماءِ، ويتم العثورُ في ثنايا الآياتِ المقدسةِ والأحاديث المتواترةِ والحكاياتِ والمروياتِ والعنعنياتِ عَمّا يُلــْـصِق الهزلَ بصحيحِ الدين، والخوفَ من الحاكمِ بالخوفِ من اللهِ، وطاعةِ الخالق بطاعةِ المخلوق!

لذةُ العبوديةِ عاشها وعايشها وآمن بها ضعافُ النفوسِ، ومتأخرو العقولِ، والجهلاءُ لقيمة البشر، وكرامة الإنسان؛ وهؤلاء قد يكون انتماؤهم لصفوةِ المجتمع من إعلاميين ومثقفين وأكاديميين وباحثين وسياسيين ورأسماليين وفقهاء ودعاة لكل الأديان؛ لكنَّ فـِـقـْهَ الجُبْنِ أطاح بالنفس السوية وصنع بديلاً لها: رعشة في الفكر، والقلب، والروح؛ فيهجر صاحبُنا خَلـــْـقاً نفخ اللهُ فيه من روحــِه فسكنته الشجاعةُ والكرامةُ والتسامحُ في قالبٍ إنسانيٍ مكتمَل، ليرتمي في أحضانِ العبوديةِ الأقرب إلى حيواناتِ الغاب!

شغلتني طويلاً قضيةُ القابلية للعبودية، خاصة إذا تعَلــَــقـْتْ بجماعة من البشر ذاقتْ حلاوةَ التَحَضُّر في تاريخِها، وعرفتْ مركزيةَ التَمَدُّن لفتراتٍ زمنية، وكانت قِبلةَ التنوير؛ ثم هجمَ عليها رجالُ دينٍ أو عسكر أو دراويش أو حيوانات بشريةٌ فتناغم الأخذُ والعطاء لتختار الجماعةُ في النهايةِ طريقَ التخلف، والقسوة، والغـِـلــْـظة، والفساد، والاحتيال، والجُبْن، والوشاية، والكراهية، وترجع القهقري في سُلـَّمِ الحضارة ولا تتحسَّر علىَ ماضيها؛ إنما تفتخر بالذين دَمَّروها وهي تحسب أنهم يُحْسِنون صُنعا؟

لا طريقَ للنجاةِ إلا برفع القداسةِ عن الجميع؛ التاريخ، والبشر، والحُكــَّــام، والسلطات، والأفكار، والآراء، والنصوص حتى نقطع الطريقَ علىَ المسيطرين علينا و.. المتحَكـِّمين في سلوكياتــِــنا.

لا طريق للنجاةِ إلا بالشك، والريبة، والنقد ، فالشكوكُ صراعُ العادةِ مع العقل، ومحاولاتُ سيطرةِ (ما ألفينا عليه آباءَنا) على تطور الفكر!

لا طريق للنجاة قبل أنْ يتعلم الناسُ أنَّ الكرامةَ قبل الخُبز، وأنَّ الشجاعةَ قبـْـل العِلــْـمِ، وأنَّ الطريقَ للخلاصِ يبدأ بتصغير، وتحجيم، وتقزيم الكبار.

لا طريق للنجاةِ قبل تَساوي كلِّ الرؤوس، وصناعة مجتمعٍ جديد يقوم علىَ نَبْذِ كل القوانين التي صنعتْ الإنسانَ الدُمْية، أو العبْد، أو الذليل، والبدء في تلقين الناس مباديء الأخلاق القائمة علىَ تطور المجتمع إلىَ الأفضل؛ وليس علىَ آراء رجالٍ يلقنوننا من معابدِهم أصولَ علاقتِنا بالسماءِ و.. مع بعضِنا في الأرض.

لا طريق للنجاة قبل نَزْع الخوفِ من صدورِنا، ونزع الرغبة في الوشاية ضدنا من صدور القريبين مِنــّـا، واعتبار الواشي عدواً لكَ، وعدواً لي، وللمجتمع!

لا طريق للنجاة قبل استبدال ثقافة العقل بثقافة النقل، وإعادة الاعتبار للكتاب، وأنْ لا تزيد قراءاتــُك الدينية عن عُشْر قراءاتــِـك العِلـــْـمية، والإنسانية، والثقافية، والأدبية.

لا طريق للنجاة قبل احتقار، وازدراء، ونَبْذِ، وكراهية الحوارات الدينية الاستعلائية التي تُفاضِل بين ما تلقيناه عن أسلافِنا مما هو غيرُ مؤكدٍ مع ما تلقاه غيرُنا عن أسلافِهم مما هو ليس مؤكداً!

لا طريق للنجاة إلّا أنْ تنظر في المرآةِ قبل مغادرتِك بيتك، وتشهق شهقة الحرية، وتُقـْسِم لنفسِك أنك إنسانٌ حُرٌّ غيرُ مختومٍ علىَ قفاك من رجلِ الأمن، والعسكري، والدرويش، والحِمار الذي يحكُم بلدَك، ثم ترفع رأسَك في عِزة، ورفعة، وشجاعة و.. لو كنتَ أفقرَ من شحّاذ.

لا طريق للنجاة قبل أنْ تقتنع أنَّ الذي مات في السجن أمس، وأول أمس، وسيموت اليوم من التعذيب، ومن سيموت غداً من الظُلــْـمِ، والمرض، ونقـْصِ الدواءِ هو أخوك في الإنسانية أمام الله حتى لو غضَّ الناسُ الطرفَ عنه!

لا طريق للنجاة قبل الغضبِ فهو دينامو الإيمان، ومن يكتفي بالسخرية، والضحك، والمديح، والتزلـُّـف، والتمَلــُّـق، والخوف، والجُبْن، والصمْت؛ سيعيش ويموت مثل فأرٍ خُلــِقَ ليجري من جُحْرٍ إلىَ آخر لئلا يلمحه قِطٌّ هائِمٌ يبحث عن فريسة.

لا طريق للنجاة قبل التخلص من الشيطان الذي يتسلل لخمسة أماكن: قصر الرئاسة، أو  يجلس تحت قبّة البرلمان، أو يلتصق بمطرقة القاضي، أو يصعد المنبر مع رجل الدين، أو يحشر رأسَه في سِنِّ قــَـلــَمِ الإعلامي.

لا طريق للنجاة قبل أن تقتنع، وتؤمن إيماناً صلباً، وراسخاً أنَّ رئيسَ الدولةِ، ورجلَ الأمنِ،والقواتِ المسلحةَ، والقاضي، والداعية الديني، والحكومةَ هُمْ في خدْمتِك، وليس العكس! 

لا طريقَ للنجاةِ قبل أنْ تتحسس قفاك، وتصرخ في وجهِ من يقترب من كرامتِك، أو أنْ تنتظر حَفــَّارَ القبور ليلقي بكَ في حُفْرةٍ ضيقةٍ مكتوب عليها: عاش ومات و.. لم يصفع مُهينيه!

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 15 أكتوبر 2020     


13‏/10‏/2020

شعوبٌ في الوقت الضائع!

 شعوبٌ في الوقت الضائع!

يختار درويش أو عسكري أو أحمق أو حِمار شعباً ليركبه أو يحكمه أو يجلده أو..  ينهبه؛ فتدهشك ردودُ فعل أبناءِ الشعبِ بمن فيهم مثقفوهم ومتعلموهم ونخبتُهم وصفوتُهم، فالطاعةُ لا تختلف عن طاعةِ الماشية لراعيها حتّىَ لو لمْ يُلوّح لها بعصا يهشّ بها عليها!

لا يهم إنْ كانت الخطبةُ الأولىَ آياتٍ مقدسةً أو طــَـرَقاتِ أحذية ميري أو كرباج للجَلـــْــدِ أو نهيق حِمار؛ فالشعبُ سيفتح بابَ الطاعة علىَ مصراعيه لأول من يجهر بالأوامر ومعها وعودٌ برّاقة تدغدغ مشاعرَ الرعية.

هنا تنتهي مهمةُ القصر وتبدأ رهبةُ الطاعة في السَرَيان، فالشعبُ يُخيف الشعبَ، والتبرع يتسارع لدعم الحاكم، رجل الدين أو العسكري أو الأحمق أو الحِمار، يجري علىَ قدَمٍ وساق وكل خائفٍ أو جبان أو وصولي أو منافق يقوم بعملية حسابية بسيطة وسريعة لمعرفة الخسائر والأرباح في معارضته أو دعمه وهي تبدأ من رضا السماء وجنات الخُلد وتمر بالولاء للجيش والقوات المسلحة التي تحمي ظـــَهْرَ الرعية حتى لو سَحَلـَتْ أفرادَها وكثيرا ما تكون الأرباحُ والخسائر متعلقةً بمدىَ حماقة صاحب الكلمة الأولىَ و.. الفصل!

أما لو كان الحاكمُ حِمارًا فاستدعاءُ التبريرات يكون أسرعَ من الضوء، بل إنَّ النهيقَ يَضْحىَ كفلسفةِ إسبينوزا مع مشهد خاطف في الذهنِ لزنزانةٍ في قبوٍ تحت الأرض برعاية جلاوزة التعذيب.

المهم الوصول للقصر، وبعد ذلك يُخطّط العبثُ نظاماً لا يعرف ثغرة واحدة فتلتزم به وسائل الإعلام الحكومية وأعضاء البرلمان ورجال السلك القضائي و.. الحالمون بملء جيوبهم وحساباتهم المصرفية من خيرات وأموال المُطيعين.

لا أشير هنا إلى بلدٍ مُعيّن أو حاكمٍ بعَيْنِه؛ إنما أصف حالةً تكررتْ علىَ مدىَ التاريخ الإنساني وكل واحدة طـِـبْق الأصل من الأخرى، سواء كان الحاكم باسم السماء أو الجيش أو الحُمْق أو حمار سابــَقَ الجميع فسَبَقَهم إلى القصر.

العبودية الطوعية لا تُصنــَع في السجن أو القصر أو البرلمان أو المحاكم أو قسم الشرطة؛ لكنها تأخذ شكلــَها النهائيَ في الخوف الجماعي لأفراد الشعب المدعومة ( أي العبودية المُختارة)من الوشاة.

كل ما يدور في ذهنك ويطارد خيالـــَك الفئراني يصنعه أناسٌ مثلي ومثلك وهم ليسوا بحاجة لسوطِ رجل الأمن أو سَلــْك ٍكهربائي يصعق موضعَ العِفّة منك أو أجهزة أمن تتصنت عليك أو رجل دين يقنعك بأنَّ طاعتـــَك لحِمارِك فرضٌ عين عليك لتتجنب غضبَ السماء.

الشعوبُ أعداءُ الشعوبِ، وصديقُك سيُبلغ عنك قبل أنْ تعرف أجهزةُ الأمن مكانــَك، وابنُ بلدِك هو الذي سيتولىَ تأديبــَـك وتعليمَك كيفية الصمت دونما حاجة لقوات مكافحة الشغب.

لو اطـَّلعتَ على أسماء الوشاة والمتعاونين والمخبرين لدىَ أجهزة الأمن فستتصبب عرقاً من الغضب والخجل معا؛ فمنهم أصدقاءٌ ومعارف وزملاء استبعدت أيــّــاً منهم أنْ يكون يهوذا الإسخريوطي عندما كنتَ ساذجاً يرفع العواطفَ فوق العقل.

في الدول التي يحكمها طواغيت ساديون يتكرر نفسُ المشهد، ويصفّق الإعلاميون لسيدِنا الحِمار، ويفلسف الأكاديميون أقوالــَه، ويوافق البرلمانيون على هراءاته، ويرى القضاةُ والمستشارون(في أغلبهم) صورتــَه في كل مادة قانونية مربوطة بسلسلة نهايتها في أعناق المُطيعين.

لا تخف من السلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية؛ ولكن احذر ابنَ بلدِك الجبان فهو الأخطر من بين كل الوشاة.

الخطبة الأولى من شرفة القصر أو من مكتب الحاكم لا يسمعها إلا القليل؛ فالشعبُ ينصت لنبضات قلبه وسرعتها وقوتها واضطرابها، ثم ينظر كل منــّا لمن حوله باحثـاً عن الضحية الأولى التي سيُبْلــِغ عنها.

في عصر الإنترنيت ستجد أنَّ الذين يجوسون في صفحات الآخرين أضعاف رجال الأمن، ففي الدول القابلة للعبودية الطوعية أو الاختيارية يأتي الخطرُ ممن يتنفس أمامك قبل أنْ يستدعيك ممثلُ السلطة البعيد.

طائر الشمال

محمد عبد المجيد

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 13 أكتوبر 2020   

12‏/10‏/2020

حماية الفساد في ظل صحافة لا تُخيف!

 حماية الفساد في ظل صحافة لا تُخيف!

الكلمة المكتوبة أو المسموعة لا فائدة فيها إنْ لم تُخَربش أو تغرز أنيابَها في المشبوهين بقضايا الفساد!

عندما لا تهتز شعرةٌ في رأسِ السلطة التنفيذية والقضائية والتشريعية لدىَ انتقادِ الصحافة لتعامُل الدولة مع أزمة أو كارثة أو فساد أو ظــُلم فاقرأ الفاتحةَ علىَ روح هذا البلد.

الفارقُ بين الدول المتقدمة والدول المتأخرة تعرفه من تأثير الكلمة المطبوعة أو المسموعة، وعندما تصطدم بآذان صَمًّاء فاعلم أنَّ السلطة الرابعة ليست في خدمة الحقيقة؛ إنما في ذيل السلطة التنفيذية.

مَرَّ حينٌ من الوقت كانت السلطة الأولى هي رجالَ الدين، والثانية هي النبلاءَ، والثالثة هي عامة الشعب.

في أوقات تَفَشّي الفساد وتراجُع دور الإعلام أو دخوله حجرة الفئران يحلّ المالُ مَحَلَّ كل السلطات.

في الدول الفاسدة لا يكترث مسؤولٌ أو قاضٍ ظالمٌ أو برلماني مُرتشٍ بتروس المطابع ولو أخرجتْ من أحشائها فضائح كل مدونات الشياطين، بل إنَّ الفسادَ يُطل برأسه من بين الصحف أو من شاشة التلفزيون، ويُخْرج لسانَه القذرَ لأنه في حماية كل أجهزة الدولة.

في الدول الفاسدة يبحث الإعلامي عن تبادُل المنفعة، المادية أو السلطوية أو الدينية، فهو يعلم أنَّ في نشر الحقائق خطورة على حياته أو وظيفته أو مصدر رزقه؛ فيختار من سيقوم بتلميعِه ونشر أكاذيب ترفع من شأنه أو .. تحُطّ من شأن معارضيه ومنتقديه.

خَنْقُ السلطة الرابعة بالسجون والمعتقلات والتهديدات والتي قد تصل إلىّ حدّ التصفية الجسدية أو وضع الاسم في المترقَب وصولهم إذا كان الإعلامي خارج وطنه يجعل أصحابَ القلمِ أو الصوت يتراجعون خوفاً من عواقبَ وخيمة أو حتى الإضرار بعائلاتهم وأصدقائهم.

في العالم المُتقدم فإن خبراً صغيراً عن تهرب ضريبي لرجل أعمال أو ملء خِزان السيارة وتسديد الثمن من أموال الدولة أو شراء تذكرة طائرة في رحلة خاصة على حساب الشركة التي يعمل بها قد تؤدي إلى إنهاء التعاقد معه أو إلى محاكمة أدبية.

في الدول الفاسدة لا تتأثر أي جهة بما تنشره أو تذيعه الصحافة ولو باع الحاكمُ الأرضَ والبحرَ والهواءَ والأرواحَ ونشرتْ وسائلُ الإعلام صرخاتٍ مدويةً فإنها تصل فقط إلىَ باب المؤسسة المُتهمة أو الشخص ثم تعود أدراجَها.

في الدول الفاسدة يحتقر الحاكمُ وأصحاب المال والبرلمانيون والقضاة السلطةَ الرابعة، ولو تجمعتْ عشرات الآلاف من الوثائق التي تدينه رئيساً أو أميراً أو حاكماً أو رجلَ دينٍ أو مستشاراً قاضياً فلن تُحرّك ساكناً، لأنَّ السلطة الرابعة أوراقٌ لا تساوي قيمة الحِبْر المطبوع عليها أو أصوات إذاعية أو تلفزيونية يقابلها صَمَمٌ جماعي من السلطة الحاكمة و.. من الشعب.

قُل لي ما يفعله تقريرٌ صحفي عن فضيحة أخلاقية مالية أو نهب أو سرقة أو قتل أو فَبْرَكة أباطيل أو تزوير انتخابات أو تهريب آثار أو عَقْد اتفاقات سرية مع عدو خارجي لأصف لك بِدقــَّــة نظامَ الحُكْم في هذه الدولة.

في العالم المتقدم إذا هددتَ فاسداً بأنك ستلجأ إلى الصحافة فإنه سيستجديك، ويتوسل إليك، ويرجوك أن لا تفعل.. فالسلطة الرابعة في الواقع قبل كل السلطات الثلاث الأخرى؛ أما في دولة الفساد فلو نشرتْ كل الصحف في الداخل والخارج أنَّ الحاكم باع الوطنَ كلـــَّه من وراء ظهر المحكومين فلن تلفح نسمةُ هواءٍ وجهَ أحد.

هنا تبدأ صناعةُ اليأس، ويعرف كلُّ مواطن أنها لم تعد بلـــدَه، وأنَّ وطنـــَه يُباع في مزادٍ لمن يدفع أكثر.

أسوأ لحظات تاريخ أمةٍ هي تلك التي تُصاب الرعيةُ بالبلادة والتناحة واللامبالاة وحماقة التبرير والخوف الجماعي حتى يتحول الناسُ إلىَ وشاة؛ فمن يُبـــْـــلغ عن أخيه فقد ضمن روحَه في جسدِه.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 12 أكتوبر 2020    

   


10‏/10‏/2020

الديكتاتور يشكر الساخرين منه!

إذا أردت أن تطيل عُمْرَ ديكتاتور في الحُكـْم فاجعل الفواجعَ كوميديا، وحَرِّض الرعيةَ المُضْطـهَــَدة علىَ استخراجِ الضحك من البكاء، واجعل المُعَذَبين يرشقون القصرَ بالنُكـَتِ، وحوِّل الدموعَ إلىَ قهقهاتِ حشّاشين؛ حينئذٍ تضمن حذاءَ الطاغيةِ فوق رأسِك سنينَ عددا!

الكوميديا لادخال البهجة إلىَ النفسِ؛ أما الشعوب التي يختبيء الألمُ خلف خوفــِـها فيجعلها تحارب طاغيتــَها بالسخريةِ منه لن تحرّك ساكناً، بل لديَّ شبه يقين أنها تهدي قفاها أو ظـَهْرَها لمن يركبه!

لم تهتز أوتادُ خيمة طوال 42 عاما من حُكم العقيد مُعمر القذافي لأنَّ سيفَ النُكــْـتة اللاذعة لا يذبح دجاجة، ومئات الآلاف من الحكايات الحقيقية أو المُفبرَكة عن قائد الجماهيرية العظمىَ جعلته أكثر ثباتاً في الأرض و.. في الصدر.

السخريةُ تنفيسٌ ليس نفيساً، وزفيرٌ بدون شهيقٍ، وطواحين هواء لا تُحَرّكها أنفاسُ الغاضبين المُسالمين!

والتهكمُ علىَ تنصيبِ جان بيدل بوكاسا نفسه إمبراطوراً علىَ الفقراءِ من أموال قرضٍ فرنسي لم يمنع بابا الفاتيكان من استقبالــِــه استقبالَ الأبطال، وهو المُتهَم بأكل لحوم تلاميذ المدارس الثانوية الذين احتجوا على ديكتاتوريته في بانجي عاصمة أفقر بلاد القارة السمراء.. جمهورية أفريقيا الوسطى!

عبقرية الرعب في حشــْر التهريج في ألسنة مُعارضي الديكتاتور ، ويمكن جمع ما يملأ موسوعاتٍ من السُخرية عن دراكيولا أيّ وطن، لكن أنيابــَه تظل مُتعطشةً لأعناق رعيته، فالسادات اعتبر سخرية شعبه منه مركز قوة له، فاستمر رغم السخرية حتى قُتــِلَ في احتفال العبور و.. هو بين جنوده وفي حمايتهم.

كان عيدي أمين دادا يجابه التهكم عليه بمثله، وكان عاشقا للتقليل من شأن الرجل الأبيض فيرسل لمَلــِكَة بريطانيا عارضاً طعاماً على البريطانيين الجائعين، ويحمله على أكتافهم بريطانيون في كامبالا، ويطرد عشرات الآلاف من الآسيويين المقيمين في أوغندا، ويطلب من الرئيس السادات الموافقة أن يأتيه عيدي أمين سابحا في النيل بين التماسيح! أسقطته قوىَ خارجية واكتفىَ الأوغنديون بمناهضته بالنُكتة!

الديكتاتور يبحث دائما عن الذي يضحك عليه، وعن انشغال شعبه بالسهر وهم يقُصّون حكاياتٍ كوميديةً عنه، فلا يطيل في عُمْر أيّ طاغية أكثر من شيئين: انشغال رعيته بالحوارات الدينية، ومحاربته الوهمية بالسخرية.

كانوا يقولون عن حسني مبارك أنه البقرة الضاحكة، فاقنعهم أنه قائدُ الضربة الجوية الأولى؛ فظل بها ثلاثين عاما صانعاً الفشل في كل شيء، وشاغلاً الشعب بالسخرية الخفيـّة منه.

لم يضحك شعبٌ على زعيم كما ضحك الايطاليون على موسوليني، وظل متربعاً بغطرسته على عرش روما، ومتحدياً قوة الكنيسة الكاثوليكية:( كم دبــّــابة يملك البابا، كما قال ساخرًا؟)، وسقط فقط حين هُزِمَتْ ايطاليا في الحرب العالمية الثانية.

السخرية من المستبد والديكتاتور والطاغية لا تجعله يُفرج عن المعتقلين الأبرياء، ولا يضع نهاية للتعذيب، ولا يتوقف عن نهب خيرات الشعب، فالغضب فقط هو المقدمة الأولى لحرية أي شعب، والشعب الذي يستبدل بالغضب ضحكاً، وبالاحتجاج همساتٍ لاذعةً من وراءِ ظهرِ سُكّان قَصْر الحُكــْم، لن يُحَرّك شَعْرة غير مرئية من رأس رجل أمن مريض يقف بسلاح قديم عاطل يخيف به العبيد.

طوال أكثر من مئتي عام كان الأمريكيون من أصولٍ أفريقية يسخرون من أسيادِهم الاقطاعيين القُساة، وكانوا ينتصرون من وراء الظــَهْر وهم يرتعشون، إلى أنْ جاء الوقتُ الذي تغيـّرتْ الظروفُ العالميةُ وانتفضتْ حركات مناهضةٌ للعبودية وللتمييز العنصري وصرخ حُلـْم مارتن لوثر كينج .

الاستخفاف الهامس بعيدًا عن عيون الحاكم الديكتاتور لا يضرّه في شيء، ويمكن للرعيته برُمتها أنْ تبصق علىَ أيّ طاغيةٍ فور مغادرتــِه المكان، لكنه لن يتأثر، بل إنَّ هذا ما يطلبه تماماً، أيّ امتصاص غضبٍ لم يتكوّر ويتكوّن ويضغط علىَ أعصاب المهضومة حقوقُهم قبل أنْ ينفجروا.

الآن يمكنك أنْ تدير مؤشرَ التلفزيون أو فارة الكمبيوتر فيأتيك اليوتيوب بما يبهجك من كل صور الاستهزاء بأي إرهابي أو طاغية أو سجّان أو ديكتاتور، لكن آلافــاً من البرامج والحوارات الشديدة التهكم والسخرية والاستخفاف لا تحرّك مُجرما إرهابياً وطاغيةً من مكانه شبراً واحداً، إنما الغضب الثائر والهادر والجماعي هو القادر على اختصار عبوديتك وخوفك ثم اخراجك من زنزانة الوطن إلى أرض الله الواسعة.

برامج وأفلام وحوارات تسخر من ديكتاتور هي حرْبُ الضعفاء أمام مرآة ضخمة يرىَ كلُ ساخر فيها نفسه ضاحكــاً في موضع البكاء.

لا تفرحوا كثيراً فالحاكم القاسي والغليظ والسفّاح والديكتاتور مستعدٌ ليسمع أحدث نُكتــة عنه؛ ويضحك عليها!

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 10 أكتوبر 2020  

 

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...