07‏/10‏/2020

الجمهورية الفرنسية الإسلامية!

الثوبُ الناصعُ البياض لأيّ دولةٍ أو مذهبٍ أو عقيدةٍ أحلامُ يقظةٍ لأناسٍ أغمضوا أعينَهم وبدأوا في قراءةِ كُتُبِ التاريخِ دون أنْ يفتحوا عيونَهم!

التاريخُ محشورٌ في صفحاتِ كُتُبٍ لنطالعه بين ألفينة والأخرىَ فنستفيد، ونعرف، ونصحّح ما تلقيناه شفوياً من أنصاف الأميين ومتسكّعي الشوارع؛ لكن النــِتّيين والفضائيين واليوتيوبيين مَزَّقوا المعارفَ المكتوبةَ لتحل محلها حروبُ الشائعاتِ والتراشُق بأقوال رواد المقاهي في نهاية السهرة.

كان الإنسانُ نتيجة سقوطــِه وليدًا من بطنِ أمـِّه؛ أمّــا الآن فهو يسقط من الشاشة الصغيرة، تلفزيون أو حاسوب، فيجلس أمامه ولا تدري إنْ كان يتعلم أمْ يرضع!

يعيش في فرنسا خمسة أو ستة ملايين مسلم، منهم مهاجرون، ومنهم مقتَطـَعون من المستعمرات الفرنسيةِ السابقة، ومنهم متعاوِنــون سابقون مع قوات الاحتلال، ومنهم الباحثون عن الحرية والجَمال والعمل والدراسة، وكثيرٌ منهم يتنورون في عاصمة النور!

بعضُهم أخذ الإسلامَ معه لحمايتــِه من أخلاقِ وعادات المضيفين، وبعضُهم فرْنــَسوا إسلامَهم فَيصومون رمضانَ بانتظامٍ، ويؤدون نِصْفَ الصلواتِ وهُم في عَجَلةٍ من أمرهم، وبعضُهم استأْذَن إسلامَه أنْ يغض الطرْفَ عن سنواتِ المتعة والبهجة والسهر والجنس والعشق حتى تهدأ حِدَّةُ الشهوات فيتوب، ويتعرف علىَ إمامِ المسجد، ويُنْصِت للقرآن الكريم في مُكَبــِّر صوتٍ ليعرف الجيرانُ أنه عاد إلى طريق الصلاح.

وهناك مسلمون مزَّقتهم الحيرةُ بين داعش وبوكو حرام وفتاوىَ أئمة الحرمين الشريفين أو فتاوىَ الأزهر في قاهرة المعز.

تسوء الأوضاعُ المعيشية في الدول المُستعْمَرة سابقاً، فيشعر مُسلمو فرنسا بحنينٍ إلىَ قديمٍ يتجدد في الذِهْنِ و.. ليس في الواقع.

رغم امتلاءِ فرنسا بمسلمين مثقفين وعلماء وأطباء ومهندسين وفنانين وأكاديميين وروائيين، منهم العربي والأمازيجي والكردي والأفريقي، إلا أنَّ أغلبيةً مهاجرةً ومستقِرة تنتمي للطبقة الكادحة والمُتَعَرّقة سواء كانوا عُمّالا أو عاطلين أو أنصافَ أُميين أقنعهم آخرون أنهم يحملون مِشْعِل التنوير السلفي لتعليم تلاميذ الاستعمار أنَّ البخاري أرفع قدراً من فيكتور هيجو، وأنَّ أبا هريرة أعلم من موليير، وأنَّ حضارة الإسلام ستعود ليدخل الفرنسيون في دين اللهِ أفواجاً.

تخيلتُ لبرهةٍ من الوقتِ أنَّ الفرنسيين كلـــَّـهم مسلمون، وفي فرنسا الإسلامية يعيش خمسة أو ستة ملايين مسيحي أو يهودي أو بوذي أو بهائي أو قادياني؛ واستمعتُ في خيالي لخطبةِ الرئيس المسلم، وهالني ما سمعته عن الملايين الخمسة من المسيحيين واليهود والبوذيين والبهائيين والقاديانيين وعن أديانهم وأن ( المسيحية في أزمة، واليهودية في أزمة، والبوذية في أزمة، وهكذا دواليك!)

أعود إلى الرئيس إيمانويل ماكرون الذي كاد منذ عدة أسابيع يعانق كلَّ لبناني ولو كان مسلما سُنــّيــاً أو شيعيـاً، وأتعجب: لماذا رفعنا السلاحَ في وجهِه، ووضعنا أمامَه تاريخــَه الاستعماري حتى الهجوم على مدينة بورفؤاد عام 1956 أي قبل ولادتــِه بوقت طويل؟

وصفه يوتيوب لهستيري مهووس بأنه:( الخنزير اللوطي الذي يهاجم الإسلام!)، على الرغم من أنَّ الرئيسَ الفرنسيَ لم يغلق المساجدَ، ولم يطالب بطرد المسلمين من أعمالهم، ولم يُحرّض على عدم البيع لهم والشراء منهم، ولم يتبرهم(!) ويطالب بعدم تهنئة المسلمين في أعيادهم، ولم يطالب القضاءَ بمضاعفة العقوبة على المسلمين( بالمناسبة فإن السجناء المسلمين في فرنسا المحكوم عليهم في قضايا العنف والقتل والإرهاب والمخدرات ثلاثة أضعاف غير المسلمين)!

لو أردنا أنْ نهاجم قتلة الشعوب البريئة ومستنزِفي ثرواتها ومُحْتلي أرضها فلن تسلم دولة في الدنيا كلها من أقلامنا وألسنتنا، من الفيكينج إلى المغول، ومن الحروب الصليبية إلى داعش وطالبان، ومن النازية إلى الثورة الشعبية الصينية.

لا يوجد على وجه الأرض أتباعُ دينٍ أو عقيدة أو مذهب إلا وقد تلوثتْ أيديهم بدماء الأبرياء.

ملايين المسلمين في فرنسا العلمانية يعيشون كغيرهم، يحصلون على إعانات بطالة، ونفس الأجور مثل أهل البلد، ويمارسون شعائر دينهم بحُريــة، ويحملون جواز سفر فرنسي، ويتظاهرون في الشارع دون أن تعتقلهم الشرطة لعقيدتهم، ويهاجمون رئيسَ الدولة، ويدخلون إلى بلدهم فرنسا ويخرجون منها مئة مرة في اليوم، ويتعرضون للعنصرية كغيرهم من الأفارقة والآسيويين والباسيفيكيين والهايتيين والرينيويين، ويتزوجون من فرنسيات، ويقفون علىَ النواصي لدعوة أهل البلد لاعتناق الإسلام.

لا أعرف أحداً يكره الاستعمارَ والاحتلال واستغلال الشعوب مثلي، فيوجع قلبي تأمل تاريخ جنوب أفريقيا، والهولنديين في إندونيسيا، والفرنسيين في كل شمال أفريقيا التي دفع منها الجزائريون الثمن الأفدح، والنازيين في فرنسا وبولندا خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، واضطهاد اليهود طوال تاريخهم الغربي الذي انتهى بالهولوكوست حين صمتت الكنيسة ثم دفع العربُ من أرضهم فلسطين الغالية.

وذبح الصربُ جيرانــَهم المسلمين، والعثمانيون فعلوا مثلهم بالأرمن، والأمريكيون بالأفغان، والبلجيك بالكونغو فقتلوا 15 مليونا منهم...

تاريخ البشر سيجعل إبليس يتبرأ منهم يوم القيامة وهو يقف أمام رب العزة؛ لذا فأنا لا أحمل معي دفتر المذابح وكلما غضبت على زعيم في أوقات السلم قرأت له فيه عارَ تاريخِه في زمن الحرب.

أنا مسلم ومؤمن بديني وملتزم به ما وسعني الجهد والزمن والسلام الفكري ومع ذلك فأنا أنتقد المسلمين أكثر من انتقاد الغربيين لهم، وقضيت في أوروبا 47 عاما من عُمري( انجلترا وسويسرا والنرويج) فرأيت وشاهدت أضعاف ما شاهد ماكرون؛ وأكرر حديثَه بأنَّ الإسلام في أزمة، ونظرة على ملايين المواقع النـــِتّية والفضائية والشخصية التي تتصارع مع الإسلام وتنشر أحاديث وحكايات وخرافات وهراء العنعنيين وشيوخ الفتاوىَ الفجّة وعشاق القصص التاريخية المُخزية، صحيحة أو كاذبة، يجعلني أتطابق مع ماكرون مع الفارق أنه قد يكره الإسلام، وهذا حقُّه في بلدِه ، وأنا أحب الإسلام لأنني مقتنع به.

يا إلـَـهي، لو كنتُ أحكم بلداً إسلامياً يعيش فيها خمسة ملايين يعتنقون ديناً أو مذهباً أو عقيدةً أخرىَ ويطالبون بتغيير الدستور ليتوافق مع فِكْر المتشددين منهم، لخرجَتْ من فمي حِمَمٌ من نار الغضب!

أتذكر غضبي على المسلمين هنا في النرويج حينما بدأوا في تجميع متطرفيهم لتنظيم هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شوارع أوسلو، وأكثر القائمين عليها من العاطلين عن العمل والمتسولين على أبواب الضمان الاجتماعي الذي يدفع لهم مرتباتهم من أموال دافعي الضرائب النرويجيين.

للرئيس الفرنسي ماكرون مئة خطأ وجريمة وتجاوز وتهور، وهو داعم قوي للكيان الاحتلالي الصهيوني في فلسطيننا، والفرنسيون لديهم عليه تحفظات لا حصر لها؛ لكن الهجومَ الإسلامي عليه لأنه تلــَفَظ بكلمةِ "الإسلام في أزمة" هو هجومٌ غير عادل أو مُنْصِف، فلا تطالبوه أنْ يكون مسلماً  ويُلمّع ما يراه من مسلمي العصر الحديث لترضوا عنه.

الشجاعةُ أنْ نرُدّ عليه بالمنطق، لنا أو علينا، وأن نُظْهِر الوجهَ المشرقَ لديننا الذي أخفاه دواعش الزمن الأغبر، وأنْ نوافقه في أنَّ الصورة الإسلامية لخمسة ملايين مسلم في بلدِه ليست مُشــَـرّفةً، وأن من يدافع عن الإسلام ينبغي أنْ لا يسُبّ ولا يلعن ولا يُخَنْزِر خصمَه ولا يُلــَـوّط غريمَه ولا يُذكّره بتاريخِه الاستعماري لخلافه معه، إنما يستدعي الحديثَ الاستعماري إذا كان الموضوع تاريخياً أو حقوقياً .

نعم، الإسلام في أزمة وهذا لا يُقلل أو ينتقص ذرةً أو شعرةً من صلاحيته كآخر الأديان السماوية.

أيها المنتقد لماكرون، لا تكن كمسلم إذا خاصَمَ فَجَرَ، فالإسلامُ لا يعرف إلا النبلاء في خصوماته.

الإسلام في أزمة مصنوعة في الفكر والسلوك للمسلمين قبل صناعتها في ألسنة وأقلام خصومهم.

 

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 7 أكتوبر 2020  

 

05‏/10‏/2020

البحث عمن يحب لبنان!

أوهموه أنَّ قوتَه في ضعفِه فاكتشف أنَّ فاجعتــَه في هشاشتِه!

قالوا له بأنه سويسرا الشرق ليعرف بَعْدَها أنَّ أصغرَ مصرفٍ سويسري هو أكبرُ من كل مصارف لبنان.

قـَسَّموه، ثم حزَّبوه، ثم جزّأوه، ثم مَزّقوه، بعدما طأْيـَـفوه فكاد كلُ لبناني يفتخر بطائفتــِه أو مذهبــِه أو حزبــِه أو عقيدتــِه أو إمامـِه أكثر مما يفعل مع وطنــِه.

شعبٌ استضاف العالـــَــمَ العربي برُمـَتـــِّه وعلى مساحتــِه الصغيرةِ ولا مانع من حَجْزِ مكانٍ للجيران علىَ أرضه مع إسرائيل ..ضيف الشرف التي أغارت على لبنان في تاريخها أكثر مما فعلتْ مع كل جيرانها.

يولد اللبناني فيحمل لقبَ زعيم قبل أنْ يبلغ الفِطامَ( فلا تخِرّ له الجبابر ساجدينا!)، وبعد فترةٍ قصيرةٍ يُبْلغوه باسم طائفتــِه، ثم المعبد الذي سيجد اللهَ فيه ليعرف أنه ماروني أو آشوري أو انجيلي أو كلداني أو سُنّي أو علوي أو شيعي أو اسماعيلي أو من الروم الكاثوليك أو الأرمن الأرثوذكس أو دُرْزي أو من الروم الأرثوذوكس أو ....

وأخيرا يتعلم اسمَ مَرْجعِه الديني الذي سيتوسط له عند اللهِ إذا اضطهد آخرون طائفتــَه.

الزعيم الوحيد الذي يلتف حوله أو حولها كل اللبنانيين هي فيروز قبل جوليا بُطرس وماجدة الرومي والشحرورة صباح( رحمها الله)، فقد طلبتْ منهم أنْ يرقصوا في جنازتها بنعشِها فلم يفهموا أنها كانت تعطيهم درساً لصناعة عالــَمٍ من السعادة؛ فحملوا النعشَ ورقصوا به.. فعلاً.

إذا كنتَ غريباً في لبنان فأنت لا تحتاج للذهاب لسفارة بلدِك إذا ألـَمَّ بك خَطْبٌ، فمكتبٌ فاخرٌ تستأجره أجهزةُ استخباراتِ حاكمِك في عمارةٍ شهيرةٍ يُغْني عن لقاءِ قنصل بلدك.

الجريمة الوحيدة في لبنان التي كنتُ طوال عُمري أعشقها مع حُرْمتها هي طبع كُتُب ممنوعة وتقليد أخرى لم يجف بعد حِبْر قلم مؤلفها وضياع حقوق المؤلفين الذين التهم أكثرَهم دودُ الأرض في بيروت أو.. المهجر.

كل ثلاثة كُتُب ممنوعة يُطبَع اثنان منها في لبنان؛ فينجو الكتابُ وصاحبُه من خربشة أجهزة الاستخبارات العربية التي تطارد الكتابَ أكثر من مطاردتها المخدرات و.. تجارة السلاح.

ومع ذلك فقد أثبت الحراك الشعبي اللبناني أن هذا الشعب قادر على تحريك الجبال ومصارعة العواصف؛ وعاجز عن اقناع سياسي أو رجل دين أنْ يترك مقعده أو منبره لغيره، حتى رئيس مجلس النواب التصقتْ مؤخرته لثمانية وعشرين عاما بالمقعد ولم يهتز، فالحركة أمل، والأمل حركة حتى لو كانت ثابتة كالقلاع!

الله واحدٌ أحد وفي لبنان سبعة عشر إلــَــهاً، كل منهم يملك مقعدين: واحدًا في لبنان والآخر في السماء.

الغريب أنَّ كل تلك المُقسّمات والمُجزءات خرج من بين أضلعها اللبناني اللطيف والعاشق والفهلوي، واللبنانيون فقط في العالم العربي الذين تمكّنوا من منافسة المصريين المُحمَّلين بتاريخ عريق في الفنون والآداب والموسيقىَ والغناء، وحتى اللهجة اللبنانية لم تتمكن صلابة وحلاوة اللهجة المصرية أن تزيحها عن مكانها!

والأغرب أنَّ اللبناني الأكثرَ عُرْضَة للأمراضِ النفسيةِ والعصبيةِ كان هو الذي أفلتَ منها بفضلِ العنايةِ الإلـَهية رغم أنها أصابتْ العربَ كلــَّـهم من مياههم إلىَ مياههم!

مقعدُ معالي الوزير حجزته السماءُ لطائفتــِه وليست للبنانيتــِه، لذلك أتوقع أنْ يتم تشكيلُ حكومةٍ لبنانية وطنية يوم القيامة بعد مشاورات أرضية تشترك فيها الملائكة والشياطين دون معرفةٍ مسبقة بما يحويه صندوق الاقتراع.

ثراءُ أيّ لبناني يضع أموالــَه في الخارج قوةٌ له باستثناءِ ثراء رئيس الوزراء السابق، فقد تم اعتقالــُه في بلاد الحرمين الشريفين( يُسمّيها اللبنانيون: حجزُه وليس اعتقاله!)؛ فصمَتَ لأن معتَقِلـيه من نفس طائفته الدينية، وضعفُه في كَنــْــزِ أموالــِه لديهم.

اللبناني يعرف من أين تؤكل الكتف، أما كتفُه هو فكل ضيوفــِه يتقاسمونه!

جاء حينٌ من الوقتِ لم يستطع كل السياسيين الجعجاعيين أنْ يُحَرّكوا كتلةً صغيرةً من القمامةِ من موضعِها في سويسرا الشرق الجميلة، فتذكرتُ حينئذٍ السلطان قابوس بن سعيد، رحمه الله، عندما عــَـلـِـمَ بتراكُم القمامة في أحد الأحياء المسقطية، فأمر بجمعها ثم نقلها إلى أمام بيتِ المحافظ. خجل الرجلُ، واعتذر، ثم أقاله السلطان بعد ذلك!

شعبٌ ثائرٌ، وشبابٌ يعرف عن الديمقراطية الغربيةِ ما يزعج حُكّامَ العالــَــمِ الثالث، ونساؤه إذا غضبن علىَ الوضع الكارثي حَمَلـْن بعولتَهن علىَ التظاهر، ولم تتزحزح مصائبُ الوطن الصغير.

في لبنان الحبيب.. قِبْلةِ العربِ، لا عقوبة لفاسدٍ، ولا معرفة لجناة؛ سواء قتلوا رئيسَ الوزراء منذ خمس عشرة سنة أو..  أفرغوا المصرفَ المركزي من أموال الشعب.

في لبنان لا مانع أنْ يُغَنّي السياسيون والفاسدون ورجال الدين والطوائف المتناحرة: بحبك يا لبنان؛ وبعد الأغنية يُقبِّل اللبناني يدَ رئيسِ أو مرجع طائفتــِه أو حزبــِه المتعفن.

قبل النوم يحلم اللبناني أنْ يصبح رئيساً للبرازيل أو بيرو أو الإكوادور، ويمكن أنْ ينخفض سطحُ حُلمِه إلىَ تاجر ثري في ساحل العاج، وإذا كان شريفاً حتى النخاع فيحلم أنْ يصبح شاعرًا مهجريـــًا ينافس نعيمة وجبران ومطران، أو يصبح أديباً مثل عبد السلام العجيلي !

كانت أموالُ الخليجيين الأثرياء تَصُبّ في لبنان، سياحة وتجارة وعقارات، ثم تراجع الخليجيون عندما لعب حزبيو لبنان لعبةَ الكراسي السياسية المتحركة بزعم أنها مواقف!

إذا أردتَ أنْ تصبح زعيماً سياسياً وبرلمانياً أو وزيراً في لبنان فيجب أنْ تسُدّ أذنيك عن هموم الوطن، ولا ترىَ عيناك مشاكلــــَه المتفاقمةَ، وتكتفي بلسانـــِك فقط فمن يتحدث أكثر يضمن منصبــَه حتى يأتي مَلــَـكُ الموت.

ذاكرةُ السمك كذاكرة اللبنانيين؛ فانفجار مرفأ بيروت كان من المفترض بعده أنْ يتم إعدام كل سياسي لبناني ورئيس حزب وطائفة ومسؤول ورجل دين، واكتفى اللبنانيون بالتظاهر والصراخ والعويل وصبّ اللعنات علىَ السياسيين.

ظن اللبنانيون لبعض الوقت أنَّ الأملَ قادمٌ ماكرونيـًـا، وأنَّ سياسييهم يقفون كالتلاميذ البلهاءِ أمام مُعلمِهم الإفرنجي، وهدد، وتوَعَّدَ وتجوَّل في شوارعهم، وبدا أنَّ الجيشَ الفرنسي سينتقل من جزيرة رينيون إلى بيروت لضبط الوضعِ المتأزم، وفرح اللبنانيون فأكثرهم يتكلمون الفرنسيةَ أفضل من الجزائريين ، وترك ميشيل عون الرئيسَ الفرنسي يشعر أنه مضيفٌ وليس ضيفاً؛ تماماً كما هبطتْ، سابقاً، طائرةُ كونداليزا رايس في مطار بيروت، وتوجهتْ للقادة السياسيين دون إبلاغ قصر بعبدا.

لبنان يستحق أفراحاً لا أحزانا، شرفاءَ يحكمونه لا محتالين يسرقون لقمةَ عيشــِه!

لبنان يستحق قانوناً بمنع الإشارة شفويا أو تحريرياً أو دستورياً أو برلمانياً إلىَ الدين أو العقيدة أو الطائفة أو المذهب؛ حينئذ يقود اللبنانيون العالمَ العربي إلىَ التحضُّر والتمدُّن والفنون والآداب و.. الكتاب!

إنَّ غضبَ اللبنانيين لا يساوي قشرة بَصَلة إنْ لم يستمر، ولا تعود الجماهيرُ إلىَ ديارِها قبل أنْ يختفي كلُّ وجهٍ عمل في السياسة أو الأحزاب أو الطوائف في الخمسين عاماً المنصرمة.

الغضبُ إيمانٌ بالوطن، والنسيانُ كُفـــْـرٌ به، والصمتُ خذلانُ حِمْلان، والسكوتُ مَذَلــَّة، والفقرُ في سويسرا الشرق عارٌ بكل المقاييس.

كلُ فاسدٍ يستطيع أنْ يُغَنّي: بحبك يا لبنان؛ لكن ليس كل لبناني يمكنه أن يقول: بحبك يا فساد!

أيها اللبنانيون، اغضبوا طويلا وكثيراً حتى تتطهر النفوس، ويهرب كل السياسيين على مَتــْـن بواخرَ تمخر بهم عُباب الأزرق الكبير لتغرق .. قبل الوصول إلى قبرص!

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 5 أكتوبر 2020


03‏/10‏/2020

لماذا نتشاتم على مواقع التواصل الاجتماعي؟

إنها قضيةُ كل يوم، وكل ساعة، وكل دقيقة؛ خاصةً علىَ مواقع التواصل الاجتماعي حيث يرتادها العالــِمُ والجاهلُ، المثقّفُ ونـِصْفُ الأمّي، الباحثُ والصايع، الأكاديمي والشوارعجي!

تنفيسٌ عجيبٌ عما يعتلج بالنفس المريضة، وانتقامٌ فضائيٌ ممن يختلف معك لأنه لم يفهمك، وثوابٌ مضمونٌ كما يظن المتحدثون زوراً باسم السماءِ دفاعاً عن عقيدة، وذَبــْحٌ في الذهن تُعبّر عنه كلماتٌ دموية، ومصارعة على الهواء بين مجهوليــّن قد يكون بينهما أبعد نقطتين في كرتنا الأرضية المسكينة.

لماذا مواقع التواصل الاجتماعي هي التي تستقطب الشتّامين والسبــّابين والحشّاشين والمقهيين والمرضىَ النفسيين؟

لأنك تستطع أنْ تتحدىَ العالــَـمَ كله بسيوفٍ من ورق، وأن تٌشكّك بجهلـِك في فِكْر آينشتاين، وأن تُقْسِم أنَّ مصطفىَ حسني أفقه من الشيخ محمد عبده، وأن رئيسَ دولتــِك الذي يفُكّ الخطَّ بصعوبة؛ لكنه أشْعَر من كاتبي المعلقات السبع!

مواقع ومنتديات كثيرة تنشر الأعمالَ الأدبية والفلسفية والإنسانية والعلمية بأقلام كبار الأدباء والعلماء؛ فهذه لا يقترب منها التواصليون من عشاق الفيسبوك والتويتر، فـَـهُم لا يقرؤون ما يزيد عن ثلاثة أسطر، ولا يفهمون أبعدَ مما تنشر صحفُ وزارات الإعلام في العالم الثالث، ولا يستوعبون أيَّ معنىً لا تتراقص كلماتــُه فوق الحروف.

نتشاتم علىَ مواقع التواصل الاجتماعي لأنها الحروبُ الوحيدة التي لا تهزمنا فيها جيوش الأرض والسماء، ولا يزعم عبقري أنه يلتقط الفكرةَ قبلنا، ولا تغلبنا كل الأديان والعقائد المخالفة لنا لأنَّ اللهَ يقف معنا بجهاز كمبيوتر عملاق ينتصب في السماء السابعة.

نتشاتم علىَ مواقع التواصل الاجتماعي لأنها المكان الوحيد الذي نسُبّ أمهات خصومِنا ونستخدم مفرداتٍ تخجل منها المعاجم والأعاجم و.. الجماجم.

نتشاتم لأنَّ الجنسَ والمرأةَ ومواضعَ العفة، أيّ الأعضاء التناسلية، والاعتداء والتحرش ليست خطوطاً حمراءَ، فأنت لا تستطيع وأنت في مكتبةٍ عامة تقرأ لجمال حمدان أو عبد الوهاب المسيري أنْ تفتح لابتوبَّك ثم تشتم وتسبّ وتلعن مُخالفيك، أما لو كنتَ في نهاية سهرة مزاج بغرزة مخدرات أن تقتحم كل مواقع التواصل الاجتماعي مرة واحدة وتغرز لسانــَك القذر في أعين قارئيك وهم يتابعونك، مصادفة أو عمدا.

نتشاتم على مواقع التواصل الاجتماعي لأن سيفَ السلطة فوق رؤوسنا، وهراوتَها في مؤخراتنا، وسجونَها تحجز لنا زنزاناتٍ رغم أنفنا، وملايينَها في المصارف أصفارُنا، وثراءَها يتضاعف بفقرنا، وكرامتَها من إذلالــِنا، فلا نجد غيرَ مواقع التواصل الاجتماعي لشنّ حروبٍ وهمية وافتراضية وخيالية وفضائية والكترونية فنُردي خصومَنا أرضاً ولو كانوا فوقنا.

نتشاتم على مواقع التواصل الاجتماعي لأنَّ بإمكاننا الجَمْعَ بين الفضيلة والكذب، بين الطهارة والعهر، بين الشجاعة والكذب، بين الدين والالحاد، بين الله والشيطان، فنستخدم ما نريد وفقاً لنوعية الخصم وصنف المعركة و.. الحشيش.

نتشاتم ظنــّاً منا أننا ننتقم من الغير ، ولا ندري أننا ننتقم من أنفسنا، ونهبط بإنسانيتنا، ونسقط بلغتنا!

نتشاتم على مواقع التواصل الاجتماعي لحرماننا من المجتمع الفاضل، والتربية المستقيمة، والتعليم المُفيد، وحرماننا في البيت والمدرسة والجامعة والمعبد والإعلام من مصداقية كبارنا، فلما كبرنا قلـّدناهم و.. اتبعنا ما ألفينا عليه آباءَنا.

نتشاتم على مواقع التواصل الاجتماعي لأننا عاجزون، ومتخلفون، ومتأخرون فبدلاً من اللجوءِ إلى الكتاب والعلوم الإنسانية والتربوية  ومتابعة حقوق الفرد، ومحاولات الصعود في سُلّمِ الحضارة والتمدُّن، نجد سهولة ويُسرًا في التشاتم والتناحر والتنابز والتذابُح والتقاتُل، فهو تـَشَفـّي في الغير، وجزّ الرؤوس دون أن نبرح مكانَنا، وقذف الأوساخ التي تعفنتْ في العقل والوجدان والعواطف والفهم العقيدي السقيم دون أنْ يتنبه المجتمع أننا مرضىَ.

نتشاتم، ونتسابب، ونتلاعن، ونتباغض، ونتحاقد على مواقع التواصل الاجتماعي لأننا على قَدَمِ المساواة مع بعضنا، وقدرتنا على متابعة التوافه من الأمور تمنحنا لذةً شديدة، ويستطيع قـِرْدٌ مُدَرَبٌ أنْ يثبت أخطاءَ وكالة "ناسا" الفضائية وسيلتف حوله المعجبون، ويصف لك درويش مهبول أعشاباً سامةً بدلاً من أدويةٍ من الصيدلية، وسيجتمع التواصليون حوله كأنه نبيُ الطبِ البديل.

نتشاتم على مواقع التواصل الاجتماعي لاعتقادِنا أن السماءَ تتابع معاركــَنا، وأنَّ اللهَ يرفع يدَ المنتصِر  في التشكيك في عقائد الآخرين، ولأنَّ الشتائمَ بديلٌ يُخَفّف من حِدّة الحِرمان الجنسي، ونتشاتم لأننا لسنا بمفردنا فالخيالُ معنا، والنصرُ الافتراضي يدعمنا.

نتشاتم على مواقع التواصل الاجتماعي لأنَّ قاموسَ السِباب سهل الاستخدام، وإذا بحثتَ عن مفردةٍ أتاك الحشّاشون بسبعين منها قبل أنْ تقوم من مقامك أمام الشاشة الصغيرة.

مَنْ لم يتعرض للشتائم على مواقع التواصل الاجتماعي: الله، الأنبياء، الرُسُل، الزعماء، الأبطال، المتسامحون، الأجانب، المهاجرون، الجيران في بلاد بيننا وبينهم حدود، تفسيرات الكتب المقدسة، المرأة، الطفل، الملحدون والمؤمنون..؟

إذا أردت أن تزفر مودة ودفئا ومنطقا وعقلانية وخلافا هادئا، وتشهق قاذورات وعنصرية وتطرفا وكراهية وبغضاء، فعليك بمواقع التواصل الاجتماعي.

وإذا بحثت عن الحب والفضيلة والفائدة والإنسانية والحرية والاحترام والثقافة  فهي أيضا على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن عليك مهمة ثقيلة لتعثر عليها.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 3 أكتوبر 2020    

01‏/10‏/2020

مشاعر استعمارية تتجدد في داخلك!

 مشاعر استعمارية تتجدد في داخلك!


الاستعمار الجديد لا يدخل بلدَك؛ لكنه يفتح لك بلدَه!

أشياءٌ كثيرةٌ تجعلها العادةُ عاديةً، ويضمها التكرارُ إلى العُرْف، ويلصقها الإصرارُ إلى العنف، وينقلها التيارُ إلى الجُرف؛ ثم تصبح جزءًا من المشهد العام الذي لا يستنكره إلا القليل ممن قرروا الاستعانةَ بالعقل في حياتهم!

مُفْردةُ الاستعمار، مثلا، فقدتْ أهميتَها، ولم تعُدْ تثير غضبَ كثيرين؛ فالاستعمارُ ليس استدمارًا لأنه حُلم يخترق يقظتــَك فيخدّرها بهدوء ولذة ومتعة، من يدري فقد يكون الغزاةُ القدامىَ مضيفيك الجُدُد!

للاستعمار ِألْفُ وجهٍ و.. وجه، كل وجهٍ يختار المكانَ الذي يدخله أو يخترقه أو يغزوه؛ فقد يكون الكتاب أو المدرسة أو المؤسسة الدينية أو قصر الحاكم، أو الإعلام أو الدعوة أو التبشير أو التجهيل أو تاريخ أمة مُستعمَرَة أو حدود مع الجيران تمتد أو تنقص وفق لضعف أو قوة الحُكــّام!

وأخطر المداخل هي جهلٌ بتاريخ حديث وجدال في تاريخ قديم يتحرك كما تفعل الرمال المتحركة إذا داستها أقدامٌ لا تُفرّق بين الرمل و.. بين الطين.

تختفي كلمة الاستدمار خلف مفردة الاستعمار فلا يدري المرءُ هل البناء لتثبيت أقدام احتلال أَمْ لطرد أصحاب الأرض.

إذا امتص ذئبٌ دمَ ميّتٍ فلا يضير الشاةَ سلخُها بعد ذبحِها؛ أما إذا طلب الأحياءُ من الذئبِ أنْ يمتص دماءَهم حتى تسري نشوةُ الغابِ في يومياتِهم، فهنا لا تفلح كل عمليات الإصلاح السياسي أو الديني أو الوطني فالموتُ حَيـّـًـا اختيارٌ بامتياز بديلا عن الحياة في القبور.

كم جيلاً تحتاج أمةٌ حتى تُغــّير جلدَها، ثُمَّ لسانــَها، ثم سلوكياتها العُرْفية حتى تصل إلى تغيير روحــِها؟

أفجع كارثة يتعرض لها المرءُ هي هجرتُه إلىَ بلدٍ مُتقدّم وهو ينظر خلفه طوال الوقت فلا يرى أمامه بوضوح لكثافة ضبابِ الماضي ولا يشاهد حياتــَه الماضوية لأنَّ عواملَ البيئة والزمن والمكان قد غيرّت ملامحَها وهو يُصِـرّ علىَ الحديث عن ماضٍ تمزق، وتشتتْ، وتناثر، فلا تجمعه قوةُ ذاكرةٍ بملايين الجيجابايت!

إذا شغلتك مُطاردةُ السراب عن الاندماج الكُلــّي في حقيقةِ واقعك الجديد فقد أحْكَمَتْ لك العُقدة التي لا حل لها.

ما جعل اللهُ لرجلٍ من قلبين في جوفــِه، ولن تجمع الماضي والمستقبلَ في نفس الحاضر فهما كثيراً ما يتصارعان بدلاً من أنْ يتكاملا!

ما شغلني شيءٌ في حياتي أكثر من نُمو زهرةِ الصبـّار في النفوس؛ فشوكــُها يؤلم الآخرين أكثر من جَرْحِ موطنــِها في النفوس أو العقول أو القلوب.

تعيش حياتــَك الجديدةَ فتصبح قديمة، ومستقرة وعليها لمساتٌ إنسانية متمدّنة من جرّاءِ خبرات متراكمة استدعاها فكرٌ باحثٌ عن الحب فاستقرتْ فيه، فإذا بالذين تحثهم على خوض غِمار سلوكيات نبيلة يدخلون معركةً ضدك رافضين ما تعلمته، ومتمسكين بما جهلوه.

إذا عبث الزمانُ في نفوسِ قومٍ وأراد وقفــَها عن التطور والسير مع العصر واستقامة طريقها التنموي أوهمها أن كل أفرادِ المجتمع يعرفون ما لم يؤتَ أحدٌ من قبل، ثم جعل معارفــَها دينية ومعلوماتــِها مُستقاة من السماء مباشرة.

نعود إلىَ أُمِّ القضايا: لماذا يؤلمك الشوكُ الذي في نفوسِ أبناءِ بلدك بدلاً من أنْ يوجعهم؟

حياة الإنسان قصيرة بحيث تصل بها إلى النضوج والشكّ والريبة وإيقاظ العقل قُبيل وداعِك إياها فلا تستطيع أنْ تتراجع أو تُغيّر دفتــَها أو تُقنع من علـَّمتهم أنك بصدد اختيار طريق آخر قبل وصول حفــّار القبور!

هل الحيوانات المفترسة فقط هي التي تنهش  أم أنَّ الإنسانَ أيضا يفعل نفسَ الشيء، ليس إذا جاع؛ ولكن إذا اختلفتَ معه فكريــًا وعقائديا؟

أعود إلى سؤالي: كيف تُستعمًر بتكريمك ضيفــًا عليهم ؟

لأنَّ خطَ العودة جسديا يصبح مقطوعا، ونفسيا وفكريا وعاطفيا يجعلك كالبندول تتأرجح بين هنا وهناك!

ماذا لو أصابتْ أهلَ وطنك الأم حزمةٌ من الأمراض النفسية والعصبية والعقلية، وتغلغلتْ الكراهية في الأعماق، وأصبحتْ الطاووسيةُ في المشاعر غالبةً عليهم؛ فلا يتركونك تستمتع بحياتــِك في مجتمعٍ مُتحضّر ولا يتركونك تغادرهم في أمان؟

ليس أمامك إلا أنْ تنتظر الجيلَ الثاني من نَسْلـِك الذي ترىَ فيه حياةً تمنيتها في هجرتــِك والتقط ثمارَها آخرون من صُلــْبـِك.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في الأول من أكتوبر 2020  




28‏/09‏/2020

من قال إنَّ عبدَ الناصر مات!

نصف قرن منذ أنْ توقف قلبُه الكبير إثـْر عودته من وداع آخر ضيوف مصر في مؤتمر قمة لوقف مذابح الحسين بن طلال ضد الفلسطينيين؛ وما تزال مصرُ تُذكــَر بعبد الناصر كأنه متفرّع من النهر الخالد.

هُزِم من قال أنه هُزم في نكسة يونيو 1967، فقد ضُرِبَ وجيشُه ضربة قاتلة فلم يُسَلـّم الروح، وكان طبيعيــًا أن يُضرَب ويُهزَم في ستة أيام!

في ثمانية عشر عاما أوجع أبو خالد كل القوى الاستعمارية، وطاردها كما يطارد نسرٌ كلبــًا هائمـًا، أجربَ الجلدِ ولو كان أشقــَرَه.

جاء يطلب مثل غيره شراءَ سلاح، فرفضوا لئلا تغضب إسرائيل، فلجأ إلى تشيكوسلوفاكيا( 1955)، فأصدقاءُ ناصر شرقـًا أضعافُ أعدائــِه غربــًا.

اصطدم قبلها بعام مع جماعة الاخوان المسلمين(1954) التي تأسست في ميونيخ في الثلاثينيات وأعطتها أمريكا الضوء الأخضر.

أمم قناةً مائية مصرية لحساب أصحابها المصريين؛ فهاج وماج وحوشُ الغابة، فعادتْ الامبراطورية التي غابت عنها الشمس إلى الشمس في بورسعيد، وفرنسا التي قاومها الجيل الجزائري الخامس فسدّدَ عن آبائــِه مليون ونصف المليون شهيد وكانت روح ناصر تسري في أجساد أبطال المقاومة الجزائرية، ودخلتْ جحافل الجيش الصهيوني سيناء بأحدث الأسلحة الأمريكية. انسحبتْ الدول الثلاث بفضل ثلاثة أسباب: المقاومة الشعبية المصرية، رفض واشنطون عودة بريطانيا إلى منطقة ستكون من نصيبها لاحقا، وإنذار موسكو.

لم يهدأ الريّس فهو صاحب مشروع قومي، فكانت الوحدة المصرية/السورية التي تحصر بينها الكيان الصهيوني( 1958)، ثم انتصب  السد العالي أكبر مشروع مائي في القرن العشرين بعدما رفضت أمريكا دعمه. فأوجعوه في حبه الكبير، ونجح الانفصاليون لشطر دمشق والقاهرة مرة أخرى.

وشغلوه في دعمهم حُكْم الإمامة المتخلف باليمن وقامت ثورة في 26 سبتمبر 1962، فألقوا بكل ثقلهم مع جهات عربية لجعل جبال اليمن السعيد مستنقعا تعيســًا لتتم تصفية آلاف من جنودنا البواسل بفضل حرب رجال العصابات والقبائل، فعبد الناصر صاحب مباديء التزم باتفاقية الدفاع العربي المشترك.

ووقتها لم يصمتْ؛ فانطلق صوته عبر الأثير في ست ساعات يعلن الميثاقَ الوطني، وفهم الاستعمار أن هذا الرجل خطر عليه فهذا مشروع وطني وقومي ومصري، وتفتحتْ دور النشر، وظهرت الرواية والقصة والأدبيات والموسيقى وكل أنواع الفنون ومراكز البحوث العلمية، واستنشقت حركات التحرر من هواء القاهرة، ولم يعد هناك مواطن أفريقي أو آسيوي أو عربي إلا وقد وضع أذُنـــَه في ترانزستوره الصغير ليسمع صوتَ الحياة.. صوت ناصر من مصر، فتعود إليه روحُ المقاومة.

وفهم الاستعمار أن الريّس رجلُ أحلام تتحقق وليست احلاما تختفي في الأثير، فوقف مع حركة المقاومة السمراء ضد الاستعمار الأبيض في جنوب أفريقيا، وتعلم مانديلا من ناصر أن أفريقيا للأفريقيين.

جن جنون الاستعمار لكنه ظن أن أبا خالد سيتركهم لحال سبيلهم في أمريكا اللاتينية فهو مشغول في الكونغو والقارة التي لوّحَتْ وجوهَ أبنائِها شمسٌ حارقة.

وجاءهم ناصر بعدم الانحياز وجمع ثلثَ الدنيا، أي آسيا الكبرى فحلقت روحه فوق الهند وإندونيسيا حتى ماو وشواين لاي كانا يقفان في الصين مبهوريّن بسليل الفراعنة.

وكان لا بد من ضربــِه في داخل مصر عن طريق أكبر تيار إسلامي لا يفهم المنتسبون إليه الفارق بين الاشتراكية والإلحاد، وبين ماركس وبومدين، ومع ذلك ورغم اصطدام عبد الناصر بالجماعة عام 1954 إلا أن مطابع الدولة تركت القُطبين يغرقان المكتبات بأفكار الدولة/الجماعة بدلا من الدولة/الشعب، وشاهدنا مؤلفات سيد قطب وأخيه محمد قطب والمودودي والندوي، وكانت الأسلمة الفكرية  تخطو أولىَ خطواتها نحو الجامعات والمعاهد  وحتى المدارس.

وتم اعتقال آلاف الأعضاء وربما عشرات الآلاف الذين كانوا على أهبة الاستعداد لعمل غسيل الأدمغة بالماء المقدس الذي حوته( معالم في الطريق)و( جاهلية القرن العشرين)و( معركة التقاليد)و( منهج الفن الإسلامي) و( الحجاب ) و( تفسير سورة النور).

زادت مطالب الوحدة العربية من صنعاء إلى طنجة، ومن بغداد إلى الصومال، ووصلت الرسالة واضحة إلى قوىَ الاستعمار وهي ترى قادة العالم الثالث ودول عدم الانحياز وأفريقيا وأحرار أمريكا اللاتينية يولون وجوهَهم شطر القاهرة؛ فالأب الروحي في انتظارهم، إنديرا غاندي ونكروما وجومو كينياتا وجيفارا ومحمد علي كلاي.

وارتعش عملاء الاستعمار في كل مكان من تشومبي إلى رضا بهلوي، وأقنعت إسرائيل الغرب والشرق وكل الخائفين أن تقدم وتطور مصر وعملقة الفكر الناصري هو الهولوكوست المصري الذي كان على وشك إحراقها، حتى أن حمقىَ المثقفين حمَلوا أكاذيب عبرية تؤكد أن عبد الناصر وعد بإلقاء إسرائيل في البحر رغم أن الوحيد الذي قال هذه الكلمة كان أمين عام جامعة الدول العربية  في زمن النكبة عام 1948.

أنهكتْ حرب اليمن جيشــَــنا وعاد إلى مصر، وجندت جماعة الاخوان الرأسمالية كل إمكانياتها لمحاربة الفكر الاشتراكي بالضرب الكاذب تحت الحزام واقناع مريديها أن ناصر الذي وسّع دائرة انتشار الاستنارة الأزهرية في كل مكان، هو ملحد يُعادي الإسلام، وما أسهل الكذب باسم الدين.

بدأ استفزاز عبد الناصر من كل ناحية بحرية وبرية وجوية، وكانت الترسانة الإسرائيلية تتلقى من خلال عقدة الذنب النازية تعويضات غربية في مقدمتها السلاح ومعلومات استخباراتية وإعلام موجّه ضد مصر بحجة أنه لإضعاف المعسكر الشرقي.

وكان 5 يونيو 1967 يومَ الانتقام الإسرائيلي/الأمريكي/الغربي من الرجل الذي سبب له صداعا في كل مستعمراتهم.

وأخطأ عبد الناصر عندما لم يضع حلا لصراعات الضباط الأحرار، فوضع ثقته في عبد الحكيم عامر وشِلة الغرور.

وأخطأ عبد الناصر عندما ترك أجهزة استخباراته تمارس أشد أنواع التنكيل والتعذيب في أعضاء الاخوان المسلمين  في السجون والمعتقلات ، والاخوان إذا غضبوا انتقموا، وإذا انتقموا افترسوا، وإذا افترسوا مزّقوا،وإذا مزقوا نهشوا، وإذا أسمعوك حكايات دار الزهراء وأحمد رائف وزينب الغزالي ومحمد جلال كشك فقد جعلوك ترىَ إبليس ملاكا مقارنة بمن يعادونهم!

لكن الضربة التي كان من المفترض أن تكسر ظهر ناصر شدّتْ كل عضلاته والتئمتْ الجروح، وانتحر عبد الحكيم عامر أو قُتِل، وتفرق أصحابه، وخرجت الملايين تنادي عبد الناصر بالبقاء حتى إزالة آثار العدوان.

ولم يهتز، واسْتــُقـِبـلَ في مؤتمر الخرطوم استقبال الأبطال نكاية في قوى الاستعمار، وبدأ حربَ الاستنزاف منذ الأسبوع الأول بعد هزيمة جيشنا، وأغرق أبطال البحرية المدمرة الإسرائيلية إيلات، وجددتْ الثورة نفسَها لكن أعداءَها تضخموا، وتوَحدوا، فحاربوه في الجانب الأدفأ بالقلب، أي في أحبابه الفلسطينيين وحدثتْ مذابح الأردن، وكان أبو خالد ما يزال كبيرًا فاستدعي الملك حسين وأبا عمار وأجلسهما أمامه كتلميذيـّن في فصل للطلاب المشاكسين، واستمعا إليه وانتهت المذبحة في المملكة الهاشمية لكنها تسربتْ إلى القلب الكبير، وعندما ودّع آخر ضيوف القمة في مطار القاهرة الدولي ، أمير دولة الكويت، كان القلب يُنذر صاحبَه بالضربات الأخيرة، وفي مساء يوم 28 سبتمبر 1970 سلـّـم الروحَ لبارئِها.

رغم اعتذار عبد الناصر وتحمّله مسؤولية هزيمة يونيو والبدء الفوري في حرب الاستنزاف وإعادة بناء الجيش ورفض الملايين تجديد مصر بغير روح الريّس، إلا أن التاريخ الذي يكتبه الخصوم، الاخوان والوفد والسادات وتلاميذ إيلي كوهين في مصر، كان وصفا لجهنم الناصرية.

خمسون عاما كتب تاريخَ مصر أربعة رؤساء وضعوا في صفحاته كل أحاديث الإفك وكلٌ بطريقته الخاصة، سادات كامب ديفيد، ومبارك اللص، ومحمد مرسي الدرويش( وما أدراك ما الستينيات) ثم السيسي البائع!

ليس غريبـًا أنْ ترتبك معلوماتُ المصريين ولولا الأشقاء العرب في كل مكان لنسيَ المصريون تاريخَهم الناصري ومشروعَهم القومي الكبير، وكلما أهالوا الترابَ على زعيم لم يعرفه أكثرُهم، أزاح الترابَ أشقاؤنا العرب في العراق وسوريا وليبيا والجزائر واليمن والكويت وفلسطين وكل عربي تابع تاريخَ مصر الحديث عن غيرِ طريق الاخوان والوفد والصهاينة ورؤساء ما بعد أبي خالد.

ضعوا له أوصافـًا شيطانيةً تثلج صدورَكم، النكسة، صديق صديقه، معتقلات شمس بدران، استخبارات صلاح نصر، تهور ومغامرات ومقامرات، كلاب تنهش جسد زينب الغزالي، حتى نكبة 1948 التي كان فيها ضابطا في جيش الملك جعلوها من أخطاء الريّس!

لكن جمال عبد الناصر سيظل في غيابه حاضرا، وستأتي أجيال مصرية لم تتلوث ألسنتها بعبرية من جاءوا بعد الريّس، وسيقرؤون التاريخَ من جديد، وسيكتشفون مصرَهم مرة أخرى، وربما يذهبون إلى قبر عبد الناصر لذرف دموع كانت عَصيـّة طوال سنوات الغش والكذب والكوهينية وأحقاد السادات ومبارك ومرسي والسيسي، فعبدُ الناصر لم يمُت، وروحه تحلق في الوطن العربي برمته وعندما تصل فوق أرض مصر التي عشقها تُسْقــِط من العالم الآخر دموعــًا لا يراها أكثر المصريين.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 28 سبتمبر 2020 

  

 

27‏/09‏/2020

هل يُصاب شعبٌ بمرضٍ نفسي جَمْعي؟

 هل يُصاب شعبٌ بمرضٍ نفسي جَمْعي؟

تتعرض شعوبٌ لضغوطاتٍ هائلةٍ لو أصابتْ جبالاً شاهقةً لتصدعتْ، وتهشَّمتْ، وتناثرتْ فوق الوديان!

تطول فترةُ احتلال خارجي، وتكبر أجــنّة وُلـِدَتْ في ظلال المدافع والدبابات والقتل والاغتيال ومطاردة المحتل للمواطنين، ونهب خيراتٍ، وتعذيب من يرفض الفوقيةَ الاستعمارية؛ وعندما يأخذ الاستعمارُ عصاه ويرحل، يكون قد تَرَكَ شعبــًا رغم بطولة أبنائــِه إلا أنَّ القسوةَ والانتقامَ وروحَ الثأرِ تكون قد طالتْ أكثرَ أفرادِ الشعبِ المُحَرَر، إلا القِلــّـة النادرة التي نجتْ بفضل مقاومة عقلية وعصبية وثقافية وعقائدية.

تمدّ فترةُ حُكْمِ ديكتاتور في توسعة مساحة الاضطهاد، فيصبح البلدُ في ظل حُكْم طاغية من أبنائه كأنه نسخةٌ مُصَغَّرَةٌ من معتقل جوانتانامو، وإذا زادتْ فترة حُكْم الديكتاتور المُذِل والمهُين عن عشرين أو ثلاثين عامــًا يظهر أحدُ أخطر أمراض العصر فيصبح الوشاةُ أكثرَ عددًا من المواطنين الطبيعيين، ويخاف المواطنُ من الحائطِ لئلا يُسرّب صوتــَه وآهاتــِه، ومن رجل الشرطة خشية أنْ تلتقي عيناه بعينيه فيتم القبضُ عليه، ويرتعش المواطنُ لدىَ سماعِ أيّ صوتٍ، وإذا أوقفه طفلٌ صغيرٌ في الشارع ذهب به الظنُ للوهلةِ الأولىَ أنه مطلوبٌ في أقرب قسم شرطة.

يحكُم جاهلٌ بلدًا فتلتف حوله النخبةُ والصفوة والمثقفون والأكاديميون، وإذا بَصَقَ فَسَّر إعلاميوه البصقةَ أنها ترمز لكراهيتــِه لأعداءِ وطنه، وأنها تعبيرٌ عن رؤيته للذين يريدون تدمير َإنجازاته.

وهنا يولد جيلٌ جديدٌ، أو يُجَدَّد جيلٌ قديمٌ لا يرىَ في الجهل عيبــًا، ولا في الأميــّة خطأً، ولا في الدروشة ثغرة واحدة.

رغم الخطأ في التعميم إلا أنه حقيقة واقعة مع استثناءات قليلة؛ فتستطيع أنْ تقول عن شعب أنه جبان أو غليظ الحِسّ، أو جافٌ في مفردات حواره، أو مازوخي النزعة، أو قابلٌ للاحتلال من قِبَل قوىَ أخرى، أو يحتقر ذكورُه إناثَه، أو مؤمنٌ بأنَّ سيدَ القصر هو خالقُ الكون، أو ذو نزعة زراعية أرضية تجعله لا يغامر بمغادره مسقط رأســـِه، أو شعب لا ينظر أبناؤه تحت أقدامِهم إنما يتوسلون للسماء أنْ تدلــّهم على الطريق، وشعب يأكل ويشرب وينام ويتزوج بفضل الأدعية الدينية ظنــًا منه أنَّ اللهَ يرسل إليه حلولاً جاهزةً أو يُنـــَـزل عليه مائدةً من السماءِ أو يُحيي الطيرَ أمامه ليتأكد أنه الحق.

التعميمُ الكاملُ والتام لأمراضٍ شعبيةٍ يحتمل الخطأَ، أما الاستثناءُ القليلُ فيُدخلك في دائرة وصفٍ شبه حقيقي لصفاتِ شعوبٍ لم تتحمل الضغوطاتِ الثقيلةَ فاحتاجتْ إلىَ فحصٍ طبــّيٍ نفسي وعصبي و.. عقلي جَمْعي!

عندما يدخل استعمارٌ بلدًا آمنــًا يبحث عن الكود الخاص بشعبه، أو ما أُطلق أنا عليه الأمراض النفسية والعصبية والعقلية والعقائدية لتسهيل مهامــِه الاحتلالية مع افتراضِ أنَّ الاستعمارَ نفسَه لم يَقُمْ بصناعتــِها.

هناك مرضُ الدونية اللسانية فيخرج المحْتل بعد عدة أجيال ويترك لسانــَه في حَلــق الشعب المستعْمَر ليعيد إنتاجَ العبودية والإذلال والانبهار من باب الثقافة والتعليم!

يمارس رجالُ الدين في بلدٍ ما صناعةَ المواطن الدرويش بعد تغذيتــِه بفضلات حكايات ماضوية مشحون فيها الدين والجنس والمرأة ورضا السماء مع جائزة مستحَقة يوم القيامة بمزيد من الجنس واللذة والمُتعة.

هذا المواطنُ المصاب بمرض الدروشة عجينة في أيدي الطغاة والمستَغـــِلين والنصّابين والمُحتالين فبمجرد ما توحي إليه أنَّ حديثــَك عنعنته أجيالٌ بعد أجيالٍ من سلفٍ مجهولين لا تعرفهم يمكن أنْ يرتكب كل الفواحش وتخاف على أطفالك منه لأنَّ الدروشة والضمير العقلي لا يجتمعان.

سؤالي مرة أخرى: هل يُصاب شعب ( مع تخفيف التعميم) بمرض عصبي ونفسي وعقلي وعقائدي؟

أجيب بــ(نعم) كبيرة فقد أتيحت لي الفرصة للاحتكاك بمعظم شعوب العالم وكنتُ أتنبأ، بيني وبين نفسي، بنوعية الحوار اللاحق مع شخص وفقا لحساباتي الخاصة عن طبائع الشعوب، وغالبا ما يكون استنتاجي صحيحـًا!

هناك صفات إذا زادتْ حَدّتــــُها تصبح أمراضــًا، وإذا خفّتْ تنضوي تحت طبائع الشعوب.

لم أشر إلى أسماء أفراد شعب بعينه في هذا المقال فالمنتفضون دفاعا عن أمراض شعوبهم أكثر من المتأملين صمتا لعل في كلامي بعض الحقيقة!

طائر الشمال

محمد عبد المجيد

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 27 سبتمبر 2020  

25‏/09‏/2020

شجاعةُ الدينِ ليست دينَ الشجاعةّ!

 شجاعةُ الدينِ ليست دينَ الشجاعةّ!

لا يوجد دينٌ على وجهِ الأرضِ يجعل منك إنسانــًا شجاعـــًا في الفروسيةِ وقولِ الحق والحوارات الأدبية والمخاطرة لإنقاذ فريسة من أنياب حيوان متوحش والوقوف في وجه ديكتاتور والتعبير عن الرؤية السياسية خارج الصندوق في قضايا رأي عام!

ولكن توجد شجاعةٌ منك تزفرها شخصيتــُك وأفكارُك وقدرتُك على المواجهة فتـُلـْصِق نفسَها بالدين أو تُفسِّر الآياتِ الحمَّالــَةَ الأوجه لصالح أنفاس الحرية والكرامة والثقة بالنفس التي تتمتع أنت بها، فتدلف إلىَ مشاعرِك قداسة انتزعتــَها أنت من الدين في الوقت الذي أخذها غيرُك كأنها طاعة عمياء لمن تظن أنهم فوقك.

كل التعاليم في أديان الأرض قاطبة تُفسّرها أنت وفقــًا لمساحة الشجاعة في صدرِك، فتحيل المفردات إلى قاموس الجُبْن أو نظيرِه مُعجمِ الشجاعة، فالخنوعُ يتحول إلى رغبة في السلام، والخوف يصبح بحثــًا عن الأمن، والمعركة الأدبية تَضحىَ هُدْنةً واستراحة أو تجنبَ صداعِ الحوارات؛ أما استخدام مُعْجَم الشجاعة فعكس السابق تمامـــًا.

لهذا فإنَّ المتلاعبين بالمقدسات من خارج دائرة المؤمنين يسْهُل عليهم السيطرة الايجابية أو السلبية بتفسيرات الإقدام أو الخنوع حسبما توجههم الرغبة في تقديم الدين كمُحفِّز علىَ الغضب أو .. كمُفَرمل للشجاعة!

كل الحروب الدينية على مدار التاريخ الإنساني لجأتْ إلى أعماق النفس زاعمة أنها دخلتْ صفحات الكتب المقدسة، فتستخرج ما يوافق هوىَ المحاربين أو القياديين وتضع خِتْمَ السماء علىَ معارك الأرض.

حتى العبيد كانوا يجدون تفسيراتٍ مريحةً للضمير لدىَ الوقوف تحت أقدام أسيادِهم، خاصة إذا خُتمَتْ برضا المعابد، وطاعةُ العبــْد لسيدِه تختلط مع طاعة العبدِ لربـــِه بفضل تفسيرات السَيّد الذي يضع الكـُرباجَ داخل كتابـــِــه المقدّس.

السماءُ تأمرك بالحُسنىَ فيأتي من يقنعك أنَّ المقصودَ بالحُسْنىَ جزُّ الرؤوس، فتقتنع؛ ليس بما قيل لك من الخارج، ولكن بما أفرزته نفسُك من الداخل.

معاركُ مقارنة الأديان هي أسهل الحروب الافتراضية على وجه الأرض، لأنَّ المحاورين يعثرون بسهولة على تناقضات أديان بعضهم بحُكْمِ المساحة الزمنية والمكانية في التاريخ والجغرافيا، فتختلط الحقائق والحكايات التي اختفىَ قائلوها تحت الأرض مع مقدسات عاشت في صدور المؤمنين بها فاكتسبتْ كلها صفة الرهبة؛ وهي التي تُيسّر التفسيرَ النفسيَ لفرسان المقارنة والمقارعة والضرب تحت الحزام حتى لو لم تصهل خيولـــُهم الفكرية.

ضع مسلمــًا ومسيحيــًا ويهوديــًا في ساحة معركة مقدسة مع بوذي وهندوسي وكونفشيوسي، فهل تستطيع أنْ تتنبأ بالمنتصرين؟

أغلبُ الظن، أو كما أنا أظن، أنَّ المنتصرين منهزمون كما أن المنهزمين منتصرون، فمئات السنوات من تاريخ كل دين من الأديان الستة، سماوية أو أرضية، تسمح لك أنْ تعثر على ثغرات وضعية يزعم صاحبــُها أنها سقطتْ من السماءِ، أو ثغرات سماوية قذف بها تجار ُالدين إلى الأعلىَ.

كل عُشّاق مقارنة الأديان يدخلون المعركة بالقَدَمِ اليُسرىَ فيطعنون في مُسَلــّماتِ مخالفيهم اعتقادًا منهم أنهم يدافعون عن مُسَلــّماتهم الذاتية، فلا آمن هؤلاء بعقيدة الآخرين و.. لا كفر الآخرون بمعتقداتهم.

أعودُ إلى قضية الطرح مؤكدًا أنَّ الدينَ لا يُعَلــّمك الشجاعةَ؛ إنما تُعَلــّمك إياه صفاتــُك النفسيةُ حتىَ لو صنعها التهَوّرُ واللامبالاة بالخطر والرغبةُ في التهْلــُكة، وكذلك الشجاعة تستطيع أنْ تصبغ بها الدينَ كلـــَّه أو بعضـَه وتقنع نفسَك بأنها أوامرُ و.. توجيهات عقائدية جعلتك فارســـًا مغوارًا.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 25 سبتمبر 2020  

 

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...