14‏/06‏/2020

عيد ميلاد تيران وصنافير!

عيد ميلاد تيران وصنافير!
في مثل هذا اليوم منذ ثلاث سنوات وافق البرلمان المصري على تسليم تيران وصنافير المصريتين إلى دولة أخرى قد تمنحهما لدولة ثالثة.
أعضاء السلطة التشريعية المصرية وضع كل واحد منهم حذاءً في فمه( إلا القليل) بعد أن بصق السيسي في وجوههم. في نفس الوقت صمت وخرس أبناء أبطال العبور العظيم ورفضوا أن تكون مهمتهم حماية الأرض المصرية، فهي ليست أرضهم أو أرض آبائهم، لكنها أرض الرجل الذي يخدمهم. والجنرالات الذين حطم آباؤهم أسطورة استحالة عبور القناة؛ أصبحوا اليوم يبولون على يونيفورهم إذا صاح الرئيس أو نظر أو عاتب أو توعد أيا منهم.
القضاة أيضا ابتلعوا أحذية فخرسوا، والإعلاميون التهموا غائطا قبل أن يسجدوا للديكتاتور. عشرات الملايين من المصريين أعرق شعوب الأرض لم يحركوا ساكنا فالعبودية كانت أقوى منهم.
الملائكة هربت من المساجد ومن الكنائس حياءً؛ فهي لا ترفع أدعية المصريين إلى السماء.
الدنيا كلها من بشر وجن وحيوانات ونباتات وأسماك بكت على أحوال أمة كانت ثابتة في نفس الأرض لخمسة آلاف عام، فجاء جاهل وسادي وضعيف فنفخ في أبناء هذه الأمة ليسقط الجميع رعبا وخوفا.

زعم كل خائف أنه يخشى على أهله وأن بائع الأرض يراقبه في اليقظة والمنام وأن أجهزة الأمن تفعص المصريين تحت حذائها ولو هربوا لأقصى الأرض.
اعتبر المشترون انهم اشتروا الأرض المباركة من حشرات كانت منذ مئة عام تقود النهضة في المنطقة فجاء رجل يقنعها أنه أكبر من الله، وأنه الفتاح العليم، وأن المصري لا قيمة له، وأن نضالهم يجب أن ينحصر في رفع القبضة والهتاف ب( تحيا مصر).

قطع الأكاديميون والمثقفون والنخبة والمتعلمون ألسنتهم بأيديهم، وبرروا أحقر عملية بيع لجزء من الوطن سواء بالصمت أو بهراوة الأمن أو بالخوف على مناصبهم.
الديكتاتور في دهشة وهو يضرب كفا بكف ويسأل نفسه: ماذا أفعل بهم ومعهم حتى يغضبوا لكرامتهم؟ هل أبيع الأرض والجُزر والعِرض والغاز والبترول والنهر الخالد؟

لقد فعلت أكثر من كل هذا، وأقنعتهم بأنني إذا رفعت حذائي من على رؤوسهم فسيأتي الاخوان المسلمون ليفعلوا نفس الشيء.
فرح المصريون بهذه الحجة والذريعة فقالوا لن يعود الاخوان مرة مرة فالذُل مع هذا الرجل أرحم من الذل مع أحفاد حسن البنا.
وظل التعامل مع المصريين على انهم حشرات، فالحُكم الديني كالحُكم العسكري، وقسوة الإسلاميين وغلظتهم كجهل العسكر وساديتهم.

وقرر المصريون التوقف عن القراءة والمتابعة والمعرفة والكتاب والنقد والاعتراض لئلا يواجهوا الحقيقة.
وماتت عبقرية الكلمة، واستخدم المصريون الكتب المقدسة في كتم أفواههم، وانتقم الرجل من الذين ثاروا ضد المخلوع الحرامي.

وتبقىَ مشكلة المشاكل: لماذا لا يبكي المصري ويرتعش غضبا ويخرج من القفص ويعلن بشريته وإنسانيته وأن الله نفخ فيه من روحه؟
لماذا لا تسقط دمعة واحدة من عيون مصرية جميلة بعد قراءة هذه الكلمات؟
لماذا يحتقر المصري نفسه إذا أتيت أمامه على ذِكْر حاكمه؟
لماذا أصبح عبور أكتوبر الجديد صيحة( تحيا مصر) فيتخدر الجسد المصري، وينام ابن وادي النيل وهو في حراسه سجّانيه ومعذبيه؟

إذا أراد المصري الهروب من المسؤولية الأخلاقية في كلماتي تلك سيُلقي باللائمة على الاستعمار أو عبد الناصر أو ثورة يوليو أو كامب ديفيد أو القوى العظمى أو أي شيء مضىَ ولا يستطيع محاسبته حتى لا ترىَ عيناه وضميره بائعــَـه الجديد.
سعادتي في دموع مصرية على ما وصلنا إليه في هذا العهد، لكن المصريين يقومون بتوزيع الدموع على كل العهود والجماعات والحُكام حتى تختفي المسؤولية في المجهول.
شكرا لكل من سيبلغني أنه شجّ رأسه في الحائط وبكى على مصر.. وعلى تيران وصنافير.
بالمناسبة اليوم أيضا تاريخ ميلاد المناضل الثوري تشي جيفارا!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 14 يونيو 2020

12‏/06‏/2020

هل يحكم ديكتاتورٌ بلدَك!


هل يحكم ديكتاتورٌ بلدَك!

لا أقصد هنا ديكتاتورًا بعينه كما سيحاول أنْ يتصور الكثيرون؛
لكنني أشير إلى كل ديكتاتور طاغية أمسك بخناق شعبه بفضل الجبناء والساديين والوصوليين
الذين يكرهون شعوبَهم فيساعدون السفاحَ في الإمساك بالسكين قبل ذبح الأبرياء.
كل الأوبئة تحتاج إلى علاج حتى تتوقف عن حصاد البشر إلا الديكتاتور فلا علاج له ومنه إلا بإزالته تماما.
الديكتاتور عبارة عن مستنقع لكل الأمراض المستعصية وفي مقدمتها الكِبْر والاستعلاء والطاووسية!
الديكتاتور كتلة ملتهَبة من البثور والتشنجات والأخاديد النفسية والعصبية والعاطفية.
الديكتاتور يمارس الموت في صورة حياة، وهو
صانعٌ للقبور في الحقيقة وفي الخيال، وهو متسلل إلى عالم البشر من عوالم الشياطين.
الديكتاتور كائن يصنع المرضَ تحت زعم أنه طبيب الفلاسفة، وأن الله خلقه هكذا يصف العلاج حتى لو كان استدعاءَ ملَــَكِ الموت ليُعجّل في قبض أرواح مناهضيه.
الديكتاتور لا يُصدّق أن الله أقوى منه، فهو يبحث عن التصاق اسمه في ذهن المواطن المتلقي باسم الله،
لذا فَهَمَ مستشارو الرئيس المصري أن تسمية أكبر مسجد باسم مسجد الفتاح العليم سيجعله يقترب من مساواته بالمعبود
، فعبد الفتاح تُصبح فتاحا، وتُحذَف( عبد) ليتحول إلى نائب الله على الأرض قبل أن يصل إلى مرتبة الزعيم الإلــَـه
الديكتاتور يحب نفسه ولو كان يبغضها، ويريد أن يتذكر كل أبناء رعيته أنه ( الأخ الكبير) كما وصفه جورج أورويل في كتابه 1984، لهذا كان مشروع صور القائد المهيب صدام حسين حالة من النرجسية المشوبة بالسادية، فأينما يولي المواطن وجهه فسيجد صورة الزعيم الإلــَــه بدلا من (أينما تكونوا فثم وجه الله).
الديكتاتور برغم كراهيته المقيتة لشعبه إلا أن الجانب المعاكس للكراهية قد يبدو للناس كأنه شفافية عاطفية ولو خرجتْ من بين أظافر ملؤها الدم، فأدولف هتلر كان رقيقا مع إيفا براون، وكان أرَقَّ مع كلبِه في الوقت الذي كان يُدَمِّر ويقتل ويحرق الضعفاءَ والخصومَ والمعارضين؛ وكذلك كان التعذيبُ في معتقلات المخلوع اللص حسني مبارك يجري على قدم وساق في الوقت الذي تتحول شغافُ قلبه إلى الأبوة الثانية لحفيدِه الذي أوجعه لاحقا موتُه فأنهكه وضاعف آلامَه وطال عُمرُه مع عذابِ خلع أنبياء 25 يناير الشباب له، واختفاء الحفيد من حياته.
الديكتاتور يثق أن سخرية الدنيا كلها منه لن تُزحزحه قيد شعرة عن كُرسي الحُكم،
بل قد تُطيل السخرية من وجوده لظن الساخرين أنهم أدّوا مهمتهم في المعارضة الصارخة أو الهامسة؛ وهناك آلاف الحكايات عن القذافي وخيمته وعن عيدي أمين دادا الذي طلب من السادات زيارة مصر سابحـًا في النيل، وعن جان بيدل بوكاسا الذي اقترض من فرنسا لتنصيب نفسه إمبراطورا على الجائعين في جمهورية أفريقيا الوسطى، وعن عبد الفتاح السيسي واعتقاده أن الله خلقه ووضع فيه كل العلوم والذكاء...
السخرية ليست تحريضا ضد الديكتاتور؛ إنما تخديرٌ ليستريح المعارضون كأنهم كانوا في ساحة الوغىَ في مناهضة مُعذبهم.
الديكتاتور يتعذب في داخله إذا رأىَ رأســًا مرفوعة، فأنْ ترفع رأسَك أو كتفيك أو صوتَك أو حتى نبرةَ صوتــِك فهذا يعني بداية النهاية لقُربك منه.
وعندما ارتفعت حدة الحديث بين وائل الإبراشي وكامل الوزير تلفزيونيا كان الإعلامي يرتعش والعسكري يهدد مع مديح غث. وبعد أقل من ثلاثة أيام كان الإبراشي يمتدح في عبقرية الرئيس السيسي حتى تنجو رقبته من مقصلة العزل الإعلامي.
الديكتاتور يقف أمام المصفقين والمُهللين مستمتعا بمهانتهم وهو يلقي عليهم توجيهاته نصفَ الإلهية؛ أما السيسي فقد اكتشف نوعا جديدا تماما من إهانه مستمعيه في المؤتمرات، فهو يعطيهم ظهره، ويترك لهم تأمل قفاه بعدما احتضن عشقه الأول والأخير، أي الميكروفون!
مستشاروه يعرفون أنه لم يحضر للحديث إلى الشعب؛ إنما مع مرآته كما كانت زوجة أبي الأميرة في رواية بياض الثلج تحدّث مرآتها صباح كل يوم وتسألها إنْ كان هناك من هو أجمل منها!
الديكتاتور لا يتحمل فكرة وجود مواطن بعيدا عن عينيه أو أذنيه؛
وعندما كان أنور خوجة يحكم جمهورية الرعب.. ألبانيا، كانت الشرطة السرية تأمر سكان البلد المنكوب أن يكتب كل مواطن تقريرًا عن تحركات ونشاطات جيرانه وأصدقائه، وإذا شق عليه الأمر فيكتب تقريرا عن نفسه ويذهب إلى أقرب قسم شرطة ويبلغ عن نفسه في مذكرات يومية مملة ومفصلة.
الإمبراطور الإثيوبي هيلاسلاسي كان يسمع من مستشاريه صباح كل يوم ملخصا للأحاديث التي دارت طوال الليل في شوارع أديس أبابا بين مواطنيه.
في منتصف الثمانينيات جاءني في المكتبة العالمية التي أنشأتها في أوسلو عام 1983 شاب مغربي. رآني استمع إلى كاسيت لخطبة سياسية عن الملك الحسن الثاني.
سألته إنْ كان يريد أن يقترض الكاست، فرفض بهستيريا شديدة خوفا من أن يعرف الملك.
قلت له: لكنك ستسمعه في سيارتك وبمفردك في النرويج وعلى مبعدة آلاف الكيلومترات من القصر الملكي في الرباط.
ردّ بثقة يقينية: حتى لو أغلقت كل نوافذ السيارة فجلالة الملك قادر على الاستماع إلى الخطبة السياسية.
الديكتاتور يرى عُلو ذكاء أي مواطن انتقاصا من قدْر سيد القصر.
في كتاب جيمس سكوت( المقاومة بالحيلة..كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم؟) حكىَ عن أحد العبيد السود في مزرعة سيد أمريكي أبيض؛ قال المسكين: لقد تعلمت كما تعلم غيري من العبيد أن أخفي ذكائي حين ألتقي بسيدي!
في فيلم أمريكي عن رئيس الخدم في البيت الأبيض ظهر نفس المشهد حين سُئل من جانب ضيوف الرئيس عن رأيه في قضية سياسية!
ردّ الخادم متصنعا الغباء والجهل بأنه لا يفهم ما يتحدثون عنه.
انفرجت أسارير الضيوف البيض رغم أن الخادم الزنجي العبد كان أعلم منهم في هذا السؤال بالذات.
فهم السيسي في الحوار التلفزيوني مع ابراهيم عيسى ولميس الحديدي أن الإعلامي الكبير لايُخفي عُلو ذكائه، بعكس زميلته التي رفعت من شأن الرئيس،
حينئذ خرج ابراهيم عيسى من دائرة التحليلات السياسية في عهد الديكتاتور السيسي إلى التحليلات الدينية؛
رغم أن له الفضل في بسط السجاد العسكري بديلا عن الممشىَ الديني الذي مثّله محمد مرسي، فابراهيم عيسى هو الذي أطاح بأباطرة المُقطّم في حلقات مبدعة وصريحة وشديدة عن العفريت الديني الذي أحضره تلاميذ حسن البنا.
وضحتْ معالم البهجة على مُحيــّا الرئيس السيسي حين استمع لكلمة الترحيب بانتخابه في البرلمان التي ألقاها علي عبد العال وهو يرتجف يدين وشفتين؛ فرئيس السلطة التشريعية بدا، حقيقة أو افتعالا، كتلميذ خائب في الثانية الابتدائية، وهنا ظهر الديكتاتور المتخلف كأينشتاين المصري.
الديكتاتور ليس فقط طبيبَ الفلاسفة، لكنه طبيبُ الأطباء ولو كانت معلوماته لا تزيد عن معرفته بفائدة حبة باراست للصداع.
خاف السيسي في مؤتمر خاص بتوجيهاته الحكيمة في معركة فيروس الكورونا أن تجلس وزيرة الصحة بجواره لئلا يضطر إلى إشراكها في عبقريته الطبية،
فأمر مُنظمي المؤتمر بأن يكون مقعد وزيرة الصحة في الصف الثالث خلف الجنرالات فاليونيفورم الكاكي قبل البالطو الأبيض، ووباء الكورونا يخشى البندقية أكثر من خشيته المصل !
الديكتاتور ليس مهووسا فقط بعبودية الشعب لمعرض صوره في كل مكان تقع عينا المواطن عليه، لكن التماثيل أيضا تُجسّد العبودية، فلو مر مواطن في كوريا الشمالية أمام تمثال لكيم يونج أون، أو لوالده، أو لجده المؤسس دون أن ينحني فيمكن أنْ تستدعيه الشرطة السرية وكذلك لو أعطىَ ظهره للتمثال.
هنا تصبح كل عين لمواطن عينا للديكتاتور تُسرع في الإبلاغ عمن يُشم منه أنه قد يحلم بالمعارضة، نفس الأمر ينسحب على مئات الآلاف من المصريين المهاجرين والباحثين عن لقمة عيش كريمة فإذا بهم يعرضون خدماتهم على أجهزة أمن الحُكم في مصر، أي بوقوفهم خط الدفاع المهاجرعن الديكتاتور، في مقابل الشعور بالأمان.
الديكتاتور لا يعيش بدون وشاة، يهمسون في أُذنه، ويتجسسون تطوعا على رعيته من أجل حمايته وحماية أنفسهم.
أسوأ أنواع الوشاة هُم الذين يتبرعون لأجهزة الأمن عن زملائهم في العمل والمؤتمرات، كالسيدة التي أبلغت الشرطة في بغداد عن زميلتها التي طلبت منها تخفيض صوت المذياع حينما كان يذيع خطابا لصدّام حسين، انتهت بثلاثة أسابيع قضتها الموظفة المسكينة في زنزانة باردة.
الغريب أن بين جاليات من عالم الديكتاتوريين من تعيش في قلب الديمقراطية الغربية هاربة من أوجاع الوطن الأم النائم تحت حذاء الديكتاتور، لكنها تُلقي بأبناء وطنها بين أنياب أجهزة الأمن سواء عن طريق البعثات الدبلوماسية أو لدى عودتها فينتهي الاسم في قائمة المترقب وصولهم.
في السبعة والأربعين عاما التي قضيتها في أوروبا، انجلترا وسويسرا والنرويج، التقيت عددا هائلا من مغتربين ومهاجرين يستمتعون بالحرية في الغرب ويدافعون عن الاستبداد في الشرق. يخرجون في مظاهرة من أجل أصغر حقوقهم في الغرب ويغضون الطرف عن عذابات عشرات الآلاف من القابعين ظُلما في سجون لا آدامية في بلادهم الأم.
على العشاء في فندق عاصمة خليجية سألت صحفيا زميلا نصف معارض عن سبب تجنب زملائه الالتقاء بي، رد قائلا: أصارحك الحقيقة؛ فنحن نكتب تقارير ضد بعضنا ونقوم بتسليمها لمباحث أمن الدولة فور عودتنا للقاهرة لنضمن وظائفنا وسلامنا وأمن عائلاتنا، فوظيفتنا الإعلامية هي الدفاع عن الرئيس حسني مبارك.
الديكتاتور يُحدد النسيج الاجتماعي ويُصنّفه طبقات فوق أخرى؛ ويضع المنبوذين في الأسفل ، والمنبوذون هنا هم العبيد الأحرار كالإعلاميين ورجال الدين والأكاديميين وضيوف البرامج الحوارية، فيوحي إليهم أنهم من الطبقة العليا شريطة أن يتلقوا الأوامر من ضباط الأمن في مقابل الاحتفاظ بالصورة اللائقة أمام عائلاتهم.
الديكتاتور يُنصت إلى الشفرة المُتعارف عليها بين طبقة المنبوذين الأحرار، ومن أراد النجاة بأمواله ووظيفته فعليه التأكيد في كل اللقاءات الجماهيرية أو الملتقيات الثقافية والسياسية والدينية والإعلامية والفنية أن توجيهات القائد كان لها الفضل الأكبر؛ وهنا تمُدّ يدُ الدولة له الجزرة بعدما استوعب أن العصا في اليد الأخرى.
الديكتاتور كارثة إنسانية ولعنة على نفسه وعلى البشر.
إنه يكره الرؤوس غير المنخفضة، ولعلنا نتذكر السفيرالوطني معصوم مرزوق الذي لم يطلب أكثر من استفتاء عادل ومراقَب دوليا فإذا نجح السيسي فسينسحب السفير من كل صور المعارضة له وسينخرط في خدمته.
جُنّ جنون الرئيس ولأن القضاء والنيابة والسجّانين والعَسْكر والشرطة عبيدٌ لدىَ الديكتاتور، فقد انتهى الأمر بالقبض على السفير، وصمت المصريون عن بكرة أبيهم.. كالعادة!
الديكتاتور يُعطي مواقع التواصل الاجتماعي فرصة الرقابة الذاتية والرعشة الطوعية،
وكل صاحب موقع أو حساب أو صفحة عليه أن يضع رضا أو غضب الديكتاتور في ذهنه، ويحذف ويحظر كل من يكتب ما يخالف رغبة القصر، من لا تصطك أسنانه وتتصادم ركبتاه فلا مكان له في جمهورية أو مملكة الديكتاتور.
الديكتاتور يصنع في ذهن المواطن الزهايمر السياسي لينسىَ وعودا كاذبة وعهودا باطلة بأنه سيحافظ على الأرض والبحر والنهر والغاز والعدالة والكرامة والمال والبترول والتعليم ومئات بل وآلاف من مفاصل الدولة.
الديكتاتور يُثبّت للرعية اقتناعها بظُلم أجهزة العدالة القضائية، فالمواطن متهم حتى لو لم تثبُت عليه تُهمة، لكنها لذة الحاكم ومزاج رجل الأمن.
الديكتاتور لا يكفيه أنه يحكم؛ إنما حقه على الشعب أن يمتلكه!
تيران وصنافير جزيرتان مصريتان استراتيجيتان في حماية الجيش الوطني. قرر الرئيس بيعهما أو التنازل عنهما رغم المعارضة الظاهرة للشعب.
صمتت القوات المسلحة التي عليها حماية الأرض والبحر والجو، وتم الزج بمن اعترض في سجون تستقبل الوطنيين لتطحنهم.
الديكتاتور كلما كان قاسيا، فظا، غليظ القلب؛ التفّتْ الجماهير حوله، ودافعت عنه، وبررت قذارته، ومسحت بوجهها على عفنه، حتى لو نكث الوعد، وبصق على القسَم الذي كان عهدا بينه وبين محكوميه باحترام الدستور.
كانت همسات الشياطين المستشارين له بتغيير الدستور ليطيل فترة حُكمه ضعفين توطئة لابن من نسله، فكل ديكتاتور كان يُعد ابنَه وريثا، عُدي صدام حسين، أحمد علي عبد الله صالح، سيف الإسلام القذافي، جمال مبارك، جان كلود ديفالييه( هاييتي) وعشرات غيرهم.
يتحول المهللون والمصفقون إلى قردة ترقص، بعدها تنتقل القرود إلى طور الكلاب التي تخدم وتنبح، بعد ذلك تصبح الكلاب خنازير تسمن من طعام الفضلات قبل أن يتم ذبحها.
الديكتاتور لا يتنفس إلا في مجتمع مليءٍ بالبغضاء والفتنة الطائفية ومعارك بين فصائل تسعى كل منها للحصول على دعمه.
الديكتاتور يصنع ماضيه بنفسه، ويزركش فيه ويلونه، ويسدّ ثغراته.
مجلة باري ماتش الفرنسية نشرت في أوائل حُكم الديكتاتور التونسي زين العابدين بن علي صورا له وقد نسج البياضُ الفضي شعْرَ رأسِه.
أمر الرئيس بسحب كل أعداد المجلة من المكتبات التونسية، ومع مرور الوقت اختفىَ من الذاكرة الشعرُ الأبيض ليحل محله شعرٌ أسود وبدلة بيضاء أنيقة ورئيس يصطنع الأدب الجمَّ كلما أمر ببناء سجون جديدة.
كل ديكتاتور يضع صانعوه وصانعهم أمامه صفحة بيضاء ليرسم فيها ماضيه الجديد الذي ستتعامل معه وسائل الإعلام والمعاهد، والمدرسة، والجامعة، الرياضة التي مارسها، الأصدقاء، الحيّ الذي كان يسكنه...
الديكتاتور يحتاج مع السلطة العسكرية سلطة دينية تصبغ القداسة على أحاديثه، وتُقنع البسطاء بالرباط المقدس بينه وبين السماء، وتخيف المعارضين لأن طاعة ولي الأمر من طاعة الله!
الديكتاتور يصنع معارك في الداخل والخارج، ولا يكترث للنصر أو الهزيمة فإعلامه قادر على تحويل أي هزيمة منكرة إلى نصر من الله.
عندما هُزِم الجيش الليبي بأسلحته الثقيلة أمام متمردين في شمال تشاد، وعادت جثامين جنود العقيد معمر القذافي ، قام الإعلام بالاحتفال بالانتصار التاريخي حتى لو كان بين الدبابة الليبية و النبّوت التشادي.
الديكتاتور لا يتلذذ فقط بما يصيب شعبه في الداخل من كوارث وفقر وقهر وإذلال، لكنه يريد أن ينعكس ذلك على مواطنيه في الخارج.
أتذكر كلمة قالها لي صديقي المحامي السويسري دنيس بايو في جنيف عام 1975:
"لقد جرىَ العُرْفُ في العالم كله أن المصري هو المواطن الوحيد الذي لا تدافع عنه حكومته مهما حدث معه في أي بلد"!
وكان ذلك إبان حُكم السادات واستمر مع المخلوع الحرامي حسني مبارك ثم المشير طنطاوي فمحمد مرسي فعدلي منصور وأخيرا السيسي!
الديكتاتور يطير في كل مكان بأجنحة غير مرئية من أجهزة الأمن والاستخبارات فهي خط الدفاع الأول عنه، وفي عصر الإنترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي التي يسيطر على أكثرها جهلة وجبناء وعشرات الآلاف من الحسابات الوهمية تُراقَب كل كلمة تنشرها أو تذيعها يوتيوبيــًا، والوشاةُ من الناس أضعاف المراقبين من أجهزة الأمن، وربما تجد أكثر الوشاةِ من القريبين والأصدقاء، وتجد أحطّهم صديقَ الغُربة .
الديكتاتور يحتاج إلى المال حتى يشتري أو يُسكت أو يُخرس خطوط الدفاع عنه وهنا يمكنه أن يشتري الجنرالات وعائلاتهم ورتبَهم العسكرية ويضع في خدمتهم قصورا وفيلات ومئات الأفدنة وإمتيازات تعلوها سلطة تنفيذية مُفزعة، ويزيح السلطة القضائية بعيدا ليضمن تبرئة رجاله ولو سرقوا ونهبوا الوطن كله.
الديكتاتور يُقيّد الشعب بقروض خارجية لأموال تُساعد في تثبيت حُكمه، فينفق من جيوب الفقراء والضرائب والإتاوة .
الديكتاتور يظهر أحيانا في صورة جماعة من البشر تحت غطاء طائفي أو عسكري أو حروب وهمية أو إبادة جماعية لشهور أو لسنوات مثلما حدث في كمبوديا فأبيد ثلث الشعب وبدتْ أوامر بول بوت كأنها تطهير وطني في صورة مذابح هزت الإنسانية برمتها.
وفي رواندا عام 1994 قتل أبناءُ طائفةٍ أبناءَ طائفةٍ أخرى وحصد مَلـَـكُ الموت أرواح مليونــًــا من الروانديين في ثلاثة أشهر جحيمية، فالشعب هنا هو الديكتاتور.
الديكتاتور يُسَبِّح بحمد الله إذا ذبح بسكين رجل الدين، ويُشهِد اللهَ أنها توجيهات أخلاقية سامية ، والمعبد قادر أن يحشد مهووسين كما يتجمع المهووسون وهم يرجمون امرأة زانية محشورة في حفرة ، ثم يتوجهون لشُكر السماء على نعمة الفضيلة
الديكتاتور يجمع في قبضته السلطة التشريعية والسلطة القضائية ويلصقهما بالسلطة التنفيذية، فهو الحَكَم والمعبد والمحكمة في آن واحد.
الديكتاتور الأخطر هو الأجهل مثل جان بيدل بوكاسا ومعمر القذافي وعيدي أمين دادا وحسني مبارك، وهناك ديكتاتور أرفع ذكاءً مثل ستالين وفرانكو وسوموزا وسالازار ومحمد رضا بهلوي وبينوشيه وموجابي، وهناك الديكتاتور الذي لا يخضع للمعايير المتعارَف عليها، فهو من جنس الذئاب يفترس قبل أن يفكر مثل بول بوت وهتلر وموسوليني ومنجستو هيلامريم.
الديكتاتور لا يتنفس إلا في وجود قانون الطواريء في السلم والحرب، فمصر مثلا لم تعرف في نصف القرن المنصرم حياة خارج قوانين الطواريء وأضاف إليها السيسي منع تجمع خمسة أشخاص في احتجاج سلمي، ثم أصبح رفعُ لافتةِ احتجاجٍ جريمةً ولا أستبعد أن يصبح قريبا المواطن بمفرده تجمعا ممنوعا.
اختيار المسؤول الأكثر جهلا يمنح الديكتاتور الجاهل قيمة كبرىَ، ففي مصر مثلا ينتفخ الرئيس أمام جهل القُضاة ورئيس مجلس النواب وأكثر النواب وأغلب الإعلاميين.
ينام الديكتاتور ولا يحلم مثل باقي البشر ولا تطارده الكوابيس، لكنه يستمتع ويتلذذ ويبتهج كلما نُقل إليه خبر اعتقال وتعذيب سجين، خاصة سجناء الرأي والضمير، فهؤلاء يفكرون خارج الصندوق،
عشرات الآلاف من المعتقلين في مصر وأكثرهم لم يُعرَضوا على القضاء العادل أو الظالم، لكنهم سيظلون خلف القضبان حتى تنتهي فترة حُكم الديكتاتور بالموت أو بالقتل أو بانقلاب مضاد.
هل يوجد ديكتاتور يحب شعبه؟ هذا مستحيل؛ ولكن توجد شعوب تعشق الديكتاتور حتى لو لم يحرّك كرباجه في كل مرة قبل الهتاف له.
الديكتاتور يشهد نهايته بأيدي أبناء شعبه مثل موسوليني الذي أعدمته الجماهير الإيطالية، ومعمر القذافي ، وعلي عبد الله صالح وغيرهم؛
لكنه قد يُزَف إلى العالم الآخر في جنازة شعبية أو عسكرية بعدما تكون مُدة جحيمه الأرضي قد اندست في مسامات جسد الرعية، فحسني مبارك لص ونهــّــاب وهرّب وعذب وزور وزيّف وآذىَ شعبه وأرضه وأعاد الوطن لمئة عام للوراء، وجرائمه لو راكمتها فوق بعضها خلال ثلاثين عاما لوصلت إلى السماوات العُلا، ومرَّ على سجونه ربع مليون معتقل رأي وضمير، وكانت النتيجة جنازة عسكرية يتقدمها رئيس الدولة .. العسكري أيضا، فشياطين القضاء قاموا بتبرئته حتى لا يضطر أي نظام يأتي مستقبلا فيطالب باسترداد مليارات منهوبة ومُهرّبة للخارج.
الديكتاتور يتنفس برئة المواطن الجبان والجاهل والأمي والمنافق والوصولي والفاسد واللص والمزايد دينيا، والأكاديمي الخائف على منصبه.
الديكتاتور يُبغض اللهَ ويراه، عزّ وجل، منافسا له كمعبود، ويضيق صدره بالرسائل الأخلاقية التي يُنزّلها الله للبشر، فقصر الديكتاتور لا يحتفظ برسالة أخلاقية.
في صدر كل إنسان مساحة فراغ مخلوقة ليضع فيها الديكتاتور الخوفَ والجُبنَ والفسادَ والنفاق، أو يحشوها الإنسان النبيل بالشجاعة والسُمو والجمال والوطن حتى يرثها عنه أبناؤه وأحفاده بعد حين.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج في 11 يونيو 2020

06‏/04‏/2020

رضا السيسي من رضا الله!

هل تريد أن تربح رضا الرئيس؟
أنا أفهم أنك تؤمن بأنَّ التنازلَ عن تيران وصنافير هو من أجل مصر، وأنَّ اعتقالَ ستين ألف مواطن أكثرهم بدون محاكمة من أجل مصر، وأنَّ اختيارَ أعفن إعلاميين منافقين للتعبير عن رؤية السيسي من أجل مصر، ومليارات من القروض المُهلـِكة والقاصمة لظهر الوطن في أجيال قادمة هو من أجل مصر، وأنَّ استضافة كل المعاقين ذهنيا من النواب وعلى رأسهم رئيسهم في التلفزيون من أجل مصر، وأن بناء تفريعة قناة السويس من أموال الحصّالة المصرية من أجل مصر، وأن توقيع اتفاق سدّ النهضة مع رفض إثيوبيا هو من أجل مصر، وأن صناعة ثقافة التسوّل في كل مؤسسات الدولة وإعلاناتها من أجل مصر، وأن اعتقال أي منافس للرئيس من أجل مصر، وأن رفض مئة مليون مصري مشاهدة القنوات التلفزيونية المصرية هو من أجل مصر، وأن نكث الوعد في احترام الدستور الذي أقسم عليه ثم عدّله ليحتفظ بالعرش إلى ما لا نهاية من أجل مصر، وأن موتَ السياحة لأن الرئيس لا يعرف ماذا تعني كلمة سياحة هو من أجل مصر، وأن استمرار القُضاة الجهلة والظالمين والمتخلفين هو من أجل مصر، وأن تقسيمَ مصر وخيراتها وأرضها ومناصبها على اللواءات فقط من أجل مصر، وأن غياب أي مشروع وطني وقومي وإصلاحي وثقافي هو من أجل مصر، وأن إنزال الرعب في صدر كل مصري يريد أن يتكلم أو يتنفس أو يختلف هو من أجل مصر، وأن امتلاءَ الفضاء المصري بالمتطرفين والمتشددين المتخلفين دينيــًا هو من أجل مصر، وأن غيابَ أكثر حقوق أشقائــِنا الأقباط وخاصة المساواة المواطــَـنية هو من أجل مصر!
وقد أتفهم أن الكراهيةَ لثورة 25 يناير المجيدة هو من أجل مصر، وأنْ لا مكان لمسؤول أو إعلامي أو كاتب أو ناشر لا يمتدح في الرئيس هو من أجل مصر، وأن نجاة المخلوع اللص مبارك بمليارات الشعب المنهوبة ثم خروج جنازة عسكرية لوداعه إلى مقره مع دود الأرض هو من أجل مصر، وأن رفض الرئيس السيسي وقبله محمد مرسي وقبلهما المشير طنطاوي استرداد أموال الشعب من الخارج هو من أجل مصر، وأن مضاعفة أعداد الفقراء والمتسولين هو من أجل مصر، وأن توسعة مساحة الفساد في كل أرجاء البلد هو من أجل مصر، وأن أربعة أخماس المحافظين لواءات من أجل مصر، وأن حجب زُرقة البحر عن عيون المصريين في الاسكندرية من أجل مصر، وأن مطاردة المغتربين والمهاجرين سواء في الذباب الالكتروني للمرشدين أو قائمة المترقب وصولهم من أجل مصر، وأن الجيش المصري خسر عددًا هائلا من الشهداء الشباب في نفس المكان وبنفس الطريقة الغبية في شمال سيناء كان من أجل مصر، وأن اتفاق الغاز في البحر المتوسط الذي أضاع علىَ أُمِّ الدنيا مليارات هو من أجل مصر، وأن لذة ومتعة الرئيس في اختيار وزراء من خصوم الثقافة والمعرفة من أجل مصر، وأن التعذيبَ في السجون والمعتقلات لأبرياء لم تتم محاكمتهم هو من أجل مصر، وأن مصر الكبرى التي كان من الممكن أن تأمر فتأتيها تركيا وإيران وليبيا وقطر والسلطة الفلسطينية اختفت بفضل السيسي من أجل مصر، وأن استقلالية القرار الوطني ضعفتْ وهزلتْ وأصبح المموّل ومن يدفع أكثر هو المتحكم من أجل مصر.
وقد أفهم أن يكون الرئيس الديكتاتور مثقفا وخبيرا في شؤون المعرفة والعلوم والآداب واللسانيات فتغضب عليه، لكنك لا تخجل منه أمام الدنيا كلها!
الغريب الذي لم أفهمه من مصريين كثيرين أرسلوا لي مؤكدين أن السيسي يبني قصورًا واستراحاتٍ في كل مكان وبأموال الشعب، من أجل مصر!

هل هناك فيروس أشد من الكورونا اخترق عقولـــَنا وصدورنا وقلوبنا ومشاعرنا فجعل المصريين يتجمدون عند 3 يوليو بعدما أعادت 25 يناير روحَهم من جديد وهي التي غابتْ في صدور آباء خائفين لحوالي قرن من الزمان.. أي منذ ثورة 1919؟
تبقى مشكلة المشاكل؛ كيف أكتب لأهل بلدي وهم يكرهون القراءةَ، ولا يُكْملون ثلاثة أسطر فيتعرقون، ويزيحون أيَّ موضوع بعيدًا عن أعينهم؟
كيف أكتب والمثقف والأكاديمي والإعلامي والفنان يلتصقون كالأرانب في سروال الرئيس؟

كيف والدولة أرسلتْ حشـــّاشين وشتّامين وسبّابين وعواطلية ومقهيين وأنصاف أميين يُعلـّقون ويردّون ويلعنون كل من يناهض الاستبداد، وعيونهم مُصَوَّبة على شفتي الرئيس ورضاه؟
كيف أكتب والكثيرون يتسابقون لكسب ودِّ أجهزة الأمن والمرشدين والمتعاونين والوشاة لضمان السلامة و.. لئلا يغضب عليهم القصرُ؟
كيف أكتب وقد تم وضع الدين في خدمة الظُلم والطائفية والكراهية وتأييد أحكام الجهل؟

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

01‏/04‏/2020

رسالة مفتوحة إلى صفاء الهاشم



عادت النائبة صفاء الهاشم تُطلق النار على المصريين؛ فأعدتُ نشر رسالتي إليها لعلها تستطيع وضع الكراهية بجانب المحبة، فتُرجّح كفة واحدة!
رسالة مفتوحة إلى صفاء الهاشم
السيدة النائبة،
المُصارعُ الذي يدخل معركةً ويضرب تحت الحزامِ قبل الوصول إلى الحَلبة ستهزمه الجماهيرُ المتعطشةُ لسقوط الذي تصفق له أو.. لخصمه .
أما المُصارع الذي صنع خصمـًـا، وجعل يلاكمه من تحت قـُـبّة حرمٍ ديمقراطي، وينتظر التصفيق فقد خسر الاثنين معا: مطرقة الرئيس والحصانة البرلمانية!
لم يدر بذهني قط أنْ أتعاطف في معركة بينكِ وبين النائب المصري مرتضىَ منصور، فكل منكما أساء للديرة و.. أرض الكنانة، وكل منكما يرى الحصانة في لسانــِـه مع نزع قداستها، فخسر عشاق مصر من الكويتيين وهُم كُثر، ولم يربح عشاق الكويت من المصريين وهم أكثر!
ولم يدر بذهني أنْ أمسَّ من قريب أو من بعيد البرلمان الكويتي؛ فبيني وبين كثير من أعضائه مودة دافئة عبّر عنها رئيس مجلس الأمة الكويتي الأسبق الأستاذ أحمد السعدون عندما استقبلني بُعيد التحرير وقال لي: كنتُ وزملائي في لندن خلال شهور الاحتلال نتنفس حرية من كتاباتك، ونرى الأرضَ راجعةً إلينا بين سطور كلماتك، وأكمل سمو الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح، رحمه الله، عندما استقبلني في مقر إقامته بالعاصمة البريطانية: هل تعرف أنَّ كل كويتي يحبك، أنتَ كنتَ تمثل الأملَ لنا، بل إنني قرأت كتابَك( كتابات لا ترضي الرقابة) في ليلة واحدة؟
وأنا آخرُ من يتعصب للوطنية الضوضائية التي تُغطي على السلطة، ولو أخطأ بلدي الأم، مصر، فقلمي بفضل الله ماهر في خسارة أصدقائي.
ربما لا تعرفينني، أنا المصري الاسكندراني الذي أصدر ثلاثة كُتب عن الكويت وبين يدي كتاب رابع عن ( خرافة عراقية الكويت )، رغم أنني أقيم في النرويج منذ أكثر من أربعين عاما؛ وأنا الصحفي العربي الوحيد الذي تحدّث في قلب بغداد عن حدود كويتية آمنة ومرسومة مع العراق، وكدت أصبح ضحية صدام في نهاية مايو 1990 لولا أن ألهمني اللهُ بعدم العودة لبغداد مرة ثالثة بعد زيارتي في 7 مايو في المؤتمر الشعبي للتضامن مع العراق، رغم أن برزان التكريني هدد بتصفيتي بسبب وقوفي مع الكويت، تماما كما قال سفير الجماهيرية في كوبنهاجن بأنني محظوظ فقد نجوت من عملية ( شدّ أُذُن ) أي تصفية في طرابلس، ولم أسافر للقاء العقيد القذافي الذي قال عن الكويت بعد الغزو العراقي بأنها دولة ورقية!

أوسع الأبواب التي فتحها حديثُكِ دخل منها إعلاميون ومواطنون مصريون قرأوا تاريخَ الكويت من هوامشه، ولم يعرفوا أن الفضلَ في تحرير هذا البلد الصغير يرجع إلى الكويتيين أنفسهم والمقاومة الكويتية الباسلة التي شهد لها سفيرا النرويج والهند صباح الثاني من أغسطس، وجسّدها سمو الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، وزير الدفاع آنئذ، فكان آخر من قاوم في الوزارة، وغادرها بضغط من سمو الشيخ سعد العبد الله ليقيم مركزَ مقاومة ضد جيش صدّام على الحدود السعودية.
ساهمتْ أكثر من ثلاثين دولة في تحرير الكويت، وفي المقدمة شجاعة الملك فهد بن عبد العزيز الذي استضاف الشرعية الكويتية في الطائف، ومن السعودية انطلقت وفود شعبية في منتصف أكتوبر 1990 تجوب العالم؛ لكن فضل التحرير بعد الله هو للكويتيين ولإعلامها ووفودها الشعبية وسفرائها ودبلوماسييها وآل الصباح الكرام، وعدم وجود متعاون كويتي واحد عكس كل الدول التي تم احتلالها!
كل الجيوش التي حاربتْ جاءت بأوامر من زعمائها؛ ولم يتبرع جنود دولة بتكوين جيش حُرّ أو خاص أو حتى مرتــَـزَق، لذا فالمصريون الغاضبون من كلماتكِ لهم عُذرُهم في الجهل بأسباب تحرير الكويت وذهب الظن بهم أن جيش مصر الشقيق هو الذي حرر الكويت رغم إسقاط 28 مليار دولا كانت ديونا على نظام اللص حسني مبارك ورجاله الفاسدين.
لكن الحقَّ يُقال فأول مظاهرة خرجت منددة بالغزو الآثم كانت من مسقط رأسي، الإسكندرية، في صباح يوم الغدر، والجيش المصري الذي تلقىَ الأوامر بالمساهمة في تحرير الكويت لم تمنعه مشاعر المحبة والمودة للكويتيين من أخذ وضع الاستعداد لنيل الشهادة كما نالها كويتيون في حرب 73 على جبهة القنال!

مشاعرُكِ، السيدة النائبة صفاء الهاشم، أثارتْ حفيظة كل الشرفاء، وطعنتْ تاريخا طويلا من الدفءِ بين بلدين شقيقيّن، فأنا أعرف مصريين تحتقرينهم هم أكثر كويتية منكِ، وبادلتهم الكويت محبة بمثلها، فجمال عبد الناصر الذي وقف ضد أطماع عبد الكريم قاسم في بلدكِ هو أبو خالد نفسه الذي وقف كويتي وطني عروبي أمام السادات قائلا له بأنه سيدفع من جيبه ما ذكر جلال الدين الحماصي، كذبا، أنه مبلغ في ذمة عبد الناصر.
من أين جاءتكِ، السيدة النائبة، مشاعر الكراهية تلك وكأنكِ مولودة على سطح القمر وكل الناس مستنسخون من كونتاكنتي، فالوافدون من بنجلادش وباكستان والهند وكوريا الجنوبية ومصر ونيبال واليمن وايران يعملون في أسفل السلم بالقرب من الصرف الصحي، رغم أن كثيرين يعملون جنبا إلى جنب مع أشقائهم الكويتيين ومنهم مستشارون في الديوان الأميري ومنهم صحفيون وإعلاميون تشهد تروس المطابع أنهم قدّموا أدمغتهم لوطنهم الثاني الكويت.

في 13 ديسمبر 1990 اتصل بي الدكتور بدر جاسم اليعقوب من القاهرة ليحدثني عن الوفد الشعبي الكويتي الذي سيزور النرويج بعدها بيومين وطلب مني أن أنظم لهم برنامجا لشرح قضية الاحتلال العراقي، فلما سألتُ وزيرَ الإعلام إنْ كان قادما معهم، ردّ قائلا: إنَّ الكويت بلدك وأنت سفيرنا في النرويج، ولما تحدثت بعدها مع سفير الكويت في لندن الأستاذ غازي الريس قال لي: سأضع اسمَك ضمن الوفد الشعبي الكويتي فهي قضيتك كما هي قضيتنا.
كان هناك في الكويت مصري نوبي يعمل في مكتب رئيس ديوان سمو ولي العهد. اسمه يحيي عبد الباري، يشبه طمي النيل وهو يترسب على شطه الجميل. كان نحيفا مثل أغصان النهر الخالد. كانت لديه أسرار ومعلومات وخصوصيات كبار رجال الدولة وساهم في فتح أبواب العمل والإقامة في الكويت لعشرات من النوبيين.
كان يحيي عبد الباري، رحمه الله، عجينة مصرية في تراب الكويت، وعاشق للنوبة والديرة كأنهما توأمان. إذا تلقىَ سرًا أو خبرًا خاصا ألقاه فورًا في بئر صدره فلا يخرج إلا مع خروج روحه.

في جعبتي، السيدة النائبة، حكايات عن العشق الكويتي / المصري، في السراء والضراء، في الفرح والحزن، ما لو قصصته عليكِ لاستدعيتِ كل المصريين في الكويت، الأشرار منهم والأخيار، لتضعي قُبـْـلــَـة على وجه كل منهم دونما حاجة لــ ( هاتوا الأوراق تتقرا).
ومع ذلك فجريمتكِ، السيدة النائبة، كانت في جعل ملايين المصريين يتحسرون على جرائم شيطان بغداد عندما دنس أشاوستُه أرضَ كويتكِ الطاهرة.

أوقف الرئيس مرزوق الغانم صناعتكِ للكراهية قبل أن تمتد وتشتعل في غضب يصغر بجانبه غضب صعايدة خيطان الذي انفجر منذ عدة سنوات.
رئيس مجلس الأمة الكويتي أثلج صدورَ الكويتيين قبل المصرييين؛ فالنواب معادن ورئيسكِ من معدن نادر جعل الوفد الإسرائيلي في مؤتمر البرلمانات يهرون في الخروج مُسرعا.

النائبة صفاء الهاشم،
لا يدخل الجنةَ من كان في قلبه مثقالُ ذرة من كِبْر؛ فكيف ذهب بك الظن أن هناك من الوافدين من تم استيرادهم في مراكب من ليبريا أخطأت أعالي البحار إلى أمريكا فرستْ في الكويت؟
لن أبالغ إذا قلتُ لك ما يجعلك تصُكــّـين وجهك قائلة: مصري عقيم، يقول بأنه ومئات الآلاف أعلىَ محبة للديرة من أبراج الكويت!

أنا رأيت الوجهَ المشرق والمتسامح والمتحضر للكويت لأكثر من ثلاثة عقود، والذي تريدين تشويهَه، وجذب كارهين لديرتكِ، وماذا حدث؟
مواقع التواصل الاجتماعي انتفختْ بأخبارٍ عنكِ، مُخجلة ومحرجة، أكثرها كذب وبعضها حقيقي، وهذا الحقيقي القليل قادرٌ على إعادتكِ لعدة أجيالٍ سابقة ليتبين لكِ أنَّ الجذورَ المختبئةَ قد تصل أصولـُها إلى أماكن تبعد سنوات ضوئية عن الكويت، وربما يأتي من يغوص في جذور شجرة عائلتكِ الكريمة فلا يرىَ أيَّ أثرٍ للكويت فيها.

أول شيء فعله الشيخ سعود ناصر الصباح عندما عاد من واشنطون للكويت وزيرًا للإعلام أن طلب من السيدة أمل الحمد أن تدعوني للزيارة فورًا لأن مقالاتي، على حد قوله رحمه الله، كانت بلسما له كسفير للكويت يريد أن يبتهج ببلده من خلال رؤية مصري بغير الحاجة إلى ( هاتوا الدفاتر تتقرا)!
لديَّ حكايات تجعلك تفتخرين بالكويتيين والوافدين بنفس القدْر، بل قد تلمس ضميرَكِ، إذا كان ما يزال مستيقظا، فتطلبين من الحرم الديمقراطي سنّ قانون يُسهّل الحصول على الجنسية الكويتية لوافدين هم، للأسف الشديد، أشد وأعمق وأعشق وأصلب وأجذر منك امتدادا في تُربة الكويت.
خطيئتكِ، السيدة النائبة، كانت حشر مفردات الكراهية والبغضاء والتمايز والطاووسية تحت قبة برلمان ظل منذ استقلال الكويت مُعَلـِّـما لجيرانــِـه، ومَعْلــَـمـــًــا لبلدِ( العربي)و( عالم الفكر) و( البيان ) و( الفكر المعاصر)!
لو تسلل صدام حسين من قبره الآن، وأنصتْ لمئات الآلاف من المصريين الذين كانوا يلعنونه، فلما استمعوا إليكِ ترحّموا عليه، لعاد إلى قبره مُبتسمــًـا، وإلىَ دود الأرض مبتهجاً!

إن الحصانة البرلمانية للذين يطالبون بالمساواة بين البشر ولا يفرّقون بين مساقط الرأس ليساقـَـط منها غيرُ الأصيل حتى لو كان هو الأصل في تطور أمة، فالبنغالي الذي يحرقه قيظ الصيف في شارع بالجهراء قد يكون أفضلَ من الكويتي أو الوافد الأنيق الجالس أمام مكيف هواء بالأحمدي يحصي أمواله في البيت والمصرف!
الولاء للكويت تواضع، هكذا رأيت آل الصباح الكرام طوال أعوام معرفتي بهم، وأتذكر عندما كان الوزير الشيخ سلمان صباح السالم الحمود الصباح عندما كان يصافح النوبيين العاملين في رَكــْـن السيارات أمام فندق الشيراتون، ومن فرط تواضعه لم يصدّق العاملون أنه صباحيُ الأصل من الذين تتماسك بهم شجرة العائلة الكريمة.

أستعيد ذكري عشرات .. ومئات من الكويتيين المتواضعين فأفهم لماذا لم يجد جنود صدام حسين متعاونا واحدا منهم.
نزل الوزير الأستاذ سليمان ماجد الشاهين من سيارته في منطقة معزولة، وحمل معه ما أفاء الله عليه به، وسلّمه لعدة أسَرٍ فقيرة دون أنْ ينبس ببنت شفة أو حتى ينظر في وجوههم خشية أن يجرح حياءَهم، ولما عاد للسيارة وكنت جالسا فيها أتأمله؛ أزاح وجهه إلى الناحية الأخرى لئلا أرىَ تأثرَه بأشقائه في الإنسانية وليس بوافدين تثقل كاهلــَــهم طلبات السيدة النائبة صفاء الهاشم.

أنا أقترح عليكِ النزولَ في جولة تفقدية في كل المناطق الفقيرة التي يتكدس بها وافدون كُثُر، وتقومي، رعاكِ الله، بتقبيل يد كل وافد فيها لعل بعضَهم أعطى عُمره وأولاده وجهده وحبه للكويت أكثر مما فعلت السيدة النائبة.
حدثتك عن نفسي كثيرا في هذه الرسالة ليس لأنني استثناء، معاذ الله أن أكون من الظالمين، ولكنني واحد من عدد هائل عرفوا عن كثب الصفات الطيبة والمتواضعة والإنسانية لأكثر الكويتيين حتى لو أفلتتْ منهم جماعات عنصرية متغطرسة ظنت أنها الأعلىَ.

لن أطلب منك، السيدة النائبة، مراجعة النفس فهي مهمة لا يقوم بها إلا الذين ربطوا قلوبهم بالسماء، وعرفوا أن مكان المولد مصادفة الطـَـلــْـق من رحم لم تقُم صاحبته باختيار نقاء الأرض والجنسية والهوية، وربما كان اللهُ يُقدّر لك المولد فوق حصيرة ببيت منهار بزقاق ضيق في ضواحي كلكُتا أو خرابة في لاهور، فتصبح حينئذ النائبة نوائب!
أكتفي بهذا القدر رغم رغبتي في كتابة مئات الصفحات عن كارثة الطاووسية والتفرقة بين البشر، وإنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم، أي أكثركم تواضعا فلا يصعّر خدَّه، أو خدَّها، للناس.
وسلام الله على الكويت
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيي
أوسلو في 17 نوفمبر 2018

31‏/03‏/2020

كورونا والسجناء وأوهام الأمل الكاذب!

كورونا والسجناء وأوهام الأمل الكاذب!

مذبحة الكورونا التي أجبرتنا على التزام بيوتنا في سجون منزلية جعلتنا نضاعف التفكيرَ في السجناء والمعتقلين في العالم كله؛ الذين يعانون لسنوات طويلة من القهر والذُل والظُلم دونما لمسة إنسانية طفيفة من حُكّام غلاظِ القلب، متحجري العواطف.
في فترة التزامي البيت زارتْ ذهني هواجسٌ وكوابيسٌ وأفكارٌ مصحوبة بمَشاهد قرأتُ عنها طوال أعوام، فنحن نضيق ذرعــًا بإقامة منزلية مرفهة مع الأسرة؛ وفيها الراحة والطعام والنوم والتلفزيون واتصال بالعالم، ديجيتاليـــًا، والتنزُه القصير أمام الدار.
جحيمٌ أرضي يموت فيه بشر مثلنا مئات المرات، ويعيد السجّانُ إحياءَهم من جديد ليمارس في أجسادِهم شبه المتحللة أو المتهالكة  والمليئة بالأمراض ليُرضي حاكمــًا ديكتاتورًا ساديا يتنفس من خلال صمتنا الآثم، وضربــِـنا بآلامهم عُرض الحائط، وزعمِنا أننا الملايين من بني آدم خائفون من رجل بمفرده إذا زفرنا جميعا في وجهه فإنه يبول على نفسه و.. يتغوط رُعبا في ملابسه!
تذكرت السجّانَ الذي يمنح السجينَ دقيقة ونصف يقضي فيها حاجته، ثم يزلزل المرحاضَ العفن بطرقات من يده حتى يخرج المسكينُ مهرولا.
تذكرت الذي قضىَ أكثر من عامين غارقا في بوله وبُرازه الذي تجمّد، وفاحتْ الرائحة الكريهة على مبعدة مئات الأمتار.
تذكرتُ السجناءَ الذين احتفلوا بقطعة خبز يابسة ولكنها زيادة عما اعتادوا إسكاتَ بطونهم به.
تذكرت السجين الذي عرَضَ حياته على مأمور السجن حتى يسمح له أن يرىَ أُمَّه لدقائق معدودة، يموت بعدها مستريحا، والضابط المأمور يرفض.
تذكرت الذي لا يريد أكثر من دواء السكر أو ضغط الدم أو القلب يأتيه من الخارج، ويجعله يشكر الظُلمَ على العدالة.
تذكرت عشرات الآلاف من الذين حُرموا من آدميتهم لعقدين أو ثلاثة وبدون محاكمة، وفي النهاية انتظروا رحمة الله في الافراج عنهم ليموتوا في أحضان من بقي حيــًا من أهلهم.
تذكرت آمرَ السجن وهو يساهم في تشييد معتقل جديد؛ فيطلب من عُمال البناء جعل فتحة المرحاض صغيرة جدا إمعانا في لحظات الإذلال ولئلا ترتبط عند السجين بالراحة.
تذكرت الذي قضى عشر سنوات في السجن فلما تم الافراج عنه اشترطوا عليه الإقامة في مدينة أخرى وأن لا يلتقي أمه وأباه وزوجته.
تذكرت الذين كانت كل أمانيهم حُكما ظالما بدلا من انتظار سنوات لا يُعرَضون فيها على القضاء احتقارًا لحيواتهم التي لا تستحق أن يستمع إليها قاضٍ أو..  ينصت مستشار!
تذكرت الذي كان على استعداد للاعتراف بجرائم لم يرتكبها شريطة أنْ لا يغتصب السجّانُ أخته أو ابنته أو حتى زوجته.
في مكتبتي عدد كبير من كتب عن السجون والمعتقلات والتعذيب أقرأ فيها ولو بضع صفحات كل يوم فهي تمنحني القدرة على لعْنِ الطواغيت، واعتبار الصامتين لا يختلفون في حيوانيتهم عن المُفترسين.
حاولت كثيرا العثور على تبرير واحد للصامتين أو لمؤيدي المستبد الظالم ففشلت.
حاولت معرفة سبب التبرع بالسكوت أمام آلام وأوجاع السجناء والمعتقلين فلم أجد أدنىَ سبب.
في جعبتي مئات الحكايات التي إنْ حكيتها للصخور تصدعتْ، وإنْ قصصتها على الشياطين فإنها ستتبرأ من الإنسان.
أحتفظ بحكايات لنفسي لو سمعها إبليس لعاد إلى رب العالمين وطلب منه، سبحانه، أن يسجد بنو آدم للشيطان 
كلما دخلت مكتبة في رحلاتي وسفرياتي الكثيرة سألتُ عن كتب تحكي عذابات المعتقلين ؛ فأعيش معهم فكريا وعاطفيا، وأنا أعيش، جسديا، حياة رغدة في النرويج لأكثر من أربعين عاما، فتخترق أوجاعُهم كل مسامات جسمي، فأشاركهم حيث لا أبرح مكاني مع هؤلاء المساكين.
قرأت( عربة المجانين) التي كتبها كارلوس ليسكو عن سنوات السجن في أوروجواي وهرب مني النوم.
وقرأت (مذكرات سجين) للنيجيري وول سوينكا( الحائز على جائزة نوبل في الآداب) عن يوميات مخيفة في سجون هذا البلد الأفريقي الكبير.
وقرأت( الممر) وهي شذرات من حقائق سنوات الرصاص في المغرب التي قصّ فيها عبد الفتاح فاكهاني من وصول الإنسان لأسفل سافلين.
وقرأت (تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم) لمحمد الرايس.
وقرأت( خيانة القَــسَــم ) عن التعذيب والتوطؤ الطبي بقلم ستفين مايلز.

وقرأت( الكتابة والسجن) لعبد الرحيم حزل، و( درب مولاي الشريف.. الغرفة السوداء) بقلم جواد مديدش، و( القوقعة.. يوميات متلصص) لمصطفى خليفة عن الاعتقال في سوريا، و( الأجهزة السرية في المغرب) بقلم أحمد بخاري، و( التعذيب في مصر- جريمة ضد الإنسانية) وقد جمع مادتها عاطف شحات سعيد، وهذا الكتاب الأخير اشتريته من مكتبة في مراكش.
وتابعت (أبو غريب) في عهود صدام حسين والاحتلال الأمريكي والاحتلال الوطني، وتخيلت إبليسَ مخلوقا من زهور مقارنة بسجّاني أبوغريب.
وقرأت( تلك العتمة الباهرة) للطاهر بن جلون وهي مستلهمة من شهادات أحد المعتقلين.
وقرأت(الأجهزة السرية في المغرب) وتقف شعيرات جسدي كلما خطر بذهني.
أحيانا أحصل على مبتغاي مثلما حدث عندما أفرج الرئيس حافظ الأسد عن 2700 معتقل إثر خطاب خاص مني ومقال في طائر الشمال بقلمي.
وأحايين أدفع الثمن لدى التطرق إلى حقوق المعتقلين كما حدث عندما وضعني حسني مبارك في قائمة المترقب وصولهم لمصر لمدة أحد عشر عاما انتهت بثورة 25 يناير2011، ومثلما أمرت أجهزة أمن زين العابدين بن علي الصحافة الالكترونية بعدم نشر أي مقال لي وإلا سيتم حجبها، عقب نشر مقالي( دماء على أنياب الرئيس التونسي).
وكتبت كثيرا عن بيوت الأشباح في عهد جعفر النميري ثم عمر حسن البشير، وعشرات المقالات عن جماهيرية القذافي، وعن علي عبد الله صالح، وعن معتقلات الكيان الصهيوني التي لا تخلو من الفلسطينيين أصحاب الأرض المحتلة..
وظل السجناء والمعتقلون مقيمين تحت أنسجة جسدي، رغم أنني كما ذكرت من قبل لم تستضيفني زنزانة عربية لبضع دقائق طوال حياتي.
إن الافراج كورونيا عن سجناء الرأي ومعتقلي الضمير أمانة في سنِّ قلم كل إعلامي وصحفي قبل ان ينتبه إليها الحاكم أو الضابط أو السجّان.
إنها الكتابات التي لا تثير الاهتمام الشعبي والجماهيري والسلطوي والديني والوطني؛ فكل مِنــّـا لن يعرف شكل الحديقة قبل أن تحجبه عنها قضبان لزنزانة في قبو منسيٍ تحت الأرض.
أتمنى أن يحرّك العزل المنزلي ضمائر الناس لعلهم يتذكرون المحجوزين في عالم النسيان.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 30 مارس 2020   

21‏/03‏/2020

فيروس كورونا يرفع الحصار عن قطر!


فيروس كورونا يرفع الحصار عن قطر!

إنه الوقتُ المناسب لمصالحة خليجية كاملة ووقف الحملات الإعلامية وعدم إلقاء اللوم على الأشقاء الجيران؛ فقد جاء هجوم فيروس الكورونا ليعيد رتق ما تم تصدّعه في علاقات كانت مثالية فأصبحتْ سِبابية ثم أضحتْ تلفيقية مع برامج ينتجها إعلاميون غير خليجيين، وينفق عليها خليجيون منتظرين انتصارًا في معركة غير محسومة و.. لو بعد مئة عام.
إن هناك كثافة في برامج تلفزيونية تُسابق الزمن لتزيد الشرخ القائم في الخليج؛ فالضيوف رابحون، والإعلاميون الوافدون يكدسون حساباتهم في المصارف من جيوب مضيفين كانوا أشقاء..  فأصبحوا خصوما.
مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب والذباب الالكتروني الذي يحُطّ على العفن يزيد الأمر مشقة، ويوسع شُقة الخلاف، ويشحن ذاكرة الخليج بمعارك دونكيخوت ولن ينتصر فيها أحدٌ تحت أي ظروف.
أسعار النفط قد تصبح أقل من أسعار المياه، والعُملات الوطنية تستنزفها حروب ومعارك كان ينبغي أن تنتهي منذ فترة طويلة، وشراء السلاح يجري على قدم وساق، وترامب يقف بالمرصاد وعصا الإتاوة لكل من لا يسدّد مليارات من جيوب شعبه ليضمن حماية اليانكي.
أقل من عامين على أولمبياد عالمي تستعد له الدوحة، وكان من المفترض أن تحتفل به كل دول الخليج وليس دولة قطر فقط.
كل دول الخليج أخطأت، أقول هذا رغم تعاطفي الشديد مع بعضها، خاصة الذين لا يقومون بحماية التيارات الإسلاموية، لكن آن الوقت أن نقف مع الجميع وضد أي انقطاع في رباط كاد يكون مقدسا في زمن مضىَ.
إن الانطباع الذي تُعطيه قناة(الجزيرة) في حربها المُعلنة ضد دولة الإمارات العربية المتحدة تبدو فيه الخصومة لا نهائية، وكأن (أبوظبي) هي مركز الشرّ في الكون برمته!
لو سُئلت عن رؤيتي لبداية المصالحة الخليجية لما ترددت في التمني أن توقف سلطات دول الخليج كل الإعلاميين والمستشارين الثقافيين والسياسيين الوافدين عن العمل لعام واحد فقط، مع حصولهم على مرتباتهم كاملة، وأن يُستبدل بهم أبناء الخليج وأنا أعرف أن فيهم كفاءات لا تقل عمّا لدىَ القادمين من دول عربية شقيقة!
يجب عقد اجتماع قمة بين قادة دول الخليج في دائرة تلفزيونية مغلقة يتم خلاله طرح كل التساؤلات والشبهات والاتهامات والتلفيقات والأكاذيب التي تـَـسابق الكثيرون في تضخيمها؛ فقطعتْ صلة الرحم الدافئة بين دول مجلس التعاون الخليجي.
يجب وقف المقاطعة والحصارعلى دولة قطر، وأن تُنهي الدوحة استضافتـَها لقوىَ التطرف الديني وفي مقدمتها جماعة الاخوان المسلمين، وأن تتوقف على الفور كل برامج الإعلام الباحث عن نقاط ضعف الخصوم الخليجيين.
أعترف بعدم ثقتي في كثير من الإعلاميين الضيوف في دول الخليج الذين يعتاشون على الفُرقة، وأنا لا أطالب بطردهم، معاذ الله أن أكون من الظالمين، إنما بتجميد عملهم لسنة واحدة، وسنرىَ عودة الوئام والتناغم والأُخوّة بين الدول الخليجية.
يجب أيضا وقف دفع مليارات من الإتاوة العسكرية والإعلامية والدبلوماسية؛ فالخليجيون يستطيعون حماية أنفسهم كمجلس خليجي موحد.
إن البحث عن حماية من قوىَ دولية وعربية كُبرىَ لا يختلف عن ضم المرتزقة لجيش وطني.
إن وقف حرب اليمن قبل استنزاف ثروات وأرواح أبناء الخليج يبدأ من مصالحة سعودية/إيرانية، رغم عدم ثقتي في صوت التسامح الإيراني بعد أربعين عاما من الثورة، لكن فلتحاول الرياض الوصول الشاق إلى المصالحة مع حراس الثورة الإسلامية الذين يسنّون أنيابهم في كل بقعة خليجية دافئة تحتاج إلى السلام وليس الدماء.
الإعلام السعودي أثبتَ أنه غير قادر على مواجهة الإعلام القطري ، فتوم يعجز أمام جيري، فإذا ضم إعلامُ الرياض لصفِّه الإعلامَ المصري فقد أحكم العقدة التي لا حل لها، أي الهزيمة؛ حتى لو كان العدل سعوديا والهستيريا قطرية!
إن هستيريا الصراخ الإعلامي في قنوات تلفزيونية خليجية وكذلك في قنوات لتحالف عربي يحصل على ثمن الصراخ أصبح لا يُطاق، وأخشىَ أنْ تصبح القطيعة الخليجية نهائية لا تعود حتى يلج الجمل في سم الخياط!
الاستعانة بالإعلاميين المصريين بالقطعة، أي نعطيك فتشتم خصومــَـنا، خسارة فادحة، فبرامج التوك شو المصرية كالكلب الذي تُسلـّـطه علىَ من تختلف معهم، وهي لا تختلف عن برامج الصراخ والصراخ المعاكس في قناة( الجزيرة) فالأموال تتحكم في حركة اللسان.
أوقفوا الحصار على دولة قطر في الوقت الذي توقف قطر كل النشاطات الدينية وتُحجّم ضيوفها من الدُعاة والإرهابيين المتقاعدين!
إذا استمرت المقاطعة والتمزق والتصدع والشرخ بين دول الخليج عامين آخرين فلن تقوم لمجلس التعاون قائمة بعد اليوم.
ولتكن البداية من التكاتف ضد فيروس الكورونا، ودعم الدوحة في أولمبياد 2022، والخروج من اليمن بأقل خسائر ممكنة وباتفاق مع إيران التي تدعم الحوثيين لتستنزف الخليج العربي، وبوقف دفع الإتاوة لواشنطون فكل ريال سعودي هو مِلــْـكٌ للشعب وليس للقصر أو لترامب!
إن الإعلامي المرتزق قادر على جعل الممول مثل قابيل يقتل أخاه بدون أي سبب.
بعد وقت قصير لن تكون للنفط فائدة ولن يكون هناك مخرج لدول مجلس التعاون غير الاتحاد الخليجي من جديد.
أيها الخليجيون، إنني أبحث بينكم عن رجل رشيد؟
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 21 مارس 2020


29‏/02‏/2020

رسالة من دود الأرض إلى الرئيس حسني مبارك!



رسالة من دود الأرض إلى الرئيس حسني مبارك!
أوسلو في 17 نوفمبر 2010( قبل ثورة يناير بشهرين)
السيد الرئيس حسني مبارك،
لوّ كانَ الصبرُ حَشـَرَةً لـَكـُنّاه، فمنذُ أنْ عَالَجَ الدكتور ماير في ميونيخ غضروفَك ونحن في حِيرةٍ من أمْرِك، فأبناءُ شَعْبِك يرفعون أيديهم إلى السماء راجين العلي القدير أن يشرق صباح مصري جميل بدونك، فإذا بملايين الأدعية التي تصل إلى سدرة المنتهى تخترق أيضا باطن الأرض وتصمّ آذاننا!

صحيح أنه يتساوى لدينا الجميع، ونأكل في باطن الأرض موتاكم بغض النظر عن الدين والعقيدة والمذهب والجنسية، ولو التف الميت في سبعين كفنـًـا لا جيوب لها، وفقا لتعبيرك الذي استخدمته من قبل ليكون دليلا على زهدك في الدنيا، فوجبة الطعام التي نعيش عليها أربعين يومًا لا مفر من الاستعداد لها إلا أن تنافسنا أسماك القرش أو حوادث الطيران أو إذابة الجسد في حامض الاسيد كما يفعل بعض طغاتكم ضد معارضيهم.
نحن لا نعلم الغيب، وبالأمس القريب قمت أنت بمصاحبة كمال الشاذلي، وودعته قبل أن نتسلمه منكم، وأزحت عن ذهنك أي فكرة تقوم بتذكيرك أنك آتينا ما طال بك العمر، وأنك لو جددت لولاية سابعة وتاسعة وعاشرة فلن تكون في يوم من الأيام وجبة شهية لدود الأرض، لكنك أخطأت، كعادتك، وظننت أن قصرَك صرحُك، ومنه اطلعت إلىَ إلـَهٍ لم يدر بذهنك قط أنك ملاقيه، فوزارة العدل في السماء ليست سلطة قضائية تأتمر بأمرك.
عندما رفع كمال الشاذلي قضية ضد من سرب شائعة وفاته كان يشبهك تماما، فخدمُك وعبيدك وكلاب قصرك يوهموك أن صحتك خط أحمر، وأن جريمة إبراهيم عيسى عندما تجاوزها، وحكم القضاء عليه بشهرين سجنا، كان ينبغي أن تنتهي بالمسكين إلى حبل المشنقة.
عاد أقدم برلماني مصري إلى بيته غاضبا، فالمرض كما تظنون أنتم الطغاة يحصد الفقراء فقط، وأن باطن الأرض للغلابة و أيضا ليدفن فيه أحمد عز نفايات الحديد!

نتحدى أن يهمس في أذنك أحد مستشاريك ويقول لك بأن آلاف التعليقات على الإنترنت لم يكن من بينها من ترحم على روح كمال الشاذلي، وأن أجلك إذا جاء فستتهتك أسلاك الهاتف، وتتعطل ستاليات الموبايلات التي يربح منها رجال ابنك مليارات، فالمصريون سيبعثون التهاني التي لم يعرف مثلها عيدا المسلمين و .. كريسماس الأقباط!
أرسلنا من باطن الأرض إلى سطحها دودا يتجول في أنحاء أم الدنيا لعله يأتينا بنبأ يقين، ونعرف أن حفــَّــار القبور ستكون لديه مهمة سامية، فهي المرة الأولى التي لن يكون بجانبك وزراؤك، وكتيبة النفاق، وسينزلق نعشك بطيئا .. بطيئا، وستنتهي آلام ظهرك تماما، ولن يكون في استقبالك غيرنا نحن دود الأرض.
عاد الدود إلى باطن الأرض وحكى لنا ما لم تحكه قصص الأولين والآخرين من طغاة متغطرسين لم يقرأوا نهايات هتلر وموسوليني وسالازار وسوموزا وبول بوت وديفالييه، الأب والابن، وهيلاسلاسي ومنجستو هيلامريم وبينوشيه وباتيستا وجان بيدل بوكاسا وأنور خوجة وتشاوشيسكو وعيدي أمين دادا وجعفر النميري ومئات غيرهم سحل بعضهم الذين اتبعوهم، وبعثرت قبورَ البعض الآخر شعوب لم يشف غضبها غياب طغاتهم في أحضاننا.

قالوا لنا بأن المصريين يصبون حِمَمَ لعناتهم على عهدك الأغبر، وأنك إن جلست متخفيا بجوار أي مصري في حافلة أو ترام أو مترو، فستسمعه يصيح أو يتمتم بكلمات تترجمها السماء كأنها دعوات باللعنة، ويترجمها رجال أمنك كأنها ثغاء غنم أو ضغيب أرانب أو مأمأة خراف لا تؤذي ولا تخدش أو تضر!
قالوا لنا إن ربة أي أسرة مصرية تدعو الله أن يحفظ أولادها، لكنها لا تنسى أن تدعوه أيضا أن يعجـــِّــل في يوم الخلاص منك، وهو أيضا يوم احتفالنا بنزولك وحيدا في قبر مظلم ليس فيه أوامر أو تهديدات بقطع رقبة خصومك أو سجون ومعتقلات تشهد جدرانها أنها سمعت في عهدك الأسود صراخا لم تسمعه في مئات السنوات التي مرت على أرض حكمتــَـها، وخرّبتها، وأفسدتها، وسلطت عليها أوغادا نهبوها، وهبروها، ومصمصوا آخر عود أخضر في يد يتيم أو لقمة كادت تدخل فم مسكين فخطفها شريك لابنك أو أحد حيتان زمنك الكابوسي الجاثم فوق صدور المصريين لثلاثة عقود.
قالت لنا كتائب دود التفتيش بأنها تجولت في سجون ومعتقلات مصر كلها، وشاهدت ما يتبرأ منه الشيطان من ظلم، وفساد، وقسوة، وغلظة، ورأت سجناء مضى على وجودهم في الزنزانات أعوامٌ كثيرة دون أن يتم عرضهم على القضاء، وبعضهم قامت المحكمة بتبرئتهم، لكن وزارة الداخلية أعادتهم إلى المجهول مرة أخرى، وسمعنا أنهم يرجون الله، ليلا ونهارا، أن يعجل بأخذك أخذ عزيز مقتدر، فالظلم الواقع عليهم جاء بمعرفة شخصية منك، ولا يتحرك عسكري أو ضابط أمن أو مخبر أو بلطجي أو مأمور قسم أو لص أو مقترض ملايين أو هارب من مطار القاهرة الدولي أو محتكر حديد أو مُسَمّم أرض زراعية أو مستولٍ عليها إلا بمعرفتك، فأنت الأب الروحي لكل خراب في هذا الوطن الصابر.
لم يحدث من قبل أن تكدست السماوات السبع وأديم الأرض وباطنها بلعنات على زعيم مصري كما هي عليك، ولو سألت فقيرا معدما أو مظلوما أو مواطنا انتهكوا حرمته أو حتى جدران قسم شرطة المنصورة أو سيدي جابر أو باب شرقي أو ..... لما سمعتَ غير اسمك وخوف إبليس أن يقولوا عنه بأنه وسوس إليك، فالعكس هو الصحيح.
سمعنا بقرب ترشحك لولاية سادسة تنتهي بالاقتراب من عامك التسعين، وهذا الترشح يحمل يقينا منك بأن أجلك غير آت، وأن عشرات الآلاف من جرائمك في حق شعبك لم تراود ضميرك لعلك تتوب، وأن ذكرياتك تصب في خانة واحدة وهي الغطرسة والغرور وكراهيتك المقيتة للمصريين.
السيد الرئيس،
ننتظرك في باطن الأرض بصبر نافد، وسينزلق نعشك ولو سجلت عقيلتك مئة حلقة في الفضائيات تقول فيها بأن صحتك زي الفل(!)، ولن يخرج في جنازتك إلا حفنة من المنتفعين والأفاقين وبعض البلهاء الساذجين الذين يظنون أن للموت حرمة أكبر من حرمة الحياة.
اقرأ مرة أخرى ماذا كتب الناس عن كمال الشاذلي، ثم تخيل يوم يسابق خبر رحيلك الريح، فلا تعرف الشبكة العنكبوتية غير شهقات وزفرات الملايين الذين يتنفسون الصعداء برحيلك.

ننتظر أيضا كل الصامتين والمشاركين في تصعيدك فوق رؤوس أبناء شعبك، ولن نفرق في باطن الأرض بين عضو من حزبك وآخر وفدي أو اخواني أو قبطي أو تجمعي أو ضد الترشح أو مع الترشح، فكل من برر جرائمك أو غض الطرف عنها أو شارك في اغتيال الشعب المصري تحت قبة البرلمان، مع الحكومة أو ضدها، سيكون جسده معنا قبل أن يقرأ كتابه في يوم الحشر.
السيد الرئيس حسني مبارك،
تلك هي كلمات مضيفيك من دود الأرض، ولن ننتظر حتى يذوب كفنك، لكننا سنبدأ فور توقف دموع التماسيح من عيون الذين ساروا في نعشك وهم يرتدون نظارات سوداء يخفون بها حزنهم على أنفسهم وليس عليك.
لم تصدق أنك ستموت، وأن شهقة الروح أسرع من طرفة العين، وأن مكانك في باطن الأرض أظلم من زنزانات في أقبية سجون ألقيت فيها آلافا من المظلومين وحرمتهم من حياة أعطاهم إياها ربهم.

مئات المرات ونحن نحلم بوليمة أنت على رأسها، خاصة ذلك اليوم الذي قمت فيه بتوزيع أوسمة الاستحقاق على ثلاثة من ضباط الشرطة المتهمين بالتعذيب، واليوم الذي ودع الحياة الشاب خالد سعيد، واليوم الذي قفز أب من الطابق الرابع بعدما فشل في العثور على لقمة خبز لأولاده، واليوم الذي نام عجوز بين أيدي طلاب الطب ليتعلموا في جسده ما لم تعلمهم كتبهم في مقابل جنيه لكل طالب، ثم عاد المسكين بطعام العشاء لأسرته، واليوم الذي دفن فيه صديق ابنك نفايات الحديد تحت سطح أرض زراعية في دمنهور للتعجيل في تسميم المصريين الذين لم تصل إليهم مزروعات عهد يوسف والي، والتي ظلت عشرين عاما تسرطن أبناء وطنك لتسعدك، وتبهجك، وتثبت للشيطان أنه تلميذك.
السيد الرئيس حسني مبارك،
نحن في انتظارك حتى لو نشر رئيس تحرير أكبر صحيفة قومية بأنك أكلت من شجرة الخلد ولم تهبط من جنة شرم الشيخ إلى حيث يعيش المصريون!
ليس للكفن جيوب، ومع ذلك فكل دود أرض مصر الطيبة يريد حضور تلك الوليمة الكبرى التي لم تصدق أنت أنك ستكون ضيفنا لأربعين يوما أو أكثر!

أيها الميت الحي،
لقد بلغنا نبأ تبرئة إبليس نفسه من الوسوسة إليك، وقيل بأن لديه ثمانين مليونا من الشهود على صدق كلامه، وهذا يضاعف فرحتنا بقرب انزلاق جسدك في تلك الحفرة الضيقة التي لن تستطيع منها تجديد ولاية رئاسية أو تعذيب أبناء شعبك.
للمصريين أعياد إسلامية وقبطية ووطنية وقومية، أما يوم اختفائك في باطن الأرض فهو عيد لنا و .. لهم.


عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
محمد عبد المجيد

طائر الشمال
أوسلو في 17 نوفمبر 2010

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...