25‏/07‏/2019

الاستغماية باسم الله، وإخفاء الوجه باسم السماء!




الاستغماية باسم الله، وإخفاء الوجه باسم السماء!

يسألونني عن سبب كراهيتي المقيتة للنقاب فأقول لأنني أكره لعبة الاستغماية في مجتمع يبحث عن الفضيلة ليُظهــرها.. لا ليخفيها!
ولأنني أكره الخيانة الزوجية التي يُسهلها النقاب.
ولأنني أكره أن تتأمل امرأة في وجهي ولكنها تُخفي قسمات وجهها المعبرة عن المشاعر والأحاسيس.

ولأنني أكره التخفي لتهريب المخدرات من منتقبة.
ولأنني أكره السماح المجتمعي لمن يحمل حزاما ناسفا أو قنبلة بحجة عفة المرأة المنتقبة، ثم تتناثر أشلاء أبنائنا بعدها.
ولأنني أكره مشاهدة حارس عمارة يقف فجأة لخيمة جسدية متحركة لا يعرف إن كانت امرأة فاضلة أم عاهرة لديها موعد في العمارة.
ولأنني أكره تعاون المجتمع بحمقاه وأغبيائه مع مغتصبي أطفالنا والموافقة، ضمنيا، على النقاب حتى لا يتعرف الطفل البريء على من انتهك جسده الغضّ.


ولأنني أكره أن يعود شباب الجيش والشرطة في نعوش ملفوفة بعلم مصر ويقال لنا بأن قاتليهم الارهابيين كانوا يحتمون بالنقاب زيادة في التخفي.
ولأنني أرىَ النقاب معصية وإثما وفاحشة وإرهابا وطريقة خبيثة للتهريب ومع ذلك فالدولة بكل مؤسساتها المدنية والدينية والعسكرية والأمنية تغض الطرف عنه ظنا منهم أن الله يدعو إلى الفحشاء والمنكر والبغي والارهاب والتهريب والخيانة.


ولأنني أحب الإسلام الحنيف وأكره أعداءه وفي مقدمتهم كل دعاة تغطية الوجه.
ولأنني أرتاب في كل من يبرر ارتداء النقاب بحجة أنه فرض ديني أو حرية نسوية، فالواقع يثبت أن النقاب وكل من يؤيده ويدعو لارتدائه هو قاتل لم يقتل بعد، ومغتصب طفل لم يغتصب بعد، ومهرب حشيش ومخدرات حتى لو لم يُهرب بعد، ومهرب سلاح ينتظر الفرصة لقتل أبنائنا.


ومع ذلك فأكثر الذين يقرؤون هذه الكلمات سيصمتون، ويظنون أن الخطر لن يصيبهم، ويعتقدون من خلال أمخاخ مخاطية غائطية أنها أوامر العلي القدير، حاشا لله أن يكون رب السماوات والأرض عدوا للبشر كما يظن دعاة النقاب.
هل اقتنعتم؟
قطعا لا، فقــِــلـّة منكم يشعرون بالخوف على الوطن والمرأة والطفل لأن الجمجمة التي يبول فيها الداعية ورجل الدين لا يمكن تنظيفها بسهولة.
تتعجبون لماذا أنا غاضب؛ وأنا أتعجب لماذا أنتم لا تغضبون!


كنت أودّ أن تنتقل كلماتي تلك بين عقول وقلوب ملؤها الخوف من النقاب .. المجرم الحقيقي، وأن يحفظها عن ظهر قلب الذين آتاهم الله الحكمة والعقل والايمان وحب الوطن وحاسة حماية أطفالهم ونسائهم ووطنهم، لكن الحقيقة أن المسلم سيجد مئة عُذر حتى يُغمض عيون ضميره، ولو شتم وسبّ ولعن صاحب هذه الكلمات، وتستمر الجريمة.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 25 يوليو 2019

20‏/07‏/2019

مقطع من يوميات فتاة عربية!


بعد أقل من أسبوعين أكون قد أكملت عامي الثاني عشر ، وأبدأ في الخطوات الأولى للصعود أو النزول( وهل هناك فارق؟) للعب دور الفتاة بعد وداع عالم الطفولة، وأتقدم بحذر مشوب بنوع خفيّ من الخوف الأنثوي ناحية .. المجهول!
صباح يوم الجمعة الماضي سمعتُ، مصادفة، أمي تتحدث إلى جارتنا الفضولية وتحكي لها عن أول قطرات دمٍ وقعت عليها عيناها، وتبشـّر بأن ابنتها الصغيرة ألقت نظرة وداع على عالَم الطفولة.
لعلي أكون التلميذة الرابعة أو الخامسة في الفصل، لكن لن ينتهي العام الدراسي حتى يصبح الحديثُ خفيضُ الصوتِ عن الحيضِ أمرًا طبيعيًا، وتبدأ الهمسات تعلو معلنةً عن قدوم أول عريس لإحدانا!

أول أمس تسللت من غرفتي، وجلستُ على الجانب الأيسر خلف أبي الذي لم يشعر بي، وكان يتابع برنامجاً تلفزيونياً عن فتاوى دينية تخصّ المرأة!
كان الضيف رجلاً سميناً، كحيل العينين، يختفي النصفُ الأسفلُ من وجهه خلف شعر كثيف مخضـّب بحناءٍ خلطها على عَجـَلٍ فبدت كرسوم طفل ليس أمامه غير اللونين الأسود والبرتقالي.
تحدث الضيف عن الضلع الأعوج للرجل، وعن أن المرأة سلاح الشيطان، وأنها نجسة ومريضة خمسة أيام في كل شهر، ولا ينبغي لها أن تتحرك بدون مَحْرَم لئلا يفترسها ذئاب البشر،وأنها عورة من صوتها إلى وجهها، وأن ولي أمرها بيده رفض أو قبول من يتقدم لطلب يدها!

خشيت أن يخرج الضيف من الشاشة الصغيرة، ويتوجه مباشرة إلىَّ، ويأخذني عنوة زوجة ثالثة له دون أن يعترض ولي أمري!
تنهدت تنهيدة كادت توقف أنفاسي، فتنبه أبي إلى وجودي، ونظر غاضبا، ثم طلب مني بلهجة آمرة أن أقوم لصلاة العشاء، لكنه، كمعظم الآباء، لا يفهمون في التغييرات الجسدية والنفسية التي تنتاب بناتهم، ولا يعرف أنني لا أصوم ولا أصلي في تلك الأيام التي تبتل ملابسي بذلك السائل الأحمر القاني.
مع انبلاج كل صباح يكون لي حديث صامت مع مرآتي قبل أن أتوجه إلى المدرسة، وصباح أمس حدثتني المرآة الصغيرة المجاورة لغرفتي حديثا أنثويا خالصا عن نهدين ارتفعا قليلا فكأنهما كافورتان، وتكورا ليبشراني أو ينذراني بمَقـْدم فتاة تكامل قدّها، والتف خصرها، وسُقيت ترائبها، فإذا مشت تهادى غصنُ البان لها!

وحتى لو لم تفصح مرآتي عن وصف جسدي فإن عيون الرجال الذين تقارب أعمارهم عمر أبي ستتولى الوصفَ ولكن بطريقة مقززة لا تفرّق بين الطفلة و .. وبين الفتاة والمرأة.
لو كنت أملك آلة الزمن لأوقفتها بنفسي عند تلك السنوات من عمري التي تكون فيها دميتي هي الصديقة الوحيدة، فأنا خائفة من الكبار خوفا يجبر الكوابيس أن تلازمني نهارا في الشارع، وليلا في فراشي.
أتأمل عالم الكبار الذي عشت معه عدة سنوات منذ أن وعيت فلا أعثر فيه إلا على جبال من الكذب تتراكم عليها أتربة من النفاق، والجبن، واللامنطق.
يتحدث معي أصدقاء أبي كأنني في روضة للأطفال، وينفثون دخان سجائرهم في وجهي، وتصبح رائحة البيت بعد مغادرتهم كمصنع سقطت مدخنته على العمال ورفض صاحب المصنع توقف العمل!
الرجل يتحدث بصوت جهوري تعبيرا عن خشونة ذكورية علّمه إياها المجتمع، فإذا جاء الحديث عن السلطة والأمن وولي أمر أفراد الشعب يتحرك لسانه على استحياء خشية أن يقطعه ضابط تتراقص على كتفيه نجوم أو نسر.
يخوضون في السياسة بين الجدران الأربعة، فإذا خرجوا إلى الشارع تحوّلوا إلى أرانب تفرّ فزعاً من خيالها، فإذا تحدثوا في الدين ظهرت لهم مخالب يراها كل من يختلف معهم.

شاهدتْ والدتي على المكتب في غرفتي رواية أدبية شهيرة فعاتبتني عتابا شديدًا، وطلبت مني إخفاء كل ما لا علاقة له بالمدرسة، وعندما أكبر، على حد قولها، وأنهي دراستي، ساعتئذ يحق للكتاب أن يستريح بين يدي، لكنها لا تعرف أن عزوفي عن القراءة سينتهي بجهل مطبق أعتاد عليه، فبيتنا ليس فيه رواية أو كتاب في التاريخ أو العلوم أو أدب الرحلات أو الفلسفة، وكنت قد قرأت لكاتب شهير رأياً يقول فيه بأن بيتا بدون مكتبة هو مقبرة موحشة!
أشتاق كثيرا للحوار مع أبي أو عمي أو جاري أو أستاذي في المدرسة أو إمام المسجد المجاور لبيتنا أو القسيس الطيب الذي أراه بين الحين والآخر وتقص علي من أخباره صديقتي المسيحية، لكن الكبار يقيمون حاجزا مصطنعا مع الصغار، وهم عاجزون عن الحوار، وأحاديثهم مليئة بالأوامر، والتوجيهات، والنصائح التي تخلو منها الروح.
كل الناس تحَذرني من الذئاب البشرية، لكن لم يُشر لي أحد على رجل غير طامع في جسدي الواقف حيران بين الطفولة و .. المراهقة.

لو أنني بمفردي في غابة بكينيا أو ناميبيا، وهبط الليلُ عليها، وبدأت الحيوانات المتوحشة في التجول بحثا عن طعامِها، فاحتمالات بقائي على قيد الحياة لعدة أيام كبيرة، ولكن لو أنني تجولت بمفردي في منتصف الليل في أحد الشوارع غير المضيئة في القاهرة أو الدمام أو العقبة أو بنغازي أو وهران أو البصرة أو مقديشيو أو ... فأغلب الظن أنه لن تمر دقائق معدودة حتى تتحول أسنان بعض المارة إلى أنياب كاسرة، وسينتهي جسدي الطفولي الضعيف بين أيدي رجال كانوا يتحدثون قبلها بثوان عن الأخلاق، والإصلاح، والأمن، ومستقبل باهر لأجيال لاحقة!

الشهوة تحرّك عقلية ذكور قومنا، والانتقام يدفع الشهوة للأمام، وغياب الوازع الأخلاقي يبرر الجريمة قبل وقوعها، فالرجال منشغلون بما يطلقون عليه الوازع الديني، لكنه ليس كافياً مالم يصاحبه ضمير اجتماعي وتربوي، وثقافة تسمح للرجل أن ينهل من العلوم الإنسانية، ويعرف حدود براءة الطفولة.
عامي الثاني عشر يحمل لي الأمل والخوف معاً، فطفلة مثلي في بلد عربي آخر يرفض أحد القضاة أن يطلقها من زوجها الستيني الذي اغتصبها في الفراش عشرات المرات، والمجتمع الأحمق يصمت، ويجد مبررات للجريمة في عالم الفتاوى الفجة.

وطفلة مثلي يعقد عليها كهل أو عجوز هَـرِم قراناً مزيفا، وتقضي يومين تحت جسده الثقيل، والمليء بالنتوءات والأمراض الجلدية، ثم يتركها في غرفتها بالفندق، وسيعثر بسهولة على سبعين مفتياً يحللون له افتراس جسدي.
أول أمس، وفي الفسحة الكبيرة، قصّت علي زميلة طيبة، ووديعة، وتحمل في عينيها أحزان الدنيا كلها، حكاية والدها الذي لم تره منذ أن كانت في الثانية من عمرها، وهو يقضي عقوبة غير محددة في سجن يختفي فيه الداخل بين أحضان الموت، ويعيش الخارج منه مشوه العقل والنفس و .. الجسد.
قالت لي بأنها ووالدتها قاما بزيارة الأب منذ شهرين تقريبا، ووقفتا ساعات طويلة تحت أشعة شمس حارقة، وأخيرا سمحت سلطات السجن لهما بزيارة انتهت بعد ربع ساعة شاهدا فيها المسكين خلف قضبان كقفص القرود، ووسط أصوات اختلطت بالصياح والبكاء والطلبات بين الزوار والسجناء!
قالت لي أيضا بأنها لا تريد من الدنيا أكثر من أن تحتضن أباها لدقائق معدودة، وتشم رائحته، وتبكي على صدره، وتحكي له عن المدرسة والتلميذات وعن الدرجات النهائية التي حصلت عليها في امتحان منتصف العام، وربما يقول لها بأنه يفكر فيها، ويرسم من خياله لوحات لها على جدران الزنزانة، ويؤكد لها بأنه أشرف من الذين اعتقلوه، وأنه رفض الظلم والفساد والقمع فتآمر القضاءُ والسجـّان والأمن وطبيب السجن، وكلهم تحت قدمي زعيم الدولة.
مضت ثلاثة أسابيع على غياب صديقتي الملازمة لي في المدرسة وطريق العودة إلى البيت، والتي تعرف أسراري أكثر من مرآتي.
كانت قد حاولت الانتحار في أحد أمسيات يوم قاتم عندما عادت إلى البيت، وقالت لها أمها بأن عريسا تقدم لها، وهو رجل طيب، وكريم بسخاء، ويحمل لها السعادة والمال والسكن الفاخر. لم يكمل عامه الخمسين بعد، وعلى استعداد أن يطلـّق زوجتيه من أجلها، وله ابنة في ضعف عمرها، وهو يعرف ربنا، ويصلي ويصوم ويحج البيت الحرام في كل عام أو اثنين.
لم تنتظر صديقتي عودة والدها عصر ذلك اليوم لأنه أعطى الموافقة قبلها بعدة أيام، ودخلت الغرفة التي تتكدس فيها مع أخواتها، وأغلقت الباب باحكام، وكادت تنجز عملية الانتحار بنجاح لولا أن حطم شقيقها الأكبر الباب، وتم انقاذها، لكنها لم تعد إلى المدرسة بعد.
منذ فترة قصيرة غضبت مني أمي عندما سألتها عن معنى كلمة التحرش الجنسي، وقالت لي بأن والدي سيصاب بالسكتة القلبية لو علم أن ابنته الشاطرة والحلوة تسأل عن أشياء إباحية، لكنني لجأت إلى الشقيقة الكبرى لإحدى زميلاتي، وهي متفتحة، ولطيفة، وصريحة جدا، فشرحتْ لي معنى الكلمة، وتمكنتُ من مشاهدة أحداث كثيرة سابقة بعيون جديدة.

بعد ساعتين يحل موعد وصول المدرس الخصوصي لأهم مادة في المقرر الدراسي، وهو يجمعني وخمس تلميذات، وأنا حريصة على الجلوس بعيدا عنه لأنني شاهدت بأم عيني أشياء مخجلة، لكن زميلاتي يفضلن الصمت عن التعرض لانتقامه، ثم إن درجات الامتحان النهائية يساهم فيها بنسبة كبيرة.
أشعر أحيانا بأن آباءنا وأمهاتنا لم يتعلموا من الحياة قيد شعرة، ولا يعرفون الفارق بين الرجل الطيب و .. الرجل الذئب، وأن مظاهر التدين هي عنوان الصلاح، والفلاح، والتقوى، وأن أكثر حوادث التحرش الجنسي تكون لها بوادر، وإشارات حمراء، ولكن أجهزة الإنذار لدى الأمهات والآباء تكون معطلة في أغلب الأحوال، ويقع الطفل ضحية، ويدفع الثمن غاليا بقية حياته.
أعيش في مجتمع ليس للطفل مكان فوق أرضه، فالدولة كلها للكبار، ونحن أطفال الوطن نقف في ذيل اهتمامات صانعي القرار!
ليس لنا موقع أو مكان أو اهتمام، أو تخطيط، أو تفكير، أو دعم في الكتاب، والحوار، والتلفزيون، والصحيفة، والحوار العائلي، والزواج الصحي والمستقر، والدين، والحدائق العامة، والأمن، وحماية الشرطة، وزيارة الطبيب، و ...
نحن على الشاشة الصغيرة بلهاء، وحمقى، وفي الأفلام العربية نظهر في مشهد واحد يسمع فيه الطفل كلام أمه، ويذهب لينام لأن والده مشغول، وهي أشياء ليس بينها أي رابط!
وفي المدرسة لا نحاور، ولا نجادل، ولا نسأل خارج المقرر الدراسي، ولا نشكك في معلومة، وعلينا السمع والطاعة!
وفي البيت لا ينصت إلينا أحد، ولا نستطيع الاحتجاج على دخان السجائر من الضيوف، أو الصوت المرتفع، أو النقاش الهستيري، أو البرامج السخيفة والمعادة والمتخلفة التي يشاهدها الكبار.

وفي الشارع نتلقى مئة نصيحة بالابتعاد عن الناس، والسيارات، والعجلات، والزحام، ولا ينصت أحد لرأي طفل في ملابس أو كتاب أو سيارة أو فوضى أو ...
أجلس احيانا ساعة أو ساعتين أستمع إلى حوار ممل، ومزعج يدور بين الكبار، وكل منهم يقاطع الآخر ولا يسمع إلا صوت نفسه، والكبار بوجه عام متغطرسون، وفوقيون، ويظن كل منهم أن الحق المطلق بجانبه.
يحدد لي أبي نوع الدراسة بعدما أنهي الثانوية، وأمي ترى أن وصول العريس يعني انتهاء عهد الكتاب المدرسي، وعمتي التي عاشت في الغرب نصف عمرها تحاول اقناعهما بأن مستقبلي في الدراسة، والثقافة، والتعلم من تجارب الآخرين، وعندما تحاورني لا تقاطعني حتى أنتهي، وإذا رأت منطقي أفضل مما تعرضه، تعتذر فورا، وتقر بأن الحق معي.

أبي وأمي لا يعرفان ذرة واحدة عن خلجات نفسي، وعن أحلامي وآمالي وكوابيسي، وإذا عدت إلى البيت حزينة أو مستاءة أو غاضبة أو مرهقة من جراء التغييرات الجسدية والنفسية والعاطفية، ينظران إليَّ نظرة تعجب، ويكرران نفس الجملة التي سمعتها عشرات المرات، وهي أنني أحتاج لتناول طعام الغداء، ثم أستريح قليلا أو أغفو قيلولتي لأعاود الواجب المدرسي قبل وصول المدرس الخصوصي!
أشفق كثيرا على الكبار، وأراهم في كثير من الأحيان معاقين ذهنيا، وقساة، وغلاظ القلب، وعنصريين، ومتشددين، وعندما يجنح بي خيالي بعيدا أتمنى أن يحكم الأطفالُ دولتنا، من الزعيم إلى الوزراء والمحافظين، ونحن الأطفال لن نقيم معتقلات للأبرياء، ولن نفسد في الأرض، ولن نحكم بقوانين الطواريء، ولن نقيم دولة الظلم والبغي.

ما أجمل وطن يحكمه طفل لا يخادِع، ولا يغدر بأصحابه، ولا ينهب أموال الشعب، ولا يلقي خطبة متخلفة بلغةٍ سقيمة يعرض فيها انجازاته الوهمية ليحظى بتصفيق وتأييد المنافقين والجبناء.
وطن يحكمه طفلٌ لن ينفق أموال الشعب على الأمن والسلاح الخردة والمشروعات الفاشلة وكذابي الزفة من الإعلاميين والسياسيين.
وطن يحكمه طفل سيغلب العقل فيه، وسيتساوى فيه الجميع بغض النظر عن الدين والمذهب والعقيدة والطائفة والجماعة، ولن يأمرالزعيمُ الطفلُ بغزو جيرانه.
ثلاث تلميذات في الفصل المجاور لفصلنا في المدرسة تنقبن، وانسدل قماش أسود سميك على وجوههن البريئة والجميلة والمشرقة، وتم منع أي شعاع شمس يريد أن يتسلل ليساهم في صناعة وجه ناضر، وبشرة ناعمة، ولون يوشي بصحة نفسية وعقلية بعدما فتحت الشمس مسامات أرادوا لها العتمة، وظلاماً دامساً، وقماشاً للموءودة وليس للعفة.
نحن الأطفال ندفع ثمن أخطاء الكبار، فهم يتعاطون المخدرات ويتاجرون فيها، ويقومون ببناء سجون بدلا من المستشفيات ومراكز البحث العلمي والجامعات، ويسرقون، وينهبون، ويمارسون الغش والتحايل.

جارتي التي تسكن في الطابق الثالث وهي تكبرني بعامين بدأت في ممارسة الرذيلة في درجاتها الأولى، ولما سألتها انهارت بالبكاء، وقالت لي بأن والدها هو الأب الغائب الذي يأتي مرة في كل عامين أو ثلاثة، ويعود إلى بلده الثاني قبل انتهاء موعد الزيارة لأهله، وأنها وهو لا يتحدثان إلا قليلا، فهو يتعجل العودة، وهي تتعجل مغادرته لتعيش عالم الكبار بدون رقيب أو ناصح أمين.
تصرفات الكبار تصيبني بالحيرة الشديدة، فوالدي يقضي المساء مع أصحابه، ثم يعود إلى البيت بعد ساعات من الأحاديث الفارغة من المضمون، والصياح المرهق، والجدال العقيم، وتأييد أشخاص حزبيين وسياسيين ومسؤولين لا يعرفون عنهم شيئا.
والدي لم يحضر اجتماعا واحدا في المدرسة مع أولياء الأمور الآخرين، وهو لا يعرف أسماء زميلاتي، وكلما رأى إحداهن خاطبها بــ يا شاطرة، وهو غير قادر على إدارة حوار مع أي منهن لأكثر من دقيقتين.

إن الكبار يقومون بصناعة أمراضنا النفسية والعصبية، ويساهمون في بؤسنا وجهلنا، وأنا أعرف زميلة لي لم يعانقها والدها في أي مناسبة، ولم يقم بتقديمها لأي من معارفه، فهو يطلب منها الدخول إلى غرفتها كأنه يتوارى من القوم من سوء حظه.
ومع ذلك فنحن محظوظات مقارنة بالأولاد الصغار الذين يدفعون ثمنا مضاعفا لأخطاء الكبار، ويفترشون أحيانا الشوارع والأزقة، وهم حقول تجارب لمهربي المخدرات، ويتعرضون لافتراسات جنسية تضعهم على طريق الهاوية ولمّا يبلغوا الحلم بعد، وتتفتح لهم أبواب الإجرام قبل أن تنغلق نوافذ الطفولة!
نحن الأطفال نمثل ثلث عدد السكان، لكن نصيبنا في كل خيرات الوطن ليس أكثر من العـُشر أو أقل قليلا!
أين نصيبنا، مقارنة بالكبار، في الكتاب، والسينما، والمسرح، والشوارع الآمنة، والعلاج المجاني، وطبيب الأطفال، والبرامج الإذاعية، وخطبة الجمعة، وقداس الأحد، والملاهي، والحماية الأمنية، وتحليلات قضايا الوطن، والمناهج الدراسية التي تجبر الدولة المدرسين على الانتهاء منها في المدرسة وليس عن طريق الدروس الخصوصية؟
أين نصيبنا في الطعام الصحي، ومنتجات الألبان غير المغشوشة، وحقوقنا في زياراتت منتظمة لآباء في السجون والمعتقلات، وأيضا حقوقنا في مجلات الأطفال، وحتى نشرات الأخبار البسيطة التي تخاطبنا؟

 إن افراغ الكبارعالم الكراهية في نفوسنا لهو أشد خطرا، وجرما، ومهانة من كل الجرائم الأخرى، وأنا أتذكر زميلتي التي قررتْ في بداية العام الدراسي الجديد أن تتجنب أصحاب الدين الآخر، فلما استفسرت منها عن سبب تلك الكراهية الفجائية، فاجأتني بالقول بأنها أوامر صارمة من والدتها، وأنها أفضل، وأنقى، وأطهر من زميلاتها اللائي خرجن من بطون أمهاتهن على غير دين الحق!

لابد من توعية الكبار، وإعادة تربيتهم على أسس سليمة وقويمة وصادقة حتى يتمكنوا بالتالي من تربيتنا!
أشعر بغربة قاتلة أمام الكبار، ولا أدري ماذا يدور في أذهانهم، وأريد أن أعيش حياتي الطفولية كما أرادها الله لي، وعبر عنها جسدي وعقلي وعواطفي البسيطة والساذجة، لكن الكبار يقفون حجر عثرة في طريقي، فعلاقة الكبير بالصغير هي سيطرة، وسطوة، واستعراض عضلات، واستخدام المقدس في الأوامر والنواهي، واعتبار الولاية كأنها خفاش يلتصق بالوجه فيؤلمه، ويكممه، ويخفيه!
ألم يأن الوقت الذي يسمع فيه الكبيرُ آراءَ الصغير في كل شيء؟
ربما يتغير حينئذ الوطن كله، ويكتشف الكبار أنهم لم يكونوا على قدر المسؤولية، وأنن الحكمة ليست من خبرة الكبير، ولكن في براءة الصغير!

محمد عبد المجيد
 طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو   النرويج

19‏/07‏/2019

فيس آب للإسراع بالزمن!

فيس آب للإسراع بالزمن!

برنامج فيس آب الذي تستطيع من تطبيقه التحكم في الزمن الخيالي لوجهك، فتنشر صورتك وقد كبرت خمسين عاما وتسعين عاما، وتضيف وتحذف كما تشاء.
قد تبدو ثورة علمية تميل إلى المزاح؛ لكنها في الواقع تؤثر على الحالة النفسية لشباب كانوا يحلمون بأن الزمن يقف عند نضارة الوجه، ونعومة الملمس، ورشاقة الجسم، وفجأة يرى الشاب نفسه أو الفتاة نفسها على مبعدة أيام من القبر.
أنا أظن أن رسم نهاية للحياة في بدايتها عملية غير صحية بالمرة!
لست مع أو ضد البرنامج لأن الوقوف في مواجهة التطور عبث، وأنا لا أتخيل نفسي في العُمر الذي يخشاه الكثيرون لأنني فعلا اقتحمته وتخطيت عامي الثاني والسبعين، لكنني أفكر في الكوارث والمآسي التي ستحدث على المستوى النفسي والوجداني للذين يستدعون الزمن ليرسم تجاعيده الوهمية ويولج الخريف في الربيع ويجعل المرآة تُخرج للشباب الجميل ألسنتها قبل أن يُخرجها الثعبان الأقرع بفحيحه.
لست فضوليا لأشاهد صور أحفادي وقد قفز بهم الزمن الديجيتالي فوق عُمري، واختفت البراءةُ بفضل المزاح مع التقدم العلمي.
هذا البرنامج سيقوم الكثيرون باستخدامه لأغراض غير نبيلة، منهم الارهابيون والمزورون والهاربون من العدالة وأجهزة التجسس والاستخبارات والتضليل.
من فضلكم لا تفرحوا كثيرًا فبعض المزاح بداية البكاء.


محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 19 يوليو 2019


13‏/07‏/2019

الكويت والخلية الاخوانية!


الكويت والخلية الاخوانية!

شهادتي في هموم كويتية تكون غالبا مجروحة لمحبتي لهذا البلد الطيب وأهله وقيادته؛  ومع ذلك فسأخوض في قضية حساسة تخص الخلية الإرهابية التي لا أعرف عنها شيئا!
أول بيت كويتي استضافني كانت دار الشيخ عبد الله العلي المطوع رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي، رحمه الله، وكان ذلك في ديسمبر 1982 للحديث عن المسلمين في النرويج.
لكنني، رغم الدفء في الترحيب، وجدت نفسي في الجانب المضاد للتوجه الديني في الكويت، وظلت علاقتي بمؤسسات الدولة غير الدينية طوال 37 عاما جيدة، خاصة مع آل الصباح الكرام.
كنت أخاف على الكويت من الاخوان ومن المذهبية والتيارات الدينية القادمة من لبنان وسوريا وايران والعراق ومصر وفلسطين، وكانت هناك إشارات غير مطمئنة تحاول زحزحة الكويت بعيدا عن التطور والتقدم لولا حًسن حظ الكويتيين في خط الدفاع الثاني عن مدنية الدولة الممثل في وزارة الإعلام التي تولاها على مدىَ أربعين عاما ثُلة من المستنيرين، وأخص بالذكر منهم المنتمين إلى آل الصباح الكرام!
كانت صدمتي الأولى عندما قدّم صاحب السمو الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح أمير البلاد، رحمه الله، مشروع قرار منح المرأة الكويتية حقوقها السياسية، فأسقط أعضاء مجلس الأمة المشروع رغم أن سمو الأمير كان يستطيع أن يصدر توجيهاته الملزمة فيخضع لها الجميع، لكنه طيب الله ثراه، تركهم يرتعون في حقوق المرأة المناضلة والثورية والمقاومة للاحتلال العراقي الآثم وسموه يعرف أنهم سيوافقون، على مضض، في مرة لاحقة.
كان الاخوان امتدادا لحركة حسن البنا، فيصدرون صحفهم ومجلاتهم وفصلياتهم وكُتَبهم ويجمعون تبرعات ويدعمون مراكز إسلامية، خاصة في أوروبا، دون معرفة ما ستؤول إليه هذه الأموال حتى لو توجهت في صدر الكويتيين.
كانت جمعية الإصلاح الاجتماعي تمنح بسخاء دعما ماديا للمراكز الإسلامية في أوروبا دون رقيب لمعرفة المصب النهائي للمال الكويت، ربما لأنهم كانوا يظنون أن أموالهم الكويتية هي إسلامية لتبرعات الخير فقط حسب رؤيتهم.
في منتصف شهر سبتمبر 1990 خرجت في العاصمة الدانمركية كوبنهاجن مظاهرة كبيرة معادية للكويت والسعودية ومتعاطفة مع شيطان بغداد، وكانت بأموال اخوانية.
في المحاضرة التي ألقاها الوفد الشعبي الكويتي(17 ديسمبر 1990) بجامعة أوسلو وكان الشيخ سلمان دعيج الصباح رئيسا للوفد؛ تململت أصوات بعض المستمعين وطرح أحدهم سؤالا عما أسماه الاحتلال الأمريكي للسعودية، لكن أعضاء الوفد الشعبي الكويتي كانوا منتبهين جيدًا.
المقاومة الكويتية الباسلة إبان الاحتلال كانت مدنية تقودها المرأة في الداخل والخارج، تتقدمها السيدة هداية سلطان السالم المشرفة على مجلة (المجالس)، وبعد التحرير كان رد فعل أعضاء الاخوان المسلمين في البرلمان رفضا لحقوق المرأة.
الكويت تملك مقومات ثقافية وفكرية وحضارية ودستورية كانت تسمح لها أن تخطو عشر خطوات للأمام في مقابل خطوة واحدة من جيرانها الخليجيين، لكن التيارات الدينية، خاصة الاخوان، كانت تقف بالمرصاد في كل مؤسسات الدولة لأي نهضة فهي تريد نسخ تجارب أناسٍ ماتوا وشبعوا موتا منذ مئات السنين، فانشغلت الكويت بالمرأة وملابسها وطاعتها للرجل وحرمانها من مناصب قيادية كبرى فضلا عن الرقابة على الصورة والكلمة ودار النشر والفيلم والندوة و ..
كان التعاون لصيقا بجمعيات تنضوي تحت لواء الاخوان في مصر والأردن وفلسطين والسعودية واليمن وباكستان وأفغانستان في الوقت الذي ركّب الأشقاء الخليجيون في أفكارهم صواريخ أسرع من الصوت فتقدمت دول كثيرة وكانت الكويت، بفضل الاخوان، مشغولة بمنع (الكتاب) و(هلا فبراير).
إن القبض على خلية ارهابية مرتبطة باخوان مصر ليس أمرًا مستبعدا، لكن الكويت تحت قيادة آل الصباح الكرام دولة عدالة وقضاء نزيه وتحقيقات منضبطة، لذا فأنا أتمنى أن لا يجرمنها شنآن قوم ظلموا السجناء والمعتقلين في مصر وغيرها فتعاطفت الجماهير مع الارهابي في مواجهة ظُلم السلطة.
أتمنى للكويت الخير ورفع يد التيارات الدينية عن مؤسسات الدولة، وحل مجلس الأمة لتجرى انتخابات جديدة ممنوع فيها الترشح من خلال خلفية دينية، فالكويتيون ليسوا في حاجة لوصاية أي حزب أو تيار ديني.
إن استقلالية القضاء الكويتي هي الضمان لمحاكمات عادلة دون تأثر بالقضاء وبالسلطة في مصر؛ فعلاقات الصداقة العروبية ينبغي أن لا تحمل معها تأثرا في التاريخ المشــُرّف لجهاز العدالة في الكويت.
أخاف على الكويت من اعتبار خريجي كليات الشريعة على قدم المساواة مع خريجي الحقوق فالحُكم الكويتي مدني وليس قندهاريا أو قُمّيا أو نجفيا!

كان خوفي على الكويت أن ينسيها التكالب الديني الاخواني أنها أول ديمقراطية خليجية، وأنها ينبغي أن لا تتأخر قيد خطوة عن شقيقاتها الخليجيات.
وسلام الله على الكويت
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 13 يوليو 2019


08‏/07‏/2019

مشتاق .. مشتاق .. مشتاق!

مشتاق .. مشتاق .. مشتاق!
مشتاق لمصر جديدة لا يستطيع فيها أحد أن يكذب زاعما أن الله معه، أو أن فقيها منذ ألف عام حدد للمصريين ماذا يفعلون عام 2019.
مشتاق لمصر جديدة تقضي عدة أسابيع في الكلية أو المدرسة أو المصنع أو الشركة وأنت لا تعرف دينَ زميلك، مسلما كان أو مسيحياً.
مشتاقٌ إلى مصر بدون خيام متحركة، وعفن الفكر السلطوي ضد المرأة، واحتقار أمهاتنا وبناتنا وزوجاتنا وأخواتنا في اخفائهن داخل قماش أسود يختلط عرق المرأة به فيغرق المكان برائحة كريهة، فالنقاب، حسب فهمي الإسلامي، حرام ومهانة وإذلال ووأد للمرأة وازدراء لها واعتبار كل رجل ذئب وكل امرأة على استعداد للترحيب بأنياب الذئب.
مشتاقٌ للعقل والمنطق والفكر والموضوعية بدون أن يــُــلقي محدثي في وجهي بحديث أو حِكمة أو آية أو قول مات وشبع موتا في كتب معَّفرة.
مشتاق لأجمل حوارات عمري الاستنارية، فقد كانت مع الشيخ علي حلمي في مسجد البوصيري بعد صلاة الفجر، ومع الشيخ محمد الغزالي بمكتبه بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وهو يستحسن أفكاري، ومع شيخ الجامع الأزهر في مكة المكرمة وهو يستمع إليَّ بتواضع عن رؤيتي للصوم في بلاد شمس منتصف الليل، ومع الشيخ أحمد جمال في طليطلة، ومع روجيه جارودي عندما كنا ضيفين على مؤتمر المساجد العالمي بالقرب من جدة، ومع الشيخ عاشور في الاسكندرية ( رحمهم الله جميعا)، فأنا الآن لا أرى إلا قليلا من وجوه مشرقة بالايمان، إنما أرى وجوها كالحة وإرهابية وقاسية وصخرية وقبيحة وكثيفة الشعر وسيفية اللسان ونتنة المظهر كأن خفافيش الظلام أضحت المتحدث الفضائي باسم الإسلام.
مشتاق لمصر بدون عمرو خالد أو مصطفى حسني أو محمود المصري أو وجدي غنيم أو آيات عرابي أو الحويني أو ياسر برهامي أو خالد الجندي أو أبي إسلام أو ....
مشتاق إلى مصر نظيفة، وجميلة، وآمنة، يخرج فيها المصري مع أخته أو زوجته أو خطيبته ( أو حتى الجو بتاعه !) لمشاهدة فيلم عاطفي والعودة بعد منتصف الليل دون أن يعترضهما ممثل مزيف للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو بلطجي!
مشتاق إلى مصر التي لا تتحدد قيمتك فيها وفقا لتغطية شعر الرأس أو زبيبة الصلاة.
مشتاق إلى مصر التي لا تتصارع فيها مكبرات الصوت لتفوز واحدةٌ بخرق طبلة الأذن أو إزعاج مريض مُسن يحتاج إلى الهدوء.
مشتاق إلى مصر التي كنا نتصاحب فيها ونضحك حتى الثمالة على كل شيء، ونتحدث في الفيلم والقصة والرواية والسباحة والمدرسة والموسيقى، أما مصر الحديثة فتبدأ بتكشيرة وحديث في الدين، وينتهي النقاش بترهيب ووعيد بقرب نار جهنم من جسدك الغض الضعيف.
مشتاق إلى التسامح ومساهمة المسلمين في ترميم كنيسة ووقوف الأقباط مع أشقائهم المسلمين في إصلاح مسجد.
مشتاق إلى النور والسماء المشرقة والزحام القليل والمسرح والأوبرا والسينما وحفل أم كلثوم في مساء أول خميس من كل شهر.
مشتاق إلى مصر بدون أوغاد ومجرمين وسجناء هاربين وبؤر ارهاب في سيناء وأسلحة مهربة من غزة وبنغازي.
مشتاق إلى مصر وفيها مطرقة القاضي تخشع لها القلوب، والقاضي الذي كان يسمع الشعر والنثر ويقرأ المقال ويحترم المتهم المثقف والعالم.
مشتاق إلى مصر عندما كان القاضي يتحدث بلغة عربية سليمة والتي انتهت على يدي المستشار أحمد رفعت فلم يستطع نطق كلمة واحدة سليمة.
مشتاق إلى مصر الحب التي انتهت إلى مصر الكراهية والتعصب والطائفية والاستعانة بالكفر المغطى بايمان مزيف لمناهضة الإيمان غير المزايد في الدين.
مشتاق إلى مصر التي يدخل كنائسَها مسلمون ينتظرون زملاءَهم بعد الانتهاء من قُداس الأحد، ولمصر التي كان يجلس مواطن قبطي داخل صحن المسجد في خشوع يتأمل صديقه المسلم وهو يصلي العصر!
مشتاق لمصر بدون مسؤول متخلف العقل، ضعيف الفكر، ضحل الثقافة، مغرور الحديث، كاره للكتاب، أمّي اللغة.
مشتاق لمصر بدون قوانين الطواريء المهينة والتي يتم تجديدها بهدوء وصمت الشعب.
مشتاق لمصر حيث ينتفض الشعب كله إذا مسّ حبة تراب فيها عدو أو صديق، وليست مصر التي يبيع فيها القصر جزيرتين ومعهما عبق الشهداء الجنود المصريين، ويتحدى البائع مئة مليون أن يعترضوا، فيطرقون رؤوسهم خوفا وخجلا.
مشتاق لمصر حيث لغة إعلامييها كانت العربية وليست الغُرْزية التحشيشية.
مشتاق لمصر قبل بيع شواطئها للصعاليك الجُدُد تحت سمع وبصر الرجل الأوحد!
مشتاق لمصر العروبة صاحبة المشروع القومي، المنتصر أو المنهزم!
مشتاق لمصر حيث كان رئيسها، منتصرا أو مهزوما، إذا هبطت طائرته الرئاسية مطار بلدٍ خرج مسؤولوه كلهم يستقبلونه، ويتبركون باسم مصر وحاكمها، ويخرج تلاميذ مدارسه لتحيته فرئيسُ مصر هو العالم العربي كله، بل هو الكون كله.
مشتاق لمصر التي لم يتجرأ النقاب على زمنها فهي ما تزال تحصد نتائح عصر النهضة، وليست مصر التي يتسابق رجالها ونساؤها على اعتبار الإسلام هو خيمة سوداء تتكفن فيها المرأة، وزبيبة حُشرت في حصيرة فأتت جهلا كل ثقافته الدينية هي حيض المرأة وتعدد الزوجات وبول الرسول وتفخيذ الرضيعة!
مشتاق لمصر حيث شواطئها يسبح فيها الغني بجوار الفقير، ويُمنع بناء أسوار تمنع سكان المدن الساحلية من مشاهدة البحر أو النهر.
مشتاق لمصر التي لو وضع رئيس إثيوبي حجرًا يحجز نقطة مياه من نيلها واهب الخــُـلد للمصريين لالتهمته تماسيحُها وهو في قصره بأديس أبابا!
مشتاق لمصر التي حتى منافقو إعلامييها كانوا ينظفون ألسنتهم بلغة صحيحة وقواعد سليمة لم يعرفها عمرو أديب وعكاشة والدندراوي وتامر أمين وأحمد موسى وعزمي مجاهد ومئات غيرهم ممن سقطوا من مواسير الصرف الصحفي داخل ماسبيرو.
والأهم .. الأهم .. الأهم مشتاق لمصر حيث تصل الشكوىَ إلى رئيس الجمهورية من مواطن عادي فتنقلب الدنيا عاليها سافلها!
من منكم مشتاق لهذه المصر التي أتحدث عنها؟
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

03‏/07‏/2019

كشف الغُمة في هزيمة أمة!


كشف الغُمة في هزيمة أمة!
إذا أردت هزيمة أمة ففرِّق بين أبنائها وبين الكتاب، واجعل صدور أهلها تضيق بالحرف، وأدخل في روعهم أن الثقافة هي الصورة وأن المعرفة عبر الشاشة فقط وأنَّ المقهىَ يحل محل المدرسة!
إذا أردت هزيمة أمة اجعل أهلها كلهم رجال دين، ومصادر معرفتهم من سكان القبور، وأسلاف أسلافهم هم المثل الأعلى لهم، واجعلهم يتوارثون الحكايات والأقوال مجمدة كأنها دجاج نيء لا يؤكل و.. لا يتحرك.
إذا أردت هزيمة أمة اجعل أهلها عبيدا في صورة أسياد، يتحاورون كأنهم في إسبرطة ويتجادلون دون مَراجع، ويتناقشون بالسيف لمعرفة من كسب سباق الكتاكيت منذ ألف عام.

إذا أردت هزيمة أمة فاجعل أخلاقــَها في ألسنة دعاتها، وعلومها في مؤخرات إعلامييها، وأنفاسها تنقطع بعد السطر الثالث من أي مقال!
إذا أردت هزيمة أمة فضع في مسامات ألسنتها قاموس شتائم، ومفردات سِباب، وتهديد ووعيد ولعنات لمخالفيهم ثم قُم بتغطية كل الأوساخ بآيات سامية و..حِكَم الأقدمين!
إذا أردت هزيمة أمة قرِّب المخدرات لأنوفها، والتحشيش لحواراتها، والكيف لفكرها، ولا تنس الطلب منها طاعة الأمير وولي الأمر وعدم الاقتراب من لحوم رجال الدين لأنها مسمومة، أي أن معارضتها حرام.
إذا أردت هزيمة أمة فاستبدل مكاني الله والحاكم؛ أي أنَّ عرش الرحمن يصبح في القصر وقصر سيدها يعرج إلى السماء فتختلط عليها الأمور، وتذوب الاتجاهات، ويضحىَ المجتمعُ عاليه سافلــَــه أو .. أسفله!

إذا أردت هزيمة أمة فقُم بتغذيتها بالخوف والفزع والرعب وصورة رجل الأمن والكرباج والكلبش والزنزانة والبُرْش ثم رُشّ عليها أقوال دعاة يطلبون من الشعب الطاعة وتعرية القفا!
إذا أردت هزيمة أمة فاجعلها شيعا وأحزابا وفــِـرَقا وجماعات ومذاهب يعلو بعضها ظـَـهْر الآخرين، وتظن كل فرقة أنها الوحيدة الناجية.
إذا أردت هزيمة أمة فاجعلها تشرب في الصباح والمساء خليط الدين والجنس، ولا تحاسبها على الخطأ والصواب وإنما على الحلال والحرام حتى تصبح تبرئة المجرم من فوق المنبر، ويخشى القاضي الكتبَ المقدسة قبل خشيته من مخالفة الدستور.
إذا أردت هزيمة أمة فاجعل المرأة نجسا من الشيطان، وعورة من إخمص قدميها إلى أم رأسها، واشغل شبابها وشيوخها ومراهقيها الصغار والكبار في عملية إصلاح الضلع الأعوج، فينسون الوطنَ ويتذكرون موضع العفة الأنثوية فقط.
إذا أردت هزيمة أمة فبدل مفردات الاستعمار والاستدمار والاحتلال، واخلط انتصاراتها وهزائمها فلا تدري بعدها أين يبدأ تاريخُها وأين ينتهي.
إذا أردت هزيمة أمة فضعها في قبضة رجل واحد، جاهل، غليظ القلب، سادي المشاعر، بغيض اللسان، مريض النفس، ضحل الفكر وهو سيقوم بالمهمة على أكمل وجه.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 2 يوليو 2019

01‏/07‏/2019

حكايتي مع سفير مصري!

حكايتي مع سفير مصري!

لأكثر من ربع قرن لم أسمع أخبارَه، ولم أعرف أحوالـــَــه إلى أنْ وقعت مصادفةً علىَ خبرٍ قديمٍ في (الأهرام) بتاريخ 19 ديسمبر 2004 وفيه نعي السفير أحمد فؤاد حسني سفير مصر في النرويج في أوائل الثمانينيات!
عندما تقرأ في الحاضرِ خبرًا قديمــًـا عن عزيزٍ لديكَ تبدأ الذكرياتُ تتزاحم كأنها في سباقٍ متلاحقٍ لتحظىَ باهتمامك فيتضاعف الحُزنُ  علىَ المشهدِ الزمني الذي يُطــِل منه الراحلُ بأثر رجعي.
في مايو عام 1982 أقمتُ معرض الكتاب العربي بمدينة الطلاب كرينجشو في أوسلو، وافتتح السفيرُ، رحمه الله، المعرضَ وسط حضور لا بأس به من قارئي العربية.
همستُ في أذنه قائلا: سعادة السفير، السفير الليبي ينتظر في أحد الفنادق حتى تغادر ويعيد هو افتتاحَ المعرض لأن العلاقات سيئة بين القاهرة وطرابلس الغرب.
ابتسم السفير وقال: أتفهم تماما أننا لا نتقابل ، لكن السياسة هكذا. وجاء بعد مغادرته السفير الليبي يفتتح معرضَ الكتاب العربي ويقوم بتهنئتي.
اتصلتُ به في إحدى المرات مُعاتبــًـا؛ فدعاني فورا لنشرب قنجان قهوة معا في مكتبه بالسفارة.

بسطتُ أمامه أسبابَ العتاب وهو لقاء صحفي له مع صحيفة نرويجية صهيونية الهوىَ بدون معرفة مسبقة منه وتم وضع الحديث والصورة على يسار حديث وصورة للسفير الإسرائيلي، وظهر واضحــًـا أنَّ المُحرر أرادَ إبراز الجانب الإسرائيلي على حساب الجانب المصري، وأنا في الحقيقة وطوال عُمري تصيبني أرتكريا الغضب بمجرد ذِكْر كلمة اسرائيل أمامي لدرجة أنني أول مرة أمُرّ أمام شركة طيران العال في لندن( يونيو 1972) وقفت أرتعش على الرصيف غير مُصدّق أن للاحتلال مكتب سفريات في قلب عاصمة الضباب.  
لم يغضب، ولم يقل لي بأنه سفير وأنا مواطن لا ينبغي أن أتدخل في شؤون دبلوماسية؛ لكنه، رحمه الله، قال لي بتواضع جمّ: أنتم هنا عيون مصر، وأنا عابرٌ لمدة أربع سنوات، وإذا لم تــُــبيّنوا لنا أخطاءَنا في مجتمع تعيشون بين أهله فأنتم المخطئون!
اعتذر بشدة وقرر بعدها أن يستشير المصريين المقيمين هنا في النرويج إذا تعلق الأمرُ بأشياء محلية لا يعرفها الدبلوماسيون.

في عام 1983 طلبت منه إقامة حفل غداء لأطفال الحضانة التي بها ابنتي سونيا( وكانت في الرابعة من عُمرها)، واقترحت توزيع هدايا وبعض الصور عن مصر، وأن يكون الغداءُ على مائدة كبيرة وفاخرة ويُبلغ كل طفل أهله أنه أكل في بيت مصر.
وحقق لي رغبتي وكانت مصر وصورها والهدايا الطفولية حديثَ الحضانة طوال العام.
في 16 أكتوبر عام 1983 افتتحت أول مكتبة عالمية في تغطية صحفية وتلفزيونية، وافتتح المكتبة السفير أحمد فؤاد حسني ومعه سفير تركيا في النرويج والمكتبة  تحتوي على كتب ب12 لغة وفي مقدمتها العربية والنرويجية( أفلست المكتبة في منتصف يونيو 1987 ).
فترة خصبة وغنية بوجود هذا السفير الفاضل والممثل بشرف لمصر ومع القنصل العام عبد الحليم السجاعي والسكرتير الأول محيي يوسف، وكان الثلاثة إشراقةً مصرية نفتخر بها، خاصة أن العيد الوطني في السفارة كان يحضره أصدقاؤنا العرب فهو أيضا عيدهم.

عندما قرأت خبر وفاة السفير أحمد فؤاد حسني بعد رحيله بخمس عشرة سنة سقطت دمعتان على وجهي مُحمّلتان بذكرياتي مع الفرسان الدبلوماسيين وكانوا خلال 42 عاما هي عُمر إقامتي في أوسلو؛ لكن قليلــَـهم من كانوا فرسانا لا تصهل خيولهم ولا تبرق سيوفهم ولا تتمصر عقولهم!
أسكن اللهُ السفير أحمد فؤاد حسني جنة الخُلد مع الصدّيقين والشهداء.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج 

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...