16‏/09‏/2018

ذكريات لا يرثها عنك أحد!

ذكريات لا يرثها عنك أحد!
ذكريات المرء لا يستطيع أن يرثها أولاده وأحفاده، أو حتى أقاربه الأقربون، فهي في الذهن قبل أن تكون رسائل وصورًا بالألوان أو بالأبيض والأسود.
كل صورة مرسومة في الذهن بالكلمات والمعاني والإشارات والحوادث والأزمنة والأماكن.
كلُّ الناس لم يعودوا كلَّ الناس، فمنهم من ابتعد، ومنهم من نزل أو أُُنزل في باطن الأرض، ومنهم من إذا شاهدت صوره قفزت أمامك حوادث مريرة أو تصرفات غير لائقة أو مشاعر غير ودية اختبأت ردحا من الوقت، فلما انفجرت فجَرَت، ولما خاصمتْ قطعتْ .. باللسان قبل السيف.
ومنهم من تظل صورهم في مخيلتك حتى يأتي حفّار القبور فيتسلمك بعد تغسيلك، ويضعك برفق في حراسة دود الأرض.
لا يمكنك أن تقص نفس الحكاية مرتين بدون تغيير، لكنك تحكيها لنفسك مئات المرات على طول سنوات عُمرك، وتظل كما هي، أو تظن أنها كما هي.
اليوم مرت أناملي على أرشيف صور لي أو بعدستي خلال 45 عاما، وفرحت وحزنت، وغضبت، واشتقت، وزارتني كل المشاعر المتناقضة.
تخلصت من عدد هائل من الصور، مزقتها كأنني أصفع أصحابها، واحتفظت بعدد كبير من الصور ملفوفة في أحاسيس إنسانية لا تموت ولا تحيا، لكنها قابعة في مكان ما في القلب أو العقل أو الصدر أو الخيال.
لدي صور بعدستي لكثيرين في مناسبات عدة، الملك سلمان عندما كان أميرا، صدام حسين، أمين الجميل، الدكتور منصف المرزوقي، الرئيس الكيني جومو كينياتا، إيلي فيسيل، نيلسون مانديلا، جيمي كارتر، فاكلاف هافل ونادين جورديمر وجورج بوش الأب، كل المسؤولين الكويتيين تقريبا منذ عام 1984.. وعشرات غيرهم.
لدي صور بعدستي لشوارع دمشق وبغداد والكويت والدوحة وأبوظبي ودبي ومراكش وطنجة وباريس ولندن وساوث هامبتون ومكة المكرمة وبروكسيل وأمستردام وكريتا واثينا وجدة والرياض ومدريد وإشبيليا وجلاسجو ونيويورك وفاراو( البرتغال) ومسقط وصلالة وأستوكهولم وفيينا ولوكسمبورج وفانتاميليا( ايطاليا) وكوبنهاجن وطبعا صور مصرية وعشرات من المدن السويسرية ...
بعض المدن تظل رائحتها في أنفك سنين عددا، وبعضها تهرب من خيالك فور مغادرتك إياها..
بعض المدن تبتسم لك بعد زيارتك إياها بوقت طويل، وبعضها تلتقيك ببرود كأنك جئت لغزوها.
بعض المدن تجد الله هناك ولو كان أهلها على غير دينك، وبعضها لا تعثر حتى على ملاك واحد رغم أن كل أهلها ينتمون لعقيدتك.
بعض المدن متربة وشوارعها ضيقة وبوهيمية لكنها تعانقك، وبعض المدن كأنك في الجنة والخضرة والوجه الحسن؛ ولكن بلسعة الجحيم.
بعض المدن تمشي فيها آمنا في الظلام بعد منتصف الليل، وبعضها يطاردك الخوف والحذر ولو كنت في زحام بعد الظهر.
بعض المدن لو رقصت عاريا في أكبر شوارعها فلن يستجوبك أحد، وبعض المدن يستدعيك رجل أمن لأن شكلك لم يرُق له.
بعض المدن كانت لأهلها فأحببتها، ولما عدت إليها بعد أعوام وجدتها لأغراب ..سرقوا روحها، وخربشوا وجهها، وسرقوا أمانها.
بعض المدن تشعر أنك وُلدت فيها ولو سقطت من بطن أمك في مكان بعيد، وبعض المدن تشكر الله أنها لم تشهد مولدك.
بعض المدن ملائكتها أضعاف شياطينها، وبعض المدن لا تتبين فيها أجنحة ملائكة أو قرون شياطين.
اليوم مزقت صورا كثيرة رفض ذهني أن يحتفظ بها، واحتفظت بصور كثيرة رفض حنيني التخلي عنها!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 27 أغسطس 2018

أوهام عراقية الكويت ( مقتطفات من كتاب قيد الطبع )


أتیحت الفرصة للجیش الكویتي في الصحراء السعودیة بقیادة الشیخ نواف الأحمد الجابر الصباح وزیرالدفاع للتدریبات الشاقة، والإرادة السیاسیة، والأمل الذي بثه الشیخ جابر الأحمد والشیخ سعد العبد لله، رحمھما لله، في التعجیل بالتحریر.
تماما كما فعل شارل دیجول عندما ترأس حكومة فرنسا الحرة من لندن في 18 ینایر 1940 ثم الحكومة المؤقتة للجمھوریة الفرنسیة وھي آخر خطوة نحو التحریر، وتنظیم المقاومة في الداخل.
كل مقاومة للاستعمار من خارج الوطن المحتل تلقى صعوبات جمة بسبب التشكیك في نوایاھا، وقد یكون ھناك منطق واقعي قائم على معرفة مسبقة بأشخاص یعرف الشعب
أنھم غیر أبریاء من تھمة التعاون مع المحتل.
أما آل الصباح فھم خارج دائرة المقارنة مع شعوب أخرى لأنھم قاموا بتوحید الشعب في فترة عصیبة تحتمل كل الشكوك والاتھامات والخصومات والخروقات والمعارضة ولو كانت على استحیاء، رغم أن الحرب لا تعرف ھذا النوع من الاستحیاء.
وكانت الصدمة كبیرة على القوى المعادیة للكویت ، فضلعاھا في الداخل والخارج بارقة أمل في التحریر العاجل. في الداخل لم یجد صدام حسین متعاونا واحداً كویتیاً مما خلق
حالة من الدھشة في العالم أجمع.

وفي الخارج كانت المعارضة الكویتیة في حالة سباق لتأكید أنھا جزء من الشعب، وأن ولاءھا لشرعیة آل الصباح لیس أقل من الصباحیین أنفسھم، فمؤتمر جدة الذي انبثقت عنه الوفود الشعبیة الكویتیة لم یقم باختیار أعضاء الوفودعلى أساس القبیلة أو المذھب أو الطائفة أو القرب من الأسرة الحاكمة أو حتى عدم التوافق معھا قبیل الاحتلال.
كان الكویتیون نسیجاً واحداً في العاصمة السعودیة الثانیة.. جدة، وانصھرت أقطاب معارضة ما قبل الاحتلال في بوتقة واحدة، فالوطن الصغیر المحتل على الحدود، والأھل على مبعدة ساعتین أو أكثر یفصلھم تراب أرض مشتركة قال عنھا الملك فھد بن عبد العزیز، رحمه لله، بأنھا وحدة كویتیة/ سعودیة في الحرب والسلام والتاریخ، والضیافة!
كانت الأسرة الحاكمة في الكویت تمارس الاثنین معا:
الشرعیة في الداخل والخارج والمشروعیة في المقاومة،
رغم حماقة وغباء وسذاجة ملایین من العرب الذي تشربوا كبریاء الشرق فزادھم ازدراءً للخلیج رغم التفاف الشعب الكویتي كله خلف آل الصباح الكرام.

في 20 أغسطس 1953 قامت سلطات الاحتلال الفرنسیة بنفي الملك المغربي محمد الخامس إلى جزیرة كورسیكا ثم إلى جزیرة مدغشقر ولم تكن تعرف أنھا بدایة ثورة شعبیة ومقاومة لا تلین، فالاستعمار یمكن أن یتحول إلى غباء مستترعندما یجھل طبیعة العلاقة بین الشعب وقیادته، كما حدث مع صدام حسین في الكویت.
كانت الثورة المغربیة بطیئة وھادئة لكنھا في كل لحظة فوق نار مستعرة. وعندما تأسست كتلة العمل الوطني في أغسطس 1933 قامت على الفور بالدعوة إلى الاحتفال بعید العرش لاعطاء رسالة للاحتلال الفرنسي والإسباني أن الصلة الروحیة بالملك محمد الخامس ھي في حد ذاتھا مقاومة دینیة ورمزیة وسیاسیة وتاریخیة ووطنیة.

الفكر المقاوِم یأتي في كثیر من الأحیان من خلال أوجاع المنفى، الاختیاري أو الاضطراري، والرؤیة من خارج الوطن تُصقَل في وجود حریة الحركة.
ولكن إذا كانت القضیة تحدیاً للشعب، ونفیا طوعیا أوجبریا للزعیم، أو نتیجة لحركة ثورة أو لإنقلاب ضد حفنة من اللصوص، فھنا تختفي تماما أي صورة من صور المقاومة، فالمقاومة فكرة أخلاقیة مھما كان التوجه الوطني أو المذھبي
أو القبلي أو الدیني أو اللادیني لأصحابه.

صحیح أن الملك فھد بن عبد العزیز، رحمه لله، فتح بلده وذراعیه وأحضانه لاستقبال الشرعیة الكویتیة، وساعد الحظ الجغرافي فیھا مساعدة كبیرة، فالحدود واحدة، والتناغم العربي والإسلامي والتاریخي یسمح للشرعیة أن تستخدم الأراضي السعودیة في التدریب، والاتصالات، والتثبیت المؤقت للحكومة الكویتیة، ولم یكن ھناك حَجْر أو شروط أو توجیھات أو مطالب من الریاض، فالملك فھد تعامل مع شرعیة آل الصباح على أنھا في ضیافته لبعض الوقت حتى یندحر الاحتلال العراقي الآثم.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو ( مقتطفات من كتاب قيد الطبع عن أوهام عراقية الكويت )

03‏/09‏/2018

الوطن من الخارج أكبر!

الوطن من الخارج أكبر!
كل دولة لها خصوم في الخارج تفرز تلقائيا طابورها الخامس الذي تلتقي مصالحه مع أعداء الخارج فتتكون جبهة موحدة حتى لو لم يكن هناك لقاء ظاهر أو حوار مباشر أو دعم مبطن أو تعاطف ضمني.
وكل جماعة أو طائفة تكبر أو تتعاظم أو تتعالى مشاعر أفرادها طائفيا أو مذهبيا أو دينيا أو ايديولوجياً تلتقطها قرون استشعار من قوى خارجية ترى أنها قد تكون امتداداً لها في الحاضر أو خلايا نائمة لوقت لاحق عندما يحين موعد التعاون.
ليس هناك استثناء وتاريخ الغزوات والاستعمار والاحتلال والاستيطان يؤكد على هذه الحقيقة، فيتقدم الطالبانيون الأفغان في مدن الحدود الباكستانية ليجدوا في أحضانهم نظراءهم على الجانب الآخر، ويصرخ أئمة في قُم الإيرانية ليصغى إليهم مصلون، ليس كل المصلين، في النجف الأشرف، وتزعم الحكومة اليمنية أنها ستقضي على تمرد شيعي فيظهر مئة موقع سني يبرر جرائم السلطة في صنعاء، ويخرب الاخوان المسلمون طوال عام كامل الحياة في مصر فينبض قلب حزب العدالة والتنمية في تركيا الأردوغانية تعاطفا مع الباطل الاخواني في مصر، وتخرج مظاهرة في العقبة الأردنية من الامتداد الروحي للجماعة في المملكة الهاشمية.
الوطن يصغر كلما كبرت جماعة فيه، ويتقزم إذا تطرفت، وتبهت صورة قومه حين تتناثر على أرضه قوميات وطوائف ومذاهب وعقائد وجبهات، ليختفي بعد ردح من الزمن خلف كل جماعة، ففي لبنان مثلا يختفي الأرز خلف سبعة عشر زعيماً، فإذا أتى الغريب لا يحتاج حينئذٍ إلى التشرف باستئذان القاعد في قصر بعبدا، ولعلنا نذكر كونداليس رايس وكيف هبطت طائرتها الأمريكية في مطار بيروت وتوجهت إلى الزعماء في دلالة إلى أن سيد القصر ليس إلا اختياراً سورياً حتى يطل الأسد، أب أو ابن بعده، من شرفة قصره الدمشقي على رعايا الشام في بيروت.
الغريب أن صورة الوطن التي بهتت في الداخل تشرق في المهجر، ففي خضم التصفية على الهوية في بلاد الرافدين، والرعب الذي يزلزل كيان العراقي وهو ينتقل من منطقة إلى أخرى، و من شارع إلى ميدان، والشك الذي يرسم علامات الفزع على الوجوه وكأن الآخر يستعد لجزّ رقبة ابن بلده، يكون هناك في مكان ما بعيداً عن العراق ثلة من الأصدقاء، شيعي وسني وكردي وتركماني ومسيحي وصابئي يتسامرون في شقة أحدهم، ويذرفون الدموع المهجرية وهم يستمعون لناظم الغزالي، ويحكي كل واحد عن طفولة حذف منها كل ما يشير إلى الطائفة أو الدين أو المذهب، ثم يتعانقون في نهاية السهرة، ويعود كل منهم إلى بيته، فإذا اتصل بأهله في صباح اليوم التالي رسموا له على الأثير دماء وجروحاً وأشلاء ومشاعر كراهية حاول أن ينساها في سهرة اليوم السابق فأعاد له أهله رسمها من جديد.
في الغربة نحب الوطن، ونلغي من ماضينا كل السلبيات التي علقت به، ونقطع لسان من يسيء إليه، ونتباهى به، ونبرر سلبياته، ونتفاخر بإيجابياته، ونصل في العشق إلى جعله مركز الكون حتى لو كان قائما على بضعة مئات من الكيلومترات.
وفي الوطن يقوم أهلنا بتوسعة المسافة بينهم وبينه، وقد لا تصيبهم الدهشة وهم يشاهدون ممثلي الشعب تحت قبة البرلمان يتسابقون في إهانته، فمنهم من يرفض الوقوف تحية للنشيد الوطني، ومنهم من يحتقر العلم بألوانه الزاهية التي تخفق في القلب قبل أن ترتفع فوق السارية، ومنهم من يرى جنسيته عقيدته فيلغي الآخرين الذين لا يدينون بعقيدته.
الطائفية والمذهبية والجبهوية الدينية حالات متعددة من الكراهية حتى لو أقسم أصحابها بأن إيمانهم ممهور برضا السماء، لذا فالعدو يعثر بسهولة على متعاونين من بين الطوائف المذهبية والدينية لأن الضمير الديني على أهبة الاستعداد لتقديم تبريرات في لي عنق الآيات المقدسة.
الطابور الخامس غالبا ما يكون مواطنين تحركوا قليلا أو كثيرا ناحية مشاعر الطائفية أو الجماعة أو الأقلية العرقية، لذا كان أكبر مشهد تحقيري يؤكد أن الوطن والطائفية نقيضان لا يلتقيان إلا لـِـماماً صورة مواطنين مصريين تعلموا على أيدي جواسيس نائمين أن يدوسوا بأحذيتهم القذرة على عــَـلـَـم بلادهم.
التيارات الدينية في العالم العربي لا تختلف عن جحافل الغزو ، وفي أقل من عام من حُكم الإخوان كانت تل أبيب ترقص فرحة بمرسيها، وواشنطون تسترخي لأن رجالها حلوا محل جمال عبد الناصر في القصور الجمهورية، وبؤر الإرهاب تناثرت على رمل سيناء، وميليشيات مسلحة وملثمة تستعرض عضلاتها في كل مكان، ورئيس متخلف عقلياً كلما زار بلداً هبط بالمصريين درجة وترك انطباعا أن ديمقراطية صندوق الانتخاب تعني اختيار الأجهل.
المهاجرون الذين يشاهدون وطنهم من الخارج يعانون غربة مواطنيهم في الداخل ، والسوري والعراقي واليمني والمصري والليبي والسوداني والتونسي الهائمون على وجوههم في شوارع باريس وجنيف واستوكهولم وروما وسيدني وهيوستون وبرلين وأثينا وكوبنهاجن يعيشون عذابات الوطن مضاعفة حتى لو لم يكن من بينها أمن وسكن ورغد العيش وأسرة وأولاد وصحة وعلاج و ....
اللصوص المحترفون يسرقون من المواطنين كتبهم المقدسة قبل أن يستولوا على الوطن، ويزعمون أن ملكية الأرض حصلوا عليها بموافقة السماء، فإذا وصل الكذب والتزوير والتزييف إلى أقصى المدى أقسموا أن الله شاهد على أعمالهم ويخفون حقيقة أن رب الكون العظيم شاهد على جرائمم.
لو أخفى كل العرب خلف ظهورهم ولمدة عامين فقط المذهب والدين والطائفة والعقيدة والحزب والفرقة والجبهة والجماعة لأسقاهم الله ماءً غدقاً، ورزقهم من حيث لا يحتسبون.
كلما حدثني عربي عن تقواه وإيمانه وتمسكه بعقيدته رأيت بوضوح دماءً تسيل من أنيابه.

العقيدة الوحيدة التي تقف مدافعة عن الوطن والمواطنين هي الصمت ، وما عدا ذلك فمزايدة دينية قبل قطع رقاب خصومهم.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 30 ديسمبر 2013

02‏/09‏/2018

الحياد المنحاز ومأزق المنتدىَ!


    الحياد المنحاز ومأزق المنتدى

قليلة هي المطبوعات التي تُجبرك على احترامها حتى لو اختلفت مع نهجها، ونادرة هي المطبوعات التي تستقطب المثقفين والمفكرين والمبدعين على اختلاف مشاربهم وأفكارهم واتجاهاتهم. وقد شهد وطننا العربي بعضا منها فأثرت الفكر العربي، وساهمت مساهمة كبيرة في تثبيت الوعي وعرض مختلف الآراء بصورة عقلانية تناسب فكر مشارف القرن الحادي والعشرين.
فكانت “الدوحة” القطرية و” الفيصل” السعودية و “ العربي” الكويتية و “ الناقد” اللندنية وغيرها.
وقد واصل بعضها مسيرته، صعودا وهبوطا، بحسب المناخ الثقافي المسيطر علي الفكر العربي.

وفي الأعوام الخمسة الماضية عرفت أقلام المفكرين طريقها إلى مطبوعة ثقافية جيدة يصدرها منتدى الفكر العربي في العاصمة الأردنية عمّان، ويشرف عليها الرجل الثاني في المملكة الهاشمية الأمير الحسن بن طلال. ولكن بصمات الدكتور فهد الفانك والدكتور سعد الدين إبراهيم واضحة كل الوضوح في نهج المطبوعة من صفحتها الأولى إلى غلافها الأخير.
وقد قامت” المنتدى” وهو اسم المطبوعة، بدور كبير في بلورة الوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي لدى قطاع عريض من القراء وكانت تنشر أخبار منتدى الفكر العربي وتجتذب الحاضرين ندواتــــه، والمشاركين في أعماله. وقضية الثقافة العربية كانت سهلة وواضحة ما انفك المثقف العربي يدين الإمبريالية ويهاجم الصهيونية ويكتب عن حقوق الإنسان العربي وضرورة احترامها.

إلى أن جاء الخميس الأسود، أو يوم القيامة الكويتي، وانشق المثقفون العرب وانفرط عقد التضامن العربي، وزلزل الضمير العربي زلزاله واكتشف المثقفون والمفكرون والمبدعون في “المنتدى” أنهم جزء من النظام العام الأردني وأن هناك خطوطا حمراء كثيرة لم يتبينوها من قبل، وأن عشرات المقالات والندوات والمحاضرات والأحاديث عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والأخلاق والعروبة والشرف وقيمة المواطن، وما إلى ذلك، لم تعد لها فائدة لأن الحقيقة المُرّة مغايرة تماما لكل تنبؤات أصحاب القلم، ومثقفي الأمة. 

وهذه القضية بالذات ليس فيها حياد، ويخطئ من يظن أنه يستطيع الرقص على الحلبتين معا وفي الوقت الواحد.
الذين تابعوا” المنتدى” منذ صدورها سيدهشهم أمر عجيب حقا، وهو أن منتدى الفكر العربي ينشر دائما في مطبوعته أسماء المتبرعين وقيمة التبرع سواء كان من أفراد أو مؤسسات.
وتقرأ الأسماء فتجد من بينها:
لجنة المصاريف الكويتية  -  معهد الأبحاث العلمية  -  بنك الكويت الوطني  -  الدكتورة سعاد الصباح  - صندوق النقد العربي ـ الكويت، غرفة التجارة والصناعة ـ الكويت  -   بنك الكويت الصناعي وعشرات غيرها من الشخصيات الكويتية والمؤسسات الوطنية والخاصة، هذا فضلا عن مسابقة الإبداع الفكري التي نظمتها الدكتورة سعاد الصباح للمنتدى وتبرعت بقيمة الجوائز الممنوحة للمتسابقين.

معنى ذلك أن الكويت كانت السبــّـاقة دائماـ كالعادةـ لنشر الثقافة العربية ولم تبخل على المنتدى، بل إن الفضل في استمرار هذا الصرح الفكري الكبير يعزى إلى بترول الخليج العربي.
ونالت الكويت جزاءها شماتة في العدوان العراقي، وإهمالا من الذين أوقفتهم على أقدامهم.
وصدر عدد أكتوبر من “ المنتدى” في محاولة للوقوف على “ الحياد في الجانب العراقي” أو عرض وجهات النظر المختلفة شريطة أن تتفق مع النهج العام في الأردن. 

وهكذا أصبح للثقافة العربية وجه يعبر عن” الحياد المنحاز”، وتفتقت العبقرية العربية لمثقفينا عن هذا النوع من خداع النفس.
ويكبر الحزن في النفس لاختفاء “ منتدى الفكر العربي”، على الرغم من إصرار القائمين عليه على أنه مازال موجودا على الساحة العربية. واستقال الدكتور سعد الدين إبراهيم، واعتذر كثير من المثقفين أصحاب الضمائر الحية عن المشاركة في نشاطات المنتدى، وسقطت قلعة أخرى من قلاع الثقافة العربية.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو ( من أرشيفي عن الغزو العراقي للكويت )

01‏/09‏/2018

مثقفون مع وقف التنفيذ! ( من أرشيفي عن الغزو العراقي للكويت )

مثقفون مع وقف التنفيذ!

أوسلو في 3 ديسمبر 1990

كارثة الغزو العراقي لدولة الكويت العربية المستقلة فجّرت قضية من أخطر القضايا التي واجهها المثقف العربي في هذا القرن، والتي لم تستطع حتى القضية المركزية العربية في نصف القرن المنصرم أن تطرحها بهذه الدقة، وذلك الوضوح.
إنها قضية مفردات الثقافتين العربية والإسلامية وكيفية استدعاء المفردة أو المصطلح من قــِــبـَـل المثقف، ليس انطلاقا من قيمتها وضرورتها ولكن بحسب حاجة المثقف ورغبته في تطويعها لتناسب فكره، وتخفي ضعف منطقة، وتَحلّ فكر عاجز أمام قيمة أخلاقية لا مخرج من عدم الالتزام بها إلا اللجوء إلى " لعبة المفردات".

حتى أشد المثقفين غوصا في قضايا الفكر، وتأملا في مشكلات الوطن لجأ إلى " لعبة المفردات" عندما واجهته قيمة أخلاقية وأراد الهروب منها مع الاحتفاظ الدائم براحة الضمير، التي تأتي عادة إثر حسم فكري ـ حقيقي أو زائف ـ مع القيمة الأخلاقية.
هكذا أنهى مثقف كبير وصحفي ناجح ورئيس تحرير إحدى أفضل المطبوعات العربية في المهجر مقاله الافتتاحي في أحد أعداد المجلة حيث قال"...وعلى الكويت أن تطرق باب العراق..". خداع واضح للنفس يُحَرّم فيه صاحبنا على القوى الأخرى المستضعفة( الفلسطينية مثلا ) أن تلجأ إلى جلاديها ومغتصبي أرضها لتطرق أبوابهم، أما الكويت فعليها أن تطلب الرحمة من أبشع احتلال عرفه وطننا العربي في العقود الأخيرة.

وتتكرر المأساة مع عشرات، بل ومع مئات من رجال الفكر والإعلام والثقافة وقوى الإبداع العربية، لأن قاموس " لعبة المفردات " في متناول الجميع والأمر لا يحتاج إلى عناء كبير.
يكفي أن يقول لك إنه " لا يقف مع أمريكا ضد صدام حسين العربي المسلم" ويظن أنه أتاك بحجج دامغة يزهق بها باطلك كله.
فإذا حدثته عن الاحتلال والاغتصاب والتدمير والإعدام وتشريد شعب وتحطيم اقتصاده ونهب ممتلكاته واحتجاز الآلاف من أبنائه وضيوفه رهائن أو معتقلين، فإن المثقف العربي قادر تماما على سدِّ أذنيه وعقله وقلبه عن حديثك، ثم يبدأ في سرد ما يطلق عليه" تصرفات الشيوخ والأغنياء العرب في لندن وجنيف و..بانكوك". وقاموس" لعبة المفردات" هو الذي بقى لهم بعد أن "مرمط" بهم ميخائيل جورباتشوف الأرض وأنزل أوثانهم كلها، ماركس وانجلز ولينين وستالين و...من عليائها وأعلن انتصار القمح على البروليتاريا، وفضل مشاهدة مايكل جاكسون على الباليه الروسي، واكتشف أن متعة القراءة لجراهام جرين لا تقل عن متعة قراءة جوركي وتشيخوف.
قبل كارثة اختراق العراق للضمير العربي واحتلال دولة الكويت كان الأمر سهلا لا يحتاج إلى أي عناء، ومن حق أي مثقف أو مفكر أن يسب ويلعن الاستعمار وأعوانه وأذنابه، ومـَـلــَـك حق المزايدة كل من تعلم حروف اللغة العربية أو بعضها فأضحى كل المثقفين مناضلين، وأصبح جل الخطباء زعماء، وأمسى المفكرون أصحاب نظريات في كل أنواع النضال، من تشي جيفارا إلى أورتيجا ومرورا بكاسترو وأنور خوجة وجورج حبش وميشيل عون وحسن الترابي وأحمد بن بله.

مزاد علني يربح فيه البائع والمشتري مادامت القضية الفلسطينية هي الميزان الوحيد الذي يزن به المثقف حسناته وسيئاته، حتى عرَّاب الفلاشا، جعفر النميري، وصفه مناصروه بالمناضل الكبير. والآن أصبح للعرب قضيتان  مركزيتان، فلسطين، والكويت.
الكويتيون يطالبون المثقفين العرب بتحديد مواقفهم، وعدم الوقوف قَدَمًا مع الغزو العراقي وأخرى... مع المتعاطفين على استحياء مع الكويت. والمثقفون العرب فاجأتهم قضية الغزو الهمجي العراقي، فهم في حاجة إلى أموال الخليج وإلى حماية العراق، وهم ضد أمريكا ويلهثون وراء التعاون الخفي مع واشنطون.

في وائل الثمانينات نشرت صحيفة" لوموند" الفرنسية مقالا جيدا عن كتاب المفكر برهان غليون المعنون" بيان من أجل الديمقراطية" قالت فيه"... صدر هذا الكتاب وتم منعه ومصادرته في جميع البلاد العربية دون استثناء". وقتها انتشيت فرحا وأسرعت بشراء الكتاب.
ومنذ وقت قليل أصدر نفس المفكر كتابه الرائع" اغتيال العقل العربي"، ولكن الاحتلال الهمجي العراقي للكويت قلب الطاولة على اللاعبين وأصبح المثقفون ملتزمين بموقف ثابت وجريء وأخلاقي...
ماذا فعل عشرات المناضلين وأصحاب النظريات الرائعة عن حقوق الإنسان والديمقراطية العربية وحرية الفكر والإبداع؟
سقط كثيرون منهم، ولجأ عدد كبير إلى " لعبة المفردات" لعلها تُرضي عنه جنود الغزو الهمجي، وتحفظ لهم خط العودة مع الخليج عندما تتحرر الكويت.
ولنكن صرحاء!
ألم تتحول الثقافتان العربية والإسلامية في أسمى صورهما إلى تراكمات من العفن في عقول عدد كبير جدا من مفكرينا ومبدعي لغة الضاد وحاملي لواء العروبة والإسلام؟

فائدة واحدة جنيناها من الغزو المغولي العراقي لدولة الكويت الآمنة، وهي أنه نزع ورقة التوت من على سوءات المثقفين العرب، ولم يُبْق غير لعنة التاريخ.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو  في 3 ديسمبر 1990 ( من أرشيفي للتذكير)

قراءة في الموقف الكويتي ( من أرشيفي .. لئلا ننسىَ)


قراءة في الموقف الكويتي
أوسلو في مارس 2003

مع بدء كل موسم حروب عربية أو مشاكل في الخليج أو انخفاض أسعار النفط؛ يشتعل سوق عكاظ العربي بكل من يريد أن يشتم أو يتهم الكويت أو يبحث عن كبش فداء لفشل الأنظمة أو الاجتماعات أو أي هزيمة تلحق بالعرب.

هكذا بدأ النظام الفاشي في العراق بعد انتهاء حرب المليون قتيل إيراني وعراقي؛ فوجّه اتهامات حمقاء إلى الكويت على أمل أن تتنازل الديرة عن مليارات من مستحقاتها على النظام البعثي التكريتي.
وتوالت الاتهامات؛ وكل من يفشل أو يأكل الفساد مشروعاته؛ أو تستصرخ بطون شعبه النظام يوجـِّـه سهامه إلى الكويت باعتبارها كما قال أبو عمار للشاعر الكبير أحمد السقاف: أم العرب والفلسطينيين؛ رغم أن ياسر عرفات نفسه تعاطف مع سفاح بغداد.

الجنود الأمريكيون في كل دول الخليج وفي الأردن ويعبرون قناة السويس ويتلقون دعما سريا من ليبيا ومخابراتيا من تونس وتعاطفا من المغرب وتقديرا من الجزائر؛ لكن الكويت هي كبش الفداء لإخفاء معالم الهزيمة العربية؛ فيبحثون عمن أتى بالجنود الأمريكيين إلى خليجنا العربي الدافيء!
في منتصف الثمانينيات كانت الكويت؛ بنفس شرعيتها الحالية لآل الصباح الكرام؛ أكثر دول المنطقة استقلالية في القرار؛ وتحديا للقوى الكبرى؛ وساحة لمعركة الفلسطينيين ضد الكيان الصهيوني؛ وسندا للعراق العربي في الحرب المجنونة.
والكويت هي التي اطلقت مارد الحرية والديمقراطية في المنطقة رغم توغل العادات القبلية ورفض أنفاس الحرية من كل الزعامات العربية.

والكويت لم تقم باستضافة القوات الأمريكية على أرضها؛ لكنها النهاية الطبيعية للعجز العربي في مواجهة النظام العدواني الفاشي في بغداد؛ وخطاب صدام حسين الذي أدّعىىَ فيه أن العراق اعتذر عن غزو الكويت ليس بعيدا؛ لكن العرب في ثقافة الفضائيات والمراسلين من بغداد توهموا أنه قدَّم اعتذاره فعلا للكويت؛ وقليل منهم من فهم أنه توعد بغزو جديد بعد أن فشل الأول عام تسعين؛ وانكشف أمر الثاني عام أربعة وتسعين؛ وكاد الثالث يتحقق عام ستة وتسعين.

نظام طاغية بغداد يعيش أمَّ المعارك؛ ويخطط لاحتلال الكويت ولو بعد حين؛ ويقوم بتعبئة العراقيين بكراهية الديرة، ويحرض على واحد من أهم ينابيع الديمقراطية والحرية والشورى والتسامح..  أعني حُكم آل الصباح الكرام.

الذين يتهمون الكويت بأنها فتحت ذراعيها لقوات الغزو الأمريكية وهم على مبعدة كيلومترات معدودة من قاعدة العديد القطرية يكشفون عن جهل شديد بأحداث المنطقة؛ ولو وقف العرب كلهم منذ هزيمة شيطان بغداد مع شعبنا العراقي، وقاطعوا النظام، وحاربوه في كل مكان، وحرّضوا الشعب العراقي، واستضافوا كل قوى المعارضة 
 لما انتهىَ الحال إلى ما نحن عليه الآن.
ولو كان هناك قرار عربي بالإجماع على عدم استضافة جندي أمريكي على أرض عربية مقابل انهاء التهديدات العربية ضد الجيران والأشقاء لخضعت الكويت والتزمت قبل كل أعضاء جامعة الدول العربية.

أين الذين يتهمون الكويت من مشكلة احتجاز ستمئة مختطــَـف ورهينة في بغداد؟
أين هم كذلك من حالة الحرب النفسية والتعليمية والثقافية التي أعلنها طاغية بغداد؛ وبدا كأنه على وشك أن يقوم باعادة غزو الكويت قبل أن ينبلج فجر اليوم التالي؟
أيّ دولة تنعم بالأمان والسلام والديمقراطية وتكاتف أبنائها ودعم كل أفراد الشعب للسلطة الشرعية الحاكمة يمكن أن تتحمل الخوف والخشية ورفع درجة الاستعداد لسنوات طويلة قبل أن يقوم مجنون بغداد الفاشي بهدم المعبد على نفسه وعلى كل دول المنطقة.

نحن لا نبرر للكويت وجود نصف الجيش الأمريكي في الخارج على أرضها؛ ولا ندين الكويت صاحبة التاريخ الناصع والقومي والوطني والأيدي البيضاء الخيّرة على العرب كلهم، والمواقف المشرّفة رغم كل من طعنها في الخلف وتآمر عليها وتحالف مع خصومها.
لو كان هناك نظام عربي آخر غير الكويت الصغيرة، وتلقى من التهديدات والغزو والغدر وتبديد الثروات التي نهبت خلال شهور الاحتلال وإشعال آبار البترول وإحياء أوهام إعادة الغزو كلما غضب النظام في العراق؛ لما تردد في استضافة الجيش الأمريكي برمته وحلف الناتو والمرتزقة، وربما رفض عبور أي لاجيء عراقي لأرضه، لكن الكويت تظل في أحلك الظروف وأصعبها وأقساها جزءا من الأمة العربية، ولها فضل على العرب جميعا من بيروت ودمشق إلى القاهرة وعمّان والرباط وتونس وكل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.

لو لم تكن الكويت مضطرة لردع العدوان وانهاء التهديد العراقي، وعدم التغريد خارج السرب العربي الذي يحلق بأجنحة أمريكية لكانت آخر دولة عربية تستضيف قوات أجنبية؛ فهي التي رفضت رفع الأعلام الأمريكية على سفنها عندما كان العرب يحجّون للبيت الأبيض.
إن التشكيك في الموقف الوطني والقومي الكويتي لا ينفصل عن التعاطف ولو على استحياء مع جمهورية الخوف العراقية.

ومن يعرف الكويت جيدا لا يداخله أدنى شك في رغبة الكويتيين جميعا؛ بمن فيهم السلطات الثلاث، على رحيل كل جندي أمريكي بمجرد زوال خطر صدام حسين.
والكويتيون ليسوا ساذجين ليتصوروا أن الجيش الأمريكي جاء لحمايتهم، وأنه يحمل المَنَّ والسلوى، لكنهم اختاروا أسوأ الشريّــن؛ أو بالأحرى لم يختاروا، والرفض كان يعني أمريكيا تسليط طاغية بغداد عليهم كما فعلت السفيرة الأمريكية السابقة في العراق.

والكويتي ليس ممن إذا اتقى عضاضَ الأفاعي نام فوق العقارب، وما أشد حاجة الكويت الآن لنا جميعا لعل الجحيمَ ينتهي قريبا.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو ( مارس 2003 )


القاتل الحقيقي فاعل خير!


القاتل الحقيقي فاعل خير!

لو كان هناك تقدير مادي ملموس للخسائر النفسية والوجدانية والآلام والأوجاع والأحزان والدموع والقلق والاكتئاب وكوابيس تطارد أطفالا أبرياء بدلا من أحلام وردية جميلة بسبب غياب الأسرى والمرتهنين والمحتجزين الكويتيين في سجون الظلم والبغي في عراق شيطان بغداد، فربما بلغت الخسائر من ثروة الكويت مثنى وثلاث ورباع وكل احتياطي الأجيال القادمة!

ومع ذلك فما يغضبني ويؤلمني في هذه القضية الانسانية هم السماسرة والوسطاء والكاذبون والمنافقون والمحتالون الذين عبثوا في النفس الكويتية الجريحة، واستغلوا عواطف أمومة وأبوة سامية لنصب شباكهم في أخطر قضايا الابتزاز العاطفي الذي تعرضت له الكويت.
كل من هب ودب كان يعرض وساطته، ويدعي أن أجهزته الخاصة وجواسيسه ورجاله ومصادره تؤكد وجود الأسرى الكويتيين أحياء؛ فوقف في صف بلغ طوله أكثر من عقد من الزمان رؤساء ووزراء واعلاميون ومثقفون ورؤساء أحزاب ودبلوماسيون ، ولم يتخلف عن الصف محتالون في شوارع  الأردن واليمن ومصر وسوريا وعواصم الدول الأوروبية يزعم كل منهم أن له صديقا كان سجينا في بغداد وقابل بعض الأسرى الكويتيين.
عمل خسيس وحقير ويعبر عن نفس في أسفل السافلين.

كان الأسرى الكويتيون في عداد الشهداء، وتمت تصفيتهم بأيدي زبانية النظام الفاشي، وكانت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والغربية والعربية تعرف كلها، أو أكثرها، أن أبناء الكويت المحتجزين صعدت أرواحهم الطاهرة إلى رب العرش العظيم.
لا أصدق ولا أستطيع أن أمنع عقلي من تكذيب أكثر الذين عرضوا وساطتهم من الملك الراحل الحسين بن طلال مرورا بالدكتور عصمت عبد المجيد وليس انتهاء باللواء وفيق السمرائي وسعد البزاز وأقطاب المعارضة العراقية والسفير الأمريكي في الكويت.
إن عواطف الكويتيين ليست للبيع أو العبث بها أو ابتزازها أو السخرية منها؛ وينبغي أن تصدر الكويت بمساعدة مركز البحوث والدراسات الكويتية كتابا مدعوما بالوثائق والقرائن والأسماء عن كل الذين توسطوا في قضية الأسرى والامتيازات التي حصلوا عليها؛ ثم تفنيد الادعاءات كلها ليتبين الحق من الباطل، والصادق من الأفاك.

يجب أن لا تستثني الدراسة زعيما أو ملكا أو رئيس وزراء أو سفيرا أو إعلاميا كبيرا أو حتى صديقا للكويت، وهذا لعمري أقل وفاء ندفعه لأرواح الأسرى الشهداء وأحزان أهلهم وأحبابهم وذويهم التي عاشت في أوهام عودة أبنائها ظنا منهم أنها تمنيات ستتحقق بالدعاء والوساطة ودفع المال.
كل من سخر من عواطف الكويتيين وكان يعرف مصير الأسرى ثم صمت؛ أو توسط، أو لم يقل الحقيقة فهو مجرم، ومشترك ولو بنسبة ضئيلة في جريمة تصفيتهم.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو ( من أرشيفي في 2004)


لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...