20‏/08‏/2018

فلسفةُ مجدي في نِصْفِ النجاح!


فلسفةُ مجدي في نِصْفِ النجاح!

لم أعرف مثل مجدي ابني ( 34 عاما ) يفرح بحصوله على جائزة كما يفرح بعدم حصوله عليها، فكل الأمور خاضعة لفلسفته التي يتجه بها نحو السلام الداخلي.
أول أمس ( 18 أغسطس 2018 ) حصل فيلم وداعا مونتبلـّـو الذي صنعته فرقة كاربيديم الموسيقية على جائزة أفضل شكل( دزاين ) من أربع جوائز كان مرشحا لها في مهرجان آماندا السينمائي، وهو أكبر مهرجان سنوي للأفلام النرويجية، ويعتبرون جائزته أوسكار النرويج.
قلت لمجدي: مبروك لحصول الفيلم على جائزة وكان مرشحا لأربع جوائز!
كما يمسك المتحكم في حياته بأكثر خيوطها ويربطها أو يفكّها، يمدّها أو يجدلها، فمجدي الذي درس الفلسفة في جامعة أوسلو أضاف إليها منذ تكوين الفرقة الموسيقية سلاما مبهجا يفرح به لنفسه كم يفرح للغير.
ردّ قائلا: بل أنا سعيد بحصول الفيلم على جائزة واحدة لأننا حصلنا بفضل الله على عشرات الجوائز في عشرين عاما، وأفضل فرقة موسيقية لموسيقى الراب في تاريخ النرويج، وتذاكر حفلاتنا تنتهي قبل أن يبدأ بيعها، وأصدرنا كتابا حقق نجاحا مذهلا، وجازفنا بفيلم غنائي لم تشهد النرويج مثله في الإقبال عليه، والفرقة الوحيدة التي غنت باللغة النرويجية في حفل توزيع جائزة نوبل للسلام، واستعان بنا الملك بعد مذبحة يوليو 2011 ليعم السلام بين الشباب، وننتظر تسلمنا المسرح الضخم الذي اشتريناه، أنا وشيراك زميلي ( وهو نرويجي من والدين هنديين).

لقد اقتحمنا عالم السينما لنقف على قدم المساواة مع ممثلين ومخرجين ومصورين قضوا جل أعمارهم في العمل بالفن السابع، فجائزة واحدة لنا تجعلنا معهم؛ ولكن تظل المسافة بعيدة لئلا تظهر مشاعر غيرة نحونا لأن السينما ليست تخصصنا.
ثم قام مجدي بفلسفة نجاح الغير لصالحه، فهو يرى الجلوس على القمة ليس نجاحا ولابد من السكون، والحركة، الصعود قليلا والهبوط أقل، مساواة السعادة الشخصية بالفرحة لحصد الآخرين جوائز حتى لو كانت من حق مجدي وشيراك.
مجدي دخل معارك تُهلك، فخرج منها أصلب، منها مع رئيسة الوزراء إثر وصفها آريل شارون برجل الدولة العظيم، ويغني للتسامح والمحبة والمساواة وضد الإرهاب ولصالح فلسطين، وغنى في الكنيسة أمام القيادات الكنسية أغنية بدأها ( أنا مسلم ) فبكت النرويج معه.

وغنى ضد العنصرية والتمييز ولصالح الصليب الأحمر وحقوق الإنسان واللاجئين. وغنى لزوجته فسقطت دموع مستمعيه كأنهم هم العاشقون.
إذا تحدث شخص مع مجدي فسيحسّ بالسلام في الصدر كأنه بهجة داخلية. أب وابن وزوج وأخ يدمج المحبة بالإنسانية، فإذا فعل الخير فيسعد عشرات الأسر والعائلات في مصر رغم أنه نرويجي المولد والجنسية والحياة ولا يعرف لمن ذهب الخير الذي أرسله.
قال لي: النجاح الزائد عن الحد المعقول تتكبر به النفس، وتتوسع المسافة بينه وبين الغير، وعندما احتضن مغنيين صغيرين في فرقته وشيراك، تراجعا، حتى في أفيشات الإعلانات الغنائية، حتى حصد الشابان النجاح، فيشعر مجدي وصديقه بغبطة نجاح الشابين المنضميّن للفرقة.

لهذا يؤمن مجدي أن مساعدة آخرين على الصعود هي نجاح له ولشيراك!
كتبت الصحف النرويجية عدة مرات بأن مجدي المثل الأعلى لعشرات الآلاف من الشباب النرويجي. متابع جيد في كل دقيقة لأحداث العالم، وقاريء نهم، ويقول الإعلام النرويجي بأن لغة مجدي النرويجية قوةٌ لا يُستهان بها، وكذلك انجليزيته، فضلا عن إسبانية تعلمها في كوستاريكا، ويتحدث معنا العربية .
مجدي يكره الخمر كراهية شديدة ويرى أنها تُذهب بالعقل والزواج والتربية، بحكم عمله الموسيقى ومشاهدته لحرب الخمر ضد عاقريها ومدمنيها.
متعتي الكبرى عندما أشاهد مجدي وهو مع أطفاله، تربويا ولغويا وسلوكيا، فهو مدرسة في البيت.
عندما عُرض عليه أن يقيم حفلا غنائيا أمام أهرامات الجيزة لصالح مصر وستتحدث عنه الدول الإسكندنافية، وافق على الفور وقال لي بأنه سيكون مجانا من أجل مصر .. بلد والده.
لكن عرضه السخي توقف من الطرف المصري، فوالده يكتب عن هموم مصر ويُعكّر صفو الكبار، رغم أن مجدي لا علاقة له بالسياسة في مصر، ولم يتلق كلمة شكر واحدة! مبروك لمجدي وشيراك الجائزة وفي انتظار جوائز المسرح( المسرح مكوّن من 104 غرفة ) بعد افتتاحه في سبتمبر إن شاء الله.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 20 أغسطس 2018 

https://www.youtube.com/watch?v=b1Lk3bSppII

18‏/08‏/2018

أوجاع المغتربين!

قراءة في فصول كتاب بقلمي منذ ربع قرن؛ نسيته في أوراقي و.. لم أكمله!
أصدرت 20 كتابا وبين يدي الكتاب رقم 21 قيد الطبع؛ وكذلك الرواية الأولىَ لي التي لم أنته منها بعد، وأحلم بوضع كتاب يحمل عنوان ( حياتي كنرويجي) أقص فيه حكايتي لأكثر من أربعة عقود هنا في النرويج، وأفكر في تكملة كتاب ( هموم المغتربين) .. وأحلامي الحقيقية لم تبدأ بعد رغم أنني أقترب حثيثا من عامي الثاني والسبعين!
أوجاع المغتربين!
الحلقة الأولىَ
غالبا ما تكون بدايةُ تحديدِ حُلمِ الهجرة محصورةً في حدثٍ مُعَيّن؛ قد يكون فكرةً طارئةً، أو حكايةً قَصَّها عائدٌ من جنةِ الخارج علىَ مُقيمٍ في جحيمِ الداخل، أو جملةً في روايةٍ عاطفيةٍ، أو حديثـًـا صحفيـًـا مع شخصِ حقق ثروةً طائلةً في بضع سنين بعد هجرتِه إلىَ وطنِه الجديد.
وقد تكون البدايةُ في خلافاتٍ عائليةٍ يقسم إثرها المرءُ أنْ يترك هذا البلدَ إلىَ غيرِ عودة. وقد تكون في ترسباتِ فكرةِ الهربِ من أزمةٍ اقتصاديةٍ، أو مطاردةِ الشرطة، أو التخلص من تبعاتِ الحِمْل العائلي، أو البحث عن السلام الداخلي!
وقد تكون البدايةُ محاولةَ الخروجِ من دائرةِ العملِ الروتيني القاتل، أو البحثِ عن مغامرةٍ عاطفيةٍ، أو الهروب من مغامرة عاطفية!
حُلم الهجرةِ لا يختلف في قليلٍ أو كثيرٍ عن التخدير البطيء الذي ينقل المرءَ بأسرع من صاحب سليمان، عليه السلام، الذي عنده علمٌ من الكتاب عن جنات الأرض والسماء دون أنْ يتحرك من موقعِه قيد شعرة.
عندما يسري هذا المُخَدِّر في الجسم والعقلِ معا؛ فقد أحْكَمَ لهما العقدةَ التي لا حَلَّ لها؛ عندئذٍ تصبح كلمةُ سفر أو مشتقاتُها عزيزةً علىَ النفسِ، قريبةً من القلبِ، مُلتصقةَ بالذهن. وإذا ذُكِرَتْ أمام صاحبِنا لا تتركه إلا علىَ حالةٍ من اثنتين: ميتٍ نصفه حياة، أو حيٍّ نصفه موت، وهو يتابع الكلمةَ وملحقاتِها وذيولـَها وأصحابَها كما يتابع العاشقُ العفيفُ بعينين نصفِ مُغلقتين اختفاءَ أثر حبيبتِه في الأفق وهي تبتعد رويدًا .. رويدًا!
وحُلمث الهجرةِ العربي إلىَ أوروبا والذي يراود ملايين من الشبابِ في المنام واليقظة، في الفقر والغِنىَ، في عُشش الصفيحِ وفي غرفِ نومِ أصحاب الملايين هو حُلْمٌ غيرُ قابلٍ، في غالب الأحيان، للكسرِ أو فُقدان البريق أو الاختفاء الكُلـّـي أو الجزئي.
حتى الذين يصبّون جَمَّ غضبِهم علىَ الغرب وانحلالـِـه الخُلقي وتحلـُّـل قـِـيَـمِه، وعنصريتِه البغيضة، وعصبيته الاستعلائية ضد شعوب العالم الثالث، وبرودة العلاقات الاجتماعية بين أفرادِه؛ حتى هؤلاء، يحلم كثيرٌ منهم بالهجرة. بل قد يكون أكثرَ تطرفــًــا في أحلامِه لأنَّ مبرراته في لعب دور المصلح المثقف الأكثر وعيـًـا، والقادر علىَ كبح جماح رغباته وشهواته تجعله مُقَدّما نفسَه علىَ الآخرين في أحقية السفر، سواء كان حُلما في الوطن أو واقعـًـا في بلد المهجر .. الوطن الجديد!
في نهاية الستينيات قرأتُ مقالا للكاتب الصحفي عبد الستار الطويلة في مجلة" روزا ليوسف" القاهرية يصف فيها الجدارَ السميكض الذي يفصل بين التمدُّن والتخلف، أو بين باريس عاصمةِ النور و.. القاهرة عاصمة الفاطميين. كان الكاتبُ الصحفي شاهدًا علىَ سيدة فرنسية شابة وجميلة تُهَرّول مسرعةً وبخفة الغزال إلىَ بابِ مترو الأنفاق في العاصمة الفرنسية. وقفزتْ المرأةُ قفزةً سريعة في الهواء قبل أنْ يغلق المترو أبوابــَـه، ثم التفتتْ إلىَ الوراءِ وهي تبتسم لطفلتها الصغيرة التي كانت تجري مسرعة نحو أمها! الأمُّ والطفلة تضحكان بصوت مرتفع عندما تتمكن الابنةُ من القفز داخل المترو، بعد أنْ بدأت فعلا الأبوابُ الأوتوماتيكية في التحرك. وينتقل عبد الستار الطويلة إلى القاهرة لأمٍّ تحمل طفلتــَــها فوق كتفيها وهي تَجُرّ ولدَيّن آخرين يبكيان، وكلهم مترددون في عبور الطريق إلى الناحية الأخرى.
ثم يصف الكاتبُ الصحفي بإسهاب صورَ التحضُّر في الغرب ونقيضَها من تخلف وانعدام الوعي وتفاقم الأمية والجهل في مصر!
هذا النموذج واحدٌ من عشرات الآلاف من النماذج التي ساعدتْ في تجسيد حُلم الهجرة والاغتراب بعيدًا عن الوطن. مئات من المقالات المدبلجة، والتحقيقات المُصَوَّرة، والأحاديث التي أجراها مقيمون مع عائدين ونشرتها الصحف مداعبةً خيالات الشباب، وجاعلةً أحلامهم كأنها قاب قوسين أو أدنى من التحقيق!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 18 أغسطس 2018
وإلى حلقة قادمة
Øverst i skjemaet

15‏/08‏/2018

رسالة من دود الأرض إلى الرئيس حسني مبارك، والردّ عليها!

رسالة من دود الأرض إلى الرئيس حسني مبارك!
أوسلو في 20 نوفمبر 2010 ( أي قبل الثورة بشهرين ) والرد عليها من دود الأرض
الرجاء قراءة المقال في زمنه مع طوله لمن استطاع إليه سبيلا!

السيد الرئيس حسني مبارك،
لوّ كانَ الصبرُ حَشـَرَةً لـَكـُنّاه، فمنذُ أنْ عَالَجَ الدكتور ماير في ميونيخ غضروفَك ونحن في حِيرةٍ من أمْرِك، فأبناءُ شَعْبِك يرفعون أيديَهُم إلىَ السماءِ راجين العليَّ القديرَ أنْ يَشْرُق صَباحٌ مصريٌّ جَمْيلٌ بدونكَ، فإذا بملايين الأدْعيَة التي تصل إلىَ سِدْرةِ المـُنْتَهىَ تخترق أيضا باطنَ الأرضِ وَتصُمّ آذانـَنا!
صحيحٌ أنه يتساوىَ لدينا الجميعُ، ونأكل في باطنِ الأرض موتـَاكُم بِغَضِّ النظر عن الدين والعقيدة والمذهب والجنسية، ولو اِلتفَ المَيّتُ في سبعين كَفَن لا جيوب لها، وفْقا لتعبيرِك الذي استخدمته من قبل ليكون دليلا على زُهْدِك في الدنيا، فوجبةُ الطعامِ التي نعيش عليها أربعين يومًا لا مَفَرَّ من الاستعدادِ لها إلاّ أنْ تُنَافسنا أسماكُ القرشِ أو حوادثُ الطيرانِ أو إذابة الجسدِ في حامض الأسيد كما يفعل بعضُ طغاتِكم ضد مُعارضيهم.

نحن لا نعلم الغيبَ، وبالأمس القريب قُمْتَ أنت بمصاحبةِ كمال الشاذلي، وودّعته قبل أنْ نتسلمه منكم، وأزحتَ عن ذهنِك أيَّ فِكرة تقوم بتذكيرك أنك آتينا ما طال بِكَ العُمرُ، وأنك لو جددتَ لولايةٍ سابعةٍ وتاسعة وعاشرة فلن تكون في يوم من الأيام وجبةً شَهية لدودِ الأرض، لكنك أخطأت، كعادتـِك، وظننتَ أنَّ قَصْرَكَ صَرْحُكَ، ومنه اِطـَّلَعْتَ إلىَ إلـَهٍ لم يَدُر بذهنِك قَطّْ أنك مُلاقيه، فوزارة ُالعدل في السماء ليست سلطةً قضائية تأتمر بأمرك.
عندما رفع كمال الشاذلي قضيةً ضد من سَرَّبَ شائعةَ وفاتـِه كان يشبهك تماماً، فَخَدَمُكَ وعبيدُك وكلابُ قَصْرِك يوهموك أنَّ صحتـَك خَطٌّ أحمر، وأنَّ جريمةَ إبراهيم عيسى عندما تجاوزها، وحَكـَمَ القضاءُ عليه بشهرين سِجْناً، كان ينبغي أنْ تنتهي بالمسكين إلى حبل المشنقة.

عاد أقدم برلماني مصري إلى بيتِه غاضباً، فالمرضُ كما تظنون أنتم الطغاة يحصد الفقراءَ فقط، وأنَّ باطنَ الأرض للغلابة و أيضا ليدفن فيه أحمد عِزّ نِفايات الحديد!
نتحدى أنْ يهمس في أذنـِك أحَدُ مستشاريك ويقول لك بأن آلافَ التعليقات على الإنترنت لم يكن من بينها من تَرًّحَم علىَ روح كمال الشاذلي، وأن أجَلَك إذا جاء فستتهتك أسلاكُ الهاتف، وتتعطل ستالايات الموبايلات التي يربح منها رجالُ ابنك مليارات، فالمصريون سيبعثون التهاني التي لم يعرف مثلها عيدا المسلمين و .. كريسماس الأقباط!

أرسلنا من باطن الأرض إلىَ سطحِها دوداً يتجول في أنحاء أم الدنيا لعله يأتينا بنبأ يقين، ونعرف أن حفـَّارَ القبور ستكون لديه مهمةٌ سامية، فهي المرة الأولى التي لن يكون بجانبك وزراؤك، وكتيبةُ النفاق، وسينزلق نعشُك بطيئاً .. بطيئاً، وستنتهي آلامُ ظهرِك تماما، ولن يكون في استقبالـِك غيرنا نحن دود الأرض.
عاد الدودُ إلى باطن الأرض وحَكَىَ لنا ما لم تـَحْكِهِ قَصَصُ الأوَّلين والآخرين من طغاة متغطرسين لم يقرأوا نهايات هتلر وموسوليني وسالازار وسوموزا وبول بوت وديفالييه، الأب والابن، وهيلاسلاسي ومنجستو هيلامريم وبينوشيه وباتيستا وجان بيدل بوكاسا وأنور خوجة وتشاوشيسكو وعيدي أمين دادا وجعفر النميري ومئات غيرهم سَحَلَ بعضَهم الذين اتَّبَعوهم، وبعثرتْ قبورَ البعضِ الآخرِ شعوبٌ لـَمْ يَشْف غضبـَها غيابُ طغاتـِهم في أحضانـِنا.

قالوا لنا بأنَّ المصريين يَصُبُّون حِمَمَ لعناتـِهم علىَ عَهْدِك الأغبر، وأنك إنْ جلستَ مُتَخَفيا بجوار أيِّ مصري في حافلة أو ترام أو مترو، فستسمعه يصيح أو يتمتم بكلمات تترجمها السماءُ كأنها دعوات باللعنة، ويترجمها رجالُ أَمْنـِك كأنها ثغاء غنمٍ أو ضغيبُ أرانب أو مأمأةُ خِرافٍ لا تؤذي ولا تخدش أو تَضُرّ!
قالوا لنا إنَّ رَبَّةَ أيِّ أُسرة مصرية تدعو اللهَ أنْ يحفظ أولادَها، لكنها لا تنسى أنْ تدعوه أيضا أنْ يُعَجّل في يوم الخلاص منك، وهو أيضا يومُ احتفالِنـا بنزولك وحيداً في قبر مُظلم ليس فيه أوامرُ أو تهديدات بِقَطْعِ رقبة خُصومِك أو سجون ومعتقلات تشهد جدرانـُها أنها سَمِعَتْ في عهدِك الأسّوَد صراخاً لمْ تسمعه في مئات السنوات التي مَرَّتْ علىَ أرضٍ حَكَمْتَها، وخَرَّبْتَها، وأفسَدتها، وسَلَطت عليها أوغاداً نهبوها، وهبروها، ومصمصوا آخرَ عودٍ أخضر في يَدِ يتيمٍ أو لقمة كادتْ تدخل فَمَ مسكين فخطفها شريكٌ لابنك أو أحد حيتان زمنك الكابوسي الجاثم فوق صدور المصريين لثلاثة عقود.

قالت لنا كتائبُ دود التفتيش بأنها تجولت في سجون ومعتقلات مصر كلها، وشاهدت ما يتبرأ منه الشيطان من ظلم، وفساد، وقسوة، وغلظة، ورأت سجناء مَضَت علىَ وجودِهم في الزنزانات أعوامٌ كثيرة دون أن يتم عرضُهم علىَ القضاء، وبعضهم قامت المحكمةُ بتبرئتهم، لكن وزارةَ الداخلية أعادتهم إلى المجهول مرة أخرى، وسمعنا أنهم يرجون اللهَ، ليلا ونهارا، أنْ يُعَجّل بأخذِك أخذ عزيز مقتدر، فالظلم الواقع عليهم جاء بمعرفة شخصية منك، ولا يتحرك عسكري أو ضابط أمن أو مخبر أو بلطجي أو مأمور قسم أو لص أو مُقترِض ملايين أو هارب من مطار القاهرة الدولي أو مُحتكر حديد أو مُسمم أرض زراعية أو مستولٍ عليها إلا بمعرفتِك، فأنت الأب الروحي لكل خراب في هذا الوطن الصابر.
لم يحدث من قبل أن تكدست السماوات السبع وأديم الأرض وباطنها بلعنات على زعيم مصري كما هي عليك، ولو سألتَ فقيرا مُعْدَماً أو مظلوما أو مواطنا انتهكوا حُرمَتَه أو حتى جدران قسم شرطة المنصورة أو سيدي جابر أو باب شرقي أو ..... لما سمعت غيرَ اسمِك وخوف إبليس أن يقولوا عنه بأنه وسوس إليك، فالعكس هو الصحيح.
سمعنا بقُرْب تَرَشُحِك لولاية سادسة تنتهي بالاقتراب من عامك التسعين، وهذا الترشح يحمل يقيناً منك بأن أجلـَك غيرُ آتٍ، وأن عشرات الآلاف من جرائمك في حق شعبك لم تراود ضميرَك لعلك تتوب، وأن ذكرياتك تَصُبّ في خانة واحدة وهي الغطرسة والغرور وكراهيتك المقيتة للمصريين.

السيد الرئيس،
ننتظرك في باطن الأرض بصبر نافد، وسينزلق نعشُك ولو سَجَّلَتْ عقيلتُك مِئَةَ حلقةٍ في الفضائيات تقول فيها بأنَّ صحتَك زيّ الفُل، ولن يخرج في جنازتك إلا حفنة من المنتفعين والأفاقين وبعض البلهاء الساذجين الذين يظنون أن للموت حرمة أكبر من حرمة الحياة.
اقرأ مرة أخرى ماذا كتب الناس عن كمال الشاذلي، ثم تخيل يوم يسابق خبرُ رحيلِك الريحَ، فلا تعرف الشبكةُ العنكبوتية غيرَ شهقات وزفرات الملايين الذين يتنفسون الصُعداء برحيلك.
ننتظر أيضا كل الصامتين والمشاركين في تصعيدك فوق رؤوس أبناء شعبك، ولن نفَرّق في باطن الأرض بين عُضو من حزبك وآخر وفدي أو اخواني أو قبطي أو تجمعي أو ضد الترشح أو مع الترشح، فكل من برر جرائمَك أو غضّ الطرفَ عنها أو شارك في اغتيال الشعب المصري تحت قبة البرلمان، مع الحكومة أو ضدها، سيكون جسده معنا قبل أن يقرأ كتابَه في يوم الحشر.

السيد الرئيس حسني مبارك،
تلك هي كلمات مضيفيك من دود الأرض، ولن ننتظر حتى يذوب كفنُك، لكننا سنبدأ فورَ توقف دموع التماسيح من عيون الذين ساروا في نعشك وهم يرتدون نظارات سوداء يُخفون بها حزنَهم على أنفسِهم و.. ليس عليك.
لم تُصَدّق أنك ستموت، وأنَّ شهقةَ الروح أسرع من طرْفَةِ العين، وأن مكانك في باطن الأرض أظلم من زنزانات في أقبية سجون ألقيت فيها آلافا من المظلومين وحَرَمْتَهم من حياةٍ أعطاهم إياها ربُّهم.
مئات المرات ونحن نحلم بوليمة أنت على رأسها، خاصة ذلك اليوم الذي قمتَ فيه بتوزيع أوسمة الاستحقاق على ثلاثة من ضباط الشرطة المتهمين بالتعذيب، واليوم الذي ودّع الحياةَ الشاب خالد سعيد، واليوم الذي قفز أبُ من الطابق الرابع بعدما فشل في العثور على لقمة خبزٍ لأولاده، واليوم الذي نام عجوز بين أيدي طلاب الطب ليتعلموا في جسده النحيل ما لم تُعَلّمَهم كتبُهم في مقابل جنيه لكل طالب، ثم عاد المسكينُ بطعام العشاء لأسرته، واليوم الذي دفن فيه صديقُ ابنِك نفايات الحديد تحت سطح أرض زراعية في دمنهور للتعجيل في تسميم المصريين الذين لم تصل إليهم مزروعات عهد يوسف والي، والتي ظلت عشرين عاما تُسَرّطن أبناءَ وطنك لتسعدك، وتبهجك، وتُثْبِت للشيطان أنه تلميذُك.

السيد الرئيس حسني مبارك،
نحن في انتظارِك حتى لو نشر رئيسُ تحرير أكبر صحيفة قومية بأنك أكلت من شجرة الخُلـْدِ ولم تهبط من جنة شرم الشيخ إلى حيث يعيش المصريون!
ليس للكفنِ جيوبٌ، ومع ذلك فكل دودِ أرضِ مصر الطيبة يريد حضورَ تلك الوليمة الكـُبرىَ التي لم تُصَدّق أنت أنك ستكون ضيفنـَا لأربعين يوما أو أكثر!
أيها الميّت الحي،
لقد بَلـَغَنا نَبأُ تبرئةِ إبليس نفسه من الوسوسة إليك، وقيل بأنَّ لديه ثمانين مليوناً من الشهود على صِدْقِ كلامِه، وهذا يضاعف فرحتَنا بقُرْبِ انزلاق جسدك في تلك الحُفرة الضيّقة التي لن تستطيع منها تجديد ولايةٍ رئاسية أو تعذيب أبناء شعبك.
للمصريين أعيادٌ إسلامية وقبطية ووطنية وقومية، أما يومُ اختفائـِك في باطن الأرض فهو عيدٌ لـَنا و .. لـَهُم.

أوسلو في 17 نوفمبر 2010
رد من الرئيس مبارك على دود الأرض

تسلمتُ رسالتَكم التي يوشي كلُّ حَرْفٍ فيها بتهديدٍ وتخويفٍ ووعيدٍ، ومع ذلك فقد قرأتها وانفَجَرْتُ ضَحِكَاً اِهْتَزَتْ له جُدرانُ قصر العُروبة، وهَرّوَل الجميعُ إلىَ مكتبي فقد ظنّوا بي مَسّاً من الجنون!
لم يَدُرْ بذهني لبُرهةٍ واحدةٍ أنكم قادرون علىَ الاقترابِ من كَفَني، فصديقُ ابني الذي وضع تحت إمْرَتِهِ مليارَ جُنيه لتلميعِه اِنتخابياً يستطيع أنْ يصنع لي مقبرةً من الكريستال البلّوري الذي يحميني منكم كما يحميني عشرات الأطباءِ بعياداتهم المُتنقلة من انتشار أيّ مرض، أو تفاقمه، أو حتى الأوجاع التي يسببها لي.
ثم ما هذا الهراء الذي تتحدثون عنه، وتخلطون ما بين كَفَنٍ مُهتريٍء مَليءٍ بالثقوب يلتف حول مواطنٍ فقير، مُعْدَم، حَرَمَه رجالي من لُقمةٍ تقيم أوده، وبين مقبرتي التي ستقف شامخة بجوار مقابر الزعماء المصريين، لكن أموالي التي جمعتُها بِعَرَقي، وتعَبي، وذكائي ستحميني تحت الأرض، ولن يخيفني ظلامٌ دامسٌ أو دُودٌ جائعٌ يحاول اختراقَ قبري فلا يفلح، ويعود أدراجَه إلىَ الفقراءِ وأكفانـِهم التي تذوب فَوْر ابتعاد حفـّار القبور.
تتحدثون عن توّبتي كما يتحدث المختَّلون عقليًا، والمعاقون ذِهنيّاً، والمتفلسفون الذين يظنون أنَّ ميزانَ العدالةِ في يدي يشبه موازينَهم المطففة رغم أنوفهم!

أعزائي دود الأرض،
تنتظرونني بصبر نافد، لكن مهارة أطبائي تمدّ في روحي تماما كما حدث في ميونيخ عندما تخيل الحاقدون أنني علىَ مرمىَ حَجَرٍ مِنْ الحَجَرِ، وأنه لن يمر زمنٌ غيرُ محسوب لسرعته حتى يتوقف البثُّ الإذاعي والتلفزيوني في مصر ليعلن نبأَ رحيلي، لكنني عُدْت إلى أبناء شعبي أقوىَ من قبل، وأكثر شراسة، وفتحت لحيتان عهدي وأصدقاء ابني مغارةَ علي بابا، وضاعفتُ في سنوات قليلة مَرْضَىَ الكبدِ الوبائي، وأصبح لدينا أكثر من 800 طبيب يقومون بنقل أعضاء من أجساد غير القادرين إلى أجساد أثريائنا لعل أعمارَهم تنافس عُمْرَ نوح، عليه السلام.

شهورٌ قليلة وأحتفلُ بعامي الثاني بعد الثمانين، وأجدّد في ولايةٍ سادسةٍ أكبرَ عمليةِ اِستغفال، واِستحمار، واِستجحاش، واِستنعاج أكثر من ثمانين مليونا من البشر.
قد يذهب بكم الظنُّ أنَّ الوليمةَ التي تنتظرونها يُعَجّل فيها غضبُ المصريين، وتُوَحّد المعارضة تحت سقف الكرامة التي لا تفرق بين مسلم وقبطي واخواني وتجمعي ووفدي وناصري ومستقل، لكنكم تستحقون فعلا الحياةَ تحت الأرض لأنكم تجهلون المشهد المصري المُذَلّ، والمـُهان، والذي صنعتُه لثلاثين عاما، فأصبح صِبْيَةُ الاستبدادِ أكثر َعَدَداً مِنكم.
قرأتُ كلَّ التعليقات علىَ رسالتكم الأخيرة ( رسالة من دود الأرض إلى الرئيس مبارك)، ولم يكن فيها جَديد، فأنا أعرف أنَّ شعبي كُلـَّه يحمل لي كراهيةً لو وزّعها علىَ كُل طـُغاة العالم لأغرَقَتْهم حُزْناً، وكـَمَدا، وأسَفا.

أعزائي دود الأرض،
إنما يبكي علىَ الحُبِّ النساءُ، وأنا أكبر من أن أتسوّل عواطف،َ ومشاعرَ، ومحبة، ومديحاً، بل أصارحكم أنني كلما أمعنت في تعذيب المصريين، وفَتْح أبواب تسميمِهم، وتعذيبِهم، ونهبِهم، واغتصابِهم، زاد الالتفافُ حَوّْلي، وخضعتْ لأوامري كلُّ مؤسسات الدولة، وبَلـَعَ أبناءُ أبطال العبور كرامةَ آبائِهم، واختبأ تلامذةُ رأفت الهجّان في جـِلباب وزير الداخلية، وتحوّل الإعلاميون إلىَ قِرَدَةٍ تقفز، وتضحك، وتكذب، وتبرر جرائمي حتى ظننت أنَّ النهر َالخالدَ سيُغَيّر مجراه ويصبّ في قصوري فقط لأتحكم في مياه الشرب قبل أن يرتشف منها أيُّ مصري رشفةً واحدة .
التوبة كلمة يعرفها فقط الخائفون من الله، والذين يريدون أن يشرق نورُ ربهم في يوم القارعة فيبتسمون وهُم يقرأون كتابَهم الملزم في أعناقهم، أما أنا فلا أكترث لهذا الكتاب الذي يقول الله بأنه سيُخرجه لي يوم القيامة منشورا.

الحياةُ بهجةٌ، وسعادةٌ، ولذةٌ، ومُتعةٌ، وأنا عشتُها طولاً وعرضا مستمتعا بما لم يفعله طاغيةٌ من قبلي.
أتذكر يوم قرأت عن المصري الذي أ لبسه رجالُ أمني ملابسَ النساء، وجرجروه أمام جيرانِه، وأحبابه، ووالدته، فأصابها الشلل.
أتذكر يوم تبجح أحد المصريين أمام مأمور القسم الذي هدده بأن يحرقه، ونام المتهم في سلام، ثم جاء ضابطنا الملتزم بتعاليمي، وصبَّ علىَ جسد الرجل كيروسينا في منتصف الليل، وأشعل جسده النحيل، ولم يتعرض لأيّ عقوبات، فالدولة كلها تحت حذائي، والقاضي الذي تمرد ركله ضابطنا بالحذاء على وجهه، فصَمَتَ أربعون ألف قاضٍ، ونام كل منهم على صوت شخير يشهد بأنه كان نوما عميقا.
أتذكر يوم أن طلب ضابطنا من مصري أن يلعق عضوه الذكري أمام زوجته وأولاده، ولم يتعرض رجل الأمن لكلمة عتاب واحدة، فأنا وحدي صانع هؤلاء و .. هؤلاء، أصنع السوط، وأصنع الظهر الذي أعَرّيه له! أصنع الكَفَّ، وأصنع القَفَا الذي يتمدد أمامه!

أعزائي دود الأرض،
كانت رسالة سخيفة منكم، فأنا باقٍ بذكريات عن فاقة، وآلام، وعذابات، وخوف شعبي، ومرت أمامي في ثلاثة عقود عشرات الآلاف من الكوارث التي لم أكلف نفسي القاء نظرة ثانية عليها، فأنْ يغرق آلافٌ، وأنْ يحترق مثلُهم، وأنْ تطحن المباني الساقطةُ أجسادَ المصريين، وأنْ تصرخ كل ربة أسرة من الغلاء، وأن يبكي كل عسكري شريف وهو يرى حدود فلسطين من غزة مُغلقة لنتيح الفرصةَ لتكسير عظامهم، وأن أبدد ثروة المصريين الغازية والنفطية لتتحرك عجلة الحرب العبرية فيتأدب الفلسطينيون وغيرهم، وأنْ يصاب بأمراض وبائية ثلثُ سكان مصر، وأنْ ينام عشرة ملايين طفل مصري ببطون خاوية بجوار أمهات تتساقط الدموع من مآقيهن التي كادت تجف، وأن تضربنا دول الجوار النيلي على أقفيتنا، وأن تسبق 98بلدا مصر في الشفافية، وأن تتجه الدولة حثيثا لتصبح مثل كاراكاس وريو دي جانيرو وجوهانسبرج في انعدام الأمن، وأن يتحول مجلس الشعب إلى خدم وعبيد يعملون لحسابي، وأن تتراجع السلطة القضائية فترتعش أيدي ممثلي العدالة السماوية على الأرض، وأن أشعل في كل قرية فتيلا للفتنة الطائفية حتى إذا غادرت مصر أسقطتْ ما بقي فيها حربٌ أهلية لا تـُبقي ولا تـَذَر وأن ...

فكل هذا يؤكد لكم، أعزائي دود الأرض، أن التوبة بالنسبة لي عمل لا يليق بتاريخي الذي لو قمت بوزنه مقارنا بما فعله إبليس المغرور الذي ظن نفسه أفضل مني، فإنني سوبر ستار ستقضون زمنا لا نهائيا وأنتم تنتظرونني.
الموت لا يزيد نبضات قلبي نبضة واحدة، وحساب الآخرة لا يحرك شعرة واحدة في جسدي، والخوف من الله وأنا أطحن عظام المصريين لم يمر بخلدي قط، وأنا لن أغادر هذه الدنيا قبل أن أجعل المصريين يزحفون كالسَحَالي فوق بطونهم، ويتمنون تسول طعامهم من أوغندا وتشاد وهاييتي ونيبال و .. الصومال!

أعزائي دود الأرض،
سينفد صبركم سريعا فأنا أحكم المصريين، وهم يتصارعون كالديكة، وكل فرقة تأتيني من خلف ظهر أختها لتؤكد وقوفها معي، واللاهثون لعضوية مجلس الشعب يعلمون أنها مسرحية قميئة عفنة، ففي النهاية يظل القرارُ بيدي، وهم ( سنـّيدة ) وكومبارس لا يختلف أحدهم عن الآخر.
سينفد صبركم لأن الغضب المصري يحتاج إلى قيادة، وإلى معارضة شريفة، لكن مُعارضي نظام حكمي يضعون رئيس الحزب فوق رؤوسهم، ومباديء الجماعة قبل حب الوطن، والمزايدة الدينية والطائفية على رأس أولويات مطالبها.
سينفد صبركم، أعزائي دود الأرض، فروحي بين أيدي أطبائي من أركان الأرض الأربعة، وأنا لست مصريا مثل هؤلاء الذين يموتون بالمئات قبل أن يتحرك عقرب الثواني حركة واحدة، ودرجة الغليان موحدة لدى شعوب العالم التي يحكمها جبابرة مثلي، لكنها سبعون ضعفاً أو يزيد لدى المصريين.
هل هناك مصري في طول البلاد وعرضها لا يعرف أنني المتسبب الأول عن كل أوجاع الوطن، وآلام الشعب؟
وبالرغم من ذلك فكلهم يدخلون معارك دون كيشوت ضد الوزراء والمحافظين ورجال الأعمال، لكن المعركة ضدي مؤجلة إلى درجة الغليان التي قد لا تأتي حتى يلج الجمل في سم الخياط.

أعزائي دود الأرض،
تريدونني ضيفا على أمعائكم في باطن الأرض، إذن عليكم اقناع المصريين أن لا يـُمدّوا في عمري، وأن لا يتواطئوا معي ويحسبون أنهم يُحسنون صُنـْعا!
اِئتوني بعشرة آلاف مصري يعشقون بلدَهم، ويخافون علىَ مِصْرِهِمْ، وأنا سأهرب من الباب الخلفي لقصر العروبة في حماية أمريكية إسرائيلية!
اِئتوني بخمسة آلاف مصري قلوبهم معجونة بلـُعاب مَلـِك الغابة، وأنا أقسم لكم أن رجالي، وكلابَ قَصْري، وحيتان عهدي، ولصوص زمن العبودية سيبللون سراويلَهم من الخوف!
أنا حيٌّ لا أموت، طالما كان المصريون أمواتا في صورة أحياء، وعندما تدُبّ الروح فيهم، تهرب مني، وأنزل ضيفا عليكم بعد سحلي في شوارع القاهرة!
تريدونني وليمة في باطن الأرض، إذن فعليكم باقناع المصريين أن الإنسان فيه من نفخة الروح العلوية، وحينئذ لن تكون هناك مقبرة فاخرة، وأكاليل من الزهور يضعها ابني ومعه رجال عهده في مستقبل جحيمي يجعل المصريين يتحسرون على جهنم زمني.

أعزائي دود الأرض،
إن مهمتي في خراب مصري لم تنته بعد، فانتظروني ست سنوات أخريات، وسيساعدني المصريون، معارضون وغيرُ معارضين، عسكر وأمن ومدنيون ومثقفون وإعلاميون ومفكرون وأكاديميون وحزبيون، فهم ينظرون في كل الاتجاهات، وإذا صوّبوا أعينَهم إليَّ، غضّوا الطـَرْفَ فورا.
في ولايتي السادسة سيكون انتقامي من المصريين أشدّ هَوّلا من كل صور العذاب التي مرَّت عليهم في تاريخهم القديم والحديث!
رسالتُكم وصَلَتْ، لكنكم ظننتم أن أجلي مثل آجال الآخرين، وأنَّ ضميري قد يستيقظ ذات صباح طاهر جميل يبسط جناحيه على سكان وادي النيل، لكنني باقٍ ولو زارني مَلَكُ الموت مرتين في كل يوم.
إن أحلامي في جعل الكوابيس تهيمن على يقظة ومنام كل مصري تمُدّ في روحي، وربما تجعلكم تنتظرون إلى ما لانهاية.
أوهام دود الأرض في استقبالي كتمنيات البلهاء في رحيلي، وأحلام الساذجين في توبتي مثل كوابيس المصريين في عجرفتي، واستجداءات الطيبين في عدالتي كثقة رجالي في قسوتي.

لو انتحيتم جانبا بشيخ الأزهر أو بابا الأقباط أو المرشد العام للإخوان المسلمين أو رئيس حزب التجمع أو رئيس حزب الوفد أو أي شخصية معارضة أو غير معارضة، واستحلفتموهم بكل الكتب السماوية وقيم الخير وحبهم لمصر أن يشهدوا أمام الله وضمائرهم، وأن يستحضروا ثلاثين عاما من حُكمي، وقبضتي الحديدية، وظلمي إياهم، وغيابات السجن التي يختفي فيها حواريوهم ومريدوهم، فإنهم في النهاية سيقفون معي، وسيؤيدون ابني حتى لو بعث اللهُ أنبياءَه يوم الانتخابات الرئاسية، فالنتيجة لن تخرج عن رغبتي، أما الدكتور البرادعي فسيطلب من الشعب الوقوف معه، وليس العكس، ثم يغادر القاهرة لحضور حفل أو اجتماع.
بحثت كثيرا عن معنى الموت، لكن لم يتجرأ أحد ممن حولي حتى الآن أن يحدثني عنه!
ولايزال المصريون بعيدين بُعْد المشرقيّن عن درجة الغليان، فالصدور والقلوب والعقول والضمائر لم تحسم أمرها بعد.

أعزائي دود الأرض،
أستطيع أن أراهن على أن أبعث إليكم في باطن الأرض بنصف سكان مصر قبل أن أنصت لأنفاس مَلـَك الموت وهو يخطو نحوي خطوةً إلى الأمام، وخطوتين إلى الخلف.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 22 نوفمبر 2010

( عرفت لاحقا أن شباب الثورة كانوا يتدارسون مقالاتي في ميدان التحرير، خاصة هذا المقال )

14‏/08‏/2018

مقطع من يوميات منقبة!



مقطع من يوميات منقبة!
مَرّتْ عِدَة أعوام منذ أنْ قررت، أو قـُرّر لي، التنقب، والتحرك كشبح أسود يخيف الأطفالَ ولا تظهر مني غير عينين مُكحَلتين تدوران في محجريهما.
الإنسان من صلصال، والجان من نار، والرجل المسلم من شهوة جنسية إذا رأى وجه امرأة ولو كانت ابنة عمه أو زوجة ابنه أو جارته أو زميلته في العمل تتدفق الدماءُ في كل شرايينه، فينتصب موضعُ العفة منه ولو كان يصلي ويصوم ويعتكف ولا ينتهي من ختم القرآن الكريم حتى يبدأ فاتحته من جديد!
هكذا علـّمني فقهاءُ عصري، وحشروا كل مصطلحات العفة والحشمة والوقار في لغة لا تـُبقي ولا تذر، لوّاحة للبشر، فهي جريمة مُكتملة الأركان، وما أسهل أن تستعين بكتب عليها غبرة، وبرجال بيننا وبينهم مئات الأعوام.
صباح أمس توقفتُ ملياً أمام المرآة فلم أشاهد نفسي، فأنا كائن نصفه موت، وموءودة لا تجرؤ أن تسأل نفسها بأي ذنب قُتلت، وأنا عار على الرجل رغم أن أنثى أنجبته، وأنثى أرضعته، وأنثى خلـّدت اسمه في رجال من صلبه، فأنا أمه وأخته وزوجته وابنته ثم يكذب مفتريا على نبي الإسلام، صلوات الله وسلامه عليه، فيدّعي أنه قال بأن أكثر أهل النار من النساء!
خلقني ربي لأتعرف على البشر، وجمع معجزته الكبرى في وجهي فوضع فيه مشاعري، وأنفاً أتنفس منه، وفماً يبتسم، وشفتين مع لسان يصنعون لغة التواصل، وبـَشرة تحّمَرّ خجلا، وتصفـَرّ مرضا، وتسّوَدّ حزنا، وتزرقّ تعباً، وتنضح صحة أو تذبل سقماً.
كل معجزات العلي القدير تحتاج إلى شرح الهدف منها ليتدبر أولو الألباب، فالنجوم مُسَخـّرات، والشمس تجري لمستقر لها، والقمر قدره منازل، والجبال أوتادٌ، والبحر نأكل منه لحماً طرياً، إلا الوجه فهو أم المعجزات، ومن تخفيه ليست فقط كمن تحَرّم ما أحل الله، ولكن كمن ترفض التوجيه الالهي بأن العزيز الوهاب خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف.
دخلت في خيمتي المتحركة وأنا أشعر بدونية لا مثيل لها، فالرجل المسلم لا يهينني فقط، لكنه يهين نفسه، ويُظهر ضعفه، ويحتقر شهوته التي تحركه فلا ينتبه لحديث امرأة أو تعبيرات وجهها الذي يفيض غضبا، أو محبة، أو طيبة، أو احتقاراً، أو بغضاً، أو مسكنة، أو إمتناناً، أو شكراً، أو ورعاً، أو رفضا، أو قبولا، أو تأكيدً لمنطق، أو إضعافا لجدال، أو شهادة أمام سلطة قضائية أو تبرئة أمام سلطة أمنية أو ...
لسان حال المسلم الأحمق يقول لي: اصنعي ما شاء لك ضميرك، ولكن بعيدا عني، فهو حارس الفضيلة ظاهرياً، اما الخفاء فأمره لي.
هذا الأحمق يمنحني كل الفرص غير المتاحة للسافرات، فأنا أستطيع أن أفعل كل الموبقات، وأمارس الرذيلة، والخيانة الزوجية، ويدخل شاب إلى مخدعي أمام ذكور عائلتي، ولا يستطيع أي منهم أن يتحقق من شخصيته فالصوت عورة.

وأنا أستطيع أن أتخفى من رجال الأمن، وأمنع معرفة بصمتي بقفاز سميك، رغم أن الله تعالى عندما قال في سورة القيامة ( بلى قادرين على أن نسوي بنانه)) كان يوجه، سبحانه، بتوأمة الوجه والأنامل ليتعرف الإنسان على أخيه الإنسان.
خرجت في الصباح وقد أوحي لي نقابي أن كل الذين مررت عليهم ذئاب شرسة، تنتظر رؤية وجهي فتبدأ فكرة اغتصابي ولو كنت محاطة بآلاف مؤلفة من البشر، وحتى الذين أعرفهم، وأعمل معهم، ويجلسون على مقاعد الدراسة بالقرب مني، وأستاذي الأكاديمي الذي يُعلمني، والرجل المسن الذي يقارب عمره عمر جدي وهو جالس أمام دكانه لا يتحرك إلا متكئاً على عصاه، كلهم يحرك روموت كونترول وجهي الشهوة في أجسادهم، فيتصارعون عمن يبدأ بالقفز فوقي، واغتصابي قبل الآخرين.
توقفت قليلا، وتأملت المشهد من جديد، وزاد احتقاري لنفسي، وتضاعفت كراهيتي للذين قتلوني دون نزع الروح مني، وأوهموني أن رب العرش العظيم سيكون في استقبالي يوم الحشر ليسألني عن زنا الوجه، وعن كل الرجال الذين شاهدوني سافرة، أضحك، وأبكي، وأغضب، وأصيح، وأناقش، وابتسم، وأمكر، وأتفاعل مع كل ما يمر بي من حوادث.
قابلت صديقة لي كانت بصحبة سبع فتيات منقبات فلم أعرفها في باديء الأمر، فكلهن متشابهات في اللون، متشحات بنفس السواد كأنهن على موعد مع جنازة أو في الطريق للقاء ملك الموت، أو في نزهة بين المقابر يلقين التحية على الثعبان الأقرع.

وقفنا نتحدث قليلا، ومرت بجوارنا سيدة تجر عربة يجلس داخلها طفل صغير، فنظر إلينا وعلامات الرعب ترتسم على وجهه البريء وكأنه يشاهد فيلما مخيفاً تتراقص فيه الأشباح السوداء قبل أن تفترس ضحيتها.
اشتقت كثيرا إلى أشعة شمس تتسلل إلى وجهي فتدفئه، ثم تحيل لونه إلى إحمرار صحي تبتهج به ابتسامتي، وتستريح نفسي، وتنفتح مسامات كانت عصية ومغلقة بسبب قطعة القماش السوداء الكثيفة.
الرجل الذكر الذي اخترع فكرة ربط العفة بتغطية الوجه سادي بكل المقاييس، فهو لم يخفيني فقط، لكنه اختار اللون الأسود الذي يمتص أشعة الشمس فيجعل حبات العرق تختلط مع خيوط القماش اللزجة لتنطلق رائحة كريهة على جانبي الأنف فتكاد تعمى منها العينان!

المصيبة أن المدافعين عن نقابي يقطعون كل يقين بشك يضحك منه أكثر الأطفال سذاجة، وأكثرهم بارعون في الشتائم، ويملكون إكليشيات يتناقلونها بينهم ويحسبونها نتاج العقل، وصلب الإيمان، وعصارة تجارب العلماء، فإذا هي تهافت التهافت، وإعوجاج جمجمة حشتها كتبٌ صفراء انقطعت عن العصرعصراً، وابتعدت عن زمننا زمناً!
كم أنا مشتاقة لأن أكون النصف الآخر السوي للرجل، فإذا به يراني الضلع الأعوج حاملة خطاياه، ومحرضته على أكل التفاحة، فعثر على الحل النهائي .. أن أقبع في الدار لا أغادره إلا إلى القبر أو بيت الزوجية الذي قد يتحول إلى قبر آخر إن كان حظي في الزواج تعيساً!
مساء أول أمس اتصلت بي ابنة عمتي المقيمة في مدينة تولوز الفرنسية، وكانت تبكي بحُرقة لأن القانون الفرنسي الجديد سيجعل وجهها مكشوفا أمام رجال ليسوا محارمها، فطلبتُ منها أن تغادر فرنسا العلمانية وتعود إلى بلدها.
لكنها قالت بأنها لا تستطيع أن تترك الامتيازات التي تتمتع بها، فهناك حرية، وقدر كبير من المعيشة الكريمة، واحترام لآدمية الإنسان، وقوانين تتعامل مع الجميع على قدم المساواة، ورجل شرطة يوقفني بلطف شديد ليسألني بأدب جَمّ عن هويتي، وحقوق لي في التعليم والصحة والكتاب والمعاش عندما يأتي أوانه.

سألتها إن كان الرجل الفرنسي يبحث في وجوه كل النساء، في الشارع، وفي المترو، وفي المظاهرات، وفي المحلات، عمن يشتهيها دون الأخذ في الاعتبار أي علاقات أخرى بين الإنسان وأخيه الإنسان؟
انخفض صوتها قليلا، ثم قالت بصراحة: الحقيقة أن الهوس الجنسي في عالمنا فقط، وأن السلطة المُعادية للشعب تجدها في العالم الثالث، العربي والأفريقي والإسلامي، الذي أنا جزء منه.

وأنهت حديثها قائلة: في الواقع فأنا أصيح، وأرغي، وأصرخ، وأبكي حتى أُرضي ذكور قومي، لكن مشاعري، وقلبي، وعقلي مع قرار منع النقاب، فمن أرادت أن تصبح مبنية للمجهول في عالم يتعارف الناس فيه ويحترمون بعضهم، فلها أن تختار بين علاقة صحية يكون فيها الوجه واجهة الإحترام والتقدير، أو العودة إلى الوطن السجن حيث ينشغل ذكور القوم برضاع الكبير، وعدم تهنئة الكفار بأعيادهم، ورفض تجاور كنيسة ومسجد، والشفاء ببول البعير، واعتبار النقاش حول كتاب ألف ليلة وليلة أهم من المطالبة بالافراج عن المعتقلين الأبرياء الذين مكثوا سنوات طويلة خلف القضبان دون محاكمة.
صديقة لأختي الكبيرة تناولت طعامَ الغداء معنا، واضطر والدي وشقيقي الأصغر إلى الانتقال لغرفة أخرى فتغطية الوجه هنا ستكون غير عملية بالمرة، خاصة وأن الإسباجتي هو الطبق المفضل لضيفتنا.
بعد الغداء جلسنا ومعنا والدتنا نتحدث عن هموم العانسات من أبناء قومي، وأدهشني أن اسمع إحصائية عن عددهن!
إنها جريمة مفزعة يشترك فيها الجميع، فالفتاة التي تقبع في دارها لا تغادره إلا إلى القبر، أو يتحدث عنها أحد لدى شخص لا يعرفها، فيصفها كما يصف البائع بطيخة غير مبقورة، وتظل السلعة موجودة في المخزن، أعني في البيت، وقد يأتي ابن الحلال أو لا يأتي أبدا، فذكور قومنا على استعداد للبحث في أقوال العلماء والفقهاء الذين مروا على الدنيا في الألف والأربعمئة عام الأخيرة، وقادرون على استدعاء شهادة الزور من الأرفف أو من افواه رجال دين يعيشون بيننا، وعقولهم وقلوبهم ونفوسهم لم تغادر القرن الثالث الهجري، وأزعم أن أهل الكهف أكثر استنارة من بعض علمائنا في عالم نظنه قد أصبح قرية صغيرة.

تذكرت وعيناي تفيضان دمعاً حاراً كل الفتيات العانسات اللائي تعرفت إليهن في السنوات الماضية، وحكاية كل واحدة مع العنوسة والحرمان والعزلة تجعل القلب الحجر ينفطر حزناً، وينشق كمداً، فتغطية وجه المرأة حال دون العثور على الزوج، والحمقى من المدافعين عن قطعة القماش التي تحجب الوجه يردون سؤالا بسؤال، فيقولون: أليس بين السافرات عانسات؟ هل من تبحث عن الخطيئة تحتاج لتغطية الوجه؟ هل الرجل الذي يتحرش بالأنثى يحتاج إلى النقاب لينحشر بينهن؟
وهكذا دواليك، إكليشيهات متحركة في قلوب ميتة وعقول خاصمت العصر كأنها اختبأت مئات الأعوام في كهف لا يعرف له أحد سبيلا!
أشعر برغبة شديدة في أن أعلن على الملأ أنني أحترم إنسانيتي وآدميتي، وأنني لست بضاعة مزجاة يخفيها صاحبها عن الأعين.

أريد أن أشهر شخصيتي، ويعرفني الجميع، وأفرض احترامي على كل من يحدثني.
أريد أن أعطي الحق لمحدثي أن يرى وجهي كما أنا أرى وجهه، فهي ليست حرية شخصية لي أنا فقط، رغم أنني أخفي وجهي بأوامر من أدعياء حراسة الفضيلة، فكل شخص يملك الحق المطلق أن يرى تعبيرات وجه الأخر، فهي مكملة للحوار، ومرشدة لما بين الكلمات، ومعبرة عما لا تستطيع اللغة إيصاله.

أشعر بخنوع شديد، فكل من هب ودب يحشر أنفه في خصوصياتي، ويتقدم الدفاع الساذخ والسخيف جهلاء وأميون وشباب محرومون من الجنس، وبعض الذين انتفخت أدمغتهم ورماً فظنوه ثقافة دينية.
الرجل يتلقى على قفاه سبعين صفعة في اليوم، ويركع للسلطة، ويغمض عينيه عن كوارث بلده، وينافق الكبار، ويرتعش أمام رئيسه، ويلتصق لسانه بسقف حلقه رعباً من سوط السلطة، ويغمض عينيه عن مئات من الأخطاء والتجاوزات وصور الفساد، ويمشي بجوار الحائط لئلا يراه رجل أمن.
والرجل هو الباحث عن الخطيئة، وهو الذي يشتري الجنس في بيوت البغاء، ويفكر كذئب قبيل اغتصاب امرأة فيظن عندئذ أن كل أصدقائه وأقاربه وزملائه ورجال قومه ذئابٌ تبحث عن حريمه.
معركة النقاب التي يخوضها الرجل نيابة عني هي نفاق مصطنع، فهي معركته هو ليخفيني، ويرتكب فواحشه كلها دون أن يتعرف أحد على من تسير معه، أو من تقوم بزيارته.
النقابُ حالة من الكراهية للأخلاق، ودعوة للرذيلة، واحتيال باسم الدين، ووسيلة صنعها الرجل ليخفي جرائمه، ويصطحب معه أمام الجميع عشيقته دون أن يرفع أحد عينيه أمامه.
أبحث عن الفضيلة في سفوري، وعن الاستقامة في وجهي، وعن الحرية في كرامتي كامرأة وأنثى، وعن دوري في مجتمع يعرفني الجميع فيه.

يزداد احتقاري لنفسي كلما زاد المزايدون في الدفاع عن حجب وجهي، خاصة أن أكثرهم هم الأبعد عن الفكر والثقافة والتحضر والتمدن واستخدام العقل واحترام.
وجهي، أيها السادة الذكور، ليس أردافي، ومؤخرتي، وخاصرتي، وحقين علاهما ند، وفخذين فوقهما كفل(!)، لكنه معجزة المعجزات التي وضعها العلي القدير فوق كتفين علاهما رأس!
وجهي، ايها السادة، هو هويتي، وبطاقتي الشخصية، والنقاط التي أضعها فوق حروف كلماتي، وهو صحتي وسقمي، ومحبتي وكراهيتي.

وجهي هو أنا، فإذا أخفيته فقد وأدت نفسي، وخنقت روحي، وأهنت كرامتي، وأصدرت أحكاماً جائرة على كل رجل بأنه ذئب يتربص بي.
معركتكم، أيها السادة الذكور، ليست من الدين، وليست من أجلي، فأنتم تخشون تعرية فضائحكم، وتبحثون عن التخفي كما يبحث زائر بيوت البغاء عمن لا تعرفه.
وجهي، أيها السادة، هو فضيلتي، وحُسن أخلاقي، ولغة مشاعري، وفخري أمام مرآتي، وحقيقتي في مواجهة محدثي.
استيقظت فجر اليوم، وصليت لله تعالى، واستخرته ليدلني على الطريق المستقيم، وشعرت براحة شديدة وأنا اكتشف نفسي لأول مرة، وعندما خرجت من الدار كان وجهي مشرقا، وتنفسَتْ مساماته وهي تتفتح أمام اشعة شمس أحالت لونه في دقائق معدودة إلى صحة ونضارة، وأفصحت عن شخصيتي، ورفعتُ رأسي عاليا فأنا معجزة خلقها الله لتلد الرجال والنساء، وتصنعهم وهم يكبرون أمامها، وتعَلـّمهم، وتربيهم، وتدفع بهم إلى الحياة أصحاء وشجعانا وعقلاء.
لأول مرة أشعر أن هويتي الشخصية ليست فقط قطعة ورق في جيب بلاستيكي، لكنها وجهي الذي أعتز به، ويحميني، ويؤكد لكل من يراني بأنني المسؤولة عن تربية كل رجال الأمة وقد خرجوا من بطني بعدما حملتهم تسعة أشهر.
اليوم تحررت، ونزعت نقابي، فأنا حامية الفضيلة، وصانعة الحب والإيمان، ومعبودة الله العلي القدير، ولست بحاجة لأنصاف أميين، وصبيان التشدد، وعشاق الكراهية للدفاع عني.
اليوم فقط أشعر أنني امرأة تستحق رضا الله، فقد التزمت بأمره، وأفصحت عن هويتي، وأعرف الناس ويعرفونني، وقد تخلصت من المحامين الصبيان المرضى بهوس الجنس.
اليوم تأكدت أن النقاب حرام .. حرام .. حرام!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو

المشير طنطاوي لمبارك: نحن تلاميذك سيدي الشيطان!



المشير طنطاوي لمبارك: نحن تلاميذك سيدي الشيطان!
أوسلو في 7 فبراير 2012
الرجاء قراءة المقال في زمنه!

عامٌ مـَرَّ وأنت في ذهني لا تبرحه إلا قليلا، فقد قضيت بجوارك ردحاً طويلا من الزمن، تعلمتُ منكَ، وغضضتُ الطـرْفَ عن جرائمك في حق شعبنا، والتزمت الصمتَ حيال كل التجاوزات والسرقات والنهب وتحويلات أموالك وانتهاكات حقوق مواطنيك مَنْ عذبت منهم، ومـَنْ أحرقتَ، ومن ألقيت في أقبية سجون لا يعرفها الجن الأزرق.
أنقذتــُك من ملايين الغاضبين الذين لو تمكنوا منك في ميدان التحرير فإنهم كانوا سيمزقون كل أنسجة جسدك فلا تبقى فيه خلية واحدة سليمة.
ثم أكرمتك في منتجعك المفضل بشرم الشيخ، وضربت بعــُرض الحائط نداءات القصاص منك، وتركتك تحرك أموالك في الداخل والخارج، وتقنن الهبر، وتجعل لصوص الدنيا يحسدونك على عبقريتك، وفي النهاية عندما اضطررت تحت الضغوطات المليونية جعلتــُك تــُحاكــَم راقدا في محكمة هزلية، وعبثية لنعلن بعدها سرية المحاكمات، فالشعب الثائر لا يحق له أن يعرف ما يدور في محاكمة القرن و.. كل القرون.

سيدي الرئيس الشيطان،
نحن تلاميذك الأوفياء وقد أثبت عام مضى أننا أقرب إليك ممن يوسوس لك، بل من قرينك الذي لا يفارقك، وعبقريتك امتدت روحُها إلينا فجعلنا المصريين بعد عام كامل من الإطاحة بك يكرهون الثورة وشبابها ومحرري مصر من براثنك والغاضبين على نظام حكم أذاقهم الويلات، وعاملهم معاملة الحشرات، وحشرهم في دائرة الفقر المــُذل تحت أحذية رجال أمن لا يعرفون الله ولا يؤمنون بمشاعر الرحمة فهي ضعف وتنازل وجبن.
الأغبياء الحمقى يظنون أننا في المجلس العسكري الحاكم وفي كل أجهزة الأمن والجيش لا نستطيع أن نجمع الخارجين عن القانون وأصحاب السوابق واللصوص والبلطجية في يوم أو بعض يوم، ونجعل مصر أكثر أمنا من كل بلاد الدنيا، لكننا لن نفعل فتلميذك خط أحمر ، كما كنت أنت من قبل، يصنعه الجبناء والمنافقون والمتزلفون والوصوليون، وحتى مجلس الشعب الإسلامي الذي يُــلـَوّح أعضاؤه بقبضاتهم في الهواء لضرورة محاكمة رجالي لا يقتربون مني، فهم صناعتي التي استعنت بصناديق الاقتراع لإيصالهم للحرم الديمقراطي شريطة أن لا يقتربوا مني، ويعبدونني كما كان أعضاء مجلس الشعب السابق يعبدونك من دون الله، بل كانوا يخشونك أكثر من خشيتهم رب العالمين.

كما اتفقت معك، سيدي المخلوع المريض العجوز، أن لا تقترب أي قوى من أموالك ولو شج كل المصريين رؤوسهم في الحائط، وفعلا وصل المصريون إلى الحدود الفاصلة بين الفاقة والمجاعة، ولم تبق غير خطوة واحدة فيفترس أكثرهم جوعاً أشدَّهم ضعفاً في ظل وضع كارثي لفقدان الأمن والأمان، وأصبح أمراً طبيعيا مقبولا أن يقف جنود الجيش والأمن كمتفرجين بلهاء أمام معارك بالسلاح الأبيض والناري حيث لا يعرف أحد من يقتل من في بورسعيد والسويس والقاهرة.
أنا أكثر تلاميذك ولاء ووفاء والتزاماً وحنيناً لعهدك، ولا تخش أن يحاسبني أعضاء مجلس الشعب من القوى الإسلامية فقد منحت لهم الفرصة الذهبية للحصانة البرلمانية وغزل السفيرة الأمريكية فكحــَّلوا عيونهم من الداخل لئلا ترى مشهدا واحدا من مشاهد حياتي معك أو بعدك، فالإسلاميون مستعدون لبيع مصاحفهم من أجل سلطة وحصانة ومال ونفوذ وسطوة على قلوب العباد.

أنت، سيدي المخلوع الراقد الحاكم الخفي، دائن لنا جميعا في المجلس العسكري، وما قمت به من تدمير مصر في ثلاثة عقود فعلت أنا ضــِعفه في عام واحد، وسيأتي الوقت الذي لا تزور غفوة نوم واحدة عيني مصري حتى يزوره ملك الموت، وقد نجحنا إلى حد بعيد، ويتمنى عودتك معظم الأغبياء والبسطاء والمغسولة أدمغتهم.
لقد قضيت ومجلسي العسكري على روح ميدان التحرير، وأصبحت المليونية ألفية، ولو قتلنا كل شباب مصر وخلعنا عيونهم بقناصتنا البارعين فإننا نضمن على الأقل وقوف الأغلبية الصامتة معنا ، وسيدعمنا الزاعمون أن الله معهم، وأن طاعة الدستور مرهونة بعدم التعارض مع شرع الله وهي الكلمة التي تحتمل كل التأويلات، ونقطع بها أعناق مخالفينا بدعوى أنها تعليمات العلي القدير.

إنني أعدك، سيدي الحاكم الأوحد في القصر أو المنتجع أو المستشفى أو السجن، أن أقوم بتعليم المصريين كيفية السير على أربع، وأن أحذية عسكرنا أشرف من شهدائهم الذين لم أحاكم حتى الآن قاتليهم أو معذبي زملائهم أو كاشفي مواضع العفة والعذرية لزميلاتهم، وسأجعل المصريين يحسدون الحشرة على حياتها وهنائها وقوت يومها الذي تضمنه ولو كانت في قفراء موحشة.
شيء واحد أخاف منه عليك وعلينا في مجلسنا العسكري وهو عودة الروح للثورة في تنظيم إلكتروني مليوني يفاجئنا من حيث لا نحتسب، فنكتشف أن كل شرفاء مصر، من شباب وشابات وأطفال وشيوخ وربات بيوت وقوى سلبية، إسلامية وقبطية، لم تعد تحتمل مهانة أكثر مما يحدث الآن يخرجون ملء مصر، ميادين وشوارع وأزقة وحواري، حتى لو ناهضهم وعارضهم وامتنع عن دعمهم العسكر ورجال الأمن وملايين من الذين أعطوا أصواتهم للإخوان المسلمين والسلفيين.
يحدثني أعضاء المجلس العسكري وهو يرتعشون عن خوفهم أن تعود روح ثورة 25 يناير فيتجمع ملايين الشباب في اعتصام كأنهم جند الله فينتهي نظامك وفلولك ورجالك وخليفتك المشير وتسقط شرعية مجلس الشعب ويبحث شباب الثورة في ثوبهم الجديد عن مزيد من حبال غليظة تلتف حول أعناقنا جميعا لتعود مصر إليهم.
وإلى أن تعود ويتكاتف المصريون فإننا لهم بالمرصاد، وستسمع في جناحك الفاخر كل يوم عن كوارث وفواجع وحرائق وقتل واصطياد وقنص واعتداء على البيوت والحرمات والنساء والأموال والممتلكات، فأنت سيدنا وإبليسنا وجحيم المصريين، واقفا أو راقداً.

أعدك بأن أظل وفيا لك ما بقي لي من عمر، فإسلاميو مجلس الشعب غفروا لي، وأهالوا التراب على ذنوبي، وصفحوا عن مشاركتي إياك لسنوات طويلة، وخــُيــّروا بيني وبين الله، فاختاروني كما فعل مجلس الشعب السابق الذي انحاز إليك ضد الله .. جل جلاله.
سيدي الرئيس،
عاش إبليس، محررنا من رسالات الله السامية والسماوية، ومن القيم والمبادئ والأخلاق والمــُثل العليا وما قيل بأن من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، لأننا مؤمنون بأن من قتل المصريين جميعاً فكأنما قتل مصرياً واحدا.. عن غير قصد!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
4 فبراير 2012

محمد مرسي لم يكن رئيسا شرعيا!

محمد مرسي ليس رئيساً شرعياً لمصر!

أوسلو في 19 ديسمبر 2012
(الرجاء قراءة المقال في زمنه!)

الأسباب العشرة .. 

* الحزب القائم على طائفية وعنصرية وتمييز وأفضلية قبلية ودينية ممنوع أن يتولى الحُكمَ بحُكم القانون والعادة والتقاليد ونهج السياسة وتجارب المصريين، والإخوان المسلمون جماعة دينية قائمة على الفوقية والاستعلاء والاستعانة بالسماء في اعطاء قدسية لآرائها السياسية.


* الدكتور محمد مرسي نجح في التصفية النهائية في انتخابات بين حسني مبارك ( تحت اسم أحمد شفيق) وبينه، لذا فانتخابه رئيساً باطل .. باطل .. باطل لأنه غــِـشّ وخداع للناخب المصري الذي كان على استعداد أن يعطــي صوته لإبليس لو ترشح أمام مبارك( تحت اسم أحمد شفيق) .
* الدكتور محمد مرسي غير مؤهل عقليا وثقافياً وإدارياً لمنصب رئيس الجمهورية، لكن الجماعة الفاشية هي التي ضغطت عليه وجعلته في صدارة المشهد السياسي المصري.
* الدكتور محمد مرسي أعطــى لنفسه مئة يوم لتبيان قدرته على الخروج بمصر من عنق الزجاجة، فزاد الفساد، وتضاعفت أزمات مصر، وتفشت المحسوبية، وظــهر وجه قبيح للاستبداد ممثلا باستغلال الدين، وانحاز للاستغلال حتى وهو يزعم أنه غير قادر على اعادة النظر في اتفاقية التنظيف الذي تحصل فيها شركتان على خمسمئة مليون جنيه مما يعني أن الكبار يحصلون على نسبة معينة.
* الدكتور محمد مرسي لا يتحدث في قضايا وهموم المواطن المصري لكنه يحكم الشعب بلغة هلامية دينية يدغدغ بها مشاعر البسطاء وهو نوع من الكذب والخداع وعدم الأمانة مما يستدعي اقالته على الفور.
*الدكتور مرسي عقد صفقة مع طنطاوي يبريء بمقتضاها جرائم الجنرالات ويتولى الحكم، على أن يقوموا بحمايته من أي انقلاب.
* الدكتور محمد مرسي زعيم جماعة يمنحها الأولوية قبل شعبه، ويغض الطرف عن جرائمها، ويحتقر المصريين حتى وهم يخرجون بالملايين يرفضون سطوته واستبداده واعلانه الدستوري، ويلامسون القصر، يرفض الخروج إليهم وتوجيه كلمة وتهدئة مخاوفهم، فهم من وجهة نظره ليسوا شعبه، إنما جماعته الفاشية هي شعبه الذي يحميه. فجاؤوا من كل صوب وحدب بأوامر من المرشد والشاطر ليحلوا محل الأمن والحرس الجمهوري والجيش كأنهم عصابات إجرامية وليسوا النصف الآخر من الشعب الذي يحكم رئيسهم، فكيف يخرجون لمطاردة منتقديه.
* الدكتور مرسي غليظ القلب، لا تتحرك مشاعره لقتلى وجرحى ودماء، وكان من الممكن أن يوجه كلمة إلى الشعب كله، ويدعو أنصاره إلى المكوث في بيوتهم ليتركوا منتقديه ويعرف حجمه الطبيعي، لكنه تعامل مع المصريين على أن مناهضيه مجرمون، ومريديه مدافعون عن الإسلام.
* الدكتور مرسي ارتكب أكبر جريمة لرئيس مصري وذلك عندما أهال التراب على عامين من حُكم طنطاوي، وعلى منهوبات مصر من أموال بواسطــة العائلة العفنة للمخلوع، وجعل هدف الثورة هو الدستور والاستفتاء، وترك مجرمي الفتاوى يسدون كل فتحة تهوية في مصر ليتنفس المصريون إبداعاً وفنا وأدبا وحضارة، ووضع لبنة إمارة إرهابية مكان مصر العظيمة، فجاءت قناة المنقبات وظــهرت خفافيش تهدد فئات المصريين الذين يرفضون استغلال الدين فجعلتهم جماعته كالكفار يحل قطــع أعناقهم.
لكل هذا وعشرات .. ومئات من جرائم مرسي وجماعته وحلفائه ومريديه في وقت قصير فهو منزوع الشرعية والصلاحية حتى لو أقسمت كل صناديق الاقتراع أنها شاهدة على نجاحه.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 19 ديسمبر 2012

ماذا لو حكمَ مصرَ حمارٌ؟

مــاذا لـــو حـــكــــمَ مـــصـــرَ حـــمـــارٌ؟
هذا العنوان ليس مِزحة أو نكتة أو تهكماً أو سخرية لاذعة، لكنه حقيقة جدّية لم يدر بذهني أنها تعني شخصاً، إنما رصد لتجارب مئات السنين حكىَ لنا التاريخ شطراً منها، وبقي ما تحت جبل الجليد الجزء الأكبر.

لو تسلل الآن إلى القصر الجمهوري في مصر بعيداً عن أعين المتظاهرين، مع أو ضد السلطة، حمارٌ، وسرق كرسي العرش، وأصدر بيانه الأول، فإنني على يقين من أن ثلاثة ملايين على الأقل ...سيدعمونه بعد أسبوع من استيلائه على السلطة.
وبعد ستة أسابيع سينحاز إليه بعض كبار الكبار في الدائرة السياسية والدينية التي تهيمن على الدولة.
وبعد ثمانية أسابيع سيلقي خطيب أحد المساجد خطبة دينية رائعة يستشهد فيها بكل الأقوال المقدسة على أهمية طاعة الشعب لسيدنا الحمار.

سيثور ضده شباب أطهار، وسيدعون لمليونية، وسيسخرون منه في رسومهم وأشعارهم ورقصاتهم، لكن سيدنا الحمار يستطيع أن يُجيــّـش بعد شهرين من تسلـُـمه الحُكم مثقفين وعلماء ورجال دين وجنرالات وضباطا كبار وإعلاميين ومحرري صفحات مؤثرة في القراء

سيؤكدون أنه الأفضل لحُكم مصر، وأن أفكاره عبقرية، وأن الخير على يديه، وأن مستقبل مصر المــُـشْرِق بين يدي سيدنا الحمار .
سيبتسم القاريء العزيز ويظن أنني أسقط كلماتي على شخص أو زعيم، لكنني أراها حقيقة متكاملة ونزيهة وموضوعية.
ربما يعترض في اليوم الأول أغلبية الناس عندما يقف سيدنا الحمار أمام ميكروفونات كل القنوات المصرية والأجنبية، و
بعد وقت وجيز يبدأ أحدهم من نهاية القاعة بالتصفيق، فينظر إليه الحاضرون بازدراء، ثم ينضم إليه مُصفِّـق جديد، ولن تمر ساعة حتى تهلل نصف القاعة للقرارات الرشيدة لسيدنا الحمار.
هذه هي سيكولوجية الجماهير في كل زمان ومكان مادامت هناك أمية وجهل ونقص في الوعي السياسي وتلذذ بالعبودية الطوعية وأخطر الأخطرين هو التبرير القائم على قداسة الفرد.
لاتضحكوا، أرجوكم، فأنا لم أكن أكثر جدية وواقعية وعقلانية من قبل، ومن لا يُصدّق فليقم بمساعدة حمار على التسلل إلى القصر الجمهوري، ويتركه يكتب بنفسه خطابه إلى الجماهير.
ماذا لو زعم الحمار أنه مبعوث العناية الالهية، وأنه سيحكم بالمقدس، وأن من لا يؤمن بحديثه فلن يعرف الجنة في الآخرة؟
أكاد أقسم أن كثيرين سيرفعون رايات خفاقة عليها اسم حمارنا العزيز، وربما يصدر أول كتاب عن عبقريته بعد أربعة أيام من تولــّـيه السُلطة.
كل القادة الحمير الذين حكموا دولا في العالم الثالث لم يصدّق أحد في الساعات الأولى أن الحمار سيصمد يوما أو بعض يوم، ثم تأتي العادة التي يعقبها دهشة الجماهير من المعارضة السخيفة والظالمة التي تشكك في عبقرية السيد .. الحمار!
الكذب ثم يأتي التبرير، اعلان الحرب وبعدها تفسير السبب، اعتقال أبرياء ثم البحث عن تهم جاهزة، القاء خطاب أحمق وبعدها سيتبرع الأحمق منه لشرح عبقرية ما وراء الكلمات.

شغلتني كثيرا وفي كل كتاباتي تقريبا فكرة المستبد والشعب، ومازلت عند رأيي في أن المستبد هو الذي يصنع شعبه وليس العكس.

كل قاطعي رقاب الشعوب من الطغاة عثروا بسهولة على مسرور السياف، وبإشارة واحدة من بول بوت تحول الكمبوديون إلى وحوش كاسرة، وبإيمائة من منجستو هيلامريم تمكن الجنرال من قتل ربع مليون من أبناء شعبه الإثيوبي في أقل من عشر سنوات.
الحاكم يصنع عبيداً أو مخزني قات أو هولاكيين صغاراً أو يجعل في كل بيت نصفاً من الجواسيس على النصف الآخر.
وإذا تمرد الشعب أو فئة منه أو الربيع، أعني الشباب؛ فليس هناك أفضل من فتح الباب لسارقي الثورات الذين تعاونوا سنوات طويلة، معارضين أو موالين، ليستمر الرئيس أو الحاكم أو الزعيم أو الحمار في ركلهم وصفعهم.
سيقول قائل: هذه أضغاث أوهام لعدم الثقة بشعوبنا المناضلة في العالم الثالث، لكنني هنا أتحدث عن طبيعة الخنوع الإنساني في صناعة المقدس حتى لو كان طفلا معاقا ومتخلفا في قرية فسيجعلون منه مبروكاً يشفى المرضى ويخصب العاقرات، وفي النهاية سيقولون بأنه وليٌّ من أولياء الله الصالحين.
يكفي أن يسير الحمار فوق البساط الأحمر، ولا يرتجف أمام الجماهير، ويصنع بيانا أو دستورا أو جمعية أو جماعة أو بركة أو وعداً بالجنة أو خيرات تتنزل على مريديه من حيث لا يحتسبون.
لا أبالغ إذا قلت بأن طاعة الناس للحمار ستبدأ قبل الخطبة بوقت طويل فهي استعداد إنساني بحت في عالم مليء بالأمية والجهل وبهجة الطاعة ولذة العبودية المختارة .
ولكن كيف نقنع الناس بمكانهم الطبيعي وبإنسانيتهم وبأن الكرامة هي نفخة روح الله فيهم؟

محمد عبد المجيد

طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج

الرجاء لمن يُعلّق أنْ لا يشير لاسم أي زعيم في تاريخ مصر، فالموضوع ليس شخصنة؛ إنما قراءة في سيكولوجية الأسياد والعبيد، أعني الكفّ والقفا!

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...