30‏/06‏/2018

أنا والخليج .. الحبُ المُحرَّم!

أنا والخليج .. الحبُ المُحرَّم!
( مقال مُعــَــدَّل )

المُفترض أن تكون بيني وبين الخليج العربي مسافة زمنية وفكرية أضعاف المسافة المكانية، فأنا أعيش في النرويج منذ أكثر من أربعين عاما فضلا عن أربع سنوات في سويسرا، وهذا يمنح المغترب والمهاجر مشاعر فوقية تُحَلـّـق فوق السحاب فيطير.
أكثر المهاجرين في الغرب مسّهم عفريت من الطاووسية حتى لو كانوا يتنفسون برئة مكاتب الضمان الاجتماعي، ويستمتعون بكسل البطالة حيث الدولة هي الأم والأب.
وامتدت مشاعر الغرور إلى الدبلوماسيين الذين حققت لهم الإقامة هنا الدفءَ الابيض مع تساقط الجليد، فاتسعت المسافة رغم تمثيلهم في العالم الأول لهموم العالم الثالث.
الغريب أن نفس مشاعر الاستعلاء تلك يزفر رائحتَها العنصرية أشقاءٌ وأصدقاءٌ وشعوبٌ اختلط بياضها مع سوادها، وأفريقيتها مع آسيويتها فنظروا إلى الخليج ليروه بئر نفط انفجر مصادفة من تحت أقدام قوم أعلمهم أقل شأنا من أجهل المشرقيين، فوصفهم نزار قباني قائلا: والعالم العربي يخزن نفطه في خصيتيه وربك الوهاب!
وتجربتي كانت عكس القبانيين تماما، وأبعد من الأوصاف القبيحة التي كان يوزعها مظفر النواب على الدشداشة والعقال والسبحة، فأنا منذ عام 1982 وقعت في حب الخليج بكل سلبياته ونقائصه وحقوق الوافدين المفزعة لرجل عاش ثلثي عُمره ينهل من الحقوق في الدول الإسكندنافية، على الرغم من تجارب قليلة ومخيفة في العنصرية، لكنها صفرٌ مكعب مقارنة بعالمنا الثالث.
لم أنظر إلى الخليج كما فعل حامد سليمان في كتابه العنصري( مهانة المصري في الخليج) والتي بلغ الكبر فيه طول الجبال؛ فبدا كأنه قادم من السماء السابعة المصرية لزيارة الناس في الأرض السابعة الكويتية.
لم يحرّك الثراء الخليجي في نفسي إلا بهجة لقوم عانوا من شظف العيش مئات السنين تحت شمس حارقة وفوق أرض غير ذي زرع، فجاءتهم نعمة الله ولم يبخلوا على الآخرين بها، فانتصبت مشاريع ومدارس ومستشفيات ودور عبادة في العالمين العربي والإسلامي، وارتوت الأرض الجافة، وسدّد الخليجيون ديونا على الفاسدين من أهل المشرق.
لم يكونوا ملائكة، معاذ الله، لكنهم أناس طبيعيون عاش أكثرهم بقلوب طيبة، وبين ألفينة والأخرىَ تقتحمها أفكار المزايدة الدينية فتُحجّر بعض القلوب باسم السماء.
لي بعض التجارب السيئة والقبيحة في الخليج، وفي مقدمتها المصيدة التي نصبها لي الدكتور فيصل القاسم  في الاتجاه المعاكس منذ عشر سنوات، وأيضا الوشايات التي حملها إعلاميون مصريون كان من المفترض أن يكونوا زملاء مهنة البحث عن المتاعب؛ لكنهم بحثوا عنها لي ليرضىَ عنهم سيد القصر في قاهرة المعز طوال أكثر من ربع القرن.
قضيت أجمل وأطول سنوات عُمري في علاقة دافئة مع خليجنا الأكثر دفئـًـا، وكلما بردت أو بهتت أو تراجعت الرابطة؛ قمتُ بإعادة تشغيل موتور الحركة فيها، ولكن كانت هناك عقبات، فدول الخليج بعدما كانت تكتفي بالتخفيف من قبول انتقاداتها انتقلتْ إلى العتاب ثم الغضب إذا انتقد المثقف أو الإعلامي دولة صديقة حتى لو كانت وطنه الأم؛ مما أربك حروف اللغة ولسانَها إذا تعلق الأمر بمساحة الحرية التي يتحرك فيها صديق دولة خليجية لئلا تغضب حكومات صديقة.
مع دخول أزمات اقتصادية مرحلة التضييق أو الترشيد أو إمساك اليد الذي سمّاه الخليجيون كرما وظنه الوافدون والأصدقاء حقا مكتسبا بدأ كثيرون في التفكير برحلة العودة إلى الوطن الأم؛ فمكتسباتهم ومستحقاتهم في الدولة الخليجية المضيفة تسمح لهم بحياة مُيسّرة، فقد تقدمت أعمارهم، وتزوج أولادهم، واستقرت معيشتهم في الوطن الأم، ويكفي أن يغضوا الطرف عن سلبيات سياسية ودينية ومجتمعية حتى تتفتح لهم، خاصة إذا انتفخت جيوبهم وحساباتهم، وتصبح الهجرة المعاكسة طريق العودة إلى نصف الجنة!
صحيح أن الكرم الخليجي نحو أبي إيفانكا يزلزل قلب كل عربي خائف على نقطة نفط تسيل على أرض صحراوية بدون ثمن، لكن ظل العُمق الخليجي فيه من الطيبة والعذرية الفكرية ما يجعل الكويت تستضيف مؤتمرًا لدعم العراق بعدما تبخرت ثلثا ثروة الديرة في عدوان لم تترك آثار القدم الهمجية شبرا في الأرض المسالمة إلا وعاثت فيه فسادا وسرقة ونهبـًـا من صدام وعائلته ورجاله وأشاوسته الذين هاموا على وجوههم في الصحراء في طريق العودة بعدما أحرقوا آبار النفط ونهبوا ما وصلت إليه أيديهم.
في الخليج العربي تلفح وجهي رياح دافئة، قادمة من قلوب لم يتعرف عليها مشرقنا العربي الذي ظن أهله أن الذهب الأسود انفجر من تحت أقدام عارية، وأن الله، معاذ الخالق الوهاب، كان ينبغي أن يمنح تلك الثروة لغير لابسي الدشداشة والعقال، فالأردني واللبناني والسوري والعراقي والمصري والفلسطيني والجزائري والتونسي والمغربي والسوداني أحق بنعمة الله من عباده الآخرين في دول مجلس التعاون الخليجي.
ما زلت أحب الخليج رغم أن رياح التغيير عصفت بكثير من السلوكيات الخام والبكر التي ميّزت شعب هذا الجزء من الوطن العربي الكبير، فالسياسة تلوّنت بالدين، والدين تدعْوَش فإذا بالمؤمنين تتحجر قلوب كثير منهم، والتحالفات صراعات، والصراعات ساحة يكتظ فيها ذوو العيون الزرق لتتفتح لهم خزائن مفاتحها تنوء بالعصبة أولي القوة.
أقل قليلا من أربعة عقود على معرفتي بالخليج ولا أستطيع أن أنزع من مسامات جسدي وشغاف قلبي صور ومشاهد وكلمات وابتسامات وحوارات مع أهل هذه البلدان الطيبة، وأتأمل كثيرًا جليد النرويج ويقتلني صقيعه وتسحرني شمس منتصف الليل وتجمد أطرافي مياه بحاره ويمتد نهاره صيفا فلا يبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فيهرب ذهني ويصطحب خيالي في رحلة إسراء نوستالجية على كورنيش الدوحة، وأدخل جمعية الصحفيين الكويتية كأنها بيتي الثاني، ويستقبلني الأمير سلمان( خادم الحرمين الشريفين حاليا ) في مكتبه بإمارة الرياض مشجعا إياي كالعادة أن أكتب ما أشاء بغير تردد، وأرصد في كل ساعة من زيارتي لدُبي مشروعا جديدًا، وأقارن بين أبو ظبي ونظيراتها من مدن أوروبية سبقتها بمئات الأعوام فإذا بالعاصمة الإماراتية تسابق رياح النهضة وتسبقها لتختصر العقد في سنة، والسنة في شهر، والشهر في يوم أو بعض اليوم.
قليلة هي المرات التي غضبت خلالها في الخليج، وعرفت مكتبات الكويت ورفوفها، واستمتعت بأحاديث مثمرة مع الشيخ حمد بن سحيم آل ثاني واستمعت لمحاضرات من الصفوة المبدعة والمبتكرة الجديدة في الإمارات وعرفت قدرة التسامح العُماني في صناعة المواطن .. عاشق وطنه وقيادته، وقفزت بجنون في وسط عشرات الدلافين في مسقط ثم عدت إلى المركب خائفا لأنها دلافيل برية لا تلاعب الإنسان ولا تستأنس به، وأبهرتني عبقرية الفكر القيادي في دُبي وأشتاق لأحاديث أدبية وشعرية بلغة عربية ثرية في جلساتي المطولة مع الوزير المستشار علي الشاعر في بيته الأنيق بالرياض، أو مع الدكتور عبد الله عُمر نصيف.
أشتاق لأصبّح على يومي بصحيفة الأنباء الكويتية أو الاتحاد الظبيانية أو الشرق القطرية.
عرفت الخليج وأهله ومثقفيه وأدباءه وشعراءه ودبلوماسييه وإعلامييه ورأيتهم أكثر تواضعا من نظرائهم في مشرقنا العربي الذي لا يعرف غير أحاديث مقارنة الزعماء، السابقين واللاحقين، وارتعاشات الرعب من أجهزة الأمن والاستخبارات.
في نفسي حُزن شديد على ما آل إليه خليجنا في صراعات تقترب من إصابة النهضة بنصف شلل، ولا أفهم كيف لدولة قطر المكوّنة من شعب طيب الأعراق أن تختار جانب التطرف الديني، ودعم لصوص المراكز الإسلامية في أوروبا، واستضافة عقول التشدد ودعاة الفتنة، وصناعة إعلام التحريض والإفك!
لو انسحبت قطر وإيران من دعم الانقلابيين الحوثيين لما كانت هناك حجة لأي طرف أن يرسل على شعبنا اليمني قذيفة أصغر من مفرقعات الأطفال في العيد.
لو استجابت قطر لطلب واحد وهو قطع الدعم والمساندة عن المنظمات والجمعيات والميليشيات الدعوية التي تصنع المسلم المفخخ لانفتح باب السلام على المنطقة برمتها.
قد تربح قطر الجولة الأولى، والعام الثاني، لكنها حتما لن تجد مفرًا من قبول الأمر الواقع وهي أنها جزء لا يتجزأ من خليج تماسك سنوات طويلة بفضل روح زايد، وعبقرية الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح( رحمهما الله)، وسلام النفس الذي صنعه السلطان قابوس بن سعيد.
لقد تغيرالخليج، الذي ما زلت أحبه، وتصاعدت حِدّة الحوارات فبدت كالسهام، وفُتحت ثغرات مرّ منها مفجرو الفتن والآكلون على كل الموائد.
أشتاق للخليج الذي دافع قلمي عنه لسنوات طويلة، وتواضعت كتاباتي تقديرًا لدور عظيم قامت به دول مجلس التعاون الخليجي على الرغم من أزمات الوافدين، وأنياب الترامبيين، وجواسيس الأنظمة المستبدة في مشرقنا العربي التي يستضيفها الخليج فتطعن مرة هنا، وتعانق مرة هناك!
أشعر بحنين للخليج، وكلما هممت بالكتابة تراجعت همّتي، رغم أن العشرين كتابا التي صدرت لي يحتل خليجنا العربي وبلدي الأم مصر ثلثي صفحاته، فالألسنة تُشحَذ مع أول حوار، والإعلام يَطعَن ويُطعَن، وضيوف المطابع من عرب المشرق يحصون أموالهم قبل الكتابة وبعدها، وصراخ الفضائيات يُلغي أهمية مكبرات الصوت.
أشتاق لخليج إذا امتد بصري للمياه لا أرىَ حراس الثورة الإسلامية، وإذا نظرت إلى الشمال أعادني الهدوء إلى السلام، وإذا قرأت عن الإمبراطورية العثمانية لا أسمع خرير أمواج البوسفور.
أشتاق لخليج عربي فيه الوطن قبل أي شيء آخر، ولا يزايد أحد بدينه أو مذهبه أو طائفته أو جماعته.
يظن الخليجيون أن من يتعاطف معهم ويحمل همومهم؛ لكنه يناهض ويعارض حكومة بلده الأم فهو يصبح في جانب مضاد ومعاكس لقضايا الخليج وأهله وحكوماته!
من لا خير له في بلده فلن تكون علاقته مع الآخرين إلا زيفا وانتهازية حتى حين!
عني أنا شخصيا فإننــي على استعداد أن أخسر كل أصدقائي وأحبابي في الخليج الذي قضيت معهم أكثر من نصف عُمري إذا كان شرط الاستمرار هو نفاق ومجاملة ودعم لصوص ثورة يناير، ومهدري ثروات شعبنا في مصر، وفاتحي أفواه سجونها ومعتقلاتها!
عارضت مبارك أكثر من ربع قرن، ثم عرف أصدقائي في الخليج أنني كنتُ محقا، فالمخلوع كان طاغية وسجّانا ولصـًـا وكذّابا ومزورا ومر ربع مليون مواطن على سلخانات التعذيب في عهده المشؤوم!
السيسي ورث عن مبارك وطنطاوي ومرسي الكراهية المتعارف عليها نحو خليجنا، فرمال الصحراء تتحول إلى أموال في جيبه، لكن قدرته على المسكنة والتسوّل أفضل من سابقيه، لهذا فأنا أريد الاثنين إرضاءً لضميري: تعاطفي مع خليجنا الدافيء وكراهيتي لنظام الحُكم في بلدي الأم!
لهذا بهتت، وبردتْ، وتراجعتْ، وضعفتْ علاقتي بدول الخليج العربية، لكن المودة والمحبة والنوستالجيا والوفاء لسنوات الحب لم تتغير من ناحيتي، ولو تعرض خليجنا العربي لعدوان فسيكون قلمي أسبق من سلاحهم في الدفاع عنهم.
كان أعلى وأكبر المسؤولين يبتسمون عندما يقرؤون انتقاداتي الحادة ضد مبارك، فيختلفون ويتفقون معي، لكن أواصر المحبة تظل قائمة.
الآن تغير الوضع؛ ومن يعارض السيسي من أبناء بلده ليس مرحبا به في أكثر دول الخليج العربية حتى لو كان في حالة حرب مع خصومهم وأعدائهم.
لم تتغير مشاعري نحو الخليج العربي، ولن يأتي الوقت الذي أتخلص فيه من ذكريات جميلة أبهجتني وأسعدتني وقدمتني لأناسٍ وجدوا أماكنهم في قلبي ولم يبرحوه ولن يغادروه ولو رفع كل خليجي السيف في وجه أخيه وصديقه وضيفه.
أتابع أحداث الخليج ولا أتعاطف مطلقا مع الموقف الرسمي القطري، وأحزن لاستمرار النزيف اليمني الذي ينكأ جرحه في كل يوم أعداء السلام.
الكرة في ملاعب أمريكا وقطر وايران وتركيا، وإذا سقط حارس المرمىَ فلن تقوم لخليجنا قائمة بعد اليوم.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
Taeralshmal@gmail.com
أوسلو  النرويج

29‏/06‏/2018

خوفي على مصر من الأِخوان المسلمين! ( هذه الرؤية بتاريخ 13 مايو 2005)

خوفي على مصر من الأِخوان المسلمين!
( هذه الرؤية بتاريخ 13 مايو 2005)

فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين،
دعني أعترف لك أولا بقناعاتي أن في كل مصري جزءا من الإخوان المسلمين حتى لو كان على الطرف النقيض الآخر ، أو عضوا في الضباط الأحرار، أو قائدا لثورة يوليو، أو ماركسيا يخاطب العمال نهارا ويقرأ رسائل انجلز قبل النوم، أو علمانيا يرفض الدولة الدينية ويولي وجهه شطر مباديء الثورة الفرنسية.
كنت مراهقا يجمع التناقضات، فأذهب إلى قصر الثقافة بالأنفوشي لأقرأ دواوين البحتري وأبي تمام، أو أتوجه إلى نادي السينما لمشاهدة فيلم يناقشه معنا بعد عرضه مصطفى درويش، أو ألتقي مع أستاذنا رئيس قسم العقائد في الإخوان المسلمين.
وفي احدى المرات كان موعدنا معه لنتدارس كتاب ( النبوة والأنبياء ) لأبي الحسن علي حسني الندوي، وغاب أستاذنا الكبير منذ ذلك اليوم( أغسطس 1965 ) ولست سنوات في غيابات السجن، وترك لنا حيرة شديدة احتاجت لزمن طويل للتعامل معها وتحويلها إلى يقين مضاد عكس ما أراده تماما.

كنا نقرأ معه مباديء الإخوان حتى اصطدمت عيناي بالمبدأ التاسع الذي يقول ( احرص على أن لا يقع القرش إلا في يد أخيك المسلم )، وأسَرْتُها في نفسي فقد كنت صغيرا ولم أعرف أنها دعوة عنصرية طائفية تفرّق بين أبناء الوطن الواحد، وتشعل على مهل فتنة طائفية قد تؤتي أكلها بعد عقدين أو ثلاثة أو أكثر.
في عيد ميلادي الثامن عشر تلقيت هدية من ثاني اثنين من أصدقاء الطفولة وكان ( معالم على الطريق ) لسيد قطب، ثم توالت قراءاتي والتهمت كل كتبه وظلال القرآن وكتابات شقيقه محمد قطب وأبي الأعلا المودودي، ولكن ظل الشيخ محمد الغزالي هو الأقرب لعقلي، واستقبلني عندما قطعت شوطا في كتاب لم اكمله عن مقارنة الأديان عام 1969.
وبدأتْ قراءاتي تنحو في اتجاهات أكثر توسعا وعمقا من دائرة كادت تضيق بي، ولكن حيرتي مع الإخوان المسلمين ظلت قائمة ومتأرجحة بين اقتراب وابتعاد كأنها قصة حب فيها نفور، أو حكاية خوف يحاول أن ينتزع ما علق في الصدرمن تأثير في سن غضة صغيرة!

في جنيف قمت بزيارة للمركز الإسلامي، واستقبلني سعيد رمضان، العقل المالي المدبر للجماعة والممول في أوروبا، وجرى حوار رقيق جدا، ثم أهداني كتيبيّن من تأليفه، وقام بتقبيل رأسي، وكانت تلك المرة الأخيرة التي أراه فيها، رحمه الله.
وأول بيت خليجي استضافني في ديسمبر عام 1982كانت دار الشيخ عبد الله العلي المطوع رئيس جمعية الاصلاح الاجتماعي في الكويت، أي ممثل الإخوان المسلمين في الديرة، وتحدثت مع ضيوفه عن هموم المسلمين في النرويج.
والأربعة الذين تأثرت بهم وهم مصطفى صادق الرافعي والشيخ محمد الغزالي ومالك بن نبي ومحمد أسد، كان ثلاثة منهم متأثرين بالإخوان المسلمين أو تلامذة للمرحوم حسن البنا.

ولكن الزمن المصاحب للمعرفة والقراءة والاطلاع والتجارب لسنوات طويلة وضع لمساته ببطء وعقلانية ومنطق على أفكاري وآرائي، حتى انتهى إلى رسم المشهد الأخير لتطوري الفكري ليضعني في الجانب الآخر من الإخوان وعلى مسافة لاترى نهايتــَـها العينُ المجردة.
رغم كراهيتي الشديدة للنظام الارهابي الفاسد والمستبد للرئيس حسني مبارك، ولعلك، فضيلة المرشد العام تابعت حملتي للعصيان المدني التي انتهت إلى الفشل، إلا أن خوفي من وصول الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم تنزل الرعب في قلبي خوفا على مصرنا، ويقينا أن مستقبلا مُلاّليا مظلما ينتظر هذا البلد الصابر المسكين، وأن الخمسة والعشرين ألف معتقل سياسي واسلامي القابعين حاليا في سجون الرئيس مبارك، سيستبدل بهم الإخوان المسلمون ناصريين ويساريين وشيوعيين ومستقلين وعلمانيين.
الثأر من العهد الناصري ورجاله سيكون من أولويات حُكم الإخوان المسلمين، وفرز المواطنين على أساس مقياس درجة القُرب من الفكر الديني سيحمل الفكر الحُرَّ إلى جيتو منعزل وخائف من مسرور السياف، فتاريخ الجماعة مع صور الاجتهاد، اختلافا أو اتفاقا، يشي بقبضة حديدية تصغر بجانبها الفاشية.

عندما يحكم مصرَ الإخوان المسلمون، لا قدر الله، فإن إعصارا هائلا من الكراهية سيطيح بكل القوى المخالفة والمناوئة، وقطعا سيخرج للعلن المبدأ التاسع ( احرص على أن لا يقع القرش إلا في يد أخيك المسلم ) ليتم القضاء على ما بقي من ظواهر الألفة والمودة التي تخفي فتنة طائفية لو راجعت المواقع الإسلامية والقبطية لشاهدتها بوضوح وظننت أن الحرب الطائفية قامت بالفعل، فإذا استمعت للبال توك فلن تصدق أذناك أن لغتنا تتسع لهذا القدر من الكراهية، وإذا دلفت إلى موقع أقباط الولايات المتحدة فستظن أنه لن يأتي فجر اليوم التالي قبل أن تقوم القيامة من هول الشتائم والافتراءات القبيحة والبذيئة عن الاسلام وقرآنه المقدس ونبيه الكريم.
والإخوان المسلمون يثيرون الرعب في قلوب من اختاروا العقل والاجتهاد طريقا للمعرفة، فإذا أصبح سيد القصر إخوانيا فإن عالـَـما جديدا من التقسيم المواطــَـني سيُدخل مصر في متاهات مستقبل مظلم ولو حمل راية روحية.
وتاريخ الإخوان المسلمين كلعبة السُلَّم والثعبان، فقد كانوا في الفترة الأولى للغزو العراقي للكويت مع البعث الصدامي، وهم الذين أداروا ظهورهم لمحاكمات المفكرين الذين طردتهم اجتهادات الفاشية الجديدة باسم الخروج على النصوص المقدسة،وابتهجوا لشركات توظيف الأموال والاحتيال على الشعب، وتحالفوا مع النظام قبيل اكتشافهم أنه على وشك السقوط، ورفضوا العصيان المدني من القوى الأخرى لكي ينسبوه لاحقا إلى أنفسهم وقوتهم، وأصدروا عشرات البيانات والاشارات المتناقضة التي يفسرها كل طرف وفقا لمزاجه، فهم مع الأقباط في عضوية الجماعة لكنهم أيضا مع الفكر الرجعي للتمييز بين المواطنين على أسس دينية، وهم ضد أمريكا ويغازلونها، وضد مبارك ولا مانع من تجديد ولايته الارهابية لمرة خامسة أو صعود نجله الشاب فوق رقاب أبناء شعبنا.

أمامي مشهد مفزع لحكم مصر، وشباب فرّغته الفتاوى الفجّة من العقل والمنطق والثقافة لتلصقه بعالم النقل والنصوص الصفراء لفقهاء القرن الثالث الهجري، وتجديد المودودية، وهيمنة فكرة سيد القطب بأن جنسية المسلم عقيدته، وسذاجة المثقفين الذين يظنون أن جيلا جديدا من الإخوان المسلمين يرفع شعار الوسطية هو الذي سيحل محل أسرة مبارك.
والبسطاء يظنون أن عضوية الجماعة صكُ براءة وادخال ملائكة جدد مع التوقيع، لكن الحقيقة أن مئات الآلاف من قوى الشباب المتطرف سترفع أيضا شعارات دينية، وستنضوي تحت لواء الإخوان المسلمين لتحيل الوطن إلى محكمة تفتيش في الصدور والعقول ومَعارض الكتب وملزمات أساتذة الجامعات والإعلام والسياحة والاقتصاد والبنوك والحرب والسلام والعلاقات مع العالم الخارجي.

الإخوان المسلمون جماعة قوية ومنظمة وعسكرية، ويطيع أعضاؤها توجيهات المرشد العام كما تطيع الماشية عصا الراعي، وهي الوحيدة الآن القادرة على الاطاحة بالنظام المترنح وزعيمه الهارب في شرم الشيخ.
في نفسي احترام شديد لكل مناهضي الحكم المستبد في مصر، وأخص بالذكر الدكتور محمد عباس صاحب الكتاب الرائع ( اغتيال أمة) وأحد أهم المقاومين والمناضلين ومعه مجدي أحمد حسين، ولا أنكر اطلاقا أن في الجماعة عبقريات علمية وكفاءات ورجالا ونساء يستطيعون أن يمدوا الحًكم القادم بدماء نقية جديدة.
لكن وصول الجماعة للحُكم، والسيادة على مقدّرات الأمة، واقامة نظام إيراني سوداني أفغاني يأخذ من المودودي وسيد قطب وجعفر النميري وخلخالي هو كابوس أخشى على مصرنا منه، وما أسهل أن يستشهد الشيطان بآيات من كل الكتب المقدسة، وأن يصدر رجل الدين حُكما بقطع رقبة مفكر بعد استتابته لأنه خالف ابن تيمية أو الجوزي أو اكتشف أخطاء في الشيخين، مسلم والبخاري، فرأى أن أحدهما لم يتحقق بما فيه الكفاية من وسائل المعرفة آنئذ.

قلبي مع الإخوان المسلمين عندما يتظاهرون ضد مبارك، وقلبي على مصر كلما اقتربوا من حُكم أم الدنيا.
ولأن قوىَ المعارضة الأخرى رضعت من ثدي الحكومة، باستثناء القوى الناصرية المناهضة للاخوان، فإن احتمالات وصولكم للحُكم كبيرة جدا، ولعل قوى التزلف والنفاق والوصولية تتمسح بكم، ويستعد رجال كل العهود لتغيير نبرة الصوت لتصبح دينية ولا مانع من زبيبة صلاة جديدة وسبحة من الحرم الشريف ورفع شعار ( الإسلام هو الحل ) فوق محل لأحد المرتشين واللصوص، فالشعارات الدينية مجانا، والنصوص يتم نقلها مثلما ينقل شباب الانترنيت المقالات عن طريق نسخ ولصق.

فضيلة المرشد العام،
تلك هي بعض خلجاتي أضعها أمامك، وفيها من الخوف على بلدي الكثير، وأخشى الفتنة الطائفية في النظرة الاستعلائية للاخوان تجاه أقباطنا شركاء الوطن، ولعلك تتذكر كيف اتسعت الفجوة بين التوتسي والهوتو في رواندا بسبب نفس قضايا التفرقة المواطنية فكانت النتيجة عام 1994 مليونا من القتلى.
وكان لبنان قبيل الحرب الأهلية غارقا في نفس قضايا التفرقة الطائفية على أسس دينية فكانت النتيجة وحشية أهلية امتدت أربعة عشر عاما وحصدت مئة ألف قتيل ودمرت وطنا بكامله.
المواطنة الكاملة لأقباط الوطن لن يكون لها نصيب من الواقع لو تولى الإخوان المسلمون حُكم أرض الكنانة، وأنتم مطالبون بكشف حساب لكل المواقف الانتهازية والوصولية التي لجأ إليها الإخوان المسلمون قبل أن يحدث صدام مستقبلي مع كل قوى الشعب التي ساهمت في التخلص من الرئيس حسني مبارك فجاءها الإخوان المسلمون ليحصدوا نجاح اليساريين والناصريين والشيوعيين والعلمانيين والمستقلين والأقباط وغير المنتمين وحتى حركة ( كفاية).

على الرغم من أنني مسلم أعتز بإسلامي وعلاقتي برب العزة ويقيني بديني ومعرفتي الجيدة به، ومؤمن إيمانا لا يتزعزع بالمساواة الكاملة مع شركاء الوطن أقباطنا، وأدافع عن حقوقهم في كل وقت ومكان، إلا أن معظم الشتائم والسباب والانتقادات البذيئة والتهديدات الحمقاء تأتيني من الجماعات الاسلامية والقبطية على حد سواء، فكيف لي أن آمن على نفسي وفكري وحريتي في ظل صكوك مقدسة يملكها المرشد العام وهو يجلس في قصر العروبة؟
أحيي فيكم، وخاصة أبطال صحيفة الشعب، النضال والمقاومة ورفض الديكتاتور، لكنني أدعو الله تعالى أن لا يتولى الإخوان المسلمون حُكم مصر، وأحاول أن أبعد عن مخيلتي مشهدا مستقبليا تقطع فيه رؤوس بعد استتابة اصحابها لأنهم خالفوا توجيهات ولي الأمر .. الخليفة .. والمرشد العام ونائب الله على الأرض.

فضيلة المرشد العام،
إذا أردت أن تتحقق من صحة كلامي ومخاوفي فتابع إن أستطعت تعقيبات وردود وأفكار وآراء شباب الجماعة أو المتأثرين بها أو الحالمين بجنتها وهم يردون على رسالتي تلك في مواقع ومنتديات على النت، وستكتشف أن مسرور السياف موجود داخل معظم شباب الجماعة، وأن المجهول في مستقبل مصر ، إذا توليتم الحكمَ لا قدّر الله، هو طوفان لا يبقي ولا يذر.
أما إذا أراد الإخوان المسلمون حلا لقضايا وطنهم فينبغي أن يتعاونوا مع كل القوى الأخرى، وأن لا يلعبوا من وراء الظهر، وأن لا يبعثوا بإشارات حمراء وخضراء في نفس الوقت، وأن ينتزعوا الغل من الصدور ضد مخالفيهم، وأن يصرحوا عمليا ونظريا بحق المساواة الكاملة مع شركاء الوطن .. أقباط مصر، وأن يستمروا في نهج التربية بعيدا عن التفرد بحكم مصر والحلم بالسيطرة على أكبر دولة عربية على أساس ديني.
وسلام الله على مصر

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 13 مايو 2005.

28‏/06‏/2018

انزعوا القداسة عنهم لتعود إليكم إنسانيتكم!

انزعوا القداسة عنهم لتعود إليكم إنسانيتكم!
عندما نحاولُ الغوصَ في أسبابِ أكثر الخلافاتِ المذهبيةِ والمعتقدات الدينية وتوجّهات الأحزاب وصراع أفراد، ثم ندلف إلىَ عالــَم الكراهية والبغضاء والنزاعات، ومن ثم نتسلل إلىَ أعماق النفوس والقلوب والصدور في محاولة للإطـّلاع علىَ المشهد الداخلي للإنسان فلا ريب في أننا سنعثر علىَ تراكماتٍ لا نهائية من التأليه والتقديس. القداسةُ هي رفع شخص إلىَ مرتبةٍ تجعله أعلىَ وأرفع وأسمىَ مما هو في حقيقته.
إخفاءٌ تام لكل صور الضعف والوهن والعجز، لهذا كان عجباً في نظر مُشركي قريش أن يرسل اللهُ، عز وجل، رجلا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
عندما يغترب المرءُ ردحاً طويلا من الزمن يبدأ في صناعة ماضيه، فيحذف منه ويضيف إليه ويتلاعب بذاكرته عن غير وعيٍّ منه، وفي النهاية ينتهي من رسم لوحةٍ لماضيه، طفولته وشبابه، ليست مطابقة تماما للصورة الحقيقيـة، وفور وصول المغترب إلى مرحلة تصديق ماضٍ من صُـنع خياله يصبح على استعداد أن ينافح عنه بكل ما أوتي من قوة.
هناك حالة مشابهة رغم أنها معاكسة تماما وهي تلك التي يقوم آخرون فيها بصناعة ماضي الغير، حذفاً وإضافة ورتقاً وتزييناً وتلويناً رغم أن الفارق الزمنيَّ والمكانيَّ قد يكون عقوداً و .. قروناً.

المجهول هو القوة الدافعة لصناعة القداسة، والإنسان مولع بالبطل المصنوع من قوىَ خيالية أو دينية أو وطنية أو خرافية بحيث يصعب التحقق من صحة مواصفات بطلـِنا!
لو أنك كنت تقيم في الصين الشعبية إبان الثورة الثقافية وقلت لأحد بأن ماوتسي تونج رجل فيه من الضعف والقوة ما يماثل غيره، بل إنه كان يتحرش بالفتيات الصغيرات، وهو كغيره يتألم، ويتلوّع، ويطارد الأرَقُ جفونــَه، ويصيبه إسهالٌ وإمساكٌ، وربما نوبات من البكاء لا يعلم عنها أحد شيئاً.
لو همست بهذا لكانت رصاصة شيوعية أصابت مـَقـْدَمَ رأسك كما كانت تصيب الأسرى الفيتناميين رصاصات سايجونية خلال حرب اليانكي ضد الفقراء الصُفر المدافعين عن وطنهم الأحمر في هانوي.
إذا ارتدى مخبول ملابس رثة، وأطلق لحيته، وحمل بخوراً، وجلس في أرض جدباء خربة بالقرب من ضواحي مدينة كلـْكـُتـّا الهندية، ثم زعم أنه آخر أنبياء الهند فسيبصق عليه الناس في اليوم الأول، ويؤمن به ثلاثة في الأسبوع الرابع، ويصبحون ثلاثين في بداية العام التالي، وبعد خمسين عاما من الصمود وتحمـّل التهكم والصبر على السخرية تعلن الحكومة البريطانية أنها بصدد الموافقة على السماح ببناء معبد في برايتون لتلك الطائفة المضطهـَدة في الهند.

يمكنك أن تطلق شائعة عن فقيه من نسج خيالك يدعى، مثلا، " الهيثم بن البحر" كان يعيش في اليمن، وكان إذا قرأ القرآن الكريم سمع حفيف أوراق الكتابة فيفهم أن سبعين ألفا من الملائكة يكتبون حسناته بسرعة الصوت.
إذا قصصت هذه الحكاية على أشخاص مختلفين عدة مرات في أوقات مختلفة وأماكن متعددة فإنني على يقين من أنك ستقرأ الحكاية بعد خمسين عاماً في كتاب موثـَّق بقلم كاتب مشهود له بالتدقيق والتصحيح والمراجعة، وسيؤكد لك يوم مولد ووفاة " الهيثم بن البحر" الذي اخترعته قريحتك في جلسة مزاج عال.
ما نفرت في حياتي بعد نفوري من الطغاة كما أفعل مع القداسة.
الاحترام والتقدير والمحبة والإعجاب كلها مشاعر تظل في إطار الحس الإنساني الذي لا غبار عليه، أما تنزيه شخص ووضعه في دائرة المعصومين، ثم إحاطته بهالة من القداسة فإن نفسي تشمئز من تلك العلاقة المريضة بين الاستعلاء المصطنع و .. الدونية الموهومة.

تاريخنا كلـُّه مليءٌ بشخصياتٍ خرافيةٍ ألـَّهناها، وعملقناها، ورفعناها فوق رؤوسـِنا، ثم صدَّقنا ما وضعناه على ألسنتــِها!
قابلتُ كثيراً من الحاصلين علىَ أعلىَ الدرجات العلمية لكنهم يتلذذون بمشاعر الدونية نحو شخصيات تاريخية أو دينية أو وطنية كما يشعر الجندي الريفي في أول أيام الخدمة العسكرية وهو يقف أمام قائد المعسكر!
عندما يقف شيخٌ أو قـِسٌّ أو حاخام أمام المؤمنين فإنَّ رهبةَ المجهول في الدين تسري بسرعةٍ عجيبةٍ من المنبر إلىَ فؤاد المتلقي ويبدو كأنه تنويمٌ مغناطيسي، ونفس الأمر ينسحب علىَ العلاقة مع الحاكم أو الزعيم أو الديكتاتور، فسكانُ أديس أبابا كانوا يظنون أنَّ الإمبراطور هيلاسلاسي يراقب أحلامــَهم، وكوابيسـَهم، ويعرف ما يـُخفون في صدورِهم، لذا غاب عن الاثيوبيين أن إمبراطورَهم مشكوك في قدرته على القراءة والكتابة!

هذه الشخصيات التاريخية والوطنية والزعامات الدينية تقوم في حياتـِها ومماتـِها بالسيطرة على عقولـِنا وقلوبـِنا، أو بالأحرى نمنحها نحن مُقًدراتنا!
لو يعلم أيُّ عاقلٍ أنَّ الثقوبَ في الثوب المـُقـَدّس أكثر من المساحات السليمة لنفـَضَ عن نفسـِه عبادةَ الأشخاص.
يتملـَّكني غضبٌ شديدٌ مـَشوبٌ بإشفاقٍ عندما أرى الإنسانَ الذي خلقه اللهُ، ونعَّـمـَه، وكـَرَّمَه، ونفخ فيه من روحـِه وقد تحوَّل إلىَ حشرةٍ أو أدنىَ. يــُقــَبـِّل أيدي المـُلوك والشيوخ والعلماء؛ يطيع رجالا لو رآهم في لحظات ضعفهم للطم وجهه على ما فرط في كرامته وإنسانيته.
يستشهد بآراءٍ وأفكارٍ وحكاياتٍ نقلها له عنعنيون فظن أنها قبسٌ من نور الذِكـْر الحكيم أو تنزيلٌ من التنزيل.
يأكل الدودُ صاحبــَنا الذي لا نعرف عنه إلا القليل، وبعد مئات الأعوام نكاد نركع أمام أقوالـِه، ونتقاتل لنثبت صحتـَها، ونقاتل من يشكك في أي حرفٍ منها.
كلهم رجالٌ مثلــُنا، منهم من مات وشبع موتاً، ومنهم من لم يأخذ حفـَّارُ القبور أجراً علىَ دفنــِه بعد.

لا غضاضة أو اعتراض أو عــِتاب في أن نحترم شيخَ الأزهر وبابا الكنيسة القبطية وبابا الفاتيكان وآيات الله في قُم والنجف وكربلاء وحاخام اليهود وزعماء الدروز والبهائيين والبابيين والأحمديين والسيخ والهندوس والبوذيين .
وجميل أن تكون حريصاً علىَ آراءٍ وأفكار وأعمال ومؤلـَّفات وتراث دين أو معتقد أو مذهب أو زعيم وطني أو قائد ثورة ثقافية أو شيوعية أو مُحرِّر أمة من سيمون بوليفار إلى بسمارك، ومن أتاتورك إلى محمد علي، ومن مارتن لوثر كينج إلى جيفارا، ومن الأئمة الأربعة إلى القدّيسين وكهنة الأديرة ومُفسـّري الكــُتـُب المقدسة والوضعية.
لكن كل الذين نعرف أنهم من تـُراب الأرض جاءوا وإلى تراب الأرض ودودِه عادوا ينبغي أن يظلوا في دائرة إنسانية بكل ضعفها وقوتها، فقد كانوا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويمرضون، ويقضون حاجتهم، وتنبعث منهم روائح كريهة، ويُصابون بالضعف النفسي والجنسي والشره والتخمة والإدمان و .. الزهايمار، ويتلعثمون، وتهاجمهم كوابيس، ويجهشون بالبكاء في الخلوة.

عندما ينصحك المتلذذون بالدونيــّة بطاعة وليّ الأمر مهما كان ظالماً وشريراً ومستبداً فلا تنصت إليهم، فأولو الأمر أيضا أناسٌ ليسوا أعلىَ من أدنانا، أو أقوىَ من أضعفـِنا، أو أذكى من أغبانا!
طريقُ الإصلاح يبدأ من هنا .. من حيث نزع القداسة عن أيّ إنسان ما لم نؤمن أنَّ اللهَ أوحىَ إليه، أو اصطفاه، أو كـَلــَّمـَه، أو نـَزَّل عليه الروحَ الأمين.
عندما تنتقد، وتـُشكـّك، وتتفحص، وتغوص في الأعماق، وتقرأ ما وراء السطور، وتقف على قـَدَم المساواة الإنسانية مع أي شخص في الدنيا فأنت على الصراط المستقيم.
كبارُنا صغارٌ، وعلماؤنا خلقـَهم اللهُ ضــِعافاً، وزعماؤنا التاريخيون أو الذين لم يقم مــَلــَكُ الموت بزيارتـِهم بـَعْدُ لو اطـَّلعتَ عليهم بين جدرانٍ أربعة لبكيتَ على كل لحظة خفضت رأسـَك أمامهم، حُضورا أو غياباً!
حديثي هذا لا ينتقص قيدَ شعرة من أي صورة من صور الاحترام، لكنه دعوةٌ لإعادة تحطيم الأصنام التي في الصدور.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو 
Taeralshmal@gmail.com

26‏/06‏/2018

ياه .. دا أنا إتحســدتْ!


ياه .. دا أنا إتحســدتْ!

استعينوا على قضاء حاجاتكم بالإيمان وليس بالكتمان.
لا تخافوا من عين حاسد ولو كانت تشق الحجر ويشقق منها الصخر، فرحمة الله تجعل الحجر ينبجس منه الماء.
إنَ الله أعطاك نعَمَه، ظاهرها وباطنها، لتشكره في العلن وليس في الخفاء، ويسمع عبادُه منك أثر نعمته عليك فيحافظ لك عليها، لا أن تكتمها كما يكتم البخيلُ حقيقة ثروته التي ستذهب حتما لورثته دون أن يناله منها شيء.

لو اجتمع سكان الأرض كلهم أن يسلطوا شرارات عيونهم على صورة جميلة لك أو لأولادك أو أحفادك أو بيتك أو حياتك أو مالك فلن يحركوا ذرة من مكانها إلا أنْ يشاء الله.
افرحوا بعطاء الله فهو في حمايته، جل شأنه، من الحسد، فإذا أخفيتموه فقد جعلتموه في حماية الخوف والضعف وعدم الثقة برب العالمين.
حدّث بنعمة ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، واعلن على الملأ أسماء العطايا التي وهبك إياها رب العزة، ثم اتركها في رعاية من أعطاكها، وسيحافظ لك عليها أكثر مما تفعل.
العين الحاسدة أضعف من خيط العنكبوت، وهي تتحدىَ ربَّ الكون العظيم فإذا بها ترتد على صاحبها كراهية داخلية لا يُخرجها أمهر جراحي القلوب.

لا تصدقوا من يقول: داري على شمعتك لعلها تنير، والحقيقة أنها ستنطفيء إذا أخفيتها أو .. كتمتها.
حتى لو أمامي مئة دليل على قوة عين حاسدة، فمعي أدلة الدنيا كلها على رحمة الله.
الخائفون من الحسد؛ خائفون من أنفسهم وليس من عيون الآخرين.
أنا أخجل من ربي إذا أعطاني نعمة العقل والجسد والعائلة والأطفال والأحفاد والستر والعمل والأصدقاء والمحبين؛ ثم لا أتحدث عنها خشية أن ينتصر الحاسد الضعيف على الله القوي العظيم.

قضيت عُمري وأنا أُخرج لساني للحاسد، ثم أترك الأمر لله؛ فإذا الذي بيني وبين الحاسد عَرْض السماوات والأرض ولو فلقت عينه الجبال والبحر.
الكراهية حسد، والكاره أوهَنَ من فراشة ميتة، ولن يصيبك بأذى قبل أن يأذن له الله، والله لا يأذن للأشرار بقوىَ خفية لا قــِـبل لأحد بها.
أتحدىَ أن يصارح أحدٌّ اللهَ بأن الإنسان المخلوق الضعيف والهش أقوى من عظيم الكون وخالقه.
ملعون من يحسد غيره ولا يعرف أن سلاح الحب والإيمان والثقة بالله أقوى من كل شيء.

لو كان لديَّ شيء أستحق عليه الحسد، واجتمعت الدنيا كلها وحسدتني، لما تأثرت قيد نــُــمــَـيـّـلة، لأن هذا يتعارض مع إيماني بالله تعالى!
الحسد العيني غير موجود بالمرة ولو ضُرب لي ألف مثل ومثل، لكن أن يرتبط به إيذاء مادي فلا بأس.

يحسدكَ جارك على سيارتك الفراري، أو على فيلتكَ الأنيقة أو تحسدكِ زميلتكِ على جمالكِ وفستانكِ الذي جئتِ مرتدية إياه في عُرس ابنة أخيك، كل هذا هباءٌ منثورٌ.
أما إذا جاء أحدهم وخرَّب سيارتك، أو ألقى حجراً على زجاج فيلتك، ومياه نار على فستانكِ، فهنا يصبح الحسدُ ماديا و .. مقبولا.
أحبُ السلام َالداخلي، ولست مؤمنا بقوىَ شريرة لم يمنحني الله قدرةَ مواجهتها.. شبح، عفريت، ساحرة، منجمة، قارئة فنجان، حاسد تفلق عيناه الحجر ... الخ.
سلامي الداخلي مساحة من الإيمان أعيش في جمالها ويقينها، ولو كانت أمامي عشرات الأدلة والشواهد على حسدٍ تعرضتُ له، فلن أومن به، فالله أكبر من هذا الهزل، وما خلق السماوات والأرض وما بينهما لعباً، حاشا لله، وكل شيء بقدر.

أيها المصريون المهووسون بالحسد،
من فضلكم، بلاش عبــاطة وسخافة وضآلة عقل، وتوكلوا على الله، واتركوا عيون الحُسَّاد، مع افتراض قناعاتكم بها، تأكل نفسَها.
الموضوع أصبح هوساً شعبيا وقوميا ودينيا و.. هبالياً!
ابحثوا عن السلام في الثقة بالله، ولا تتشككوا في نيــّــات الآخرين.
أما لو أردتم حقا الحماية من الحسد الذي تؤمنون به، فهاجروا إلى كهوف مظلمة في أعالي الجبال.
إن تكرار كلمة (خمسة) مثل البخور المسمم، وهي تدل على حالة عقلية متأخرة في التخلف.

هذا هو تفسيري لــ ( من شر حاسد إذا حسد)؛ تقبلوه أو.. أو تسألوا دراويشكم!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج



25‏/06‏/2018

مبروك لأردوغان رغم أنفي!

مبروك لأردوغان رغم أنفي!

أختلف تماما مع الإسلام السياسي، وأرى تدخلات الجيش التركي في سوريا عدوانا غير
مقبول، ودعم أنقرة لجماعة الاخوان المسلمين في مصر تدخلا غير مبرر، والقاعدة
عشرات الآلاف من المتعاطفين مع الانقلاب العسكري ضد أردوغان مقدمة لغول الاستبداد.
العسكرية التركية في الدوحة لا تختلف عن نظيرتها الأمريكية في العيديد، واعتقال

وأتفق مع الخيار الشعبي التركي الذي تجاوز الخمسين بالمئة في انتخابات
نزيهة حيث يحصل زعماء العالم العربي على نسبة تقترب من 100%!
الرئيس الشيخ رجب طيب أردوغان ليس وجها واحدًا، لكنه كتلة من عشرات
السلبيات ومثلها من الإيجابيات، وهو الحُلم العثماني في بسط هيمنة على الجيران،
وفي استقطاب قوى التطرف الديني مع قليل من الاعتدال.

تختلف معه، مثلما أفعل أنا، أو تتفق معه، مثلما أيضا أفعل، لكنه التوافق
الجديد بين القبعة والطربوش، والرجل الثاني القوي بعد مصطفى كمال أتاتورك،
والعلمانية المحَجَّبة، ويضع قدما في استانبول وأخرى في برلين، يصافح أنجيلا ميركل
ويعانق القرضاوي.

الشعب يختار الاستبداد ديمقراطيا، ولا يتردد في اختيار الزنزانة مع لقمة
عيش كريمة.

الشخصية التركية مُرَكَّبة من حُلم السلطان، لكنها تحصل على الثمن في السراء
والضراء، فثلاثة ملايين تركي في ألمانيا يرفعون مستوى معيشة أهل بلدهم في الوطن
الأم، وثلاثة ملايين سوري في تركيا تحصل أنقرة من الغرب على مليارات الدولارات
ثمنا لاستضافتهم لدىَ الشيخ أردوغان.

أنا لا أحب أردوغان ولا أبغضه رغم تحفظاتي على عثمانيته في سوريا وسيناء
والخليج، لكنني أحاول تتريك نفسي، لبعض الوقت، في حلم شعب يريد أن يكون أوروبيا
مُعَمَّما، ديمقراطيا مع رشّة استبداد، ديكتاتوريا داخل صناديق الاقتراع.

سيقول قائل: كيف ترى انتخابات تركيا نزيهة، وانتخابات تأتي بمحمد مرسي غير
نزيهة؟

الحقيقة أن نسبة الأمية للمقترعين المصريين جعلت وصول مرسي إلى الاتحادية
تزويرًا في الصدر قبل غمس الإصبع في الحبر الفوسفوري، ثم إن مرسي كان مرشحا أمام
المخلوع حسني مبارك العائد في صورة أحمد شفيق، ووصول مرسي كان مصحوبا بكل قوى
للعـَـلــَـم المصري، وتضاعف النقاب، وأصبحت الفتاوى بورنوجرافية وغيرها من
التخلف والمزايدة والانتقام والطائفية، فرفض أكثر أعضاء مجلس الشعب الوقوف
الطالبانية المصرية المخيفة.

في تركيا مثــَّـلَ أردوغان الدين السياسي وفي مصر كان مرسي يقود السياسة
الدينية؛ والنتيجة أن أنقرة جاءت بالاستبداد الراغب فيه الشعب وفي القاهرة حضر
التخلف يقوده الدراويش.

في تركيا لا يستطيع الرئيس أن يحلم بعيدا عن أتاتورك، وفي مصر سبقت روح
حسن البنا المجلس العسكري إلى المُقطم.

نفخ أردوغان شعبه من أجل أن يطرق حدود أوروبا وكأن خيوله على أبواب النمسا
وبلغاريا؛ وفي مصر طرقت الدول المجاورة أبواب مصر، ودخل السلاح من ليبيا والسودان
وتأخونت رمال سيناء.

كانت الفرصة سانحة في مصر لمحاكمة مبارك والمجلس العسكري ومحمد مرسي
لتأسيس الدولة القوية القائمة على روح ميدان التحرير، وفي تركيا كاد أردوغان يُلقي
بثلث شعبه بعد انقلاب يوليو في سجون تصغر بجانبها يوميات ميدنايت إكسبرس!

أردوغان زعيم حزب ديني يحترم العلمانية؛ وفي مصر كان محمد مرسي زعيم جماعة
إرهابية تتنفس من ( معالم على الطريق) ويحتقر المواطنة ( جنسية المسلم عقيدته)
ويرى شعبه غارقا في الجاهلية.

الشعب التركي المسلم يرفع صورة مؤسس العلمانية، ومسلمو مصر من جماعة مرسي
يصابون بالأرتكاريا إذا أطلت عليهم صورة عبد الناصر، ويرون ثورة طردت الاستعمار
البريطاني من قناة السويس انقلابا ونكسة واشتراكية كافرة.

يعزّ عليَّ ويؤلمني وتؤسفني تهنئة أردوغان وأفكر في دول الخليج( باستثناء
قطر ) وشمال العراق وسوريا واليمن، لكن الحقيقة المُرّة لنا هي بطعم الشهد في حلوق
الأتراك، ولا يمكن إلا أن نصالح الرئيس التركي للسبع سنوات القادمة ونزيح أحلامه
بعيدًا عنا، فهي كوابيس إذا كبرت بها جماعة مرسي والبنا!

إن مصالحة عربية/تركية/إيرانية قد تقطع الطريق على قوى الاستعمار خارج
المنطقة، فأوهام وأطماع سلاطين أنقرة وطهران والدوحة وأديس أبابا والخرطوم وتل
أبيب قد تُقلب الطاولة على عالمنا العربي الممتد من الماء إلى الماء، وعدوانية
نظام الحمدين وتميمهما تسعى لاستنزاف دولة الإمارات العربية المتحدة وهي المنافس
الأكبر لدولة قطر، والدولة العربية الوحيدة التي كشفت وفضحت مراكز الإرهاب
المتأسلم في العالم برمته.

نجاح أردوغان أثبت أن لقمة العيش في الداخل والكرامة في الخارج تمثل ثلثي
ما تحويه صناديق الاقتراع، ورغم أن الزعيم التركي متواضع أمام مساكين شعبه ومتكبر
في مواجهة القوى البيضاء الأكبر، إلا أن أكثر زعمائنا متكبرون أمام شعوبهم وصغار
في لقاءاتهم وحواراتهم مع الترامبيين في الغرب وأمريكا.

سأبعث تهنئة للشيخ أردوغان إذا أطال الله في عُمري سبع سنوات أخريات،
لكنني لن أبعثها للاخوان أو السلفيين أو الدواعش حتى بعد زيارة حفار القبور لي!



 محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 25 يونيو 2018

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...