04‏/05‏/2016

يا ليلة الشباب آنستينا!



هذا المقال الذي نشرته عقب خلع الطاغية مبارك أجده مرآة أرى فيها نفسي وقلمي وهمومي وغضبي.
أعيد نشره الآن لعله يعيد شحني من جديد، فأحيانا يكون الغضب صلاة، وحبُ الوطن يُقاس بسعة المسافة بينك وبين القصر.
أوسلو في 15 فبراير 2011
لو كان هناك اجتماعٌ في الأسبوع الثالثِ من يناير الماضي وحـَضَرَه أشهر المُنـَجّمين والضاربين بالودع والعرّافين والسَحَرَة ومعهم الألوسي وبلـّورته لـَما تمكنوا من تصوير شبرٍ واحدٍ من مشهدٍ مُسْتـَقْبَلي لميدان التحرير ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيراً!
الثوراتُ كالبراكين تبدأ هادئةً، وادعةً، خاملةً فيظن مَنْ يراها من بعيد أنها كالمرأةِ المُسالمة القادمة لتوّها من أقصىَ الريفِ تنظر إلىَ الأرض كلما وجَّه إليها أحدٌّ سؤالا، وهي لا تثور قبل أنْ تصل حرارةُ جهازها العصبي إلى درجة الغليان.
كانت الدولةُ كلُّها في جـِلبابه رغم أنه لم يعلن كالسادات، رحمه الله، بأنه كبير ُالعائلة، لكنه ترك لكلابِه حُرّية افتراسِ مَنْ لا يُصَدّق أنه كبير الأسرة والعائلة والدولة والأمة والقارة و .. العالم.
لذا لم يـُصَدّق رئيسُ تحرير الصحيفةِ الكُبْرىَ أنَّ سَيّده يسير خلف زعماء آخرين، بحُكم السِنّ والحركة البطيئة، فاستعان بالفوتوشوب وجعله قبل الجميع، ولولا الحياء لجعلهم تحت قدميه.
عندما ألقى بيانَه قبل الأخير ارتفعت في ميدان التحرير قبل الدقيقة الثانية عشر أحذيةٌ غير تلك التي قذفها منتظر الزايدي، فغضبُ أبناءِ النيل علىَ المحتل الداخلي يعادل غضبَ أبناءِ دجلة والفـُرات علىَ المحتل الخارجي!
في اليوم الثالث والعشرين كَبُرَ بـَعْلُ ليلىَ الطرابلسي عشرين عاماً، وفي اليوم الثامن عشر أكمل مبارك عامـَه المئة قبل الموعد بسبع عشرة سنة.
كلمتان لو تفوَّه بهما أي شخص أمام مبارك وهو يستلقي علىَ غضروفه في قصره لا يضمن له أحدٌ أن يتنفس بعدها: الشباب، وميدان التحرير.
لم أتخل أو أتزحزح عن قناعاتي لسنواتٍ كثيرة وهي أن قلبَ مبارك مصنوعٌ من مواد صخريةٍ صُلْبَة وسوداء، ولو كان الأمرُ بيده لأمـَرَ بمسح شباب ميدان التحرير من علىَ وجه الأرض أو احراقهم، فهو طاغيةٌ ليس كالطـُغاةِ الآخرين، ويمكنه افتتاح مَدْرَسة للشياطين يكون هو مديرَها و.. مُعَلمَها الوحيد.
كان العالم كلٌّه مبهوراً، ومُندهشاً، وغيرَ مُصَدِّقٍ لمشهدٍ قال فيه شبابُ الثورة للملائكة: شكراً، لا تساعدونا فنحن قادرون على هَزِّ عرشه، وتقديم عشرة ملايين شهيد من أجل مصر.
المساحات الفراغية خلال الثورة في القصر ، والثكنات العسكرية، وأروقة أجهزة الأمن، والسفارات الأجنبية والعربية، سيكشف عنها المستقبلُ ليتضاعف حُبُّ المصريين لشبابهم لدىَ اكتشافهم أن مبارك كان يلعب لعبةً أكبر مما فعله الطغاةُ كلهم من كاليجولا ونيرون وهولاكو إلى زين العابدين بن علي قبل أن تدوس شعوبُهم على رقابهم!
كنت أقوم بتأجيل فرحتي الكبرى يوماً بعد يوم، فبياناتُ نِصْفِ الحقيقة لا تروي ظمأي، وعمر سليمان الوجه الآخر لمبارك، ولغةُ مِكِرٍ، مِفَرٍ، مُقْبِلٍ، مُدْبٍر كالتفويض والتنازل والانتقال السلس كلها كانت كوعد الذئب في ذات الرداء الأحمر قبل أن ينام في فراش الجدة.
فجأة وقف نائبُ الرئيس كأن سلاحا مُصَوَّبًا إلى ظهره يأمره بالقاء بيان كأنه تنزيلٌ من التنزيل علىَ عدة ملايين من الأنبياء في وقت واحد، وكان عمر سليمان خائفا حتى خِلْتُه قد لفظ أنفاسَه الأخيرة أمام المجلس الأعلى للقوات المسلحة!
مصر بدون مبارك!
فركت عيني كـَرَّتين فتحقيقُ الأحلام كان مُحَرَّماَ على المصريين منذ أن تولى الطاغية اِمساكَ رقابـِنا لثلاثين عاماً خَلَت، ومَرَّ شريطٌ في ذهني كأنه عَقْدٌ انفرطتْ حـَبَّاتُه فظللتُ أجمعها، وأعيدها، وأتأملها فإذا هي تاريخُ كتاباتي ضد سفاح مصر الأشر.
أتذكر يوم كان قلمي نِصْفَ حاد، وطلبتُ اجراءَ حديث مع الرئيس، وعندما اتصلت من أوسلو بسكرتير وزير الاعلام صفوت الشريف، ظن أنه يُبشرني وقال لي بأن الوزير وافق، وأنه أَعَدَّ الأسئلة لي لأطرحها على الرئيس مبارك!
سألته في المكالمة الهاتفية عن دوري أنا إذا كانت وزارةُ الاعلام سَتُعِد الأسئلة! فقال لي بأنني سأتشرف بلقاء الرئيس وطرحِ الأسئلة المُعَدَّة سلفاً!
غضبت لكرامتي، وقلت له بأن الرئيس سيتشرف لو أنني أعددت الأسئلة بمفردي، فصَدَمَه حديثي المغرور، وقال لي اعتبر الأمر مُنتهياً عند هذا الحد، وأغلب الظن أنه قال لصفوت الشريف بأن صاحبكم الذي أُرْسِل إليكم لمجنون!
الكتب السبعة الأولى أصدرتها في مصر، وحصلتُ على ترخيص من مباحث أمن الدولة بالاسكندرية، وفي واحد منها قام صاحب المطبعة بتشويه متعمد، وتغيير صفحات خمس مقالات عن مبارك خشية أن يغلق الأمن مطبعته، أما دور النشر فلم توافق أي منها على نشر كتاب لي!
كان ذلك قبل وضع اسمي في المترقب وصولهم!
أرسلت 600 نسخة من طائر الشمال إلى مكتبة مدبولي باتفاق مسبق، وعندما ذهب أحدهم لتسلم المجلة في المطار، واطّلع عليها، هرّوَل منها فِراراً، وتركها في المطار.
كنت أسافر إلى بلدي مرة في كل عام، وأكتب، وأنشر، وأنتقد نظام مبارك من الداخل والخارج، لكن الكثيرين من أصدقائي طلبوا مني عدم ارسال المجلة إليهم خشية استدعاء أمن الدولة لهم.
واتخذتْ كتاباتي منحىً حاداً، وصريحا، ومباشراً، ونشرت مقالي ( فخامة الرئيس جمال مبارك)، وبعدها تم وضع اسمي في القائمة السوداء لخصوم مبارك ونظامه العفن.
كان هناك جبل من الخوف يحجب رؤية زملائي عن وصف المشهد الكارثي لأم الدنيا في عهد طاغيتها المستبد.
ونشرت( ولكن عزرائيل لا يزور ميونيخ )و ( وقائع محاكمة الرئيس مبارك ) و ( ورسالة مفتوحة إلى أم الدنيا .. ماذا فعل بكِ هذا الرجل؟)، وبدأ جهازي العصبي يعمل جنبا إلى جنب مع قلمي، طلب مني البعض أن أحذف أسماءهم من البريد الالكتروني خوفا من كمبيوتر مطار القاهرة الدولي الذي سيكتشف أن لهم علاقة بي.
ونشرت ( سيدي الرئيس .. استحلفك بالله أن تهرب- سبتمبر 2004) و ( صناعة العبودية .. لماذا يحتقرنا الرئيس مبارك؟) و ( دموع المصريين تفيض على ضفتي النيل)، ثم دخلت في عالم المنتديات على الإنترنيت، وتم الغاء اشتراكي في أكثر من عشرين منها، حتى أن أحدهم اعتذر لي عن الغاء اشتراكي، ومنع مقالاتي لأن والد مصمم الصفحة يعمل في مكتب محافظ البحر الأحمر، وقام موقع للطلاب بالتهديد برفع دعوى قضائية ضدي، وأوحى أحدهم إلى صحيفة ( النبأ ) فقامت بنشر مقالٍ مسيئٍ لي.
ونشرتُ ( سيدي الرئيس .. وهل هناك غيرك؟) و ( رد من الرئيس مبارك .. لا ليس هناك غيري!) و ( وحوار بين الرئيسين حسني مبارك و .. جمال مبارك)!
ثم صدر كتابي الثامن في أوسلو ( وقائع محاكمة سيد القصر)، وكان على نفقتي الخاصة، كالعادة!
تم اتهامي بأن هناك ثأراً شخصيا بيني وبين مبارك، وكان ردي أنني أتحدى أن يكون هناك مصري شريف ليس بينه وبين مبارك ثأر شخصي!
ونشرتُ ( الرئيس مبارك يضحك في جنازة وطن) و ( البحث عن زعيم لمصر ) و ( حوار بين إبليس و.. الرئيس مبارك )!
كانت الدعوة لأول عصيان مدني في 2 مايو 2005، وكتبت مقالات، وبيانات، ومنشورات للثورة، وتلقيت كَمَّاً هائلا من رسائل التهكم والسخرية، وفي المقابل صدَّق دعوتي حفنةٌ صغيرة من شباب كانوا يرون في كتاباتي غضبا يعتمل في نفوسهم ضد الطاغية، وفشلت الدعوة، وخرج بضعة عشرات فقط وفي المقدمة الشاب الرائع والمتحمس محمد الشرقاوي.
في كل مرة ينتابني اليأس والاحباط والقنوط لدقائق معدودات، ثم يتسلل الأمل إلى كياني كله، ويبشرني بأن المرة القادمة ستطيح بالمجرم حسني مبارك.
ويبتسم من حولي، فهذا شخص مجنون يظن أن مقالاته قد تحُرّك شعرة من موضعها، ونشرت كتابي التاسع في أوسلو ( دعوة إلى التمرد).
وتقفز فكرة ( الانتفاضة الشعبية ) في عام 2006، وأتعاون مع الكثيرين من المتحمسين في مندرة كفاية، ولكن تصل رسالة من قوى المعارضة، واضحة وصريحة، بأنها لن توافق على دعوة للتمرد من الخارج، ونقوم بالغاء الدعوة.
وأنشر ( البيان رقم واحد- انقلاب عسكري في مصر ) و ( كلاب السيد الرئيس) و ( هل المعارضة المصرية ترقص مع النظام؟ ) و ( حمار يقدم أوراق ترشحه إلى الرئاسة) ..
في السنوات السبع الماضية شعرت بأن القراء يتراجعون، فهم يبحثون عن التجديد في نقد النظام، ويرون أن المحيطين بمبارك هم أصل البلاء، فزاد حزني ونشرت( معركتنا ليست مع رجال الرئيس) و ( لماذا زهد المصريون في كتاباتي)، ولم أتراجع قيد شعرة، فمبارك هو رأس الأفعى, وإذا تم قطعها، تساقط الوزراء والفاسدون والمحافظون واللصوص كما تتساقط أوراق الخريف إذا زاجتها نسمة هواء بسيطة.
قال لي وكيل وزارة الإعلام في مكتَبِه بعاصمةِ دولةٍ عربية: لقد لاحظ الشباب في العلاقات العامة أن زملاءك الصحفيين المصريين يتجنبونك، ويبتعدون كلما اقتربت منهم!
وكتبت ( الله يخرب بيتك يا ريس!), ( الوصايا العشر للتخلص من مبارك ) و ( لماذا أكره الرئيس مبارك؟ )و ( الحمد لله تخلصنا من 900 مصري) والأخير مقال عن غرق العبَّارة.
اتصل بي صديق نرويجي لتهنئتي بسقوط مبارك، فمازحته قائلا: أنت من سلالة الفايكينج، ومع ذلك فينبغي أن تفتخر لأن لك صديقا مصرياً!
ناصر ابني الأصغر ( 12 عامًا) قال لوالدته بأنه لن يسافر معها إلىَ مصر أبداً مادام والده غير قادر على زيارة بلده، فقد زار مصر عشر مرات ويريد أن يراها بعيوني.
اقترب مني وأنا أشاهد التلفزيون وسألني: هل لو مات مبارك يمكنك أن تزور معي بلدك؟ أجبته بنعم، فكان سؤاله التالي: وماذا لو أصبح ابنه رئيساً؟ قلت له بأن الفرصة تصبح منعدمة، فجلس حزينا يفكر في كيفية موت الأب والابن في نفس الوقت!
خفف من حِدِّة قلمك قليلا لعلك تسافر إلى مصر!
سمعتُ هذه الجملةَ خلال العقد المنصرم عشرات المرات، وهي تبدو كمن يطلب مني أن أتصف بنصف الفضيلة، أو أعتنق نصف الإيمان، أو أحب نصف بلدي!
فكتبت ( الرجل الذي أحلم به رئيساً لمصر ) و ( حوار بين عزرائيل والرئيس حسني مبارك) و ( تأييدك لجمال مبارك تجسس لحساب إسرائيل ) و ( رسالة غاضبة إلى قائد عسكري مصري)، واتسعت ممارساتي التحريضية ضد سفاح مصر، و في يوليو 2010 بدأت دعوة ثالثة للعصيان المدني، وتراجعت عنها بعدما تلقيت تعقيبات وردوداً رافضة لأن يقوم مصري في الخارج بعملية التحريض للداخل.
وكتبت ( مقطع من يوميات ضابط شرطة مصري) و ( أحلم بحبل المشنقة حول عنقك) و ( رسالة تحريض لأبطال العبور) و ( هل يحرقنا مبارك قبل أن نحرقه؟)  ولم يخفت، أو يبهت، أو يتراجع، أو يغفو إيماني بقدرة المصريين على الثورة رغم أن من يقرأ مقالا لي منفصلا عن غيره من الكتابات يظن أنها دعوات يأس واحباط ( كيف تقنع المصريين بأن لهم كرامة) و ( لكن الله لا يقبل من المصريين صلواتهم) و ( ألم نقل لكم بأن مبارك شيطان يحكم مصر؟ )و ( أحفاد الرئيس لهم الجنة وأطفالنا ولاد ستين ألف كلب) لكن الحقيقة أن استمرار قلمي في مناهضة طاغية مصر البائد يعود إلى المحبة التي غمرني بها آلاف مؤلفة من الشباب حتى أن أحدهم أبلغني أن والدة زميل له استعانت به لاقناع ابنها برفع الاضراب عن الطعام، الذي بدأه معتزلا في غرفته ثلاثة أيام، فلما جاءه صديقه، وأصر أن يعرف السبب، اشار له على النت لمقال لي قائلا: كيف أعيش مثل الآخرين وأنا لا أستطيع الدفاع عن كرامتي!
غمرني عدد هائل من القراء بثناء، ومديح، ورسائل محبة، ودعم معنوي كانت مدادا لكلمات قلمي وتكفي لآخر رمق في حياتي.
لذا لم يكن غريبا أن أشعر بأنني أسعد خلق الله بنجاح ثورة الشباب، وأنني كنت في كل شبر من أرض مصر خلال أيام الثورة حتى لو لم أغادر العاصمة النرويجية، فكان قلمي، وشروحاتي، وفيديوهاتي، وكنت واثقا بنجاح الثورة لأن المصريين اكتشفوا كلمة السر التي حرضت عليها سنين عددا!
كنت على يقين لا يقل عن الإيمان بأن مبارك يكره المصريين، لكن اقناع قرائي بهذا الاستنتاج الغريب كان شبه مستحيل، وعندما استضافتني قناة ( الـحوار ) في برنامج ( أوراق مصرية ) بتاريخ 13 نوفمبر2010 للحديث عن الانتخابات البرلمانية قلت بأن بداية الطريق الصحيح عندما يكتشف المصريون بأن حسني مبارك عدو الشعب رقم واحد.
وقفز بعدها بثلاثة أيام عبد الله كمال فوق صفحات ( روزا ليوسف )، وهدد، وتوعد بحجب القناة التلفزيونية التي استضافت شخصا مجنونا، وغير متوازن، فلم ترفع القناة الحلقة على اليوتيوب.
ونشرتُ كتابي الحادي عشر ( قلم في عيون الطغاة ) والذي رفضته كل دور النشر العربية في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب في أكتوبر 2010.
سقط ثاني الطغاة في العالم العربي، وظهر خلفه صف طويل يبدو للمشاهد فيه العقيد والبشير والشاويش، ويقف معهم طبيب العيون والرياضي الهاشمي وسارق ثورة المليون شهيد، ومن بعيد يرهف ثلاثة من الطغاة الآخرين في ( بلاد العُرب أوطاني ) السمع خشية أن تتعلم شعوبهم كيف تقول ( الشعب يريد اسقاط النظام )!
هل هناك من هو أكثر سعادة مني بانتصار ثورة يناير الشبابية؟
في هذه الحالة فأنا افضل أن أكذب على نفسي حتى لا يرفع عشرة ملايين أصابعهم.
إذا أردت أن تتعلم القيم والمباديء والحرية والكرامة في حالة عدم قدرة المسجد والكنيسة على تعليمك إياها، فميدان التحرير هو البقعة المقدسة التي تتنزل عليها الملائكة، والصلاة في الميدان لها نفس الثواب كالصلاة في بيوت الله.
عندما يشير مؤرخ في المستقبل إلى مسقط رأس باتريس لومومبا وتشي جيفارا ونيلسون مانديلا وعمر المختار فربما يختلط عليه الأمر فيظنهم جميعا من مواليد ميدان التحرير.
الآن يمكنني أن أستعد لزيارة بلدي، ربما في شهر ابريل بإذن الله، ولو فركت مصباح علاء الدين وسألني العفريت عن أمنيتي، لطلبت منه أن يأتيني بكل شباب ثورة يناير لأقوم بتقبيل رأس كل واحد منهم، فهم الآباء الروحيون والحقيقيون للثورة، وقد آن الوقت الذي يتتلمذ الكبار علىَ أيدي الصغار، ويتلقى عواجيز المعارضة دروسا من الشباب في فقه التمرد، والعصيان، والغضب، والكرامة.
المصريون يكتبون التاريخ، أو يصنعونه، أو يُصَدّرونه، أو يُعَلِّمونه، أما هذه المرة فقد قرأه ملايين منهم على مسامع كل سكان الدنيا، وفي أقل من ثلاثة أسابيع حفظه عن ظهر قلب ملايين من البشر.
للأوطان أعياد وطنية ودينية وقومية، أما مصر فلها أيضا عيد ميلاد أشعل الشموعَ فيه عدةُ مئات من شهداء الشباب، ليحيا الوطن بموتهم.
مبروك للشهداء جنة الخلد، ومبروك للأحياء جنة الحرية، ومبروك لمصر عودتها لشعبها بعد اعتقال دام ثلاثين عاما.
وسلام الله على مصر.

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 15 فبراير 2011

من أين ينبع بركان الكراهية لدىَ الإسلاميين؟

الإسلامي غير المسلم، فالأول يرضع بغضاء، ويكره العالم كله، ويحتقر المرأة وهو يتحدث عن تكريمها، والثاني مسالم لا يؤذي جاره، ويسع قلبه خصومه كأقربائه، وأقرب أصدقائه مسيحي شوهدا كثيرا وهما يسيران يداً بيد، وأحيانا يحضر الأول قداس الأحد بدون صلاة، ويجلس الثاني في ركن المسجد منتظرا صديقه حتى ينتهي من صلاة العصر.

الإسلامي من نسل العبيد، يركع للأمير، ويطيع المرشد، وإذا خاصم فجر، وذهنه منشغل بالمرأة فكلها شهوة له، الوجه والعينان والملابس واللسان ويستطيع خياله أن يخترق مئة عباية ترتديها المرأة ليكشف عورتها.            

والمسلم يحب الناس، ويرى أن لا فضل له أنْ سقط من بطن أمه مسلما، ويبحث عن ايجابيات الآخر وإذا أمر بالمعروف خفض صوته خشية المزايدة.

الإسلامي يمسك سيفا ويحلم بالحور العين وقطــع رقبة مخالفه، والمسلم يمسك وردة يعطيها لمن يحب أيا كانت خلفيته الدينية والمذهبية والطائفية.

الإسلامي يستنشق هواء ملوثا وسط جماعة مغيبة، وأفكاره نصوص جاهزة، وجمجمته تحوي تجويفا يضع فيه أميره أو مرشده أو معلمه كل الفضلات التي نامت مئات السنين بين صفحات كتب غبراء كتبها مجهولون واحتضنتها إسرائيليات عنعنية كاذبة فظن أن فيها الروح المقدسة.
والمسلم لا ينخرط في حزب أو جماعة أو فرقة فإسلامه له وحده، ونقاء دينه يسمو بالشعائر فيستمتع بلقاء الــله في أي مكان، غرفة مغلقة، زاوية مسجد ضيقة، مراقبة طيور، التأمل في عجائب مخلوقاته، إقامة علاقات صداقة دون أن يطرح على نفسه ولو على استحياء فضول معرفة الدين والمذهب والحزب والجماعة.
الإسلامي يزايد في كل مكان، ويبدأ حديثه في الدين وينهيه عن الدين وكأن حياته محصورة في نصوص لصقها مجهولون في قلبه وصدره، فأضحى القلبُ صخرة صماء والصدرُ مخزنا لرماد الفكر البغيض.
والمسلم تعرفه من حديثه الطيب، وإذا أردت التأكد فاجعله يغضب منك وستجد مساحة غضبه لا تراها العين المجردة، ولسانه عفيف مع أهله، وأعف مع خصومه.
الإسلامي يلعنك إذا اختلفت معه، ويدعو الــله في صلاته أن يشل يديك، ويجمد الدماء في عروقك، ويسلط عليك الثعبان الأقرع، ويتهمك بالكفر إذا فكرت، وبالزندقة إذا استخدمت تصريح العلي القدير بالعقل والتدبر.
والمسلم لا تسمع صوته إلا همساً، وإذا اغضبته ابتسم في وجهك، وإذا استفززته وأحمر وجهه، عاد إليك معتذرا.
الإسلامي يغتصب طفلة تحت زعم أنها زوجته على سنة اللـه ورسوله، فحلاله أربع، لا يتنازل عنها إلا بدافع الفقر. وهو يكره وطنه وجيشه وعلَمَ بلاده ولا يحرك النشيد الوطني فيه إلا مشاعر النفور.
والمسلم يأبي هذا، ويقارنها بابنته الصغرى، ويعرف أن شروط التعدد مستحيلة، وزوج الأربعة فاجر وكاذب ومخادع، وهو يعتز بوطنه، ولا يُفرق بين أهله وشركاء الوطن معتنقي دين آخر أو مذهب مختلف، وتسقط دمعتان على وجهه إذا استمع للنشيد الوطني، ويــُــقــَــبـِّـل العــَــلــَــم بمحبة كأنه كائن حي.
الإسلامي يدعو إلى تطبيق الشريعة وهو مبغض لها، والمسلم يرى العدل في أي صورة إسلاماً يعتز به.
الإسلامي سيجد في مقالي هذا سبعين ذنباً، وكل ذنب يهلل له سيــَّــافـُـه فقطْــعُ الرقبة أصبح علىَ مرمىَ حجر.
والمسلم سيجد في مقالي سبعين عذراً وعلى رأسها أنني وهو على مسافة واحدة من.. رب الكون العظيم.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 11 سبتمبر 2013

01‏/05‏/2016

حوار بين منقبتين في أحد الأسواق الشعبية!

كانت السوق مزدحمةً لا ترى فيها إلا من نساء وفتيات منقبات، وبعضهن يمسكن في أيديهن أطفالا صغاراً، إنْ أفلتْ طفلٌ من يد أمه ثم بحث عنها فقد تمتد لحظاتُ الرعب والخوف وقتا طويلا حتى تسمع أمُّه صراخَه.
خرجت إحداهن مسرعة من أحد محلات بيع الذهب والبائع المسكين ينادي بأعلى صوته، لكنها اختفت في الزحام، ولا يعرف البائع إنْ أبلغ الشرطةَ أكثر من وصف دقيق لنبرات صوتها، ثم وصف أدق لكُحل عينيها!

بعد دقائق اصطدمت في الزحام بمنقبة أخرى يبدو أنها سيدة، فاعتذرت السيدةُ بأدب جَمّ، ثم دار بينهما الحوار التالي:


المنقبة الأولى ( السيدة ): الزحام شديد هذا اليوم، وحرارة الشمس تخترق ملابسَنا السوداء القاتمة فتلهب الجسد، ويتصبب العرق كأن المطر يهطل في قيظ الصيف الحارق.
المنقبة الثانية (الفتاة):الحمد لله على نعمته في كل الأحوال. هل تقيمين بالقرب من هذا السوق؟

الأولى: لا، ولكن السائق الهندي ينتظرني في الجانب الأيمن من الساحة الكبيرة، وهو كما تعلمين لن يتعرف عليّ وسط هذا الحشد من النساء المنقبات، والبعض ترتدي الخمار فلا يميزها عن الأخريات خبيرٌ في الرائحة ونوعية الأقمشة وطريقة مشيتها.
الثانية: آه، كم هو رائع هذا النقاب والخمار، فغباء الرجال الذكور في مزايدة حراسة العفة قد أتاحت لنا ما لم يتحه سفورُ الوجه ولو في أكثر المجتمعات تحررا!
إنني أستطيع أن أسرق، ثم انطلق هاربةً دون أن تستطيع أي جهة التعرف علي بعدما يتيه جسدي المغطى سوادا مع أجساد الآخريات.

الأولى: أختلف معك، أختي الكريمة، فأنا أرتدي النقاب نزولا على رغبة زوجي، ومن تطع زوجها فقد أطاعت الله!
الثانية: أما أنا فأرتديه لأنه يمنحني الحرية في أن أفعل ما أشاء، بل يظن الرجال أن نقابي هو حزام عفة.

الأولى: أنا عفيفة في أخلاقي، ولا أسرق، ولا أرتكب المحرمات، لكنني أقوم بتأدية دوري في المجتمع كحالة سلبية انسحبت منه، لا يراني أحدٌ، تماما كالتي تنظر من نافذة بيتها على المارة فلا تشارك الآخرين خشية أن ينظر أحدهم إلى وجهي فيفتنه في دينه!
الثانية: أنت طيبة، ومسلمة ساذجة تطيع ذكور قومها كما يطيع الرعاعُ سوّطَ الجلادِ، وأوامرَ الزعيمِ، ورغبات ربّ البيت مهما كانت مخالفتها لكتاب الله العزيز!
هل تصافحين ابن عمك إن التقيتما مصادفة في الطريق، أو اضطرتك ظروف لطلب مساعدة؟

ضحكت الأولى فبدا بريق عينيها يوشي بضحكة بريئة جميلة لم يرها من ذكور القوم من قبلُ إلا أفرادُ أسرتها وزوجها، ثم قالت وكأنها تتهكم على نفسها :إنَّ ابن عمي لم ير وجهي منذ أن كنا طفلين يلعبان في فناء بيتنا القديم. لقد عاد من أمريكا بعدما قضى عدة سنوات، وفي اليوم الثالث لوصوله تعرض لحادث سيارة أليم فتم نقله إلى المستشفى وهو في حالة خطرة، وقمت بزيارته مع والدته، لكن لم ير وجهي!
الثانية :ولكنه ابن عمك، وعلى فراش الموت تقريبا، فكيف يستقيم حوار بينكما وهو لا يعرفك، وحتى صوتك تغير منذ طفولتك؟

الأولى: إن ذكور قومنا الفقهاء والعلماء يقولون بأن كشف الوجه حرام، وأن الله تعالى، مالك المُلك، سيغضب مني لو شاهد ابن عمي وجهي!
الثانية: وهل صحيح أنك تصدقين هذا الهراء وتلك الخرافات والخزعبلات؟ هل الله الذي خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف سيصبّ غضبه على من يلبي نداءه؟

الأولى: إن ذكور قومنا يقولون بأن الوجه عورة وفتنة، وأنا جميلة رغم مرور عدة سنوات على زواجي، ولو رأى ابنُ عمي وجهي فسيثار جنسيا ولو كان كل جسده حطاما عاجزا عن الحركة!
الثانية: الحقيقة أن هذا المرض الذي يظنه ذكور قومنا حراسة للعفة والفضيلة قد جعلني أفعل ما أشاء وقتما أريد.
أول أمس ذهبت مع صديق أخي الأكبر إلى بيته، ولم يكن هناك أحد في البيت. ومررنا أمام سكان الحي من رجال ملتحين يحرسون الفضيلة في يقظتهم ومنامهم. قاموا بالقاء التحية عليه، ولعلهم ظنوا أنني شقيقته الصغرى.
قضينا وقتا ممتعا وكان الشيطان ثالثنا ورابعنا و.. عاشرنا.

الأولى: إنك داهية في صورة فتاة. وفتنة داخل أقمشة سوداء. ولا أريد أن اذكر الوصف الأدق خشية غضبك، فهو لا يليق بك!
الثانية :إنني لم أفعل أكثر من الاستجابة لدعوة الفقهاء والعلماء والسلطة والحمقى والبلهاء والساذجين والمزايدين والصامتين والجاهلين بأن نتدثر، ونختبيء، ونتخفى، بالنفاق، ونغض الطرفَ عن جرائم لا حصر لها ما دامت تحدُثّ بعيداً عن الأعين.
سأُمرر لأذنيك سراً احتفظت به طويلا وهو عن صديقة عزيزة إلىَ قلبي، لكنها لعوبٌ تستطيع أن تفتن الشيطان نفسه لو تجسد في صورة رجل.
لقد قضتْ صديقتي ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ في أحضان شاب، وفي منزل الأسرة الكريمة الفاضلة. كانت لديها غرفة في الطابق الثاني، وأقنعت والدها بأن صديقتها تحتاج إليها للخروج من مشاكل عائلية خاصة، لكنها فاضلة ولا تتحدث مع الرجال، وتؤمن أن صوت المرأة عورة.
إننا، سيدتي الفاضلة، منافقون حتى النخاع، وساذجون حتى الحماقة، وبلهاء إلى أعلى درجات العته.
إن حُرّاس الفضيلة الذين يؤكدون لنا في كل ساعة من ساعات الليل والنهار أن المرأة من ضلع أعوج، وأنها شيطان في البيت، وأنها أكثر أهل النار، وأن كل ما فيها عورة هم الذين يحرسون آثامنا وذنوبنا، ويقفون على أبواب الرذيلة ريثما ننتهي من ممارستها.

الأولى: أما أنا فتقوى الله في قلبي، ولا أخون زوجي ولو في خيالي لبضع ثوان، وأحرص على بيتي حرصي على إيماني، لكنني، كما ذكرت لك، اخترت طريق الطاعة العمياء، وانسحبتُ تماما من دوري كالنصف الآخر من المجتمع واختبأت داخل هذه القطعة من القماش السوداء، تتحرك كما يُراد لها خشية أن يكون ذكور القوم على حق فيتقلب وجهي على جمرات السعير يوم لا ينفع مال ولا بنون.
الثانية: كلنا ضحايا هذا الفهم السقيم والهوس الجنسي الذي أصاب ذكور قومنا.

الأولى: أتفق معك تماما، فطالما تمنيت أن أمارس حقي في الحياة الحُرة الطبيعية، وتَبْينُ مشاعري على وجهي، ويرى الآخرون غضبي، وحلمي، واحمرارةَ الخجل، واصفرارةَ المرض، ومشاعرَ الكراهية، واشاراتِ المحبةِ، وايماءاتِ الموافقة، وتعبيرات الاحتقار.
إنه ليس حقي بمفردي أنْ أخفي وجهي أو أبديه، لكنه حق للآخرين أن يتعرفوا على من يتحدث معهم، وأن يستخلصوا قناعاتهم من الوجه المكمل للحديث، في البيع والشراء والمدرسة والمستشفى والشارع والسوق والأهم علاقات العائلة الكبيرة لتستقيم الحياة بعيدا عن مرض الشك والوسوسة.
إنَّ عفتي كانت ستستمر لو كنتُ كاشفةً لوجهي، أما أنتِ فربما كان هناك من سيلجمك عن الخطيئة لو كنتِ سافرةَ الوجه.
الثانية: أحيانا يذهب بي الشك مبلغ اليقين في أن الرجل قد جاهد طويلا في اقناع المرأة باخفاء وجهها ليخفي هو آثامه وموبقاته.
منذ فترة قصيرة لمحتُ أحدَهم وهو يسير بجانب فتاتين ترتديان الخمار، وعلى مقربة منه كان هناك رجل يسير خلفهما، وعرفتُ على الفور أنه صديقه. كنت أعلم أن زوجة الرجل سافرت قبل ذلك بأسبوع إلى بلد أهلها لأسباب عائلية . لم أكن بحاجة لإعمال الفكر أكثر من دقيقتين لمعرفة السيناريو القادم لرجلين وفتاتين.
إن تغطية وجه المرأة يتعارض مع روح الإسلام، ويتناقض مع تعاليمه السمحاء، ويصطدم بالفهم السامي والرائع والحقيقي والصحي والعقلاني لصورة التقوى والإيمان بأن الله تعالى أكبر وأعظم وأسمى من أن يخلق الذكر والأنثى ، ويجعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف ثم يفرض علينا عدم التعارف.

الأولى: غريب أمرك فأنا أرى فيك فتاة متقلبة بين الإيمان الشديد و .. والمعصية الوقحة.
إنني لا أختلف معك في أن العلي القدير جمع معجزات الجسد في الوجه، ولو خانتك الكلمةُ فإنَّ الوجهَ قادرٌ على تكملة ما عجز عنه اللسان. أمام المحامي والقاضي ورجل الأمن وزميلك في الدراسة وفي العمل. ومع البائع الغشّاش ومع السائق المحروم جنسيا الذي لا يعرف صرامَتَك وعفَتك إلاّ مِن الوجه.
أتفق معك أن إخفاءَ الوجه يكاد يرقى للمعصية بسبب طاعتنا لفكر الهوس الجنسي الذي يأخذ بألباب ذكور قومنا، وتتملكني الرغبة في أحايين كثيرة أن أنزعه عن وجهي ليرى الآخرُ ما عجزتُ عن شرحه.
أول أمس كادت نظرات رجل تخترق كل خيوط قماش خماري، وكدت أشاهد خيالَه المريضَ يتحرك كما يتحرك الشيطان. تمنيّتُ أنْ أنزع الخمارَ ليرى نظرات الاحتقار والازدراءِ في وجهي. فأنا امرأةٌ متزوجةٌ وعفيفةٌ وأخشى اللهَّ في سرّي وجهري.
الثانية: وهل أنا راضية عما أقوم به؟ لقد اصطدمتُ بك منذ لحظات وكنتُ هاربةً من محل بيع ذهب بعدما سرقتُ قطعةً ثمينة، وهرّولت مُسرعةً حيث يتزاحم السوادُ مع السوادِ في مشهد مأتمي كأنَّ المرأةَ ليست ابنةَ حواء، إنما هي الابنة المدللةُ للشيطان الرجيم.
إنني أشعر بمتعةٍ لا شبيه لها وأنا أختلس الخطيئةَ من حُراس الفضيلة.
لو لم أكن محبةً وعاشقةً لبلدي ووطني وأهلي لما رفضتُ بحزم وصرامة طلباً بنقل حقيبة من مكان إلى لآخر، وكنت أعرف أنها تمهيد لعمل ارهابي.
أنا لست بهذه الصورة الإبليسية التي تظنين أنها تختفي تحت هذا الخمار.
عندما يرتكب المرءُ جريمةً فإن أول ما تبحث عنه أجهزةُ الأمن لو كان أفرادها يعرفون ألف باء السياسة الأمنية هو وصفٌ لمرتكِبِ الجريمة، ورفع البصمات التي خلقها الله منذ البدء بحيث لا تتشابه بصمتان لشخصين على وجه الأرض.
معجزتان تكفي الواحدة منهما أن نؤمن بأن لهذا الكون البديع خالقا عظيما سيأتيه كل من في السماوات والأرض طوعا أو كرها.
الوجه والكفان، إنْ أخفيناهما فقد أهلنا الترابَ على أعظم معجزتين في الخَلْق.
المجتمعُ الأحمق الذي تسانده سُلطة ساذجة ويمهر توقيعَ مرورِ الحماقةِ فيه تبريرٌ أبْلَهٌ مِن رجال يدّعون فهمَ الدين والدنيا هو الذي فتح ذراعيه ليحتضن الإرهابَ والرذيلة.
إنني أتمنى مثلك أنْ أخرج للناس، وأتحدث معهم، ويروّن وجهي، وأكشف مشاعري، ويحترمني الرجل لكوني انسانة لا تختلف عنه، لا أنْ يأتي مِنْ كُتب الأقدمين بأدلةٍ مِن عنده يدّعي فيها أن كشفَ وجهي يغضب الله.

الأولى: هذا يعني أن تنتقمين من الرجال، أم هناك أسباب أخرى خلف تصرفاتك الطائشة؟
الثانية: إنني أريد أن أثبت للرجل بأن مَنْ يخشاه هو رجل مثله، وقد يكون شقيقَه أو أباه أو عمَّه أو صديقَه الحميم.
إنَّ في نفسي غضباً شديداً من تلك الازدواجيةِ التي يعيشها ذكورُ قومنا، فأكثرهم يفكرون بالنصف الأسفل من الرجل والمرأة على حد سواء.
كانت مصادفة بحتة عندما نزعتُ النقاب لأقل من دقيقتين في ميدان عام، وكنت أشعر بالتهاب في وجهي من جرّاء احتكاك قطعة القماش به مع حرارة الصيف. أخرجتُ المرآةَ أنظر فيها، فإذا برجل من حراس الفضيلة ينهرني أمام الناس وكأنني أرتكب الزنا فوق الرصيف.
المفاجأة لم تكن هنا، ولكن بعد أقل من نصف ساعة شاهدتُ نفسَ الرجل يتحرش بالنساء في مكان مزدحم!
إنَّ فضيلةَ المرأة تبدأ من فضيلةِ الرجل، ورجالُنا عبيدٌ لأسيادهم، والرجل هو الذي يُرهب الآخرين، ويتاجر في السلاح، وهو صاحب المواخير والبارات وبيوت الدعارة، وهو الذي حَمَلَ لنا مرضَ الإيدز في سفرياته المشبوهة.
والرجل يتملق السُلطةَ، ويغتصب النساءَ، وينتهك حرمات الرجال في السجون والمعتقلات، ويحفر مقابر جماعية باسم الزعيم لأبناء بلده، ويقوم بتزييف التاريخ وتزوير أوراق الوطن، ويُجبرنا على فهمه السقيم لاسلامنا الرائع والحنيف.
والرجل يُهين المرأةَ ويضربها ثم يحلم في صلاته بالحور العين اللائي تعود لكل منهن عذريتها بعد الجماع.
والرجل مريض بالمرأة يمارس معها سُلطة فَقَدَها في العمل بين يدي رئيسه، وفي قسم الشرطة تحت سوط ضابط الأمن، وأمام الفقهاء والعلماء وهم يشرحون له كيفية معاملة المرأة في الفراش والمضاجعة والحيض والنشوز، لكنهم لا يعلّمونه آدابَ السلوك، ورفضَ العبودية وقبل ذلك الحفاظَ على كرامتِه كمواطن حُرّ ومستقل.

الأولى: ألمس فيك غضباً عارماً يزلزل كياناً صغيراً وضعيفاً. إنك، أختي الصغيرة، في حاجة ماسةٍ لرجل يحميك، وصدر ترتمي فيه، وأسرة تصنعها نطفة ذكر فتصبحين أمَّ العيال.
الثانية: إنني أبحث عن كياني كمسلمة لا تحدد لها مفاهيمُ الرجل كل حركة وايماءة واشارة، أو يعتبرني عاصية ومنحلة لأنني أطعت اللهَ فكشفتُ وجهي.

الأولى: لا يذهبن الظنُ بك إلى أنني في الجانب المعارض لمأساتك والتي تعاني منها ملايين من المُسلمات، فأنا أحلم أيضا بالحرية الملتزمة، والمشاركة العفيفة والوقورة، وأنْ اختلط مع كل أفراد العائلات التي نعرفها، وأن أصافح صديق ابني وأحترمه ويحترمني.
إنني مقتنعة بأن الله، تعالى، غاضب على رجال هذه الأمة الذين استخرجوا من دينه العظيم ورسالة الاسلام السمحاء صغائر وتفاهات أُنَزّه إسلامَنا الحنيفَ أن تكون منه.
الرجلُ الذئبُ يرى في كل رجل آخر ذئباً ينافسه على فريسة، لكنه لا يرى نفسه واحدا من هؤلاء الرجال الذين يفترسون المرأةَ في خيالاتهم.
المشكلة أن الرجلَ احتكر تفسيرَ الدين كما احتكر السلطةَ والحروب والاغتصاب وتجارة المخدرات وبناء السجون والمعتقلات وبيوت البغاء ودَعْمَ الزعماء الطغاة ومساندة المستبدين.
إنني مقتنعة في داخلي أن تغطية الوجه معصيّة للخالق، وأن الحياة لا تستقيم إلا بالتعارف، لكننا أمام حماقة الرجل ونقصان عقله لا نستطيع أن نعترض، فسيقوم بالتكفير، وسيفهم شيئاً آخر، وسيدّعي كَذِبَاً وبُهتاناً أننا نطالب بالحريةِ الغربية، وبالانحلال، وبكشف الوجه حتى يسهل الصيد.
ألم أقل لك من قبلُ بأنَّ الرجال ناقصو عقل ودين؟
صديقة لي منعها زوجها منعاً باتا من قيادة السيارة لاصطحاب أولادهما من وإلى المدرسة.
كانت تريد حمايتهم، أما هو فيريد حماية نفسه ظنا منه أنها سترتمي في أحضان أول رجل فور كشفها الوجه أو قيادتها السيارة.
والرجل كعادته لا يشك في المرأة قبل أن يشك في نفسه، ولا يرى في كل الرجال الآخرين مخالب قبل أن يتحسس مخالبه بنفسه.
والرجل غبي إنْ تعلق الأمرُ بحماية أولاده لأن الذئبَ الذي يتربص بهم رجلٌ مثله، ويعرف تكتيكَ الانتهاك والاغتصاب والتحرش.
الكارثة أنه بعد ثلاث سنوات اكتشف الأبُ والأم بأن السائقَ الأعزبَ والمحرومَ جنسياً كان يتحرش بأطفالهما لدقائق معدودات لدى الصعود إلى السيارة والخروج منها. وأحيانا يدّعي أنه يربط الحزامَ، فيتحسس أجسادَهم البريئةَ. ومع ذلك فملايين من ذكور الأمة يغضون الطرفَ عن الجريمة التي تحدث يوميا، ولا يتقون اللهَ في أولادهم الضعفاء.
ألم أقل لك بأنَّ الرجلَ غبيٌ؟
الثانية: أنت سيدة فاضلة تحافظين على زوجك وعِرْضِك وشرفك ودينك ولا تعرفين الرجل أكثر مني رغم صِغَرِ سنّي .
إنني أراهم في كل مكان، وأدخل معهم الغرف المغلقة، وأرفع رأسي عالية بعد تغطية وجهي ونحن متجهان لارتكاب ما لم يدر بذهن كل الذين ينظرون إلينا، فيروّن امرأة أو فتاة أو حتى رجلا متخفيا في ثوب أسود.
أنني جزء من مجتمع أحمق، ومنافق، ينشغل رجالُه بمنع الخلوة، لكنهم يصنعون طُرقا أكثر سلاسة وسهولة لارتكاب المحرمات.
صديقة لي جميلة لو شاهدها باحثون عن زوجة لتصارعوا عليها، ولأختارت من بينهم الأصلح والأفضل والأقرب إليها.
اقتربت من عامها الثلاثين ولم تتزوج بعد، فهي واحدة من ملايين العوانس في عالمنا العربي المنافق.
بكت لي بحرقة أبكتني بدوري وهي تحكي قصة مَنْ تقدموا إليها وفقا لأوصاف نساء أخريات أو بعض من يعرفها.
كانت النتيجة رفضا منها لهؤلاء الذين أراد كل منهم الزواج بفتاة لم يرها قط، ولم ينبض قلبه، أو تتحرك مشاعره العفيفة، أو يمتلك حرية الاختيار بنفس القدر مع حريتها.
إنها تعيش في عالم الحريم، وتمر السنوات، ويبهت الجمال ، وتنتظر مجهولا يطرق باب بيتها ليشتري تلك البضاعة التي اقترب تاريخ انتهاء صلاحيتها حسبما يرى مجتمعنا.

الأولى: ولكن هناك فتيات عانسات وسافرات الوجه في مجتمعات مختلطة، أليس كذلك؟
الثانية: في هذه الحالة تكون هناك ظروف أخرى، ويمكننا الحديث عن أن الزواج ( قسمة ونصيب )، وأن الله سيؤتي من فضله العفيفات.
أما ما أتحدث عنه فهو صورة من صور الرق، فيخفي الرجل بضاعته والتي غالبا لا ترى شاريها إلا يوم المزاد، أعني عندما يطرق بابها.
الاسلام خاتمة الديانات السماوية، وينبغي أن يتصالح المسلمون مع العصر فهم يملكون كلمات الله العزيز الوهاب الصالحة لكل مكان وزمان.
هل تعرفين لماذا طلب الاسلامُ اشهارَ الزواج؟
حتى يعرف الناس بعضهم بعضا، ويقطع الطريقَ على الرذيلة، ويعرف الجيران وزملاء العمل وكل من قابلهما أن هذه زوجته!

الأولى: أرى فيك حكمة الخبيرات، وإيمانا قويا خلف معصية وقحة، ورغبة في التوبة تكشف عنها مفاهيم مستنيرة لفتاة تنتقم للأسف الشديد من كل شيء حولها. أما أنا فأبحث عن السلام داخل بيتي، وأطيع زوجي ما أمرني، وأكتفي بدوري في المجتمع متحركة داخل هذا الثوب الأسود، أشم رائحة قماشه، واستنشق خيوطه، ولا تتسلل أشعة شمس تمنح بشرتي صحة وعافية وجمالا طبيعيا.
إنني لا أملك القوة للتصادم مع الرجل فهو يستطيع أن يأتي لي بأقوال رجال مثله عاشوا في زمن مضت عليه مئات الاعوام، ثم يجعلهم حَكَماً بيني وبينه.
إنني أرفض التصادمَ معه، فهو يملك الحق في الضرب، وأن يهجرني، وأن يحتفظ بالأولاد لأنني ناشز، وأن يستعين بالسلطة والأمن وحُراس الفضيلة والقضاء وكلهم سيقفون معه لاصلاح هذا الضلع الأعوج.
إنني رهن اشارته، لكنه يعلن للملأ أنني مُتَوّجة مَلِكِة في البيت.
كم أنا مشتاقة لطاعة الله عز وجل في التعرف على البشر الذين خلقهم، واكتساب المعرفة، وأن يقوم الرجال الآخرون بتوجيه الحديث مباشرة لي دون وسيط، وأن أتحكم في أقوالي وأفعالي، وأعرف الفارق بين الحملان والذئاب دون مساعدة من رجل آخر.
إنني لست بحاجة لاخفاء وجهي لأثْبِت إيماني للآخرين، فتقوى الله في قلبي، والشيطان الذي يتغلب علىَ الرجل بهمسة غير مسموعة سيجد أمامه امرأةً أقوى من الرجال، وأشرف من كثير من حراس الفضيلة.
الثانية: أما أنا فقد تحالفت مع الشيطان لبعض الوقت. قد يطول أو يقصر. إنني مطيعة أيضا لغباء الرجل والسلطة، فأرتدي قُفّازاً عندما أسرق، ولا يعثر خبراء رفع البصمات على أيّ أثرٍ لي.
وأخفي وجهي عندما أرتكب المُحَرّمات، وكلها مع رجال، وهم كثيرون، بل أخشى أنْ أقول بأنَّ أكثرهم حراسٌ للفضيلة في الشارع والبيت والعمل.
إذا كان كلُّ الرجالِ يخشون كلَّ الرجال ويعتقدون أنهم يتربصون بنسائهم وبناتهم، فماذا بقي لنا من قِيَمِ الخيّر والمحبة والتسامح والايمان؟
لقد رأيتُ بنفسي فتيات يمارسن كلَّ صور الرذيلة، لكنهن يتمتعن في المجتمع باحترام شديد لأن الرجل الغبي يظن أنَّ اخفاءَ الوجه هو الضربة القاصمة والقاضية لوسوسة الشيطان، وكل الاغراءات التي يقدمها إبليس.

فجأة قطع عليهما الحديثَ بكاءُ طفلٍ صغيرٍ يبدو أنه فَقَدَ أمَّه في زحام السوق. كان ينظر بعينين مذعورَتيّن باحثاً عن تلك التي تُعطيه الحبَّ والحنان وقد كانت منذ لحظات تمسك بيَدٍ دافئة يَدَه الصغيرةَ الغضّة فتسري في نفسه البريئة كل مشاعر وأحاسيس الأمان كأن الحبل السُرّيَ لم ينقطع منذ سقوطه من بطنها.
يرتفع بكاءُ الطفل وعيناه تبحثان في نساء وفتيات متشحات بالسواد ويغطين وجوهَهن في مشهد عجيب كأنهن في سرادق عزاء يودّعن الحياةَ بعدما انسحبن منها زمناً طويلا.
بعد لحظات يختفي الطفلُ، وتخفتْ رويّدا .. رويدا صرخاته، ولعل حيرتَه تظل قائمةً عن السبب الذي دفع بكل هؤلاء النسوة إلى لعب دور الأشباح المتنكرة والمتشابهة، ولو كان بينها رجل أو أكثر للتحرش جنسياً لما اكتشفنه إلا بصعوبة بالغة.

الأولى: أشعر أنَّ غضَّ السلطات الطرفَ عن النقاب والخمار هو دعوةٌ صريحة لقوى الارهاب أنْ تتخفى في صورة امرأة. لقد حدثتْ بالفعل عشراتُ الحوادث الارهابية في عالمنا العربي، ولكن من الواضح أن هناك تكاملا بين غباء السلطة وغباء الرجل بعدما عثر رجالُ الدين على تبريرات وأدلة سطحية فجعلوها قاطعةً لتصبح الدعوةُ للارهاب واخفاءِ الرذيلةِ مقدسةً.
إنني أتذكر حتى الآن مقالا مُطَوّلا، ثم ردودا على المحاوريّن من الدكتور محمد شوقي الفنجري ( صحيفة القبس الكويتية في 17 أكتوبر 1986 ) يُثبت فيه بالأدلةِ والبراهين الاسلامية غير القابلة لتأويلات أخرى أن في النقاب كراهية شديدة، وكانت المرأة تصلي خلف النبي، صلى الله عليه وسلم، كاشفةً وجهها، ولم ينزل الوحي بأيّ أمر لها أن تُغَطّيه رغم وجود رجال يستقدمون ويستأخرون في الصلاة للاقتراب من المرأة أو الابتعاد عنها.
الثانية: تنتابني مشاعر المهانة الشديدة عندما أُغَطّي وجهي وأغطي معه هويتي وشخصيتي وانسانيتي لمجرد أن الرجل لا يريد أن يَطّلِع آخرون على مِلْكِيته الخاصة.
هل تُصَدّقين أنَّ بعضَ المنقبات اللائي يتسلمن شهادات التخرج في حفل عام من زعيم الدولة يرفضن مصافحَته؟ لماذا يخرجن من بيوتهن، ويذهبن لحفل التخرج، ويتشرفن بتسلم الشهادات؟. حتى ابتسامة الفرح، أو ضحكات السعادة الغامرة تم منعهن من ابدائها خشية أن يفتتن الرجال، وتسري حالة رعشة جنسية بين كل ذكور الحفل ، وتهتز السماوات والأرض ومن فيهن من هَوّل الجريمة!

الأولى: تُحَيّرني كثيرا معضلةُ الرجل الذي يسمع الآذان خمس مرات في اليوم، ويقوم لله فجرا وصبحا ومساء، ويقرأ ويسمع آيات بيّنات، ويتعلم الخيرَ وكبحَ جماحِ نفسه وشهواتها، وتمنعه عاداتٌ وتقاليد وتربية وأصول اجتماعية وتهذّبه سنوات الخبرة والخشية من الله ومن الضمير، ومع ذلك فهو يظن أن أسفله مرتبط بأعلاه، وأن شهواته الجنسية في خياله، وأن عينيه لا تبحثان في المرأة عن المشاركة الانسانية، إنما يقفز إلى ذهنه الفراش كلما تخيل رجلا شاهد وجه امرأة.
نحن ضحايا مرض الرجل وضعفه وعدم ثقته في الآخرين، وأحيانا نصبح ضحايا رغبة الرجل الجامحة أن يخفي جرائمه وذنوبه وشهواته، فيخفي وجوهنا لئلا ينكشف هو أمام المجتمع.
الرجلُ في كثير من الأحيان يطلب تغطية وجه المرأة ليختفي هو، لا ليُخفيها.
إنه يغمض العيّنَ عما في تغطية وجه المرأة من آثار ضارة على الأسرة والعائلات وقيمة الشرف وكرامة المرأة.
عندما يفسر الرجلُ أحاديثَ الأقدمين، ويقرأ لمن تحللت عظامهم منذ ألف عام أو يزيد يتعمد ازاحةَ العقلِ جانباً، ويركع لرجال لم يرَهُمْ كما يفعل مع سيّد القصر في بلده.
ألا تتعجبين عندما تتابعين معارك الرجال وهي مُسْتَمِرّة منذ مئات الأعوام بسبب حوادث انتهت، أو حوارات وخلافات سياسية وقَبَلّية وتفسيرات مضت عليها قرون؟
ألا تضربين كفّاً بكفٍّ وتتحسرين على نخوة الرجال وشهامتهم وعقولهم وهم يمارسون القتل والذبح والطائفية، وندفع نحن النساء الضعيفات ثمن تهور الرجل وحماقة تفسيراته وعبادته لنصوص الأقدمين؟
الثانية: لو لم تكن هناك نصوص قاطعة ومقدسة لظننت أنَّ الأصلَ في الخَلْق هي حوّاء، وأنَّ اللهَ خَلَقَ الرجلَ من ضِلع أعوج في أُمِّنا الأولى!
إنني غاضبةٌ أكثر منك على هذه التفسيرات الذكورية لعالم الأنثى، وأرفض تماما الانكباب على قراءة فتاوى المرأة التي تكتظ بها كتب قديمة وحديثة وصحف ومجلات وفضائيات كأن الرجل انتهى من صراعه مع السلطة، وبسط هيمنة الخير، ونزع الظلم عن المعتقلين والمسجونين، وأصدر تشريعات تُحَرّم اغتصابَ المرأة، والتحرش بالطفل.
الرجل يمنح قفاه لكل ممثلي السلطة، وعندما يعود إلى البيت يبحث عن تفويضٍ من السماء لفرض سطوته على نصفه الآخر.

الأولى: شاهدت فيديو كليب لرجال يرجمون امرأة زانية ( قَطّعاً مع أحدهم )، ويا ليتني لم أشاهده.
كانت القسوة فيه واضحةً وكأن الرجال يلقمون ضمائرهم ومشاعرهم البليدة، أو كأنهم يسارعون في اخفاء جرائمهم في جسد تلك المرأة التي تتلوى وتصرخ مع كل قطعة حجر مدببة تصيبها.
الثانية: بل إن الرجم بالكلمات والنظرات والأوامر والنواهي أشد غلظة وحِدّةً وقسوة مِنْ تلك التي تصفينها لي.
إننا نحن النساء أمام مسؤولية عظمى ملقاة على عاتقنا لتحرير الرجل من هوسه الجنسي، ومن عبوديته للسلطة، ومن كراهيته لنفسه، ومن عالم المزايدات الدينية التي تخرج بالدين الحنيف المقدس من جماله وكماله وروعته إلى قشور وبلاهة وبلادة.

الأولى: بل يحتاج الرجل أن يتعلم قبل كل شيء أن الله أكبر، وأن خالق السماوات والأرض أسمى من أن ننسب إليه، سبحانه وتعالى، الظلم الذي حرمه على نفسه.
الرجل يحتاج لعلاج سريع قبل أن يُدَمّر الكونَ كله، ويدمر نفسه وهو يهدم المعبد علينا جميعا.
لازلت حتى الآن في صدمة عندما قرأتُ لشاب يقول أنه عندما يرى فتاة أو امرأة تروق له، يتخيل أنها من الحور العين، ويمارس معها الجنس في خياله، ويظن، بل يؤمن أنه يحصل على الاثنين معا: متعة ممارسة الشهوة في خياله، والثواب في ايمانه بقرب الارتماء في أحضان ثلاث وسبعين حورية، بل إنَّ أحدَ الفقهاء أكد له أنه سيكون في حالة انتصاب دائم في جنة الخلد.
الثانية: أتركك الآن فلدي موعد مع أحد حراس الفضيلة وقد أمرني بتغطية وجهي بخمار لا يبين منه حتى خيال العينين، فهو متزوج، ويخشى على بيته وأسرته، ولا يعرف أن ما يقوم به، سيفعل مثله أخي وربما أبي.
إنها دائرة من النفاق الاجتماعي، ودفن النعام رؤوسه في الطين وليس فقط في الرمل.

الأولى: إنني أدعوك، أختي الصغيرة، إلى الالتزام بالقيم والمباديء والخير والشرف، وعندئذ لن يجد الرجلُ صَيده بتلك السهولة.
الثانية: في هذه الحالة سأنزع النقاب، وسأكشف عن وجهي، فأنا أيضا خلقني الله، ونفخ في من روحه. إنَّ نظرةً واحدة لمشهد الأرض البائسة حروباً وطائفيةً وفقراً يجعلنا نثق أنَّ أكثرَ أهلِ النار يوم القيامة هم الرجال.
محمد عبد المجيد
عضو اتحاد صالحفيين النرويجيين
طائر الشمال
أوسلو

30‏/04‏/2016

حوار بين الرئيس جمال مبارك و .. الرئيس بشار الأسد!

أرشيف

أوسلو في 15 يوليو 2008 في مهمة سرية وعاجلة أرسل الرئيس المصري ابنَه جمال مبارك للقاء الرئيس السوري في عاصمة الأمويين.
وفي جلسة خاصة بمنزل طبيب العيون الشاب كان لهما حوار لم تستطع آذان الجدران أن تلتقط شطرا منه، لكننا تخيلناه كالتالي:             

 بشار الأسد: أرى بينك وبين بلوغ نصف قرن من عمرك أقل من نصف عقد، ومع ذلك فلا تزال في مكانك لا تبرحه إلى القصر الجمهوري لتصبح السيد الأوحد والمطاع وفرعون مصر!
أما أنا فقد قام مجلس الشعب في ربع الساعة بتغيير الدستور لأجد نفسي الرئيس الابن بعد أن كنت ابنَ الرئيس، وصفــَّـق ممثلو الشعب حتى تورمت أيديهم.
في دقائق معدودة تحول استحمار العبقرية إلى عبقرية الاستحمار.
جمال مبارك: ومن قال لك بأنني لست سيد القصر؟
الفارق بيننا أنك تحكم وروح والدك الراحل تحلق قريبا من السوريين، فإذا رفعوا رؤوسهم لمشاهدتها رأوها في صورة (حماة ) أو سجن ( تدمر)، وإذا خفضوا رؤوسهم صفعتهم أسواط أجهزة قمع تجعل الإسرائيليين يقولون بأن هذه شعوب لا خطر منها علينا.
أنت توليت الحكم كأن ستالين كان حاضرا الجلسة، أما أنا فلي أجندة أمريكية لتزيين نقل السلطة، وتخدير الشعب بفرح الديمقراطية الظاهرة.
أنت تنصب المشنقة لمن يعترض على توليك السلطة، أما أنا فصناعة الرِقّ لديَّ أهم وأبقىَ، ووضعُ صورتي في إطار مستقبل مصر كخيار وحيد هو نتاج توجيهات البيت الأبيض.
الواقفون في طوابير الخبز ليس لديهم وقت لرفاهية البحث عن غيري، أما في سورية فقد كانت معروفة بأن من يستيقظ باكرا يتولى الحكم، والآن لم يعد أحد يستيقظ مطلقا إلا أن يهرب إلى عاصمة النور.. الأم الحنون لجارتكم الباحثة عن رئيس .. ثم الحائرة في تشكيل حكومة محاصصة يظن كل وزير فيها أنه الرئيس!
أنت استبدلك والدك الراحل بشقيقك الراحل، فهو يعرف أن ختم الموافقة تم لصقه في ألسـِـنة وأكفّ أعضاء مجلس الشعب، ولو رحل وأنت في العشرين من عمرك لتولى أحد أعمامك وصاية العرش حتى تبلغ أشدك.
أما أنا فوالدي صانع للكذب، وماهر في مسح ذاكرة المصريين.
يقول لهم بأنه لم يجد الرجل الثاني بينهم، فهو يقوم باعدادي على نار هادئة، ويحتقر صانعي أولى حضارات الأرض، ويقْسِم لهم بأنه لن يجدد لولاية ثالثة، فلما جدد لنفسه الخامسة كانت ذاكرة صانعي الفهلوة وداهني الهواء دوكو قد انشغلت بعدد المسامير في رغيف الخبز لو توفر بعض منه.
لقد قمنا بتخدير المصريين عندما أقنعنا صانعي الكلمة فيهم بأن جمال مبارك لن يصل إلى الحُكم، رغم أنني فعلا وقولا الزعيم الشاب الذي يجلس على يمين الزعيم المريض.

بشار الأسد: في كل الأحوال فنحن في الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة نتفوق عليكم في صناعة الرعب، ونجعل السوري يخشى الحديث عنا في فراش الزوجية، وقوتنا في أجهزة الأمن التي يستطيع الضابط فيها أن يحصي عدد الأسنان المُسوَّسة لأي مواطن دون أن يرفع الأول حذاءه من فوق مكتبه، وقبل أن يَمْثُل الثاني بشحمه ولحمه ورعشة ركبتيه معتذرا في مكتب ضابط الأمن عن أشياء لم يرتكبها قبل أن يصبح في عداد المفقودين.
نحن نستطيع أن ندفن عدة مئات من السوريين في حفرة واحدة نصف قطرها يعادل أحزان قلب العروبة كلها، ولن ينبس سوري ببنت شفة.
في سجوننا ومعتقلاتنا آلاف لا يعرف الجن الأزرق مكانهم، ولو حفيت أقدام أمهاتهم وآبائهم في جميع أقسام الشرطة بحثا عن رائحة فلذات أكبادهم لَما كلف أحدٌ نفسَه الرد عليهم إلا أن يسيل لعابه لما تم دفعه من إتاوة بلطجة، تماما كما كان النصابون والوسطاء يفعلون إبان احتجاز الرهائن الكويتيين، فيدّعي كل محتال أن له قريبا شاهد كويتياً في زنزانة بقبو في عاصمة الرشيد، فيبتز أمّاً جفت عيناها وأبيضت من الحزن والكمد!
نحن نُطعم شعبنا مفردات وطنية تكفي لتحرير العالم كله من ربقة الاحتلال والاستعمار، لكننا نحجر على عقولهم أنْ تفكر في ضرب إسرائيل للبنة المشروع النووي السلمي أو التحليق فوق القصر الجمهوري بدمشق.
جمال مبارك: أنتم تلاميذ في القمع مقارنة بوالدي وأستاذي ومعلمي في ربع قرن قادم بعدما يقع المصريون بين براثني.
نحن نحكم بالحديد والنار ومساحة ظاهرة من الديمقراطية المزيفة والمصنوعة في المكتب البيضاوي بتوجيهات سيد الكون، لكن ضباط الأمن وزبانية التعذيب لديهم أوامر صارمة وحازمة من والدي بأن يفعلوا بالمصريين ما لم تتجرأ أن تفكر فيه كل قوى الاستعمار القاسية في تاريخ مصر مع المحتل الأجنبي.
هل سمعت عن مواطن يتم تهديده إذا حاول كلب أن يفترسه في الزنزانة، وأصاب الكلبَ مكروه؟
طبعا لم تصل إليكم، صديقي الرئيس الشاب، هذه الحكاية، فالمواطن المصري لم يصدق أن عالم الذئاب يمكن أن يصل انحطاطه إلى هذه الدرجة، ودخل الكلبُ عليه، وحاول المسكين أن يخفي وجهه لئلا ينهش أنفه أو عينيه، وكان خوفه الأكبر أن يصيب الكلبَ مكروه، فتتم مضاعفة العقوبة.
هل سمعت عن تهديد مواطن لأنه يضم فخذيه ورجال أمننا يغتصبونه، ويعتبرون عمله هذا مقاومة غير مشروعة لجهاز أمن الدولة؟
نحن نحكم ثمانين مليونا، وزعيمنا مريض، وكل مصري يحمل في جوفه كراهية لنا ولحُكمنا ولأسرتنا لو تفجرت في مظاهرة أو عصيان مدني أو انتفاضة لسحلونا مثلما كان العراقيون يفعلون في كل زعيم يزيحه انقلاب عسكري، وكل عراقي يغضب عليه سيد القصر.
أجهزة أمنكم في سورية تلامذة ضعاف وساذجون لو قارنتهم بأحفاد الفراعنة.
لو استمعت لنبضات قلب مصري عائد لمطار القاهرة، وسوري يسلم جواز سفره في مطار دمشق لفاق رعبُ مواطننا على خوف مواطنكم أضعافا كثيرة.

بشار الأسد: يبدو أنك، أخي الرئيس وابن أخي الرئيس، لا تعرف عن صور القمع في سورية إلا النزر اليسير، أو ما طاف منها على السطح!
هل سمعت عن مواطن يتم تحديد دقيقيتن ونصف الدقيقة لكي يقضي حاجته، ويقوم السجّان بالطَرق المستمر على باب المرحاض حتى يشتت فكره، فإذا عاد إلى الزنزانة ولم تطعه معدته، فعلى زملائه أن يساعدوه في التبرز في كيس بلاستيك أو زجاجة فارغة!
هل سمعت عن زوجة تتلقى في الغربة رسالة من أجهزة أمننا تعطيها الأمن والأمان إنْ عادت إلى الوطن، فالمطلوب زوجها فقط، فإذا عادت فقد وقعت في براثننا رهينة حتى يقوم زوجها الهارب بتسليم نفسه، تماما كما تفعل سلطات علي عبد الله صالح عندما تحتجز أطفالا لم يبلغوا الثانية عشرة من العمر، ويقضي الأبرياء شهورا أو سنوات مع المجرمين والشاذين فيضطر الأب لتسليم نفسه.
إننا لسنا تلامذتك، أيها الفرعون الصغير، فيمكننا ضرب مدينة بسلاح الطيران، ومحو آثارها من الوجود، ودفن أهلها تحت الأرض، فيكتب صانعو الكلمة وأطراف أصابعهم ترتعش بأن أسدهم يزأر في وجوه الإرهابيين، حتى لو كان هؤلاء الإرهابيون أطفالا لم يتخلصوا بعد من حفاظاتهم؟
يختفي عشرات أو مئات في مصركم فتصم آذانَكم لجانُ حقوق الإنسان، أما نحن في سورية الأسد فيختفي عدة آلاف ولا تستطيع جهة واحدة أن ترفع سبابتها أو إبهامها احتجاجا أو تذمرا أو عتابا خفيفا.
صحيح أنه بفضل قسوة والدك وتحَجًر قلبه ودموية فكره ترسل الولايات المتحدة الأمريكية متهمين لأرض الكنانة لكي ينتزع رجال أمنكم منهم الاعترافات التي يعجز عن فعل مثلها متمرسو التعذيب في جوانتانامو أو أبي غريب.
لكننا لو أردنا حفر مقبرة جماعية تتسع لكل أبناء سورية فسيعترف مرشدو الأمن ومخبروه وزبانية القهر في مصر بأنهم تلاميذ يتعلمون من نظرائهم السوريين.
سترتد الروح إلى صدام حسين ، ويظهر في دمشق معتذرا بأنه وافق على تتويجه رائد المقابر الجماعية بعدما دفن ربع مليون عراقي تحت أرض الرافدين.
جمال مبارك: أنت تعترف بنفسك بأن الأمريكيين يرسلون متهمين لنزع اعترافاتهم في أقبية تحت الأرض، وكان هذا في عهد والدي الرئيس حسني مبارك بطل الضربة الجوية الأولى، أما في عهدي فسيأتينا رجال أمنك ركّعاً سُجَّداً يبتغون دروسا في فنون التعذيب وصنوف القمع لم تعرفها سورية في تاريخها الحديث.
هل سمعت عن ضابط أمن يجبر مواطنا مصريا في قسم الشرطة أن يلعق عضوه التناسلي؟
هل تناهى إلى سمعك أو بصرك مشهد مواطن مصري يقوم مأمور القسم بصب الكيروسين على جسده وهو نائم في التخشيبة ليشعل فيه النار؟
ربما تكون حكاية المصري الذي أجبرناه على ارتداء ملابس نسائية، وأخرجناه في الحارة ليعرف قيمة نفسه وقيمة كل مواطن في عهد أسرة مبارك، فأصاب شلل والدته بعدما شاهدت ما تمنت أن تموت قبل أن تقع عيناها عليه.
إنني ووالدي نتحدى كل الطغاة أن يمارسوا ربع أو خُمس أو عُشر ما نقوم به ضد أبناء الشعب المصري، ومع ذلك فكل ضابط أمن ( تقريبا ) في مصر على استعداد لأن يقف أمام جمعية حقوق الإنسان أو وفد من منظمة العفو الدولية أو حتى في فضائية عربية ليتحدث عن المن والسلوى والشهد في السجون والمعتقلات المصرية، وربما يقول أيضا بأن الطعام يأتيهم ساخنا كل يوم من مطعم مكسيم الباريسي.
إننا، أخي الرئيس بشار الأسد، نهدد، ونتوعد دولا خليجية لها أفضال علينا إذا سمحت لمعارضي نظامنا أن يطلوا من الشاشة الصغيرة في فضائية مدعومة خليجيا.
ونحن نشتمهم، ونسبّهم، ونسلط عليهم قبضايات الصحافة وبلطجية القلم ، فإذا انتقد صحفي خليجي أو عربي في صحيفة نفطية الشقيقة الكبرى مصر، فإن القصر الجمهوري يهتز كأنه جان، ويتحول بعض إعلاميي السلطة إلى قردة ترقص لصاحبها، ويتحول الإعلام إلى ردح، بل يقف الدكتور زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية في مجلس الشعب مطالبا دولة خليجية بالاعتذار عن مسابقة بريئة ظنها إساءة لنا.
إن والدي أكثر القادة قدرة على ابتزاز دول الخليج العربية، وهو صاحب عبارة الفتنة الكبرى عندما وصف شيعة الخليج بأن هواهم مع طهران، وحتى عندما علم بالحشود العراقية قبيل الثاني من أغسطس، وهو قائد طيران محنك، رفض أن يصرح للكويتيين بمخاوفه، فالكعكة كبيرة وتتسع لكل الوسطاء والمتباكين على احتلال الكويت.

بشار الأسد: حديثك عن ابتزازكم لدول الخليج رغم مليارات الدولارات التي تنهال عليكم فتدعم اقتصادا فاسدا ولصوصيا يجعلني أضحك على أشياء غير حقيقية بالمرة.
فنحن الذين صنعنا الخوف الخليجي منا، وجواسيسنا في كل فندق خليجي، وحتى سائقو سيارات الضيوف يعملون متبرعين لدى السفارات السورية، ونعرف كل ضيف عربي أو أجنبي، ورقم غرفته، وأسماء مضيفيه، وموعد الوصول والمغادرة.
ونحن نلعب مع وضد في الوقت عينه، وكل طرف يظن أننا ندعم طائفته، ونحميها في سورية أو لبنان، ولنا دلال على الجمهورية الإسلامية قبل أن تقلب الطاولة على جميع اللاعبين، ولو تجرأ معد برنامج في فضائية خليجية وأساء لسورية فقد ثكلته أمه قبل أن تدخل معدته كبسة عشائه الأخير!
إن طابورنا الخامس في دول مجلس التعاون الخليجي أكثر قوة وعددا من كل أجهزة أمن الخليج الدافيء!
جمال مبارك: ونحن نهدد بالفنون والآداب والإعلام ، وعندما ظن إعلامي سوري في الخليج أنه أكبر من أي مخبر لدينا منعنا شقيقه من الغناء في أم الدنيا!
نحن نمسك ألسنتهم في النايل سات، ويتصل سفيرنا بأكبر مسؤول خليجي يعاتبه، بل ويهدد بالويل والثبور، وبأن العلاقات الأخوية بين البلدين أضحت على شفا حفرة ، وعلى مرمى حجر من الانفصال.
أما سعادَتُك في تفوق صناعة العبودية فهي سعادة غير مكتملة لأننا متخصصون في فن انتهاك الكرامة، وعندما هاجم رجالنا عزبة محرم، قمنا باختيار بعض القرويين المساكين ليكونوا كبش فداء أمام الآخرين، وأمرنا بادخال العصا في مؤخراتهم.
السلطة القضائية في كل بلاد الدنيا لها كل الاحترام والتقدير إلا ما ندر، أما في عهد والدي فقد محونا المهابة منها، وأوحينا إلى أجهزة الأمن أن تبصق على أحكام ممثلي السماء على الأرض، وأن تختطف من يقوم القاضي بتبرئته فور صدور الحكم العادل، لتعيده إلى السجن مرة أخرى.
كان استحسان والدي رسالة واضحة إلى السلطة القضائية وأكثر من عشرين ألف قاض ومستشار بعدما ضرب ضابط الأمن أحدهم بالحذاء.
كان الضابط الصغير الذي قال لسكان العمارة : يا ولاد الكلب أستطيع أن أضعكم جميعا في السجن، وذلك في معرض عتاب زوجته على إحدى جاراتها رسالة واضحة من السلطة الأمنية بأن المصريين كلهم ولاد كلب.
نحن في مصر مبارك نستطيع أن نُعِدّ زيارة لأجهزة القمع السورية، وحينئذ ستعرفون أن أحفاد الفراعنة مازالوا بارعين في تحنيط المواطن وهو حي يُرزق أو لا يُرزق.

بشار الأسد: كل الدلائل تقطع بأنك، يا صديقي العزيز رئيس مصر القادم، لا تعرف عن خوف السوريين شيئا، ولو قرأت افتتاحيات الصحف اليومية لهالـَـكَ الفزع يتراقص من المانيشتات العريضة، أما المَذَلّة اليومية فهي في الصورة الإجبارية لطلعتي البهية.
لو أنني وقفت في شرفة القصر الجمهوري بدمشق وبصقت في الهواء على الحشود الملايينية فإن رؤساء تحرير صحفنا القومية سيهللون لعبقرية الخطبة، ولآليء الكلام، وبليغ الفصاحة!
لو أن هذا الحوار بيننا تم نشره في المنتديات والمواقع الإنترنتية فإن عيون مرشدينا ومعها عيون الجبناء قادرة على اتهام ناشره بأنه يريد تشويه صورة الحكم الوطني في دمشق، وبأنه يعمل لصالح القوى المعادية والصهيونية.
نحن نراقب كل شاب يجلس في مقهي للإنترنيت، ويتبرع في أحيان أخرى صاحب المقهى بمعلومات عن زبائنه لعل ضابطا في الأمن يشكره ويبتسم في وجهه.
والآن قل لي بربك ماذا تفعلون مع إسرائيل؟ نحن لدينا جبهة هادئة مر على احتلالها أربعة عقود، وطيران العدو يحلق فوق رأسي دون أن أرفع حاجبي دهشة واستنكارا، ويضرب العمق في المشروع النووي السلمي، وتخرج من تروس المطابع صحفنا تشيد بالموقف البطولي لي رغم أنني كنت أرتعش وأنا اسمع أزيز الطائرات الإسرائيلية يخترق جداريّ الصمت والصوت معا.
جمال مبارك: في هذه النقطة بالذات لا تستطيع أي قوة صديقة لإسرائيل الادعاء بأنها خدمت الكيان أكثر من أسرة مبارك! نحن نُصَدّر الغاز للعدو ليستخدمه في كسر عظام إخواننا الفلسطينيين، ونبيع البترول للدولة العبرية بثمن بخس ثم نرفع سعر الوقود في مصر، ونرسل إليهم رئيس جهاز المخابرات بنفسه وسيطا بين القاتل والقتيل في خطة عبقرية وضعها والدي لكي يهين منصب رئاسة المخابرات، ويمسح من ذاكرة الشعب حكايات وبطولات هذا الجهاز الوطني الكبير.
وعندما أضرَب عمال الشحن والتفريغ في ميناء إيلات، ساعدنا حكومة تل أبيب بأن فتحنا ميناء بورسعيد الصامدة.
ونحن نتعاون أمنيا مع العدو، ولو أن جنرالات وقادة من جيش العبور اجتمعوا لانقاذ شعبهم من براثن أسرتنا فإن الموساد قادرة على إبلاغنا فورا.
بعد عودة ضيوف الرحمن الفرحين بثواب الحج وهدايا حملوها لأهلهم وأحبابهم، منعهم والدي من العبور إلى غزة إلا أن يمروا على معبر بين أيدي أجهزة الأمن الصهيونية لتختار من بينهم من ترغب بالقائه في غيابات السجن.
وظل المساكين يفترشون الأرض، ولا يعرفون أن التعاون بيننا وبين المخابرات الإسرائيلية كأنه حالة غرام أو توأمة تجتمع على إذلال أصحاب الأرض المنهوبة والمحتلة.
نحن نستأذن إسرائيل قبل السماح لفلسطينية حامل أن تضع مولودها في الجانب المصري.
إننا، أخي الرئيس بشار الأسد، أكثر قربا لتل أبيب من إيللي كوهين لو عاد حيا.
إن إسرائيل تحمي أسرتنا، ونحن نحمي حدودها.
الفارق بيننا أنكم أكثر قدرة على استخدام مصطلحات ومفردات وطنية كأنكم في ساحة الوغى، أو كأن جنودكم ترابط على أبواب القدس وتزيل آثار القدم الهمجية.

بشار الأسد: ومع كل ما ذكرت فقد يصاب جندي مصري بجنون الوطنية ويطلق النار على الجانب الإسرائيلي، أما هنا فإن الهضبة السورية المحتلة أكثر هدوءا من حدائق العشاق، ولا يستطيع جندي حدود سوري أن يصاب بجنون الوطنية ولو في أحلامه.
قد لا تشعر إسرائيل بالأمن في أي مكان حتى لو كان حافلة قديمة تسير في شوارع القدس العتيقة، لكن الكيان العبري يعرف أن جبهة الجولان كأمواج البحر الميت، وأن أبطالنا على الحدود لا يعرفون إن كانوا يقومون بحماية دمشق أم تل أبيب!
جمال مبارك: فتح السجون والمعتقلات لتلتهم أبناء البلد لا يختلف كثيرا عن التعاون مع العدو، ونحن الفراعنة نستطيع من مكتب في القصر الجمهوري بعاصمة وادي النيل أن نقوم بصناعة المومياوات التي أجادها أجدادنا بناة الأهرام.
لدينا مومياوات في المكاتب الفاخرة لكبار محرري الصحف القومية، ومثلهم في الفضائية المصرية، وأكثر منهم على مقاعد مجلسي الشعب والشورى.
أبو الهول لم يصمت لأنه من أحجار، ولكن لأنه يرهف السمع في انتظار قرب هدير المصريين وهم غاضبون، فظل آلاف الأعوام لا يسمع إلا همساً.
هل تريد مني أن أعدد لك بعض وسائل التعذيب التي نلجأ إليها بفضل عبقرية والدي؟
لدينا شتم الأم والأب، ومنع الدواء، والحرمان من الطعام، والسماح بزيارة الأهل للسجين بعد عدة ساعات من الوقوف في الشمس الحارقة، ثم إنهاء الزيارة بعد ثلاث دقائق إمعانا في التنكيل بالسجين وتعذيب أهله، ولدينا أيضا التعليق من اليدين أو من القدمين، والحرمان من مقابلة المحامين، وعدم السماح بالتبول، والعزل في زنزانة مع الكلاب، وتوصيل اسلاك كهربية بالأعضاء التناسلية، وقضاء الحاجة أمام السجناء الآخرين لمزيد من المهانة، والتهديد بأن نغتصب له أمه وأخته وزوجته أو ابنته، وكنا قد أبدعنا منذ عشر سنوات عندما جمعنا رهطا من الفلاحين وزوجاتهم، وقمنا بخلع ملابس كل زوجة أمام زوجها وباقي سكان القرية، وأدخل بواسلنا الأبطال زجاجات في مواضع العفة منهن، حتى يتساوى الشعور بالمهانة والعار لدى كل السكان!
إننا على أتم الاستعداد لتلقين إبليس نفسه دروسا لم يتعلمها منذ أن رفض طاعة الله.
وأستطيع أن أقص عليك ساعات طويلة ما نفعله مع المصريين، ومع ذلك فكثيرون يرفعون لنا آيات الشكر وموفور الثناء، بل ربما تجد بعد نشر حوارنا من سيدافع عني وعن والدي ، وربما يطلب من الله أن يكون شاهدا على حسن تديّنهم بطاعة ولي الأمر.

بشار الأسد ضاحكا: هذه الوسائل التي تحكي عنها لتعليم المصريين الخنوع والعبودية وأداب السخرة يقوم بها أصغر تلاميذ الأمن من اللاذقية إلى حلب، ومن تدمر إلى صيدنايا، ومن حمص إلى دمشق!
لدينا مبدعون في كل فنون التعذيب ولو لم تكن علاقتنا سيئة بالولايات المتحدة الأمريكية لأرسل الأمريكيون المتهمين لنزع الاعترافات منهم في واحد من سجوننا ومعتقلاتنا.
في أقبيتنا وزنزاناتنا وسائل تعذيب تجعل الشيطان نفسه يخجل من وسوسته، ويرفع قبعته معترفا بتفوق أجهزة أمننا على كل الأشرار.
هناك الحرمان من الهواء إلا عبر فتحة صغيرة لا تكفي لتنفس فأر، والضغط على الخصيتين، والالزام بشتم الرموز الدينية والوطنية، والوقوف فوق المصحف سائلين السجناء أن يأتوا لنا بربهم إن استطاعوا، وخلع الذراع من مفصل الكتف، والحرمان من النوم، والوقوف لساعات طويلة عراة تحت شمس حارقة، ووضع الوجه في بول السجناء الآخرين!
جمال مبارك: لو تنافسنا في وصف وسائل تعذيب شعبينا فإننا لن ننتهي قبل انبلاج فجر جديد، وأنا أعدك أن أقص عليك ما لم يدر بذهن كل طغاة العالم في التاريخ الحديث، من السافاك الإيرانية إلى ستاسي الألمانية الشرقية، ومن فرع بعثكم في بغداد في عهد صدام حسين إلى الفرع الأمريكي في بغداد أيضا في عهد حكومة فيشي العراقية، ومن سجون تونس إلى معتقلات ليبيا، ومن جحيم الحسن الثاني إلى مخيمات البوليزاريو، ومن ذئاب بيوت الأشباح السودانية إلى سجون الأسرة الهاشمية في الأردن.
عليك فقط أن تنتظرني بعضا من الوقت وسيقوم والدي بتخطيط ماهر وعبقري لوصولي رسميا إلى سدة الرئاسة ولو شج ثمانون مليونا من المصريين رؤوسهم في الحائط. ربما يأمر بعدة عمليات إرهابية حتى يفزع الناس ويلتصقون بكرباجي فهو أرحم بهم من المجهول، وربما تكون لدى المخابرات الأمريكية والإسرائيلية خطط جديدة لجعل شعبنا ينفجر سعادة بقبولي سجّاناً جديدا وحيئنذ لن يتمكن مصري واحد أن يتنفس إلا بإذني، ولو همس لنفسه في صحراء قاحلة فستصل همساته إلى رجال أمني.
سيسلمني والدي طوابير الخبز، ومرشدي الأمن من صانعي الكلمة، وكلاب السلطة، ومعتقلات تكفي لتبتلع في جوفها كل المصريين المشاغبين، وستنهال المساعدات المالية علينا من أوروبا وأمريكا ودول الخليج، وسيدبج الأفاقون والمنافقون والغوغاء مقالات وافتتاحيات عن عبقريتي، وستسمع فنانين وأدباء وشعراء يمتدحون في قدراتي، وسيجمع الناس في النهاية على اعطاء الرئيس الشاب فرصة لمعرفة نهجه، وكأن لهم الكلمة الفصل بعد الاختبار.

بشار الأسد: ألا تخشى انفجارا أو عصيانا مدنيا أو انتفاضة تطيح بك فور انزلاق نعش والدك تحت التراب؟
جمال مبارك: الانتفاضة العمالية سقطت بعد رشوة الثلاثين بالمئة، التي أعيدت لنا برفع أسعار المحروقات، وأنا ورجالي وربع مليون من شبيبة الحزب الوطني والفنانون وكبار الصحفيين والأدباء والسياسيون والفضائيات العربية مستعدون تماما ليوم رحيل والدي، وسنجعل المصريين يلطمون وجوههم لربع قرن قادم.

بشار الأسد: كنت أريد أن أقص عليك ما حدث في سجن صيدنايا، وعن أشياء لو سمعتها أنت ووالدك لخجلتما من منافستنا!
جمال مبارك: عائد إليك رئيسا، وساقص عليك حينئذ ما سيجعل إبليس يرجوني أن أعطيه دروسا خصوصية بأي ثمن!

محمد عبد المجيد
عضو إتحاد الصحفيين النروجيين
طائر الشمال
أوسلو

حوار بين خروف و .. فاطمة ناعوت!

كانت الأديبة الشاعرة فاطمة ناعوت تجلس في كافتيريا بإحدىَ ضواحي عاصمة المعز، وعلى مقربة من سلخانة يقف أمامها جزار يرتدي ملابس بيضاء تغطيها دماء حمراء قانية، ويبدو أنه كان يبحث عن حيوان هرب منه.اقترب الخروف من فاطمة ونظر إليها نظرة استعطاف ففهمت أنه سمع عنها، وعرف حكايتها، وأشفق عليها بعدما كانت هي التي تشفق عليه.ودار بينهما الحوار التالي:
الخروف: أراكِ هادئة، وادعة، فهل تكتبين قصيدة غزل في أحد النباتيين؟
فاطمة: ما لي أراك ترتعش من الخوف، كأن سكيناً حاداً على وشك ذبحك قبل موعدك خشية أن تبرد الفتــَّــة، ألستَ هارباً من هذا الرجل الضخم الذي يسدّ باب الجزارة بكرشٍ يسبقه؟
بلىَ، أكتب قصيدة شعر في رغاء أبناء جنسك وحرمانهم من حضور جلسة محاكمتي وهو حق لكل منهم، فربما يملك أحدهم أدلة ثبوتية أنني لم أنتهك قوانين الرحمة، ولم ينطق لساني بأكثر من عصارة أحزاني.

الخروف: جريمتك رقة قلبك، وإثمُك صراحتــُـك، وحُوبــُــك صـِـدْقـُـك، لكنك في بلد تعشعش في جمجمة كل مسلم مؤسسة دينية بكل فروعها، فإذا أفلتت رقبتــُـك من الفقه، فسيأتيك إزدراءُ الأديان، أو تُلقىَ علىَ مكتب النيابة رزمة أوراق تتهمك بالأنثوية، وقد يرفع أحدهم دعوى ضدك يقول فيها بأنه تم ضبطك وأنتِ تفكرين!
فاطمة: أنا لم أخطيء، لكنني سمعت عن تجديد الفكر الديني فذهب بي الظن أن مدرسة التشدد ستنتحي جانبًا، وأن فصول التطرف سيتم إغلاقها، وأن العقل سيُفسَح له الطريق ليمـُـر، فإذا بهم يغلقون عليه كل الأبواب، بل يحاولون إغلاق باب السماء أيضا.

الخروف: لقد نزل كلامك على أهل قومي بردا وسلاماً، فقد عرفنا جزارين يذبحون فينتقمون، ويقطعون فيمزقون، ويعلــّـفون فيخنقون، ثم يُعلقون الذبيحة في قيظ الصيف على باب السلخانة لانزال الرعب في قلوب الأطفال.
خصومك جبناء رفضوا الحوار والنقاش والمنطق وحتى العاطفة، ولجأوا إلى لغة شوارعية سقيمة يخجل منها المعجم، ويستحي منها البيان.
يزعمون دفاعهم عن شريعة سماوية، وأنتِ لم تعترضي عليها، إنما كانت حيرتــُـك في التناقض بين الجزار والشاعر، بين السكين والقصيدة، بين الدم والوردة.
فاطمة: آه لو أن قومي يستوعبون منطقك لأكلنا من فوقنا، وأسقانا الله ماءًا غدقـًـا!
إن الله، عز وجل، سمح لإبراهيم، أبي الأنبياء، عليهم السلام، أن يسأل، ويناقش، ويشكك، ويرتاب، وينتقل من رب صغير إلى رب كبير، فلما رأى الشمس قال هذا ربي .. هذا أكبر.
لقد حسُن ظني بسيد القصر عندما وعد بترك المثقفين يجددون فهم ديننا، فلما استجبنا، جاءت مطرقة القاضي فزلزلت العدالة زلزالها، وتعجـّـلوا قضيتي، وغضوا الطرف عن مئات الآلاف من القضايا والهموم والكوارث ، من حقوق الأرامل إلى أصحاب المعاشات، ومن جرائم اغتصاب الأطفال إلى نهب الدولة، ومن أموال هبرها مبارك إلى فساد لم يترك شبرا إلا وأتىَ عليه.
الخروف: لماذا لم يدافع السيد الرئيس عنك، فأنت مواطنة تقود حركة تنوير ووعي وثقافة، فضلا عن حفاظك على لغةٍ استعجمها المصريون فقست ألسنتهم، وغابت عن ساحات أرض الكنانة أسواقُ عكاظ المصرية، فمرض الكتاب، وسقطت دموع المتنبي بعد وفاته بأكثر من ألف عام!
أنا أعرف أناساً يتألمون لصيد فراشة، ويتوجعون لذبح أرنب قبل أن يسقط بجانب طبق ملوخية استعدادًا للدخول في بطن شرهة كلما كبرت ازداد صاحبها شراهة.
أحبابك أكثر من أضعاف مؤيدي الرئيس والقضاء وكل رؤساء الأحزاب، ولم يشفع لكِ دورك الوطني حتى في حملاتك الناجحة لجذب السياحة.
كلهم يتابعونك بقلوب ملؤها الغيرة وأنتِ تحصدين الجائزة تلو الأخرى، وترفعين اسم مصر في بلاد نعجز عن اقناعها بعدالتنا.
فاطمة: أيها الخروف النبيل، أشعر بأنه إذا تأسست منظمة ضد مذابح بني البشر فسيكون مؤسسها خروفاً رقيقاً مثلك، ولو تناهت إلى سمعي قصيدة غزل من سلخانة فلن يكون الجزار قائلها، إنما أنت أو أحد أبناء جنسك.
الخروف: بما أن كل من هب ودب في مصر يستطيع أن يرفع دعوى ضد شخص لا يعرفه، ولم يؤذه، وليس له أي مصلحة في الحُكم عليه، فهي فرصة للعاطلين والأميين وعشاق الشهرة والمرضى النفسيين لتحقيق مكاسب ظلم في قصر العدل، وأرباح سخية في حرم المحاكم.
أنتِ امرأة لا تميز بين البشر، ولا تنحاز لمذهب، وتساوي بين المسلم والقبطي، وبين المسجد والكنيسة، وبين الشيخ والراهب!
أنتِ امرأة لا تحتاج لرفع قبضتها بتحيا مصر، والتلويح بأصابع أربعة أو اثنين، لكن مسيرة الوعي التي تنتهجينها هي هويتك و..هوانا.
من نصر حيوانا يتألم فقد نصر قلوب كل الناس الطيبة، ومن رأى في الدم غبطة فلن تتحرك في نفسه مشاعر الإيمان.
فاطمة: لو سمع حديثــَــك هذا القضاةُ والجزارون والدعاةُ لتحوّلوا إلى نباتيين، وشاركوا في مسيرة تجديد الفكر الديني.
لقد سافرتُ إلى الخارج، واستقبلتني الدنيا باسم مصريتي ولم تتحرك الرئاسة في مصر أو وزارة العدل أو رئاسة مجلس الوزراء، فالكلمة الفصل للمزايدين في الدين، والجماهير تلهث خلفهم، وعشماوي بألف مقال عن التسامح، وتفسير متصلب لداعية لم يفتح كتاب الله ولم يفهم الآيات الساميات يستطيع أن يرفع دعوى بمحاكمة كل المصريين، والغريب أن النيابة ستنظر في الإتهام، وسنحتاج لسجون أكثر عددا من الحقول والحدائق.
وفجأة ظهر الجزار، وأطلق الخروفُ سيقانه الأربعة للريح، وصفــَّـقت فاطمة لصديقها الهارب.

محمد عبد المجيد
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
طائر الشمال
Taeralshmal@gmail.com                                    

29‏/04‏/2016

حوار بين زعيمين عربيين في غرفة مغلقة!


التقى زعيمان عربيان في غرفة مُغلقة بواحد من قصور أحدهما. لم يكن هناك حرس أو خدم أو حشم أو مدير مكتب يطرق الباب ليعكر صفو جلسة تاريخية بعيدة عن البروتوكولات والأقنعة.
لم يصدق الزعيم الأول أن ضيفه الذي لم يشرب الخمرَ قط وافق على احتساء عدة كؤوس بطلب من مضيفه الكريم.
وبعد الكأس السابع دار بينهما حوار تخيل قلمُنا طرفاً منه، فَخَطَّ التالي ...


الزعيم الأول: كيف حال رعيتك يا طويل العمر؟
الزعيم الثاني: الحمد لله فالسنوات تمر، وأبناء شعبي لا يزالون مطيعين أكثر من طاعة قطيع الخراف لعصا راعيها، ومع مرور الزمن تتعتق العبودية تماما كالخمر الذي في كأسك.

الزعيم الأول: كأنك تصف الوضع لدي أيضا، وإن كنت أغضب بين الحين والآخر عندما يتناهى إلى سمعي صوت نشاز من مشاغب انخرط لتوه في جماعة حقوق الإنسان، وظن أنه يستطيع اقناع بعض أبناء شعبي بهذا الهراء، لكن بعد وقت قصير تتولى أجهزة أمني وكلاب قصري مهمة تعليمه قواعد الذل.
الزعيم الثاني: هذا يعني، يا طويل العمر، أنك تحتاج لبناء سجون ومعتقلات جديدة، أليس كذلك؟

الزعيم الأول: في الواقع فما لدينا يكفي لوضع ثلث السكان خلف قضبانها، وهناك زنزانات تحت الأرض لا يعرف مكانها إنس أو جان، لكنني فعلا أفكر جديا في اعطاء الأوامر ببناء مزيد من المعتقلات فلا أدري ماذا يخبيء لي زمن غدر من قبل بزملاء لنا ظن كل منهم أن رعاياه لا يتنفسون إلا بعد استئذانه، فحدث انقلاب من أقرب المقربين، وخرج الرعاع يلعنون الزعيم السابق ويهتفون باسم سيد القصر الجديد.
الزعيم الثاني: ألم توشي تحركات بعض كبار قادة الجيش بأن تمردا قد يقوده متهور يمكن أن يحقق حلمه في البيان رقم واحد؟

الزعيم الأول: إن لدينا جيشا لا يتدخل في السياسة، وقادة يتبادلون مواقعهم كما يبدل الثري ربطة عنقه، ورتبا كبيرة لا يسمح لها أن تجتمع دون معرفتي، وعيونا ترصد تحركاتهم، وأجهزة تراقب التطور الفكري والسلوكي والثقافي والعسكري لكل منهم، وأرشيفا لعائلاتهم وأقاربهم
الزعيم الثاني: ربما تكون أفكارنا متطابقة في هذا الشأن، لكنني أصطحب معي وزير الدفاع، وإذا غادرت أرض الوطن جعلته يودعني، ثم ينتظرني في المطار لدى عودتي، وهو يتوجس خيفة طوال الوقت خشية أن أستبدل به نائبه أو رئيس الأركان.

الزعيم الأول: لقد تابعت نشاطات حرمكم المصون، ما شاء الله، كأنها رئيسة الدولة، وهي لا تقل نشاطا وحيوية عن زوجتي .. سيدة القصر الأولى.

الزعيم الثاني: إن أسرتنا تجري في عروقها دماء نقية وشريفة، لهذا ينبغي أن نُشعر في كل وقت رعيتَنا أن هناك فارقا كبيرا بيننا وبينهم، وأننا منطقة محرمة عليها، وأن الأفكار المشاكسة التي يتعلمها البعض عن المساواة والحقوق والكرامة والديمقراطية يسحقها أقدم أحذيتي. لقد أبلغني وزير المالية أن ديوان المحاسبة طرح عليه، على استحياء وبصوت خفيض، سؤالا عن الميزانية المفترضة لحرم زعيم الدولة، فلقنت الوزير درسا لن ينساه، فنحن نحاسِب ولا نحاسَب، وإذا أرادت سيدةُ القصر الأولى أن تنفق ميزانية إحدى الوزارات بمفردها فلا راد لكلمتها.

الزعيم الأول: حسنا فعلت يا طويل العمر، وأحسب أن أحدا لا تستطيع شفتاه أن تنطق بهذه الكلمة أمامي، فزوجتي تعقد المؤتمرات، وتُعَيّن الرجال، وتنكسر ظهور الوزراء وهم يسيرون خلفها في افتتاح مشروع أو زيارة جمعية خيرية، ويتوسطونها قبيل أي تغيير وزاري، ويتقزمون في حضرتها، ولا يرفع كبير أو وزير أو رئيس جامعة أو محافظ عينيه أمامها وإلا فليتبوأ مقعده من جحيم غضبها.
الزعيم الثاني: لقد قرأتُ لأحد الأوغاد في بلدك حديثا عن ضرورة المشاركة في الحكم ، ولا يزال الرجلُ طليقا حرا ولم تسلط عليه كلاب القصر، هل هناك سبب يمنع تهشيم عظامه؟

الزعيم الأول: بل العكس لأنني أردت أن اتركه وبعضا من أنصاره يتدرب فيهم جبناءُ السلطة الرابعة وَصْلات الردح والشتائم، وهؤلاء الصحفيون والكـــُـتــَّــاب والمثقفون ينبغي أن أترك لهم بعض ساحات المعارك ليثبوا ولاءهم لحُكمي، وينشروا أكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان وربما ينتهي الأمر بالمعارضين إلى حادث سيارة، أو سقوط من الطابق التاسع أو أزمة قلبية مفاجئة أو فضيحة أخلاقية تنتهي إلى عدة أعوام تأديب وسجن في واحد من معتقلاتي التي يزيد عددها على عدد معاهد البحث العلمي أو المستشفيات أو دور المسنين.
الزعيم الثاني : لا يستوعب عقلي لبرهة خاطفة فكرة أن يتولى الحكمَ شخصٌ آخر ليس من صُلبي، ولا هو نتاج حلم واحد من ملايين الحيوانات المنوية التي طالما تخيل كلٌ منها وهي تجري لاهثة ناحية البويضة أنه سيكون في يوم من الأيام سيد القصر والبلد والرعية، يأمر فيُطاع، وينهى فتخضع له الأعناق !

الزعيم الأول: كيف كان ردُّ فعلك لدى قراءتك تقرير منظمة العفو الدولية؟
الزعيم الثاني: إن أقل من واحد في الألف من رعيتي يَطــَّــلع على التقرير، وهو ينتهي غالبا إلى أرشيف مكدس بآلاف الملفات، لكن ممثلي البعثات الدبلوماسية في الخارج يصدرون بيانات احتجاج على عدم دقة التقرير، ويتلقون من وزارة الخارجية نصائح وتوجيهات عن الحملة المضادة لتشويه سمعة نظام حكمي، وينتهي الأمر باحتضار التقرير تماما كما يحدث مع اللجان التي تنبثق عن مؤتمرات فاشلة وهي لجان لحفظ ماء الوجه.

الزعيم الأول: لقد استوردنا، يا طويل العمر، كميات هائلة من أدوات التعذيب تبدأ بأجهزة النفخ، والهراوات المطاطية الكهربية، وحبوب الهلوسة، وكبسولات للتخدير، وأشياء كثيرة تصلح لتجديد طرق اجبار المشاغبين على الاعتراف حتى عن تهم ثابتة على غيرهم 
الزعيم الثاني: الحقيقة أنني أعطيت توجيهاتي لضباط التحقيق في أن يبدعوا بأنفسهم، وأن يكتفوا بالصناعة المحلية لأدوات التعذيب، ثم إن لدينا الاغتصاب، والتهديد باعتقال الأهل، والتصفية الجسدية، والوقوف ساعات تحت شمس حارقة، والدفن في الرمال، وقلع الأظافر، واستخدام الملح بكميات كبيرة فوق الجروح الناتجة عن التعذيب.

الزعيم الأول: هل تصلك كل التقارير المفصلة عما يجري في السجون والمعتقلات؟
الزعيم الثاني: أقرأها كثيرا، وأنتشي بتفاصيلها، وأترك الضباط الساديين والمخبرين والمرشدين وحراس السجون يتولون مهمة اذلال رعيتي، لكنني أصارحك بأنني، بناء على نصائح بعض المستشارين المحنكين في أمور تلميع الزعماء أقوم أحيانا باستقبال أطفال معاقين أو زيارة مستشفى أو ارسال فنان تعشقه الجماهير إلى الخارج للعلاج، أو أطلب استعجال منحة أو الافراج المبكر عن بعض المعتقلين.

الزعيم الأول: أظن أنني لا أبالغ في هذه الأمور لئلا يعتقد المواطنون أن لهم حقوقا لدينا يدافعون عنها، أما الافراج عن المعتقلين فهو في عيد الجلوس فقط 
الزعيم الثاني: كيف يتعامل طويل العمر مع المعارضة في الخارج؟

الزعيم الأول: يثير حنقي تعاون المعارضة مع منظمات حقوق الانسان، ولجوء بعضها إلى دول كبيرة تملك السلطة فيها تأثيرا واضحا على صناعة القرار السياسي في بلدي، بل إن الرئيس الأمريكي يستطيع أن يرسل موظفا في البيت الأبيض يشد أذني ويصرخ في وجهي، وأنا أنظر إليه كما ينظر الخادم لسيده الغاضب.
الزعيم الثاني: أما أنا فقد أمرت بوضع أسمائهم في قائمة المترقب وصولهم إلى كل منافذ البلاد، وتولى رجالي من كبار الكتاب والمثقفين حملة تشويه منظمة تتهمهم بأنهم عملاء للأجنبي، وأنهم يحصلون على دعم من خصوم الوطن، وأنهم يصدرون نشرات صفراء تصب في صالح العدو الصهيوني.

الزعيم الأول: إنني لا أدخر وسعا في حشر التعاون مع الاسرائيليين لدى الحديث عن المناهضين لنظام حكمي، لكن بعضهم يملك وسائل إعلامية في الخارج ويستطيع أن يثبت أننا نحن الذين نتعاون خفية مع تل أبيب، وأتلقى بين الفينة والأخرى تقارير سرية من الموساد عن طريق وسطاء تحذرني فيها أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية من محاولات انقلاب أو مشاغبة أو اغتيال.
الزعيم الثاني: لكن من يقرأ صحفكم ويستمع إلى خطبكم يذهب به الظن إلى أنكم الأكثر تشددا وعنادا وعداء للعدو الصهيوني، بل إن المناخ العام في بلدكم يبدو كأنه حالة حرب ساكنة أو سلام داخل فوهة مدفع في وضع الاستعداد!

الزعيم الأول: تغييب وتخدير الشعوب فن برع فيه الزعماء العرب، ولا تنس، يا طويل العمر، أن نصف سكان عالمنا العربي أميون، وأن نصف المتعلمين أنصاف أميين، فلا غرابة في سهولة العمل على تخدير الرقيق ولدى كل واحد منا طرقه ووسائله الخاصة لجعل هؤلاء الرعاع يسيرون على ركبهم كأنهم جِمْالٌ مرهقة بركت في وسط الصحراء.

الزعيم الثاني: ما هي آخر أخبار أسرتكم الشريفة فقد بلغني أن واحدا من الأقربين قد حصل على درجة علمية لا يعادله فيها حاصلو جوائز نوبل على الرغم من أنه لا يكتب جملة واحدة سليمة إلا بشق الأنفس؟

الزعيم الأول: إن من يحمل اسمي أو سلطتي أو ينتسب إلى أسرتي تأتيه الشهادات والثروة وهو جالس في مكانه يشاهد فيلما بورنوجرافيا حلال له محرم على الآخرين.
الزعيم الثاني: لقد كان زميلنا الراحل الملك الحسن الثاني بارعا في هذا الأمر فقد كان شقيقه الأمير عبد الله يحصل على نسبة واحد وخمسين في المئة من شراكة أكبر شركات التصدير والاستيراد في بلده لمجرد أنه شقيق لأمير المؤمنين، ولعلك تذكر الشاب ابن زميلنا الزعيم الآخر الذي كان يرفع سماعة الهاتف لصاحب أي مشروع ناجح ويبلغه شرف اشتراكه معه بنسبة خمسين في المئة دون أن يدفع أي مبلغ مقابل الشراكة، وعلى الآخر أن يقبل وإلا وقف المشروع وأصابت صاحبَه جلطةٌ في المخ أو أزمة قلبية.

الزعيم الأول: إنني أعترف لك، يا طويل العمر، بأنك كنت أكثر مني براعة وحُسن تصرف لدى تعاملك مع الجماعات الدينية في بلدك، ومع ذلك فجموع الشعب تظن أنك سليل الأشراف، ومن نَسَبٍ طاهر يمتد مئات الأعوام، وتحافظ على الفروض الدينية وتطيع تعاليم السماء.
الزعيم الثاني: لأن الدين لا يحتاج منا إلا إلى مظاهر خادعة، كالصلاة مع حشود واظهار الخشوع، وافتتاح أماكن للعبادة بين الحين والآخر، والاهتمام ببعض الجمعيات الخيرية، وترك المتشددين والمتصلبين والمتزمتين يشغلون الرعية بصغائر الأمور.
ولكن عندما أشم رائحة خروج الدين عن مساره المُخدر والمغيب، وتوجهه ناحية حقوق الانسان والدفاع عن الكرامة والظن بأن عناية السماء تقف مع المظلومين في السجون والمعتقلات، فهنا لا حدود لشراستي، وأنا على استعداد لادخال نصف رعيتي خلف أبواب متسخة في سجون مظلمة كئيبة تحت الأرض لا يقوم بزيارتها إلا اثنان فقط: السجان وملك الموت.

الزعيم الأول: في الواقع الوضع يختلف قليلا في بلدي لأن رجال الدين يقومون بالمهمة أفضل من أجهزة الاستخبارات، وهم قادرون على اقناع عبيدي بأن طاعة ولي الأمر كطاعة الله، ولذلك فأنا أمنح من سلطتي الكثير لرجال الدين وهم يُكَفّرون أيَّ شخص، ويتفحصون الكتب، ويبحثون في صدور الرعية عن زاوية قصيرة في القلب لم تشلها مغيبات الدين، بل إنهم يكونون أحيانا أكثر شراسة من أجهزة الأمن عندما يتعلق الأمر باخماد فتنة وطنية أو تمرد ضد السلطة فيوزعون على المشاغبين اتهامات يستخرجون مفرداتها من صُلب الدين، وهنا يصبح ضرب الأعناق أكثر سهولة من تفريق تظاهرة في شارع مكدس بالغوغاء في قلب العاصمة.
الزعيم الثاني: لقد قرأت ميزانية العام الجديد في بلدك ولم تكن بها أية اشارة إلى مخصصات القصر والأسرة والنفقات الخاصة بالزعيم والأمن، فلماذا لم تفعل مثلي وتتجنب صداع الرأس من المشاغبين، فأنا أضع ميزانية وهمية للقصر وأنفق أضعافها مئات المرات؟

الزعيم الأول: إن جل أبناء رعيتي لا تمر أعينهم على الأرقام، ولا يعرفون حجم البطالة، ويجهلون محرمات عليهم كثيرة وكلها تتعلق بالسلطة وبأسرتي الشريفة، ولا يعرف وزير مالية أو مدير البنك المركزي أو رئيس الجهاز المصرفي للمحاسبات أنه تم وضعها كلها بمعرفة القصر.
الزعيم الثاني: هل تظن ، يا طويل العمر، أن كشفا لحسابك الوطني قد تفتحه جهة تأتي من بعدك، ثم تتدحرج كرة الثلج عن الفساد لتصبح جبلا من الجليد لا يستطيع أحد أن يبرره في العهد القادم؟

الزعيم الأول: لا أظن ذلك لأننا نحن الزعماء اعتدنا، إلا قليلا، على عقد صفقة مع من يخلفنا يلغي بموجبها ذاكرة الأمة في العشرين عاما الأولى من حُكمه، إلا إذا جاء على ظهر دبابة أو في انقلاب القصر أو بمساعدة جنود بيض على وجوههم عيون زرق.

الزعيم الثاني: تحيرني، يا طويل العمر، ردود أفعال رعيتنا ففي الوقت الذي تفشل فيه خطط التنمية، ويصل عجز الموازنة العامة إلى كارثة، ويتسول أبناء بلدي في الشوارع، وتضرب البطالة كل بيت، وتلطم ربات البيوت وجوههن الصفراء غير الصحية من غلاء السلع وارتفاع الأسعار، ويصبح حلم أي مواطن مغادرة سجني أعني وطنه، يزداد تمسك المواطنين بي بحجة أن المجهول قد يضع البلاد على شفا جرف هار أو هاوية إلى مكان سحيق. إنهم يتلذذون بالعبودية، وينتشون بالقمع تحت قدمي، ويبتهجون بالذل، ويغتبطون بالقهر، بل يتبرعون أحيانا باستجدائي أن استمر عدة سنوات أخرى في سحقهم تحت حذائي، هل لديك تفسير؟

الزعيم الأول: كأنك تقيم معي في القصر وتصف أحوال رعيتي، ولا تستثني منهم أحدا، إلا من رحم الله، فكبارهم من المثقفين والأكاديميين والوزراء والمحافظين ورجال الأعمال والمفكرين يصبحون في أشد لحظات الرضا لدى انحناء الهامة، وتقوص الظهر، واظهار الطاعة العمياء، وأنا رغم سعادتي ببدء يومي بقراءة مانشيتات النفاق والتزلف والتقرب العفن الرقيقي الذي يُسَبّْح بحمدي، فإنني أصارحك بأن القرف والغثيان والاشمئزاز من الكبار يصيبني بحالة هستيرية لا ينفع معها إلا مزيد من اذلالهم، أما الصغار وهم الغالبية العظمى من الرعية فيكفيها لقمة العيش، وبعض مباهج الحياة، وأن يعود كل منهم إلى أهله مساء دون أن يتورم قفاه من كف أحد رجال حمايتي المبعثرين في كل مكان.
الزعيم الثاني: أما أنا فيحيرني أمر آخر، فرغم كل ما قدمته لسيد البيت الأبيض، سرا وجهرا، فإن الولايات المتحدة لا ترضى عني، وخدماتي لأجهزة استخباراتها لو كان هناك عدل تجعلني في مقدمة جنودها المجهولين.

الزعيم الأول: المهم، يا طويل العمر، أن تظل الشعوب العربية في حالة خوف دائم، وأن نمنع تماما أفكار التمرد فنحن في حقيقة الأمر أوهن من بيت العنكبوت، وأضعف من حشرة، ونظام أي منا يمكن أن تطيح به نسمة رقيقة في مساء أحد أيام الربيع، وشعوبنا لا تعرف طرق الثورة والتمرد والحرية والكرامة، ولو تمكن أحدهم من اقناع أفراد الشعب بالعصيان المدني فسنهرب من فوق سطح القصر كما فعل نيكولاي تشاوشيسكو أو نتقزم ونصغر كما كان الوضع مع محمد رضا بهلوي صاحب عرش الطاووس. وهنا ظهر في الأفق شعاع صباح جديد، وودع المضيفُ ضَيّفَه بحفاوة، وامتصت الجدرانُ حديثهما، ونشرت صحف الصباح في الدولتين مانشيتات عريضة عن المحادثات الهامة بين الزعيمين لخدمة الشعبين الشقيقين.
محمد عبد المجيد
عضو إتحاد الصحفيين النرويجيين
طائر الشمال
Taeralshmal@gmail.com

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...