23‏/04‏/2016

حوار بين إعلامي عربي و .. مواطن خليجي!


في أحد فنادق عاصمة دولة عربية خليجية التقى مواطنٌ خليجي بأحدّ المثقفين الإعلاميين الذي كان قد صاحبه في سنوات الدراسة الجامعية بعاصمة مشرقية ثورية.
دار بين الرجلين حوارٌ على مائدة العشاء في المطعم الأنيق بالطابق الأرضي، والتقطنا شطرا منه ..
المواطن الخليجي: أرى ملامحك قد تغيّرت قليلا، وبدأتَ تميل نحو السمنة، وفقدت بعضا من رشاقتك التي عرفناك بها خلال سنوات الزمن الجميل في الجامعة!
الإعلامي العربي: وأنا كدت لا أعرفك بعقالك ودشداشتك، ولا أدرى إنْ كان الشيب قد غزا مفرقك وترك خصلات بيضاء تمتد بطول شعر رأسك، ولكن ما أراه أن طفرة البترول، التي أطلق عليها نزار قباني زيت الكاز، قد بدت على المشهد برمته.
المواطن الخليجي: هل قابلتَ أحدا من زملائنا القدامى؟
الإعلامي العربي: لا أرى أكثرهم إلا في مناسبات متفرقة، فمنهم من شدَّ رحاله إلى دول الخليج العربية، ومنهم من هاجر إلى أوروبا وأمريكا، أما منْ بقيَّ في البلد فهو يصارع الحياة اليومية فتصرعه تارة، ويتحداها من جديد فيصبر على الغبن، ويصمت على الظلم، ويهادن السلطة، فهي في بلدنا تتحكم في مأكله ومشربه وحريته ومستقبله، فإذا تحرك لسانه بغير هواها، تحرك سوطُها على غير رضاه.
المواطن الخليجي: هل ستقضي معنا عدة أيام لعلنا نلتقي على مائدة خليجية في منزلي الجديد القريب من الشاطيء؟
الإعلامي العربي: إنني هنا في مؤتمر ثقافي يناقش قضايا الحرية الإعلامية في العالم العربي ، وبعد إنتهاء جلسات المؤتمر أختطف ساعة أو بعض الساعة للتسوق في المول الجديد.
المواطن الخليجي: وماذا ستفعلون بنتائج المؤتمر؟
الإعلامي العربي: سيتم وضعها في أرشيف داخل مجلدات ضخمة عليها أتربة، ولن يستفيد منها أحد!
المواطن الخليجي: لماذا إذاً قبلت الدعوة لحضور مؤتمر لن يضيف إلى بلاط صاحبة الجلالة السلطة الرابعة قوة، بل قد ينتقص مما لديها؟
الإعلامي العربي: لقد أصبح الخليج العربي قِبْلَتنا، وفنادقُه نحلم بالاقامة فيها كأننا نعتمر، ونستنشق رائحة الحرية رغم أننا في بلادنا الثورية نسخر من الخليجيين، ونتهمهم بأنهم من نسل أبي جهل الذي اشترى فليت ستريت.
إذا لم نذهب إليكم زائرين وعاملين وإعلاميين، فنحن ننتظركم سائحين أو داعمين لمؤسسات خيرية.
المواطن الخليجي: ولكنكم تنتسبون لدول تعاقبت على أرضها حضارات رائعة، ولديكم كثافة سكانية هائلة، وجامعاتكم ومعاهدكم العلمية وطلابكم وأطباؤكم وخبراؤكم يستطيعون أن يحققوا المعجزات، والنفط ليس مقتصرا علينا، ولديكم الماء والأنهار والأرض الزراعية، بل يمكنكم أن تجعلوا بلادكم حلما يهاجر إليها المواطن الخليجي!
الإعلامي العربي: لأننا نأكل شعارات، ونقيم مصانع للطغاة في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا وشوارعنا.
في بلادنا الثورية نحارب طواحين الهواء، ونكتم الأنفاس باسم إزالة آثار العدوان، ونقطع الألسن دفاعا عن الفلسطينيين، لكننا نلقي بهم في سجوننا الممتدة من الحدود إلى الحدود، ونعاملهم في مطاراتنا كأنهم جرب نجس جاء يدنس أرض الثورة المباركة.
في بلادنا ملوك يحملون أسماء ثورية، وورثة من أولادهم تتحرك سطور الدستور وفقا لأهوائهم، ولو أراد الزعيم أن يورث ابنه الحكم وهو حيوان منوي لم يُخَصّب بويضةً بعد فإن رؤساء تحرير الصحف الكبرى قادرون على وضع التاج على رأسه والحديث عن عبقريته قبل أن يولد بتسعة اشهر.
إنني هنا أستنشق عبير الحرية لعدة أيام قبل أن أعود إلى السجن!
المواطن الخليجي: ومن قال لك بأن خليجنا تجري من تحته الأنهار، ويسكنه ملائكة فقط، وتحكمه عبقريات تجري فيها جينات آينشتانية؟
إننا أيضا نعاني من مشاكل، ولدينا تركيبة سكانية تجعلك أحيانا لا تعرف إن كنت في كلكتا أو دلهي الجديدة أو لاهور أو مدينة خليجية تنتصب فيها الأبراج كأنها تناطح السحاب أو تهرب من الأرض.
ولدينا أيضا أحاديث في الخفاء والعلن عن الطائفية، ويعمل على أرضنا طابور خامس طويل من شرق الخليج وغربه، ومن شمال البحر المتوسط وجنوبه، ومن مريدي بن لادن وحجاج البيت الأبيض، ومن نسل إيللي كوهين وموظفي السفارات العربية والفنادق الكبرى وجواسيسها.
ونحن سنهاجر إلى بلادكم إن تم فجأة اكتشاف بديل للنفط، فَقِلةٌ من دول الخليج مَنْ صنعت للذهب الأسود بدائل ولو على استحياء، وأكثر سياسيينا لم يتبينوا بعد خطورة الطرح الطائفي.
لكنني أعترف لك بأن القمع والقهر والتعذيب ومطاردة المعارضين وتصفيتهم لم تستطيعوا أن تصدّروها لنا إلا بكمية تسمح فقط لهيـّـبة السلطة أن ترفع صوتها أو تلوّح بسوطها!
في بلادنا ملوك وأمراء قضوا مئات السنوات يحكموننا وهم ليسوا غرباء عنا، وبيننا وبينهم ميثاق وعهد، وفي بلادكم ملوك في قصور الرؤساء، وأمراء يرتدون الجينس، وسلاطين بربطة عنق أنيقة.
أنا أضمن لنفسي أن لا يستدعيني رجل استخبارات في مطار بلدي ليسألني عمن قابلت في ملتقى إعلامي بعاصمة أخرى، أما أنت فمضطر، في كثير من الأحيان، أن تضمن لنفسك كفاف يومها بكتابة تقرير لجهاز الأمن عن زملائك الذين يعارضون الملك الرئيس، أو الذين التقوا بمعارضين ولو كان اللقاء على مائدة طعام كبيرة لا يسمع فيها أحدٌ أحدا!
أنا أبتسم في وجه ضابط أمن المطار لدى العودة وأقول له: حيّاك الله، فيرد التحية!
أما أنت فترتعش يداك، وتنفصل مفاصل ركبتيك، ويرتفع الكولسترول في دمك عندما تقوم بتسليم جواز سفرك لضابط أمن المطار، فأنت متهم حتى يعيده إليك، وتشكره لأنه لا يشكرك، بل قد يلقى في وجهك بوثيقة سفرك كأنه يتوعدك بيوم آخر !
الإعلامي العربي: ولكن لا يمكن غض الطرف عن الدور الذي قامت به دولنا العربية المشرقية في تطور الخليج، وتقدمه، وحتى في إعلامه المسموع والمرئي، وصحافته، وأحسب أنني لا أسبب لك حرجا إن قلت وحتى في تحرير دوله إنْ جاءها خطر خارجي.
المواطن الخليجي: ونحن لم ننكر مطلقا الدور الايجابي الذي لعبه أشقاؤنا، ومع ذلك فهي لم تكن علاقة أخذ وعطاء، لكن حقيقتها تكمن في كونها تبادل مصالح ومنافع ولو غلّفتها دغدغة مشاعر الجماهير عن الأُخُوّة والعروبة والتواصل الديني.
هل سمعت عن بعثة عربية مشرقية جاءت للعمل تطوعا ومجانا ودون أي أجر مباشر أو غير مباشر؟
أما تحرير الكويت، إن كنت تقصد الإشارة إلى هذا الحدث، فكل من ساهم فيه حصل على أجره، وقامت الكويت باسقاط مليارات من الديون التي كانت تثقل اقتصاد ( الأشقاء ) الذين ساهموا في تحريرها، ولكن صعوبة أوضاعهم المادية ترجع إلى الفساد والنهب المنظم ولصوص السلطة.
لا نستطيع أن نقيم علاقات صحية بيننا وبين أشقائنا في المشرق العربي مادامت لغة المخاطبة تنطلق من هذا الاستعلاء السخيف الذي يقوم بتذكيرنا سبعين مرة في اليوم أن نهضتنا ستظل مدينة لسواعدكم وعقولكم وعلومكم، وأننا بدونكم كان مصيرنا سيصبح في ذمة هامش التاريخ والجغرافيا معا.
أنت هنا في مؤتمر إعلامي تستفيد بقدر ما تفيد، ولو لم تقم بحساب الربح والخسارة قبل سفرك، لما ترددت في أن تبقى في بلدك لا تغادرها إلا قبل التأكد من أن الربح يفوق الخسارة.
الإعلامي العربي: ولكنني هنا من أجلك، والملتقيات الفنية والعلمية والأدبية والإعلامية في الخليج لا تستقيم بدون الوجوه المشرقية والمغربية التي تمنح المؤتمر هويته العربية، وتتأصل فيه رموز الثقافة والتقدم في العالم العربي.
المواطن الخليجي: أنانية لا ينفع معها أحيانا حياؤنا وأدبنا ومراعاة مشاعركم.
وأنت هنا في يومك الثالث لم تكلف نفسك عناء الذهاب إلى مكتبة وشراء الصحف الخليجية اليومية، وربما لا تعرف أسماء أعضاء الحكومة في بلدي، ولن أطرح عليك سؤالا عن أدبائنا وشعرائنا ومراكز البحث العلمي والدراسات الخليجية.
أنت تقرأ الصحيفة التي تجدها معلقة على باب غرفتك في الفندق، وربما تبحث فيها عن أسماء مشرقية يتهلل لها وجهك، وتمر مَرّ الكرام على أخبارنا المحلية كأنها أحاديث عن الحياة اليومية لقبائل مهددة بالانقراض.
هل لك أن تذكر لي أسماء قارئي نشرات الأخبار الخليجيين في إذاعات وفضائيات الدول العربية المشرقية والمغربية؟
ستقول بأن الأجور لا تناسب الخليجي، لذا فهو يرفض العمل هناك!
والحقيقة أنها سياسة ممنهجة مغرورة تظن أننا لا نصلح للعمل لديكم.
لقد فرضنا اللهجة الخليجية بعد سنوات من العمل الشاق، والصبر الشديد.
الإعلامي العربي: لماذا لا تقيمون مؤتمرات خليجية بحتة، وتقتصر الدعوات فيها على العقال والدشداشة والشعر النبطي؟
المواطن الخليجي: يا سيدي، يمكنك أن تدلف إلى أرشيف أي مؤسسة إعلامية أو فكرية أو علمية أو جامعية أو صحيفة أو شركة وستجد طلبات العمل والالتحاق بها تزيد أضعافا مضاعفة عن عدد سكان الخليج برمته، وكلها قادمة من الدول العربية المشرقية والمغربية.
إن استقامة العلاقة لن تصل إلى درجة الشفافية دون الاعتراف بأنها تبادل مصالح ومنافع، ولا مانع مع ذلك من مشاعر الود والاحساس بالاستقرار والراحة.
نحن لسنا نفطا وصحراء وبدوا وجِمالا تبرك أمام ضيوفها الأعزاء المتحضرين.
ونحن نتحمل اضطرابات وقلاقل تأتون بها إلينا، وترسلون جواسيسكم للعمل في المؤسسات والفنادق، وأنت تظن أنه يخفى علينا ما يقوم به الطابور الخامس من تسريب أسرار الدولة وضيوفها ونشاطاتهم مباشرة لسفارات دول عربية مشرقية ومغربية، تحتل فيها الدبابة مكان القلم، والزنزانة محل الديوانية.
هل يستطيع زعيم دولة عربية مشرقية أو مغربية أن يغادر ومعه كل أعضاء حكومته لتقديم واجب خارج البلاد لعدة ساعات؟
أظن أن مبنى الإذاعة والتلفزيون سيتم احتلاله من المعارضة قبل أن تحلق طائرة زعيمكم في الأجواء المحلية!
الإعلامي العربي: أنت تحدثني كأن قصور حكامكم الفاخرة مقرات لجمعيات خيرية، وأن بيت مال الخليج لا يعرف من المتسولين غير أشقائكم في الدول العربية الثورية.
نحن أيضا نفقد حريتنا على أعتاب بلادكم، ويقيم الواحد منا عشرين عاما ويظن أنه أصبح واحدا منكم، فإذا جاء موعد تجديد الإقامة اكتشف أنه لو كان في الغرب لأصبح واحدا منهم دونما حاجة لعيون زرقاء وشعر ذهبي.
إن الواحد منا الذي يخيفه زائر الفجر في بلده، يفزعه تهديد الكفيل في بلادكم، وتهديد ضابط الأمن لدينا يعادل كلمة ( التفنيش ) عندكم.
المواطن الخليجي: ومع ذلك فلو منحت فرص عمل في الخليج لكل مواطني أقطارنا العربية الثورية لما بقي في بلادكم غير المنتفعين بالحكم الفاسد ولصوص الوطن.
وبلادنا لا تعرف المقابر الجماعية، ولا يتخلص فيها زعيم الدولة من عدة مئات من المعارضين دون أن يرتفع حاجب في وجه أحد صناع الكلمة والحرية.
إنكم تنظرون إلينا بنفس نظرة الأوروبي الجاهل بعاداتنا وتقاليدنا رغم أننا ننتمي لوطن واحد وأمة ذات رسالة خالدة، كما تقول أدبياتكم الثورية.
صحفكم مليئة بالتهكم علينا، ولو ظهر في عاصمة ثورية سفيه خليجي فإنكم تنهشون لحومنا قبل أن تتحرك تروس المطابع بجرائدكم الأكثر عددا من جمعيات حقوق الإنسان.
أتفق معك بأن قضايا الجنسية والتجديد والإقامة المهددة بالتفنيش وعدم المساواة في الأجور وجشع الكفيل تؤرق الشرفاء منا، وتقوم بتشويه صورة المواطن الخليجي، لكنها قضايا محلية نناضل من أجل وضع حلول متحضرة لها.
لم نقل بأننا صنعنا مجتمعات مثالية، لكننا غاضبون على مشاعركم المتأرجحة بين التعاطف إن رفع بئر النفط لدينا مستويات معيشتكم، وبين حجارة تلقونها علينا إن دافعنا عن كرامتنا في مواجهة يقينكم بأننا بدو استبدلوا بالجمل مرسيدس، وبالخيمة قصرا، وبالضيافة العربية الأصيلة كفيلا يلوح بالسوط وفي يده الأخرى حزمة من العملة الخضراء.
ثرائي ليس مرتبطا بالجهل، وقلمك ليس ملتصقا بالفقر. إننا في مركب واحد لو ثقبته في مسقط لغرق في أغادير، ولو احترق في اللاذقية لأبتلعه خليج هرمز. لو تعلّم كل منا قبول الآخر لكان لهذا الحوار شأن آخر.

محمد عبد المجيد
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
اوسلو النرويج

حوار بين حمار و .. زعيم عربي!



الدخولُ إلى باحة القصر مغامرةٌ لا بد أن تنتهي بصاحبها إلى زيارة للعالم الآخر، فإذا كان الزائرُ المتسللُ حِماراً فإن فرصةَ وجوده قريبا من أحد الشوارع المؤدية للقصر ضئيلةٌ للغاية.
لذا قرر حمارٌ أن ينتظر الزعيمَ في بيته، وتسلل بالفعل دون أن يشتبه به أيّ من رجال الأمن، ودخل غرفةَ مكتب القائد، وانتظر عودتَه الميمونة.
قُبَيل الحادية عشرة مساء، وبعد العشاء ومشاهدة نشرة الأخبار المتلفزة، دخل الزعيمُ إلى غرفة مكتبه وبيده مجموعة من الصحف والتقارير والأوراق الأخرى.
كانت المفاجأةُ كبيرةً، وقبل أن يرتفع صوتُ الزعيم مطالِباً الحرسَ الخاصَ باخراج هذا الحيوان من مكتبه، نظر إليه الحمارُ نظرةً مُذِلة وقال في مَسْكَنَة اعتاد الزعيمُ أن يراها في عيون المحيطين به:

سيدي، هل لك أن تستمع إلي قبل أن يطردني حرسك الخاص، فلديّ عرضٌ مثير للاهتمام يستفيد منه كلّ مِنّا حسب موقعه؟
وبدأ الهدوء يعود للزعيم، ثم جلس على مقعد مريح بعدما أغلق بابَ المكتب جيدا.

الزعيم: تكلم فليس لديّ وقتٌ، وقُلّ ما عندك رغم ثقتي بأن حمارا مثلك لا يمكن أن يكون لديه عرضٌ يُغريني بقبوله.
الحمار:أريد أن أعمل لديك مستشارا خاصا يفوق في كفاءاته وقدراته كلَ مستشاريك ومديري مكتبك السابقين والحاليين.

الزعيم: حمار وغبي وأيضا متخلف! كيف استبدل رجالي الذي صنعتهم من قاع العبودية، والذين لا يساوى الواحد منهم ورقة صغيرة تخرج من مكتبي فيجلس بعدها على مقهي أصحاب المعاشات يجتر ذكريات رضائي عنه؟
إن لدي رجالا في كل مكان من القصر إلى رئاسة تحرير أهم الصحف الرسمية، ومن الرجل الثاني إلى معظم وزرائي، وأنا أراهم أكثر منك طاعة، وأشدَّ قدرة على تحمل اهاناتي لهم، ويبتهجون بالمذلة، وتتقوص ظهورهم وهم يسيرون خلفي طالبين الرضا ونصفَ ابتسامة وإيماءةً مني ولو كانت احتقارا.
الحمار: لكنهم، سيدي الزعيم، سينضمون لأول حركة ناجحة تطيح بك، وسيبيعونك لمن يدفع أكثر، وسيبصقون على يديك إن طلب منهم الزعيمُ الجديدُ ذلك. أما أنا فلن أفعل أكثر من الطاعة للكرباج، والصمت على الآلام، والسكوت على خواء البطن ولو مت جوعا.

الزعيم: أنا لا أنكر أن فيك صفات تنطبق تماما على المواصفات المطلوبة لمن يخدمني، لكن المستشارين في القصر أصبحوا مركز قوة، بل إنني أكاد لا أعرف أحيانا ما يدور إلا من خلالهم، وأنا سعيد بهذا فهم يتذللون ويقومون بحمايتي، وأنا أستبد بهم وأتولى حمايتهم. إنها معادلة الطاغية والمستبد والديكتاتور والسيد على مدى التاريخ.
وهنا بدت نظرات الحزن والأسى في عيني الحمار، ولأول مرة يرق قلبُ الزعيم لمن يستجديه ولو صامتا.

الزعيم: هل تقبل أن تكون وزيرا للزراعة والري والثروة المائية؟
الحمار: معذرة سيدي الكريم فأنا لا أستطيع أن أنافس رجلك في الوزارة، فهو ظلك في الحكومة، وهو لسانك الذي تبطش به، وهو القادر على أن يحدد لرعيتك الأكل والشرب والسموم، وقد أبقيته بجانبك لأنه أكثر مني طاعة وتحملا.

الزعيم: ما رأيك في رئاسة مجلس إدارة شركة الطيران الوطنية، فهناك سرقة ونهب وأيضا عمولات على شراء طائرات، وحسابات مفتوحة، وأماكن مجهولة لا يعرفها ديوان المحاسبة؟
الحمار: صحيح أن منصبا كهذا لم تشترط سيادتك أي كفاءات على صاحبه، بل لو تطابقت صفاته مع صفاتي فإن رجالك وأقاربك ومعاونيك ومستشاريك يستطيعون أن ينالوا من كعكة شركة الطيران الوطنية، فهناك ميزانية بمئات الملايين، وعمولة واحدة تكفي المرء أن يعيش ما بقي له من عمر على حرير وثير، لكنني كحمار أرى أن منصبا أرفع من هذا يليق بي. أريد أن أكون أقرب إلى الرجل الثاني في الدولة، بل لا أخفي عليك، سيدي الزعيم، أنني أطمع في منصب أعلى من الرجل الثاني.

الزعيم: لكنك لن تستطيع أن تكون زعيما عربيا حتى لو قامت أجهزة الاستخبارات الأمريكية بوضعك عنوة في القصر.
الحمار: لكن هذا الاجحاف والظلم البَيّنَ والتمييزَ ليس أكثر من جهل بطبيعة الفروقات والتجانسات بيني وبين صاحب أعلى منصب في الدولة.
فالزعيم العربي بوجه عام ( إلا قلة نادرة ) لا يقرأ، وإذا قرأ لا يفهم. وهو أقل ذكاء من معظم المحيطين به، ومايقوم به في شهر أقوم أنا به في أقل من يوم.
والزعيم العربي لا يحتاج للتفكير، فهناك من يفكرون له، ولا يكتب خطبته، وإذا صادف وأجرى حديثا تلفزيونيا فإن المونتاج قادر على تحويل خربشات الهُراء إلى عبقرية، والفراغ الفكري إلى تأمل، والسخافات إلى مزاح من القائد المتواضع.

الزعيم: ولكنك لا تستطيع أن تكون فيلسوفا، وروائيا، وقائدا مهيبا، وعسكريا فذا، فأنا أتحدث في كل شيء، ويمكنني الخوض في أمور أجهل فيها أصغر معلوماتها، لكنها تتحول بقدرة قادر إلى ثورة فكرية لا يماثلها فكر آخر على وجه الأرض.
الحمار: هل تعني، سيدي الزعيم، بأنني لو توليت الحكم واجتمعت بكبار المثقفين والاعلاميين ورجال المال والاعمال والأمن فلن يمتدحوا في عبقريتي؟

الزعيم: أنا لم أقل هذا الكلام، فأنت تستطيع أن تخوض الانتخابات كما أنت، بصفتك حمار، وستجد جماهير تندفع رافعة صورتك، وستندهش من الافتتاحية الرائعة في الصحيفة الرسمية وهي بقلم رئيس التحرير نفسه بأننا انتظرنا طويلا حاكما عادلا وقائدا محنكا كحمارنا، ونحن ينبغي أن نتمسك به من أجل مستقبل أولادنا واستقلال وطننا.
الحمار: لماذا لا تجعلني أمينا عاما للحركة الوطنية التي تحكم وستجدني طوع بنانك، أتحمل منك الاهانات والضربات ولو صفعتني على قفاي سبعين مرة في اليوم والليلة؟

الزعيم: هذا المنصب محجوز دائما لأكثر الخدم طاعة لي، وأشدهم قسوة على خصومي، وأمهرهم في التزوير، وأدناهم أخلاقا، وأضعفهم ضميرا.
الحمار: إنني أستطيع أن أقوم بتنظيم الإعلام، وتعيين حمقى في التلفزيون، وغض الطرف عن كل صور الفساد، وتكديس الشاشة الصغيرة بوجوه متخلفة عقليا وثقافيا ولغويا، والتعاون مع المتزلفين والمنافقين في الصحافة، واشتراط الضعف في اللغة العربية لكل من يتم تعيينه.

الزعيم: معذرة، عزيزي الحمار، فنحن هنا أمام آلة تلميع وتأهيل صورة الزعيم كلما بدت باهتة أو نَسيها الناسُ لساعة أو بعض الساعة، فيقوم إعلامنا بتذكير المواطنين بأن لهم سيّدا يطيعونه. هل تعرف أن في تلفزيون دولة عربية أخرى يقوم المشاهد المتصل باهداء الأغنية أولا في برنامج ما يطلبه المشاهدون إلى صديقي الزعيم، ثم تبدأ الإهداءات الحقيقية للأهل والأحباب والأصدقاء؟
ثم إنني أشترط في هذا المنصب ذكاء وحماقة في نفس الوقت.
الإعلام في بلدنا هو خط الدفاع عن الطغيان، وممارسة البغاء السياسي وحماية القصر من البيان رقم واحد الذي يتمنى الكثيرون إذاعته بُعَيّد وصول دبابتين وثلاث مدرعات إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون.
الحمار: لماذا لا تجعلني كاتب خُطَبك التي تُلقيها في المناسبات الرسمية والوطنية؟

الزعيم: أنا لا أنكر أن أيّ حمار يمكن أن يكتب خطبة ويلقيها الزعيم على الملأ وتتحول صباح اليوم التالي في مانشيتات الصحف الرسمية إلى أقوال كأنها من رحم فلسفة سبينوزا وعبقرية تشرشل والبيان البلاغي للرافعي، لكن كاتب خُطبي يعرف ما يدور في خلدي، ويقرأ أفكاري قبل أن ينطق بها لساني، ويتابع أجهزة الاستقبال العاطفية الساذجة في نفوس وقلوب أبناء شعبي، ويتجنب تماما المرور على العقل والمنطق والتاريخ والحقائق، فتأتي خطبتي كأنها أُمُّ البيانات.
ولكن ما رأيك في أن آمر بتعيينك كاتبا للمسلسلات التلفزيونية وهي بوجه عام مهنة، باستثناء بعض الأعمال النادرة، يجيدها كلُ حمار يرغب في الوصول إلى قلوب الحمقى، بل إن بعض المسلسلات يتأفف كاتبها الحمار من مشاهدتها مع أن لها شعبية كبيرة؟
الحمار: سيدي الزعيم، كأنك تهينني في كفاءاتي وقدراتي. إنني أبحث عن منصب أكبر بكثير استطيع من خلاله تعبيد كل الطرق المؤدية إلى استمرارك سيدا فوق رقاب عبيدك. لذا فربما يكون منصب مدير الأمن العام مناسبا لي!

الزعيم: هذا المنصب بالذات غير مناسب لك بالمرة، فأنت قد تصمت، وتنفذ أوامري حرفيا، لكن قلبك الرقيق الطيب لن يتحمل تقارير يومية تتكدس على مكتب مدير الأمن العام قبل أن يحيلها إلي وهي عن التعذيب في السجون والمعتقلات واغتصاب المواطنين وامتهان كرامتهم وتجريعهم الذل الُمْرّ.إنني منذ توليت السلطة قرأت ما تهتز له السماوات السبع ومن فيهن من تقارير عن سلوكيات رجال أمني وحمايتي مع أبناء شعبي، ولم تتحرك ذرة شفقة أو رحمة بين جوانحي، حتى من قضى منهم تحت التعذيب المستمر لكونهم من المعارضة أو من المشاغبين أو أكباش فداء لتعليم رعيتي أصول العبودية والسُخرة والتذلل والخوف مني.
فكيف استبدل بمسؤول الأمن في بلدي حمارا مثلك قد يشفق يوما ما على مواطن، أو يطلب من زبانية التعذيب التخفيف أو الاستجابة لأبسط الحاجات والمتطلبات الإنسانية.
إنني أبحث عن السادية في أعمق صورها وأشدها وحشية وبطشا.
وأنت، عزيزي الحمار، لا يمكن أن تستمر في هذا المنصب شهرا أو اثنين.
الحمار: هذا ظلم شديد، سيدي الزعيم، فأنا واثق في قدرتي على خدمة مصالحك أكثر من المحيطين بك، بل يمكنك أن تمنحني رتبة عسكرية ونياشين تثقل كتفيّ، وتجعلني أتحدث عن الحروب والانتصارات، وأتوعد إسرائيل وأمريكا والعالم كله بجهنم فوق ترابنا الوطني لو أقتربت أي من القوى المعادية من أرضنا الطاهرة.

الزعيم: ومن قال لك بأننا لا نملك من هؤلاء الرُتب أكثر من الهَمّ على القلب، وهم يستطيعون أن يضعوا خططا عسكرية لاحتلال روسيا وأمريكا والصين في أسبوعين لو طلبت منهم ذلك؟
الحمار: لماذا لا تجعلني كاتب الافتتاحية في واحدة من الصحف الرسمية التي تنفق عليها الدولة، ولا يقترب منها ديوان المحاسبة، وتحقق خسائر بالملايين، ولا يقرأها إلا أنصاف الأميين.

الزعيم: قد أفكر جديا في تعيينك رئيسا لتحرير أقرب الصحف الرسمية إلى فكري، وهي صحيفة تبدو كأنها خارجة لتوها من مكتب الإعلام التابع للقصر، وتحتقرها الرعية، والافتتاحية التي تعيد تلميعي وتأهيلي وتذكير العبيد بسيدهم تشترط في كاتبها أن يكون أقل ذكاء من كل القراء، وأن يرص كلمات غير مفهومة، وأن يضع بين كل ثلاث أو أربع فقرات اشارات عن توجيهاتي الحكيمة.
وستكون لك إمتيازات كبرى، ويتقرب منك الوزراء، ويدعوك كبار القوم لحفلات أعراس أبنائهم وبناتهم التي يـأتيها الطعام ساخنا بطائرة خاصة من محلات مكسيم في باريس، ويزورك السفير الأمريكي ويبحث معك العلاقات الثنائية بين البلدين.
بل إنك تستطيع أن تؤسس ورشة عمل من صغار الكُتّاب والصحفيين، وتشتري الملكيات الفكرية لأي إعلامي مسكين، ثم تضع عليها اسمك وتمهرها بتوقيعك بخط اليد كأنك كاتب حقيقي، ولا مانع من صورة أعلى مقالات الافتتاحية تبدو فيها كأنك تفكر!
الحمار: لماذا لا تجعلني وريث العرش والحُكم والحِكمة، وأنا أضمن لك أن رعيتك لن تحاكمك في المستقبل، وسأخفي تاريخ جرائمكم وتجاوزات أسرتك ومعاونيك وكل رجالك؟

الزعيم: هل تظن أن هذا المنصب الذي حلمت به طويلا يخرج عن أسرتي الشريفة؟
إننا نتقاسم الدولة كما يتقاسم اللصوص مغارة علي بابا، ويستطيع أيّ منا أن ينهب مصرفا بكامله، وأن يشارك أيَّ رجل أعمال دون أن ينبس الآخر ببنت شفة.
هل تصدق، عزيزي الحمار، أن شقيق أحد أصدقائي من الزعماء العرب كان يحصل على 51% من معظم المشروعات الكبرى في البلد وإلا فإن المشروع يتوقف.
هل تصدق أن مهاجرا قضى في كندا ربع قرن، وعاد إلى بلده العربي ليعيش ما بقي له من عمر، ويستثمر مبالغ طائلة في مشروع رائع، فجاءته مكالمة هاتفية قبيل اعتماد الموافقة النهائية بعد ثلاث سنوات من التعب والارهاق والبيروقراطية، وكان المتحدث على الطرف الآخر ابن الزعيم بشحمه ولحمه يطلب منه أن يكون شريكا بخمسين في المئة في مقابل الحصول على الموافقة النهائية؟
حتى لو ضمنت لي في الخمسين عاما القادمة عدم الاقتراب من تاريخي وتجاوزاتي وجرائمي ضد أبناء شعبي ، فإنني لا أتصور يوما واحد يتم فيه حُكمُ هذا البلد من زعيم لا يحمل اسم عائلتنا الكريمة.
الحمار: معنى ذلك أن ليس أمامي إلا تأسيس حركة معارضة ظاهريا، ومتعاونة مع نظامك في السر، تبدو في العلن كأنها تعترض فتمنح الحُكمَ شرعيةَ تعدد الآراء والمذاهب، ومنها يكتسب النظامُ، عربيا ودوليا،الشرعيةَ الشعبية.

الزعيم: لا أظن أن شعبنا ستنطلي عليه هذه اللعبة، ثم إن صفات الحمار لا تنطبق على حامل هذا اللقب أو صاحب المنصب ، فهو يحتاج للمكر والدهاء وطول النَفَس. إنها كالجاسوس المزدوج يلعب مع الخصمين بنفس القدر.
الحمار: لكنني لن أخرج من القصر قبل أن تأمر بتعييني في منصب هام، وأنا لا أستطيع العودة إلى اسرتي وأهلي وأحبابي واصدقائي في عالم الحمير وأبلغهم أنني فشلت في اقناعك.
إنني على استعداد لقبول منصب ثقافي كبير يتحكم في الرقابة على الفيلم والكتاب والتلفزيون والصحافة، ومن خلاله أتجول في معرض الكتاب بعد منع عشرات من الكتب بحجة مخالفتها لنظام الدولة، وأن أضع خطوطا حمراء على أي شيء يمس الثقافة والطباعة ومعارض الكتب دون إبداء الأسباب المعقولة، وأن أتلذذ بتعذيب اصحاب دور النشر الذين ينتظرون أياما طويلة قرار الافراج عن الكتب التي تحملوا طباعتها وشحنها على نفقتهم الخاصة.
إن الثقافة في بلدنا لا علاقة لها بالمعرفة والكتاب والعقل والمنطق. وهنا بدا أن الزعيم قرر تعيين الحمار في واحد من أهم مناصب الدولة التي يظن معظمُ الناس أن العبقرية هي الشرط الوحيد لتوليّه، لكن القائدَ الرمزَ كان يعرف تماما أن لا أحد في الدولة سيشير على صاحب هذا المنصب الرفيع ويقول بأنه حمار.
وتحركت تروس المطابع للصحف الرسمية استعدادا لنشر الخبر القنبلة الذي سيمنح أبناءَ الشعب آمالا كبيرة بتعيين الحمار في هذا المنصب الرفيع والحساس والسيادي من أجل رفعة الوطن ومستقبل أبنائه!

محمد عبد المجيد
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو  النرويج
Taeralshmal@gmail.com

22‏/04‏/2016

حوار بين كلب السلطة و .. كلب الشارع!

التقى كلبان على قارعة طريق خالية من المارة، فتنابحا، ثم تفرّسَ كل منهما في الآخر كأنهما من عالمين مختلفيّن.
كان الأول سمينا وتبدو عليه علائمُ الدلال والرفاهية والتخمة، فهو كلب السلطة، أما الثاني ففيه فقر المتشردين، تُغطيه أسمالٌ رثة من أوساخ الشارع فهو منه وإليه.
ودار بينهما حوار التقطنا شطرا منه...




قال كلب السلطة: ما الذي جاء بك إلى هذه المنطقة النظيفة، وإني لأظنك أخطأت الطريق إلى فضلات سكان عشش الصفيح فقادتك قدماك إلينا؟
كلب الشارع: أراك تتحدث كسَيّدِك ووليّ نِعْمتك الذي يُطعمك، ويُسَمّنك، ويحيل نباحك إلى تجرؤ وقح على وفاء عالم الكلاب 
!
لقد جئتُ هنا لأن كل شارع هو داري، وكل زاوية هي مرصدي، أطارد القطط كما يحلو لي، وأمارس حريتي في التنقل دون عصا سَيّد أو شراسة أبنائه.
كلب السلطة: أظن الفقرَ قد جعل منك فيلسوفاً، والأوساخَ التي عَلَقَتْ بك أنستك أن كلابنا المدللة تنفر منك، فنحن نغتسل بماء الخرطوم الذي يُمتعنا به سائق السيد وهو يغسل السيارة السوداء الفارهة التي لا أحسب أنها مرت في شوارعكم القذرة الضيقة التي يتنافس فيها الناس والكلاب والقطط على صندوق قمامة.
كلب الشارع: وأنا أظن أن أسيادك يدللونك كما يفعل الأطفال مع خروف العيد قبل ذبحه.
أنت تهزّ ذيلك عندما يضربك سيدك، وأنا أهزه فرحا عندما يربت طفل فقير فوق ظهري.
أنت لا تشم رائحةَ اللصوص فهي مثل رائحة سيدك، وأنا أطاردهم ولو كانوا يرتدون أفخر الثياب وتدوس أقدامهم على الأرض كأنهم ليسوا منها.
أنت تجلس هادئا بجوار سيدك وهو يعقد صفقات الشياطين مع ضيوفه، وتمر أصابعه في شعرك الكثيف النظيف فتصمت، ثم يأخذك نعاس المتخمين، أما أنا فأبحث عن لقمة عيشي، وأقفز فرحا إن عثرت على عظمة ألقاها فقير بعد أن مسح لسانُه بقايا ما كان فيها من لحم قليل.
أنت جبان ترجع خطوة للوراء إن لوّح أحد أمامك بقبضته، أما أنا فأتقدم خطوتين مواجها خصمي ولو كان يمسك عصا غليظة
كلب السلطة: وأنت تعيش وتموت دون أن تسير على بساط، أو تنام في فراش وثير، أو تلهث بجوار سيد يمارس رياضة الجري في أحد النوادي التي صنعها أثرياء العصر ليشاهد بعضهم بعضا، ويعقدون صفقات الأسياد.
كلب الشارع: بل أنت حارس للصوص الوطن، وناعم كأنك وُلِدت قَطة تَحَوّلتْ إلى كلب. أراك أحيانا داخل أسوار القصر وابنة سيدك تلقي بكرة اليد بعيدا فتسرع لتأتيها بها دون أية متعة أو سعادة.
أنت لم تعد رمزا للوفاء، لكنك تمثل الخنوع والخضوع وهزّ الذيل لمن يُلقي إليك ببقايا مائدة تحلّق حولها ضيوفُ لص القصر احتفالا بخضوعهم هم أيضا.
أنت كائن حَيّ هَرَبتْ منه روحُه، أما أنا فكلب حر طليق أنام في أي مكان، وأتدثر بسماء صافية أو ممطرة، ولا تخيفني وقع أقدام أشرس اللصوص وهو ينهب الأرض عائدا من سهرة، أوثملا ضل طريقه إلى موقف سيارته.
كلب السلطة: أما أنا فأعرف الحرير والطعام الشهي، ويربطني سيدي بسلسلة من فضة تتدلى منها قطعة معدنية مكتوب عليها اسمي وعنواني.
إن غبتُ دقائقَ عن عيون سيدي بحث عني في كل مكان حتى آتيه طوعاً أو كرهاً، أما أنت فحَسْبُك قمامة تلقيها سيدة من نافذة بيتها فتظنَ نفسَك قد ملكت الدنيا وما فيها.
كلب الشارع: ما تراه أنت حياة مُنَعّمة، أراها أنا قبحا ودمامة وصمتاً على السرقة وقيودا في رقبتك ولو كنت تجري في أرض خضراء استولى عليها سيدك من أفواه من يطعمونني في عشش الصفيح حتى لو كان طعامهم إياي لا يشبع فأرا مشردا أو بُلبلا وقف غير بعيد يُغرد للفقراء فلا تعرف إن كان يَسْعَد برؤيتهم أم يؤكد لهم أن حريته من حريتهم.
كلب السلطة: فلسفة الفقر لا تخدعني، ومنطق العوزّ لا ينطلي علي، وتبريرات الطبقة الدنيا من كلابنا لا تجعلني أفَضّل حريتَك المزعومة على قيودي الواقعية.
نعم، لقد أصبح نباحي خفيضا لا يسمعه لص، ولا يخشاه قاتل، ولا يزعج كُلَّ سكان القصر وضيوفَهم الأكارم.
إن سيدتي تأخذني على حِجْرِها الناعم، وتمر أناملها الرقيقة فوق ظهري، وتأمر السائقَ أن يتوجه سريعا لطبيب بيطري.
صحيح أننا ندخل عيادته فلا يعرف للوهلة الأولى مَنْ منّا الكلب، لكنه في النهاية ينحني لسيدتي، ويؤكد لها أن الأمر ليس خطيراً، وأن شهيتي للطعام التي خفتت ستعود مرة أخرى، ثم يقول لها: كلبُك ياسيدتي هو سيدنا،نحمله فوق رؤوسنا!
كلب الشارع: لعل وقتك الذي تقضيه نائما في حديقة القصر لا يسمح لك بتأمل الهدف من الحياة، وربما لا تعرف الفارق بينك وبين كلاب أخرى تسير على قدمين، تستعذب مهانة سيدك لها، وأحيانا تحمل فوق أكتافها نجوما، وعلى صدورها نياشين لامعة أوّسَمَها إياها سيّدُ القصر بعد أن نافستك في مطاردة مناهضيه في الشوارع وهم الذين تظاهروا طلبا لحريتهم المشروعة، فنهشتَ أنت وكلاب الزعيم أجسادهم الغضة البريئة.
أزعم أنك لم تسمع بقصيدة المأمون أبي شوشة وهو يقول:
مولاي لا تعبأ بهم
لا تكترث
كلاب
يصغر عقلهم عن فهم ما تبغي من الأحلاف
في قصرك المعمور بالخيرات يا ملكي كلاب
ثم ينهي قصيدته قائلا:
أو ليس شعبك أو كلابك كلهم مُلْكا حلال؟
كلب السلطة: تُضحكني فلسفتك في تبرير فقرك، وتبهجني متعتُك في لعق الأوساخ التي علقت بجسدك، ويروق لي بحثك عن طعام تتجشأه بطون أولاد أسيادي المرفهين.
اقرأ ما شاء لك وقتك في الفلسفة وحقوق الكلاب وأهمية الوفاء، أما أنا فأطيع ما أمرني سيدي وتاج رأسي، فيرسلني أحيانا إلى السجون والمعتقلات وأقسام الشرطة لعلي أغرس أنيابي في أجساد المتمردين على أسياد البلد.
إنني لست بهذه النعومة التي تخدعك، فأنا أنافس كل رجال الزعيم في الشراسة والاعتداء على الناس ومطاردة الأبرياء وترك اللصوص يمرون أمامي مطمئنين كأن حاسة الشم قد انتزع منها سيدي ما يدلها على لصوص الوطن.
كلب الشارع: أما أنا فأرفض أن أتساوى بكلاب سيدك التي تحمل نياشينها ونجومها ، وتمشي في الأرض تبغي خرْقَها.
إنني أعلم أن هناك كلاباً تحمل الحصانة البرلمانية، أو تحمل حقيبة وزارية، أو تتولى أعلى المناصب في أحزاب وتجمعات تنام في فراش سيد القصر.
أصدقاؤك، ايها المدلل الذي خرج عن وفائنا الفطري، يمتصون دماء الأبرياء في المستشفيات الاستثمارية، وينتزعون اللقمة من أفواه الفقراء، ويُسَمّمون الطعام للغلابة والمساكين، وينهبون وطنهم بأوامر من سيدك.
أصدقاؤك، أيها المتعالي المتغطرس الذي تتبرأ منه كلاب الوفاء لا يحتاجون إلى كلب حراسة يحميهم، لكنهم في حاجة إلى الكلاب التي تقود العميان في شوارع المدن الحزينة المليئة تلوثا وغباراً وعوادم السيارات.
أصدقاؤك من كلاب النهب والهبر والسرقة والاختلاس والتزوير والنفاق والتزلف والتهريب والمخدرات ومافيا الاحتكار للمستهلك المسكين أشد خطرا على الوطن من كل الكلاب الضالة والشرسة التي تغرس أنيابها في ضحاياها.
أصدقاؤك الذين ربّاهم سيد القصر ومنحهم مفاتيح خزائن الوطن هربت منهم أرواحهم وحلت محلها أرواح شياطين تخجل الأرض مِنْ حَمْلهم، وسيتضاعف خجلُها عندما يعودون إليها عظاماً رميماً يشتهيه دود الأرض.
كلب السلطة: أراك تودي بنفسك إلى التهلكة، وتُعِد ظهرَك لعبيد سيدي يلهبونه، وتظن أنك مدافع عن قيم الخير في عالم الكلاب فتُناهضنا، وتُخاصمنا، وتُعارضنا، وتُحَرّض علينا هذه الحثالةَ المتمردةَ من فقراء الشوارع. إننا نعيش في كَنَفِ سيدنا وزعيمنا المبجل، ونطيعه ما أمَرَنا، ونضرب ممثلي العدالة بالأحذية، ويغتصب عبيدُ سيدنا بمرشديهم ومخبريهم في تخشيبات الشرطة وأقبية السجون كلَّ الشرفاء والأحرار والوطنيين.
أنتم نجس كما يؤمن بذلك سيدنا وتاج رؤوسنا وزعيمنا، ولدينا توجيهات منه أن نغرز بكل العنف والقسوة والوحشية أنيابنا في لحوم أبناء البلد، بل إنه أَمَرَ أصدقائي الكلابَ الذين يرتدون يونيفورماً أبيضاً في الصيف وأسوداً في الشتاء أن يغتصبوا هؤلاء الغوغاءَ الذين يحلمون بزعيم آخر، ويحتقرون طلعة سيدي البهية، ويبحثون عن الخلاص في غيره.
كلب الشارع: أصدقاؤك أكثر شَرّاً من كل مجرمي العالم. إنهم لا يملكون ضميرا، ولا يعرفون وَعْدَاً، ولا يحترمون ميثاقاً، ولا نأتمنهم نحن كلاب الشوارع على عِظامٍ مُلقاة في الشوارع الجانبية فهم يكدسون كل شيء، ويسرقون بيوت الله، ويدّعون أنهم ينتمون إلى الجنس الأرقى والأكرم والأنعم والأكثر تحضرا وتمدّنا.
لقد صنعهم سيدك وزعيم القصر لأنهم يلعقون حذاءه، ثم يضربون به أشراف القوم وممثلي الخير والعدل.سَيّدُك هو الذي جعلهم مسعورين ومفترسين. إنهم كارثة على الوطن، ونقمة على سطح الأديم، وهم أكثر تلوثا من الهواء والماء والأنهار والترع الراكدة ومياهها الآسنة الخضراء المتعفنة.
كلاب سيدك الذين أطلق أيديهم وأرجلهم كان من المفترض أن يكونوا من ذوات الأربع، معذرة فأنا لا يشرفني أن يكونوا مثلي.
إنني كلب هائم في الشوارع لكن كرامتي تسبقني، وأهاجم الأشرار فقط، ولا أهزّ ذيلي مثلما تفعل أنت لكل من يطلب منك الارتماء تحت قدميه.
عُد إلى قصر سيدك وقل له بأن يوم كلابه قادم لا محالة، وأن الذين ربّاهم وسمّنهم وأتخمهم ونزع الرحمةَ من قلوبهم وحشر السمومَ في نيوبهم الحادة سنجبرهم على أن ينزعوا الغلَّ من أعماقهم.
قل لسيدك بأن ايامه وأيام كلابه معدودة، وأن الحياة لا تستقيم إن اضحت كلها شَرّاً وإثما ودماء وظلما.
قل لسيدك أن يُعد حقائبَ هروبه، وأنْ يبلغ كلابَه المنتشرين في كل أرجاء الوطن البائس أن أشرافا يحملون أيضا نجوما ونياشين يستعدون في ثكناتهم لتطهير الوطن منكم جميعا.
قل لسيدك بأن طاهرا متطهرا سيخرج قريبا من مكان ما، ويحمل هموم وطنه، ويؤازره ثلة من المؤمنين بالحياة والجمال والخير والحب والتسامح والقيم.
قل لسيدك أننا اشرف من كلابه المبعثرين في الوزارات والهيئات الحكومية وتحت قبة البرلمان وفي مكاتب الصحف القومية الكبرى وفي الاعلام وفي أجهزة الأمن.
قل لسيدك أن أي كلب ضال في شوارع الفقراء والمظلومين والمهضومة حقوقهم أنبل وأكرم من الذين صنعهم، وأرضعتهم ذئاب قصره حليب المفسدين الشرسين والأوغاد.
كلب السلطة: لو لم يكن نباحي قد أصبح ضعيفاً كمواء القطط لجعلت كلَّ من في الوطن السجن يأتي ليسمع خرافاتك وخزعبلاتك وأوهامك وخيالاتك المريضة.
إننا نستعد لعصر جديد، ونسنّ أنيابَنا لعهد سنجعل الشرفاء والأحرار الذين تأمل أنت بهم خيرا أقل قيمة من جيفة القبور وهوامها.
إننا سنعلّمكم كيف تكون القيمة العليا لكلاب سيدنا، ولن نجعل طاهرا أو شريفا أو مؤمنا بالوطن يرفع رأسه.
إننا نخطط لابادة الشرفاء الذين تتحدث عنهم بالسموم والسرطانات والتلوث والفقر والمجاعة والمرض والفتنة الطائفية والغلاء والفساد، ونقوم بتصفية من نشاء تحت الأرض في سجون لا يعرف عنها أحَدٌّ شيئاً.
كلب الشارع: أراك تتحدث كسيدك، وتفكر مثله، وينتفخ غرورك كأن العالم كله آتاكم طائعا جاثيا مهينا.
عندما يخرج هذا البطل ذو الروح الطاهرة من ثكنته ومعه أبطال عاشقون للوطن والشرف فإن الصامتين الخائفين الضعفاء سينضمون إليه، وسيرفعون صورته، وسيدوسون على صورة سيدك.
إنه يوم قريب جدا، بل أقرب إلى الوطن من عبق زهرة تَحّتَكّْ بأرنبة أنفه.
إنه يعمل في احتياطات أمنية غاية في السرية والصعوبة، لكنه يسمع أنين أبناء وطنه، ونحيب نساء هؤلاء الرجال الذين ظن سيدكم أنهم لا يحلمون بمقصلة تهبط بسرعة الصوت فوق رأسه.
كلب السلطة: أراك تحتاج إلى راحة لعل أوّهَامك تزول، فسيدي الذي تظن أنه سيدُلّكم يوما ما على آثار جرائمه أعد للمستقبل كابوسا لكل مناهضيه، وزنزانات تحت الأرض لمن مرت بخياله سهوا فكرة معارضة حكمه، ومقابر جماعية تصغر بجانبها كل المقابر التي صنعها طغاة العصر وكل العصور.
لن يخرج من الجيش من ينقذ شعبه حتى يتحول البحر المالح إلى عذب.
لقد طال انتظار الضعفاء الذين تتباهى بقوة ايمانهم وعزيمة وصلابة قناعاتهم بغَدٍ مشرق ومبهج كمصابيح العرس الذي يجمع أبناء الوطن كلهم.
كلب الشارع: كما انتزع سيدك منك حاسةَ شَمّ اللصوص، فقد نزع عنك حكمةَ الهائمين على وجوههم مثلي، فيكفيك أن تجلس بجوار سيدة القصر تطعمك حتى تنام، وتتركك نائماًحتى تجوع. قل لسيدك بأن طائرة تنتظره وعليها طاقم كامل استعدادا للهروب. إنني جد فخور بابتعادي عن كلاب سيدك ولو كانوا يحملون فوق رؤوسهم وأكتافهم وصدورهم تيجان الدنيا ونياشينها وأوسمتها كلها.




كم أنا سعيد لأني كلب حقيقي يحتقر كلاباً صنعها سَيّدُك.


محمد عبد المجيد
عضو إتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج
Taeralshmal@gmail.com








حوار بين جاهل و .. مثقف!

  
      
في غرفةٍ صَغيرةٍ للمُدَخِنين مُلحَقة بقاعةِ الانتظار الكُبرىَ بمحطةِ القطارات التقيا!

   كان الأولُّ يتأبَط كِتاباً، وينفث دُخانَ سيجارهِ الكوبي مُتأمّلاً تصَاعُدَه الحَلزونيّ. والثاني لصَقَ سيجارَته بين شفتيه كأنه لا يعرف إنْ كان سيأكلها أو سيملأ رئتيه بنيكوتينها المسموم!

   اضطرّا لتبادل عباراتٍ ريثما ينتهي كلٌ منهما مِنْ آخر نفسٍ يلوّث الاثنين معا: الغرّفة و .. الصَدْرَ!

   ودار بينهما الحوارُ التالي:

   الجاهل: هل بقيَ وقتٌ طويلٌ علىَ موّعدِ وصول قطارِك؟

   المثقف: أقل من نصفِ ساعةٍ، لكنني أعْدَدْتُ نفسي بكتابٍ دَسِمٍ آمل أنْ أنتهي مِن نِصْفِهِ قبل وصولي، وأنتَ .. هل سيمضي بك الوقتُ بطيئاً أمْ ستمضي أنتَ به سريعاً؟

   الجاهل: أما الكتابُ فبيني وبينه خُصُومَة، يكرهني وأكرهه! هل تصَدّق أنني لمْ أقرأ خَمْسَ صَفحاتٍ منذ تخرجْت في الجامعةِ لسنواتٍ طويلةٍ خَلتّ؟ وقطعتُ علاقتي به فور خروجي مِنْ آخر إمتحان في اللجنةِ التي كانت تلهبها خيّمَة تحتضن حرارة الشمس و .. سخونة الأسئلة!

   الثقافة ليست كتاباً فقط، فأنا أتثقفُ من التلفزيون، ومن السهر مع أصدقاء الفرفشة على المقهىَ، وأذهب إلى السينما، وأستمع إلى رجل الدين في الحيّ الذي أقطن فيه، ولا يستطيع أحَدٌّ أنْ يُمَيّز بيني وبين قاريءٍ يلتهم كتاباً مع إشراقةِ كلِّ صباح، ويهضمه قبل أنْ يأوي إلىَ فِرَاشِه!

   المثقف: هذا زمنُ البؤس والطاعون حيث يتساوىَ العِلمُ بالجهل، والمَعْرفة بالأميّةِ، والكتابُ بالنرجيلةِ، والموسوعة بالمسلسل التلفزيوني، والمكتبة بالغرّزة!

   لو استضافتنا فضائية عربية في حِوار عن أكثر قضايا الوطن عُمْقاً، وأشدّها تعْقيداً، فإنك بسهولةٍ بالغةٍ سَترْديني قتيلاً بدماءٍ أثيريةٍ، وغالباً ستنحاز الجماهيرُ إليك، وربما تتلقفك لاحقاً فضائياتٌ حُرّة، ومُسْتقلة، ودينية، وثورية، وخليجية، وتصبح نجْماً لامعاً تمَزّق المراهقاتُ ملابسَك كأنهن أمام تامر حسني، وربما تتلقى طلباً للمساهمةِ في رَسْمِ مُستقبل الأمةِ!

   الجاهل: ثقافتك تجْعَلك تسْخَر مني، وعالمُ المعرفةِ الذي تعيش فيه، ويعشعش فيك يجعلك تظن أنَّ دورَك في الوطن أكبر من دوري.

   في عالمِنا العربيّ الذي تهَيّمِن علىَ أكثره ديكتاتورياتٌ جمهورية، ومَلكيّة، وثوريّة، ورجعيّة، وعلمانية، ودينية، يفسحون المجالَ أمامَ أعداءِ الكتابِ وخصُوم الثقافةِ، بلْ إنَّ ثمانية مِنْ كل عشرة زعماء عرب يقرأون خُطبَهم بصعوبةٍ بالغةٍ، أما قواعدُ اللغةِ فحَدّث ولا حَرَج!

   المثقف: لكنني أنا الذي أصنع الكتابَ والفنونَ، وأكتبُ التاريخَ والجغرافيا والعُلومَ!

   إذا أردتَ أنْ تعْرف فلا بُدّ أنْ تتلقى المَعْرفة مني، وأنا أتصدر الندوات والملتقيات والمؤتمرات الكبرى.

   أستطيعُ أنْ أبهر العالمَ حتى لو صنعت من اللاشيء كلمات منتقاة سابحاً بها في الفراغ، وأنا العقل الذي تستعين به الدولة ليرُدّ علىَ أعدائِها، ويفنِدَّ أكاذيبَ خصومِها.

   أنا الذي أكتب للزعيم خِطابَه فيقرأه بشِق الأنفس ولو شرَحْتُ له سبعين مَرّة ما خفيَ عليه في اللغةِ والمعاني.

   أنا أفسْرّ لك دينك، وأهَلّهل تفسيرات الجَهلةِ إنْ اقتربوا مِن كتابك المُقدّس.

   الجاهل: رغم ضخامةِ الأنا في حَديثِك، ونرجسيةِ كل إشارة إلأ أنَّ الحقيقة اختفتْ تماما من كلماتِك المزركشة!

   فأنت تصْنع الطاغِيَة، وتبررّ الاستبدادَ، وتعيش في دائرةِ مُغلقةٍ عليكم!

   عشراتُ الآلافِ مِنكم في العالم العربي لا يُحَرّكون ساكناً إلا قليلا، وتستطيع حِفنة صَغيرَة مِنْ الجَهَلةِ مِثلي أنْ تعيد الوطنَ كله إلىَ الخلفِ قبل يغشي الليل النهار!

   هل تعرف شاعرَكم الكبيرَ الذي يُصْدِر مِجلة شهرية أدَبية في مصر؟ إنه يطبع أربَعة آلافِ نسْخةٍ، ويبيع منها 25 نسخة فقط، أيّ أقل من نسخة واحدة لكل محافظة!

   لو أنني أصدرتُ مجلة تهتم بالملابس الداخلية لفتيات الشاشة الفضية، ونجمات الفن السابع، فلا تتعجب إنْ نفدَتْ أعدادُ المجلةِ قبل أنْ يفرشها علىَ الأرض بائعُ الصحفِ!

   لو أنني أنشأتُ موقعاً أو أحَدَ المنتديات علىَ النت، فلن تستطيع أنت أنْ تنشر إلا ما يروق لي، ولو جادلتَ أو قدّمْتَ احتجاجاً فسينهشك الأعضاءُ الآخرون.

   في هذه الحالة فأنا وزملائي الجهلاء وأنصاف الأميين نحَدِدّ قواعدَ النقاش، ونفسّر علىَ هوانا الدنيا والدين، ونسمح لأجهزةِ الأمن أنْ تجوس مع عملائِها في الموقع، ولأباطرةِ الفتاوىَ الفجّةِ أنْ يلعبوا بعقول الشباب، ويقنعونهم بعبقرية التخلف!

   في عالمِنا العربيّ يظل البقاءُ لي، فأنا ضابط شرطة، وعسكري، ومزارع، وطالب، وخرّيج جامعة، وموظف.

   وأنا أيضا عضو برلمان، وأحيانا أضع علىَ بابِ شقتي لقب دكتور رغم أنني لا أعرف اسمَ عاصمةِ موريتانيا، ولا مساحة مصر أو اسمَ مدينةٍ ساحليةٍ سورية، ولا أعرف أسماءَ الدول التي تطل حدودُها على تركيا!

   أنا الأغلبية الغالبة، وأنت الأقلية المهزومة!

   لو أنني في ندوةٍ لك تلقي علىَ مَسامع الحاضرين حَديثاً عن فلسفةِ سبينوزا، وكتابات كافكا، وتفسيرات وليم جيمس النفسية، وروائع هربرت ماركوز، ولامنتميات كولن ولسون، وتشرح علاقة هاملت بأمه، وتقتطع فقرات من قصة الحضارة لولّ ديورانت، ويبدو منطقك كأنك تلميذ لكانط، ثم قمت أنا بتسفيه حديثك علناً، وانتقاد آرائك، وزعمتُ أنَّ أقوالك غامضة، فإنَّ ثلثي الحاضرين سينحازون لي ولا يعرفون أن مكتبة بيتي ليس بها غيرُ عددين من مجلة حواء، ورواية واحدة لشارلوك هولمز!

   أنا لا أمثل خطراً علىَ السلطةِ، ولا يعبأ بي رجالُ الأمن، وأقضي عمري كله مع أسرتي دون أن أغيب يوما واحداً في غيابات السجن مثلك.

   لو تولىّ حِمارٌ قيادة الدولةِ فحياتي ستستمر دون أنَّ يعتريها أدنىَ تغييرٌ، ولعلي أصفق له، وأمتدح في عبقريته، وأضمن لنفسي حياة هانئة وآمنة.

   المثقف: ومع ذلك، ورغم حركةِ التقدم البطيئةِ في عالمِنا العربي فسيظل وجودي هو الذي يحميك، فأنا القوة غيرُ المؤثرة ظاهرياً، وأنا التغييرُ الذي لم يأت بعدُ، وأنا الماردُ المَحْبوسُ في القمقم، وأنا أصِف للعالم كله ولجمعيات حقوق الإنسان ما يفعله بك الطغاة رغم ادّعائِك أنك حُرّ، وسعيدٌ، ومواطن مطيع.

   أنا أقوم بتعليم أولادِك، وأنت تحَرّضهم علىَ الجهل.

   أنا أحاول تخليصَ رقبتِك من التعصّب، والتشدّد، وأشرح لك حقوقك وواجباتِك، وأكشف المتلاعبين بعقلِك في المنابر الإعلامية والدينية، ولجان الاقتراع، وبورصات المال، و ....

   أنا أحترق من أجلِك، وأنخرط في المعارضة لتحريرك، وحتى لو لم أكن معارضاً فلا تعاتبني لمعرفتي، ولا تناهضني لاختياري الكتاب صديقاً، وأنيساً، ومُرشِدَاً!

   الجاهل: وأنت تحتقر جهلي، ولا تحاول أنْ تجد لي عُذراً، ولا تتفهم كراهيتي للثقافة في وطن يرفع من شأني، ويَحُط مِنْ فِكرك.

   أنت لم تنتفع بثقافتِك وصعدتَ إلى برج مشيّد فلا يسمع صياحَك أحدٌ، وأنا وجدتُ بجهلي الطريقَ مُعَبّدا،والأبوابَ مفتوحة، والمناصبَ بجانبِ السلطةِ فاتحة أذرعها لي.

   أنت وأنا ضحيتان ولو كنا علىَ طرفي نقيض!

   سيجارُك وسيجارتي لا يلتقيان إلا في بيئة مُلوّثة، ومعرفتُك وجهلي يتصارعان دون معرفةِ الأسباب، وغرورُك وفراغ عقلي يتنافران، وصمْتك وسلبيتي يعملان لصالح الاستبداد.

   المثقف: وأنا غير واثق أنك تفهم حديثي، وعلىَ يقين أنَّ التلاعبَ بك أسهل من اليو يو، وأنَّ الجماهيرَ التي تنتمي أنت إليها تعين الظالمَ، وتعَرّي قفاك لصاحب الكفّ الأغلظ!

   بل إنَّ جهلك أكثر غروراً من معارفي كلها، وكراهيتك للكتابِ والثقافة والعلوم والآداب جعلتك في الجانب المُعادي لتقدم الأمة، وتطور الوطن، وتحرير الأرض.

   أنت تصُمّ أذنيك، وتزدري أقوالي، وتعَمّم ثقافة الفهلوةِ، وتضم إليك في كل التجمعات خصومَ خير جليسٍ في الزمان.

   أنت تظن أنَّ صُعودَك لي فيه مَشقة، وأنا على يقين من أن نزولي إليك تنازل يضرّ أكثر مما ينفع.

   نحن نتفاوض على مكاسب لكل مِنّا، والسلطة تراقبنا ضاحِكة، فكرّباجُها لا يفرّق بين ظهري وقفاك!

   محمد عبد المجيد
   رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
   أوسلو النرويج
   Taeralshmal@gmail.com

لماذا نحب السباب من وراء حجاب؟


شغلني كثيرا هذا الموضوع، فرغم أنها حالة مرضية تخفي تفسيرات عديدة، لكن تضخمها وتوسعتها والحفاظ على سريتها وخصوصيتها يزيد من استفحال المرض النفسي أو العقلي أو العاطفي.

إنها فروسية مزيفة ازدادت في السنوات القليلة المنصرمة أمام أجهزة الحاسوب بأسماء مستعارة، وكانت قد بدأت منذ وقت طويل عندما اتخذ فرسان الوقاحة صفوفهم خلف هواتف، فيشتمون أو يتغزلون أو يضايقون الغير، قبل أن يأتي نظام الأرقام المكشوفة.
ثم اقتحمنا عالم المنتديات على الإنترنيت وقد جاء حين من الوقت أصبحت المنتديات مرتعاً لعاشقي الشتائم تحت أسماء مستعارة أو شعارات أو ألقاب سياسية أو وطنية أو فنية أو دينية، وشهدت تلك الفترة ألسنة حداداً كأنها مغموسة في جمرات نار فوق نرجيلة داخل غرزة للمخدرات.


ثم انتقلنا إلى صفحات التواصل الإجتماعي التي جمعت العظيم والحقير، المثقف والجاهل، الرقيق والعدواني، الإنسان والحيوان، المصلح ورجل الأمن الإلكتروني، فانفجرَ فُجــْـرُ الفيسبوكيين والتويتريين وتقدموا كتائب الصغائر من الأمور.
لذة عجيبة يستمتع بها شخص مجهول وهو في أشد الحاجة إلى علاج نفسي، فيجلس في غرفته ويمرر أصابعه فوق الكيبورد، ويتحول إلى دون كيخوت فيحارب طواحين المخالفين له، والمعتنقين عقائد أخرى، والأغراب، وأصحاب المذاهب المختلفة، والوطنيين، والذين تجرأوا ففكروا، وفكروا فأشهروا معتنقاتهم، وخالفوا معارضيهم، ودسوا أنوفهم في المــُــقَدس.
لغة سقيمة ومريضة ونتنة تفوح منها رائحة الجهل يحارب بها صاحبنا الدنيا كلها بغير أن يقترب من كتاب أويفتح موسوعة أو يتصفح دورية، أو يغوص في تاريخ، أو يسبح في جغرافيا.
تقرأ، وتضرب كفاً بكف، فأنت لم تؤذه أو تسب أمه أو تلعن أباه أو تثأر منتقماً لإيذائه إياك، إنما قرأ لك سطراً أو اثنين، ورأس الموضوع وتوقيعك، فنزل عليك كالثور الهائج، ومرمط دينك وعقيدتك وحزبك ورأيك واقتراحك وتحليلك وفهمك، ثم ارتاب في نيتك، وشكك في وطنيتك، ولعن دينا لم تسألك أمك عنه وأنت في بطنها.



الإنترنيت أصبح ملاذ مرضى الشتائم، فلم تعد لذة لكنها شبق لعفن اللسان، يشتمك وهو في مخبئه الإلكتروني، ويصفك بأبشع الأوصاف، ولا يتأخر عن سحب هذه القباحات إلى أهلك وأختك ومعارفك ومن يتفقك معك.
من أين جاء هؤلاء التواصليون الحشاشون؟
لم يخرجوا من صفحات كتاب أو من صفوف ندوة أو من مدرج محاضرة، لكنهم نتاج طبيعي لإطلاقنا سراح مرضى يعيثون فسادا في الأرض، ويطلقون مفردات الكراهية البذيئة ، وتسمع منهم ما يعف اللصوص والمجرمون والقتلة عنه.



كلهم يملكون مفاتيح الإنترنيت، ويدخلون، ويمارسون الفاحشة اللغوية، ولا يكترثون أنك تعرفهم أو تجهلهم، أنهم أشخاص حقيقيون أو أنهم ذيول أجهزة الأمن.
على كل حال فهم جبناء، مختبئون في غرفهم وبين دخان يتصاعد فيخفي أفاعٍ تلدغ دون رحمة، وتلسع دون سابق معرفة.


محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 22 ابريل 2016                                    

19‏/04‏/2016

المسيحية والإسلام في فضائيات القردة!

 
كلما شاهدت فضائية دينية، إسلامية أو مسيحية، تحاول اصطياد أخطاء أو سقطات أو ثغرات الدين الآخر، ظهرت لي بوضوح صورة قردة تقفز، وتخطف ما في أيدي المشاهدين، وتُظهــِـر مؤخراتها الحمراء للمتابعين.
هناك قلة من القنوات الدينية التي تبث برامج عن التسامح، يقدّمها مذيعون أو دعاة لو تحدثوا عن الخطأ تراه صوابا من بشاشة وجوههم، ورقة مشاعرهم، وتجنبهم الإساءة لأصحاب الدين الآخر.
لكن الأكثرية تزحف الدولارات من كتبها المقدسة لتدخل جيوب مقدمي تلك البهلوانات، وتنتفخ الصدور بقدر سعة الجيوب، وتبتعد السماء فلا ترى فيها هلالا أو صليباً، فكلها رسوم بأقلام مغشوشة وألسنة لا تفرّق بين الدعاء والسباب.

لو يعلم أصحاب الأديان التاريخ الحقيقي للمذابح والرقيق والاستغلال والغزوات والفتوحات، في كل شبر من دنيانا البائسة لأطرقوا خجلا من أنفسهم وأجدادهم وحكايات الفروسية الطاهرة.
الغريب أنه يغضبني من يهاجم دين الآخر بنفس القدر الذي يغيظني من ينفي عن تاريخ أتباع دينه قطع الرؤوس وسفك الدماء وسبي النساء والتلاعب بالآيات الساميات في العهد القديم واللعهد الجديد وفي .. القرآن الكريم.
فضائيات القردة لو جاء محمد والمسيح، عليهما السلام، ودخلاها لطردا على الفور كل العاملين فيها ، وقالا لهما: إن الله بريء مما تبثون.

عندما تقول بأن جرائم أسلافي أقل من جرائم أتباع الدين الآخر فقد وقعت في مصيدة الطاووسية الدينية التي تأكل على مائدة يهوذا وأبي سلول.
حياة تضيع في غمرة الكبرياء الديني فلا المسيحي يستطيع أن يقضي على الإسلام، ولا المسلم يمكنه أن يهزم أكبر أديان الأرض .. المسيحية!
أكاد أرى حمقى ينتفضون غروراً وخداعا فيقول نصفهم بأن المسلمين هم الذي بدأوا النــَــيــّـلَ وإهانة مسيحيتنا، ويصيح النصف الآخر بأن المسيحيين هم دعاة التبشير والاستعمار وقادة المذابح، وهنا يسقط الجميع في فخ الاستعلاء والفوقية، فكلنا أحفاد أناس طاهرين خرج من بين أضلعهم قتلة وسفاحون وغزاة واستعماريون.

لو حجبتَ المال عن قردة الفضائيات الدينية فستجدهم يلعنوك حتى لو كنتَ من أتباع دينهم.
كل الأديان يمكن أن تكون ساحرة الجمال وعظيمة النــُـبل لو أنك بحثت عنها في نفسك أولا، وحينئذ ستجد في أحشاء الكتاب المقدس، بعهديه القديم والجديد، وفي القرآن الكريم جمالا ربانياً ولن ترى آيات القتل ولو كانت أمام عينيك.

فضائيات طعن أديان الآخرين يديرها مرضى نفسيون لا يعرفون حتى هوامش التاريخ، ولا ينظرون إلى أصابعهم التي تتساقط منها دماء أبرياء وضحايا قطع رقاب قام بها أسلافهم.
لوّنوا الأديان بزرقة السماء ولا ترفعوا فوقها رايات الغزاة، مسيحيين ومسلمين، فالحياة قصيرة ولا تتحمل ما لا طاقة لها به.
امتنعوا عن مشاهدة فضائيات القردة الدينية التي تقارن بين الدينين الكبيرين، فكل ساعة تنفقونها في متابعة الغث تـنتف ريشكم و.. تظنون أنكم تحلقون في الفضاء والحقيقة أنك تسقطون الفضائيات.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 19 ابريل 2016
                                        

17‏/04‏/2016

الديمقراطية البيـــضاء و.. الاستبداد الأسمر!

القصر لا يحتاج لمجلس النواب لكي يبرر أعمالــَــه وقوانينــَــه وتجاوزاتــِــه، ويكفي أنْ تبني مصانعَ غيابِ الوعي في الإعلام والمدارس والجامعات والملاعب ومعارض الكتب والفن، ثم بعد ذلك تــُـقيم صرحَ ديمقراطيةٍ لا تهزّ ورقةَ شجر في خريف هاديء!
قل للرعية أنَّ الديمقراطية هي حُكــْــمُ الشعب، وأنَّ صوتَ الأميّ يتساوىَ مع صوت المــُــتعَلم، وأنْ كونسرتو البيانو لرحمانيــنـوف يعادل الدفّ الشرعــي في زارٍ أو سهرة للدراويش، فسيركعون لكَ.
حاول أنْ تقنعهم أنْ ما تــُــعــَـلــّـمه المدارسُ والجامعات هو نفسُ ما يتلقاه الجالسُ في غرزة للمخدرات، وأن قــُـبــَّــة البرلمان تُخفي الجميعَ تحتها، فالديمقراطيةُ من حق الجاهل قـَـبــْـل العالــِــم، وأنَّ سيــّدَ البيت الأبيض سيــُـصفــّــق لنتيجة الانتخابات النزيهة(!)، شريطة رضا واشنطون على توَجّهات المؤيد لوجودها، وكذلك المعارض الكرتوني لتدخلاتها.

الوعيُ السياسي يمثل العدوَ الأولَ للاستبداد، إذاً فعلىَ الاستبداد أنْ يستعين بالديمقراطية لتطرده من المشهد الظاهر و.. تعيده لاحقاً عبر المشهد الخــَـفـيّ.
لو وقفتْ القوانينُ والأنظمة واللوائحُ والقواعدُ والأخلاقُ والقيمُ والعادات والتحضّرُ والتمدّن والتقدمُ ضد وصول حشـــَّـاشين ومغيـــَّــبين وسليطي الألسنة ومنزوعي الأدمغة، فإن الديمقراطية قادرةٌ علىَ مدّ البساط الأحمر للسكير والجاهل والحشــَّـاش والفاسد والمجرم والمنافق ليدخل مرفوعَ الرأس وممثــِـلا للشعب و..ليس ممثلا عليه!

يخشى العاقلون والواعون والشرفاءُ الدخولَ في جدال حول استبداد الديمقراطية خشية إتهامهم بأنهم يضعون صورة كيم يونج أون في غرف النوم، وراؤول كاسترو في الحمَام، وموجابي في صالون الاستقبال، ثم إن العالم كله التزم بالمفهوم الأوحد لديمقراطية الاستبداد، ولو كان الدكتور جمال حمدان بيننا لتفوَّق مرتضى منصور عليه، ولو كان الدكتور عبد الوهاب المسيري حيــَّــاً ونافس مصطفى بكري لما كان للمسيري وحمدان حظ في مقعد صغير داخل أو.. على باب الحرَم الديمقراطي.
صناعة اللاوعي تبدأ من هنا .. من وضع عــَـصابة على عينيك تتخيل إثرها أن القضاءَ شامخ ونزيه، وأنَّ الديمقراطية في فصول محو الأمية هي شمس الغرب التي تسطع على العرب، وأن ما يؤرق الأبيضَ ليس لون الأسمر، إنما قدرته على القراءة والكتابة و.. الفهم!
أكثر مثقفينا في العالم العربي تصطكّ رُكـــَـبـُـهم فزعاً إذا قيل لهم بأنهم دعاةُ استبدادٍ، ولا يريدون للأميين والجاهلين سبيلاً، فأسيادُ العالم هم محرّكو البرلمانات، والديكتاتور في شرقنا يُصــْـنــَــع سبعين مرة في غربهم، فالقذافي وصدام حسين ومبارك والأسدان، الأب والابن، وأبو عمار، وعلي عبد الله صالح، والحسن الثاني ، وزين العابدين بن علي، وتيتو، وبوكاسا، وعيدي أمين دادا، وبينوشيه، و.. عدد هائل من الزعماء علىَ مدى التاريخ كان يتم تلميعُ أسنانهم، ثم يستبدلون بها أنياباً، ثم يعيدون الأسنانَ أكثر لمعاناً عن ذي قبل، ثم يــُــذْبــَـحون في نهايات أعياد الطاغية ( مثلما فعل توني بلير مع القذافي).

ليست دعوةً للاستبداد وليست تهنئةً للديمقراطية، لكنها بحثٌ عن الطريق الثالث الذي يُخْرج من الشعب أفضلَ ما عنده، ويرفع من شأن عباقرته ومُصلحيه وموسوعييه وأنبيائه الجدد وزعمائه الذين أهال المهللون عليهم الترابَ، ديمقراطيا واستبدادياً.
أحشرعشرة حمير في كل انتخابات لبرلمانات الدنيا كلها، فسينجح منهم اثنان في أوروبا، وثلاثة في أمريكا، وواحد في الدول الاسكندنافية، وستة في العالم العربي، وخمسة في أفريقيا السمراء، وأربعة في أمريكا اللاتينية، وسبعة في العراق، وتسعة في المنفصلين عن الاتحاد السوفييتي السابق، وأقل من واحد في كندا واستراليا ونيوزيلندا، لكن الحميرالعشرة سينجحون في أكثر من خمسين دولة من دول العالم.

مع افتتاح الجلسة الأولى، ومع قــُــرب انتهاء المناقشات يمكنك أنْ تــُـرَكـِـب أذنـَـيــّـن لكل حمار برلماني تعرفت ْعليه نباهتك و.. وعيك السياسي.
لا تفرحوا بالديمقراطية، ولا تحزنوا على غياب الاستبداد، فصندوق الاقتراع فيه شيطان، وثعبان، وجاهل، ومثقف، ورجل دين، وحزبي منافق، ووصولي حقير، وإنسان شريف، وتبقىَ الأزمةُ قائمةً طالما راقــَـبــَـك الكبارُ والأغنياءُ في العالم المتقدم وأنت تضع إصبعــَــك في أُذُنــِــكَ، أو أنـْـفــِـكَ، أو في الحبر، ثم ترفعه فلا تجد حمامة، إنما ناب أو أنياب أو نواب أو نوائب!

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 13 يناير 2016
                                    

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...