16‏/11‏/2015

باريس لا تحترق!

 باريس لا تحترق!

ظلام يتسلل إلى عاصمة النور يوم الجمعة الموافق الثالث عشر دون أن تحط بومة واحدة على برج إيفل، فيتساوى التطير والتشاؤم.

الخليفة أبو بكر البغدادي لا يفهم ما يكتبه موليير، وروايات إميل زولا ممنوع تداولها في الموصل، والبؤساء يغادرون الدولة الإسلامية قبل أن يستأذنوا فيكتور هوجو، وشاتوبريان فشل في التعريف بالوطن الأم، فالظلاميون الجدد يؤمنون أن الدين هو الوطن.
في الصباح قرأت قليلا في كتاب بقلم كارلوس ليسكانو( عربة المجانين ) عن يوميات سجين في الأوروجواي إبان حُكم العسكر.وكادت أعصابي تفلت هاربة من جسدي رغم أنني أقرأ الكتاب للمرة الثالثة. بعد ذلك أمسكت بكتاب ( ثقوب في ذاكرة الجزائر) عن التجارب النووية الفرنسية قبيل الاستقلال، ولم أكتف بهذا، لكنني ذهبت إلى اليوتيوب لمشاهدة أفلام عن المشوهين الجزائريين إثر التعرض للتجارب النووية وكأني سمعت إبليس يهمس في أذني بأنه لا يستطيع تحمل عدة دقائق في تأمل ضحايا الجيل الثاني والثالث من الذين تشوهت رؤوسهم وأيديهم وأرجلهم وأعينهم وآذانهم وأسنانهم فأصبحوا حطام مومياوات تعيش بيننا.

غضبت على الاستعمار والاستدمار في كل مكان من العالم، فالتدميريون يحملون بين أضلعهم حمماً من نار جهنم أو يزيد، ولا يختلف الديني عن السياسي، واللص عن القاتل، والمتطرف عن الداعية، والمؤمن عن الكافر، والمذهبي عن السفاح.

ثم قررت أن أستريح ما بقي من يومي فأدلف إلى العشقيات والغزل وأطالع قطعة أدبية وأسمع كونسرتو بيانو واستمتع بصوت أسمهان وأحلام أو أشاهد مسرحية كوميدية تــُـخرجني من العالم المجنون.

في التاسعة والنصف مساء انتقلت باريس إلى بيتي قبل أن أطير إليها، ونسيت غضبي على الماضي ليحل الغضب على الحاضر مكانه. وجلست أتابع يوم القيامة الباريسي، فدخلت، وأنا في مكاني لا أبرحه، مكتباتها القديمة، واشتريت صحيفة لوموند ،وجلست في كافتيريا أنيقة أرتشف قدحا من القهوة البرازيلية مثلما كان يفعل ( الزاهر ) في رواية البرازيلي باولو كويلهو، ولعبت كرة طاولة مع شاب أفريقي كما فعلت أول مرة أزور فيها عاصمة السين!

اختفى الوجه القبيح للاستعمار، واعتذرت لمالك بن نبي، وتأسفت لمحمد بوضياف ولهواري بومدين الذي رفض زيارة فرنسا ما بقي له من عُمر، فجرحه كان غائراً لا يندمل إلا تحت التراب.

بدأت أحاول التخفيف من ثقل الماضي حتى ألعن مذابح الحاضر، فقلت لنفسي بأن القسوة لا دين لها، والغلظة تغطي قلوب المؤمنين وغير المؤمنين على قدم سواء، والمسلمون والمسيحيون واليهود والبوذيون والكونفيوش والهندوس وغيرهم مارسوا التجارب النووية في الخيال لأن الفرصة لم تتُح لهم في الواقع.

قلت لنفسي بأن الإنسان خُلق من طين، لكنه استبدل به جمرات من نار ليتساوى مع الشيطان، وقابيل أورث أحفاده الشر كله، وبدون تجارب نووية كانت المذابح لا تتوقف، من ملك بلجيكا في الكونغو، مروراً برواندا في منتصف التسعينيات حتى ذُبح على مرأى من قوات حفظ السلام مليون رواندي، وليس انتهاء بجوانتانامو وأبوغريب وغرقى البحار وحربين عالميتين أكلتا خمسين مليونا، وفيتنام وحرب عالمية ثالثة بدأت للتو ولم تسخن بعد.

نزل الحزن على صدري، فباريس تحترق مع قلوب عشاقها، والبرابرة الجدد يتعطشون للدماء في المسرح والملعب والشارع، ولم يبق على داعش إلا أن تشكر كل الذين قاموا بتسليحها، وفتح الأبواب لها من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وسوريا والعراق وليبيا واليمن وغزة ...

كل الضحايا لهم قيادات ساهمت في تغذية الذئاب، وكل الذئاب رقصت مع الحملان قبل ذبحها.

أتعاطف مع فرنسا .. مع باريس .. مع الأبرياء وأهلهم وأحبابهم وأصدقائهم. القاتل ليس هو الذي يطلق النار أو ينسف نفسه بحزامه، لكن الشريك أيضا قاتل ولو بقدر أقل. داعش استولت على بترول العراق، وربحت مليارات في الموصل، وتولــّـت دول مجاورة إسلامية مهمةَ تهريبه، وقامت مصارف غربية بالعمليات البنكية المعقدة برائحتها الكريهة.

أكثر المراكز الإسلامية في أوروبا قام عليها نصَّابون ومحتالون ولصوص وإرهابيون طوال أربعة عقود، وتسللوا إلى مفاصل الدولة عن طريق السماء، فالدعوة أيضا يمكن أن تكون تمهيدا لمذبحة، وصلوات كثيرة تقام خلف إرهابيين.

باريس ستقوم من جديد رغم أنف الحقد والإرهاب ودعاة الخلافة الدينية وورثة الكراهية وحاملي بذرة البغضاء.

كنت أتمنى أن أقول: اليوم كلنا فرنسيون، لكننا أيضا روس ومصريون وليبيون وعراقيون وسوريون ولبنانيون وأكراد وفلسطينيون و ....

من يبكي على قطرة دم إنسان ويظن أن آخر تجري في عروقه مياه فقط، فبكاؤه إثم، وحزنه إفك.

باريس .. لافي آن روز، وأزهار الشر ستذبل وتموت ولو رواها مئة خليفة بودليري، وعشاقك ينتظرون افتتاح مسرح أو دارعرض أو معرض للكتاب أو دار نشر تزيد النور .. نوراً.

باريس.. رغم أن مدريد وأبوظبي وأثينا والكويت وجنيف ومسقط ولوكسمبورج والاسكندرية وأوسلو ودبي أقرب إلى قلبي منكِ، لكنني أعترف بأن فيكِ سحراً لمحبيك وكارهيك، ومن لم يغن لكِ ولو كان جاهلا بلغتك، فلا يعرف الحب ولا بيافه ولا ماتييه ولا موستاكيه ولا أزنافوره!

باريس تحترق في أخيلة مصاصي الدماء فقط، أما الذين تنبت الأوراق الخُضر في قلوبهم فلا يحل الشوك مكان الشوق فيها.

باريس .. رغم أنني عربي ومسلم أغضب عليكِ أحيانا وأغضب منك أحايين أخرى، إلا أنني أحزن إذا مَســَّـكِ أحدٌ بسوء أو مكروه أو خدش أو .. إيذاء!
باريس .. سامحيني فالارهاب مصنوع عندنا وعندكم، ولكِ الحق أن تغضبي علينا، ولنا الحق، بعد عودتكِ إلى أحضان السلام، أن نغضب منك.

باريس .. لا تفتحي ذراعيك مرة أخرى لمن يتطاير الشرر من أعينهم.
عزائي لكِ في أبريائك الذين أبهرهم سحرُك وقتلــَـهم سحرَتــُــكِ!

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير طائر الشمال
أوسلو في 15 نوفمبر 2015

22‏/10‏/2015

البرلمان لا تعني البرّ أمان!

البرلمان لا تعني البرّ أمان!

في كل العهود والعصور والأزمنة فإن صوت سيد القصر يعادل أصوات كل أبناء الشعب المصري في الانتخابات، فلا تقولوا لي،يرحمكم الله، بأن فلانا نجح أو رسب، ولكن السيد أراد أو.. لم يُرد.

سيد القصر لا يحتاج إلى ارسال رسالة بالبريد العادي أو العفريتي أو الذي عنده علم من الكتاب للابلاغ عن رضاه أو رفضه لأحد المرشحين.

هذا لا يعني أنني مع التصويت أو ضده، فالنتيجة لن تتغير والقصر يح...
دد مقاعد البرلمان، والاخوان والسلفيون والفلول والحرامية والبلطجية والمتخلفون والأميون سيعودون تحت قبة الحرم الديمقراطي لأن نظام الانتخابات التشريعية عقيم .. عقيم .. عقيم.

سيدخل البرهاميون والمباركيون والاخوان والرأسماليون غير الوطنيين وستأتي الموافقة من القصر والقضاء والجيش والأمن والأزهر والكنيسة.

صوتِّوا أو صوَّتوا، انتخبوا أو إنْ تخبــْــوا، اذهبوا إذ هبــّــوا، فكل اللصوص والمجرمين والمهربين وكلاب مبارك وداعشيو مصر وطائفيو أم الدنيا والمقطميون الذي يُصرّون على ( طــُــزّ في مصر ) لكم بالمرصاد بموافقتكم أو .. موافقة الأسياد.
المعضلة ليست في البرلمان فأعضاؤه أصفار متراصة، لكنها في أن مبارك الذي خرَّب الوطن عامدا متعمداً وأمامه اتهامات في مئة وتسعين ألف صفحة أدت به إلى البراءة سيعود رافعا رأسه وخافضا رؤوسنا وكاشفاً عوراتنا.
مرة أخرة، لا أدعو إلى التصويت أو المقاطعة لكنني أدعو إلى حب مصر وهذا يتناقض مع الاثنين: التصويت والمقاطعة!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 15 أكتوبر 2015

الذكاء مقاومة!


الانتفاضة مقاومة. العصيان المدني مقاومة. مقاطعة العدو الصهيوني مقاومة. فضح أباطيل الاحتلال مقاومة. رفض كل صور التعاون مقاومة. الطعن بالسكاكين هو غباء المظلوم!
أكبر خطأ يرتكبه الفلسطينيون عندما يفرحون بتصفيق الآخرين لهم، فليست كل الأكف صداقة، وبعض من يبعث تهنئة يقصد بها العزاء.
المقاومة الذكية هي التي لا تقوم باهداء العدو أصدقاء جدداً!
...
طائر الشمال
أوسلو في 19 أكتوبر 2015

لهذا امتنعت اليوم عن التصويت!


وأخيراً استراح ضميري في الانتخابات التشريعية فقد قضيت ثلاثة أيام أحاوره ويحاورني،وأحاول اقناعه أن صوتي قد يساهم في تراجع نجاحات قوىَ البغي والسطوة الدينية وفلول مبارك وبؤر الطائفية، فيأتيني في كل مرة بمئة دليل أن مبارك يجلس أو ينام في الصف الأول، وأن ياسر برهامي يرفع لنا إصبعه الوسطىَ وأن الفساد سيزداد وأن ما لم يتم نهبه في خمسة وثلاثين عاما سيتمكن البرلمان الجديد من جعله ذرات لا تراها العين المجردة.
انتخابات مخالفة للدستور والدولة المدنية واتفاق... ثلاثي أو رباعي أو سباعي يعيد كل من أفسد طوال ثلاثة عقود لينتقم من الشعب الذي ثار في 25 يناير 2011.
ألم يكن الحُكم بتبرئة مبارك ورجاله دعوة صريحة لهم بأن ينهشوا ما بقي من لحومنا؟
كلهم شحذوا أسلحتهم وأنيبوا أسنانهم واستعدوا لانهاء الوجود المصري من جذوره.
انتخابات يتوعدنا فيها مبارك بأن الأحذية التي رفعناها في وجهه ستعود لنلعقها بطعم الديمقراطية.
طائفية داعشية بغيضة تكره الوطن والآخر وشركاءنا والثورة والعلَمَ!
ترددت بين التصويت والمقاطعة، بين ضميري وضمائرهم، وتقدمت خطوات، وتراجعت خطوات، وصاح تاريخي صارخا في وجهي: كيف تقضي أربعين عاماً تناهض الفساد ثم تنتهي إلى الموافقة على عودة الجلاد السياسي و.. الجلاد الديني؟
وأخيرا حزمت وحسمت أمري، وأرتميت في أحضان قلمي وقررت أن لا أساهم في تزييف ورقة إعدام وطن، فالكلاب تعوي للعودة والانتقام من المصريين.
لست ساذجاً لأتصور أن نتيجة التصويت ستزيح مجرما واحدا ممن عادوا لتكملة حُكم مبارك.
وقررت أن لا أدلي بصوتي في مسرح اغتيال الوطن.
لم أدلِ بصوتي ليس مقاطعة للمرشحين، ولكن مقاطعة للعملية الانتخابية برمتها!
القضاء انتصر للمخلوع شعبياً.
الدولة انتصرت لعودة النظام.
الرئيس خالف الدستور وأعاد داعش المصرية التي ستمزق الوطن على أسس دينية.
الرئيس انحاز لمبارك ضد ثورة 25 يناير!
صوتي العزيز،
لا تخف، فلن أسمح لمتطرف أو طائفي أو فلولي أو فاسد أن يفرح بك.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 18 أكتوبر 2015

إعادةُ تصنيع الزمن الجميل!

لا يمكن أنْ تتحدث عنه علىَ أنه ماضٍ فقط، أو ذكريات مرَّت بك أو عليك، أو حنين جارف لفترات زمنية أو ابتلاع حبوب استمرار النضارة في الذهن والوجه والروح.
قد يكون حالة حب مع الماضي أو ندم لأنَّ الزمنَ لم يتوقف فجاء يرسم في كل يوم خطوطا جديدة، وتجاعيدَ غيرَ مرئية للوهلة الأولى، وأخدودات متناثرة كأن الوقت يسقط فيها، وحُفرًا في الذهن نسدّها بأوهامنا وخيالاتنا.

وقد يكون محاولات متكررة للعودة إلى الوراء هروبا من الحاضر وخشية من مستقبل ضبابه اكثر من وضوحه.
وفي كل الأحوال فهو إعادة تصنيع زمن على هوانا، وبث روح الحياة فيه، وحذف كل ما من شأنه أن يستدعي فترات مظلمة سقط أكثرها في الطريق من الطفولة ثم الشباب ثم الكهولة ليستمر خريف الزمن متوجها حثيثا نحو الشتاء الطويل والأخير.
عليك إذاً أن تعيد تلوينه، ووضع بصماتك الحالية عليه لئلا يصطحب معه أناساً ونغما وروائح وصداقات وصدامات وأفكاراً ومعتقدات وسلوكيات وأخطاءًا، فيتعلق بك كما كان، ويعيدك إلى كل الماضي قبل أن تسترده، كما تشاء أو كما تتمنى، إلى حاضرك.

كل الناس تتحدث عن الزمن الجميل، حتى الذي عاش البؤس في طفولته وباكورة شبابه، وأصبح الآن في رغد من العيش وسعة من المال وتفيض البهجة على جانبي يومياته، يُشعرك وهو يرسم أمامك بحكاياته ماضيه الأوهم، وزمنه الأقتم وغير السعيد.
الحـنين إلى الزمن الجميل غضب على الحاضر، ومحاولة لإذابة الحرمان، وقد يكون حالة تمرد على الذين يسرقون ممتلكاتنا الروحية ويستبدلون بها حاضراً مزيفاً أو مستقبلا غير واضحة معالمه.
مع قدرة الإنسان المعاصر على استخدام التكنولوجيا والصوتيات والتسجيلات والأفلام والصور ودخول الكمبيوتر كعامل مساعد في استدعاء كل الأزمنة في وقت واحد لزمن حاضر، تصبح المشاعر مستعدة لتغيير زمنها إلى أي وقت يظن المرء أنه كان جميلا، سواء تلك حقيقة أو خيال!
وتصنيع الزمن الجميل عبقريته في خداعنا أنفسنا، فنحن نختار ونحتار، ونربط أغنية جميلة بقريب أو حبيب أو أب أو أم أو حدث وطني أو شخصية تأثرنا بها أو مسجد أو كنيسة أو فترة شهدت روحانياتنا في قمة شبابها وأدائها ومتعتها.
وتصنيع الزمن الجميل ضروري لطرد القبح الذي نظن أنه هاجم حاضرنا ليمسح ماضينا، ولكن هل زمننا القبيح جميل لأحفادنا عندما يشاهدوه بعيونهم أو يستدعوه بخيالاتهم؟
 
وتصنيع الزمن الجميل يُشترَط فيه ترعرع مشاعر هائجة من الحنين والحرمان والتمرد، ثم القدرة على سد ثغرات كان المفترض أنها ولــَّــت، فإذا بها تقوم بزيارتنا بين ألفينة والأخرى فتتعبنا وتشجينا وترهقنا و.. تعذبنا.
وتصنيع الزمن الجميل أكثر سهولة لدىَ المغتربين لأن المقيمين يشهدون التغييرات البطيئة، وتعتاد عيونهم على الجمال القبيح عكس المهاجر الذي يحوّله ذهنــُــه إلى القبح الجميل.
لا أستطيع أن أنفي الزمن الجميلَ وإلا مسحت عن غير قصد أو عمد مشاهد لا حصر لها، كانت جميلة واختبأت خلف القبح.
قناعاتنا بالزمن الجميل عملية تطهير حاضرة لتبتهج النفس وتسعد الروح حتى لو اقــترضنا من طفولتنا وشبابنا وباكورته مشاهد نصفها حقيقي و.. النصف الآخر صناعة محلية داخل خلجات النفس المخادعة.

تصنيع الزمن الجميل يحتاج أيضا إلى عمليات تجميل لخيالات أشخاص، رحلوا أو هم يقاومون زمنهم الذي كان بين أيدينا فزعمنا أنه لا يرانا رغم أن تجاعيد وجوهنا ورقابنا تشهد بأننا كاذبون أو مخادعون لأنــفسنا خداعا جميلا!
تصنيع الزمن الجميل حالة يومية في أغنية أو ذكرى أو حُلم أو رائحة أو خيال غائب أو صوت أم يأتي من بعيد أو وجه أب يدلف للحظات ليطمئن علينا ثم يصعد مرة أخرى إلى السماء.
لو لم نصنع زمننا الجميل في كل يوم مئة مرة لكان دود الأرض قد التهمنا منذ وقت طويل. إنها عبقرية الحياة التي لا تفرِّق بين ماض في حديقة غنــَّـاء أو معتقل أو غربة أو حياة بائسة أو مرض مزمن أو فقر مدقع أو صداقة فاشلة، فكلها تنتهي بين أيدينا لنعيد صناعتها كما نهوىَ.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
 أوسلو النرويج

Taeralshmal@gmail.com

13‏/08‏/2015

رحــيــل ســوّاق الأتــوبــيــس!


لو تجسدت السينما المصرية رجلاً لكانته، ولو كان للفن السابع ثامن لكانه!
(سواق الأتوبيس) رسَم الانفتاحَ بكلِّ جَدَارة، واليدُ التي كانت تحرّكه اكتفتْ بالإشارة، فعاطفُ الطيب كان مخرجاً للنفس قبل الجسد، وانفجر الغضب في نهاية الفيلم كأنه الحلُّ رغم أنه ســَـبَّ ولعَنَ، فانطلقتْ الحنجرةُ مُذبذبة في قاهرة الألف مأذنة ضدّ الانفتاحيين الأوغاد: يا ولاد الكلب!
وفي (الصعاليك) لداود عبد السيد جسَّد نور الشريف ومحمود عبد العزيز مشهداً غير متكرر في السينما المصرية، فلصوص الميناء كادوا يمتلكونه، وعرضوا نصف أحلامهم بعدما تحولوا من الثلاث ورقات والهروب من ثمن وجبة في مطعم والبلطجة الفاشلة في البارات إلى أنصاف البارونات الذين يعرفون أنَّ المكان الأعلى محجوز مسبقا لكبار الكبار.
وفي (أهل القمة) كان زعتر النشــَّــال يعرف أنه لن يصل إلىَ الكبار، فلما وصل إليهم اكتشف أنه، أي النشــّـال، أكثر احتراما منهم، فالدولة كانت قد بدأت سباق النهب، وأضيف إليه التدين المالي، ولم يفهم ضابط الشرطة ( عزت العلايلي ) أن للنشالين قلوباً تنبض، وأن الحب يمكن أن يخترق بياضُه سوادَ الانفتاح، فأحب الفتاةَ الرقيقة ( سعاد حسني ) التي تعيش في بيت ضابط تكتشف عيناه النشال الصغير ولا ترى النهـَّـاب الكبير، فالأول يتحمل الشتائم والثاني يبدأ بالبسملة وتشهد علىَ تقواه زبيبة عهد السادات: من لم يغتنِ في عهدي، فلن يصبح غنياً أبداً.
كل مخرج كان يجد فيه شيئاً ليفضح نفاق المجتمع فعرف علي عبد الخالق كيف يوظف ابن تاجر المخدرات في كشف المجتمع المهلهل كله، من وكيل النيابة والطبيب النفسي والأب المثالي الذي يتاجر في المخدرات ويرفض معاقرة الخمر، ويده سخية مع الفقراء لكنه يسمم بها أبناء الوطن، فالبودرة كما تعلــَّـم ابنه، نور الشريف، منه نباتات خلقها الله ولم يحرّمها.

وعثر عليه السيناريست بشير الديك مخرج ( الطوفان ) و( سكة سفر ) فجعله في الأخير صورة طبق الأصل من المصري العائد من الخليج وبجعبته مبلغ يرفع قدْرَه في المجتمع، ولكن هناك ترانزستور على كتفه يجعل أبناء الحيّ يلتفون حول صاحبه، فالحلم يبدأ بالوجاهة المذياعية!
ويجذبه علي عبد الخالق مرة أخرى إلى واحد من أهم الأفلام المصرية ( الحقونا ) الذي وضع إصبعه على الحل، رغم أنه حل ديكتاتوري، أي اللجوء إلى ( الرئيس ) وهو يتوسل إليه في صورته المعلقة على الحائط فبيع الأعضاء في المستشفيات يمرّ بمئة فاسد، وليس هناك غير صاحب السلطة التنفيذية الوحيد، ولم تصل الرسالة طبعا، فمبارك لم يكن يعرف الشعب المصري، ولم يحس بآلامه ولم يشعر بأوجاعه.
أما (البحث عن سيد مرزوق) فهو تحدٍ للسلطة الأمنية وكشف غرورها وغطرستها، وظل الفيلم ممنوعا من العرض لمدة ست سنوات، وكان المواطن المجهول نور الشريف يعيش على هامش المجتمع، من العمل إلى البيت، ربما لا يعرف جيرانه أو زملاءه ولم يدخل قسم شرطة من قبل، فلما نسيَ يوم عمله واضطر لقضائه في الهواء الطلق، وعرف الناس، استفاق من أوهام المواطن المبني للمجهول.

أما (ضربة معلم) فهو في قناعاتي أحد أفضل الأفلام المصرية في القرن الفائت، وتفوق فيه عاطف الطيب على نور الشريف مرة في مشهد والآخر في مشهد تالٍ، وتبادلا عبقرية الفيلم الذي جمع المال والسياسة والجبن واخلاص الضابط الصغير( نور الشريف ) والضغط عليه من التيارات الدينية المالية، وفيه أيضا السلاح والرشوة والمحامي المتلاعب بكل القوانين والمستشار الذي يُبرّيء الفساد باشتراكه خفية مع قواه الظاهرة.

وفي (بئر الخيانة) قال الشاب العاطل والنصــّـاب ورب الأسرة الذي يرفض التطهر من عالم القذارة بعدما وقف مصادفة في طابور أمام السفارة الإسرائيلية في روما، وسُئــِـلَ عما يريد فردّ قائلا: أريد أن أعمل جاسوساً! وكأنه اطلق رصاصة الرحمة على المجتمع ورغب في كشف تمنياتهم المخبوئة داخل النفس الرخيصة: فالانفتاحيون كلهم يحترمون العدو، ولم تتح لهم الفرصة ليقفوا أمام سفارة تل أبيب في أي مكان للبحث عن عمل لدىَ الموساد.
أما في (آخر الرجال المحترمين) فقد صفعنا جميعاً عندما اختفت تلميذة في رحلة مدرسية وكان هو المدرس ذا الضمير اليقظ، والذي ينفق مرتبه الصغير في شراء كتب تثري العقل والروح معاً. ولم يفهم المدرسون ومن معه في الرحلة المدرسية قوله عن رد فعل نظيره الدانمركي لو حدث مثل هذا في كوبنهاجن، فالتحضر قيمة، والتبجيل للمعلم الذي نريد أن نقف له غير موجود بالمرة.

نور الشريف كان هو السينما المصرية، وكان يقرأ أفكار المخرجين الكبار قبل أن يقتربوا منه، ووصف في ( الغيرة القاتلة ) لعاطف الطيب المشاعر الشريرة وهي تتطاير من العيون وتكاد تخرج من الشاشة الفضية، وفي (حدوتة مصرية) اختصر المواطنة كلها في كلمات لا يكررها شاعر مرتين.
نور الشريف، رحمه الله، فنان في كل بيت، وصديق لكل عاشق للفن السابع، ونصف قرن من البلاتوه المصري، وعربي حتى النخاع، ولو لم تحمله مصر في قلوبها لحمله العرب في عيونهم.
متواضع ودمث الخُلق، ووحدة عربية في رجل، وثالث ثلاثة فقدها الفن بعد عُمر الشريف وأحمد زكي!

رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته، وجعل أعماله السينمائية فخراً لكل مصري وعربي ودرساً لكل من أراد أن يستخرج من السينما ما لم تعطه ثقافات أخرىَ.
نور الشريف، أنت في قلوبنا جميعاً.
وداعاً!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 11 أغسطس 2015    

08‏/07‏/2015

رســـالـــة عـــشـــق لـــمـــيـــدان!


ثورة 25 يناير هي الطــُـهر حتى لو تدنس جزء منه، وهي الفضيلة ولو خرج منها بعض العهر، وهي التمرد ضد الطاغية اللعين ولو انفصل عنها ( إحنا آسفين يا ريس )، وهي شباب ثار على ما صمت عليه آباؤهم، وهي روح وطن كادت تخرج منه جراء خرس جمعي لثلاثة عقود.

ثورة 25 يناير هي الأيام التي رفعنا فيها رؤوسنا، وتنفسنا الحياة الحرة، وأثبتنا للعالم أن أم الدنيا لا تلطم وجهها، إنما تصفع مستبديها.

ثورة 25 يناير هي الحب المصري الخالص الذي جعل رؤوساء وزعماء وثواراً ومفكرين ومثقفين في الدنيا بأسرها يقفون مشدوهين أمام بناة الأهرامات الجدد الذين افترشوا جوانب الدبابات، وتقاسموا الطعام، وتساوت الفتاة بالفتىَ، وارتعشت كلاب نهشت لحوم آبائهم لثلاثين عاماً، فجاء الأبناء يحملون مشاعل الحرية قبل سرقتها منهم.

ثورة 25 يناير لا علاقة لها باخوان أو عسكر أو شرطة أو فنانين أو إعلاميين، إلا قلة قليلة،فهي لحظات من التاريخ تكتبها السماء على الأ{ض.ثورة 25 يناير قدمت أغلى فلذات كبد الأم المصرية، ووعدهم الأب المصري أن يحافظ على دمائهم الـطاهرة، فلما رفعهم الله إليه لينهلوا من جنته ورحمته، انقلبنا عليهم وقلنا بأنهم متآمرون أو .. مسحورون بـمــتآمرين.

ثورة 25 يناير هي أيام رقص فيها أبناؤنا وشبابنا، وغنوا، وبأصواتهم الجميلة رفضوا في ألحانهم أن ( يمشوا قبل أنْ يمشي )، فكان لهم ما أرادوا.
ثورة 25 يناير مَدرسة تعلم فيها العالم لعدة أيام مختصر تاريخ خمسة آلاف عام، فجاء الأوغاد يمزقون الصفحات القليلة النظيفة و.. الطاهرة.

ثورة 25 يناير ستظل، حتى لو انفض عنها أكثر الثوار، أو كبروا، أو ترهلوا، أو تأخونوا، أو تطنطنوا، أو دخلوا في قفص السياسة العفن، فهم الدليل الوحيد الذي يثبت أن التحنيط لم يكن أبدياً، وأن وادي الملوك انتقل إلى ميدان التحرير بكل ذرة تراب فيه.

ثورة 25 يناير هي قصيدة غزل في أمة ووطن وشعب بعنصر واحد، لكن الأنذال جعلوها قصيدة هجاء أو ( أنا أو الفوضى!).

ثورة 25 يناير انصهرت فيها الكنيسة بالمسجد، وأصبح مينا خالداً وأضحى بشاي محمداً، ولم نعد نميز طوال عدة أيام بين جرس المسجد(!) وأذان الكنيسة (!).
ثورة 25 يناير انتصارُ غضب الأبناء على ترهل الآباء، وهي ثورة أو تظاهرة أو تمرد أو عفوية أو أي اسم آخر، لا يهم رونقه وصداه، لكنها وطن في ميدان، وبراعــم تتفتح على أرض ظلت لثلاثة عقود تمتص أحزانها ولا تشكو مواجعها، خوفا أو خشية أو جبنا أو عجزاً!

ثورة 25 يناير لم تكن مؤامرة كما كان يردد ببغاوات الإعلام، إنما كانت تصدياً لمؤامرات أو خدع أو مصائد.
يلعنونها، ويسلطون عليها مصــَّــاصي الدماء في ماسبيرو، ويحبسونها، ويسجنونها، ويعتقلون مفجــِّـريها في زنازين كانت محجوزة لمبارك وولديه وحبيب العادلي وأحمد نظيف وأحمد فتحي سرور وصفوت الشريف وأحمد عز وحسين سالم وكل لصوص وحيتان وشياطين العهد الأغبر!

ثورة 25 يناير ولو سرقوا كل جزء منها، واتهموها أنها مطبوخة في الغرب، ومصنوعة في واشنطون، ومعجونة في دول أخرى، ومحروسة من أعداء مصر، ستظل هي الرسالة السماوية بغير نبي، والكتب المقدسة في خيام الميدان.

أخرس اللهُ لاعنيها، وقطع ألسن مبغضيها، وغضب على الذين اتهموها ظلما وزورا وبغيا بغير حق، فالشرفاء منا ينايريون ولو احتضنهم يونيو و.. عانقهم يوليو!
ثورة 25 يناير كانت رسالة من السماء، قتل فيها الجهل والحقد والتشكيك مرسليها، واتهموهم بأنهم أعداء وطن رغم أن السماء لا ترسل للأرض أعداءها.
ثورة 25 يناير رغم أنف كل منــِّـا هي قلـْـبُ تاريخ وأحشاؤه وروحه وعبقريته وبراعمه وشهداؤه!

ثورة 25 يناير مغضوب عليها لأنها كشفت سوءاتنا وعوراتنا وضعفـَـنا ومهانتـَـنا وسكوننا وصمتنا، فقررنا وأدَها، وتركنا للسلطة الرابعة نهشها، وللسلطة القضائية كتمَ أنفاسِها، وللسلطة التنفيذية حرية اعطاء الضوء الأخضر لمغتصبي أبنائنا.
من كان لديه ذرة شك في قضية دافع عنها شهداؤنا فليبحث له عن أسياد ولصوص وأوغاد جُدد يُعيدون تعليمه مباديء العبودية.
قلبي مفعم بأجمل قصة حب في ميدان ارتفع لعنان السماء، فخسف به كلاب الطاغية الأرض.
لو غضب تسعون مليونا من المصريين على ثورة 25 يناير فيشرفني ويسعدني ويثلج صدري أن أكون العاشق الوحيدَ لها، تماما كما كتبت من قبل أنه لو اعترف 400 مليون عربي بالكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، وانتقلت جامعة الدول العربية إلى تل أبيب، فسأكون العدو الوحيد لكيان الاحتلال.

يا شهداء الميدان ومعتـَـقَلي الثورة، لن أنساكم ما حييت!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 7 يوليو 2015

لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...