13‏/08‏/2015

رحــيــل ســوّاق الأتــوبــيــس!


لو تجسدت السينما المصرية رجلاً لكانته، ولو كان للفن السابع ثامن لكانه!
(سواق الأتوبيس) رسَم الانفتاحَ بكلِّ جَدَارة، واليدُ التي كانت تحرّكه اكتفتْ بالإشارة، فعاطفُ الطيب كان مخرجاً للنفس قبل الجسد، وانفجر الغضب في نهاية الفيلم كأنه الحلُّ رغم أنه ســَـبَّ ولعَنَ، فانطلقتْ الحنجرةُ مُذبذبة في قاهرة الألف مأذنة ضدّ الانفتاحيين الأوغاد: يا ولاد الكلب!
وفي (الصعاليك) لداود عبد السيد جسَّد نور الشريف ومحمود عبد العزيز مشهداً غير متكرر في السينما المصرية، فلصوص الميناء كادوا يمتلكونه، وعرضوا نصف أحلامهم بعدما تحولوا من الثلاث ورقات والهروب من ثمن وجبة في مطعم والبلطجة الفاشلة في البارات إلى أنصاف البارونات الذين يعرفون أنَّ المكان الأعلى محجوز مسبقا لكبار الكبار.
وفي (أهل القمة) كان زعتر النشــَّــال يعرف أنه لن يصل إلىَ الكبار، فلما وصل إليهم اكتشف أنه، أي النشــّـال، أكثر احتراما منهم، فالدولة كانت قد بدأت سباق النهب، وأضيف إليه التدين المالي، ولم يفهم ضابط الشرطة ( عزت العلايلي ) أن للنشالين قلوباً تنبض، وأن الحب يمكن أن يخترق بياضُه سوادَ الانفتاح، فأحب الفتاةَ الرقيقة ( سعاد حسني ) التي تعيش في بيت ضابط تكتشف عيناه النشال الصغير ولا ترى النهـَّـاب الكبير، فالأول يتحمل الشتائم والثاني يبدأ بالبسملة وتشهد علىَ تقواه زبيبة عهد السادات: من لم يغتنِ في عهدي، فلن يصبح غنياً أبداً.
كل مخرج كان يجد فيه شيئاً ليفضح نفاق المجتمع فعرف علي عبد الخالق كيف يوظف ابن تاجر المخدرات في كشف المجتمع المهلهل كله، من وكيل النيابة والطبيب النفسي والأب المثالي الذي يتاجر في المخدرات ويرفض معاقرة الخمر، ويده سخية مع الفقراء لكنه يسمم بها أبناء الوطن، فالبودرة كما تعلــَّـم ابنه، نور الشريف، منه نباتات خلقها الله ولم يحرّمها.

وعثر عليه السيناريست بشير الديك مخرج ( الطوفان ) و( سكة سفر ) فجعله في الأخير صورة طبق الأصل من المصري العائد من الخليج وبجعبته مبلغ يرفع قدْرَه في المجتمع، ولكن هناك ترانزستور على كتفه يجعل أبناء الحيّ يلتفون حول صاحبه، فالحلم يبدأ بالوجاهة المذياعية!
ويجذبه علي عبد الخالق مرة أخرى إلى واحد من أهم الأفلام المصرية ( الحقونا ) الذي وضع إصبعه على الحل، رغم أنه حل ديكتاتوري، أي اللجوء إلى ( الرئيس ) وهو يتوسل إليه في صورته المعلقة على الحائط فبيع الأعضاء في المستشفيات يمرّ بمئة فاسد، وليس هناك غير صاحب السلطة التنفيذية الوحيد، ولم تصل الرسالة طبعا، فمبارك لم يكن يعرف الشعب المصري، ولم يحس بآلامه ولم يشعر بأوجاعه.
أما (البحث عن سيد مرزوق) فهو تحدٍ للسلطة الأمنية وكشف غرورها وغطرستها، وظل الفيلم ممنوعا من العرض لمدة ست سنوات، وكان المواطن المجهول نور الشريف يعيش على هامش المجتمع، من العمل إلى البيت، ربما لا يعرف جيرانه أو زملاءه ولم يدخل قسم شرطة من قبل، فلما نسيَ يوم عمله واضطر لقضائه في الهواء الطلق، وعرف الناس، استفاق من أوهام المواطن المبني للمجهول.

أما (ضربة معلم) فهو في قناعاتي أحد أفضل الأفلام المصرية في القرن الفائت، وتفوق فيه عاطف الطيب على نور الشريف مرة في مشهد والآخر في مشهد تالٍ، وتبادلا عبقرية الفيلم الذي جمع المال والسياسة والجبن واخلاص الضابط الصغير( نور الشريف ) والضغط عليه من التيارات الدينية المالية، وفيه أيضا السلاح والرشوة والمحامي المتلاعب بكل القوانين والمستشار الذي يُبرّيء الفساد باشتراكه خفية مع قواه الظاهرة.

وفي (بئر الخيانة) قال الشاب العاطل والنصــّـاب ورب الأسرة الذي يرفض التطهر من عالم القذارة بعدما وقف مصادفة في طابور أمام السفارة الإسرائيلية في روما، وسُئــِـلَ عما يريد فردّ قائلا: أريد أن أعمل جاسوساً! وكأنه اطلق رصاصة الرحمة على المجتمع ورغب في كشف تمنياتهم المخبوئة داخل النفس الرخيصة: فالانفتاحيون كلهم يحترمون العدو، ولم تتح لهم الفرصة ليقفوا أمام سفارة تل أبيب في أي مكان للبحث عن عمل لدىَ الموساد.
أما في (آخر الرجال المحترمين) فقد صفعنا جميعاً عندما اختفت تلميذة في رحلة مدرسية وكان هو المدرس ذا الضمير اليقظ، والذي ينفق مرتبه الصغير في شراء كتب تثري العقل والروح معاً. ولم يفهم المدرسون ومن معه في الرحلة المدرسية قوله عن رد فعل نظيره الدانمركي لو حدث مثل هذا في كوبنهاجن، فالتحضر قيمة، والتبجيل للمعلم الذي نريد أن نقف له غير موجود بالمرة.

نور الشريف كان هو السينما المصرية، وكان يقرأ أفكار المخرجين الكبار قبل أن يقتربوا منه، ووصف في ( الغيرة القاتلة ) لعاطف الطيب المشاعر الشريرة وهي تتطاير من العيون وتكاد تخرج من الشاشة الفضية، وفي (حدوتة مصرية) اختصر المواطنة كلها في كلمات لا يكررها شاعر مرتين.
نور الشريف، رحمه الله، فنان في كل بيت، وصديق لكل عاشق للفن السابع، ونصف قرن من البلاتوه المصري، وعربي حتى النخاع، ولو لم تحمله مصر في قلوبها لحمله العرب في عيونهم.
متواضع ودمث الخُلق، ووحدة عربية في رجل، وثالث ثلاثة فقدها الفن بعد عُمر الشريف وأحمد زكي!

رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته، وجعل أعماله السينمائية فخراً لكل مصري وعربي ودرساً لكل من أراد أن يستخرج من السينما ما لم تعطه ثقافات أخرىَ.
نور الشريف، أنت في قلوبنا جميعاً.
وداعاً!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 11 أغسطس 2015    

08‏/07‏/2015

رســـالـــة عـــشـــق لـــمـــيـــدان!


ثورة 25 يناير هي الطــُـهر حتى لو تدنس جزء منه، وهي الفضيلة ولو خرج منها بعض العهر، وهي التمرد ضد الطاغية اللعين ولو انفصل عنها ( إحنا آسفين يا ريس )، وهي شباب ثار على ما صمت عليه آباؤهم، وهي روح وطن كادت تخرج منه جراء خرس جمعي لثلاثة عقود.

ثورة 25 يناير هي الأيام التي رفعنا فيها رؤوسنا، وتنفسنا الحياة الحرة، وأثبتنا للعالم أن أم الدنيا لا تلطم وجهها، إنما تصفع مستبديها.

ثورة 25 يناير هي الحب المصري الخالص الذي جعل رؤوساء وزعماء وثواراً ومفكرين ومثقفين في الدنيا بأسرها يقفون مشدوهين أمام بناة الأهرامات الجدد الذين افترشوا جوانب الدبابات، وتقاسموا الطعام، وتساوت الفتاة بالفتىَ، وارتعشت كلاب نهشت لحوم آبائهم لثلاثين عاماً، فجاء الأبناء يحملون مشاعل الحرية قبل سرقتها منهم.

ثورة 25 يناير لا علاقة لها باخوان أو عسكر أو شرطة أو فنانين أو إعلاميين، إلا قلة قليلة،فهي لحظات من التاريخ تكتبها السماء على الأ{ض.ثورة 25 يناير قدمت أغلى فلذات كبد الأم المصرية، ووعدهم الأب المصري أن يحافظ على دمائهم الـطاهرة، فلما رفعهم الله إليه لينهلوا من جنته ورحمته، انقلبنا عليهم وقلنا بأنهم متآمرون أو .. مسحورون بـمــتآمرين.

ثورة 25 يناير هي أيام رقص فيها أبناؤنا وشبابنا، وغنوا، وبأصواتهم الجميلة رفضوا في ألحانهم أن ( يمشوا قبل أنْ يمشي )، فكان لهم ما أرادوا.
ثورة 25 يناير مَدرسة تعلم فيها العالم لعدة أيام مختصر تاريخ خمسة آلاف عام، فجاء الأوغاد يمزقون الصفحات القليلة النظيفة و.. الطاهرة.

ثورة 25 يناير ستظل، حتى لو انفض عنها أكثر الثوار، أو كبروا، أو ترهلوا، أو تأخونوا، أو تطنطنوا، أو دخلوا في قفص السياسة العفن، فهم الدليل الوحيد الذي يثبت أن التحنيط لم يكن أبدياً، وأن وادي الملوك انتقل إلى ميدان التحرير بكل ذرة تراب فيه.

ثورة 25 يناير هي قصيدة غزل في أمة ووطن وشعب بعنصر واحد، لكن الأنذال جعلوها قصيدة هجاء أو ( أنا أو الفوضى!).

ثورة 25 يناير انصهرت فيها الكنيسة بالمسجد، وأصبح مينا خالداً وأضحى بشاي محمداً، ولم نعد نميز طوال عدة أيام بين جرس المسجد(!) وأذان الكنيسة (!).
ثورة 25 يناير انتصارُ غضب الأبناء على ترهل الآباء، وهي ثورة أو تظاهرة أو تمرد أو عفوية أو أي اسم آخر، لا يهم رونقه وصداه، لكنها وطن في ميدان، وبراعــم تتفتح على أرض ظلت لثلاثة عقود تمتص أحزانها ولا تشكو مواجعها، خوفا أو خشية أو جبنا أو عجزاً!

ثورة 25 يناير لم تكن مؤامرة كما كان يردد ببغاوات الإعلام، إنما كانت تصدياً لمؤامرات أو خدع أو مصائد.
يلعنونها، ويسلطون عليها مصــَّــاصي الدماء في ماسبيرو، ويحبسونها، ويسجنونها، ويعتقلون مفجــِّـريها في زنازين كانت محجوزة لمبارك وولديه وحبيب العادلي وأحمد نظيف وأحمد فتحي سرور وصفوت الشريف وأحمد عز وحسين سالم وكل لصوص وحيتان وشياطين العهد الأغبر!

ثورة 25 يناير ولو سرقوا كل جزء منها، واتهموها أنها مطبوخة في الغرب، ومصنوعة في واشنطون، ومعجونة في دول أخرى، ومحروسة من أعداء مصر، ستظل هي الرسالة السماوية بغير نبي، والكتب المقدسة في خيام الميدان.

أخرس اللهُ لاعنيها، وقطع ألسن مبغضيها، وغضب على الذين اتهموها ظلما وزورا وبغيا بغير حق، فالشرفاء منا ينايريون ولو احتضنهم يونيو و.. عانقهم يوليو!
ثورة 25 يناير كانت رسالة من السماء، قتل فيها الجهل والحقد والتشكيك مرسليها، واتهموهم بأنهم أعداء وطن رغم أن السماء لا ترسل للأرض أعداءها.
ثورة 25 يناير رغم أنف كل منــِّـا هي قلـْـبُ تاريخ وأحشاؤه وروحه وعبقريته وبراعمه وشهداؤه!

ثورة 25 يناير مغضوب عليها لأنها كشفت سوءاتنا وعوراتنا وضعفـَـنا ومهانتـَـنا وسكوننا وصمتنا، فقررنا وأدَها، وتركنا للسلطة الرابعة نهشها، وللسلطة القضائية كتمَ أنفاسِها، وللسلطة التنفيذية حرية اعطاء الضوء الأخضر لمغتصبي أبنائنا.
من كان لديه ذرة شك في قضية دافع عنها شهداؤنا فليبحث له عن أسياد ولصوص وأوغاد جُدد يُعيدون تعليمه مباديء العبودية.
قلبي مفعم بأجمل قصة حب في ميدان ارتفع لعنان السماء، فخسف به كلاب الطاغية الأرض.
لو غضب تسعون مليونا من المصريين على ثورة 25 يناير فيشرفني ويسعدني ويثلج صدري أن أكون العاشق الوحيدَ لها، تماما كما كتبت من قبل أنه لو اعترف 400 مليون عربي بالكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، وانتقلت جامعة الدول العربية إلى تل أبيب، فسأكون العدو الوحيد لكيان الاحتلال.

يا شهداء الميدان ومعتـَـقَلي الثورة، لن أنساكم ما حييت!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 7 يوليو 2015

26‏/04‏/2015

مراجعة مؤقتة لموقفي من الأردن!


المفترض في الكاتب عدم التراجع عن موقف مبدئي لأن القراء سيخلطون قطعا ما بين التراجع والمراجعة مما يترك أثراً سلبيا ، ويجعل المتابعين لكتاباته يتوقعون أن يُغــيـر أقواله كما يفعل شهود الزور في المحاكم أو.. أقسام الشرطة!
ليس بيني وبين الحُكم الهاشمي أيُّ مودة، ولعل السبب يعود إلــى تخوفاتي من العلاقات السرية والجهرية بين الهاشميين والإسرائيليين، أو لعلها تعود إلــى توجس الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كلما تابع مواقف الحُكم في عــَــمـَّــان .
كنت أظن، وبعض الظن ليس إثماً، أن حضور ملك أردني مؤتمر قمة عربي يعني أن تل أبيب ستعرف ما دار فيه فور البيان الختامي أو.. حتــَّــىَ قبله.
وكان أيضا التحالف الهاشمي مع صدام حسين في أحلامه وأوهامه وتطلعاته وديكتاتوريته حجر عثرة في تليين موقفي من الملك الأردني .. الحسين بن طلال، رحمه الله، خاصة أنه ورث عن جده، ثم عن أبيه توجسات ومخاوف عربية، وكان سبتمبر الأسود غصة في حلق المواطن العربي، ووجعا في قلب عبد الناصر، وآلاما في صدور نصف أبناء المملكة من أصول فلسطينية.
وكانت المخابرات الأردنية قادرة على معرفة عدد أسنان كل كاتب وصحفي وإعلامي ومعارض يخط حرفا في صحيفة مجهولة لا يقرأها إلا محرروها بعيداً عن المملكة وأصدقائها، فكأن حزب البعث العربي الاشتراكي، بفرعيه البغدادي والدمشقي، قد انتقل إلــى سجون الأردن ليــُــعــَــلــِّـم استخباراتها كيفية إكرام المواطن!
ثم جاء الملك عبد الله بن الحسين، وكانت الصورة أفضل من سابقاتها الثلاث: عبد الله، وطلال، والحسين، لكنها لم ترق إلى درجة التربية البريطانية في القصر!
وجاء موقف أردني مبدئي أثار اهتمامي، مراجعة وليس تراجعاً، فالأردن هو الدولة العربية الوحيدة التي لم أفكر في زيارتها قط، ولن أفكر في المستقبل، رغم لقاءاتي الكثيرة طوال أربعة عقود مع أردنيين يمثلون دماثة الخُلق والأدب والثقافة والمعرفة.
الموقف هو استضافة الأردن لمئات الآلاف من السوريين والعراقيين والفلسطينيين واليمنيين، وتحمل الأردنيون ما يثقل كاهل كل الدول الأوروبية الثرية، ولو كان بعضها لبعض ظهيرا بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية.
وفتح أبناء الشعب الأردني بيوتهم المتواضعة والبسيطة، وتقاسموا مع الضيوف الطعام والشراب والسكن والعمل وكل الخدمات، كهرباء، صرف صحي، حدائق، مدارس، جامعات، مستشفيات، دواء، دعم حكومي، طرق، وكان الضيوف على الرحب والسعة دون تحديد زمن أقصى للضيافة.
موقف أردني، ملكي وحكومي وشعبي، مــُـشرّف وكريم، وكان الحـِـمــْـلُ الأكبر على كاهل أجهزة الاستخبارات الأردنية ( التي ذكرت أنني لا أحمل لــهــا أي ودٍّ أو تعاطف )، أما الآن فعليها مراقبة الصغير والكبير والإرهابي والداعشي والبعثي والجاسوس والمتعاون والمتطرف والموالي للأقربين والأبعدين.
موقف أردني رائع ويستحق دعماً ماليا من الشرق والغرب، من رجال الأعمال والمغتربين، فالأردن لا يستطيع أن يستمر في تحمل تبعات التهجير والحروب والداعشيين، فينفق ويستضيف ويعالج ويُسكـِـن ويضاعف فقر دولة ليس لديها مصادر دخل إلا من أبنائها.
الموقف الثاني هو اعجابي الشديد والمدهش والمفاجيء لوجود مسؤول عربي خرج من بطن أمه منذ عشرين عاما فقط، ويتحدث ويقرأ اللغة العربية كأنه رضع المعلقات في طفولته، وتعلــَّـم قواعد اللغة العربية في بيت عائلة تحتل لغة شكسبير المقام الأول قبل المتنبي!
شاب صغير، الأمير الحسين بن عبد الله، ينطق ضادَنا كما لم يعرفها أي زعيم أو أمير أو رئيس أو ملك عربي ( باستثناء أحمد الشقيري وحافظ الأسد).
مخارج حروفها، وتشكيل كلماتها يؤذن بعودة الروح إلى لغة القصر، رغم الكراهية التاريخية بين أي قصر عربي وبين .. لغة أهل الجنة!
مراجعة لا تراجع، وتمنيات بأن نقف جميعاً مع الموقف الأردني العظيم من أهلنا اللاجئين الذين احتلوا كل شبر من المملكة الأردنية، برغبة مضيفيهم ، ولم تبهت ابتسامة الأردني، ملكا أو مواطنا، فالبيت بيت المساكين ولو كان يسكنه الأمراء.
تحية قلبية لكل عائلة أردنية استضافت عراقيين أو سوريين أو يمنيين ، وتقاسمت معهم خبز الفقراء، وضاــقت عليهم الأرض، لكن الرضا والقناعة والكرم كانت أرحب وأوسع وأسمى لاحتضان الغرباء من أبناء أمة عربية مقسمة، يأكل كل من هب ودب قطعة منها.
نعم! للسياســة الأردنية ألف وجه قبيح على مدى ثلاثة ملوك، ونصف وجه جميل لعبد الله بن الحسين، وربما، والله أعلم، وجه مشرق وعادل ومتواضع وجميل للأمير الصغير، الحسين بن عبد الله، عندما يصبح ملكاً.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 25 ابريل 2015 

24‏/04‏/2015

إذا كنتم تحبون مصرَ فقاطعوا صحافتهــا!

 
لم يعد الأمر مقبولا في أي صورة من وجوهه القبيحة، فقد خرجت علينا صحافة غوغائية يقودها صحفيون هواة، يجلسون أمام أجهزة لابتوب، ويلتقطون من الفيسبوك والتويتر فبركات، فيعيدون صياغتــَـها في تعبيرات أكثر حماقة، ولغة سقيمة يخجل منها المعجمُ، وأخطاء كأن أصحابــَـها هجروا الكتابَ بعد نزولهم من بطون أمهاتهم!
أشعر بغثيان لدى مطالعتي أكثر وأغلب الصحف المصرية الالكترونية، وتكاد دموعي تسقط على وجهي حزنا على صحافة بلدي، ولا يخالجني شكٌّ أنني لو زرت غرزةً لتعاطي المخدرات فستلتقط أذناي لغة أكثر رُقيـــّـا وتحضرا وتمَــدُّنــا وصدقا من لغة الصحافة الالكترونية المصرية.
 
لا تكاد مصانع فبركة الخبر وتحبيشه بصور فوتوشوب تنشره حتى تهاجم عيونــَــنا آلافٌ من النسخ التي يــُــقسم أصحابــُــها أنها تنزيلٌ من التنزيل موثــَّــقٌ بعمالقة السطر!
وعندما نشروا منذ عدة أيام خبرَ وفاة الفنان عادل إمام، تناقل الخبرَ الكاذبَ من مصدر واحدٍ مليونا قاريء دون التحقق من صحته، لذا فأيُّ جاهل يستطيع أنْ يجلس فوق سطح بيته، ويراقب غيــّـة الحـَـمــَـام أو عشَّ الدجاج أو دِشَّ الجيران، ثم يبث خبراً من نسج خياله المريض، ويصبح الخبرُ السطحيُّ( من السطح ومن السطحية ) عاجلا يتطاير من لسان إلى آخر كما يتطاير غبار بركان تشيلي في الهواء.
أي انتصار أو إنجاز تحققه مصر يتحول بفضل الصحافة إلـــــى هزيمة إعلامية ولغوية وموضوعية وعقلية، فقد تركنا أمورَنا كلــَّــها بين أيدي محتالين ومفبركين ولصوص الكلمة وناقلي خيالات ضــِـعاف النفوس!
إنَّ مقاطعتنا للصحافة المصرية هي أسمىَ رسالة حب نقدمها لمصر ولشعبنا، لعل القائمين عليها ينسحبون واحدا إثر الآخر، وتعود كما كانت تنشر الثمين والسمين والدسم والمفيد والصحيح، حتى لو دخلتْ عليها بين ألفينة والأخرىَ أكاذيبٌ من لمــَـمِ القول و.. صغائر الإفــك!
لا يدفعنكم الفضول إلى الاستمرار في دعمها بالمطالعة، ونقل أخبار عنها، والتعليق عليها، حتى يعود القائمون عليها إلى رُشدهم، فهي حرب داخلية يقودها أميــّـو النــِـتّ، ومُلمعو السلطات والأحزاب والمذاهب والأشخاص!
قاطعوها لتتطهروا!
قاطعوها لتبعثوا رسائل حب إلـىَ أم الدنيا!
قاطعوها فهي وباء يصيب مــَـواطن الجمال والعقل والفكر والمعلومة فينا!
قاطعوها فهي تزعم مصريتــَـها، وتنفخ في الفساد!
قاطعوها فهي فوسفات النيل المدمّر، وهي صانعة الطغاة لسنوات طويلة، وكلما غادر سيــّـدٌّ القـَـصر، أتت بســيــّـدٍ جديد يقف علىَ كتفيها!
قاطعوها لترضىَ السماءُ عنكم!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 24 ابريل 2015

20‏/04‏/2015

اضحك فرئيسك يبتسم!


في عالمنا العربي الكبير الممتد من جزيرة طنب الكبرى شرقاً إلى جزيرة ليلى غرباً، ومن لواء الإسكندرونة شمالاً إلى ميناء القراصنة جنوباً لا يستطيع مرؤوس صغير أن يحرك فكيه قبل أن يبتسم رئيسه، ولا يمتنع عن الضحك إذا ألقى رئيسه نكتة سخيفة ، أو مزحة باهتة.

الناس على دين ملوكهم، والشفاه تتحرك حسبماً يتسع أو يضيق فكــَّـا الزعيم، والظهر ينحني، والركبتان تصطحكان، واليدان ترتعشان، ورغم أن عقد العمل بين السيد والخادم لا يشير إلى هذه الشروط، إلا أن العُرف أقوى من الوثيقة، وقراءة حُلم الرئيس واجب على المرؤوس، وتحقيق رغباته هي المادة الأولى، وإذا لم يُشر إليها أحد، فعلى الخادم أن يبين للمخدوم انحناءات الجسد ، ومواطن الضعف فيه.
راقب بتأمل حواراً بين رئيس ومرؤوس في العمل أو المدرسة أو الكلية أو المستشفى أو المصنع أو القصر أو المؤسسة وستصيبك دهشة عجيبة، فالتماثل يبدو كتقليد لا يستطيع أحد أن يغير فيه طرفة عين، فإذا ضحك الوزير فإن مساعديه ورجاله ووكيل الوزارة والحراس وكل من أتعسه أو أسعده الحظ ووقف على مقربة من معاليه ينبغي له نسخ تعابير وجه الوزير، ثم يحرك رأسه علامة الموافقة حتى لو لم يسمع كلمة واحدة، وأن يلتفت يمينا ويســاراً ليرى مجاوروه أن بذرة الطاعة لم تتركه، وأن العبودية المختارة أضحت واجباً عقدياً يقوم بحمايته من الطرد أو .. التفنيش.
عندما يخطيء السيد، يتبرع كل الذين حوله بالدفاع الطوعي عنه، بل إن بعضهم يحمّـــل نفسه تبعة ما حدث، ويلومها، ويتألم لذنب لم يرتبكه، وجريمة لم يعرف عنها شيئاً من قبل.
العبد لا يختار عبوديته قبل أن يشير السيد إليه، ولكن ماذا لو لم يُشر السيد بكرباجه أو سطوته أو رجاله أو مركزه أو منصبه؟
قضية معقده ظاهرياً، لكنها في عمقها مازوخية الإذلال، وجين يضرب في عُمق النفس غير السوية، فأكثر المرؤوسيين يحملون بين جنباتهم فلسفة ( إحنا أسفين يا ريــس) ، حتى لو كان الرئيس أو الزعيم أو الطاغية أو الملك أو الأمير أو الشيخ أو الدرويش أو السجان!
قال لي ضابط شرطة في عهد مبارك، وكنت قد دعوته على الغداء في بيتي في أوسلو، بأنه ضرب أحد المتهمين ، فجاءه المتهم مرة أخرى في نفس اليوم طالباً منه أن يكرر صفعه وركله وإيذاءه لأنه يشعر أن هذا شرف له!
قليلا ما أشاهد ابتسامة موظف لا تتماثل مع نظيرتها لدى المدير أو الرئيس أو صاحب العمل، فهناك رباط مقدس من العبودية والخوف والجبــن وضرورة الحفاظ على مصدر الرزق ، فكل مرؤوس هو الشعب، وكل رئيس هو السيد.
الابتسامة الباهتة الصادرة من عُمق النفاق هي سمة بارزة في كل مؤسسات الدولة بالعالم الثالث، فالسوط ليس بالضرورة حاضراً، وتكفي الإشارة إليه. والمسكنة من المرؤوس نوع من الحماية، خاصة إذا تكاثر الأسياد، وأضطروا لتقسيم العبيد!
الرعية لاتعطي قفاهاً مرغمة في كل الأوقات، والسيد لا يهوي بسوطه فوق ظهرها مرغماً، ففي الحالتين يختلط المازوخي بالسادي لكي يعيش الاثنان!


محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو   النرويج
 
 

19‏/04‏/2015

الصراخ وحده لا يكفي!


طاغيةُ مصر المخلوع  تمكـَّـن من صناعة سياسة الأصَم المُبتسم بعد تطبيقها طوال ثلاثة عقود، وورِثها عنه كلُّ من أتىَ من بعده!
يمكنك أنْ تصرخ، وتشجّ رأسَك في الحائط، وتبكي، وتنهار، وتلعق أحذيةَ الكبار لكي يستجبوا لك، لكن لن يعطيك أحَدٌ أذُنــَـه، فالاستجابة للمواطن تمنح المسؤولَ إحساساً بالدونية!
كانت تلك سياسات أكثر المسؤولين في مصر علىَ مدىَ سنوات طويلة، كأنها إتفاق ضمني بأنْ لا تسمعني ولا أسمعك، يهين وزير الثقافة إحدى موظفاته بطريقة متخلفة يعرف المتأمل فيها أن الثقافة تنحدر في عصره، ولا يرفع رئيس الوزراء أو الرئيس سماعة الهاتف ليعاتبه. تتحول الاسكندرية إلى مجرى لمياه الصرف الصحي، وتصل صرخات الناس إلى السماء العلا، لكنها لا تقترب من القصر. تتحدث مصر كلها عن اكتشاف القرن الذي قدَّمه لواء دكتور بطريقة فجــَّـة شوارعية كأنه يبيع سندويتشات كبدة ملوثة أمام مدرسة ابتدائية، فلا يتلقىَ عتاباً واحداً علىَ بيع الوهم، ولا يسمع القصرُ استغاثات العلماء والمكتشفين والأطباء والمؤسسات الصحية، فالدولة تــُـدار بطريقة  لا تسمعني و .. لا أسمعك!

منهجية إختيار المذيعين والمذيعات في القنوات التلفزيونية المصرية لم تتغير قيْدَ شــَـعْرة لسنوات طويلة، وكلما غادر سيــّـدٌ القصرَ ومشىَ علىَ السجاد الأحمر سيـّـدٌ جديد، احتفظ اللاحقُ بسياسة السابقِ في سـَـدِّ الأذُن، والاستمرار في جعل أكثر مُقدمي البرامج والنشرات والحوارات والضيافات من المُعاقين ذهنياً، والمتخلفين تعبيرياً، والأميـّـين معلوماتياً، والكارهين للغة العربية وقواعدها ونحوها وصرفها و.. جمالها.
لذا فأنت تصرخ، وتُغرق دموعُكَ وادي النيل، وترسل شكاوىَ، ويقرأها علىَ المشاهدين مُقدِّمو بعض البرامج في القنوات الخاصة، لكن الكبارَ أكبر من أنْ يُنصتوا للصغار،  والخطأ والجُرم والخطيئة والتدمير والهدم والجهل كلها أشياء لا يُعاقـِـب عليها القانون، ولا يكترث لها القضاءُ، إلا قليلا، ولا تقترب من باب القصر أو رئاسة مجلس الوزراء فهي علاقة قائمة علــىَ انطح برأسك حائطاً، فأسيادُنا وضعوا أصابعَـهم في آذانهم!
التحضر والتقدم والتطور والنهضة لا تقترب من دولة قبل وضع  سيخ في طبلة أذن المسؤول لتسليكها أو تنظيفها أو تطهيرها، وسكان القصر لا يُطلــّـون علىَ قاطني الكوخ، وثلاثون مليوناً شهدوا علىَ جرائم مبارك لثلاثين عاماً، لكن القضاة لم تصل إلى أسماعهم جريمة واحدة، فحوار الصم والبكم والعمي ضرب في جذور التربة المصرية ولا تخلعه عواصف الدنيا و..زلازلـُـها!
دموعُ الحُزن تفيض، ويغرق فيها المصريون، لكن الكبارَ غيرُ عابئين أو مكترثين أو مهتــَّـمين لأنهم لم يبحثوا بعد عن الشعب!

17‏/04‏/2015

عبثية الحُكم على السلطة وتبرئة المال!

 
المال والسلطة لهما شراسة لا قبل للمجتمع بمواجهتها ما لم يفصلهما عدل أو ثورة أو نزع الجذور مهما ضربت في الأعماق.
لذا فلو ألقيت ديكتاتوراً في بئر لا قرار له، أو حبسته في زنزانة معزولة حبساً انفرادياً، ولم تصادر أمواله، فكأنك لم تمسه أو تلمسه أو تُطهر البلد منه ومن تأثيره وسطوته!
مطرقة القاضي التي تعلن النطق بالحكم على طاغية ، ويغض القضاء الطرف عن أمواله الطائلة هي حالة من الشيزوفرانيا التي تحتضن الشعب من الأمام، وتصفعه على قفاه من الخلف!
هكذا انتصر فساد حسني مبارك ورجاله وولديه، فهو بملياراته المنهوبة من الشعب يستطيع لو وضع حارس الزنزانة على بابه مئة قفل، أن يحرك أمواله بخفة لص محترف، ويشتري الناس والقضاة والمحامين والإعلاميين والحزبيين والغوغاء ورجال الدين ، بل يمكنه أن يجعل مؤيديه ومريديه يفسرون الكتب المقدسة حسبما يهوى ، وكيفما يريد!
فصل التوأمين، الطاغية والمال، تعني أن الحُكم أصبح هشاً، وأن المتهم تلقى قبلة من العدالة بعد الحكم عليه، لذا فإن الذين اتفقوا على تنازل علي عبد الله صالح عن السلطة بعد 33 عاما من الاستبداد والسرقة والنهب ، كانوا يعلمون أن الرئيس الجديد مولود من رحم القديم، وأن السابق هو الحاضر مع تغيير طفيف، وأن أموال الذي غادر باب القصر ستعيده من النافذة، تحت أي مسمى آخر، فالفساد يصنع المال، والمال يقوم بحمايته لاحقاً.
ساذج من يتصور مقاومة ضمير الإعلامي والقاضي والمحامي والسياسي لرشوة بمليون أو عدة ملايين من الدولارات، فالملياردير اللص يضاعف أمواله في الحبس وفي القصر بنفس القدر، ويبحث عن ضمير الأمة ليشتريه أو يأتيه الضمير بائعاً نفسه دون أن يكلفه عناء القيام من مقعده أو حتى يحرك مؤخرته يمينا وشمالاً!
أي ثورة تقوم ضد ديكتاتور ومستبد وطاغية وسفاح ، فتطيح به، لكنها تتركه يحرك الأموال المنهوبة، كالذي يقبض على قاتل ولكن يسمح له بالاحتفاظ بأدوات القتل، بل واستخدامها في شراء الذمم وتغيير الشهادات أو تزويرها أو الإتيان بشهود زور من إنس أو جان أو .. تعاليم الأنبياء.
حسني مبارك حُكم عليه بالاستمرار في السلطة فور الامتناع عن المساس بأمواله، بل سمح له المشير طنطاوي أن يأخذ راحة اللصوص في شرم الشيخ لإعادة ترتيب المسروقات عدة أشهر، ثم تركوا امرأته في الخارج تتولى هي حماية مليارات منهوبة من جائعين.
علي عبد الله صالح ظل بعد الاتفاق مسيطراً على الدولة التي طردته من السلطة، وبين يديه مليارات، وشعبه الطيب المسكين لا يعرف غير الفقر والمرض والشعر والقات، حتى أنه كان يقوم بزيارات رسمية لمؤسسات الدولة، ويدخل متحفاً باسمه ليشهد على استمرار حُكمه مع وجود الرئيس هادي، ويشتري السلاح والقبائل ويدرب رجال ابنه والميليشيات.
الطاغية لا ينخلع عن عرشه إلا إذا قطعت يده التي تمسك المال المنهوب، وأنهيت قدرته على سحب قرش واحد من أي مصرف، وخشيت التزام الصمت مع تأجيل الأحكام لئلا تعيد إليك مصارف لم تعرف اسمها، أموال الشعب التي تظل في موضعها لا تبرحه حتى يعلن القضاء حُكمه النهائي.
من يطيح بسلطة ويترك في حساباتها أموال الشعب، كمن يطرد ذئباً من أمام قطيع حملان، ويتركه خلفها!
الطغاة لا يبحثون عن مرتزقة، ولكن المرتزقة يشمون بأنوف مدربة رائحة المال ولو على مسافة ألف ميل فوق الأرض أو ألف فرسخ تحت الماء أو ألف من إحنا أسفين يا ريس يرفعون أيديهم إلى سماء القاهرة أو صنعاء أو تكريت أو حلب، ولو علموا أن العقيد حيٌّ لملئوا سماء الصحراء الليبية بأدعيتهم وبكائهم على رسول الصحراء.
القضاء يصدر أحكامه على المجرمين والمستبدين وفقاً لسعة جيوبهم!
 
 
 
 



لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة!

  لهذا لم أعُدْ أحب حِجابَ المرأة! كنتُ فرحا به منذ نصف قرن؛ فقد كان جزءًا من الحرية الفردية للمرأة، فلا تغطي شعرَها إلا واحد بالمئة من نساء...